← Фараид

Фараид · id 8640

فقه النكاح والفرائض

محمد عبد اللطيف قنديل

Полный текст (373 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

العدة أو بعدها فحرمت عليه خِطْبتها؛ وأما غير الزوج فيحرم عليه التصريح ويجوز له التعريض. استدلالا بحديث فاطمة بنت قيس السابق ذكره والتي طلقها زوجها ثلاثا، فقال لها النبي ﷺ : "إذا حللت فآذنيني"، وفي رواية أخرى: "إذا حللت فلا تسبقيني بنفسك فكان ذلك تعريضا لها". وفي معنى المطلقة ثلاثا الملاعنة تحرم خِطبتها للزوج الملاعن تصريحا وتعريضا، ويجوز لغيره التعريض لها في العدة ويحرم عليه التصريح. والمتوفى عنها زوجها يحرم التصريح لها بالخطبة أثناء عدتها ويجوز التعريض بها في عدتها ولو كانت حاملا لقول الحق : ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ١ والحكمة من تحريم التصريح بالخطبة للمطلقة البائن والمتوفى عنها زوجها والملاعنة في العدة، هي: أن المرأة من شدة رغبتها في الأزواج وغلبة شهوتها ربما يدفعها ذلك أن تخبر بانقضاء العدة قبل أوانها، وقولها في انقضاء العدة مقبول فتصير منكوحة في العدة، فلذلك حرم الله تعالى التصريح حسما لهذا التوهم. الثالث: البائن التي تحل للزوج وهي المختلعة في عدتها، فإنه يجوز لزوجها المخلوع التصريح بخطبتها؛ لأنه يحل له زواجها في العدة أما

стр. 37

غير الزوج فيحرم عليه التصريح قولا واحدا، وفي جواز تعريض لها بالخطبة قولان: أحدهما: لا يجوز لإباحتها للمطلق كالرجعية. والثاني: يجوز؛ لأنه لا يملك رجعتها كالمطلقة ثلاثا. وفي معنى المختلعة الموطوءة بشبهة يجوز للواطئ أن يصرح بخطبتها في العدة؛ لأنها تعتد منه ويحل له نكاحها في العدة ولا يجوز لغيره التصريح، وفي جواز تعريضه قولان: والتصريح: ما زال عنه الاحتمال وتحقق منه المقصود، كقوله لها: أنا راغب فيك وأريد أن أتزوجك. وأما التعريض: فهو الكلام المحتمل كقوله: رب رجل يرغب فيك أو لعل الله يسوق إليك خيرا، أو إذاحللت فآذنيني. ويجوز لها التعريض سرًّا وجهرًا وأما قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ ١. فقيل المقصود: بالسر: الزنا. وقيل: ألا تنكحوهن في عدتهن سرًّا. وقيل: ألا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عددهن ألا ينكحن غيركم. وقيل: إنه الجماع، وسمي سرًّا؛ لأنه يسر ولا يظهر.

стр. 38

وسائل التعرف على المخطوبة: لقد ذكرنا أن حكمة مشروعية الخطبة هي تعرف الخاطبين على بعضهما ولهذا التعرف وسائله المشروعة وهي: أولا: النظر المباشر من الخاطب للمخطوبة، وكذلك من المخطوبة إلى الخاطب ويستدل على إباحة النظر بقوله ﷺ : "إذا خطب أحدكم امرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"، قال جابر: راوي الحديث فخطبت جارية، فكنت اختبئ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة، فقال له النبي ﷺ "انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤْدم بينكما". وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، وإن كانت لا تعلم". فدلت الأحاديث بمجموعها على مشروعية نظر الخاطب إلى مخطوبته للتعرف عليها معرفة تدعوه إلى نكاحها، وكذلك يشرع للمرأة المراد خطبتها أن تنظر إلى من يريد خطبتها؛ لأن المرأة يعجبها من الرجل ما يعجب الرجل منها.

стр. 39

موضع النظر المسموح به شرعا ووقتا وهل يكرر أم لا ... موضع النظر المسموح به شرعا ووقته وهل يكرر أم لا؟: ولكن ما مقدار النظرا لمسموح به شرعًا؟: ينظر الخاطب إلى الوجه والكفين فقط ظاهرًا وباطنًا؛ لأنها مواضع ما يظهر من الزينة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ١. والحكمة من الاقتصار على ذلك أن في الوجه ما يستدل به على الجمال، وفي النظر إلى اليدين ما يستدل به على خصوبة البدن بشرط أن يكون النظر مع وجود محرم للمرأة؛ ذلك لأن الخاطبين أجنبيين وما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. وقت النظر المسموح به شرعًا: يكون قبل الخطبة وبعد العزم على النكاح؛ فإنه قبل العزم لا حاجة إليه، وبعد الخطبة قد يقضي الحال إلى الترك فتضرر المرأة وأهلها بذلك ولا يتوقف النظر على إرادتها ولا وليها اكتفاء بإذن الشارع، ولئلا تتزين فيفوت غرضه، ولكن الأولى أن يكون النظر إليها بإذنها، فإن لم تعجبه سكت. تكرار النظر: وله تكرار النظر إن احتاج إليه؛ ليتبين هيئتها فلا يندم بعد النكاح إذ لا يحصل غالبا بأول نظرة. وقال بعض فقهاء المذهب: يحتمل أن يقدر النظر من أجل الخطبة بثلاث نظرات فقط وحصول المعرفة بها في

стр. 40

الغالب، لقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: "رأيتك ثلاث ليال ثم خطبتك". ولكن الأولى أن له تكرار النظر، سواء أكان بشهوة أم بغيرهابشرط وجود محرم أو نسوة ثقات، حتى لا يختلي الخاطب بالمخطوبة الخلوة المحرمة التي لا يأمن معها وقوع المعصية فلا يختلي رجل أجنبي بامرأة أجنبية إلا وكان الشيطان ثالثهما كما قال ﷺ فيما يرويه الإمام أحمد من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان". ومع ضعف الوازع الديني وعدم التمسك بمبادئ الإسلام الفاضلة وأخلاقه السمحة، والجري وراء التقاليد الغربية تحت ما يسمونه بالتحضر، وليس هو بتحضر بل هو الدمار والفساد الأخلاقي الذي يؤدي في النهاية إلى غضب المولى وانتقامه العادل آجلا أو عاجلا، نرى الكثير من أبناء الأمة المسلمة بمجرد إعلان الخطبة يبيحون للمخطوبة أن تخالط مخطوبها ويختلي بها دون رقيب، وتخرج معه للتنزه في الحدائق العامة وغيرها دون إشراف مما يؤدي إلى ضياع شرف المرأة وهتك عرضها وإهدار كرامتها، وفساد عفافها؛ لأن الخاطب قد يتعجل وقد يستجيب الإنسان لتلبية غرائزة، ويضعف عن مقاومتها في حال الانفراد بالمرأة فيقع الضرر بها، بحجة أنهما يعتزمان النكاح الذي قد لا يتم فيقعان في الحرج وتسوء سمعة المرأة وكثيرا ما

стр. 41

ويحدث ذلك نتيجة الاتصالات غير الشرعية، فلا عبرة بالعرف الذي اعتاده هؤلاء الجهلة بشريعة الله فهو عرف فاسد وشرع الله أولى بالاتباع والاعتبار. بجانب هؤلاء نرى من يكون غاية في التشدد فلا يسمحون للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته ويعقدون له عليها دون أن يراها أو تراه إلا ليلة الزفاف، وربما تكون الرؤية حينئذ مفاجئة لهما غير متوقعة فيحدث ما لم تحمد عقباه. وبعض ثالث يكتفون بالنظر إلى الصورة الشمسية التي لا تدل في الواقع على شيء يمكن الاطمئنان عليه، وذلك لأنها لا تصور الحقيقة تصويرًا دقيقا. فخير الأمور هو الالتزام بشرع الله؛ لأن فيه مراعاة لكلا الزوجين حيث سمح بأن ينظر كل منهما للآخر، مع تجنب الخلوة صيانة للعرض وحماية للشرف. ثانيا: إرسال امرأة يثق بها الخاطب تنظر إليها وتصفها له. ويستدل على ذلك بما روي أن رسول الله -صلى الله عليه سلم- أرسل أم سليم إلى امرأة، فقال لها: انظري عُرْقُوبها وشمي معاطفها، وفي رواية أخرى "شمي عوارضها" وهي الأسنان التي في عرض الفم، والمراد اختبار رائحة الفم، وأما المعاطف، فهي ناحيتا العنق، والمراد اختبار رائحة جسدها، والعُرْقوب: هو أسفل الساق من الخلف والنظر إليه لمعرفة الجمال وعدمه في الرجلين.

стр. 42

وللمرأة أن تفعل مثل ذلك فترسل رجلا ينظر إلى الخاطب ويصفه لها؛ لأنه يعجبها من الرجل ما يعجبه منها. وبمناسبة الحديث عن مشرويعة نظر الخاطب إلى المخطوبة بقصد التعرف عليها لنكاحها، اعتاد فقهاؤنا الشافعية -يرحمهم الله- أن يتحدثوا في كتبهم عن بقية أنواع نظر الرجل البالغ العاقل إلى المرأة الباغلة العاقلة ولو كانت عجوز لا تشتهي؛ لأهمية معرفتها استكمالا للفائدة. فنظر الرجل البالغ العاقل١ إلى المرأة البالغة العاقلة يتنوع إلى عدة أنواع: أولا: منها النظر إلى من يحل له نكاحها بقصد خطبتها قد تحدثنا عنه. ثانيا: نظر الرجل البالغ العاقل ومن في حكمه إلى بدن امرأة أجنبية غير الوجه والكفين ولو غير مشتاه لغير حاجة فحرام قولا واحدًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ٢. ووجه الاستدلال: أن الآية الكريمة تأمر الرجال بغض البصر؛ لأنه مظنة الفتنة ومحرك الشهوة. أما النظر إلى الوجه والكفين فحرام قولا واحدا عند خوف الفتنة: التي هي ميل النفس ودعاؤها إلى الجماع ومقدماته.

стр. 43

ولفقهاء المذهب عند عدم الخوف من الفتنة وجهان: الوجه الأول: لمتقدمي الأصحاب أنه لا يحرم النظر ولكنه يجوز مع الكراهة لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ١. فالمراد من قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفان هكذا قال ابن عباس وعائشة. وغيرهما ﵄ ورجحه الطبري. والوجه الثاني: أنه يحرم؛ لأنه -أي النظر- مظنة الفتنة ومحرك للشهوة، فيحرم سدا للذرائع، وصوت المرأة الأجنبية ليس بعرة ويجوز الإصغاء إليه عند أمن الفتنة، وإن خافها حَرُمَ. ثالثا: النظر إلى بدن الزوجة يجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدن زوجته حال حياتهما؛ ذلك لأنه محل استمتاعه، إلا الفرج فيكره النظر إلى ظاهرة وإلى باطنه أشد كراهة، لقول أم المؤمنين عائشة ﵂: "ما رأيت منه ولا رأى مني": أي الفرج: فقول أم المؤمنين عائشة ﵂ نص في الكراهة؛ لاحتمال أن يكون نفيها الرؤية لشدة الحياء وأما خبر "النظر إلى الفرج يورث الطمس" أي: العمى، فمحمول على الكراهة، واختلفوا في قوله: يورث العمى، فقيل: عمى الناظر، قيل: عمى الولد إن قدر لهما، وقيل: عمى القلب.

стр. 44

واختلف فقهاء المذهب في نظر الزوج إلى دبر زوجته فقال: بعضهم بإباحته، وقال البعض الآخر: بالكراهة وهو المعتمد في المذهب، وقال بعض ثالث: بحرمة النظر إليه. ولو وطء أجنبي زوجة غيره بشبهة فإنه يحرم على زوجها النظر إلى ما بين السرة والركبة ويحل ما سوى ذلك على الصحيح في المذهب، أثناء عدتها من هذا الوطء، وعلى الأصح لا يحرم نظره إلى ما بين السرة والركبة؛ لأنها لا تزال زوجة له وإن كانت تعتد من وطء غيره لها بشبهة، ولا يلزم من كراهة النظر إلى فرج الزوجة ظاهرًا وباطنًا مسه فإنه يباح ذلك؛ لانتفاء العلة التي ذكرت في الخبر القائل "النظر إلى الفرج يورث الطمس". وفي مغني المحتاج قال: سأل أبو يوسف أبا حنفية -يرحمه الله- عن رجل مس فرج زوجته وعكسه، فقال: لا بأس به، وأرجو أن يعظم أجرهما. نظر الزوجة كنظر زوجها إليها إلا أنها لا تنظر إلى عورته إذا منعها من ذلك؛ فإذا منعها حرم عليها النظر لما بين السرة والركبة؛ بخلاف العكس أي إذا منعته من النظر لا يحرم عليه ذلك؛ لأنها محل لاستمتاعه وربما أدى نظره إلى عورتها ومسها إلى تحريك شهوته بلا ضرر يترتب عليه، وإذا ماتت الزوجة فالمعتمد في المذهب أنه يجوز له النظر بعد موتها لجميع جسدها حتى الفرج بغير شهوة؛ ذلك لأنه يجوز له تغسيلها مسلمة كانت أم ذمية. لقول النبي -صلى الله عليه

стр. 45

وسلم- لعائشة ﵂: "ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك". ولأن حقوق النكاح لا تنقطع بالموت بالدليل التوارث بينهما كما أن للزوجة أن تقم بتغسيل زوجها لقول عائشة ﵂: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ إلا نساؤه". رابعا: النظر إلى ذوات المحارم والمقصود بهن المحرمات على التأبيد بنسب أو إرضاع أو مصاهرة فينظر إلى جميع البدن إلا ما بين السرة والركبة؛ لأن المحرمية التي بينهما معنى يوجب حرمة المناكحة فكانا كالرجلين والمرأتين، والسرة والركبة ليستا من العورة ومن ثم فإنه يباح النظر إليهما. وإباحة النظر إلى جميع بدن المحرمات على التأبيد عدا ما بين السرة والركبة مشروطة بأن يكون النظر بدو شهوة، فإن كان بشهوة حرم مطلقا؛ لأن ما أدى إلى حرام فهو حرام. وقيل: لا ينظر من محارمه على التأبيد إلا ما يظهر منها فقط عند الخدمة كيدها وشعرها وعنقها ورجلها إلى الركبة للضرورة وما عداه لا ضرورة للنظر إليه. أما المحرمة على التأقيت كأخت الزوجة فهي كالأجنبية في حكم النظر إليها.

стр. 46

خامسا: النظر للمداوة كنظر الطبيب المعالج إلى المرأة الأجنبية لمعالجتها والعكس. فهو جائز شرعًا ولكن بشروط: الشرط الأول: لا يتجاوز في النظر موضع الحاجة حتى ولو كان المحتاج إلى معالجته الفرج أو الدبر. الشرط الثاني: أن يأمن الافتتان بوجود محرم لها أو عدد من النسوة الثقات. الشرط الثالث: أن يكون الطبيب المعالج معروف بالأمانة. لا فرق في ذلك من أن يكون الطبيب رجلا والمعالج امرأة أو العكس. الشرط الرابع: ألا يوجد من يعالج المريض من جنسه، فإن كان المريض امرأة فالأولى أن تقوم على علاجها امرأة مثلها مسلمة، فإن تعذرت فصبي مسلم يستطيع ذلك، فإن تعذر فصبي كافر، فإن تعذر فامرأة كافرة، فإن تعذرت فَمَحْرمها المسلم، فإن تعذر فمحرمها الكافر فإن تعذر فأجنبي مسلم، فإن تعذر فأجنبي كافر. سادسًا: النظر للشهادة تحملا وأداء أو المعاملة من بيع ونحوه فجائز حتى لو كان النظر للشهادة على الزنا والولادة وإلى الثدي للشهادة على الرضاع، وكذلك يجوز للرجل أن ينظرإلى وجه المرأة إذا باع إليها ولم يعرفها فإنه ينظر إليها ليرد عليها الثمن بالعيب، ويجوز لها أن تنظر لوجهه لترد عليه المبيع بالعيب.

стр. 47

وإذا ادعت المرأة عُبَالة زوجها -أي غلظ ذكره- بصورة تؤذيها وتألمها عند مجامعتها، فإنه يجوز للنسوة النظر إلى ذكر الزوج؛ لأن العُبَالة إنما تثبت بالنساء ولأنها مما لا يطلع عليه الرجال غالبًا. هذا كله مشروط بأمنه الفتنة، فإن خاف الوقوع في الفتنة لم ينظر إلا أن تعين فينظر ويضبط نفسه. سابعًا: النظر للتعليم فجائز شرعًا بشروط أربعة: الشرط الأول: ألا توجد امرأة تقوم بما يقوم به الرجل. الشرط الثاني: ألا يوجد من محارم المرأة بما يقوم بذلك. الشرط الثالث: أن يتعذر التعليم من رواء حجاب. الشرط الرابع: أن يأمن الفتنة، فإن خافها حرم النظر. ثامنًا: نظر المرأة إلى محارمها بنسب، أو رضاع أو مصاهرة. فإنه يجوز لها أن تنظر إلى جميع جسده عدا ما بين السرة إلى الركبة. تاسعًا: نظر الرجل إلى الرجل، جائز عدا ما بين السرة إلى الركبة. عاشرًا: نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي. الأصح أنه كنظره إليها تنظر منه إلى الوجه والكفين فقط إلا إذا خيف الفتنة فيحرم النظر. ومتى حرم النظر في كل ما سبق ذكره من أنواع النظر، حرم المس؛ لأنه أبلغ في اللذة وإثارة الشهوة، بدليل أنه لو مس فأنزل أفطر، ولو نظر فأنزل لم يفطر.

стр. 48

حكم المضاجعة والمصافحة: المضاجعة: ضجع كمنع، ضجعا وضجوعًا، وضع جنبه بالأرض، وأضجعته، وضعت جنبه بالأرض، والمضاجع وضع الجنب بالأرض. ويحرم اضجاع رجلين أو امرأتين أو رجل وامرأة بلغا الرشد في ثوب واحد سواء أكان أجنبيين أم غير أجنبيين كالأب وابنه أو الابن وأخته، أو أمه، أو الرجل وصديقه، أو المرأة وجارتها، إذا كانا عاريين تماما ولو كان كل منهما في جانب الفراش؛ لقوله ﷺ : "لا يُفض الرجل إلى الرجل والمرأة إلى المرأة في الثوب الواحد". أما إذا لم يتجردا من ثيابهما أو تجرد أحدهما دون الآخر فيجوز نومهما في فراش واحد ولو متلاصقين. المصافحة: الأخذ باليد كالتصافح: ومن السنة أن يتصافح الرجلان إذا التقيا، وكذلك المرأتان؛ لقوله ﷺ : "ما من مسلمين يلتقيان يتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا". فإن اختلف الجنس بأن كانا رجل وامرأة فإن كانت امرأة لا تُشتهى لكونها عجوزا أوصغيرة جازت المصافحة لعدم الخوف من الفتة أما إن كان المرأة بالغة تُشتهى فإنه تجوز مصافحتها إذا أمن الخوف من الفتنة وانعدمت الشهوة، ولكن إذا أدت المصافحة إلى وجود الشهوة

стр. 49

والتلذذ من أحدهما أو خيفت الفتنة على أحد الطرفين حرمت المصافحة سدًّا للذرائع. بل لو فقد هذان الشرطان أمن الفتنة وانعدام الشهوة بين الرجل ومحارمه بنسب أو رضاع أو مصاهرة لكانت المصافحة حينئذ حرامًا وينبغي الاقتصاد في المصافحة بين الرجل والمرأة على موضع الحاجة كالأقارب والأصهار الذين بينهم خلطة وصلة قوية، ولا ينبغي التوسع في ذلك أخذا بالأحوط وسدًّا للذريعة واتقاء للشبهة، واقتداء بالنبي ﷺ الذي لم يثبت عنه أنه صافح امرأة أجنبية قط، وأفضل للمسلم المتدين والمسلمة المتدينة ألا يبدأ أحدهما بالمصافحة، لكن إذا صوفح صافح، قال أحد الفقهاء: تكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص.

стр. 50

المعانقة والتقبيل: العناق والمعانقة وتعانقا اعتنقا: إذا جعل أحدهما يده على عنق أخيه وضمه إلى نفسه. ويكره أن يعانق المسلم أخاه وأن يقبله في رأسه، ولو كان صالحا لما أخرجه الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل منا من يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: "لا"، قال الرجل: أفيلزمه -أي يعانقه ويقبله- قال: "لا"، قال الرجل: فيأخذه بيده يصافحه؟ قال: "نعم".

стр. 51

وعلى هذا فإذا التقى المسلم بأخيه المسلم فالسنة المصاحفة فقط مع ما يشاء من عبارات الترحيب والتسليم، أما المعانقة فلا تكون إلا لقادم من سفر. بدليل ما أخرجه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح عن أنس ﵁ كان أصحاب النبي ﷺ "إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا". وإذا كان هذا حكم المعانقة بين الرجال فإنه ينسحب على المعانقة عند اللقاء بين المرأتين. ويتأكد النهي إذا كان أمام الأجانب فإنه لا يجوز شرعًا؛ لأن فيه إثارة للأجنبي، وخضوعا لا يليق بالمرأة، والحياء كله خير. ومن السنة تقبيل الولد الصغير ولو ولد غيره، ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح، كما يسن تقبيل يد الحي الصالح ونحوه من الأمور الدينية كعلم وشرف وزهد، ويكره ذلك لغناه ونحوه من الأمور الدنيوية كشوكته ووجاهته. ومن السنة القيام لأهل الفضل من علم أو صلاح أو نحو ذلك إكراما لا رياء وتفخيما. ويستدل على ذلك بأحاديث صحيحة ذكرها الإمام النووي في كتاب السلام من كتاب الأذكار فارجع إليها إن شئت.

стр. 52

الصفة الشرعية للخطبة والعدول عنها: الصفة الشرعية للخطبة: ليست الخطبة إلا مجرد وعد بالزواج، ومن ثم فإنها غير ملزمة لأحد الطرفين -الخاطب والمخطوبة؛ لأنها ليست عقدا وإنما هي وعد بالزواج، لذلك فإنها لا تبيح شرعا للخاطبين إلا النظر إلى مواضعه التي سبق الحديث عنها بشرط وجود محرم للمخطوبة؛ لأنها أجنبية عن الخاطب. فإذا ما ترآى لأحد الطرفين عدم المضي في إتمام الزواج فإن له ذلك؛ لأن أمر الزواج له شأنه وخطره فيجب فيه التروي وعدم التسرع حتى لا يندم بعد فوات الأوان. وما اعتاده الناس من تقديم ما يسمونه بالدبلة والشبكة، فإنه أمر لا يمنع منه الشرع طالما أنه لا يتنافى مع قواعده وأحكامه، وإن كان الشرع لا يلزم به إلا إذا كانت هناك اتفاق خاص نزولا على حكم العرف، وهذا موقف إسلامي عظيم. فالخطبة ليست من قبيل التعاقد حتى لو اقترنت بقراءة الفاتحة وتقديم بعض الهدايا ودفع المهر، فلكل منهما حق العدول وإن كان الوفاء بالوعد أمر مستحب. العدول عن الخطبة: تعارف الناس فيما بينهم عند إعلان الخطبة أن يقرءوا الفاتحة تبركا للوعد بالزواج كما يصاحب، إعلان الخطبة أيضا تقديم الشبكة والهدايا

стр. 53

تعبيرا عن الجدية في الارتباط، وأحيانا يدفع المهر المتفق عليه كله أو بعضه استعدادا لتجهيز بيت الزوجية. وربما يحدث بين الخاطبين مانعا يمنع من إتمام عملية الزواج فيعدل أحدهما أو كلاهما عن الخطبة. فإذا ما حدث ذلك فلا يخلو الحال من أمرين: أولهما: أن يكون سبب العدول هو موت أحد الخاطبين. الثاني: ألا يكون سبب العدول الموت. فإذا كان سبب العدول هو موت الزوج فلورثته الحق في استرداد جميع ما دفع من هدايا ونقود إن مات بعد الخطبة قبل العقد أو بعده وقبل الدخول، أما بعد الدخول فليس لهم الحق في استرداد ما قدم من قبل مورثهم؛ لأنها زوجة وليست مخطوبة. وإن ماتت المخطوبة بعد إعلان الخطبة قبل العقد فمن حق الخاطب استرداد جميع ما قدمه للمخطوبة. وإن ماتت بعد العقد قبل الدخول فليس من حق الخاطب أن يسترد شيئا مما قدم. وإن كان سبب العدول ليس موت أحد الخاطبين فلا يخلو الحال من أمرين: أولهما: ألا يكون قد صاحب الخطبة أو قراءة الفاتحة إيجاب وقبول وعدل أحد الخاطبين عنها، فإن كان قد دفع إليها المهر كله أو بعضه فله

стр. 54

استرداده؛ لأن المهر قد دفع نظير عقد لم يتم، أما ما قدم من شبكة وهدايا فله استرداده إلا ما هلك منها، ويحتكم في مثل هذه الأمور إلى العرف والاتفاق. الثاني: أن يكون قد صاحب الخطبة وقراءة الفاتحة إيجاب وقبول بحضور شاهدين. ففي هذه الحالة يعتبر عقد شرعي له آثاره الشرعية، فإن كان العدول من جهة المخطوبة بسبب من جهتها فعندئذ تجري بينهما صيغة الخلع لإبراء الزوج مما لها عليه ولا يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وإن كان العدل من جهة الخاطب بسبب من جهته ولم يكن قد سمى لها مهرا فلها المتعة تطيبا لخاطرها تقدر متعتها حسب حال الخاطب يسرًا وعسرًا وتوسطًا؛ لأن العدول هنا طلاق قبل الدخول، والله تعالى يقول: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ١. وإن كان قد سمى لها مهرا فلها نصفه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ٢. وإنما لم يجب لها المهر كله ووجب لها نصفه؛ لأنها لم تسلم له البضع فكان لها النصف تطيبا لخاطرها. وفي كلتا الحالتين لا تجب عليها العدة

стр. 55

لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ ١. أما الشبكة والهدايا فمن حقه استرداد ذلك إلا إذا كان هناك شرط أو اتفاق على عدم الرد عند العدول عن الخِطْبة.

стр. 56

ممن تخطب المراد خطبتها ؟ : تخطب البكر البالغة العاقلة الرشيدة من نفسها أو من وليها، أما الصغيرة فإنها تخطب وتزوج من وليها لا من نفسها؛ لعدم إدراكها ما فيه مصلحتها إن كانت بكرًا. ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ خطب عائشة ﵂ من أبيها أبي بكر، فقال له أبو بكر ﵁: إنما أنا أخوك، فقال له النبي ﷺ : "أنت أخي في دين الله وكتابه هي حلال لي". ووجه الدلالة من الحديث هو إن خِطْبة الصغيرة البكر تكون من وليها كما دل كذلك على أن للأب تزويجها قبل البلوغ فعقد النبي ﷺ على عائشة بعد خِطبتها من أبيها هي بنت ست سنين، ودخل بها بعد بلوغها وهي بنت تسع سنين. وإن كانت الصغيرة ثيب عاقلة دون البلوغ فلا تزوج إلا بعد بلوغها وإذنها وبالتالي فإنها تخطب من نفسها أو وليها بعد بلوغها وإن كانت

стр. 57

مجنونة صغيرة كانت أم كبيرة فإنها تخطب من وليها، وإن كانت الثيب بالغة عاقلة فإنها تخطب من نفسها لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت: لما مات أبو سلمة أرسل إليَّ النبي ﷺ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ يخطبني له" إلخ. ووجه الدلالة من الحديث أن الثيب البالغة العاقلة إنما تخطب من نفسها؛ لأنها أحق بنفسها.

стр. 58

عقد النكاح: تمهيد: الترغيب في النكاح: رغب الإسلام في النكاح فتارة يذكره ربنا في تعداد النعم التي أنعم بها علينا حيث يقول: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ ١. وأحيانا يذكره على أنه آية من آياته فيقول -عز من قائل: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٢. وتارة يذكره ربنا -جلال جلاله- على أنه سنة من سنن المرسلين، وأنهم في ذلك القدوة التي يجب علينا أن نهتدي بها فيقول : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ٣. وقد يحجم بعض الناس عن الزواج ويبتعدون عنه مخافة الوقوع في أعبائه، فيوجه الإسلام أنظارهم إلى أن النكاح سبب من أسباب الغنى المادي فيقول ربنا -جلال جلاله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤. ويؤكد هذه الحقيقة القرآنية الرسول ﷺ حيث يقول: فيما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁: "ثلاثة حق على الله عونهم؛ المجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء، والنكاح يريد العفاف". فالزوجة الصالحة سبب من أسباب خيري الدنيا والآخرة، روى الطبراني بسند جيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أربع من أعطيهن فقد

стр. 59

أعطي خير الدنيا والآخرة؛ قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وجسدا على البلاء صابرا، وزوجة صالحة لا تبغيه حوبا في نفسه وماله". وروى مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة". فهذا كله وغيره ترغيب في النكاح وحض عليه؛ لأنه عبادة يستكمل الإنسان به نصف دينه، مصداقا لقوله ﷺ : "من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني". تعريفه: النكاح في اللغة: الضم والجمع، ومنه تناكحت الأشجار إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض. وشرعًا: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمت ذلك. والعرب تستعمله بمعنى العقد والوطء جميعا فإذا قالوا: نكح فلانا فلانة أو بنت فلان أرادوا بذلك أنه تزوجها وعقد عليها وإذا قالوا: نكح زوجته أو امرأته أرادوا بذلك الوطء. الحكمة من مشروعيته: لقد رغبنا الإسلام في النكاح، وحببنا فيه على النحو الذي علمناه من خلال الكتاب والسنة لما في النكاح من آثار نافعة على النوع الإنساني عامة، وعلى الفرد نفسه وعلى الأمة أجمع، للحكم الشرعية التالية: أولًا: لا تستمر الحياة البشرية إلا مع المحافظة على الأنساب التي اعتنى بها الإسلام عناية فائق، والزواج الشرعي هو أحسن سيلة لإنجاب الأولاد وتكثيبر النسل امتثالا لقوله ﷺ : "تزوجوا الودود والولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".

стр. 60

وفي هذا يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي -يرحمه الله- وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة وجوه هي الأصل في الترغيب في النكاح: الأول: موافقة محبة الله في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان. الثاني: طلب محبة رسول الله ﷺ في تكثير من به مباهاته. الثالث: طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده. الرابع: طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله. ا. هـ. ثانيا: النكاح المشروع أحسن سيلة لإشباع الغريزة الجنسية التي هي من أقوى الغرائز وأعنفها، فإذا ما سكنت سكنت النفس عن الصراع، وكف النظر عن محارم الله، واطمئنت العاطفة إلى ما أحل الله. وإلى هذا كله يشير ربنا ﷻ قائلا: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ١. كما يقول ﷺ فيما يرويه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم من امرأة ما يعجبه فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه". ثالثا: التحصن من الشيطان وكسر التوقان ودفع غوائل الشهوة وغض البصر وحفظ الفرج، يرشدنا إلى هذا رسول الله ﷺ فيقول: "من نكح فقد حصن نصف دينه فليتق الله في الشطر الآخر". رابعًا: الترويح عن النفس وإيناسها بالمجالسة، والنظر، والملاعبة، مما يكون سببا في إراحة القلب وتفريغه للعبادة.

стр. 61

فالنفس البشرية من طبعها الملل والنفور عن الحق؛ لأنه على خلاف طبعها، فلو كلفت المداومة، بالإكراه على ما يخالفها جمحت ونفرت، وإذا روحت بالذات في بعض الأوقات قويت ونشطت. وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يريح القلب ويزيل الكرب وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات، لذلك يقول الحق : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ١. ويقول الإمام علي بن أبي طالب ﵂: روحوا القلوب ساعة فإنها إذا كرهت عميت. خامسًا: تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة. فالرجل لو تكفل بجميع أعمال المنزل لضاع أكثر أوقاته، ولم يتفرغ للعلم والعمل، فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل عون على الدين بهذه الطريقة. وأخرج الترمذي وحسنه عن رسول الله ﷺ قال: "ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعين على الآخرة". سادسًا: مجاهدة النفس بالقيام على حقوق الزوجة والصبر على أخلاقها، وتحمل الأذى منها والعمل على إصلاحها وإرشادها إلى طريق الله المستقيم، والاجتهاد في تحري الكسب الحلال لأجلها والقيام بتربية الأبناء كل هذه حكم سامية وأعمال عظيمة. لأنه لا يستويمن اشتغل بإصلاح نفسه فقط مع من اشتغل بإصلاح نفسه وغيره. وفي الحديث المتفق عليه يقول ﷺ : "ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة، وإن الرجل ليؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته".

стр. 62

وعند ابن ماجه من حديث عمران بن حصين قال: قال ﷺ : "إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال". وقال بعض السلف الصالح: إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها وإلا الغم بالعيال، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : "إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة". وقد يشوب الزوجية بعض المتاعب بسبب الأولاد وأعباء الحياة الزوجية، ولكن الزوج يشعر مع هذا كله بالسعادة والطمأنينة وإشباع النفس في حين أن غير المتزوج غالبًا يشغر بفراغ في حياته ودلت الإحصائيات التي قام بها أحد الباحثين على أن عدد الذين يدخلون المستشفيات العقلية نسبتهم عادة أربعة من غير المتزوجين إلى واحد من المتزوجين، كما أن حوادث الانتحار بين غير المتزوجين أكثر منها بين المتزوجين وأن المتزوجين يتصفون عادة بالاتزان العقلي والخلقي وحياتهم هادئة ولا يشوبها الشذوذ والسويداء اللذان يتصف بهما عدد كثير من غير المتزوجين، وتوصلت الأبحاث العلمية إلى أن النساء المتزوجات مع ما يعانينه من متاعب الولادة والأمومة ومشاكل الحياة الزوجية والمنزل غالبا ما يعمرن أطول من زميلاتهن اللواتي يقضين حياتهن عانسات. وأقول: إن ما توصلت إليه الأبحاث قد سبقهم فيه القرآن الكريم حيث يقوم ربنا ﷻ : ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ١ ويقول كذلك: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ٢. فالسكن بين الزوجين كاف بإذن الله تعالى في حمايتهما من الأمراض وخصوصا العقلية منها.

стр. 63

حكمه: يطلق الحكم ويراد به أحد أمرين: أولهما: حكمه بمعنى الوصف التكليفي له من وجوب وحرمه وغيرها من أقسام الحكم التكليفي. الثاني: حكمه بمعنى الآثار المترتبة عليه. والمقصود بالحكم هنا هو المعنى الأول: حكمه بمعنى الوصف التكليفي له. فالأصل فيه الاستحباب ولكنه تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة على حسب حال الفرد وما هو الأنسب لحاله. فتارة يكون واجبًا: وذلك في حالة ما إذا كان الشخص قادرا على أعباء النكاح المادية وتأكد له إن لم يتزوج وقع في الزنا المحرم. ويكون حرامًا: إذا تأكد له ظلم الزوجة ماديا -بأن لا يستطيع الإنفاق عليها، ومعنويا -بألا تكن عنده القدرة على مجامعتها. ويكون مكروها: إذا خشي أنه لا يستطيع الإنفاق ولا يقدر عليه إن تزوج ولا تميل نفسه إلى النكاح، أو كان حاله قبل الزواج أفضل منه بعده، وتشتد الكراهة إن انقطع بالزوج عن شيء من أفعال الطاعات كالعبادة والاشتغال بالعلم وغيرهما. ويكون مندوبا: إذا حصل له بالزواج معنى مقصودا مما حث عليه الشرع كعفاف النفس وكسر الشهوة وغض البصر وتحصين الفرج. ويكون مباحًا: إذا تحققت الحكمة التي ترغب فيه وانتفت كذلك الموانع التي تمنع منه. فالنكاح تعتريه الأحكام التكليفية وذلك بالنظر إلى حال الشخص وظروفه الاجتماعية، والأخلاق السائدة، غير ذلك من العوامل المؤثرة في العفة واستقامة السلوك، إلا أنني أجزم بأنه واجب على كل قادر عليه في زماننا هذا حتى يعصم

стр. 64

المسلم نفسه من الوقوع في الحرام أو الاقتراب منه، فالمغريات تحيط بنا من الداخل والخارج إحاطة السوار بالمعصم، ولا ينج منها إلا من رحم الله -وهم قليل- ولا يكون ذلك إلا بتطبيق شرع الله في كل أمورنا، وعلى رأسها المبادرة إلى الزواج وإقامة الأسرة المسلمة التي تقدم للأمة العنصر الصالح الذي يعتز به الوطن. لذلك نرى الرسول ﷺ يوجه الشباب القادرين على تكاليف النكاح وأعبائه المادية وغيرها لما فيه من حكم عظيمة من أهمها غض البصر، وحفظ الفرج، ويقول فيما اتفق عليه الشيخان من حديث ابن مسعود ﵁: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". والشباب: جمع شاب وهو اسم لمن بلغ لم يتجاوز الثلاثين من عمره. وقيل: من تجاوز الثلاثين بقليل، وقيل: من بلغ الأربعين، لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى. وخص الشباب بالذكر؛ لأن غالب قوة الشهوة فيهم غالبا بخلاف الشيوخ والكهول. وقوله ﷺ : "من استطاع من الباءة" عام يشمل الشباب وغيرهم من كبار السن رجالا كانوا أم نساء من الذين تتوق نفوسهم إلى النكاح. والباءة: التكاليف المادية للنكاح، وقيل: المراد بها الجماع. دليل مشروعيته: يستدل على مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع: أولا: من الكتاب ١- قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ١.

стр. 65

وجه الدالالة من هذه الآية الكريمة أن الحق أمر بتزويج من لا زوج له من الرجال والنساء ووعدهم المولى بالغنى إذا هم طلبوا الزواج طمعا في رضاه واعتصاما من معاصيه، وهذا العون من الله لمن يقصد الزواج لدليل على حث الشارع على النكاح، فدل ذلك على مشروعيته. ٢- وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١. ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أمر الله تعالى بالنكاح "فانكحوا" وتعليقه ذلك على الاستطابة "ما طاب" فدل ذلك على مشروعيته. ثانيا: من السنة أن الباحث في سنة رسول الله ﷺ القولية والفعلية ليجد الكثير من الأدلة القاطعة الثابتة التي تدل على مشروعية النكاح. فمن القولية قوله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصم فإنه له جاء". وقوله ﷺ : "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني". ومن السنن الفعلية أنه ﷺ تزوج وزوج بناته. فالنكاح سنة من سنن الأنبياء والمرسلين. ثالثا: الإجماع أجمعت الأمة على مشروعيته. موضوع النكاح الشرعي: لفقهاء المذهب في ذلك ثلاثة أوجه. أصحها: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء وهو أقرب إلى الشرع، كما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 66

الثاني: إنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وهو أقرب إلى اللغة. الثالث: أنه حقيقة فيهما معًا. ويترتب على هذا الخلاف في موضوع النكاح الشرعي أن الرجل إذا زنا بامرأة يكون الزنا مانعا للمصاهرة عند من يقول بأن النكاح حقيقة في الوطء لا في العقد، ولا يكون مانعا للمصاهرة عند من يقول بأنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء. صفة عقد النكاح: العقد اللازم هو ما ليس لأحد العاقدين فسخه دون رضا الآخر. فهل عقد النكاح بعد انعقاده لازم أو لا؟ لا خلاف بين فقهاء المذهب في أن عقد النكاح لازم من جهة الزوجة فلا تستطيع إنهاءه بنفسها، وإنما تستطيع ذلك بحكم الشرع بأن تخالع زوجها برضاه، واختلفوا في لزوم عقد النكاح من جهة الزوج على وجهين. أصحها: أنه لازم لا يستطيع إنهاء بنفسه وإنما بحكم الشرع بأن يطلق زوجته. والثاني: أنه غير لازم. هل النكاح عقد ملك أو إباحة؟ لفقهاءالمذهب في ذلك وجهان: الوجه الاول: أنه عقد ملك. الوجه الثاني: أنه عقد إباحة الاستمتاع المشروع بالمرأة وليس عقد ملك. ولهذا الخلاف في المذهب ثمرة تظهر فيما لو أن زوجة وطئها غير زوجها وطئا بشبهة فإذا قلنا: إن النكاح عقد ملك كان المهر المدفوع من الواطئ بشبهة للزوج لا للزوجة وإذا قلنا: بأنه عقد إباحة كان المهر لها لا للزوج.

стр. 67

محل العقد: هل المعقود عليه في النكاح المرأة فقط أو الزوجان معا؟ خلاف في المذهب على وجهين: أصحهما: أن المعقود عليه المرأة فقط. الثاني: أن الزوجين معقود عليهما.

стр. 68

تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية: أشرق فجر الإسلام بشريعته السمحة على البشرية في القرن السابع الميلادي والعالم آنذاك يتنازعه اتجاهان في شأن تعدد الزوجات. الاتجاه الأول: يحاربه ويمنعه. والاتجاه الثاني: يؤيده ويبيحه بدون قيد ولا شرط. فكانت نظرة الإسلام في ذلك نظرة ربانية كما هو شأنها في جميع الأحوال والأزمنة والأمكنة، نظرة وسطية فأباحت تعدد الزوجات إلى أربع فقط وحرمت الزيادة على ذلك بقيدين أساسين وهما: القيد الأول: العدل الظاهري بين الزوجات في القسم والمبيت والمسكن والملبس والمطعم والمشرب، لقوله الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ١ ويقول الجصاص: فإن خاف ألا يعدل بين الأربع اقتصر على الثلاث، وإن خاف ألا يعدل بين الثلاث اقتصر على اثنين، وإن خاف أن لا يعدل بين الاثنين اقتصر على الواحدة.

стр. 69

ولا يدخل في العدل التسوية في الحب والعاطفة والميل القلبي؛ لأن هذا قد نفاه المولى حيث قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ ١. ويقول ﷺ : $"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". القيد الثاني: القدرة على الإنفاق، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ٢. وهذا ليس قيدا عند التعدد فحسب، بل هو قيد سواء أكان يريد الزواج بواحدة أم أكثر. يقول -صلى الله عليه سلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج". والباءة: هي مؤن النكاح ونفقاته. ويقال: عال الرجل يعيل: إذا افتقر وصار عالة ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ . وقال الشافعي: ألا تعولوا: ألا تكثر عيالكم. وأنكر الثعلبي ما قاله الشافعي قائلا: وما قال هذا غيره، وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله. ويجاب عن إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي بأنه قد سبق إلى القول به زيد بن أسلم وجابر وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية. وقد حكاه القرطبي عن الكسائي وأبي عمرو الدوري وابن الأعرابي.

стр. 70

فإذا ما توفر هذان القيدان كان التعدد مباحا ولا حرج فيه، لكن إذا تخلفا أو أحدهما فهل النكاح صحيح أو غير صحيح؟ باتفاق الفقهاء النكاح صحيح؛ لأن هذين القيدين ليسا من شروط الصحة، ومن صم يصح النكاح عند فقدهما أو أحدهما مع الإثم. وما ذهبت إليه الشريعة الإسلامية من إباحتها للتعدد بهذين القيدين وهو مسلك وسط بين الشرائع، فمن الشرائع ما أباحت التعدد بدون قيد في العدد ولا في الزواج، ومنها ما منعته مطلقا. وإن مما لا شك فيه أن هذا المسلك من محاسن الشريعة الإسلامية التي تخاطب كل الأشخاص في كل العصر والأزمنة، فراعت ظروف المفرط في شهواته الذي لا تعفه الواحدة، كما راعت ظروف المعتدل في شهواته، وإننا إذا أغلقنا على المفرط في شهواته باب التعدد؛ لأدى به ذلك إلى السقوط في الهاوية، ولو خيرناه بين التعدد وبين الزنا لاختار الأول، هذا إذا كنا نريد أن نسير في هدى ونور. بالإضافة إلى أن التعدد أحيانا يكون علاجا اجتماعيا للأمة حين يعتريها نقص في عدد رجالها بسبب الحروب التي تحصدهم وتنقص من عددهم ويصبح بذلك عدد النساء أكثر من عدد الرجال، كما حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الأخيرة. أعندئذ تحرم المرأة من نعمة الزوجية والأمومة ونتركها تقع فريسة للفاحشة والرذيلة، أم أننا نحل مشكلتها بصورة شرعية تصون لها كرامتها وتجعلها تعيش في أسرة طاهرة ومجتمع سليم، أيهما أكرم وأفضل لدى من لديه عقل وكرامة. لقد لجأت ألمانيا التي يحرم دينها التعدد إلى التعدد رغبة في حماية المرأة الألمانية من الوقوع في مهاوي الرذيلة وما ينتج عنها من كثرة اللقطاء. ولم يكن التعدد ظلما للمرأة وشرا عليها دائما فقد تكون المرأة مريضة أو عقيم لا تلد، فيكون الزوج مخير بين أمرين بين فراقها، أو يستبقها مع الزواج والثاني فيه مصلحتها لا شك في ذلك فضلا عما فيه من عدالة اجتماعية في حد ذاته.

стр. 71

ومنذ عصر التشريع الإسلامي والمسلمون يعددون الزوجات كما أباحته ظواهر الشريعة الإسلامية ولم يجدوا في ذلك حرجا ولم يكن في الجماعة ظلم. وعندما غزت بلاد الإسلام الأفكار الغربية الأوروبية التي لا تفهم معنى التعدد في الزواج وظنوا أن ذلك ظلما للمرأة وضياعا لحقوقها. وتأثر بهذه الأفكار بعض المصلحين من أبناء الإسلام فنظروا إلى الآية الكريمة التي تبيح العدد فوجدوها تقيده بقيدين هما: العدل، والقدرة على الإنفاق، فجعلت هذين القيدين يخرحان من التكاليف الدينية التي بين العبد وربه إلى التطبيق القضائي فيمنع القاضي توثيق عقد الزواج لمن له زوجة إلا بعد التأكد من تحقق هذين القيدين. ولا أدري من أين جاءوا بهذا، لقد أجمع المسلمون من عصر النبوة، على إباحة التعدد ولم يجعلوا هذين القيدين محل التطبيق كما دعا إلى ذلك هؤلاء، ولم يثبت أن النبي ﷺ أو أحدا من أصحابه منعا التعدد لعدم العدالة أو لعدم القدرة على الإنفاق. هذا بالإضافة إلى أنه كيف يعرف القاضي أن من يريد التعدد سيعدل أو لا يعدل، وهذه حال لا يعرفها أشد الناس صلة بالزوج فضلا عن القاضي الذي تفرض عليه طبيعة عمله ألا يتصل بالخصوم اتصالا شخصيا. ثم القدرة على الانفاق ما مناطها؟ أحالة الزوج أم الزوجة الجديدة، وإذا اعتبرت حالة ورضي هو بأن يضيق قليلا بعد سعة في سبيل ذلك الزواج وهي في جملتها تكفل العيش الضروري أيسوغ للقاضي أن يمنعه بحجة أنه يجب أن يعيش في رفاهية ويحرم من حلال. ثم إن تدخل القاضي في التطبيق العلمي لهذين القيدين في حق من يريد الزواج بأخرى على زوجته يعتبر تدخلا في حرية التعاقد، وهذا لا يتفق مع مشرعي القوانين الحديثة.

стр. 72

وإذا كان ذلك كذلك إذن فما هو المسوغ لهذا التدخل؟ الجواب: زعموا أن كثيرا من حالات تشرد الأولاد سببه تعدد الزوجات مع عدم القدرة على الإنفاق. وأقول: هذا زعم باطل، فلقد أثبتت الدراسات الاجتماعية العميقة أن سببه هو إهمال الأب في تربية النشء تربية دينية صالحة. وتعاطي المخدرات، ولعب المسير وغير ذلك من الأسباب ودلت الإحصائيات في الخمسينات أن نسبة التشرد الذي سببه تعدد الزوجات في مصر ٣%. كما أقول: إن علاج هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة ليس في التعدد وإنما علاجها في أمرين: أولهما: معاقبة من يقصر في واجباته الشرعية نحو أسرته. الثاني: تربية النشء تربية دينية وخلقية على مستوى البيت والمجتمع. ويتبادر إلى أذهاننا سؤالا نسأله بصدق لمن ينادي بأن من حق القاضي أن يمنع من يريد التعدد عند عدم العدل أو عدم القدرة على الإنفاق، إذا منع القاضي ذلك فهل تنقطع العلاقة بين الرجل والمرأة اللذان استهوا كلاهما الآخر بمعنى القاضي ارتباطهما شرعيا بحجة عدم العدل أو عدم الإنفاق؟. كلا وألف كلا فسرعان ما تحل بينهما كلمة الشيطان بدلا من كلمة الرحمن التي منعها سيادة القاضي بحكم القانون فيكون الفساد وكثرة اللقطاء، وما عاد الزوج إلى زوجته الأولى، وما عادت المرأة إلى أسرتها. وإذا كان عندهما بعض من الوازع الديني تناكحا ما يسمونه بالنكاح العرفي فيوجد مجال لضياع بعض الحقوق.

стр. 73

أركان النكاح الركن الأول: الصيغة مدخل ... أركان النكاح: الركن في اللغة: الجانب الأقوى من كل شيء يقال: ركنت إلى الله أي اعتمدت عليه، والركن العز والمنعة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ١. والركن في الاصطلاح: ما تو قف عليه وجود الشيء وكان جزءا من ماهيته وداخلا فيه. فالركن يخالف الشرط فهو داخل في ماهيته الشيء كالركوع بالنسبة للصلاة والشرط ما توقف الشيء على وجوده وليس جزءا منه كالضوء بالنسبة للصلاة. وللنكاح أركان خمسة لا ينعقد إلا بها: الصيغة، والولي، والزوج، والزوجة، والشاهدان: الركن الأول: الصيغة التي تتكون من الإيجاب والقبول. والإيجاب: هو ما صدر من الولي زوجتك أو أنكحتك سواء حدث أولا أم ثانيا. والقبول: وهو ما صدر من الزوج تزوجت أو نكحت، أو قبلت نكاحها أو تزويجها سواء صدر ذلك منه أولا أم ثانيا. ولا يشترط توافق الولي والزوج في اللفظ، فلو قال الولي: زوجتك، فقال الزوج: قلبت نكاحها انعقد النكاح، ولا يكفي قول الزوج قبلت بل لا بد وأن يقول: قبلت نكاحها أو تزويجها. ويصح تقديم لفظ الزوج على الولي لحصول المقصود كما يقول الزوج: تزوجت ابنتك، فيقول الولي: زوجتك.

стр. 74

الألفاظ التي ينعقد بها النكاح: لا ينعقد النكاح إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج وما اشتق منهما فلا ينعقد بلفظ الهبة أو التمليك أو الإحلال. لما رواه مسلم عن رسول لله ﷺ قال: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فرجهن بكلمة الله". ووجه الدلالة من الحديث أن كلمة الله هي الإنكاح أو التزويج فلم يذكر في القرآن الكريم سواهما، فوجب الوقوف عليهما تعبدا واحتياطا. هذا بالإضافة إلى أن النكاح نوع من أنواع العبادات لورود الندب به، العبادات تتلقى من الشرع، والشرع إنما ورد بالإنكاح أو التزويج.

стр. 75

انعقاد النكاح بغير العربية: لفقهاء المذهب في انعقاد النكاح بغير اللغة العربية أوجه ثلاثة: أولها: وهو الأصح: جواز انعقاده سواء أحسن النطق بالعربية أو لم يحسن؛ لأن لفظ النكاح بغير العربية يقوم مقام اللفظ بالعربية. الثاني: لا يصح اعتبارا باللفظ الوارد في القرآن الكريم "الإنكاح والتزويج". الثالث: إن عجز عن العربية انعقد بغيرها من اللغات وإن لم يعجز لم ينعقد. الكناية وانعقاد النكاح بها: كني به عن كذا يكني يكنو كناية؛ تكلم بشيء وهو يريد غيره. واتفق فقهاء المذهب أن النكاح لا ينعقد بلفظ يكنى به كأحللتك ابنتي، لعدم اطلاع الشهود على النية. ومن الكنايات الكتابة في حال الحضور أو الغيبة فلا ينعقد بها النكاح، فلو قال الولي لغائب: زوجتك ابنتي، أو قال: زوجتها من فلان ثم كتب إليه فبلغ الزوج الكتاب، فقال: قبلت لم ينعقد بذلك النكاح.
следующие страницы →