← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 863

اثر عمل القلب على عبادة الصلاة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (109 стр.). Показаны 71–109 · переход к 76.

стр. 71

وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وتدبر القرآن الكريم الذي هو الحكمة من نزوله يعنى: التفكر في آياته، وفهمها والتأمل في معانيها (١) بتكرار ذلك، وإقامة حروفه وحدوده بالعمل به (٢)، واستحضار عظمة قائله، وتدبره هو الذي يثمر في القلب ثمرته، فينزل في القلب أثره، فينفع صاحبه، كما يقول ابن مسعود ﵁ (٣). إنه الكتاب العظيم الكريم الذي قال الله عنه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠]. ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤]. وقال تعالى في بيان آثاره العظيمة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢].

стр. 72

وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. وقال تعالى عن أثر القرآن على المؤمنين: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩].

стр. 73

وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وفي نهاية هذا المطلب أذكر نفسي وأخواني الأئمة الفضلاء وهم يصلون بالناس ويسمعونهم القرآن في كل يوم في الصلوات الجهرية، أن يحرصوا -في أنفسهم- على تدبر الآيات التي يتلونها على المأمومين، وأن يذكروا أنفسهم ومن خلفهم بالله من خلال آيات القرآن كما قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ق: ٤٥، وقال تعالى عنه: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الأعراف: ٢ وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذاريات: ٥٥، وعلى رأس الذكرى القرآن العظيم، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ الأعلى: ٩ - ١٠ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يس: ١١

стр. 74

المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة الركوع، وفيه مسائل . المسألة الأولى: الركوع من أعظم أركان الصلاة: وهو من أعظم المواقف في الصلاة بدليل أن الله يذكره ويريد به الصلاة كاملة لأهميته واعتباره من أعظم أركان الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]. وعبر عن الصلاة بجزء منها، وهو الركوع، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها، فهو من باب التعبير بالجزء عن الكل (١). قال ابن رجب ﵀: "الركوع، وهو ذل بظاهر الجسد، ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، حتى بايع بعضهم النبي ﷺ على أن لا يخر إلا قائماً يعني: أن يسجد من غير ركوع. كذا فسره الإمام أحمد رحمه الله تعالى والمحققون من العلماء. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. وتمام الخضوع في الركوع: أن يخضع القلب لله ويذل له، فيتم بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله " (٢).

стр. 75

المسألة الثانية: تعظيم الرب في الركوع: قال ﷺ : " .. فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ .. " (١)، ومعنى ذلك: وذلك بأن يقول في ركوعه سبحان العظيم، كما ذكر حذيفة عن ﷺ ، فقال ﵁: ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» (٢). ويكرر في كل ركعة في صلاته (سبحان ربي العظيم) على الأقل ثلاث مرات، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول إذَا رَكَعَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٣). وقال الترمذي ﵀: "والعمل على هذا عند أهل العلم: يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، وروي عن ابن المبارك أنه قال: «أستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات لكي يدرك من خلفه ثلاث تسبيحات»، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم" (٤). المسألة الثالثة: من أذكار الركوع: ذكر الشيخ الألباني ﵀ في صفة صلاة النبي ﷺ أذكار الركوع ومنها: " سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات) وكان - أحياناً - يكررها أكثر من ذلك" (٥). " (مسلم وأبو عوانة) " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ". (البخاري ومسلم) "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ).

стр. 76

(مسلم وأبو عوانة والطحاوي والدارقطني) «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، أَنْتَ رَبِّي، خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَدَمِي وَلَحْمِي، وَعَظْمِي وَعَصَبِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالِمِينَ». (أبو داود والنسائي بسند صحيح) «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، وهذا قاله في صلاة الليل" (١). المسألة الرابعة: أثر عمل القلب على ما يقوله في الرفع من الركوع . ثم يرفع من الركوع إن كان إماماً ومنفرداً قائلاً: (سمع الله لمن حمده)، ويقول الجميع بعد الرفع من الركوع: (ربنا ولك الحمد) وهذا هو الواجب فإن زاد كل منهم بعد ذلك فحسن: (حمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ) وإن زادوا فكذلك فقد ورد به النص (مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ). وقد جاءت بذلك النصوص: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٢). وعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: " كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ "، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» (٣). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: " رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ

стр. 77

وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ " (١). وهذه الأذكار إذا قالها المصلي بقلب حاضر متدبر يدرك معاني ما يقول أحدثت أثرها في قلبه تعظيماً وإجلالاً لله تعالى، واستشعر بقلبه عظيم نعم الله المحيطة به، فهو يحمد الله على هذا النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ النحل: ٥٣. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النحل: ١٨. ويتذكر قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ إبراهيم: ٧. المسألة الخامسة: أثر عمل القلب في عبادة الركوع: قال ﷺ : " .. فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ .. "، فتعظيم الرب في الركوع عمل قلبي تشترك فيه الجوارح، فإذا نطق اللسان بقول: سبحان ربي العظيم، وركع المؤمن بجسده معظماً لله، وحضر القلب، وعلم العبد معاني ما يقوله في ركوعه، وفرغ قلبه لله من الانشعال بغيره وهو في هذا الموقف العظيم، وكرر سبحان ربي العظيم وهو يدرك بقلبه، ويشعر بعظمة الله حاضرة في قلبه ونفسه، كأنه يراه فإن لم يكن يراه فهو يؤمن حقيقة أن الله يراه، كما في حديث الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فهو يقدر الله حق قدره ويعظمه حق تعظيمه بقلبه وجوارحه، يدرك معنى عظمة الله فهو يتدبر بقلب حاضر وإحساس صادق معنى (سبحان ربي العظيم) ويدرك عظمة الله من خلال حديثه عن نفسه ﵎: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر: ٦٧ وقال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج: ٧٤

стр. 78

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: ١٠٤ وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ هود: ٦٦ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام: ١٨ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فاطر: ٤١ وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ غافر: ١٥ - ١٦ وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ، تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] (١). وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَقْبِضُ اللهُ ﵎ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ " (٢).

стр. 79

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ " (١). وعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَأْخُذُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ " حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ (٢). ومن الأدلة على عظمة الله، عظمة مخلوقاته، ومن ذلك قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ غافر: ٥٧ وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ الواقعة: ٧٥ - ٧٦ وقال النَّبِيِّ ﷺ : «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (٣). وقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ" (٤).

стр. 80

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي يَدِ اللَّهِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ» (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فالسموات السبع والأرضين السبع في كفه تعالى كخردلة في كف أحدكم، يعني: السموات السبع على عظمها والأرضين السبع مثلما لو وضع الإنسان في يده خردلة -وهي حبة الخردل التي بكبر حبة السمسم- وهذا أيضا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له تعالى ليست بشيء" (٢). المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة السجود، وفيه مسائل . المسألة الأولى: السجود أعظم موقف يقرب فيه العبد من ربه: قال تعالى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ العلق: ١٩، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، وقال ﷺ : «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (٣). والسجود أعظم ما يظهر فيه ذل العبد لربه ، حيث يجعل أشرف ما فيه من الأعضاء وأعزها عليه وأعلاها حقيقة أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب متعفرًا، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه لله (٤).

стр. 81

المسألة الثانية: من أذكار السجود: ويكرر في كل سجدة (سبحان ربي الأعلى) على الأقل ثلاث مرات وفي حديث حذيفة في صفة صلاة النبي ﷺ في صلاة الليل قال ﵁: ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى». وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا رَكَعَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وفي صفة صلاة النبي ﷺ للشيخ الألباني ﵀: " وكان ﷺ يقول في هذا الركن أنواعاً من الأذكار والأدعية تارة هذا وتارة هذا: - (أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني): (سبحان ربي الأعلى (ثلاث مرات). و (كان أحياناً يكررها أكثر من ذلك). وبالغ في تكرارها مرة في صلاة الليل حتى كان سجوده قريباً من قيامه وكان قرأ فيه ثلاثة سور من الطوال: البقرة والنساء وآل عمران يتخللها دعاء واستغفار .. - (مسلم وأبو عوانة): " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ". - (البخاري ومسلم): "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي "، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ. - (مسلم وأبو عوانة): «اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ [وأنت ربي]، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ [فأحسن صوره]، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، [ف] تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ». - (مسلم وأبو عوانة): «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ». - (أبو داود والنسائي بسند صحيح): «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، وهذا وما بعده كان يقوله في صلاة الليل. - (ابن شيبة والنسائي وصححه الحاكم): «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ».

стр. 82

- (مسلم وأبو عوانة): «اللهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَمِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا، وَمِنْ خَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا». - (مسلم وأبو عوانة): «[اللهُمَّ] [إني] أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، [وَأَعُوذُ] بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» " (١). المسألة الثالثة: أثر عمل القلب في عبادة السجود: قال ﷺ : « .. وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». والسجود ذل وخضوع لله في القلب يظهر أثره على الجوارح، " فيضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعاً لربه واستكانة وخضوعاً لعظمته وذلا لعزته قد انكسر له قلبه وذل له جسمه وخشعت له جوارحه" (٢)، فحين يضع العبد وجهه على الأرض بين يدي ربه يذكره ويدعوه وهو قريب من القريب الذي قال عن نفسه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: ١٨٦ وقَالَ ﷺ : «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، والسجود والدعاء من أعظم مواقف الذل والخضوع لله المؤدي إلى خشوع القلب الذي يظهر أثره على الجوارح. وإذا قال العبد المؤمن في سجوده (سبحان ربي الأعلى) وكررها وقلبه حاضر وهو يدرك معنى ما يقول، وفرغ قلبه لله، وتذكر قربه من ربه في هذا الموقف، وشهد بعين قلبه علو الله على جميع خلقه، وهو أقرب ما يكون إلى عبده في موقف السجود، شعر بذله بين يدي الله وخضوعه له، فناسب في هذا الحال من خضوع العبد لربه في حال سجوده أن يكرر سبحان ربي الأعلى، ليغرس في قلبه مع كثرة التكرار الشعور بعلو الله تعالى على جميع مخلوقاته علو

стр. 83

الذات وعلو القدر والشأن وعلو القهر، كما قال تعالى عن نفسه في آيات كثيرة تثبت علو الله سبحانه، ومنها قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الأعلى: ١ وقال تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ الليل: ٢٠ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة: ٢٥٥ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ الحج: ٦٢ وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ غافر: ١٢ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الأنعام: ١٨ وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران: ٥٥ وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فاطر: ١٠ والآيات في إثبات علو الله أكثر من أن تحصر. والأحاديث كثيرة جداً منها حديث المعراج وفرضية الصلاة فوق السموات، وقد سبق. وكذلك من الآثار العظيمة للدعاء في هذا الموقف العظيم في حال سجود العبد وقربه من ربه القريب ممن دعاه، وهو أقرب ما يكون منه في سجوده بين يدي ربه كما سبق، فإذا حضرت في القلب هذه المعاني العظيمة تعلق بالله وأظهر فقره لله وشدة حاجته إليه وألح على الله في دعائه وحاجته وانكسر القلب وذل بين يدي ربه وأقبل على الله بحضور قلب، فإن هذه المعاني القلبية من أعظم أسباب استجابة الدعاء؛ لأن غفلة القلب عن الله في الدعاء تجعله لا

стр. 84

يقبله، وقال ﷺ : «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (١). المطلب السابع: عمل القلب وأثره على طمأنينة العبد في صلاته، وفيه توطئة ومسائل . توطئة: الطمأنينة في الصلاة، وبالأخص في الركوع والسجود ركن عظيم من أركان الصلاة له أثره الكبير على صلاة العبد، فيجد لذتها وأثرها عليه في سلوكه وأخلاقه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ العنكبوت: ٤٥ المسألة الأولى: معنى الطمأنينة: ومعنى الطمأنينة في اللغة بمعنى السكون والاستقرار والثبات (٢)، والمعنى الشرعي قريب من المعنى اللغوي، فهو كما قال ابن القيم ﵀: "وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار" (٣) والمقصود بها في الصلاة كما يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والأصح: أن الطمأنينة بقدر القول الواجب في الركن، وهي مأخوذة من اطمأن إذا تمهل واستقر، فكيف يقال لشخص لما رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر للسجود، كيف يقال: هذا

стр. 85

مطمئن؟ كيف يقال لشخص لما رفع من السجود قال: الله أكبر، ثم سجد السجدة الثانية، يعني: سكن لحظة، هذا مطمئن؟ " (١) المسألة الثانية: الحكمة من الطمأنينة: وقال ﵀ (٢): "والحكمة من الطمأنينة: أن الصلاة عبادة، يناجي الإنسان فيها ربه، فإذا لم يطمئن فيها صارت كأنها لعب. فهل نحن متعبدون بأن نأتي بحركات مجردة؟ لا والله، ولو كانت الصلاة مجرد حركات وأقوال لخرجنا منها بمجرد إبراء الذمة فقط، أما أن تعطي القلب حياة ونوراً؛ فهذا لا يمكن أن يحصل بصلاة ليس فيها طمأنينة، والنبي ﵊ قال: «الصَّلَاةُ نُورٌ» (٣) نور في القلب، والوجه، والقبر، فهي على اسمها، هي كلها نور، فهل نحن إذا انصرفنا من صلاتنا على هذا الوجه نجد نوراً في قلوبنا؟ إذا لم نجد؛ فالصلاة فيها نقص بلا شك. ولهذا يذكر عن بعض السلف (٤) قال: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداً»، لأنه لو صلى الصلاة الكاملة للزم أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر، لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فهذا خبر من الله مؤكد بـ «إن». فإذا صليت صلاة لا تجد قلبك منتهياً عن الفحشاء والمنكر، فاعلم أنك لم تصل إلا صلاة تبرأ بها الذمة فقط، وكم تشاهدون الإنسان يدخل في صلاته ويخرج منها كما هو لا يجد أثراً؟ وإذا منّ الله عليه يوماً من الأيام، وصار قلبه حاضراً واطمأن وتمهل وتدبر ما يقول

стр. 86

ويفعل؛ خرج على خلاف ما دخل، ووجد أثراً وطعماً يتطعمه، ولو بعد حين، يتذكر تلك الصلاة التي كان فيها حاضر القلب مطمئناً. الحاصل: أن الطمأنينة لا بد منها، فهي والخشوع روح الصلاة في الحقيقة" (١). المسألة الثالثة: الأدلة على أن الطمأنينة ركن في جميع الصلاة، وخطورة التساهل فيها: والطمأنينة في جميع أركان الصلاة من أهم العلامات الدالة على خشوع العبد لربه، وشعوره بأن الله يراه، فهو يستحي من ربه ولذلك يحرص على الطمأنينة في جميع صلاته، ولهذا جاءت نصوص السنة ببيان أهميتها وخطر التساهل فيها، ومن ذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ﵇، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (٢). وأحب أن أنقل لكم الأحاديث التي وردت في كتاب صحيح الترغيب والترهيب للألباني (٣) عن التحذير من عدم الطمأنينة في الركوع والسجود وحرصت على نقل أكثرها لأهميتها ولعظيم الحاجة لذلك (٤)، تحت عنوان:

стр. 87

(الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، إقامة الصُّلْب (١) بينهما، وما جاء في الخشوع). -[صحيح] عن أبي مسعودٍ البدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُجزئ صلاةُ الرجلِ حتى يُقِيمَ ظَهرَه في الركوعِ والسجودِ". -[صحيح لغيره] وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسوأُ الناسِ سرقةً الذي يَسرقُ من صلاتِه". قالوا: يا رسول اللهِ! كيف يَسرقُ من صلاته؟ قال: "لا يتمُّ رُكوعَها ولا سجودهَا. أو قال: لا يقيمُ صُلبَه في الركوع والسجود". -[صحيح] وعن علي بن شَيبان ﵁ قال: خرجنا حتى قَدِمنا على رسول الله ﷺ ، فبايعناه، وصلَّينا خلفه، فَلَمَحَ بِمُؤَخّرِ عينه رجلاً لا يقيم صلاته يعني صُلبَه في الركوع، فلما قضى النبيُّ ﷺ صلاتَه قال: "يا معشرَ المسلمين! لا صلاةَ لمن لا يقيمُ صُلبَه في الركوعِ والسجود". -[حسن صحيح] وعن طَلْق بن عليّ الحَنَفيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر اللهُ إلى صلاة عبدٍ لا يُقيمُ فيها صُلبَه بين ركوعِها وسجودها". -[حسن] وعن أبي عبد الله الأشعريّ: أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً لا يُتِمُّ ركوعَه، وَينْقُرُ في سجودِه، وهو يصلّي، فقال رسول الله ﷺ : "لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غيرِ مِلَّةِ محمدٍ ﷺ ". ثم قال رسول الله ﷺ : "مثَل الذي لا يُتمُّ ركوعَه، ويَنْقرُ في سجودِهِ مثَلُ الجائع؛ يأْكُلُ التمرةَ والتمرتين؛ لا يُغنِيان عنه شيئاً".

стр. 88

قال أبو صالح: "قلت لأبي عبد الله: مَنْ حدَّثك بهذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: أمراءُ الأجناد: عَمرُو بنُ العاصي، وخالدُ بنُ الوليد، وشُرَحْبيلُ بن حسَنة، سمعوه من رسول الله ﷺ ". -[حسن] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الرجلَ ليصلِّي سِتينَ سنةً وما تُقبلُ له صلاةٌ، لعلّه يُتمَّ الركوعَ، ولا يُتمُّ السجودَ، ويُتمُّ السجودَ ولا يُتمَّ الركوع". -[صحيح لغيره] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر اللهُ إلى عبدٍ لا يُقيم صُلْبَهُ بين ركوعِه وسجودِه". -[صحيح] وعن رفاعةَ بن رافعٍ ﵁ قال: كنتُ جالساً عندَ رسولِ الله ﷺ ، إذْ جاءهُ رجلٌ فدخل المسجدَ فصلّى. فذكر الحديث .... ثم يكبِّر ويركع، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصلُه وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمدَه، ويستوي قائماً حتى يأخذَ كلُّ عظمٍ مأْخذه، وُيقيمَ صُلبَه، ثم يكبِّر، فيسجدُ، وُيمكِّنُ جبهتَه من الأرضِ، حتى تطمئنَّ مفاصلُه وتسترخي، ثم يكبِّر فيرفع رأسَه، ويستوي قاعداً على مَقْعدته، ويقيم صُلبه، فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال: لا تتم صلاةُ أحدِكُم حتى يفعلَ ذلك" الحديث. وقال في آخره: "فإذا فعلتَ ذلك؛ فقد تمّت صلاتُك، وإنِ انتقصتَ منها شيئاً؛ انتقصتَ من صلاتك". -[حسن] وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الرجلَ لينصرفُ وما كُتِبَ له إلا عُشرُ صلاتِه، تُسعُها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلْثها، نِصفها". -[حسن صحيح] وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاةُ ثلاثةُ أثلاثٍ، الطُّهورُ ثلثٌ، والركوع ثُلثٌ، والسجود ثلثٌ، فمَن أدّاها بحقِّها قُبلَتْ منه، وقُبل منه سائرُ عَمَلِه، ومَن رُدَّت عليه صلاتُه، رُدَّ عليه سائرُ عَمَلِه".

стр. 89

-[صحيح لغيره] وعن حُرَيْثِ بنِ قَبِيصةَ قال: قَدِمتُ المدينةَ وقلت: اللهم ارزقني جليساً صالحاً، قال: فجلست إلى أبي هريرة، فقلت: إني سألتُ اللهَ أن يرزقني جليساً صالحاً، فحدِّثْني بحديثٍ سمعتَه من رسول الله ﷺ ، لعل الله أن ينفعني به، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ أوَّل ما يحاسبُ به العبدُ يومَ القيامةِ من عملهِ صلاتُه، فإنْ صَلَحَتْ فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فسدتْ فقد خاب وخسر، وإنِ انتقصَ من فريضتِه قال الله تعالى: انظروا هل لعبدي من تطوعٍ يُكمَلُ به ما انتُقصَ من الفريضة؟ ثم يكون سائرُ عملِه على ذلك". [حسن] رواه مسلم والنسائي، وابن خزيمة في "صحيحه"، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ الظهرَ، فلما سَلَّم، نادى رجلاً كان في آخرِ الصفوف، فقال: "يا فلان ألا تَتَّقي اللهَ! ألا تَنْظر كيف تُصلِّي؟ إنَّ أحدَكم إذا قام يصلِّي إنَّما يقوم يناجي رَبَّهُ، فلينظرْ كيف يناجيه، إنكم ترون أني لا أَراكم، إنّي واللهِ لأرى مِنْ خَلفِ ظهري، كما أرى مِنْ بين يديّ". _[حسن صحيح] وعن أبي الدرداءِ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أولُ شيءٍ يُرفَع من هذه الأمةِ الخشوعُ، حتى لا ترى فيها خاشعاً". -[صحيح] وعن مُطرَّفٍ عن أبيه ﵁ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي، وفي صدرِه أزيزٌ كأَزيزِ الرُّحى (١)، من البكاءِ. رواه أبو داود والنسائي، ولفظه: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُصلِّي ولجوفه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَلِ (٢). يعني يبكي. ورواه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" نحو رواية النسائي، إلا أنّ ابن خزيمة قال: "ولصدره".

стр. 90

-[صحيح] وعن عليَّ ﵁ قال: ما كان فينا فارسٌ يومَ بدرِ غيرَ المِقدادِ، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائمٌ، إلا رسولَ اللهِ ﷺ تحت شجرةٍ، يُصلي ويبكي، حتى أصبح. -[صحيح] وعن عقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يتوضَّأُ فَيُسبغُ الوضوء، ثم يقومُ في صلاتِه، فيعلم ما يقول؛ إلا انْفَتَلَ وهو كيومَ ولَدَتْهُ أمُّه" (١). المطلب الثامن: أثر عمل القلب على التشهد وجلسته، وفيه مسائل: المسألة الأولى: جلسة التشهد ولفظ التشهد الأول، والثاني . فإذا جلس المؤمن للتشهد"شرع له أن يجلس .. جلسة المتخشع المتذلل المستكين جاثياً على ركبتيه" (٢) حاضر القلب يدرك معنى ما يقوله في صلاته، وقد جاهد نفسه على تفريغ قلبه لله في صلاته، فجلس للتشهد بأدب بين يدي ربه مقبلاً عليه بوجهه وقلبه، يعلم ما يقوله بلسانه من ألفاظ التشهد يتدبر المعنى بقلبه، فيقول: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" (٣). وهذا التشهد الأول في الثلاثية والرباعية، وفي التشهد الآخر يضيف الصلاة الإبراهمية، ولها عدة صيغ من أشهرها: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " (٤).

стр. 91

وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ " (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وفي التعوّذ من هذه الأربع قولان: القول الأول: أنه واجب، وهو رواية عن الإمام أحمد، لما يلي: ١ ـ لأمر النبي ﷺ بها. ٢ ـ ولشدَّة خطرها وعظمها. والقول الثاني: أنه سُنَّة، وبه قال جمهور العلماء. ولا شَكَّ أنه لا ينبغي الإخلالُ بها، فإن أخلَّ بها فهو على خَطَرٍ من أمرين: ١ ـ الإثم. ٢ ـ ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعضُ السَّلف (٢) يأمر مَنْ لم يتعوَّذ منها بإعادة الصَّلاة" (٣). المسألة الثانية: أدعية ما قبل التسليم: ثم يدعو بما أحب قال ﷺ : "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو " (٤). وقد ورد في السنة أدعية كثيرة تقال قبل السلام، وليست بواجبة، منها: ١ - " .. اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" (٥).

стр. 92

٢ - «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١). ٣ - … «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (٢). ٤ - "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ "، قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : " قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ " ثَلَاثَ مِرَارٍ (٣). وغير ذلك من الأدعية التي وردت في السنة، والموطن من مواطن الدعاء. المسألة الثالثة: أثر عمل القلب في عبادة التشهد، ويتلخص ذلك في الأمور الآتية: أولاً: ينبغي أن يستصحب المجاهدة لحضور القلب وفهمه لما يقوله المؤمن في صلاته، وعدم الغفلة عن ذلك مع الاستمرار وعدم الانقطاع: ونتذكر أحاديث الحث على حضور القلب في الصلاة التي سبق ذكرها وأعيدها لأهمية التذكير بها، ويجاهد نفسه على تذكر هذه الأمور في سائر صلاته من أولها إلى آخرها، وإليك ما سبق ذكره من الأحاديث التي لا ينبغي أن تغيب عن ذهن المصلي، فإذا حصل شيء من

стр. 93

القصور أثناء صلاته وانصرف القلب بسبب طبيعة النفس البشرية، وسوسة الشيطان له، عاد سريعاً إلى التذكر والانتباه؛ لأنه في مجاهدة مع الشيطان الذي يريد يخرجه من صلاته بأقل المكاسب. قال ﷺ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ". وقال ﷺ : «فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وقال ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ». وقال ﷺ : «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ». وقال ﷺ : "إنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ". والتشهد دعاء وفي آخره موطن دعاء، فلا بد أن يتذكر العبد أهمية حضور القلب في دعائه، وكما سبق في الحديث يقول ﷺ : «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ». ثانياً: أن يتدبر ويفهم ويفقه معنى التشهد، فيقوله بلسانه وقلبه يدرك معنى ما يقول. وإليك ملخصاً لمعاني التشهد مع بيان أثر عمل القلب على ذلك: ١ - " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ " يقوله بلسانه متدبراً بقلبه معاني ما يقوله: - "التحيات لله": أي أنك بهذه التحيات تحيي الله وتعظمه تعظيماً يليق بجلاله وعظمته، وتحضر قلبك وذهنك وتشعر بعظمة الموقف وأنت بين يديه تناجيه وتوجه له هذه التحيات، وكم يفرح من الناس من إذا قابل عظيماً من البشر فحياه وسلم عليه!

стр. 94

- "والصلوات": لله خالصة وهو المستحق لها وحده لا شريك له، وذلك صلاة الفرض والنفل، ويدخل في ذلك الدعاء لأنه يقال للصلاة في اللغة دعاء. - "والطيبات": لله وتشمل ما يتعلق بالله وما يتعلق بفعل العبد، فالله طيب في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله لا يقبل من العبد إلا الطيب من القول والفعل، كما في الحديث يقول رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ المؤمنون: ٥١، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ البقرة: ١٧٢، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ " (١). فالله طيب لا يليق به إلا الطيب من الأفعال والأقوال الصادرة من الخلق، فلا يرفع إلى الله من عمل العبد أو قوله إلا ما كان طيباً قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فاطر: ١٠ واما ضد الطيب فهو الخبيث أو ما ليس بخبيث ولا طيب، وكل ذلك الله منزه عنه، لأنه سبحانه له الأوصاف العليا ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الروم: ٢٧، فلا يمكن أن يكون في أوصافه أو أفعاله أو أقواله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كل أفعاله وأقواله وصفاته كلها طيبة.

стр. 95

أما ما يصدر من الخلق؛ فمنه ما هو طيب، ومنه ما هو خبيث، ومنه ما ليس كذلك، والله لا يقبل إلا الطيب، وما ليس بطيب فهو إلى الأرض لا يصعد إلى السماء (١). ٢ - " السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ": والمؤمن في صلاته يوجه هذا السلام إلى الرسول ﷺ كأنه أمامه يستحضر بقلبه نبيه وحبيبه وقرة عينه ﷺ ، وإن كان ﷺ ليس حاضراً عنده بل هو في الحقيقة حاضر في قلبه، كما يقول ابن تيمية ﵀: " والمسلمون يقولون في صلاتهم: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " وليس هو حاضراً عندهم ولكنه حاضر في قلوبهم" (٢). وملخص معناه: دعاء من المصلي لنبيه ﷺ أن يسلمه الله ويرحمه وينزل عليه بركاته. وقال ابن رجب ﵀: "وفي تفسير (السلام على فلان) قولان: أحدهما: أن المراد بالسلام اسم الله، يعني: فكأنه يقول: اسم الله عليك. والثاني: أن المراد: سلّم الله عليك تسليماً وسلاماً، ومن سلّم عليه الله فقد سلم من الآفات كلها ثم أقرهم أن يسلموا على النبي بخصوصه ابتداءً؛ فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم، وحقه على الأمة أوجب من سائر الخلق؛ لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كان بتعليمه وإرشاده ﷺ تسليماً، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته" (٣). والمراد بالسلام: اسم الله كما قال الله تعالى عن نفسه: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ الحشر: ٢٣، ومعنى سلام الله على الرسول، أي بالحفظ، والكلاءة، والعناية،

стр. 96

فكأننا نقول: الله عليك، أي: رقيب حافظ معتنٍ بك، حافظ لك من الآفات، وما أشبه ذلك. وقيل: السلام بمعنى التسليم، أي: ندعو له بالسلامة والنجاة من كل آفة في الدنيا والآخرة، وهذا واضح في حال حياته ﷺ ، لكن بعد مماته، كيف يناسب أن ندعو له بالسلامة؟ والجواب ليس الدعاء بالسلامة مقصوراً في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة؛ ولهذا كان دعاء الرسل أثناء عبور الناس الصراط: "اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ" (١)، فالمرء لا ينتهي من المخاوف والآفات بمجرد موته. وقد يكون السلام بمعنى أعم؛ وهو السلام على شرعه وسنته وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين (٢). ويتذكر بقلبه حين يقول في تشهده: " السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ " أموراً، منها: الأول: يتذكر فضله ﷺ العظيم عليه بعد فضل الله في دلالته له على طريق الجنة وتحذيره من طرق النار، فما من خير يسعدها في الدنيا والآخرة إلا وقد دل أمته عليه، ولا من شر يشقيها في الدنيا والآخرة إلا وحذرها منه، قال تعالى في وصفه وبيان حرصه ﷺ على أمته وشفقته ورحمته العظيمة بها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 97

وعن ابن مسعودٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ليسَ مِنْ عمَلٍ يُقرِّبُ مِنَ الجنَّةِ إلا قد أمْرتُكم به، ولا مِنْ عَملٍ يقرِّبُ إلى النارِ إلا وقد نهْيتُكُم عنه .. " الحديث (١). الثاني: يتذكر بقلبه حديث النبي ﷺ : «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» (٢). وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (٣). الثالث: فضل السلام عليه: ﷺ امتثال قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٦. وفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ، فَقَالَ: " إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا

стр. 98

يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا " (١). ٣ - " السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " فهو يطلب بهذا الدعاء السلامة من كل شر له ولجميع عباد الله الصالحين من الأنس والجن والملائكة وعلى رأس هؤلاء الرسل والأنبياء، فإذا قال ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض. فهو يبدأ بنفسه بالدعاء ويثنّي بعباد الله الصالحين، وفي هذا دلالة على الارتباط بين المؤمن وإخوانه من عباد الله الصالحين في السماء والأرض، وهذا مما يزيد المؤمن ثباتاً على الحق، وهو يتذكر بقلبه أن معه على الحق من عباد لله الصالحين كثير لا يحصون من كثرتهم في السموات والأرض، فهو يدعو لنفسه ولهم، كما أنهم يدعون لأنفسهم وله. والمراد بالعبد الصالح كما يقول أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام: "قال الزجاج وغيره: الصالح: "القائم بحقوق الله وحقوق عباده" (٢)، ولفظ الصالح خلاف الفاسد؛ فإذا أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره، فلم يكن فيه شيء من الفساد، فاستوت سريرته وعلانيته، وأقواله وأعماله على ما يرضى ربه" (٣).

стр. 99

٤ - " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ": ومعنى"أشهد أن لا إله إلا الله" أي: ينطق لساني ويقر قلبي، وأعلم يقيناً، أنه لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، والشاهدة هي الخبر القاطع، فهي أبلغ من مجرد الخبر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قطع، كأنما يشاهد الإنسان بعينيه ما شهد به. ومعنى «لا إله إلا الله»: أي: لا معبود حق إلا الله، و «لا إله إلا الله» كلمة التوحيد التي بعث الله بها جميع الرسل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء: ٢٥ (١)، فهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه، ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار، وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة، وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، ويقل الميزان أو يخف، وبها النجاة من النار بعد الورود، وبعدم إلتزامها البقاء في النار، وبها أخذ الله الميثاق، وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال يوم التلاق، وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم إليها، وهي كلمة الشهادة ومفتاح دار السعادة، وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، متشعبة منها، مكملات لها، مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها، فهي العروة الوثقى، وهي الحسنى، وهي كلمة الحق، وهي كلمة التقوى، ولها فضائل كثيرة تجل عن الحصر، وقد ذكر العلامة حافظ حكمي طرفاً حسناً منها مع أدلتها في كتابه معارج القبول (٢).

стр. 100

٥ - "وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" ويشهد بلسانه مقراً بقلبه وهو عالم بما يقوله بأن محمداً ﷺ عبد الله ورسوله، فهو يشهد له بالعبودية لله تعالى وأنه مرسل من الله تعالى، وهذه الشهادة تقتضي أموراً، منها: ١ - الإقرار بعبودية النبي ﷺ لربه، فهو عبد لله بشر من البشر ليس له شراكة مع الله، وتميز بما أعطاه الله من الوحي، وبما جبله الله عليه من العبادة، والأخلاق العظيمة، قال تعالى عنه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الكهف: ١١٠ وقال تعالى في الثناء على خُلُقِه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم: ٤ وأمره الله أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ الأنعام: ٥٠ وقال تعالى في آية أخرى عنه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ الجن: ٢١ - ٢٢ ٢ - محبته ﷺ محبة تفوق محبة النفس والوالد والولد والمال، وجميع الناس. ٣ - … طاعته فيما أمر. ٤ - تصدقيه فيما أخبر. ٥ - ألا يعبد الله إلا بما شرع. ٦ - الحذر من الوقوع في الغلو فيه ﷺ وذلك برفعه فوق منزلة العبودية والرسالة، وجعل شيء له من خصائص الله تعالى، ولهذا حذر الله من ذلك كما سبق، وحذر ﷺ أمته

стр. 101

٧ - فقال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» (١). ثالثاً: أن يدرك معاني الصلاة الإبراهيمية: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ". ١ - ومعنى" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ": وهذا دعاء أن يصلي الله على رسوله محمد ﷺ ، وصلاة الله على نبيه معناها: ثناء الله على رسوله في الملأ الأعلى (٢). "وعلى آل محمد": وهم قرابته الذين لا تحل لهم الصدقة (٣)، ويدخل فيهم زوجاته ﵅ (٤). ٢ - " كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ": أي صلي على نبيك محمد وآله كما تفضلت بالصلاة على إبراهيم وآله. ٣ - " اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ": وهذا دعاء بأن ينزل الله البركة على محمد وآله كما تفضل بها على إبراهيم وآله، والبركة: كثرة الخير والكرامة مع الثبات والاستمرار (٥).

стр. 102

٤ - " إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ": " «حميد»: فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يُحمدُ على ما له من صفات الكمال، وجزيل الإنعام. وأما «المجيد»: فهي فعيل بمعنى فاعل، أي: ذو المجد. والمجدُ هو: العظمة وكمالُ السُّلطان" (١). رابعاً: يتذكر بقلبه حين يقول في تشهده: الصلاة الإبراهيمية أموراً، منها: الأول: امتثال قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٦. الثاني: فضل الصلاة على النبي ﷺ ، قال ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا» (٢). وفي الحديث الآخر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ، فَقَالَ: " إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا ". وقال ﷺ : " .. وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي " (٣) الحديث. ويبلّغه ﷺ صلاة أمته عليه وسلامهم الملائكة المخصصون بذلك كما سبق في الحديث: قال ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ»، فتذكر هذا بقلبك أيها المصلي في صلاتك أو خارجها حين تصلي وتسلم عليه ﷺ .

стр. 103

وللصلاة على النبي ﷺ فوائد عظيمة وثمرات مباركة ذكر منها الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه القيم أكثر من ثلاثين فائدة، ومن أراد التوسع فليرجع للكتاب المذكور. خامساً: أن يستحضر قلبه معاني الاستعاذة من هذه الأربع: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ "، ويدرك أهمية الاستعاذة منها وكبير خطرها، وهذه بعض التنبيهات حول هذا الدعاء العظيم الذي ينبغي أن يذكر بلسان وقلب حاضر في التشهد الأخير من كل صلاة: ١ - قرب الله من عبده الداعي، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: ١٨٦ ٢ - وقال ﷺ : «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ». ٣ - أهمية هذا الدعاء وعظيم الحاجة إليه، فقد جمع الاستعاذة بالله من أعظم الفتن وأشدها خطراً على العبد في الدنيا والآخرة. ٤ - ومعنى "فتنة المحيا والممات": أي: اختبار المرء في دينه في حياته، وفي مماته، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها، والجهالات، أو الابتلاء مع زوال الصبر ونحو ذلك، وهي فتنة عظيمة وشديدة، وقلّ من يتخلَّص منها إلا من شاء الله، وهي تدور على شيئين: شبهات، وشهوات. أما الشبهات فسببها الجهل فتعرض للإنسان يلتبس عليه الحق بالباطل، فيرى الباطل حقاً، والحق باطلاً، وإذا رأى الحق باطلاً تجنبه، وإذا رأى الباطل حقاً فعله، وهذه فتنة عظيمة؛ فما أكثر الذين يرون الربا حقاً فينتهكونه، وما أكثر

стр. 104

الذين يرون غش الناس في البيع والشراء شطارة وجودة، وما أكثر الذين يرون النظر إلى النساء تلذذاً وتمتعاً بالحرام. وأما الشهوات فمنشؤها الهوَى، فإن الإنسان يعرف الحق لكن لا يريده فله هوى مخالف لما جاء به النبي ﷺ ، فأنت تسأل الله العافية من أمراض القلوب التي هي أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات. وأما فتنة الممات فيراد بها ما يكون عند الموت في آخر الحياة، وما يكون بعد الموت مباشرة من سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيِّه، والإنسان عند موته ووداع العمل صائر إمَّا إلى سعادة، وإمَّا إلى شقاوة، ضعيف النفس، ضعيف الإرادة، ضيق الصدر، فيأتيه الشيطان ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى أنه - كما قال أهل العلم - فقد يعرض الشيطان لبعض الناس الأديان اليهودية والنصرانية، نسأل الله العافية والسلامة (١)، وقال شيخ الإسلام ﵀: "أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمراً عاماً لكل أحد، ولا هو أيضاً منتفياً عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته؛ ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام. وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا … ووقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم" (٢). ٥ - وأما بقية الفتن، فمعناها واضح وخطرها بينّ عظيم شديد، وإن كان بعضها يندرج تحت فتنة المحيا والممات إلا أنها خصت بالاستعاذة (٣)؛ لعظيم خطرها على العبد.

стр. 105

سادساً: أن يعي ويدرك بقلبه معاني الدعاء قبل السلام: يدعو بلسان وقلب حاضر يعلم ما يقوله وآخر الصلاة موطن دعاء، وقد سبق من الكلام على هذه المسألة ما يغني عن إعادته. المطلب التاسع: حضور القلب عند التسليم من الصلاة، وأذكار ما بعد السلام، وفيه مسائل . المسألة الأولى: التسليم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١). ومعنى" وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ": قال ابن الأثير ﵀ في النهاية في غريب الحديث: " أي صار المصلي بالتسليم يحل له ما حرم عليه فيها بالتكبير من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، كما يحل للمحرم بالحج عند الفراغ منه ما كان حراماً عليه" (٢). المسألة الثانية: أذكار ما بعد السلام مع ذكر أثر حضور القلب على ذلك: خلاصة من الأذكار بعد السلام: أولاً: الاستغفار ثلاثاً عقب التسليم، ثم يقول: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٣).

стр. 106

من آثار حضور القلب عند نطق اللسان بالاستغفار بعد الصلاة: ١ - شعور العبد بالندم على تقصيره في صلاته. ٢ - يذهب أثر العُجْب بالعمل، لأنه يشعر بتقصيره العظيم في صلاته. ٣ - يقوي رغبة العبد في إصلاح الخلل في صلاته. ثانياً: التهليل دبر الصلوات بهذه التهليلات: - لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (١). - لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ (٢). من آثار حضور القلب عند التهليل دبر الصلوات، إدراك معاني هذا التهليل وأثره، وهو يردده بلسانه بعد كل صلاة؛ لترسخ تلك المعاني في القلب، ومنها: أ - " لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ "، " لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ "، " لَا إِلَهَ إِلَاّ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ" ربط القلب بتوحيد الله وإفراده بالعبادة وإخلاصها لله ولو كره الكافرون ذلك، لأن الكفار يحبون الشرك مع الله ويكرهون التوحيد وأهله العاملين به الذين يدعون إليه ويخلصون فيه لله رب العالمين.

стр. 107

ب - " لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "، " لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ". الاعتراف بالقلب واللسان بأن الملك لله وله التدبير ومطلق التصرف في الدنيا والآخرة، وهو علي كل شيء قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ت - "اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". الاعتراف لله بالقلب واللسان بأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يونس: ١٠٧ وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فاطر: ٢ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الأنعام: ١٧ وفي الحديث يقول ﷺ : " .. وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ" (١).

стр. 108

ث - ومعنى" لَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ": أي لا ينفع صاحب الغنى والحظ منك غناه، فالخلق كلهم مفتقرون إليك، ولا يستغني أحد منهم عن فضلك (١). ثالثاً: إدراك معاني بقية الأذكار ويستحضر آثارها وهو يرددها بلسانه، و لا يكون ذلك إلا بحضور القلب عند نطق اللسان: ١ - يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمده مثل ذلك، ويكبره مثل ذلك، ويقول تمام المائة: لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وذكر ﷺ فائدته بقوله: " مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ " (٢). ٢ - ويقرأ آية الكرسي، وذكر ﷺ فائدة ذلك بقوله: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ» (٣).

стр. 109

٣ - ويقرأ بعد كل صلاة المعوذات: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس (١) مرة واحدة، وسميت بالمعوذات تغليباً (٢). ٤ - عشر مرات بعد الفجر وبعد المغرب: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ يُحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِير ٌ، وذكر النبي ﷺ فائدة ذلك بقوله: " مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَيَثْنِيَ رِجْلَهُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَالصُّبْحِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَتْ حِرْزًا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِذَنْبٍ يُدْرِكُهُ إِلَّا الشِّرْكَ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا، إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ، يَقُولُ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ " (٣).