محتويات الكتاب
...
الصفحة الموضوع
١٣-١٦ مقدمة
١٧-٢٢ تمهيد - الحالة الثقافية والأدبية قبل العصر الحديث
٢٣-٤٢ الفصل الأول - فترة اليقظة
٢٥-٣١ أهم أسباب اليقظة
٢٥- ٢٦ ١- أسلحة علمية للحملة الفرنسية
٢٦-٣١ ٢- أول الاتصال الفعلي بالثقافة الحديثة
٣١-٤٢ الأدب وأولى محاولات التجديد
٣١-٣٧ ١- الشعر
٣٨-٤٢ ٢- النثر
٤٣-٨٧ الفصل الثاني - فترة الوعي
٤٥- ٥٢ أبرز عوامل الوعي
٤٥- ٤٦ ١- اشتداد الصلة بالثقافة الحديثة
٤٦-٤٨ ٢- إحياء التراث العربي
٤٨-٥٠ ٣- مؤسسات سياسية ومجالات ثقافية
٥١-٥٢ ٤- الثورة الأولى
٥٣-٨٧ الأدب وحركة الإحياء
٥٣- ٦٦ أولا- الشعر
٥٣- ٥٨ ١- الاتجاه التقليدي وبعض لمحات التجديد
٥٨-٦٦ ٢- ظهور الاتجاه المحافظ البياني
٦٦- ٨٧ ثانيًا- النثر
٦٦-٦٨ ١- الكتابة الإخوانية واتجاهها إلى التقليد
٦٨-٧٠ ٢- الكتابة الديوانية وميلها إلى الترسل
٧٠-٧٥ ٣- المقالة ونشأتها
стр. 2
الصفحة الموضوع
٧٥-٧٨ ٤- الخطابة وانتعاشها
٧٨-٨١ ٥- الرواية ونشأة اللون التعليمي
٨٢-٨٤ ٦- المسرحية وميلادها
٨٤-٨٧ ٧- كتب الأدب وتجددها
٨٩-٢٢٩ الفصل الثالث- فترة النضال
٩١-١٠٧ حوافز النضال واتجاهاته
٩١-٩٨ ١- من جرائم الاحتلال البريطاني
٩٨-١٠٥ ٢- مراحل النضال وطرائفه
١٠٥-١٠٧ ٣- بعض معالم النضال المشرقة
١٠٨-٢٢٩ الأدب بين المحافظة والتجديد
١٠٨-١٦٥ أولًا- الشعر
١٠٨-١٤٨ ١- سيطرة الاتجاه المحافظ البياني
١١٢-١٣٣ ١- المحافظون والنضال
١١٣-١١٦ من أجل الجامعة الإسلامية
١١٦-١١٨ علاقتهم بالحاكم
١١٨-١٢٩ موقفهم من الإنجليز
١٢٩-١٣٠ في الإصلاح السياسي
١٣٠-١٣٣ من أجل المجتمع
١٣٣-١٣٥ ب المحافظون بين الإسلاميات والذاتيات والمناسبات
١٣٦-١٤٣ جـ عمود الشعر دعامة المحافظين
١٤٣-١٤٨ د تأثيرات حسنة وأخرى سيئة للاتجاه المحافظ
١٤٨-١٦٥ ٢- ظهور الاتجاه التجديدي الذهني
١٥١-١٥٦ أ- ريادة هذا الاتجاه
١٥٦-١٦١ ب- موضوعات هذا الاتجاه
стр. 3
الصفحة الموضوع
١٦١- ١٦٢ جـ أسلوب هذا الاتجاه
١٦٢-١٦٤ د العاطفة في هذا الاتجاه
١٦٤-١٦٥ هـ التجديديون بين النظرية والتطبيق
١٦٥-٢٢٩ ثانيًا- النثر
١٦٥-١٧٤ ١- المقالة وظهور أول طريقة فنية للنثر الحديث
١٧٤-١٨٢ ٢- الخطابة ونشاطها
١٨٢-٢١٨ ٣- القصص بين استلهام التراث ومحاكاة أدب الغرب
١٨٢-١٩٠ أالرواية الاجتماعية المقامية
١٩٠-١٩٣ ب القصة التهذيبية البيانية
١٩٣-١٩٧ جـ الرواية التعليمية التاريخية
١٩٨-٢٠٤ د ميلاد الرواية الفنية
٢٠٤-٢١٨ هـ ميلاد القصة القصيرة
٢١٨- ٢٢٩ ٤- المسرحية وأولوية الأدب المسرحي
٢٢٢-٢٢٣ أمسرحية المعتمد بن عباد
٢٢٣-٢٢٦ ب مسرحية علي بك الكبير
٢٢٦-٢٢٩ جـ مسرحية أبطال المنصورة
٢٣١-٤٢١ الفصل الرابع - فترة الصراع
٢٣٣-٢٥٥ دوافع الصراع ومجالاته
٢٣٣-٢٣٩ ١- بين الروح الوطنية والانحرافات الحزبية
٢٣٩-٢٤٣ ٢- بين نشوة النصر ومرارة النكسة
٢٤٣-٢٤٨ ٣- نمو الحياة الثقافية
٢٤٨-٢٥٥ ٤- غلبة التيار الفكري الغربي
٢٥٦-٢٦٥ الأدب وغالبة الاتجاه التجديدي
стр. 4
الصفحة الموضوع
٢٦٦-٣٧٠ أولًا: الشعر
٢٦٦-٢٨٨ ١- تجمد الاتجاه المحافظ البياني
٢٦٦-٢٨٣ أمن الناحية الموضوعية
٢٨٣-٢٨٥ ب من الناحية الفنية
٢٨٥-٢٨٨ جـ محاولات تجديدية
٢٨٨-٢٩٧ ٢- انحسار الاتجاه التجديدي الذهني
٣٩٧-٣٧٠ ٣- ظهور الاتجاه الابتداعي العاطفي
٣١٢-٣٢٩ أخصائصه المتصلة بالموضوعات
٣٢٩-٣٤٤ ب خصائصه من حيث الأسلوب
٣٤٤-٣٥٢ جـ خصائصه في موسيقى الشعر
٣٥٢-٣٥٤ د خصائصه من حيث المضمون
٣٥٤-٣٥٨ هـ أهم مصادر تلك الخصائص
٣٥٨-٣٦٠ وريادة هذا الاتجاه
٣٦٠-٣٦٤ ز مقاومة هذا الاتجاه
٣٦٤-٣٧٠ حـ محاولات مسرحية وقصصية
٣٧٠-٤٢١ ثانيًا: النثر
٣٧٤-٣٩٧ ١- المقالة وتميز الأساليب الفنية
٣٧٩-٣٨٣ أطريقة طه حسين
٣٨٣-٣٨٧ ب طريقة العقاد
٣٨٧-٣٩١ جـ طريقة الرافعي
٣٩١-٣٩٣ د طريقة الزيات
٣٩٣-٣٩٧ هـ طريقة المازني
٣٩٧-٤١٣ ٢- الخطابة وازدهارها
стр. 5
الصفحة الموضوع
٤١٣-٤١٧ ٣- القصص واستقرار اللون الفني
٤١٧-٤٢١ ٤- المسرحية وتأصيل الأدب المسرحي
٤٢٢-٤٣٣ المراجع
٤٢٢-٤٣٢ أولًا: المراجع العربية
٤٣٣ ثانيًا: المراجع الأجنبية
стр. 6
مقدمات
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
يبدأ العصر الحديث للأدب العربي في مصر -بل للتاريخ المصري كله- بتلك السنوات التي شهدت خروج البلاد من ظلمات العصر التركي، لتفتح عيونها على نور الحضارة الحديثة، ولتأخذ طريقها في موكب المدنية المتقدمة، وذلك بعد أن أغمضت عيونها عن النور، وعوقت خطاها عن السير زهاء ثلاثة قرون، هي مدة الحكم التركي الكريه.
ومن الممكن تحديد تلك البداية، بسنوات الحملة الفرنسية من سنة ١٧٩٨م إلى ١٨٠١م، أي بأواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر. وليس ذلك باعتبار الحملة الفرنسية خيرًا أسدى إلى مصر، بل باعتبارها عملًا عدونيا مدبرًا، أثار في مصر ما كمن من عناصر القوة، فقد اتخذت الحملة الفرنسية من العلم أسلحة ضمن أسلحتها، ومن العلماء جندًا في عداد جندها، ومن هنا رأى المصريون في تلك الحملة علما غير ما يعرفون، وعلماء غير ما يعهدون، وأدركوا خطورة ذلك كله عليهم أن لم يكن لهم مثله، فتطلعوا إلى نور الحضارة الحديثة، وبدءوا التأهب للسير في موكب المدنية المتقدمة.. وهكذا كانت تلك الحملة تنبيهًا غير مقصود لعناصر القوة في الشعب المصري العظيم، تمامًا كما تنبه عناصر المقاومة في جسم الكائن الحي، حين يتسلل إلى دمه مكروب يريد أن يفتك به، فيتسلح الجسد بما فيه من قوى كامنة، ويقاوم بما احتفظ به من حيوية محجبة، وحينئذ قد يكسب مناعة أقوى مع الزمن، وصحة أتم على الأيام.
وقد تعاقبت السنون منذ تلك البداية إلى عهدنا الحاضر، ومر الأدب -والتاريخ المصري كله- بفترات مختلفة، لكل منها طابع خاص.
стр. 7
ولذا يحسن أن يقسم هذا العصر الحديث الطويل، الذي يبلغ نحو قرن وثلثي قرن إلى فتراته المختلفة، التي يتميز كل منها -إلى حد كبير- بطابعه السياسي والاجتماعي والثقافي، ثم بطابعه الأدبي، نتيجة لذلك كله، وبهذا يتيسر الدرس، ويكون أقرب إلى الدقة، وتلك الفترات هي:
الفترة الأولى: من الحملة الفرنسية إلى ولاية إسماعيل من١٧٩٨ إلى ١٨٦٣.
الفترة الثانية: من ولاية إسماعيل إلى الثورة العرابية من ١٨٦٣ إلى ١٨٨٢.
الفترة الثالثة: من الاحتلال البريطاني إلى نهاية ثورة ١٩ من ١٨٨٢ إلى ١٩٢٢.
الفترة الرابعة: فترة ما بين الحربين من ١٩٢٢ إلى ١٩٣٩.
الفترة الخامسة: من الحرب العالمية الثانية إلى قيام ثورة ٢٣ يولية من ١٩٣٩ إلى ١٩٥٢.
الفترة السادسة: من قيام الثورة إلى اليوم من ١٩٥٢ إلى اليوم.
وإذا تأملنا الفترة التي نعيشها اليوم، وقارناها بما نعرف من تاريخ الفترات السابقة، وجدنا الاختلاف يصل أحيانًا إلى درجة التباين أو التناقض، وخاصة إذا كانت المقارنة بين اليوم والأمس البعيد، وهذا من شأنه أن يثير تساؤلا معقولا، وهو: كيف يمكن أن يندرج مثل هذا التاريخ الطويل المختلف الفترات تحت عصر واحد؟ وكيف يمكن مثلًا أن يسمى كل من نتاج أوائل القرن التاسع عشر، ونتاج الثلث الأخير من القرن العشرين بالأدب الحديث مع ما بينهما من خلاف ليس أقل من الخلاف بين القديم والحديث؟
والجواب أن القديم والحديث من الأمور السنية، فما هو حديث اليوم، وسوف يكون قديمًا في الغد، وما هو قديم اليوم، قد كان حديثًا بالأمس، وكل ما في الأمر أن تاريخنا الأدبي مرتبط بتاريخنا السياسي، وقد اصطلح
стр. 8
على تسمية ذلك العصر الذي سلف تحديده بالعصر الحديث، رغم أن أوائله أوشكت أن تفقد صفة الحداثة.. وإذن فهو عصر حديث؛ لأنه يقابل ما كان من عصور قديمة، ثم؛ لأنه العصر الذي بدأ فيه فعلا ما يسمى بتاريخ مصر الحديث، وأخيرًا؛ لأنه منذ بدايته يخالف في وضوح هذا التخلف المؤلم الذي فرض على الشعب المصري من قبل، خلال العهد التركي.
ومهما يكن من أمر، فالمهم ليس الاسم، وإنما هو الدرس، وما دام أساس الدرس هو التمييز بين فترات ذلك العصر، وتحديد سمات كل فترة وخصائص أدبها، فهذا يكفي.
وسوف أتناول في هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ تطور الأدب الحديث في مصر، من أول هذا العصر الحديث إلى قيام الحرب الكبرى الثانية، أي خلال أربع فترات من هذه التي تؤلف هذا العصر، وقد اتخذت من الحرب العالمية الثانية نقطة انتهاء لهذا الكتاب؛ لأنها -في رأيي- بداية مرحلة جديدة في الحياة الفكرية والأدبية، ففي سنواتها عرف كثير مما كان مجهولًا عن الاشتراكية وفكرها، وأدبها، وفي أعقابها أخذ الاتجاه الواقعي الاشتراكي يجذب طائفة من المفكرين والأدباء المصريين، وهكذا لم يعد الفكر والأدب الغربيان ينفردان بالتأثير، كما كان الحال قبل تلك الحرب، وإنما ظهر مؤثر جديد له قوته، وفعاليته مما سيتضح بجلاء في الأدب المصري بعد تلك الحرب، كل ذلك بالإضافة إلى ما وفد من مذاهب واتجاهات من الغرب، وما نشأ من قيم وأفكار منذ تلك الحرب، التي غيرت الكثير من الغرب، وما نشأ من قيم وأفكار منذ تلك الحرب، التي غيرت الكثير من المقررات والمواضعات، الأمر الذي يجعل منها نقطة لعصر، ونقطة ابتداء لعصر جديد.
وسوف أحاول أن أعرض في هذا الكتاب لكل الأنواع الأدبية التي عاشت خلال كل فترة، وأن أتتبع كل نوع في تطوره من فترة إلى أخرى، وذلك من خلال المؤثرات العامة التي وجهت الأدب كله، ثم من خلال العوامل
стр. 9
الخاصة التي أسهمت في تشكيل كل نوع أدبي على حدة.
ونظرًا لوفرة النتاج القصصي والمسرحي في فترة ما بين الحربين، قد خصصت له كتابًا مستقلًا هو في الواقع مكمل لهذا الكتاب، وقد عرضت في الكتاب الثاني هذا النتاج عرضًا نقديًا يأخذ حقه من التفصيل، بجانب ما اشتمل عليه هذا الكتاب لاأول من عرض تاريخي قضت الضرورة أن يكون على شيء من الإجمال، وهذا الكتاب الثاني هو الأدب القصصي والمسرحي -من أعقاب ثورة ١٩ إلى قيام الحرب العالمية الثانية.
أما ما تبقى من فترات العصر الحديث -منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم- فأرجو أن أوفق إلى إنجاز دراسة عنها قريبًا إن شاء الله.
والله الموفق، ومه يستمد العون.
المؤلف.
стр. 10
تمهيد:
الحالة الثقافية والأدبية قبل العصر الحديث.
كانت القرون الثلاثة التي سيطر فيها الحكم التركي على مصر، قد عملت عملها في إغماض العيون، وتكبيل العقول، وعقل الإرادات، وعقد الألسنة. فقد فرض الأتراك على البلاد نوعا من الاحتلال هو في حقيقته محاولة لقتل البلاد ماديًا وأدبيًا، وذلك أن احتلالهم قد عمل على امتصاص كل خيرات الشعب، ومصادرة جميع موارده، وسجن أروع قدراته، وتعويق أعظم ملكاته. وفي سبيل تنفيذ ذلك قد نقل الأتراك من مصر -أول احتلالهم- كثيرًا من العلماء والفنانين، وعديدًا من الكتب والنفائس١، ثم تركوا الدواوين، وجعلوا أهم الرياسات والأعمال الإدارية في أيدي الأترك، وأذنابهم من المماليك، ثم أكثروا من فرض الضرائب، وأهملوا كل إصلاح، ولم يوجهوا أية رعاية إلى التعليم، حتى لقد أغلقت المدارس بل هدمت وانتبهت٢، وكانت النتيجة أن انطفأت شعلة الحياة العلمية في البلاد، إلا وميضًا ينبعث من الأزهر، الذي ظل الملاذ لما بقي من علوم الدين واللغة، وإن كان يعاني في تلك الآونة كثيرًا من الجمود، ككل مظاهر الحية في ذلك العهد المظلم٣.. كذلك تعطلت الحركة الأدبية بل تحجرت، وانحرفت اللغة العربية بل فسدت، فكثر فيها التركي
стр. 11
والعامي، وحادت عن قواعد الإعراب، وابتعدت عن سلامة التركيب العربي الأصيل١.
ومن هنا أصبح الأدب في حالة من السقم تقارب الموت ... فكانت تمثله نماذج نثرية وشعرية هزلية، ليس من وراءها أي صدق إحساس أو فنية تعبير، بل ليس من وراءها حتى تقليد لتلك النماذج الرائعة، من أدبنا في عصور الازدهار، وإنما هي نماذج شاحبة مفتعلة غالبًا، تغطي ركاكتها في أكثر الأحيان ألوان من البديع، كثيرًا ما تبدو كأكفان ذات ألوان وتطاريز، تلف أجداثًا وعظامًا نخرة.
وقد كان أغلب النتاج الأدبي لتلك الفترة، يدور حول الأمداح النبوية، والأمور الإخوانية، والمراثي الباردة، والمواعظ المباشرة، وتسجيل بعض الأحداث في لغة سقيمة، على أن الروح المصرية وبعض ومضاتها الفنية كانت تلوح في بعض النماذج الفصحى حينا، وتنفس عن نفسها عن طريق الأدب الشعبي أحيانًا. وكان هذا الأدب الشعبي ممثلًا في الموال، والأغنية. والسيرة الشعبية، التي كان منها الديني كسيرة السيد البدوي، أو سيرة سيدي إبراهيم الدسوقي أو قصة سيدنا علي ورأس الغول، كما كان منها التاريخي البطولي مثل أبي زيد الهلالي، وعنترة والظاهر بيبرس، وسيف بن ذي يزن. بل غلب هذا الاتجاه حتى أصبح لقب الشاعر يطلق عادة على شاعر الربابة، الذي قص تلك الأشعار على الناس في المقاهي والمحافل، وهذا يؤكد أن الروح الفنية عاشت كامنة في ضمير الشعب، تنتظر الجو الملائم للانطلاق الرائع.
ويكفي لتصور المستوى العلمي، وما بلغه من تخلف حينذاك، أن نقرأ ما حكاه الجبرتي عن دهشته البالغة هو وبعض إخوانه، خلال زيارتهم
стр. 12
لمعمل علمي من معامل الفرنسيين، وحضورهم بعض التجارب هناك، فقد تحدث الجبرتي عن ذلك كله، وكأنه يتحدث عن عمل من أعمال السحر.. يقول الجبرتي في حديثه عن المعمل، وبعض التجارب العلمية التي كان يجريها الفرنسيون: ... وأفردوا مكانًا في بيت حسن كاشف جركس لصناعة الحكمة والطب الكيماوي، ومن غريب ما رأيته في ذلك المكان أن بعض المتقيدين لذلك، أخذ زجاجة من الزجاجات الموضوعة فيها بعض المياه المستخرجة، فصب منها شيئًا في كأس، ثم صب عليها شيئًا من زجاجة أخرى، فعلا الماء، وصعد منه دخان ملون حتى انقطع وجف ما في الكأس، وصار حجرًا أصفر، فقلبه على البرجات حجرًا يابسًا أخذناه بأيدينا ونظرناه، ثم فعل كذلك بمياه أخرى فجمد حجرًا ياقوتيا، ثم أخذ مرة شيئًا قليلًا جدًّا من غبار أبيض، ووضعه على السندال، وضربه بالمطرقة بلطف، فخرج له صوت هائل كصوت القرابانة، انزعجنا منه فضحكوا منا ... ولهم فيه أمور وأحوال، وتراكيب غريبة، ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا١.
كذلك يكفي لتصور المستوى اللغوي أن نقرأ بعض ما كتبه ابن إياس٢، أو الجبرتي، وإن كان الجبرتي يمتاز بكثير من الروح المصرية ذات الومضات الفنية، التي تلوح أحيانًا من خلال التهافت اللغوي، ومن ذلك قوله متحدثأ عن بعض الولاة: ومما اتفق له أن بعض التجار أراد الحج، فجمع ما عنده من الذهبيات والفضيات، واللؤلؤ والجوهر ومصاغ حريمه، ووضعه في صندوق وأودعه عند صاحب له بسوق مرجوش، يسمى الخواجا علي الفيومي، بموجب قائمة أخذها مع مفتاح الصندوق، وسافر إلى الحجاز، وجاور هناك سنة،
стр. 13
ورجح مع الحجاج، وحضر إليه أحبابه وأصحابه للسلام عليه، وانتظر صاحبه الحج علي الفيومي فلم يأته، فسأل عنه فقيل له: إنه طيب بخير، فأخذ شيئا من التمر واللبان والليف ووضعه في منديلِ، وذهب إليه ودخل عليه، ووضع بين يديه ذلك المنديل، فقال له: من أنت، فإني لا أعرفك قبل اليوم حتى تهاديني؟ فقال: أنا فلان صاحب الصندوق الأمانة، فجحد معرفته وأنكر ذلك بالكلية، ولم يكن بينه وبين بينة تشهد بذلك، فصار عقل الجوهري، وتحير في أمره، وضاق صدره، فأخبر بعض أصحابه، فقال له: اذهب إلى كجك محمد أوده باشه، فذهب إليه وأخبره بالقصة، فأمره أن يدخل إلى المكان الداخل، ولا يأتي حتى يطلبه، وأرسل إلى الفيوم، فلما حضر إليه بش في وجهه ورحب به وآنسه بالكلام الحلو، ورأى في يده سبحة مرجان فأخذها من يده يقلبها، ويلعب بها ثم قام كأنه يزيل ضرورة، وأعطاها لخادمه وقال له: خذ خادم الخواجا صحبتك، واترك دابته هنا عند بعض الخدم، وذاهب صحبة الخادم إلى بيته، وقف عند باب الحريم وأعطهم السحبة أمارة، وقل لهم: إنه اعترف بالصندوق الأمانة، فلما رأوا الأمارة والخادم، لم يشكوا في صحة ذلك، وعندما رجع كجك محمد إلى مجلسه، قال للخواجا: بلغني أن رجلا جواهرجي أودع عندك صندوقًا أمانة ثم طلبه فأنكرته، فقال: لا وحياة رأسك، ليس له أصل، وكأني اشتبهت عليه، أو أنه خرفان وذهلان، ولا أعرفه قبل ذلك ولا يعرفني، ثم سكتوا، وإذا بتابع الأوده باشه والخادم داخلين بالصندوق على حمار، فوضعوه بين أيديهما، فانتفع وجه الفيومي واصفر لونه، فطلب الأوده باشه صاحب الصندوق، فحضر فقال له: هذا صندوقك؟ قال: نعم، قال له: عندك قائمة بما فيه؟ قال: معي، وأخرجها من جيبه مع المفتاح، فتناولها الكاتب وفتحوا الصندوق، وقابلوا ما فيه على موجب القائمة، فوجدت بالتمام، فقال له: خذ متاعك واذهب، ثم التفت إلى الخواجا الفيومي -وهو ميت في جلده ينتظر ما يفعل به- فقال له: صاحب الأمانة أخذها، إيش جلوسك؟
стр. 14
فقام، ينفض غبار الموت وذهب١.
وأخيرًا يكفي لتصور حال الشعر، وما مني به -في الأعم الأغلب- من هزال وتستر وراء بعض المحسنات، أن نقرأ مثل هذين البيتين لبعض الشعراء في وفاء النيل:
النيل في مصر أوفى ... في توت حادي وعاشر
والناس قد أرخوه ... لله جبر الخواطر٢
فالشاعر ليس عنده شيء يقوله إلا التاريخ للعام الذي أوفى فيه النيل، وكان عام ١١١٧هـ، وهو ما أجهد الشاعر نفسه -وأجهدنا معه- ليرمز إليه بحروف الشطر الأخير من البيتين٣.
على أن بعض نماذج الشعر كانت تخلو من المحسنات التي في مقدمتها التاريخ، وتأتي مجرد سرد مجانب لأبسط مقومات الشعر، بل غير سالم من الانحراف اللغوي، وإن اشتمل أحيانًا على الروح المصري اللطيف، ومن ذلك قول الشيخ حسن البدوي:
كن جار كلب، وجار الشرة اجتنب ... ولو أخا لك من أمٍ يرى وأبِ
стр. 15
ما جار كلب شكا يومًا بوائقه ... إذا شكا غيره من مصمة الوصب
وجانب الدار إن ضاقت مرافقها ... والمرأة السوء، لو معروفة النسب
ومركبًا شر الأخلاق لا سيما ... إن كان ذا قصر أو أبتر الذنب
أو كان ذا بطء سير، والعمائم ما ... تفاحشت كبرًا تبدو كما القبب١
стр. 16
الفصل الأول: فترة اليقظة
أهم أسباب اليقظة
أسلحة علمية للحملة الفرنسية
...
الفصل الأول: فترة اليقظة
من الحملة الفرنسية إلى ولاية إسماعيل ١٧٩٨-١٨٦٣
أهم أسباب اليقظة:
١- أسلحة علمية للحملة الفرنسية:
كانت الحملة الفرنسية ترمي إلى تكوين إمبراطورية شرقية قوية مستقرة١، لذلك اتخذت العلم سلاحًا ضمن أسلحتها، وحشدت العلماء جندًا ضمن جنودها٢، وكان من مظاهر ذلك أن أنشاء العلماء الفرنسيون المصاحبون للحملة في مصر، مراكز للأبحاث الرياضية، ومراصد فلكية، ومعامل كيماوية، كما أنشأوا بعض المصانع ومعملًا للورق، ثم مجمعًا عليمًّا لدراسة أحوال مصر الطبيعية والجغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتاريخية والثقافية؛ وكان ذلك أساسًا لإمداد الحكومة الفرنسية بالمعلومات والتوجيهات، والإحصاءات والخرائط، ولتأكيد الوجود الفرنسي في مصر، وإقامته على دعائم من العلم والخبرة.. كذلك أقام الفرنسيون مطبعة عربية، وأصدروا صحيفتين فرنسيتين ونشرة باللغة العربية، كما أقاموا أيضًا مسرحًا للتمثيل، كانوا يقدمون فيه رواية فرنسية كل عشر ليال، وفتحوا مدرستين لتعليم أبناء الفرنسيين، ومكتبة عامة جمعوا فيها ما حملوه معهم من كتب، وماجمعوه من مساجد مصر وأضرحتها.
وكانوا يدعون بعض المصريين إلى مشاهدة ما بها من كتب، كما كانوا يدعونهم إلى مشاهدة بعض تجاربهم العلمية، وذلك لتأليف قلوبهم، وإيهامهم بأنهم جاءوا لتحضيرهم والنهوض بهم٣.
ولعل مما يرتبط بهذه المظاهر، تشكيلهم للديوان، الذي كان يضم تسعة
стр. 17
أعضاء من علماء الأزهر، وذلك للعمل على استتباب الأمن، والتظاهر بأن الشعب يشارك في حكم نفسه١.
ويلاحظ أولًا: أن أغلب تلك المظاهر الثقافية متصل بالعلم العملي، كما يلاحظ ثانيًا، أن جميعها جاءت في صورة عدوانية ضمن الحملة الفرنسية الغازية، ومن هنا لم يكن لها تأثير فعلي في وصل المصريين بالثقافة الأوروبية، وبخاصة الثقافة الأدبية، وإنما اقتصر تأثير كل هذه المظاهر على الإثارة أو الإيقاظ، حتى أحس البعض بوجوب التغيير، وتطلع إلى التسلح بوسائل أفضل، وهذا ما عبر عنه الشيخ حسن العطار٢ بقوله حينذاك: إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد ما بها من العلوم والمعارف٣.
стр. 18
٢- أول الاتصال الفعلي بالثقافة الحديثة:
كان محمد علي جنديًا ألبانيا مغامرًا، قد جاء إلى مصر ضمن الحملة التركية التي اشتركت في إخراج الفرنسيين سنة ١٨٠١م، وقد امتدت أطماعه إلى الاستقلال بمصر أولًا، ثم تأسيس إمبراطورية كبيرة ثانيًا، واستطاع بدهائه ومكره أن يخدع القوى الشعبية التي ظهرت قوتها أثناء مقاومة الفرنسيين، حتى ولته تلك القوى حاكمًا على البلاد سنة ١٨٠٥م، وما لبث أن خان تلك القوى، فاضطهد زعماءها وعلى رأسهم السيد عمر مكرم، كما غدر بالمماليك فنكل بهم في مذبحة القلعة، ورأى أن الحاجة ماسة إلى قوة مسلحة تخمد القوى الشعبية التي يدين لها بعرشه، وترهب بقايا المماليك الذين ينازعونه سلطانه، كما تحميه من تركيا التي تملك عزله، وإنجلترا التي تهدد أطماعه١.
فعمد إلى إنشاء جيش قوي، وعمل كل ما من شأنه أن يحيط هذا الجيش
стр. 19
بأسباب القوة، فأنشأ مدرسة حربية، ثم مدرسة للطب ليقوم أبناؤها بعلاج الجيش، ثم أنشأ مدرسة للصيدلة، وأخرى للطب البيطري -وأخرى للهندسة- كما أنشأ عددًا من المدارس الابتدائية والتجهيزية١.
وقد استقدم محمد علي -أول الأمر- الأساتذة الأجانب للتدريس في المدارس المختلفة، ونظرًا لعدم معرفة هؤلاء بلغة البلاد أو معرفة التلاميذ بلغتهم، فقد استعان بالمترجمين من السوريين والمغاربة، وغيرهم٢.
كذلك أرسل محمد علي البعثات إلى أوروبا، ليقوم أبناؤها فيما بعد بمطالب الجيش، وللتدريس في تلك المدارس التي هي في خدمة الجيش، وقد تعددت البعثات وتنوعت، بين هندسية وطبية وزراعية وصيدلية وقانونية، وسياسية وكيماوية، كما كان منها بعثات للتخصص في الطباعة والحفر، والميكانيكا وغيرها٣.
وهكذا كان أول لقاء عملي بين المصريين والثقافة الغربية في العصر الحديث.
وقد أنتج هذا اللقاء ثمارًا طيبة، فقد عاد هؤلاء المبعوثون بعلم جديد وعقلية جديدة إلى بلادهم، فعلموا في المدارس وعملوا في المصالح، وترجموا وألفوا وخططوا، وبهذا وضعوا أساس الحركة الثقافية والأدبية الحديثة، كما بدءوا تطوير اللغة بما ترجموا إليها من علوم حديثة، وبما أمدوها به من مصطلحات جديدة، ثم بما عبروا عنه من أفكار وموضوعات منوعة، أكثرها يتصل بالحياة، ويرتبط بموكب الثقافة الإنسانية المتطورة.
وكان من أجل مظاهر ذلك، مدرسة الألسن التي اقترح إنشاءها رفاعة الطهطاوي، وعهد إليه بإدارتها، وكانت تعني بدراسة اللغات الفرنسية
стр. 20
والإيطالية والتركية والفارسية، إلى جانب آداب اللغة العربية، والتاريخ والجغرافيا والشريعة الإسلامية، والشرائع الأجنبية.
وقد استطاعت مدرسة الألسن بفضل خريجيها، أن تترجم كثيرًا من الكتب القيمة، كما ترجم رفاعة رسائل عديدة في مختلف الفنون والعلوم، وترجم كذلك بعض قطع من الشعر الفرنسي، من بينها نشيد المرسيلييز، وترجم دستور فرنسا وعلق عليه بوعي لمفاهيم الحرية، وحقوق المواطنين ونظام الحكم١.
ولعل من أهم المظاهر الثقافية التي عرفت في تلك الآونة، إنشاء المطبعة الأميرية سنة ١٨٢٢، ثم إصدار صحيفة سميت أولًا باسم جورنال الخديو، ثم أخذت اسم الوقائع المصرية، وكانت تحرر أولًا بالتركية والعربية، ثم صارت تكتب بالعربية وحدها٢.
وليس من شك في أن تلك الألوان الثقافية قد أثمرت ثمارًا طيبة منذ تلك الآونة، رغم ما كان من نكسة للثقافة، وتعويق الفكر في عهد عباس الأول وسعيد، على اختلاف في درجة التعويق، ومظهر النكسة بين هذين الحاكمين الرجعيين٣.
стр. 21
وهناك ملاحظات على تلك الحركة الثقافية التي كانت في عهد محمد علي، منها أنها دارت -قبل كل شيء- حول الجيش، ولم تتجه أساسًا إلى إضاءة الحياة المدنية، ومنها أنه عنيت أولًا بأبناء الأتراك والمماليك، وكان حظ أبناء الشعب منها ضئيلًا، ومنها أنها اهتمت -أكثر ما اهتمت- بالجوانب العملية والمادية، ولم تعط إلا القليل للجوانب النظرية والأدبية.
ولهذا كله لم يكن تأثير تلك الحركة الثقافية على الحياة الفكرية والأدبية قويًّا، وخاصة إذا ذكرنا أن الشعب كان في ذاك العهد يعاني من سوء الحالة الاقتصادية ما لا يمكنه أن يفرغ لفكر أو يقبل على أدب؛ فقد نزع محمد علي الأرض من يد الفلاحين، وأصبح هو المالك لكل شيء، أما الناس عنده فهم أشبه بآلات تعمل لتنتج له ما يرضي طمعه، كما كان الوالي هو صاحب الأمر في كل شيء، وليس للشعب رأي في أمور بلده، بعد نفي الزعامات الشعبية واضطهاد العناصر الوطنية، وحكم الشعب حكمًا استبداديًّا غاشمًا.
وأهم الثمار التي جنيت من هذه الحركة الثقافية هي ظهور جماعة من المثقفين المصريين، الذين نهلوا من ثقافة الغرب وعرفوا لغته وبعض أدبه، وأصبحوا يمثلون -آخر الأمر- لونًا جديدًا إلى جانب اللون التقليدي الممثل في علماء الأزهر حينذاك، وهؤلاء المثقفون الجدد سيقومون هم، وتلاميذهم بريادة التيار الثقافي الجديد، والتبشير بحياة أدبية جديدة، رغم ما حدث من تعويق وانتكاس في عهدي عباس، وسعيد على ما سبقت الإشارة إليه١.
وربما كان من ثمار تلك الحركة كذلك، انتعاش اللغة العربية بعض الانتعاش، وتجددها بعض التجدد، وذلك؛ لأنها أصبحت لغة العلوم الحديثة ولغة الصحافة الجديدة، ووسيلة الأفكار والنظم الوافدة، فاتسعت للمصطلحات العلمية والفنية، ومالت أكثر إلى الموضوعية، وتخلصت نوعًا من الركاكة والتكلف. وربما كانت تلك بداية اللغة العربية الحديثة المتطورة٢.
стр. 22
الأدب وأولى محاولات التجديد
الشعر
...
الأدب وأولى محاولات التجديد:
أما الأدب فقد ظل -في جملته- على ما كان عليه من قبل، فكان أبرز الأدباء طائفة من الشيوخ ذوي الثقافة التقليدية، وممن عاشوا على التراث الأدبي المتصل بالعهد التركي، ولم يظهر من بين أصحاب الثقافة الحديثة من يمثلون اتجاهًا مقابلًا في الأدب للاتجاه القديم، كما حدث في العلم؛ لأن التحول كان تحولًا علميًّا، لم يمس الحياة الأدبية مسًّا واضحًا، ومع ذلك فقد ظهر في كتابات قلة من ذوي الثقافة الجديدة بعض لمحات تجديدية جديرة بالتسجيل في الشعر والنثر على السواء، وهذا تفصيل القول في كل من الفنيين الأدبيين.
١- الشعر:
كان أكثر الشعر من هذا اللون التقليدي المتخلف الرديء، الذي يسير هزاله وتهافته بألوان من المهارة اللفظية، والحيل اللغوية، والمحسنات البديعية المتكلفة، كعمل أبيات تقرأ من اليسار كما تقرأ من اليمين، أو أبيات كل كلماتها معجم الحروف، أو كل كلماتها مهمل الحروف، وكعمل أبيات أوائل حروفها تؤلف بيتًا آخر أو أبياتًا من الشعر، أو تدل على اسم معين أو تاريخ خاص، وكعمل أبيات كل كلماتها مبدوءة بحرف معين، أو كل كلماتها مفرقة الحروف، وما إلى ذلك.
ومن النماذج السائرة في هذا الاتجاه، أغلب أشعار الشيخ على الدرويش١،
стр. 23
فهو مثلًا يتغزل ببيتين بادئًا كل الكلمات فيها بحرف العين، فيقول:
علي على عينيك عذل عواذلي ... عذاب، عليها عند عاشقها عذب
عذارك عذري، عجب عطفك عدتي ... عيونك عضبي عاد عائبها عضب١
ومثل الشيخ علي الدرويش كثيرون، مثل الشيخ محمد شهاب الدين المصري٢، الذي يقول في الوصف، جاعلًا كل همه أن يأتي بكل الكلمات مفرقة، مع ما أمكن من الجناس:
رَاحَ دَنٍ أدَرْتَ أَمْ ذوْبَ وَرْدِ ... رَقَّ إذ دَارَ دُونَ آسٍ وَوَرْدِ
رُبَّ روضٍ أراك دَوْحَ أراكٍ ... دُون أوراقِ وَرْدهِ رَاقَ وِرْدِى
إن ذَوَي زَارَهُ وازن رُوَاهُ ... دَرُّ وَدْقٍ وَرَدَّهُ أيَّ رَدِّ٣
وقد كانت بعض نماذج الشعر في تلك الفترة تخلو من الألاعيب والمحسنات، ولكنها تأتي سطحية الفكرة، مهزوزة الصورة فاترة التأثير، ومن ذلك قول الشيخ حسن قويدر٤:
يا طالب النصح خذ مني محبرة ... تلقى إليها على الرغم المقاليد
عروسة من بنات الفكر قد كسيت ... ملاحة ولها في الخد توريد
كأنها وهي بالأمثال ناطقة ... طير له في صميم القلب تغريد
احفظ لسانك من لغو ومن غلط ... كل البلاء بهذا العضو مرصود
стр. 24
واحذر من الناس لا تركن إلى أحد ... فالخل في مثل هذا العصر مفقود
بواطن الناس في ذا الدهر قد فسدت ... فالشر طبع لهم والخير تقليد١
على أن نماذج قليلة من شعر تلك الفترة كانت أقل تكلفًا، وأكثر قربًا من روح الشعر، ومن تلك النماذج قول الشيخ حسن العطار٢ راثيًا:
أحاديث دهر قد ألم فأوجعا ... وحل بنادي جمعنا فتصدعا
لقد صال فينا البين أعظم صولة ... فلم يخل من وقع المصيبة موضعا
وجاءت خطوب الدهر تترى فكلما ... مضى حادث يعقبه آخر مسرعا
وحل بنا ما لم نكن في حسابه ... من الدهر، ما أبكى العيون وأفزعا
خطوب زمان لو تمادى أقلها ... بشامخ رضوى أو ثبيرٍ تضعضعا
وأصبح شأن الناس ما بين عائد ... مريضًا وثانٍ للحبيب مشيعا
لقد كان روض العيش بالأمن يانعا ... فأضحى هشيما ظله متقشعا
أيحسن ألا يبذل الشخص مهجة ... ويبكي دمًا إن أفنت العين أدمعا
وقد سار بالأحباب في حين غفلة ... سرير المنايا عاجلا متسرعا
وفي كل يوم روعة بعد روعة ... فلله ما قاسى الفؤاد وروعا٣
ولعل السبب في قرب بعض نماذج قليلة كهذه من روح الشعر، أن أصحابها كانوا على شيء من الصلة بالشعر القديم الجيد، فالشيخ العطار مثلًا قد جمع طائفة من أشعار ابن سهل الإشبيلي، قد نشرت على أنها ديوان هذا الشاعر
стр. 25
الأندلسي الكبير١، وهذا دليل على صلة هذا الشيخ ببعض نماذج الشعر القديم الجيد.
بل إن نماذج أقل من السابقة القريبة من روح الشعر، قد ظهرت في أواخر تلك الفترة، وتضمنت أوائل سمات التجديد، وإن لم تكن من الشيوع بحيث تعد اتجاهاً، وكان أصحاب هذه النماذج هم بعض تلاميذ ذاك الجيل السابق، وكانوا ممن أضافوا إلى ثقافتهم العربية ثقافة أجنبية، فقد نظم رفاعة الطهطاوي٢
стр. 26
بعض الأشعار الوطنية، كما نظم بعض الأناشيد الحماسية، كذلك نظم صالح مجدي١ -تلميذ رفاعة- طائفة من الأناشيد التي نراها في نهاية ديوانه.
وكل من الشعر الوطني وشعر الأناشيد، ذو طابع تجديدي واضح، على الأقل إذ قيس بما كان من طابع الشعر في تلك الفترة، وذلك أن الشعر الوطني، وشعر الأناشيد الحماسية، فيه حديث عن الوطن بهذا المفهوم السياسي والحاضري الجديد، وفيه كذلك تمجيد لهذا الوطن، والحث على افتدائه، وبذل كل شيء في سبيله.. ثم إن الأناشيد بخاصة فيها -إلى جانب تمجطيد الجيش- تلوين في موسيقى الشعر، من حيث تنويع الوزن وتعديد القافية، ورعاية تناسق خاص بين الأجزاء، واختيار إيقاع ملائم، يناسب الإنشاد الجماعي، أو يساير خطوات الجند ومن إليهم، وكل هذا جديد، يذكر بالفضل للرائد الطهطاوي، وتلميذه صالح مجدي.
ومن نماذج شعر رفاعة الوطني، الذي يأتي متناثرًا في قصائده قوله:
ولئن حلفت بأن مصر لجنة ... وقطوفها للفائزين دواني
стр. 27
والنيل كوثرها الشهي شرابه ... لأبر كل البر في أيماني١
ومما يصلح شاهدًا على ريادة الرفاعة لفن الأناشيد الحماسية قوله:
يا أيها الجنود ... والقادة الأسود
إن أمكم حسود ... يعود هامي المدمع
فكم لكم حروب ... بنصركم تؤوب
لم تثنكم خطوب ... ولا اقتحام معمع
وكم شهدتم من وغى ... وكم هزمتم من بغى
فمن تعدى وطغى ... على حماكم يصرع٢
ومما يلفت النظر ويحمل على الإعجاب، ما نراه في بعض هذا اللون من شعر رفاعة من تلوين في موسيقى الشعر، وخروج على رتابة النغم خروجًا لم يألفه الشعر العربي، لا في عصر الشاعر ولا فيما قبله من عصور، ولا نكاد نجد له شبيهًا إلا عند الأندلسيين الوشاحيين المجيدين، وبمثل هذا اللون من الشعر، يعتبر رفاعة من رواد التجديد في موسيقى الشعر الحديث، ومن شواهد ذلك قوله:
يا حزبنا قم بنا نسود ... فنحن في حربنا أسود
عند اللقا بأسنا شديد ... هام عدانا لنا حصيد
حامي حمى مصرنا سعيد ... في عصره مجدنا يعود
بجنده المجند ... وسيفه المهند
стр. 28
ونصره المؤيد ... وعزه المشيد
في عصره مجدنا يعود١
فالشاعر فضلًا عن تلوينه للقوافي في هذا النشيد، قد استخدم بحرين، إذ استخدم مخلع البسيط في الأشطر الطوال، واستخدم مجزوء الرجز في الأشطر القصار، وهذا ما لم يجرؤ عليه إلا أئمة التجديد من الوشاحين أنفسهم.
وأغلب الظن أن رفاعه -رائد هذا الشعر الوطني، ورائد فن النشيد بصفة خاصة- قد تأثر بما قرأ وسمع من شعره فرنسي، وربما تأثر في هذا الباب بالذات، بنشيد المارسيلييز -نشيد الثورة الفرنسية المعروف- الذي ترجمه رفاعة ضمن ما ترجم من آثار الفكر الفرنسي٢، وأغلب الظن كذلك أن رفاعة كان على معرفة ببعض نماذج الموشحات التي من خصائصها تنوع الأوزان والقوافي. وقد استطاع رفاعة بذكاء أن يطوع هذا القالب الغنائي الأندلسي لمضمونات وطنية وحماسية، فكانت بواكير الأناشيد في الأدب الحديث.
وخلاصة القول في شعر تلك الفترة إذن، أن الطابع العام كان الطابع التقليدي المتخلف الرديء، الذي منه نماذج تعمد إلى الألاعيب والمحسنات، كأكثر نماذج الشيخ الدرويش، والشيخ الشهاب، ومنه نماذج تنجو من الألاعيب والمحسنات، ولكن تتورط في السطحية والاهتزاز والفتور، وبالإضافة إلى هذا الطابع العام كانت توجد نماذج قليلة أقرب إلى روح الشعر، كبعض نماذج الشيخ العطار، ثم كانت توجد نماذج أقل، تحمل بواكير التجديد، كوطنيات الطهطاوي وأناشيده، وكأناشيد تلميذه صاحل مجدي، فهذه الفترة على طابعها التقليدي المتخلف الرديء، قد حوت في آخرها بذور التجديد الشعري الذي سيتضح في الفترة التالية:
стр. 29
٢- النثر:
أما النثر فقد كان معظمه كالشعر في عمومه، من حيث التقليدية المتخلفة، فهو غالبًا يعبر عن موضوعات ساذجة، ويتقوقع في الرسائل والمقامات ونحوها، من الأنواع التقليدية، ثم هو يتستر بالمحسنات، ولا يسلم كثيرًا من التهافت.
ومن أمثلة ذلك قول الشيخ علي الدرويش من رسالة يهدد فيها أحد الشعراء بالهجاء:
"وإني نصحتك نصيحة الشفيق، لعلك من الغي تفيق، فإن رجعت نجوب بالهرب، وإلا فوحق من أخلاك من الأدب، وجعل شعرك ضحكة للعجم والعرب، أعمل فيك دقيقة من صناعة الآداب، ما جاء بها أحد على ممر الأحقاب، وما سمعها سامع إلا وحفظها، ولا نظرها ناظر إلا ولحظها، فإن حفظت عرضك فيها، وإلا فأنا لها"١.
ومنه أيضًا -وإن كنا أقرب نوعًا إلى الفن- قول الشيخ حسن العطار في رسالة:
"أما بعد فإن أحسن وشي رقمته الأقلام، وأبهى زهر تفتحت عنه الأكمام، عاطر سلام يفوح بعبير المحبة نفحه، ويشرق في سماء الطروس صبحه.
سلام كزهر الروض أو نفحة الصبا ... أو الراح تجلى في يد الرشأ الألمي
سلام عاطر الأردان، تحمله الصبا سارية على الرند والبان، إلى مقام حضرة المخلص الوداد، الذي هو عندي بمنزلة العين والفؤاد، صاحب الأخلاق الحميدة، حلية الزمان الذي حلى به معصمه وجيده"٢.
على أن بعض النثر قد خطا خطوة أبعد من تلك الأغراض الساذجة، كما تحرر بعض الشيء من التهافت والمحسنات، وأصبح يحمل زادًا فكريا حينًا، وتجارب إنسانية حينًا آخر، ويحاول أن يأخذ شكلًا جديدًا غير شكل الرسالة
стр. 30
والمقامة وما إليهما، وكان باكورة ذلك كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي، هذا الكتاب لاذي تحدث فيه رفاعة عن رحلته إلى باريس، ووصف كثيرًا من انطباعاته ومشاهداته، كما نقل عديدًا من المعارف والنظم، والقوانين التي أعجب بها في فرنسا.
ورغم أن الكتاب قد جاء مزيجًا من خصائص كتب الرحلات والكتب العلمية، والتقارير الرسمية، مع خلو تام من كل عنصر روائي؛ فإن بعض الباحثين يعتبره البذور الأولى للرواية التعليمية في الأدب الحديث، وذلك لتقديمه ما قدم من معارف من خلال رحلة؛ ثم لتمهيده لأعمال جاءت بعد ذلك فيها الهدف التعليمي، وفيها كثير من العناصر الروائية١.
والكتاب بعد ذلك ذو قيمة كبيرة من الناحية الفكرية، فهو صورة لاحتكاك عقلية أزهرية مستنيرة بالحضارة الأوروبية، وهو كذلك صورة لجرأة مثقف مصري في وصف قيم ديمقراطية، وأنظمة دستورية آراها في فرنسا، وأعجب بها، وأعلن هذا الإعجاب في بيئته كانت تحكم في تلك الآونة حكمًا استبداديًّا غاشمًّا٢، وقد ذكر رفاعة أن الذي نبهه إلى تأليف هذا الكتاب هو أستاذه الشيخ حسن العطار، فهو يقول في المقدمة: فلما رسم اسمي في جملة المسافرين، وعزمت على التوجه، أشار على بعض الأقارب والمحبين، لا سيما شيخنا العطار -فإنه مولع بسماع عجائب الأخبار، والاطلاع على غرائب الآثار- أن أنبه على ما يقع في هذه السفرة، على ما أراه وما أصادفه من الأمور الغريبة، والاشياء العجيبة؛ ليكون نافعًا في كشف القناع عن هذه البقاع"٣.
ويقول رفاعة معلقًا في كتابه على ما أورد من نصوص الدستور الفرنسي: "إن سائر الفرنسيين متساوون قدام الشريعة، معناه سائر من يوجد في
стр. 31
بلاد فرنسا من رفيع ووضيع، لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون، حتى إن الدعوى الشرعية تقام على الملك؛ وينفذ عليه بالحكم كغيره، فانظر إلى هذه المادة، فإنها لها تسلط عظيم على إقامة العدل، وإسعاف المظلوم، وجبر خاطر الفقير، بأنه كالعظيم نظرًا إلى إجراء الأحكام، ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة الواضحة على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحضرية"١.
على أن لرفاعة عملًا آخر أكثر أهمية في هذه الناحية من ذاك الكتاب، هذا العمل هو ترجمته لمغامرات تليماك Les Aventures de Tedlemaque التي كتبها القس الفرنسي فينيلون Fenellone، وقد سمى رفاعة الترجمة "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك"، ولعل الأدب العربي الحديث لم يعرف تجرمة لرواية فرنسية قبل ترجمة رفاعة لتلك الرواية، وهكذا تأتي أهمية تلك الترجمة أولًا من حيث إنها أول مظهر من مظاهر النشاط الروائي في مصر خلال العصر الحديث، ثم تأتي أهميتها ثانيًا من حيث ما اشتملت عليه من نقد لاستبداد عباس الأول، ومن دعوة محجبة لملصريين إلى التآزر والاتحاد للمقاومة والخلاص، ثم تقديم لبعض قيم الديمقراطية، ومبادئ الحرية٢.
فقد ذكر رفاعة أنه قصد بترجمة تليماك: "إسداء نصائح إلى الملوك والحكام، وتقديم مواعظ لتحسين ساوك عامة الناس". ولكن يلاحظ بوضوح أنه اختار هذه الرواية بالذات لكونها أنسب الأعمال لحاله، وموقف عباس منه، حين اضطهده ونفاه إلى السودان، ولذا نرى رفاعة في تليماك يتحدث عن الملك المصري الذي ينفي "منظور" إلى السودان بسبب بعض الوشايات، ثم يتحثد عن ملك جديد يتولى الملك بعد الملك السابق، ويطلق سراح جميع الأسرى٣، وهو في ذلك يوشك أن يتحدث عن نفسه ونفي عباس له، وتطلعه إلى حاكم عادل يأتي بعد عباس.
стр. 32
ونراه في موضع آخر يقول: "الملك هو ولي الأمر في الرعية، يأمر وينهى، وأحكام المملكة وقوانينها تجري عليه.. وإذا أساء الاستعمال تغل يده؛ فإن الأهالي سلمته الشرائع وديعة بشرط أن يكون أبًا للرعايا بموافقتها"١.
وهو هنا يوشك أن يسمى عباسًا ويحرض عليه.
وفي موضع ثالث يقول: ".... فالحكمة الإلهية التي أوجدت البرية من العدم. تحب أن تكون بينهم رباطة تربطهم بالاتفاق والاتحاد، وأن يكونوا إخوانًا؛ فإن جميع البشر أبناء رجل واحد، انتشروا في جميع جهات الأرض، فإذا كلهم إخوان، ومحبة الإخوان واجبة، فويل لأهل الجحود الذين يتطلبون الفخار بسفك الدماء"٢.
وفي ذلك ما فيه من دعوة إلى التجميع، وتعريض بالطغاة.
وأخيرًا نلاحظ أهمية أخرى لهذه الترجمة، وهي أن لغته أسلس وأقرب إلى الجمال من لغة الكتاب الأول، وذلك لتقدم أسلوب رفاعة في الفترة التي بين الكتابين٣، ومن هنا يعتبر الكتاب بالإضافة إلى كل ما تقدم، خطوة في سبيل تحسين النثر العربي وتطويره.
وأخيرًا هناك ظاهرة جديرة بالتسجيل تتعلق بالأدب في تلك الحقبة، وهي الالتفات من بعض الكتاب إلى موضوع الوطن والوطنية، بالمفهوم الحديث تقريبًا، فقد كان الوطن من قبل ذائبًا في جملة العالم الإسلامي أو دولة الخلافة، وليس له دلالة خاصة، وبالتالي ليس هناك كتابات تدور حوله وتتغنى به.
أما الآن ومع كتابات رفاعة الطهطاوي بصفة خاصة، فنحن نجد فكرة الوطن تبرز، والتغني به يبدأ، حتى ليمكن أن يعتبر ما كان من ذلك حجر الأساس
стр. 33
في الأدب المصري القومي في العصر الحديث١.
وهكذا نرى أن رفاعة الطهطاوي يعتبر واضع بذور التجديد في الأدب المصري الحديث، فأدبه يمثل دور الانتقال من النماذج المتحجرة التي تحمل غالبًا عفن العصر التركي إلى النماذج المجددة التي تحمل نسمات العصر الحديث.
стр. 34
الفصل الثاني: فترة الوعي
أبرز عوامل الوعي
اشتداد الصلة بالثقافة الحديثة
...
الفصل الثاني: فترة الوعي
من ولاية إسماعيل إلى الثورة العرابية ١٨٦٣-١٨٨٢
أبرز عوامل الوعي:
١- اشتداد الصلة بالثقافة الحديثة:
كان إسماعيل مفتونًا بالحضارة الأوروبية، قد شغف بها منذ كان يدرس في باريس ضمن من بعث بهم محمد علي من أبناء الأتراك والشراكسة، فلما ولي أمر مصر سنة ١٨٦٣م١ أراد أن يهيئ لنفسه جوًّا ملائمًا من الرفاهية الغربية، كما أراد من جهة أخرى، أن يوهم نفسه ويوهم الآخرين بأنه حاكم متحضر، فأكثر من إنشاء القصور، وإقامة الحفلات، والأخذ بمظاهر الترف والبذخ، كما حدث في حفلات افتتاح قناة السويس، كذلك أراد أن يحقق لنفسه ما أمكن من استقلال عن الخلافة في تركيا، فأكثر من الهدايا والرشوات المرسلة إلى الآستانة، لتجنب متاعب الخلافة، وما يحيط بها من مؤامرات، وقد كلفه كل ذلك نفقات ضخمة، وحمله على التورط في ديون كثيرة، مما قوى النفوذ الأجنبي في البلاد.
وكان إسماعيل بالتالي، يرى لزامًا عليه أن يترضى الأجانب بشتى الطرق، ويتملق مشاعرهم بمختلف الأساليب، فأخذ يحاول الظهور بالسلوك الأوروبي، ويدعي السعي لجعل مصر قطعة من أوروبا، وكان من مظاهر ذلك، إعادة البعثات للتعليم في أوروبا٢، وفتح المدارس التي كانت أغلقت في عهدي عباس وسعيد، وقد استغل رفاعة الطهطاوي وتلميذه علي مبارك هذا التظاهر بالإصلاح عند إسماعيل، فوجهاه إلى خدمة الشعب في ميدان التعليم، فعملا على إعادة مدرسة الألسن، وعلى زيادتها بمدرسة الإدارة التي صارت بعد ذلك مدرسة
стр. 35
الحقوق، كذلك عملا على افتتاح كثير من المدارس الابتدائية والثانوية، ونتيجة لدعوة رفاعة إلى تعليم المرأة، افتتحت أول مدرسة للبنات، وحين رأى علي مبارك أن الهوة قد اتسعت بين التعليم الجديد الممثل في المدارس، وبين التعليم القديم الممثل في الأزهر، وأن الأزهر بصورته التي كان عليها في تلك الآونة لم يعد صالحًا لإمداد التعليم الحديث بالمدرسين الأكفاء، والمؤلفين الواعين، أنشأ مدرسة عالية تجمع بين القديم الصالح والجديد الحي، ويكون من أغراضها إمداد الدولة بالمدرسين والمؤلفين المتطورين، وهكذا أنشئت دار العلوم، وافتتحت سنة ١٨٧١ لتمثل اللقاء المتزن بين الثقافتين القديمة والحديثة، ولتخرج من لا نزال نرى تعاقب أجيالهم، وتتابع آثارهم في ميادين التعليم والتأليف، وفي آفاق اللغة العربية وآدابها، والدراسات الإسلامية١.
ولقد ساعد على نشر التعليم الحديث، وعلى طائفة من المثقفين، وإدراكهم أن الجهود الأهلية يجب أن تؤازر الجهود الرسمية؛ فقد تألفت جمعية سميت باسم "اتحاد الشبيبة المصرية" سنة ١٨٧٩، ودعت إلى إنشاء المدارس لتعليم أبناء الشعب٢، وبهذا تعددت المدارس بمختلف المستويات، وخطة الحركة التعليمية خطوات واسعة، وكان لذلك أثره في خلق طبقة كبيرة من المثقفين، كما كان أثره في إنماء الوعي.
стр. 36
٢- إحياء التراث العربي:
وكان من نتاج هذا الوعي النامي في تلك الفترة، أن أحس كثير من المثقفين بوجوب إبراز عظمة بلادهم، وإشراق تاريخهم، ورقي ثقافتهم، وجلال حضارتهم، وأنهم هم وحضارتهم ليسوا عالة على ما جاء من الغرب، وخاصة إذا كان ما جاء من الغرب ملكًا في حقيقته لأولئك الأجانب الذين يمثلون السيطرة والاستغلال والتعالي، وهكذا أراد هؤلاء المثقفون أن يواجهوا الثقافة
стр. 37
الغربية الوافدة بثقافة عربية أصيلة، ولم يكن من الممكن أن تكون الثقافة التي خلفتها عصور التخلف الأخيرة هي الثقافة التي يمكن أن تسد حاجة هؤلاء المثقفين حينذاك، أو تصلح لمواجهة الثقافة العربية المتحدية، ومن هنا اتجه هؤلاء المثقفون إلى التراث العربي القديم، وإلى انتفاء جمهرة من روائعه لإحيائها ونشرها، للاتكاء عليها في إرضاء الوعي النامي، المتلهف إلى ثقافة عربية جيدة، تقف أمام الثورة الغربية الوافدة، وقد كانت نواة هذه الحركة "جمعية المعارف" التي ألفت سنة ١٨٦٨ ١، وما لبثت أن نمت نموًّا سريعًا وعنيت كثيرًا بإحياء عدد كبير من الكتب التاريخية والأدبية العربية، كما عنيت بنشر طائفة من الدواوين الشعرية، التي أنتجتها العصور العربية الزاهرة في المشرق والأندلس٢.
وليس من شك في أن جميعة المعارف قد سارت على الدرب الذي بدأه رفاعة، وبعض رفاقه قبل ذلك بسنوات، حين تم على أيديهم إحياء بعض الكتب العربية٣ متأثرين بأساتذتهم المستشرقين٤.
وقد ساعد تلك الجمعية على إحياء ما أحيت من كتب التراث ودواوينه،
стр. 38
ما كان لديها، من مطبعة يسر لها نشر تلك الكتب، ومكنت القراء من الانتفاع بها على نطاق واسع.
ولما لم يكن من الميسور الجميع الناس اقتناء الكتب، فقد اقترح علي مبارك إنشاء دار تجمع فيها الكتب المتناثرة في الأضرحة والمساجد، وما يمكن من المكتبات الخاصة، ليقصدها الناس للقراءة والإفادة مما بها من ذخائر، وهكذا أنشئت سنة ١٨٧٠ "دار الكتب المصرية"١ التي لعبت هي الأخرى دورًا كبيرًا في نشر الثقافة، وإنما الوعي ولفت أنظار المثقفين إلى ما في تراثهم، وأدبهم من روائع.
стр. 39
٣- مؤسسات سياسية ومجالات ثقافية:
وتبعًا لسياسة إسماعيل في الظهور بمظهر الحاكم التقدمي من جانب، ولإرضاء الأجانب من جانب آخر، أمر بإنشاء "مجلس شورى النواب" سنة ١٨٦٦، كما سمح لبعض الصحف بالظهور، وقد بدأت الصحافة أول الأمر رسمية أو بعيدة عن السياسة مثل "الوقائع المصرية" التي كانت تعتبر الجريدة الرسمية للدولة، ومثل "اليعسوب" التي كانت مجلة طبية شهرية، و"كروضة المدارس" التي كانت مجلة ثقافية أدبية نصف شهرية، والتي كان يشرف عليها رفاعة الطهطاوي، ويفحس المجال فيها لمحاولات التلاميذ الأدبية, كالتلميذ إسماعيل صبري، الذي سوف يصير من كبار شعراء الفترة التالية، ثم بدأت الصحافة تبعد عن الجانب الرسمي وتتصل بالسياسة، وكانت أقدم صحيفة ظهرت على هذا النحو هي "وادي النيل" لعبد الله مسعود، ثم تلتها "نزهة الأفكار" لإبراهيم المويلحي، ومحمد عثمان جلال، ثم "الوطن" لميخائيل عبد السيد، "أبو نضارة" ليعقوب صنوع، هذا بالإضافة إلى ما كان يرد إلى مصر من صحف شرقية "كالجوائب" التي كانت تصدر في الآستانة لأحمد فارس الشدياق، والتي كانت تنشر
стр. 40
بين موادها نماذج من نتاج كتاب مصريين١.
وقد شهدت أيام إسماعيل هجرة عدد كبير من مسيحي الشام إلى مصر، وكان ذلك فرارًا من الاضطرابات التي حدثت سنة ١٨٦٠، وقد جاء هؤلاء ومعهم حقد مرير على الخليفة التركي الذي عانوا من ضغوطه الشيء الكثير، كما كانت نفوسهم تتطلع إلى الحرية التي افتقدوها، وتركوا بلادهم من أجلها، وقد شجعم إسماعيل على ذلك لما فيه من إضعاف لنفوذ الخلافة، التي كانت ما تزال تلقي ظلها على مصر، ثم لما فيه من خدمة غير مباشرة له، وهي تحقيق أطماعه في التفرد بالبلاد ما أمكن.
وكان في هؤلاء المهاجرين الشاميين طائفة من الأدباء والصحفيين، أضافوا جهودهم إلى جهود المصريين في إنضاج الوعي، بما كتبوه وأذاعوه، وقد كانت جهودهم الصحفية في المقام الأول في هذا الشأن.
ومن الصحف التي أصدرها هؤلاء المهاجرون الشاميون: "الكوكب الشرقي" لسليم الحموي، و"الأهرام" لسليم وبشارة تقلا، و"مصر" و"التجارة" لأديب إسحاق وسليم نقاش، وغيرها٢.
وقد كان هؤلاء المهاجرون الشاميون يأخذون غالبًا طريقًا آخر غير طريق إخوانهم المصريين، وإن كان الطريقان يبدوان طريقًا واحدًا في الظاهر؛ فعلى حين كان المصريون يهتمون بما هو عربي إسلامي، ويؤمنون بأن في تراثهم أمجادًا يجب بعثها، والاتكاء عليها في تلك المرحلة من تاريخهم، كان المهاجرون الشاميون غالبًا لا يميلون إلى هذا التراث العربي القديم، لاتصاله بالإسلام الذي يمثله الخليفة عدوهم الأول، وهكذا سنراهم يشاركون المصريين في دعواتهم إلى التحرر، والخلاص من كل ضغط وعسف، ولكنا سنراهم في