← Фараид

Фараид · id 8640

فقه النكاح والفرائض

محمد عبد اللطيف قنديل

Полный текст (373 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة: التمهيد: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأنعم علينا بنعمة الإيمان الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وصار على نهجه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد؛ فإن الشريعة الإسلامية قد امتازت عن الشرائع السماوية السابقة لكونها أوفى الشرائع بتحقيق مصالح العباد وإسعادهم، وقد جعلها الحق خاتمة الشرائع لما اشتملت عليه من مروه ويسر، وبما تضمنته من قواعد كلية ومبادئ عامة تتفق مع طبائع البشر في كل بيئة وعصر، فقد رفعت الأغلال عن كاهل العباد وكونت منهم أمة سجل التاريخ لها آيات مشرقة وصحائف خالدة، وقضت بتعاليمها الربانية السمحة على كل ما كان يعانيه العالم من ظلم وذل وإرهاق فأخرجت الناس من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، وهدت العباد إلى طريق الله المستقيم. لذا كان لزاما على علماء هذه الأمة الذين هم ورثة الأنبياء أن يبينوا دقائق هذه الشريعة الغراء وأصولها للناس في كل مناحي الحياة. ونظرا لأن الزواج معنى جُبل عليه الإنسان لتكوين الأسر التي هي لبنة من لبنات المجتمع، وهذا أمر دعت إليه جميع الشرائع والأديان لما يترتب عليه من المحافظة على الأعراض والأنساب.

стр. 2

لذا كان هذا العقد من أهم العقود خطرا وأرفعها قدرا لأنه به يجمع الشمل ويتم الشوق وتتكون الأسرة التي هي نواة المجتمع الإنساني ويتم الترابط بين الأسر، ومن ثم فإنه يشترط فيه ما لا يشترط في غيره من اشتراط الولي والإشهاد والإعلان بين الناس حيث يقول ﷺ : "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح، خاطب، وولي، وشاهدي عدل". ويقول أيضا: "أعلنوا النكاح ولو بالدف". فالشارع الحكيم إحطاط لهذا العقد ما لم يحطاط لغيره من سائر العقود، فمن أجل ذلك أبيح فيه الضرب بالدف وإظهار معالم البشر والسرور في جو إسلامي كله طهر وبهجة وعفاف. وإنني بتوفيق من المولى ﷻ في هذه المحاضرات سأتناول الحديث عن النكاح، والطلاق، والخلع، والرجعة، والعدة، والإيلاء، والظهار، والكفارة، واللعان، والفرائض. وحيث إن الدراسة معظمها إن لم تكن كلها من مظاهر تكريم الإسلام للمرأة فإنني سأقدم لهذه الدراسة بذكر حال المرأة قبل الإسلام وبعده بإيجاز أملا في أن تعود المرأة المسلمة إلى التمسك بمبادئ دينها ولتعلم أن الإسلام كرمها في جميع مناحي حياتها، ليكون علمها بذل حجة عليها أمام الله مستعينا بالله وحده راجيا منه العون والتوفيق، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم إنه ولي ذلك

стр. 3

والقادر عليه فإن أصبت الهدف المنشود فبتوفيق المولى -جلال جلاله- وإن كانت الأخرى فمن نفسي والشيطان. "وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" دكتور: محمد عبد اللطيف محمد قنديل مدرس الفقه الشافعي بقسم الفقه العام كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات بالإسكندرية جامعة الأزهر

стр. 4

المرأة قبل الإسلام: إننا إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى صفحات التاريخ في حال المرأة قبل الإسلام فإننا نجد أن الملل القديمة كانت تنظر إلى المرأة نظرة كلها تحقير وإهانة مما لا يتفق مع آدميتها كإنسانه، بل كانت تعاملها بأبشع أنواع الظلم وتسومها سوء العذاب وتدفع بها نحو الهواية والذل والهوان وإليكم توضيح ذلك. المرأة عن اليونان: كان اليونانيون ينظرون إلى المرأة على أنها إنسانة حقيرة مسلوبة الحرية لا حقوق ولا أهلية لها تباع وتشترى في الأسواق، مما أدى إلى انتشار دور البغاء فتبوأ العاهرات والمومسات مكانة عالية، وشاعت الفاحشة بين الرجال والنساء حتى أصبح الزنا أمرا مألوفا غير منكر، وليس ذلك فحسب، بل انتشر بينهم اللواط بين الرجال والشباب انتشار السم في الدم. ونتيجة لهذا الانحطاط الأخلاقي انهارت هذه الإمبراطورية وكأنها لم تكن شيئا يذكر. وصدق الله العظيم حيث قال في محكم التنزيل: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ١.

стр. 5

المرأة عن الرومان: كان الرومان ينظرون إلى المرأة على أنها شيطانة وأنها رجس لا سلطان لها على أنوثتها يجب ألا تأكل اللحم ولا تتكلم ولا تضحك، وكان للرجل الحق الكامل في أن يتصرف في أبنائه وزوجته كيفما يشاء يبيع من يشاء ويقتل منهم من يشاء لا سلطان عليه ويدخل على أسرته من يشاء ويطرد من أبناءه من يشاء أو يعذبهم فاستشرى الفساد، وانشرت بيوت الدعارة وراجت تجارة الخمور. فكانت النتيجة أن تمزقت هذه الدولة شر ممزق وانهارت شر انهيار. المرأة عند الإغريق: كانت المرأة عندهم تعد مخلوقا حقيرا لا تصلح لغير النسل وخدمة المنزل، وإذا كانت ولودا استعيرت من زوجها لتلد للوطن أولاد من رجل آخر. المرأة عند الهنود: جاء في شريعة "مانو" الهندية أن الوباء والموت والسم والأفاعي كل ذلك خير من المرأة، ويجب أن تكون المرأة في طفولتها لأبيها وفي شبابها لزوجها، وفي تأيمها لأبنائها، وفي ثكلها لأقرباء بعلها ولا يجوز ترك أمرها لها.

стр. 6

وفيها أيضا أن المرأة إذا خلت برجل مدة تكفي لإنتاج بيضة يجب عليها أن تقوم بحرق جسدها على مقربة من جسد زوجها المحروق أو يحكمون عليها بالموت. المرأة عن اليهود: يعتبر اليهود المرأة لعنة فهي التي أغوت آدم حتى أكل من الشجرة فطرد بسبب ذلك من الجنة، لذلك فهي مجرد خادمة ليس لها حقوق أو أهلية، وكانوا لا يورثونها، وإذا حاضت فإنها تكون نجسة، وكل ما تلمسه بيدها ينجس بنجاستها، بل كان بعضهم يطردها من البيت فإذا ما طهرت من حيضها رجعت إلى بيتها. المرأة عن النصارى: يرى النصارى أن المرأة باب الشيطان، ناقضة لقانون الله مشوهة لصورة الله "الرجل" فهي مخلوق نجس يحرم عليها قراءة كتاب العهد الجديد خلقت لخدمة الرجل. المرأة عن الفارسيين: كانت المرأة عند أهل فارس في انحطاط وذلة، فهي سبب هيجان الشرور التي توجب العذاب والسخط لدى الآلهة، ولهذا يبيحون عليها أن تعيش تحت أنواع الظلم، وكانت المرأة في مذهب فارس تحت سلطة الزوج من حقه أن يتصرف فيها كما يتصرف في ماله ومتاعه.

стр. 7

وكان له أن يحكم بقتلها، مع أن تعدد الزوجات أيضا كان شائعا عندهم بدون شرط أو تحديد. المرأة في جاهلية العرب: كان العرب في الجاهلية يعتبرون المرأة جزءًا من الثروة، ولهذا فإن الأرملة كانت تعد ميراثا لابن المورث، وكان تعدد الزوجات شائعا في جميع القبائل العربية بدون شرط أو تحديد. وليس ذلك فحسب بل كانت معظم القبائل العربية يظلمون المرأة ظلما أبشع مما تعرضت له المرأة عند غيرهم فكانوا يؤدون البنات وهن أحياء مخافة العار أو الفقر يذكرنا القرآن الكريم بهذا الظلم الشنيع للمرأة فيقول: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١. ومن المؤلم أنه لم يفعل ذلك الرجل منهم فحسب، بل كانت المرأة منهم عندما يحين وقت وضعها تجلس على شفا حفرة وتضع مولودها على رأس هذه الحفرة فإن كان المولود أنثى رمت بها في الحفرة وردت عليها التراب، وإن كان المولود غلاما أبقت عليه. ولم يكن ظلم العرب الجاهليين للمرأة يقف عند وأدها فحسب بل كانت كل جوانب حياة المرأة كلها ظلم.

стр. 8

المرأة في ظل الإسلام: عندما أشرق نور الإسلام على الوجود، كان العالم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: قسم متحضر كالإمبراطورية الرومانية والفارسية وشعوب مصر والهند والحبشة والصين. وكانت المرأة عند هذه الشعوب كالأسير ليست لها حرية الإرادة محرومة من جميع الحقوق على النحو الذي ذكرناه بالتفصيل السابق. القسم الثاني: قسم مختلف كالقبائل في إفريقيا وبقية الأقطار في البلدان المختلفة حضاريا والعرب في الجزيرة العربية، فالمرأة عند هذه الشعوب لا تعتبر إنسانا بل هي متطفلة على المجتمع وتعامل كما تتعامل الحيوانات الأهلية التي يستخدمونها وفي أوقات المجاعة كان يصنع من جسدها ولائم دسمة يتغذون بها، ويؤدها العرب حية مخافة العار والفقر. إلى أن أشرق الإسلام بنوره فكرَّم المرأة جنينا وكرَّمها طفلة كرَّمها زوجة وكرَّمها أما بعد أن كانت سلعة لا قيمة لها في هذا الكون على مر العصور والأزمنة. فما أكثر الآيات القرآنية التي يقرن فيها ذكر الرجل بذكر المرأة منها قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١.

стр. 9

ومنها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ ١. وهذا هو الحبيب المصطفى ﷺ يقول فيما يرويه أبو داود والترمذي وأحمد من حديث عائشة ﵄: "إنما النساء شقائق الرجال". ويوصينا بالنساء خيرا فيقول في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة: "استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا". والفضل ما شهدت به الأعداء، يقول المستشرق: آندريه سرفيه في كتابه عن الإسلام ونفسية المسلمين: من أراد أن يتحقق من عناية محمد -صلى الله عليه سلم- فليقرأ خطبته في مكة التي أوصى فيها بالنساء. والتي يقول فيها: "أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألا يُوطِئنَ فُرشَكم أحد تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فقد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عوان لكم لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،

стр. 10

فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنة رسوله". لقد احترم الإسلام آدمية المرأة فقرر المساواة التامة بينها وبين الرجل في الإنسانية والنسب البشري، وجعلها تتمتع بجميع حقوقها من الإرث وجميع العقد المالية من بيع وخلافه وليس لأحد أن يمنعها من ذلك، ثم احترم الإسلام رأيها واستمع إليها وجعلها تعبر عن رأيها وكل ما تريد بصدق وصراحة وتدافع عن جميع حقوقها المشروعة وأعطاها حرية الكلام وإبداع الرأي والاستجابة إليها مما يطول المقام لذكره مع أدلته. ومع هذا التكريم الإلهي للمرأة في ظل الإسلام فإننا نرى ونسمع بكل وقاحة الدعاوى المعاصرة التي ينادي بها أعداء الإسلام وأعداء المرأة والمجتمع من أهل الشر والفساد يوجهون مطاعنهم للإسلام من خلال خمسة مطاعن كلها تخص المرأة "الحجاب، وتعدد الزوجات، الطلاق، وتنصيف الإرث، وتنصيف الشهادة". وهذا كله من مكر الماسونية اليهودية التي نجحت في القضاء على المرأة الأوروبية، وهي اليوم تتجه إلى المرأة في العالم الإسلامي، ولقد نجحت بعض الشيء بواسطة المستعمر الخبيث وبواسطة جمعيات النهضة النسائية التي تعمل بشعار الماسونية وتسير في ركابها وتنفذ أوامرها تارة باسم المساواة البريئة، وتارة باسم التقدم وركب الحضارة، وتارة باسم السياسة وهكذا تُسير الماسونية جمعيات النهضة النسائية في العالم الإسلامي.

стр. 11

ولكنهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١. ولكنهم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . فأحذري أختي المسلمة فأنت المستهدفة أولًا وآخرًا وتمسكي بتعاليم دينك، وإياك ثم إياك ثم إياك أن تنخدعي يوما ما ويجرفك تيار ما يسمونه بالتحضر، وليس هو بتحضر، بل هو الفساد الأخلاقي الذي ينذر بعقاب الله نسأل الله العظيم أن يحفظ علينا ديننا وأن يحفظنا من شر أعدائنا وأن يجعل كيدهم في نحورهم. إنه نعم المولى نعم النصير

стр. 12

مقدمات النكاح المقدمة الأولى: الاختيار ... مقدمات النكاح: لعقد النكاح مقدمتان: المقدمة الأولى: الاختيار الاختيار: خار يخير صار ذا خير، وخار الله لك من الأمر: جعل الله لك فيه الخير، وأنت بالخيار: أي اختر ما شئت، والاختيار: طلب الخير يقول المولى ﷻ : ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ١. في هذه الآية الكريمة يخبرنا ربنا بأن الزجة سكن لزوجها، وحرث له، كما قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ٢. وشريكة حياته، وربة بيته، وأم أولاده، ومهوى فؤاده وموضع سره ونجواه، وهي أهم ركن من أركان الأسرة؛ لأنها المنجبة للأولاد، ويرث عنها أولادها الكثير من المزايا والصفات، وفي أحضانها يجد أولادها عواطف الأمومة، وتتربى ملكاتهم، ويكتسبون الكثير من العادات والتقاليد، ويعرفون أمور دينهم، لذلك وغيره حث الإسلام الرجل عند اختيار شريكة حياته أن يتحرى الدقة عند اختيارها وفقا لما حث عليه الإسلام.

стр. 13

وأهم الصفات التي تختار الزوجة لأجلها أهمها: ١- أن تكون ذات دين وخلق فاضل نظرًا لأن عقد النكاح عقد يدوم العمر كله فإن الشارع الحكيم جعل له مقدمات وجه إلى الاختيار وجعله مرحلة تسبق الخطبة والعقد حيث يقول ﷺ : "تخيروا لنطفكم فأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم". وفَصَّلَ ﷺ ما يدور بنفس كل من ينشد شريكة حياته فقال: "تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فأظفر بذات الدين تربت يداك" وللعلماء في المعنى المراد من قوله ﷺ : "ترتب يداك" تأويلات ثلاثة: أحدها: أن تربت بمعنى استغنت فتكن دعاء من رسول الله ﷺ لمن يتمثل أمره، وإن كان معناها لغة "افتقرت" فتصير من أسماء الأضداد. الثاني: أن معناه تربت يدالك إن لم تظفر بذات الدين؛ لأن من لم يظفر بذات الدين سلبت منه البركة فافتقرت يداه. الثالث: أنها كلمة تخف على ألسنة العرب في خواتيم الكلام، ولا يريدون بها دعاء ولا ذما فيقولون: ما أشعره قاتله الله، وما رماه شلت يداه ففي هذا الحديث النبوي الشريف بين النبي ﷺ الرغبة التي تدور في نفس كل باحث عن الزواج فبين أن من الناس من يرغب في ذات المال وليستفيد بمالها، ومنهم من يؤثر ذات الحسب

стр. 14

ليشرف بمصاهرة أهلها، ومنهم من يؤثر الجمال لتمتلأ نفسه بهجة وسرور إذا نظر إليها، ومنهم من يفضل ذات الدين والخلق. ورسولنا -صلوات ربي وسلامه عليه- يحث راغبي الزواج على اختيار ذات الدين والخلق الفاضل، وواضح أنه ليس معنى الظفر بذات الدين قصر الاختيار عليه والعدول عما سواه من الصفات الأخرى، وإنما القصد اعتبار الدين أساسا في الاختيار، ولا يمنع هذا من التطلع بعد ذلك إلى شيء من الاعتبارات الأخرى. أما إذا كان اختيار من يرغب في الزواج الجمال وحده فذلك أمر لا يحقق الحياة الزوجية السعيدة؛ لأن الجمال كثيرا ما يولد الغيرة والشك، فضلا عن أنه عرضة للزوال فتزول الرغبة بزواله وتغيره. كما أن اعتبار المال وحده أساس للاختيار أو الحسب كذلك لا تتحقق معهما الحياة الزوجية المنشودة ويُعَرِض الزوجة للتعالي على زوجها والطغيان فتفسد بينهما الحياة الزوجية وإلى هذا المعنى ينبهنا النبي ﷺ فيقول: "لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يُرْدِيهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تُطْغيهن، ولكن تزوجهن على الدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل". فأفضل كنز يحصل عليه الرجل في حياته هو المرأة الصالحة ذات الدين يقول ﷺ : "ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سرته وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته".

стр. 15

فهذا دليل على اختيار صاحبة الدين؛ لأن ذلك عامل رئيسي في إسعاد الحياة الزوجية ليتحقق بذلك السكن والمودة والرحمة من منطلق قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ١. وعلى العكس من ذلك إذا لم يكن كل من الزوجين على جانب كبير من الخلق والدين فإن ذلك يعرض الحياة الزوجية للتقوض والانهدام. فليكن الأساس الأول للاختيار عند الزواج هو الدين؛ لأن ذلك يحقق للرجل هدفين عظيمين: أولهما: إسعاد الرجل. ثانيهما: تنشئة الأولاد نشأة صالحة تتميز بالاستقامة وحسن الخلق لذا قال -صلى الله عليه سلم: "تخيروا لنطفكم فأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم". ٢- أن تكون بكرًا: بكارة الجارية عذرتها، وأصله من ابتكار الفاكهة وهو أكل باكروتها ومنه: ابتكر الخطبة: أدرك أولها، وبكَّر بالصلاة صلاها في أول وقتها، والبكر: بفتح الباء الفتي القوي من الإبل، والباكورة أول الفاكهة. والبِكْرُ: هي العذارء الباقية على حالها الأول لم تفض بكارتها أو التي زالت عذرتها بغير وطء كإصبع أو زيادة طمث أو النزول من أعلى إلى أسفل.

стр. 16

ويستدل على اختيار البكر بما رواه جابر في الصحيحين عن رسول الله -صلى الله عليه سلم- أنه قال له: "هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك". وقوله -صلى الله عليه سلم: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحامًا وأرضى باليسير". وفي رواية أخرى: "عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواها وأضيق أرحامًا وأرضى باليسير من الجماع". وقوله -صلى الله عليه سلم: "أنتق أرحاما" أي أكثر أولادًا يقال للمرأة كثيرة الأولاد ناتق. وفي الحرص على الزواج بالمرأة البكر ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: أنها تحب زوجها الأول وتألفه؛ لأن النفس البشرية مجبولة على الأنس بأول مألوف، بخلاف المرأة التي مارست الرجال وسبق لها الزواج فربما لا ترضى ببعض الأوصاف في زوجها الثاني والتي تخالف ما ألفته في زوجه الأول فيؤدي إلى أن تكره الزوج الثاني. الفائدة الثانية: أن البكر تكون كاملة التودد لزوجها. الفائدة الثالثة: أن البكر لا تحن إلا للزوج الأول: وفي ذلك يقول الشاعر: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأول منزل

стр. 17

إلا إذا كان هناك ما يدعو الرجل إلى نكاح الثيب كأن كانت له زوجة وفارقها بالموت أو الطلاق وتركت له أبناء يحتاجون إلى من تتولى تربيتهم فالثيب أفضل قال جابر ﵁ لرسول الله ﷺ : هلك أبي وترك سبع بنات، أو تسع بنات فكرهت أن أجيئهن بمثلهن، فتزوجت ثيبا، فقال ﷺ : "بارك الله لك". ووجه الدلالة: هو أن الرسول ﷺ عندما علم حاجة جابر إلى نكاح الثيب لتقوم على تربية أخواته أقره على ذلك ودعا له بالبركة. ٣- أن تكون جميلة: أي باعتبار الطبع فيما يظهر ولو سوداء مثلا؛ لأن من مقاصد النكاح العفة وهي لا تحصل إلا بجمال حسب طبعه ولقوله ﷺ : "تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك". ولكن يكره اختيار بارعة الجمال؛ لأنها إما أن تزهو أي تتكبر بجمالها أو تمتد الأعين إليها. والمراد بالجمال: الوصف القائم بالذات المستحسن لذوي الطباع السليمة. وقال الأصمعي: الحسن في العينين، والجمال في الأنف والخد، والملاحة في الفم. وهذا هو الفرق بين الحسن، والجمال، والملاحة.

стр. 18

وحث النبي ﷺ الرجال عند اختيارهم أن تكون المرأة المختارة جميلة حيث قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: "تنكح المرأة لأربع" ومن بينها "الجمال" ولا يتعارض هذا مع ما أخرجه ابن ماجه والبزار والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعا عن رسول الله ﷺ قال: "لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يُرْدِهن، ولا لمالهن فلعله يُطغهن، وانكحوا للدين". وذلك لأن الحديث المتفق عليه والذي يرغب في صفة الجمال عند اختيار شريكة الحياة القصد منه الإخبار من النبي ﷺ بما يفعله الناس في العادة أنهم يرغبون في هذه الخصال الأربع وآخرها ذات الدين. أما الحديث الثاني والذي ظاهره النهي عن اختيار ذات الجمال والمال ذلك؛ لأن كلا منهما عرضة للزوال فلا معنى لإيثار شيء من ذلك على الدين والخلق. ٤- ألا تكون صاحبة ولد من زوج سابق: لما روي أن رسول الله ﷺ قال لزيد بن حارثة: "لا تتزوج خمسًا: شَهْبَرة وهي الطويلة المهزولة، ولا لَهْبَرة وهي الزرقاء البذية، ولا نَهْبَرة وهو العجوز المدبرة، ولا هَنْدَرة وهي القصيرة الدميمة،

стр. 19

ولا لفوتا وهي ذات الولد من غيرك". وقوله ﷺ : "الزرقاء" أي في العين. "البذية": أي في اللسان. وقد قيل: النساء ثلاثة؛ واحدة لك، وواحدة عليك، وواحدة لا لك ولا عليك. أما التي لك فهي البكر، وأما التي عليك فهي الثيب التي لها ولد من غيرك، وأما التي لا لك ولا عليك فهي الثيب التي ليس لها ولد من غيرك. وقال بعض العلماء يكره نكاح خمسة: أنانة: أي كثيرة الأنين والتشكي وتعصب رأسها كل ساعة فنكاح المريضة والمتمرضة لا خير فيه. وحنانة: وهي التي تحن إلى زوج آخر كل ساعة. وحداقة: وهي التي ترمي بعينها إلى كل شيء تكلف زوجها شراءه. وبراقة: وهيا التي تعمل على تجميل وجهها وتزينه، وقيل: هي التي تغضب على الطعام ولا تأكل إلا وحدها تشتغل بنفسها في كل شيء. والشداقة: وهي التي تتشدق كثيرا بالكلام. ٥- ألا تكون أعلى منه قدرًا ونسبًا ومالًا وجاهًا ولا أصغر منه سنا. لأن ذلك كله يؤدي إلى ترافعها عليه وعدم احترامه وربما يؤدي ذلك إلى النشوز والمخالفة والهجر في المضجع وعدم تمكينه من المباشرة فيؤدي كل ذلك إلى قطع العشرة.

стр. 20

فالأولى أن يختار الرجل إما من هي مثلة في المنزلة، أو من هي دونه فيها ليعظم قدره عندها وليحقق معها القوامة التي عبر عنها القرآن الكريم حيث يقول ربنا ﷻ ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ١. ٦- ألا يكون في حلها خلاف: ينبغي على الرجل عند اختيار شريكه حياته أن يختار التي تحل له قولا واحدا ويبتعد عن اختيار المختلف في حلها كالتي زنى هو بها أو تمتع بأمها، أو التي زنى بها أصله أو فرعه، أو التي شك في تحريمها عليه بسبب الرضاع المحرم. ٧- أن تكون ولودا ودودا: وقوله ﷺ : "تزوجوا الولود الودود". وقوله ﷺ : "سوداء ولود خير من حسناء عقيم". وتعرف البكر بأقاربها من النساء، والودود التي تتودد لزوجها بحبها له بسبب ما تتصف به من صفات حميدة. ٨- ألا يكن لها مطلق يرغب في نكاحها: لأن ذلك يؤدي في الغالب إلى إفساد العلاقة الزوجية بينها وبين الزوج الثاني لها بسبب رغبتها وحنينها إلى الزوج الأول. ٩- أن تكون خفيفة المهر: لقوله ﷺ : "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة".

стр. 21

قال عروة: أول شؤم المرأة أن يكثر صداقها. ١٠- ألا تكون ذات قرابة قريبة: لقوله ﷺ : "ولا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاويًا" أي نحيفا. وذلك لضعف الشهوة وقال ابن الصلاح: لم أجد لهذا الحديث أصلا معتمدا، فينبغي ألا يكون لهذه الصفة أثر عند الاختيار لعدم وجود دليل يعتمد عليه، بل الثابت خلافه لأن الرسول ﷺ تزوج بزينب بنت جحش ﵄ وهي بنت عمته، وزوج ابنته فاطمة ﵂ لعلي بن أبي طالب وهو ابن عمه. ومن ثم فلا أرى بأسا من زواج القريبة، وإن كان الطب الحديث أثبت أن هناك عوامل وراثية بين الزوجين القريبين تؤدي أحيانا إلى حدوث تشوهات خلقية لأبنائهما، ولكنه في نفس الوقت قد توصل بفضل الله ثم بفضل الاختراعات العلمية الحديثة إلى الوسائل العلاجية قبل الزواج إلى التغلب على هذه الظاهرة التي قد يصاب بها الجنين الناتج عن زواج الأقارب. ثم قال الخطيب الشربيني -يرحمه الله- بعد أن أورد هذه الصفات التي تختار على أساسها المرأة عند الاقتران بها، وهذه الصفات كلها قل أن يجدها الشخص في نساء الدنيا، وإنما توجد في نساء الجنان فنسأل الله تعالى ألا يحرمنا منهن". ا. هـ.

стр. 22

والاختيار كما يتحقق من جانب الرجل على ما جرى عليه العرف والعادة بصفته الطالب والمرأة المطلوبة. فإنه -أي الاختيار- يتحقق كذلك من جانب المرأة، إما بنفسها أو بوليها، وأساس الاختيار واحد، فإنه ينبغي أن تختار المرأة الزوج الصالح الذي تأمن معه على نفسه ومالها وعرضها وتسعد بحياة زوجية مستقرة في كنف زوجها دون أن تجري وراء المظاهر الخادعة والنزعات الطائشة فإذا جعلت المرأة اختيار شريك حياتها أساسه الجاه والثراء دون اكتراث بما رواء ذلك، فإن هذا الاختيار غالبا ما يعرضها للهزات العنيفة ويجعل حياتها الزوجية مع هذا الزوج غير مستقرة ولا مستديمة. ومن ثم كان لزاما عليها عند اختيارها للزوج المنشود أن يكون ذلك الزوج في المقام الأول صاحب خلق ودين ثم الاعتبارات الأخرى مطلوبة في الزوج ولكن في المرتبة التالية لذلك. فلتنظر إلى المقارنة البلاغية اللطيفة في قوله -عز من قائل- ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ ١. فهذه المقابلة الرائعة تبين لنا بيانا لا شك فيه بأنه يجب على كل من الزوجين أن يختار لنفسه من يناسبه حتى يتم الأنس والوئام والمنشود في الحياة الزوجية الصالحة، لو كان الاختيار من جانب الزوج فقط لاكتفى القرآن الكريم بقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ .

стр. 23

من غير احتياج إلى إيراد العبارة الثانية ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ فالرجل يسعد في حياته وتسعد معه المرأة إذا كان كل منهما على خلق ودين، وإلى هذا المعنى يقول ربنا حل جلاله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ ١. كما أن نبينا المصطفى ﷺ يقول: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلفه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد كبير". وكما قيل: إن صاحب الدين إذا أحب أكرم وإذا كره لم يظلم. فعلى الولي أن يختار لمن له عليها ولاية صاحب الدين والخلق والشرف؛ لأنه إن عاشرها عاشرها بالمعروف، وإن فارقها فارقها بإحسان. ورحم الله تعالى الإمام الجليل أبا حامد الغزالي الذي قال في الإحياء: والاحتياط في حقها أهم؛ لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال، فمن زوج ابنته ظالمًا أو فاسقًا أو مبتدعًا أو شارب خمر فقد جنى على دينه وتعرض لسخط الله تعالى لما قطع من الرحم وسوء الاختيار. قال رجل للحسن بن علي ﵄: إن لي بنتا فمن ترى أن أزوجها له؟ فقال له الحسن ﵁: زوجها ممن يتقي الله فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها.

стр. 24

وقالت عائشة ﵂ النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته. كما يقول ﷺ : "من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها". مرحلة الاختيار: هذا الاختيار الذي حث عليه الإسلام الجانبين راغبي الزواج أو أحدهما أشبه بالعمل التحضيري الذي يبيح شرعا التعرف من أحد الزوجين على الآخر والنظر إليه، من أن يكون ذلك مظهر خارجي أن يشعر به الآخر حتى لا يتأذى إذا ما حدث إعراض. وفي هذا يحدثنا الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵁ فيقول: "خطبت امرأة فكنت أختبئ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها" كما يقول ﷺ : "إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا أراد الخطبة وإن كانت لا تعلم".

стр. 25

المقدمة الثانية: الخطبة مدخل ... المقدمة الثانية الخطبة: بعد المقدمة الأولى للنكاح، وهي الاختيار تأتي المقدمة الثانية "الخطبة". تعريفها: الخطبة -بكسر الخاء وضمها- مأخوذة من خطب -بضم الخاء- لكن خصت الخطبة بضم الخاء بالكلام المنثور أو المسجوع الموجه إلى الغير، ومنها خطبة المنبر.

стр. 26

وخصت الخطبة -بكسر الخاء- بخطبة المرأة للزواج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ١. والخطبة في الاصطلاح: التماس الخاطب النكاح من جهة المخطوبة. ويفهم من التعريف الاصطلاحي للخطبة أنها لا تكون إلا من جانب الرجل فقط ولا تكون من جانب المرأة ولكن إذا ظهرت للمرأة من تراه أصلح لها ولم تظهر منه رغبة مع أنه أهل للزواج فلا مانع شرعا من أن تتقدم وتظهر رغبتها في الزواج منها بنفسها أو بولي من أوليائها أو برسول الله من جهتها. يوضح لنا ذلك القرآن الكريم حين عرضه لموقف شعيب ﵇ مع موسى ﵇ حيث قال شعيب له: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ٢. وتلك هي السيدة خديجة بنت خوليد ﵂ فهي التي خطبت النبي ﷺ قبل الرسالة وأظهرت رغبتها في التزوج منه، ولم يعرف أنه ﷺ كان يفكر في ذلك. وروى البخاري وغيره من حديث سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت أهب نفسي منك -أو لك. على خلاف في الروايات. فقال لها النبي ﷺ : "ما لي في النساء من حاجة" يقول أهل العلم: إن عدم إنكار النبي ﷺ على عرضها نفسها

стр. 27

عليه ورغبتها في الزواج من دليل على جواز خطبة المرأة لمن تراه أهلا للزواج به. وكذلك أخرج البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصه، فقال: سأنظر في أمري، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق ﵁ فقلت: إن شئت زوجتك بنت عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليَّ شيئا وكنت أوجد عليه من عثمان. فعمر بن الخطاب ﵁ عندما توفي زوج ابنته حفصة اهتم بشأنها بعد انقضاء عدتها من زوجها المتوفى عنها وهي في ريعان شبابها فعرضها على كبار الصحابة دون حياء ولا تردد فتزوجها النبي ﷺ فهل ثقلت مؤنة حفصة على أبيها عمر ﵁ لدرجة أن يعرضها بنفسه على من هم في مثل سنه؟ أم أنه يختار لها الأصلح دينا ودنيا. فليكن لكم أيها الأولياء في سلفكم الصالح القدوة الحسنة حتى تسعدوا بناتكم وحتى يجد الشباب والفتيات الطريق الحلال لتكوين أسرة سعيدة يسعد بسعادتها المجتمع. إلا أن المرأة في الغالب يمعنها حياؤها أن تعرض نفسها على من تراه أهلا لنكاحها، وكذلك يستحيي واليها من ذلك، لكن قد يحدث هذا العرض وإظهار الرغبة من أمها أو أختها فإذا ما صادف العرض ما في نفس الرجل فإنه يتقدم لخطبتها، فالدين لا يمنع المرأة من خطبة من تراه أهلا

стр. 28

لنكاحها وإن كان العرف والعادة يمنعان من ذلك، ومع هذا شاع على ألسنة الناس "اخطب لابنتك ولا تخطب لابنك"، مما يدل على أن الناس يريدون التوجه إلى ما يحث عليه الدين لا العرف والعادة.

стр. 29

مشروعية خطبة النساء ... مشروعية الخطبة: يستدل على مشروعية الخطبة من الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ١. ووجه الدلالة من الآية الكريمة أنها أجازت التعريض بالخطبة للمتوفى عنها زوجها وهي في عدتها، فإذا أجاز التعريض بخطبة المعتدة من وفاة فمن باب أولى يجوز في حق الخالية، ومن السنة قوله ﷺ : "إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر فيها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". فدل الحديث بصريح اللفظ على مشروعية الخطبة فضلا عما فيه من أحكام أخرى ستفصل في حينها إن شاء الله تعالى. حكمها والحكمة الشرعية من مشروعيتها: قال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج: قال الغزالي: هي مستحبة وقيل: هي كالنكاح إذ الوسائل كالمقاصد، وأقول: الأصل في الخطبة أنها مستحبة بيد أنها تأخذ حكم النكاح فإن كان النكاح حراما كانت

стр. 30

الخطبة حرامًا، وإن كان واجبا كانت واجبة، وإن كان مندوبا كانت مندوبة وهكذا وفقا للقاعدة الفقهية الوسائل كالمقاصد. والحكمة من مشروعيتها: أنها من مقدمات الزواج ليتعرف كل من الخاطبين على الآخر، فإذا ما وجد التلاقي والتجاوب أمكن الإقدام على الزواج الذي هو رابطة دائمة في الحياة، واطمأن الجانبان إلى أنه يمكن التعايش بينهما بسلام وأمان وسعادة ووئام وحب وطمأنينة وهي أهداف سامية يحرص عليها الجميع الزوج والزوجة والأهل من ورائهم.

стр. 31

شروطها: الخطبة مقدمة للزواج ووسيلة من وسائله، فإن كان الزواج مباحا شرعا كانت الخطبة مباحة، وإن كان حراما كانت هي الأخرى حرام، ولكنه قد يوجد مانع شرعي مؤقت من الخطبة والزواج، ومن ثم فإنه يشترط لإباحة الخطبة شرطان: الشرط الأول: ألا تكون المراد خطبتها مخطوبة للغير: لما رواه الشيخان عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" فإذا ما خطب رجل امرأة فلا يخلو الحال من خمسة أقسام: القسم الأول: أن يجاب الخاطب على طلبه، ففي تلك الحالة يحرم على غيره من الرجال خطبة مخطبوته لنهي النبي ﷺ -

стр. 32

عن ذلك حفاظا للألفة، ومنعا من الفساد وحسما للتقاطع وسواء كان الأول كفئا أو غير كفء. القسم الثاني: أن ترد المخطوبة خاطبها ولا تجيبه على طلبه، فيجوز لغيره من الرجال خطبتها؛ لأنها عندئذ خالية وليست مخطوبة. القسم الثالث: أن يظهر من المخطوبة الرضا بالخاطب ولكنها لم تأذن في العقد وذلك بأن تقرر صداقها أو بشرط ما تريد من الشروط لنفسها ففي جواز خطبة الخاطب الثاني قولان من المذهب: القول الأول: أنه تحرم خطبتها لرضاها بالخاطب الأول عملا بعموم النهي. القول الثاني: أنه لا تحرم خطبتها لعدم تصريحها بالإذن في العقد. القسم الرابع: أن يأذن وليها من غير أن يكون منها إذن أو رضا، فإن كان هذا الولي ممن يزوج بغير إذن كالأب والجد مع البكر حرمت خطبتها لإذن الولي، وإن كان ممن لا يزوج إلا بإذن لم تحرم خطبتها بإذن الولي حتى تكون هي الابنة. القسم الخامس: أن تُخطب ولكن لا يكون منها إذن ولا رضا ولا يكون من رد ولا كراهية فتجوز خطبتها. لما رواه الإمام أحمد في مسنده وغيره من حديث فاطمة بنت قيس المخزومية أن زوجها أبا عمرو بن حفص طلقها طلاقا بائنا، فقال لها النبي ﷺ : "إذا حللت فآذنيني"، فلما حلت جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد خطبني معاوية،

стр. 33

وأبو جهم فقال لها النبي ﷺ : "أما معاوية فصعلوك لا مال له أما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه". وفي رواية أخرى: أخرجها عبد الرزاق في مصنفه قال لها: "أما أبو جهم فأخاف عليك فسفاسته، أي: عصاه، وأما معاوية فرجل أخلق من المال -أي لا مال له". ثم قال لها النبي ﷺ : "أنكحي أسامة بن زيد"، قالت: فكرهته، ثم أطعت النبي ﷺ فنكحته فرزقت منه خيرا واغتبطت. ووجه الدلالة من وجهين: الأول: أنها أخبرت أن معاوية وأباجهم قد خطبها كل منهما بعد صاحبه ولم يذكر النبي ﷺ تحريم ذلك لأنها لم تجب الخاطب الأول على طلبه. الثاني: أن النبي ﷺ قد خطبها لأسامة بعد خطبتها فدل ذلك على أن عدم إجابة المخطوبة الخاطب الأول على طلبه لا يحرم خطبة الخاطب الثاني. وذكرا لما رواه الإمام الماوردي في كتابه الحاوي الكبير فوائد كثيرة مستفادة من حديث فاطمة بنت قيس المخزومية بالإضافة إلى وجه الدلالة السابق ذكره نذكر هذه الفوائد لأهميتها: - جواز ذكر ما في الإنسان من عيب عند السؤال عنه ولا يعتبر ذلك من الغيبة المحرمة؛ لأن النبي ﷺ قال في معاوية: "إنه صعلوك لا مال له".

стр. 34

والتصعلك: التجمل والاضطراب في الفقر. قال في أبي جهم: "لا يضع عصاه عن عاتقه" أي أنه أراد به كثرة الضرب بها لأهله، وقيل: أراد بذلك كثرة أسفاره، يقال لمن سافر: قد أخذ عصاه، ولمن قام قد ألقى عصاه وقيل: أراد به كثرة تزويجه لتنقله من زوجة إلى أخرى، كتنقل المسافر بالعصى من مدينة إلى أخرى. ٢- جواز الابتداء بالمشورة من غير استشارة، حيث أشار النبي ﷺ بأسامة من غير أن تسأل هي عنه. ٣- إباحة الطلاق الثلاث؛ لأن النبي ﷺ ما أنكره على فاطمة عندما أخبرته بأن زوجها عمرو بن حفص قد بَتَّ طلاقها. ٤- جواز خروج المعتدة في زمان عدتها للحاجة؛ لأن فاطمة خرجت لتخبر النبي ﷺ بطلاقها، فلم ينكر عليها خروجها في العدة بل قال لها: "إذا حللت فآذنيني". ٥- جواز كلام المرأة وإن اعتدت، وأن كلامها ليس بعورة. ٦- جواز نكاح غير الكفء؛ لأن فاطمة بنت قيس من بني مخزوم من صميم قريش ومع ذلك أمرها النبي ﷺ بأن تتزوج أسامة وهو من الموالي. ٧- سقوط نفقة المبتوتة. وإذا حرمت الخِطْبة على الخِطْبة على ما سبق بيانه في هذه الأقسام وأقدم رجل على الخطبة مع تحريمها عليه وعقد على مخطوبة الغير فإنه يكون آثما ونكاحه جائز؛ لأن النهي إذا كان لمعنى في غير المعقود

стр. 35

عليه لم يمنع من الصحة كالنهي عن أن يسوم الرجل على سوم أخيه ومع ذلك لو سام وعقد فعقده صحيح. الشرط الثاني: ألا يحرم الزواج بها شرعًا، وذلك بأن لا تكون من المحرمات تحريما مؤبدا كالأخت والعمة والخالة، أو تحريما مؤقتا كأخت الزوجة وزوجة الغير. وقسم الماوردي في كتابه الحاوي الكبير النساء إلى أقسام ثلاثة فقال: اعلم أن النساء ثلاث خلية، وذات زوج، ومعتدة فأما الخلية التي لا زوج لها، فتجوز خطبتها بالتعريض والتصريح. وأما ذات الزوج فلا تحل خطبتها بتعريض ولا بتصريح. وأما المعتدة فعلى ثلاث أقسام: أحدها: أن تكون رجعية، وهذه لا تجوز خطبتها لا تعريضا ولا تصريحا؛ لأن أحكام الزوجية جارية عليها من وجوب النفقة لها ووقوع الطلاق عليها والظهار منها، والتوارث بينهما إن مات أحدهما، وتنتقل إلى عدة وفاة إن مات الزوج وهي لا تزال في عدتها الرجعية، ومتى أراد الزوج مراجعتها في العدة كانت زوجته. الثاني: أن تكون بائنا لا تحل للزوج المطلق حتى تنكح زوجا غيره، أو متوفى عنها زوجها وإن لم يتوجه إلى الزوج بعد موته تحليل ولا تحريم فإذا كانت المرأة مطلقة طلاقا بائنا بينونة كبرى فيحرم على زوجها المطلق لها التصريح والتعريض بخطبتها؛ لأن لا تحل له أثناء

стр. 36

العدة أو بعدها فحرمت عليه خِطْبتها؛ وأما غير الزوج فيحرم عليه التصريح ويجوز له التعريض. استدلالا بحديث فاطمة بنت قيس السابق ذكره والتي طلقها زوجها ثلاثا، فقال لها النبي ﷺ : "إذا حللت فآذنيني"، وفي رواية أخرى: "إذا حللت فلا تسبقيني بنفسك فكان ذلك تعريضا لها". وفي معنى المطلقة ثلاثا الملاعنة تحرم خِطبتها للزوج الملاعن تصريحا وتعريضا، ويجوز لغيره التعريض لها في العدة ويحرم عليه التصريح. والمتوفى عنها زوجها يحرم التصريح لها بالخطبة أثناء عدتها ويجوز التعريض بها في عدتها ولو كانت حاملا لقول الحق : ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ١ والحكمة من تحريم التصريح بالخطبة للمطلقة البائن والمتوفى عنها زوجها والملاعنة في العدة، هي: أن المرأة من شدة رغبتها في الأزواج وغلبة شهوتها ربما يدفعها ذلك أن تخبر بانقضاء العدة قبل أوانها، وقولها في انقضاء العدة مقبول فتصير منكوحة في العدة، فلذلك حرم الله تعالى التصريح حسما لهذا التوهم. الثالث: البائن التي تحل للزوج وهي المختلعة في عدتها، فإنه يجوز لزوجها المخلوع التصريح بخطبتها؛ لأنه يحل له زواجها في العدة أما

стр. 37

غير الزوج فيحرم عليه التصريح قولا واحدا، وفي جواز تعريض لها بالخطبة قولان: أحدهما: لا يجوز لإباحتها للمطلق كالرجعية. والثاني: يجوز؛ لأنه لا يملك رجعتها كالمطلقة ثلاثا. وفي معنى المختلعة الموطوءة بشبهة يجوز للواطئ أن يصرح بخطبتها في العدة؛ لأنها تعتد منه ويحل له نكاحها في العدة ولا يجوز لغيره التصريح، وفي جواز تعريضه قولان: والتصريح: ما زال عنه الاحتمال وتحقق منه المقصود، كقوله لها: أنا راغب فيك وأريد أن أتزوجك. وأما التعريض: فهو الكلام المحتمل كقوله: رب رجل يرغب فيك أو لعل الله يسوق إليك خيرا، أو إذاحللت فآذنيني. ويجوز لها التعريض سرًّا وجهرًا وأما قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ ١. فقيل المقصود: بالسر: الزنا. وقيل: ألا تنكحوهن في عدتهن سرًّا. وقيل: ألا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عددهن ألا ينكحن غيركم. وقيل: إنه الجماع، وسمي سرًّا؛ لأنه يسر ولا يظهر.

стр. 38

وسائل التعرف على المخطوبة: لقد ذكرنا أن حكمة مشروعية الخطبة هي تعرف الخاطبين على بعضهما ولهذا التعرف وسائله المشروعة وهي: أولا: النظر المباشر من الخاطب للمخطوبة، وكذلك من المخطوبة إلى الخاطب ويستدل على إباحة النظر بقوله ﷺ : "إذا خطب أحدكم امرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"، قال جابر: راوي الحديث فخطبت جارية، فكنت اختبئ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة، فقال له النبي ﷺ "انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤْدم بينكما". وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، وإن كانت لا تعلم". فدلت الأحاديث بمجموعها على مشروعية نظر الخاطب إلى مخطوبته للتعرف عليها معرفة تدعوه إلى نكاحها، وكذلك يشرع للمرأة المراد خطبتها أن تنظر إلى من يريد خطبتها؛ لأن المرأة يعجبها من الرجل ما يعجب الرجل منها.

стр. 39

موضع النظر المسموح به شرعا ووقتا وهل يكرر أم لا ... موضع النظر المسموح به شرعا ووقته وهل يكرر أم لا؟: ولكن ما مقدار النظرا لمسموح به شرعًا؟: ينظر الخاطب إلى الوجه والكفين فقط ظاهرًا وباطنًا؛ لأنها مواضع ما يظهر من الزينة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ١. والحكمة من الاقتصار على ذلك أن في الوجه ما يستدل به على الجمال، وفي النظر إلى اليدين ما يستدل به على خصوبة البدن بشرط أن يكون النظر مع وجود محرم للمرأة؛ ذلك لأن الخاطبين أجنبيين وما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. وقت النظر المسموح به شرعًا: يكون قبل الخطبة وبعد العزم على النكاح؛ فإنه قبل العزم لا حاجة إليه، وبعد الخطبة قد يقضي الحال إلى الترك فتضرر المرأة وأهلها بذلك ولا يتوقف النظر على إرادتها ولا وليها اكتفاء بإذن الشارع، ولئلا تتزين فيفوت غرضه، ولكن الأولى أن يكون النظر إليها بإذنها، فإن لم تعجبه سكت. تكرار النظر: وله تكرار النظر إن احتاج إليه؛ ليتبين هيئتها فلا يندم بعد النكاح إذ لا يحصل غالبا بأول نظرة. وقال بعض فقهاء المذهب: يحتمل أن يقدر النظر من أجل الخطبة بثلاث نظرات فقط وحصول المعرفة بها في

стр. 40

الغالب، لقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: "رأيتك ثلاث ليال ثم خطبتك". ولكن الأولى أن له تكرار النظر، سواء أكان بشهوة أم بغيرهابشرط وجود محرم أو نسوة ثقات، حتى لا يختلي الخاطب بالمخطوبة الخلوة المحرمة التي لا يأمن معها وقوع المعصية فلا يختلي رجل أجنبي بامرأة أجنبية إلا وكان الشيطان ثالثهما كما قال ﷺ فيما يرويه الإمام أحمد من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان". ومع ضعف الوازع الديني وعدم التمسك بمبادئ الإسلام الفاضلة وأخلاقه السمحة، والجري وراء التقاليد الغربية تحت ما يسمونه بالتحضر، وليس هو بتحضر بل هو الدمار والفساد الأخلاقي الذي يؤدي في النهاية إلى غضب المولى وانتقامه العادل آجلا أو عاجلا، نرى الكثير من أبناء الأمة المسلمة بمجرد إعلان الخطبة يبيحون للمخطوبة أن تخالط مخطوبها ويختلي بها دون رقيب، وتخرج معه للتنزه في الحدائق العامة وغيرها دون إشراف مما يؤدي إلى ضياع شرف المرأة وهتك عرضها وإهدار كرامتها، وفساد عفافها؛ لأن الخاطب قد يتعجل وقد يستجيب الإنسان لتلبية غرائزة، ويضعف عن مقاومتها في حال الانفراد بالمرأة فيقع الضرر بها، بحجة أنهما يعتزمان النكاح الذي قد لا يتم فيقعان في الحرج وتسوء سمعة المرأة وكثيرا ما
следующие страницы →