← Фараид

Фараид · id 8640

فقه النكاح والفرائض

محمد عبد اللطيف قنديل

Полный текст (373 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومنذ عصر التشريع الإسلامي والمسلمون يعددون الزوجات كما أباحته ظواهر الشريعة الإسلامية ولم يجدوا في ذلك حرجا ولم يكن في الجماعة ظلم. وعندما غزت بلاد الإسلام الأفكار الغربية الأوروبية التي لا تفهم معنى التعدد في الزواج وظنوا أن ذلك ظلما للمرأة وضياعا لحقوقها. وتأثر بهذه الأفكار بعض المصلحين من أبناء الإسلام فنظروا إلى الآية الكريمة التي تبيح العدد فوجدوها تقيده بقيدين هما: العدل، والقدرة على الإنفاق، فجعلت هذين القيدين يخرحان من التكاليف الدينية التي بين العبد وربه إلى التطبيق القضائي فيمنع القاضي توثيق عقد الزواج لمن له زوجة إلا بعد التأكد من تحقق هذين القيدين. ولا أدري من أين جاءوا بهذا، لقد أجمع المسلمون من عصر النبوة، على إباحة التعدد ولم يجعلوا هذين القيدين محل التطبيق كما دعا إلى ذلك هؤلاء، ولم يثبت أن النبي ﷺ أو أحدا من أصحابه منعا التعدد لعدم العدالة أو لعدم القدرة على الإنفاق. هذا بالإضافة إلى أنه كيف يعرف القاضي أن من يريد التعدد سيعدل أو لا يعدل، وهذه حال لا يعرفها أشد الناس صلة بالزوج فضلا عن القاضي الذي تفرض عليه طبيعة عمله ألا يتصل بالخصوم اتصالا شخصيا. ثم القدرة على الانفاق ما مناطها؟ أحالة الزوج أم الزوجة الجديدة، وإذا اعتبرت حالة ورضي هو بأن يضيق قليلا بعد سعة في سبيل ذلك الزواج وهي في جملتها تكفل العيش الضروري أيسوغ للقاضي أن يمنعه بحجة أنه يجب أن يعيش في رفاهية ويحرم من حلال. ثم إن تدخل القاضي في التطبيق العلمي لهذين القيدين في حق من يريد الزواج بأخرى على زوجته يعتبر تدخلا في حرية التعاقد، وهذا لا يتفق مع مشرعي القوانين الحديثة.

стр. 72

وإذا كان ذلك كذلك إذن فما هو المسوغ لهذا التدخل؟ الجواب: زعموا أن كثيرا من حالات تشرد الأولاد سببه تعدد الزوجات مع عدم القدرة على الإنفاق. وأقول: هذا زعم باطل، فلقد أثبتت الدراسات الاجتماعية العميقة أن سببه هو إهمال الأب في تربية النشء تربية دينية صالحة. وتعاطي المخدرات، ولعب المسير وغير ذلك من الأسباب ودلت الإحصائيات في الخمسينات أن نسبة التشرد الذي سببه تعدد الزوجات في مصر ٣%. كما أقول: إن علاج هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة ليس في التعدد وإنما علاجها في أمرين: أولهما: معاقبة من يقصر في واجباته الشرعية نحو أسرته. الثاني: تربية النشء تربية دينية وخلقية على مستوى البيت والمجتمع. ويتبادر إلى أذهاننا سؤالا نسأله بصدق لمن ينادي بأن من حق القاضي أن يمنع من يريد التعدد عند عدم العدل أو عدم القدرة على الإنفاق، إذا منع القاضي ذلك فهل تنقطع العلاقة بين الرجل والمرأة اللذان استهوا كلاهما الآخر بمعنى القاضي ارتباطهما شرعيا بحجة عدم العدل أو عدم الإنفاق؟. كلا وألف كلا فسرعان ما تحل بينهما كلمة الشيطان بدلا من كلمة الرحمن التي منعها سيادة القاضي بحكم القانون فيكون الفساد وكثرة اللقطاء، وما عاد الزوج إلى زوجته الأولى، وما عادت المرأة إلى أسرتها. وإذا كان عندهما بعض من الوازع الديني تناكحا ما يسمونه بالنكاح العرفي فيوجد مجال لضياع بعض الحقوق.

стр. 73

أركان النكاح الركن الأول: الصيغة مدخل ... أركان النكاح: الركن في اللغة: الجانب الأقوى من كل شيء يقال: ركنت إلى الله أي اعتمدت عليه، والركن العز والمنعة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ١. والركن في الاصطلاح: ما تو قف عليه وجود الشيء وكان جزءا من ماهيته وداخلا فيه. فالركن يخالف الشرط فهو داخل في ماهيته الشيء كالركوع بالنسبة للصلاة والشرط ما توقف الشيء على وجوده وليس جزءا منه كالضوء بالنسبة للصلاة. وللنكاح أركان خمسة لا ينعقد إلا بها: الصيغة، والولي، والزوج، والزوجة، والشاهدان: الركن الأول: الصيغة التي تتكون من الإيجاب والقبول. والإيجاب: هو ما صدر من الولي زوجتك أو أنكحتك سواء حدث أولا أم ثانيا. والقبول: وهو ما صدر من الزوج تزوجت أو نكحت، أو قبلت نكاحها أو تزويجها سواء صدر ذلك منه أولا أم ثانيا. ولا يشترط توافق الولي والزوج في اللفظ، فلو قال الولي: زوجتك، فقال الزوج: قلبت نكاحها انعقد النكاح، ولا يكفي قول الزوج قبلت بل لا بد وأن يقول: قبلت نكاحها أو تزويجها. ويصح تقديم لفظ الزوج على الولي لحصول المقصود كما يقول الزوج: تزوجت ابنتك، فيقول الولي: زوجتك.

стр. 74

الألفاظ التي ينعقد بها النكاح: لا ينعقد النكاح إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج وما اشتق منهما فلا ينعقد بلفظ الهبة أو التمليك أو الإحلال. لما رواه مسلم عن رسول لله ﷺ قال: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فرجهن بكلمة الله". ووجه الدلالة من الحديث أن كلمة الله هي الإنكاح أو التزويج فلم يذكر في القرآن الكريم سواهما، فوجب الوقوف عليهما تعبدا واحتياطا. هذا بالإضافة إلى أن النكاح نوع من أنواع العبادات لورود الندب به، العبادات تتلقى من الشرع، والشرع إنما ورد بالإنكاح أو التزويج.

стр. 75

انعقاد النكاح بغير العربية: لفقهاء المذهب في انعقاد النكاح بغير اللغة العربية أوجه ثلاثة: أولها: وهو الأصح: جواز انعقاده سواء أحسن النطق بالعربية أو لم يحسن؛ لأن لفظ النكاح بغير العربية يقوم مقام اللفظ بالعربية. الثاني: لا يصح اعتبارا باللفظ الوارد في القرآن الكريم "الإنكاح والتزويج". الثالث: إن عجز عن العربية انعقد بغيرها من اللغات وإن لم يعجز لم ينعقد. الكناية وانعقاد النكاح بها: كني به عن كذا يكني يكنو كناية؛ تكلم بشيء وهو يريد غيره. واتفق فقهاء المذهب أن النكاح لا ينعقد بلفظ يكنى به كأحللتك ابنتي، لعدم اطلاع الشهود على النية. ومن الكنايات الكتابة في حال الحضور أو الغيبة فلا ينعقد بها النكاح، فلو قال الولي لغائب: زوجتك ابنتي، أو قال: زوجتها من فلان ثم كتب إليه فبلغ الزوج الكتاب، فقال: قبلت لم ينعقد بذلك النكاح.

стр. 76

الإشارة في عقد النكاح: إذا كان العاقد للنكاح قادرا على النطق فلا ينعقد النكاح في حقه بالإشارة؛ لأن اللفظ أدل على المراد من الإشارة، أما الأخرس فلعجزه عن النطق يصح انعقاد النكاح، بإشارته بشرط أن تكون واضحة الدلالة على المراد يفهمها العاقد الآخر والشهود وذلك لأنها الوسيلة الوحيدة في حقه فبها يقضي جميع حاجياته.

стр. 77

شروط الصيغة: يشترط في الصيغة التي تتكون من الإيجاب والقبول عشرة شروط: ١- ألا يتخلل الإيجاب والقبول كلام أجنبي عن العقد لا سكوت طويل يشعر بالإعراض عن العقد. فإن فصل بينهما بخطبة النكاح كأن يقول الولي: زوجتك، فيقول الزوج: بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله قبلت النكاح. ففي انعقاد النكاح بذلك قولان: أحدهما: ينعقد؛ لأن الخِطْبة مشروعة في العقد. الثاني: لا ينعقد لوجود فاصل بين الإيجاب والقبول كما لو فصل بينهما بغير الخطبة. ٢- موافقة الإيجاب للقبول: فلو قال الولي: زوجتك ابنتي فاطمة البكر البالغة العاقلة، فقال الزوج: قبلت نكاح ابنتك زينب البالغة العاقلة الثيب فلا ينعقد النكاح؛ لأن الإيجاب على زوجة غير التي عليها القبول. ٣- أن تكون الصيغة منجزة؛ لأن عقد النكاح عقد وضع ليفيد حكمه في الحال وتترتب عليه آثاره عقب انعقاده.

стр. 78

والتعليق نوعان: صوري، وحقيقي أولا- التعليق الصوري: كأن يعلق العقد على شيء موجود أثناء العقد بأن يقول الولي: زوجتك ابنتي إن كنت طبيبا، والزوج بالفعل طبيب، أو يقول الزوج قبلت نكاح ابنتك إن كانت مدرسة وهي بالفعل مدرسة. فإن كان التعليق بهذه الصورة فإنه لا يؤثر في انعقاد العقد، وذلك لأنه لا يترتب على التعليق منع أي أثر من آثار العقد فتعليقه من حيث الصورة. ثانيا- التعليق الحقيقي: كأن يقول الولي للزوج: زوجتك ابنتي إذا حضر أبوك من السفر، أو يقول الزوج: تزوجت ابنتك إذا حضر أبي من السفر. فلا ينعقد العقد أبدا؛ لأن المعلق على غير موجود لا يكون موجودا كذلك. ٤- أن تكون الصيغة على التأبيد لا على التأقيت بمدة معلومة كشهر أو سنة، أو مجهولة كقدوم زيد. فإن أوقت بوقت معلوم أو مجهول كان نكاح المتعة الذي حرمه رسول الله ﷺ عام خيبر بعدما أن كان مباحا، وفي ذلك يقول إمامنا الشافعي -يرحمه الله: "لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة". ٥- ألا يكون العقد مضافا إلى زمن مستقبل. كأن يقول الولي: زوجتك ابنتي في شهر ربيع الأول وهما في رمضان، أو يقول الزوج تزوجت ابنتك في شهر الله المحرم وهما في رمضان. فلا ينعقد النكاح إذا أضيف إلى زمن المستقبل؛ لأن الإضافة تتنافى مع آثار العقد التي تترتب عليه في الحال. ٦- ألا تقترن الصيغة بشرط. والشرط الذي تقترن به صيغة عقد النكاح، إما أن يكون من مقتضيات العقد، أو يكون منافيا له، أو يكون شرطا نهى عنه الشرع، أو شرط يعود نفعه على المرأة

стр. 79

ولكل شرط من هذه الشروط التي تقترن بالصيغة حكمه الخاص به نوضحه فيما يلي: الشروط التي يجب الوفاء بها: وهي كل شرط من مقتضيات العقد ومقاصده ولم يتضمن مخالفة لشرع الله أو ارتكاب محظور حرمه الإسلام، كاشتراط معاشرة الزوجة بالمعروف، أو يقسم لها كغيرها من الزوجات أو أنها لا تخرج من بيته إلا بإذنه، أو لا تصوم إلا بإذنه، أو لا تتصرف في شيء من ماله إلا بإذنه. فمثل هذه الشروط يجب الوفاء بها لقوله ﷺ : "المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا". الشروط التي لا يجب الوفاء بها مع صحة العقد: وهي كل ما كان منافيا لمقتضى العقد كأن يشترط الزوج عليها أن لا مهر لها ولا نفقه ولا يطأها أو يطأها ويعزل عنها، أو اشترط أن تنفق هي عليه، أو تشترط المرأة ما يعود نفعه وفائدته إليها كأن تشترط عليه ألا يخرجها من بلدها أو بيت أبيها، أو لا يتزوج عليها أو لا يسافر بها، فمثل هذه الشروط باطلة لا يجب الوفاء بها؛ لأنها تنافي العقد حيث إنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، أما العقد في نفسه فهو صحيح؛ وذلك لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به، فلم يبطل العقد قياسا على من عقد واشترط في العقد صداقا محرما كالخمر أو الخنزير، ولأن الزوج يصح مع الجهل بالعقد فجاز أن ينعقد مع الشرط والفاسد. الشروط التي لا يجب الوفاء بها وتؤدي إلى فساد العقد: وهي كل شرط نهى عنه الشرع وحرمه وحرم الوفاء به كأن تشترط المرأة عند العقد عليها طلاق ضرتها.

стр. 80

لما روي عن رسول الله ﷺ : "أنه نهى أن تشترط المرأة طلاق ضرتها" لما رواه الإمام أحمد عن عبد لله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى". ووجه الدلالة: أن نهي النبي صلى الله وسلم يقضي فساد المنهي عنه، ولأنه اشترطت عليه فسخ عقده وإبطال حقه وحق امرأته فلم يصح. والفرق بين اشتراط المرأة عدم الزواج عليها الذي لا يجب الوفاء به ويصح معه العقد، وبين اشتراطها طلاق ضرتها الذي لا يجب الوفاء به ويبطل معه العقد وهو أن اشتراط طلاق الزوجة فيه إضرار بها لما فيه من كسر لقلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ولا ضرر لا ضرار. ومن صور الزواج المقترن بشرط غير صحيح زواج الشغار وصورته أن يزوج الرجل وليته لآخر على أن يزوجه الآخر وليته ولا صداق بينهما وقد كان هذا مشهورا في الجاهلية. وقد نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه سلم- فقال فيما رواه مسلم من حديث ابن عمر ﵄: "لا شغار في الإسلام". وروى ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، الشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك أو أختك على أن أزوجك ابنتي أو أختي وليس بينهما صداق. ووجه الدلالة هو نهي النبي ﷺ عن الشغار والنهي يقتضي البطلان واختلف العلماء في علة النهي، فقال بعضهم: هي التعليق والتوقيف، كأنه يقول لا ينعقد زواج ابنتي حتى ينعقد زواج ابنتك، وقال البعض الآخر: إن علة النهي هي التشريك في البضع، جعل بضع كل واحدة مهرا للأخرى وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر بل عاد المهر إلى الولي وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته، وهذا ظلم بين وواضح للمرأتين وإخلاء نكاحها من مهر تنتفع به.

стр. 81

٧- اتحاد المجلس. فلو أجاب في مجلس، وقبل الزوج في مجلس آخر فلا ينعقد النكاح لعدم اتحاد المجلس. ٨- ألا يرجع الموجب عن إيجابه قبل قبول الآخر، ولا يصدر من القابل ما يدل على الإعراض عن القبول. ٩- أن يبقي العاقد على صفة الكمال حتى يوجد القبول. فلو أوجب الموجب ثم مات أو جُن أو أغمي عليه أو رجعت الآذنة أو أغمي عليها أو جُنت أو ارتدت امتنع القبول. ١٠- أن يكون الإيجاب والقبول بلفظين وضعا للماضي، أو وضع أحدهما للماضي والآخر للمستقبل. الصيغة التي ينعقد بها العقد لا يخلو حالها من أحوال ثلاثة: الحال الأولى: أن تعقد بلفظ الماضي. الحال الثانية: أن تعقد بلفظ المستقبل. الحال الثالثة: أن تعقد بلفظ الأمر. الحال الأولى: أن يعقد الموجب والقابل بلفظ الماضي فضربان أحدهما: أن يعقداه بالبذل والقبول، بأن يقول الولي: قد زوجتك ابنتي على صداق قدره ثلاث آلاف جنيه مثلا، فيقبل الزوج قد قبلت نكاحها على هذا الصداق، أو يقول: قبلت نكاحها ولا يذكر الصداق، ففي الصورتين ينعقد النكاح باتفاق فقهاء المذهب. أما إذا قال: قد قبلت ويسكت ولا يذكر النكاح ولا الصداق ففي انعقاد النكاح بذلك قولان: القول الأول: لا ينعقد النكاح بذلك؛ لأنه لم يوجد منه التصريح، بواحد من لفظي النكاح والتزويج، ونيته لا تكفي في الانعقاد.

стр. 82

القول الثاني: ينعقد العقد لأن قوله قبلت إنما هو جواب للبذل الصريح وجواب الصريح يكون صريحا، ولأن البذل والقبول معتبر في النكاح كاعتباره في البيع. الضرب الثاني: أن يعقداه بالطلب والإيجاب. وهو أن يبدأ الزوج فيقول للولي: زوجني ابنتك على صداق ألف جنيه مثلا، فيقول الولي: قد زوجتكها على هذا الصداق، أو يقول: قد زوجكتها ويسكت ولا يذكر الصداق، ففي الصورتين ينعقد العقد أما إذا قال الولي: قد فعلت، أو قد أجبتك، ولا يقول: قد زوجتكها فلا ينعقد النكاح باتفاق في المذهب؛ لأن الولي هو المملك لبضع المنكوحة فكان الاعتبار الصريح في لفظه أساس في انعقاد العقد ولا ينعقد العقد بدونه. أما إذا ابتدأ الولي فقال: زوجت بنتي على زواج ألف جنيه مثلا فقال الزوج: قد تزوجتها على هذا الصداق لم يصح العقد إلا إذا عاد الولي فيقول: قد زوجتكها. ذلك لأن قول الولي في الابتداء: زوجت بنتي ليس ببذل منه ولا إجابة، وإنما هو استخبار، والنكاح لا ينعقد من جهة الولي إلا بالبذل إن كان مبتدأ أو بالإيجاب إن كان مجيبا، فإذا كان كذلك صار ما ابتدأ به الولي استخبارا غير مؤثر في العقد، ويكون جواب الزوج طلبا فكان واجبا على الولي أن يعود فيقول: قد زوجتكها، فعندئذ يصير النكاح منعقد بالطلب من الزوج وبالإيجاب من الولي. وهكذا لو ابتدأ الزوج فقال للولي: زوجتني ابنتك، فقال الولي: قد زوجكتها لم ينعقد العقد؛ لأن ما ابتدأ به الزوج استخبار، والعقد لا يتم من قبل الزوج إلا بالطلب إن كان مبتدأ أو بالقبول إن كان مجيبا وليس استخباره طلبا ولا قبول، فإن عاد الزوج بعد قول الولي: قد زوجتها، وقال -أي الزوج- قد قبلت تزويجها صح العقد حينئذ بالبذل من الولي، وبالقبول من الزوج.

стр. 83

الحال الثانية: أن تعقد الصيغة بلفظ المستقبل من الولي والزوج. كأن يقول الولي: أزوجك بنتي، فيقول الزوج: أتزوجها. أو يقول الزوج: أتزوج ابنتك، فيقول الولي، أزوجها، فلا ينعقد النكاح في الصورتين بقوليهما؛ لأن كلاهما مجرد وعد بالنكاح وليس بنكاح. إلا إذا عاد الولي فقال: قد زوجتكها وقال الزوج: قد تزوجتها، فينعقد بالبذل من الولي وبالقبول من الزوج. وكذلك لو قال الولي للزوج: أأزوجك بنتي؟ فقال الزوج: أأتزويج ابنتك؟ لا ينعقد العقد؛ لأنه استفهام للوعد فكان أضعف منه. إلا إذا عقب الولي بالبذل فقال: زوجتك بنتي، وعقب الزوج بالقبول: قد تزوجتها. الحال الثالثة: أن يعقد بلفظ الأمر وهو أن يقول الولي للزوج آمرا: تزوج ابنتي فيقول الزوج: قد تزوجتها فلا يصح العقد إلا إذا عقب الولي على كلام الزوج قائلا: قد تزوجكتها. ولو بدأ بالزوج فقال للولي: زوجني ابنتك، فقال الولي: قد زوجتكها صح العقد ولسنا بحاجة أن يعقب الزوج بالقبول. والفرق بين الصورتين أن المراعى من جهة الولي البذل إن كان مبتدأ، والإيجاب إن كان موجبا، وليس في أمره بذل ولا إيجاب فلم يصح العقد. والمراعى من جهة الزوج الطلب إن كان مبتدأ، والقبول إن أجاب، وأمره تضمن الطلب وإن لم يتضمن القبول فصح به العقد وتم بالطلب منه وبالإيجاب من الولي، فإذا استوفيت صيغة العقد هذه الشروط فقد انعقد العقد وترتبت عليه آثاره الشرعية، ولا يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الشرط. لأن الخيار موضوع لاستدراك المعاينة في المفاوضات، وليس النكاح منها، لجوازه مع الإخلال بذكر العوض من الصداق فإن اشترط فيه خيار الثلاث أبطله باتفاق المذهب.

стр. 84

آداب عقد النكاح الخطبة قبل العقد ... آداب العقد: بمناسبة الحديث عن الصيغة التي هي أهم ركن من أركان عقد النكاح واستكمالا للفائدة نذكرآداب العقد أي الأمور المسنونة عند إنشائه طامعين في الالتزام بها إن استطعنا إلى ذلك سبيلا إحياء لسنة رسول الله ﷺ الذي أمرنا الله تعالى بطاعته وجعل طاعته طاعة لله فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ١. ومن أهم آداب عقد النكاح ما يلي: أ- الخطبة قبل العقد. والأفضل أن يخطب خطبة الحاجة والتي نصها: إن الحمد لله نحمده نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن الله إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٣. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٤.

стр. 85

وزاد بعض فقهاء المذهب أن يقول بعد هذه الخطبة: أما بعد: فإن الأمور كلها بيد الله يقضي فيها ما يشاء ويحكم ما يريد، لا مؤخر لما قدم، ولا مقدم لما أخر، ولا يجتمع اثنان لا يفترقان إلا بقضاء الله وقدره وكتاب قد سبق، وإن مما قضى الله وقدر أن يخطب فلان بن فلان، فلانة بنت فلان على صداق كذا، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم أجمعين. ولو خطب الولي أوجب قائلا: الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ زوجتك ابنتي، فقال الزوج قبل قبوله: الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ﷺ قبلت زواج ابنتك انعقد العقد على الصحيح في المذهب؛ لأن الخطبة بين لفظيهما من مصالح العقد فلا تقطع المولاة كالإقامة بين صلاتي الجمع. والثاني: لا يصح العقد؛ لأن الفاصل ليس منه. والحكمة من مشروعية الخطبة: قبل العقد هي: أن العرب في الجاهلية كانوا يحرصون عليها لذكر مفاخر قومهم، وليتميز بها النكاح عن السفاح؛ لأن الخطبة مبناها على التشهير وجعل الشيء بمسمع ومرأى من الجميع. هذا بالإضافة إلى أن الخطبة لا تستعمل إلا في الأمور المهمة، والاهتمام بالنكاح وجعله أمرًا عظيمًا بينهم من أعظم المقاصد، لذلك أبقى النبي ﷺ أصلها وغير وصفها فشرع فيها أنواعا من الحمد والاستعانة بالله والاستغفار التعوذ والتوكل والتشهد وآيات من القرآن الكريم، وأشار إلى ذلك كله فقال ﷺ : "كل خُطبة ليس فيها تشهد فيه كاليد الجذماء". وقال: "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم". وقال: "فصل ما بين الحلال والحرام، الصوت والدف في النكاح".

стр. 86

ب- الدعاء بعد العقد: لما روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: تزوجني النبي ﷺ فأتتني أمي أفدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر. وراه البخاري. وكذلك روي عن أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ كان إذا رفأ الإنسان أي إذا تزوج، قال له النبي: "بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير".

стр. 87

ج- إعلان الزواج وإشهاره: وذلك بأن يحضر العقد جمع من أهل الصلاح بالإضافة إلى الشاهدين اللذين هما ركنان لصحة العقد. بشرط ألا يصحب الإشهار محظور نهى عنه الشرع كاختلاط الرجال بالنساء أو شرب الخمر أو ما اعتاده الناس اليوم من إحضار ما يسمونه بالفرقة الموسيقية ذات الآلات المزعجة مع مكبرات الأصوات مما يكون سببا في الإزعاج وزيادة الضوضاء، ويزداد الطين بلة إذا كان ضمن هذه الفرقة راقصة فاجرة ترقص أمام الشباب غيرهم من الحاضرين شبه عارية مع يتضمنه الغناء من فحش وفجور، وكل ذلك إسراف تبذير حرمه الإسلام. فلنتق الله في ديننا وليقتصر الإشهار والإعلان على ما أرشدنا إليه النبي الكريم -صلى الله عليه سلم- حين قال -فيما رواه أحمد والترمذي وحسنه: "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف". ولا شك أن من جعل النكاح في المسجد أبلغ في إشهاره وإعلانه؛ إذ إن المساجد هي المجامع العامة للناس. وكذلك روى الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه عن رسول الله ﷺ قال: "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف" ومما أباحه الإسلام

стр. 88

ورغب فيه الغناء عند العقد لإشهاره وترويحا للنفوس وتنشيطا لها باللهو البريء الذي يخلو من فحش القول والخلاعة والميوعة. روى النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد ﵁ قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوارٍ يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله ﷺ ومن أهل بدر يفعل هذا عندكما؟! فقالا: إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب قد رخص لنا في اللهو عند العرس. وروى البخاري وأحمد وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: زفت الفارعة بنت أسعد وسرت معها في زفافها إلى بيت زوجها نبيط بن جابر الأنصاري، فقال النبي ﷺ : "يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو". وفي رواية أخرى قال: "فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ " قالت عائشة: تقول ماذا يا رسول الله؟ قال: تقول: أتيانكم أتيانكم ... فحيونا نحييكم ولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاريكم

стр. 89

د- أن ينوي الزوج بالنكاح إقامة السنة: وغض البصر، وحفظ الفرج، وطلب الولد. ولا يكون القصد منه مجرد الهوى والتمتع فحسب، فيصير عمله من أعمال الدنيا، لا يمنع ذلك هذه النيات فرب حق يوافق الهوى، قال عمر بن عبد العزيز -يرحمه الله: إذا وافق الحق الهوى الزبد بالنرسيان. والمعنى إذا وافق الحق هوى الإنسان تلذذ به كمن يتلذبب بأكل الزبدة مع التمر.

стр. 90

هـ- وصية الزوج ة: مستحب أن توصي الزوجة قبل زفافها لبيت الزوجية بالوصايا التي من شأنها إسعادها مع زوجها. يقول أنس بن مالك ﵁: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا زفوا امرأة على زوجها يأمرونها بخدمة الزوج ورعاية حقوقه. وأوصى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ ابنته، فقال: إياك والغيرى، فإنها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العتب، فإنه يورث البغضاء، وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء.

стр. 91

و الوليمة: تعريفها: مأخوذة من الولم، وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان، وفي الاصطلاح: الطعام في العرس خاصة. حكمها ودليلها: يروى في أحد القولين في المذهب أنها سنة مؤكدة؛ لثبوتها عنه ﷺ قولا وفعلا، ففي صحيح البخاري أنه ﷺ أولم على بعض نسائه بمدين من شعير، وأنه أولم على صفية بتمر وسمن وأقط. كما روي أنه ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: "أولم ولو بشاه". وفي القول الثاني إنها واجبة وجوبا عينيا على المتزوج. لما رواه الطبراني مرفوعا "الوليمة حق". وفي مسند الإمام أحمد من حديث بريدة قال: لما خطب علي بن أبي طالب فاطمة ﵂ قال له رسول الله ﷺ : "إنه لا بد للعرس من وليمة". ووجه الدلالة: أن قوله ﷺ حق وقوله لا بد للعرس من وليمة يدلان على الوجوب. ويجاب عن ذلك بأنه ليس المراد بالحق الوجوب بل المراد به أنها ليست بباطل ولكن يندب إليها. والراجح القول: بأنها سنة مؤكدة قياسا على الأضحية وسائر الولائم، ولو كان الأمر الوجوب لوجبت وهي لا تجب إجماعا ولا عينا ولا كفاية.

стр. 92

ما يجزئ في الوليمة: أقلها للقادر الموسر شاة، ولغيره ما قدر عليه، وبأي شيء أولم من الطعام جاز وهو يشمل المأكول والمشروب ويشمل الذي يقدم للمدعوين حال العقد أو بعده من مشروب أو غيره. الإجابة عليها، علمنا أن الوليمة سنة مؤكدة في أحد القولين، وفي القول الثاني واجبة وجوبا عينيا، فعلى القول بأنها سنة مؤكدة لفقهاء المذاهب في حكم الإجابة عليها أوجه ثلاثة: أولها: أن الإجابة فرض عين لقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إذا دعي أحد إلى الوليمة فليأتها" وفي صحيح مسلم يقول ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء وتترك الفقراء؛ ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". ووجه الدلالة: هو أن قوله ﷺ : "فليأتها" أمر والأمر للوجوب ما لم تكن هناك قرينة صارفة إلى غيره. وقوله ﷺ في الحديث الثاني "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" دليل على وجوب الدعوة؛ لأن العصيان لا يكون إلا ترك الواجب. الوجه الثاني: الإجابة عليها: فرض كفاية. لأن المقصود إظهار النكاح وإعلانه وتميزه عن السفاح وذلك يحصل بحضور البعض. الوجه الثالث: الإجابة عليها سنة. لأن الأمر بحضورها والإجابة عليها محمول على تأكيد الاستحباب. وعلى القول الثاني القائل بموجبها وجوبا عينيا تكون الإجابة عليها واجبة قطعا وقت الوليمة.

стр. 93

ووقت الوليمة: عند إنشاء العقد أو بعده، أو عند الدخول أو بعده، فالأمر فيه سعة حسبما تعارف أهل كل زمان ومكان. وشروط وجوب الدعوة: إذا كانت الإجابة واجبة على ما ذكر في المذهب فلوجوبها شروط تعتبر في الداعي، وشروط تعتبر في المدعو. فأما الشروط المعتبرة في الداعي فعشرة: أن يكون بالغا يصح منه الإذن والتصرف في ماله، فإن كان غير بالغ لم تلزم إجابته. أن يكون عاقلا؛ لأن المجنون أسوأ حالا من الصغير. أن يكون رشيدا يجوز تصرفه في ماله، فإن كان محجورًا عليه لم تلزم إجابته، حتى ولو أذن له وليه؛ لأنه مأمور بحفظ ماله لابإتلافه. أن يكون حرًّا؛ لأن العبد لا يجوز تصرفه فلم تلزم إجابته إلا إذا أذن له سيده في ذلك فإنه عندئذ يكون كالحر تلزم إجابته. أن يكون مسلما تلزم موالاته في الدين، فإن كان الداعي ذميا والمدعو مسلم ففي لزوم إجابته وجهان. أحدهما: يجب أن يجيب دعوته لعموم قوله ﷺ : "أجيبوا الداعي فإنه ملهوف". والوجه الثاني: لا تلتزم إجابته؛ لأنه ربما كان طعامه مستخبثا محرما، ولأن المقصود بالطعام التواصل به واختلاف الدين يمنع من تواصلهما. وإن كان الداعي مسلم والمدعو ذميا، لا تلزم إجابة الذمي قولًا واحدًا؛ لأنه لا يلتزم أحكام شرعنا إلا عن تراض. أن يصرح بالدعوة إما بالقول أو بالمراسلة أو المكاتبة لتعارف الناس على ذلك. أما أن يقول لمن يدعوه: إن شئت أن تحضر فافعل، لم تلزم إجابة الدعوة.

стр. 94

يقول إمامنا الشافعي -يرحمه الله: "وما أحب أن يجيب". ألا يكون الداعي امرأة أجنبية وليس في موضع الدعوة محرم لها ولا للمدعو وإن لم يخل بها ألا يخص الداعي بدعوته الأغنياء لغناهم دون الفقراء. لقوله -صلى الله عليه سلم- فيما أخرجه مسلم: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء وتترك الفقراء". بل يعم بدعوته الأغنياء والفقراء من أهله وعشريته وجيرانه. وأن يكون قصد الداعي بدعوته التودد والتقرب وليس مقصده الخوف منه إن لم يدعوه أو يدعوه طمعا في جاهه أو إعانته على باطل. أن تكون دعوة الداعي لمن يدعوه في اليوم الأول، فإن أولم ثلاثة أيام أو أكثر لم تجب إجابته في اليوم الثاني قطعا بل تسن فيه وتكره في اليوم الثالث وفيما بعده. لما رواه أبو داود وغيره عن رسول الله ﷺ قال: "الوليمة في اليوم الأول حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة". إلا إذا لم يكن في مقدور الداعي استيعاب من يريد دعوتهم في اليوم الأول لكثرتهم، أو لضيق منزله، أو غيرهما وجبت إجابته؛ لأن ذلك كوليمة واحدة دُعي الناس إليها أفواجها في يوم واحد. ولو أولم في يوم واحد مرتين لغير عذر مما سبق ذكره، فالمرة الثانية كاليوم الثاني لا تجب إجابتها. وأما الشروط المعتبرة في المدعو فتسعة: أن يكون بالغا عاقلا حرا. أن يكون مسلما فإن كان ذميا فلا تلزمه الإجابة. ألا يكون هناك عذر يمنعه من مرض وغيره، فلو كان معذورا أو كان الطريق بعيدا تلحقه المشقة فلا بأس بتخلفه.

стр. 95

ألا يكون هناك ما يتأذى المدعو بحضور كمنكر وغيره. ألا يكون قاضيا، فإن كان كذلك لا تجب إجابته. ألا يسبق الداعي غيره بالدعوة، فلو دعا اثنان شخصا في يوم واحد فإن قدر على الحضور إليهما لزمته إجابتهما وإن لم يقدر أجاب دعوة الأسبق منهما. فإن جاء الداعيان معا لزم على المدعو إجابة الأقرب جوارا، فإن استويا في الجوار أجاب أقربهما رحما، فإن استويا في القرابة أقرع بينهما. لقوله ﷺ : "إذا دعاك اثنان فأجب أقربهما بابا، فإن استويا فأقربهما جوارًا، فإن جاء معا فأجب أسبقهما". ألا يدعوه من أكثر ماله حرام، فإن علم المدعو أن عين الطعام الوليمة حرام حرمت عليه الإجابة، وإن لم يعلم فإجابته للدعوة مباحة. إن كان صائما أجاب الدعوة ودعا للداعي بالبركة وانصرف لما رواه الشافعي ﵀ قال دُعِيَ ابن عمر ﵄ فجلس ووضع الطعام فمد يده وقال: خذوا باسم الله ثم قبض يده، وقال: إني صائم. فالصوم ليس عذرا في التأخير، لما رواه ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة فليجب فإن كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائما فليدع، وليقل: إني صائم". ولأن المقصود من حضوره التواصل، والصوم لا يمنع من ذلك. فإذا حضر الصائم وكان صومه فرضا لم يفطر ويدعو بالبركة وليقل: إني صائم وإن شاء أقام حتى الإفطار، وإن شاء انصرف. وإن كان صومه تطوعا فيستحب له أن يأكل ويفطر، لما روي عن النبي ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام وهو صائم، فإن كان تطوعا فليفطر وإلا فليصل". لأنه في عبادة فلا تلزمه مفارقتها.

стр. 96

وأحب أمامنا الشافعي ﵀ له الإفطار، فقال: "وإن كان المدعو صائما أجاب الدعوة وترك وانصرف وليس بحتم أن يأكل وأحب لو فعل". إن كان المدعو مفطرًا وأجاب الدعوة فهل يجب عليه الأكل أو لا؟ لفقهاء المذهب في ذلك أوجه ثلاثة: الوجه الأول: يجب عليه الأكل؛ لأنه مقصود الحضور ولقوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليدع، وليقل: إني صائم". ووجه الدلالة أن قوله ﷺ : "فليأكل" أمر بالأكل والأمر للوجوب. الوجه الثاني: لا يجب عليه الأكل بل هو بالخيار إن شاء أكل وإلا فلا، لما رواه جابر عن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام فإن شاء طعم، وإن شاء ترك". الوجه الثالث: أن الأكل فرض كفاية إذا أكل بعض الحاضرين كفى عن الجميع وإن لم يأكل الجميع أثموا لما في امتناعهم عن الأكل من كسر لنفس الداعي وإفساد طعامه. الآداب التي يجب على المدعو الالتزام بها عند إجابته للدعوة. إذا أجاب المدعو دعوة من دعاه على وليمة العرس وجب عليه أن يلتزم بالآداب الآتية: ١- أن يأكل مما قدم له وإن لم يأذن له الداعي اكتفاء بالقرينة العرفية، إلا إذا كان ينتظر حضور غيره فلا يأكل إلا بإذن لفظا أو بحضور الغير. ٢- أن يأكل إلى حد الشبع أو دونه وتحرم عليه الزيادة على الشبع لما فيه من الإضرار به ولمخالفة العادة. ٣- ليس له أن يأخذ ما يأكل منه ليحمله إلى منزله، ولا أن يعطيه لغيره، ولا أن يبيعه؛ لأن الأكل هو المأذون فيه دون غيره.

стр. 97

٤- إذا جلس على الطعام ليس عليه أن يطعم غيره منه، فإن فعل وكان الذي أطعمه من المدعوين لم يضمن، وإن كان من غير المدعوين ضمن. ٥- ليس من حقه أن يصطحب إلى الطعام من لم يدعه صاحب الوليمة، فإن أحضر معه غيره فقد أساء. ٦- يستحب أن يستعمل الآكل آداب الأكل المسنونة، من غسل اليدين قبل الأكل وبعده، والتسمية قبل الأكل والحمد لله بعده، وأن يأكل مما يليه. ٧- إن كان في الوليمة معصية من مسكر أو خمر أو ما أشبه ذلك من المعاصي الظاهرة نهاهم عنها فإن انتهوا جلس وإلا انصرف. النثار: النثار: بضم النون أو كسرها: اسم لما يُنْثر في النكاح أو غيره ومما اعتاداه الناس عند النكاح أو غيره من المناسبات السعيدة كالولادة أو الختان أن ينثيروا على رءوس الحاضرين قطع من السكر أو الجوز أو اللوز أو الحلوى أو غير ذلك. ولفقهاء المذهب في حكمه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي -يرحمه الله- اختاره جمهور الأصحاب أنه مكروه وتركه أولى من فعله لعدة أمور: ١- أنه قد يوقع بين الحاضرين تناهبا وتنافر وما أدى إلى ذلك فهو مكروه. ٢- أنه قد لا يتساوى الناس فيه وربما حاز بعضهم أكثره ولم يصل إلى الآخرين شيء منه فتنافسوا. ٣- أنه قد يلجا الناس فيه إلى إسقاط المروءات إن أخذوا أو يتسلط عليهم السفهاء إن أمسكوا. وقد كانت الصحابة ﵃ والرسول ﷺ أحفظ للمروءات وأبعد للتنازع والتنافس.

стр. 98

فلذلك يكره النيثار بعدهم، وإن لم يكره في زمانهم، وعادة أهل المروءات في وقتنا أن يقتسموا ذلك بين من أرادوا أو يحملوا إلى منازلهم فيخرج بذلك عن حكم النثير إلى حكم الهدايا. الوجه الثاني: أنه مباح ليس بمستحب ولا مكروه وفعله وتركه سواء، اعتبارا بالفعل الجاري. التقاطه: لفقهاء المذهب في حكم التقاط النثر وجهان: الوجه الأول: أنه مكروه. الثاني: أنه ليس بمكروه إذا كان الملتقط مدعوا كما لا يكره أكل طعام الوليمة للمدعو.

стр. 99

الركن الثاني: الزوج ويشترط في الزوج الذي يكون أهلا لإنشاء العقد شروط ستة: أولها: أن يكون مكلفا -أي بالغا عاقلا. فالصبي والمجنون ليسا أهلا لإنشاء العقد؛ لأنهما لا ولاية لهما على نفسيهما. ولقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة؛ عن الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ". وإنما يزوج الصغير العاقل الأب إن علا، ولا يصح تزويج الوصي أو القاضي له؛ لعدم الحاجة وانتفاء كمال الشفقة هذا هو الصواب الذي صرح به جمهور فقهاء المذهب. وقيل: يزوجه الوصي والحاكم كالأب، وضعف هذا الإمام النووي، فقال في الروضة، ليس بشيء. ا. هـ.

стр. 100

أما المجنون، فإن كان كبيرا لم يزوج لغير الحاجة، ويزوج للحاجة، وذلك بأن تظهر رغبته في النكاح أو بأن يكون محتاجا لمن يقوم على خدمته ولا يجد من محارمه من يقوم بذلك، أو بأن يتوقع شفاؤه بالنكاح. وإذا جاز تزويجه فالذي يزوجه الأب، ثم الجد، ثم السلطان ولا يزوجه أحد غير هؤلاء من العصبات. وإذا كان المجنون صغيرًا: لم يصح تزويجه على الصحيح، وقيل: يزوجه الأب وإن علا. الثاني: ألا يكون محجورًا عليه بسفه. فإن كان كذلك رجع أمره إلى وليه إما أن يزوجه أو يأذن له في أن يزوج نفسه، فإذا زوج السفيه نفسه بإذن وليه جاز نكاحه على الصحيح، وقيل: لا يجوز نكاحه قياسا على بطلان نكاح الصغير. وإذا قلنا بجواز نكاح السفيه بإذن وليه على الصحيح في المذهب فلا يخلو الحال من أمرين. إما أن يطلق له الولي الإذن، فيقول له: تزوج ولا يُعيِّن له المرأة، فالأصح أنه يكفي الإطلاق ويتزوج من يشاء بمهر المثل أو أقل منه، فلو تزوج بأزيد من مهر المثل صح النكاح وسقطت الزيادة. وإن تزوج شريفة يستغرق مهر مثلها كل ماله، فلا يصح نكاحه؛ لأنه لم يتقيد بما يوافق مصلحته. وقيل: لا بد من تعيين المرأة أو القبيلة أو المهر. وإن عين له امرأة لم يصح أن ينكح غيرها ولينكحها بمهر مثلها أو أقل منه. ولو قدر له الولي المهر كأن قال له: انكح امرأة بألف، ولم يعين له المرأة، فلينكح امرأة بألف.

стр. 101

ولو جمع الولي في الإذن بين تعيين المرأة وتقدير المهر، كأن قال له: انكح فلانة بألف، فإن كان مهر مثلها دون الألف فالإذن باطل، وإن كان ألف فنكحها بألف أو أقل صح النكاح بالمسمى، وإن زاد عن الألف سقطت الزيادة. والإذن من الولي للسفيه في النكاح لا يفيد جواز توكيل السفيه غيره في نكاحه؛ لأنه لا يزال محجورا عليه. وإذا قبل الولي النكاح للسفيه، فهل يشترط إذنه أو لا؟ وجهان في المذهب: أحدهما: لا يشترط إذنه؛ لأن الولي فُوِضَ إليه رعاية مصلحة السفيه فإذا عرف حاجته زوجه كما يكسوه ويطعمه. والثاني: وهو الأصح أنه يشترط إذنه؛ لأنه حر مكلف. ثم إذا قبل له الولي النكاح، فليقبل بمهر المثل أو أقل، فإذا زاد عن مهر المثل ففي أظهر القولين: أن النكاح يصح بمهر المثل وتسقط الزيادة. وفي القول الثاني: يبطل النكاح. وهل يشترط في نكاح السفيه حاجته إليه؟ قال أكثر فقهاء المذهب: يشترط في نكاح السفيه حاجته إليه، وإن لم يكن بحاجة إليه فهو إتلاف لماله بلا فائدة، ومن ثم فإنه لا يزوج إلا واحدة كالمجنون، وحاجته إلى النكاح تتحقق بأن تغلب شهوته أو يحتاج إلى من يقوم بخدمته لعدم وجود من يقوم بذلك من محارمه، ولم يكتف في الحاجة بقوله؛ لأنه قد يقصد إتلاف ماله، ولكنهم اعتبروا ظهور الأمارات الدالة على غلبة شهوته وإذا طلب السفيه النكاح مع ظهور الأمارات الدالة على غلبة شهوته وجب على الولي إجابته، فإن امتنع رفع السفيه أمره إلى السلطان كالمرأة التي عضلها الولي، فإن خفت الحاجة وتعذرت عليه مراجعة السلطان وزوج السفيه نفسه بنفسه.

стр. 102

ففي أصح الوجهين: لا يصح نكاحه؛ لأنه محجور عليه لسفهه ولم يؤذن له في النكاح. والثاني: يصح لامتناع الولي عن تزويجه مع حاجته إليه. ولو نكح السفيه بغير إذن وليه مع عدم حاجته إليه فنكاحه باطل ويفرق بينهما، فإن كان قد دخل بها فلا حد عليه للشبهة وفي إيجاب المهر عليه بالدخول عدة أوجه: أصحها: أنه لا يجيب عليه قياسا على ما لو قام بشراء شيء فأتلفه. والثاني: يجب مهر المثل. والثالث: يجب لها أقل ما يتمول أي ما يعتبر مالا. من الذي يتولى تزويج السفيه؟ الأب وإن علا فإن عدما فالقاضي أو من يفوضه في ذلك، سواء بلغ سفيها أو بلغ رشيدا ثم طرأ عليه السفيه. إقرار السفيه بالنكاح: وإذا أقر السفيه بالنكاح فإقراره لا يصح؛ لأنه ليس ممن يباشر النكاح بنفسه فلا يصح إقراره به. الثالث: إن يكون مختارًا. فلو أُكْرِه رجل على أن يعقد على امرأة فلا يصح هذا العقد، وذلك لقوله ﷺ : "فرع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ولأن عقد النكاح مبني على الرضا تحقيقا لمعنى المودة والرحمة. الرابع: ألا يكون مُحْرِمًا بحج أو عمرة. لقوله ﷺ : "لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب". ووجه الدلالة هو أن الحديث أفاد تحريم عقد نكاح المُحْرم بنفسه أو بوكيله؛ لأن من لا يملك تصرفا لا يجوز له أن يوكل فيه غيره ويحرم عليه بطريق الأولى.

стр. 103

الدخول بالمرأة وهو محرم، فإذا تحلل من إحرامه الأصغر والأكبر جاز له العقد والدخول حتى لو لم يغادر مكة. والحكمة في عدم صحة نكاح المحرم: هي ألا ينشغل بالنكاح ومقاصده عن أداء النسك. الخامس: علمه بحل المرأة له؛ لأن الأبضاع شأنها خطير فلا بد من الاحتياط لها، فإن علم عنها شيئا سأل وتبين حتى تخلو تماما من كل ما يكون سببا في تحريمها عليه على التأبيد أو التأقيت أو غير ذلك مما سأبينه إن شاء الله تعالى. فإن لم يتسن له العلم بحالها وعقد عليها ثم ظهر له بعد العقد عدم حلها له فسخ العقد فورًا دخل بعها أم لم يدخل. السادس: أن يكون معينا بالاسم. أو بالوصف، أو الإشارة.

стр. 104

الركن الثالث: الزوجة مدخل ... الركن الثالث: الزوجة ويشترط فيها شروط خمسة. الأول: أن تكون معينة إما بالاسم، أو بالوصف، أو بالإشارة. الثاني: ألا تكون منكوحة الغير ولا معتدة لتعلق حق الغير بها. الثالث: ألا تكون محرمة بالحج أو بالعمرة، حتى لا تنشغل بالنكاح ومقاصده عن أداء المناسك. ولقوله -صلى الله عليه سلم: "لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب". الرابع: أن تكون مختارة إلا إذا كانت ممن تجبر على النكاح كأن كانت بكرا صغيرة أو كبيرة إلا أن الكبيرة يستحب إذنها. الخامس: ألا تكون من المحرمات على التأبيد أو على التأقيت. وإتماما للفائدة سأذكر بتوفيق المولى المحرمات من النساء على ما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 105

المحرمات على التأبيد وأسبابها مانع السبب ... أولا: المحرمات على التأبيد وأسبابها ثلاثة ١- مانع النسب - والمحرمات بسبب النسب أربع شعب وهي: ١- فروع الرجل من النساء، وإن نزلن فتحرم عليه بنته، وبنت بنته، وبنت ابنه. وهكذا كل فرع يكون جزءًا منه مما يتصل به ذلك الاتصال. ٢- أصوله من النساء وإن علون، فأمه وجداته من جهة أبيه أو من جهة أمه جميعا من أصوله وهن حرام عليه إذ هو جزء منهن، فكما حرم عليه جزؤه فكذلك حرم عليه من هو جزؤهن. ٢- فروع أبويه وإن نزلن هو الأخوات سواء أكن شقيقات أم لأب أم لأم وفروع الأخوة والأخوات فيحرم على الرجل إخواته جميعا وأولاد إخوانه وأخواته جميعا وفروعهن مهما تكن الدرجة. ٤- فروع الأجداد والجدات إذا انفصلن بدرجة واحدة، فالعمات والخالات حرام عليه، مهما تكن درجة الجد والجدة، ولكن بنات الأعمام والأخوال والخالات والعمات حلال، مهما بعد الجد أو الجدة التي تفرعن منها، إذ المحرم من فروع الأجداد والجدات هو من ينفصل عن الأصل بدرجة واحدة. ويستدل على تحريم هؤلاء بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ ١. وحكمة التحريم: أن النكاح من هؤلاء يُفضي إلى قطع الرحم؛ لأن النكاح لا يخلو من مباسطات تجري بين الزوجين عادة وبسببها تجري الخشونة بينهما أحيانا، وذلك يُفضي إلى قطع الرحم فكان النكاح منهن سببا لقطع الرحم ومفضيا

стр. 106

إليه المفضي إلى الحرام حرام، وهذا المعنى يعم الفرق السبع؛ لأن قرابتهن محرمة القطع واجبة الوصل. وتختص الأمهات بمعنى آخر، وهو أن احترام الأم وتعظيمها واجب، ولهذا أمر الولد بمصاحبة الوالدين بالمعروف وخفض الجناح لهما والقول الكريم في خطابهما، ونهى عن التأفيف منهما، فلو جاز النكاح، والمرأة تكون في طاعة الزوج وطاعته مستحقة عليها للزمها ذلك، وإنه ينافي الاحترام، فيؤدي إلى التناقص. وأقول: إن هذا الكلام حق لا ريب فيه؛ لأن الحياة الزوجية لا تتفق مع علاقات القرابة ولا تستقيم كلتاهما مع الأخرى فتفسد كلتاهما، وذلك فوق أنه قد يكون تنافس بين هؤلاء الأقارب على واحدة منهن فتكون القطيعة.

стр. 107

٢- مانع الرضاع: وفيه عشرون مسألة. المسألة الأولى: تعريفه الرضاع في اللغة: مص الثدي مطلقا، مأخوذ من رضع الصبي وغيره يرضع كضرب يضرب، ورضع على وزن سمع يرضع رضعا فهو راضع، والجمع رُضع والرضيع المرضع وراضعه ورضاعا رضع معه، والرضع المراضع، والجمع رُضع، الجمع رُضعاء، وامرأة مرضع، أي: ذات رضع أو لبن رضاع، والجمع مراضيع. فإن أريد مجرد الوصف بالإرضاع، قيل: مرضع بغير هاء، أي لها ولد ترضعه، إن أريد أنها محل إرضاع بالفعل، أي: وصفها حال إرضاعها ولدها، قيل. مرضعة بالهاء. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ ١.

стр. 108

الرضاع في الاصطلاح، عرفه الشافعية بقوله: اسم لحصول لبن امرأة آدمية حية أو ما حصل منه في معدة الطفل أو دماغه. المسألة الثانية: حكمه اتفق فقهاء الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب كلها على أنه إذا أرضعت امرأة بلبنها ولد غيرها فقد ثبت بذلك صلة القرابة الرضاعية بينها وبين من أرضعته وثبت تحريم الزواج بينهما وينتشر التحريم كذلك إلى أصولها وفروعها وأصول زوجها وفروعه. ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأخواته فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه وبناتها وأمهاتها، ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن وأباه وبنيه. وكذلك لا ينتشر التحريم إلى من فوق المرتضع من آبائه وأمهاته ومن في درجته من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته ينكحوا أم الطفل من الرضاع وأمهاتها وأخواتها وبناتها، وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن وأخواته وبناته؛ إذ نظير هذا النسب حلال. المسألة الثالثة: دليله يستدل على التحريم بسبب الرضاع بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١.

стр. 109

ووجه الدلالة هو أن الله تعالى ذكر المحرمات من النساء بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ثم عطف على ذلك قوله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١ والعطف يقتضي التشريك في الحكم. ومن السنة قوله ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة". وأجمعت الأمة على تحريم النكاح بسبب القرابة الرضاعية. المسألة الرابعة: مقدار الرضاع المحرم ولا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات مشبعات مفترقات. ويستدل على ذلك بما رواه مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلوما يُحَرِّمن ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. ووجه الدلالة هو أن الحديث نص صريح في تحريم الرضاع بخمس رضعت. واعترض على حديث عائشة: كان فيما نزل من القرآن إلخ.. باغتراضات أربعة؛ الاعتراض الأول: إن هذا ليس بقرآن، لا يثبت بخبر الآحاد، ولو كان قرآن لثبت بين دفتي المصحف. وأجاب الماوردي على ذلك بأجوبة ثلاثة: الجواب الأول: أنه ثبت كونه من القرآن حكما لا تلاوة ورسما، والأحكام تثبت بأخبار الآحاد سواء أضيفت إلى السنة أو إلى القرآن، كما أثبتوا بقراءة ابن مسعود "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" حكم التتابع، وإن لم يكتبوا تلاوته، فإن استفاض نقله ثبت بالاستفاضة تلاوته وحكمه. والجواب الثاني: أن هذا من باب منسوخ التلاوة الثابت حكمه فكان وروده بالاستفاضة والآحاد سواء في إثبات حكمه، وسقوط تلاوته كالذي روي عن عمر

стр. 110

أنه قال:"كان فيما أنزل الله "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله". ولولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لكتبتها في حاشية المصحف ولو كانت من المتلو لكتبتها مع المرسوم، وإنما أراد بكتابتها في الحاشية؛ لأن لا ينساها الناس، ثم لم يفعل لئلا تصير متلوة. والجواب الثالث: أن العشر نسخت بالخمس، وإنما أضافت عائشة ذلك إلى القرآن لما في القرآن من وجوب العمل بالسنة حيث يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١. الاعتراض الثاني: أنه ثبت عن عائشة قالت: كان تحريم الرضاع في صحيفة فلما توفي رسول الله ﷺ تشاغلنا بغسله فدخل داجن الحي فأكلها، لو كان ذلك قرآنا لكان محفوظا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. وأجاب الماوردي عن هذا الاعتراض بجوابين: الجواب الأول: أن الذي أكله داجن الحي هو رضاع الكبير وهو منسوخ. الجواب الثاني: أن العشر منسوخ بالخمس ودعوى عدم حفظه مردوده؛ لأنه محفوظ في الصدور حيث ورد في صفة الأمة المحمدية "أناجيلهم في صدروهم". الاعتراض الثالث: هذا إثبات للنسخ بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ لأنها قالت: فتوفي رسول الله ﷺ وهو ممن يقرأ من القرآن، وبهذا لا يجوز.
следующие страницы →