← Адаб

Адаб · id 8641

تطور الأدب الحديث في مصر

أحمد هيكل

Полный текст (433 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢- إحياء التراث العربي: وكان من نتاج هذا الوعي النامي في تلك الفترة، أن أحس كثير من المثقفين بوجوب إبراز عظمة بلادهم، وإشراق تاريخهم، ورقي ثقافتهم، وجلال حضارتهم، وأنهم هم وحضارتهم ليسوا عالة على ما جاء من الغرب، وخاصة إذا كان ما جاء من الغرب ملكًا في حقيقته لأولئك الأجانب الذين يمثلون السيطرة والاستغلال والتعالي، وهكذا أراد هؤلاء المثقفون أن يواجهوا الثقافة

стр. 37

الغربية الوافدة بثقافة عربية أصيلة، ولم يكن من الممكن أن تكون الثقافة التي خلفتها عصور التخلف الأخيرة هي الثقافة التي يمكن أن تسد حاجة هؤلاء المثقفين حينذاك، أو تصلح لمواجهة الثقافة العربية المتحدية، ومن هنا اتجه هؤلاء المثقفون إلى التراث العربي القديم، وإلى انتفاء جمهرة من روائعه لإحيائها ونشرها، للاتكاء عليها في إرضاء الوعي النامي، المتلهف إلى ثقافة عربية جيدة، تقف أمام الثورة الغربية الوافدة، وقد كانت نواة هذه الحركة "جمعية المعارف" التي ألفت سنة ١٨٦٨ ١، وما لبثت أن نمت نموًّا سريعًا وعنيت كثيرًا بإحياء عدد كبير من الكتب التاريخية والأدبية العربية، كما عنيت بنشر طائفة من الدواوين الشعرية، التي أنتجتها العصور العربية الزاهرة في المشرق والأندلس٢. وليس من شك في أن جميعة المعارف قد سارت على الدرب الذي بدأه رفاعة، وبعض رفاقه قبل ذلك بسنوات، حين تم على أيديهم إحياء بعض الكتب العربية٣ متأثرين بأساتذتهم المستشرقين٤. وقد ساعد تلك الجمعية على إحياء ما أحيت من كتب التراث ودواوينه،

стр. 38

ما كان لديها، من مطبعة يسر لها نشر تلك الكتب، ومكنت القراء من الانتفاع بها على نطاق واسع. ولما لم يكن من الميسور الجميع الناس اقتناء الكتب، فقد اقترح علي مبارك إنشاء دار تجمع فيها الكتب المتناثرة في الأضرحة والمساجد، وما يمكن من المكتبات الخاصة، ليقصدها الناس للقراءة والإفادة مما بها من ذخائر، وهكذا أنشئت سنة ١٨٧٠ "دار الكتب المصرية"١ التي لعبت هي الأخرى دورًا كبيرًا في نشر الثقافة، وإنما الوعي ولفت أنظار المثقفين إلى ما في تراثهم، وأدبهم من روائع.

стр. 39

٣- مؤسسات سياسية ومجالات ثقافية: وتبعًا لسياسة إسماعيل في الظهور بمظهر الحاكم التقدمي من جانب، ولإرضاء الأجانب من جانب آخر، أمر بإنشاء "مجلس شورى النواب" سنة ١٨٦٦، كما سمح لبعض الصحف بالظهور، وقد بدأت الصحافة أول الأمر رسمية أو بعيدة عن السياسة مثل "الوقائع المصرية" التي كانت تعتبر الجريدة الرسمية للدولة، ومثل "اليعسوب" التي كانت مجلة طبية شهرية، و"كروضة المدارس" التي كانت مجلة ثقافية أدبية نصف شهرية، والتي كان يشرف عليها رفاعة الطهطاوي، ويفحس المجال فيها لمحاولات التلاميذ الأدبية, كالتلميذ إسماعيل صبري، الذي سوف يصير من كبار شعراء الفترة التالية، ثم بدأت الصحافة تبعد عن الجانب الرسمي وتتصل بالسياسة، وكانت أقدم صحيفة ظهرت على هذا النحو هي "وادي النيل" لعبد الله مسعود، ثم تلتها "نزهة الأفكار" لإبراهيم المويلحي، ومحمد عثمان جلال، ثم "الوطن" لميخائيل عبد السيد، "أبو نضارة" ليعقوب صنوع، هذا بالإضافة إلى ما كان يرد إلى مصر من صحف شرقية "كالجوائب" التي كانت تصدر في الآستانة لأحمد فارس الشدياق، والتي كانت تنشر

стр. 40

بين موادها نماذج من نتاج كتاب مصريين١. وقد شهدت أيام إسماعيل هجرة عدد كبير من مسيحي الشام إلى مصر، وكان ذلك فرارًا من الاضطرابات التي حدثت سنة ١٨٦٠، وقد جاء هؤلاء ومعهم حقد مرير على الخليفة التركي الذي عانوا من ضغوطه الشيء الكثير، كما كانت نفوسهم تتطلع إلى الحرية التي افتقدوها، وتركوا بلادهم من أجلها، وقد شجعم إسماعيل على ذلك لما فيه من إضعاف لنفوذ الخلافة، التي كانت ما تزال تلقي ظلها على مصر، ثم لما فيه من خدمة غير مباشرة له، وهي تحقيق أطماعه في التفرد بالبلاد ما أمكن. وكان في هؤلاء المهاجرين الشاميين طائفة من الأدباء والصحفيين، أضافوا جهودهم إلى جهود المصريين في إنضاج الوعي، بما كتبوه وأذاعوه، وقد كانت جهودهم الصحفية في المقام الأول في هذا الشأن. ومن الصحف التي أصدرها هؤلاء المهاجرون الشاميون: "الكوكب الشرقي" لسليم الحموي، و"الأهرام" لسليم وبشارة تقلا، و"مصر" و"التجارة" لأديب إسحاق وسليم نقاش، وغيرها٢. وقد كان هؤلاء المهاجرون الشاميون يأخذون غالبًا طريقًا آخر غير طريق إخوانهم المصريين، وإن كان الطريقان يبدوان طريقًا واحدًا في الظاهر؛ فعلى حين كان المصريون يهتمون بما هو عربي إسلامي، ويؤمنون بأن في تراثهم أمجادًا يجب بعثها، والاتكاء عليها في تلك المرحلة من تاريخهم، كان المهاجرون الشاميون غالبًا لا يميلون إلى هذا التراث العربي القديم، لاتصاله بالإسلام الذي يمثله الخليفة عدوهم الأول، وهكذا سنراهم يشاركون المصريين في دعواتهم إلى التحرر، والخلاص من كل ضغط وعسف، ولكنا سنراهم في

стр. 41

الوقت نفسه لا يضيقون بالأوربيين ضيق المصريين، كما نراهم لا يهتمون بما هو عربي اهتمام المصريين، بل نراهم يحاولون إحلال فكرة الوطن محل فكرة الخلافة، والاستعاضة بالدعوة إلى التحرر من الخليفة عن الدعوة إلى التحرر من الاستعمار، وليس من شك أنه قد كان وراء كل ذلك خصومتهم العنيفة للخليفة، وكراهيتهم لكل ما يرتبط بالخلافة، ولو من بعيد١. ومهما يكن من أمر، فقد أسهموا بمجهود مشور في إنضاج الوعي، وتطوير الصحافة، وإدخال بعض الفنون إلى مصر، كما كان لما استلزمته صحفهم وصحف إخوانهم المصريين من مطابع، أثر كبير في نشر الثقافة بصفة عامة. وفي هذه الفترة كان قد جاء إلى مصر جمال الدين الأفغاني بآرائه الإصلاحية ودعوته التحررية، ورأى فيه المصريون، وإخوانهم الشاميون قوة تعين على ما يرجوه الجميع، فالمصريون رأوا فيه الزعيم المسلم الداعي إلى الإصلاح الديني والاجتماعي فتحسموا له وتأثروا به، والشاميون رأوا فيه الزعيم السياسي المنادي بالحرية، ومقاومة الطغيان فالتفوا حوله، وأفسحوا في صحفهم له. وهكذا كانت حركة فكرية أدبية نشطة كان لها أثرها المحمود في اللغة والأدب، كما سنرى ذلك في حينه إن شاء الله، ولعل مما يرتبط بما كان من منضجات للوعي، تلك الجمعيات الثقافية المتعددة التي كانت مجالًا لتبادل الآراء، ونشر الأفكار، وبث الوعي، واتساع رقعة الثقافة على وجه العموم، هذا بالإضافة إلى ما كان لها من أثر في إتاحة الفرصة للألسنة لتمرن على الخطابة، وتجيد القول وتطوع اللغة، ومن أشهر تلك الجمعيات "الجمعية الخيرية الإسلامية" التي أنشئت بالإسكندرية أولًا سنة ١٨٧٨، وكان من عمدها عبد الله النديم، خطيب الثورة العرابية٢.

стр. 42

٤- الثورة الأولى: وكانت السنوات الأولى من عهد إسماعيل سنوات هدوء نسبي، قد أفاد منه الرواد المصريون، في تثقيف الشعب قدر الطاقة، وإنضاج وعيه ما أمكن، وقد كان مما ساعد على هذا الهدوء النسبي، ارتفاع أسعار القطن المصري نظرًا للإقبال عليه في الأسواق العالمية، بسبب الحرب الأهلية في أمريكا١، وكان إسماعيل في تلك السنوات يمثل الحاكم المستبد، ويساعده على استبداده انشغال الناس عنه، بين رواد فكر ينشرون العلم، وييسرون الثقافة، وينفضون الغبار عن التراث، وبين ملاك جدد يحاولون أن يربحوا لأنفسهم بعض ما يعوض خسائر الماضي. إلا أن المسألة ما لبثت أن تأزمت في الفترة الأخيرة من عهد إسماعيل، فقد كسدت الأسواق، وكثر الدائنون، وازداد النفوذ الأجنبي، وانكشف الغطاء عن الاستغلال، والفساد والتبديد، والاستهتار بمقدرات البلاد، وكانت القوى الشعبية قد بدأت تستعيد وجودها من أيام سعيد، حين عاد الفلاحون يملكون الأرض، وحين أبيح للمصريين أن يصلوا في الجيش إلى مراتب الضباط٢. وكانت مدرسة الحقوق قد نبهت كثيرين إلى الحقوق والقوانين، كما كانت هي ودار العلوم، والجمعيات الثقافية قد شحذت الألسنة وأنضجت الأقلام، كذلك كان "مجلس شورى النواب"، وغيره من قاعات القول المختلفة، قد أتاح للأصوات أن ترتفع، كما سمحت الصحافة للأقلام أن تجول وتصول. ومن هذا كله كانت حركة وعي متأجج أخذ مظهرين، أحدهما فكري انعكس على اللغة والأدب، والآخر سياسي أدى إلى ثورة عسكرية شعبية في عهد توفيق، تلك الثورة التي تعتبر الأولى في تاريخنا الحديث، والتي قادها

стр. 43

الزعيم المصري العظيم أحمد عرابي١. ومعروف أن تلك الثورة قد تآمرت عليها خيانات شتى، وانتهت بها إلى الفشل ونفي عرابي وأصحابه، لكن من المؤكد أن هزيمة الثورة العرابية لم تهزم الوعي القومي في مظهريه الفكري والسياسي، فقد ظل هذا الوعي حيًّا ناميًا متطورًا حتى أوصل إلى ثورة ٢٣ يوليو، ومهد لانتصاراتها الفكرية والسياسية جميعًا.

стр. 44

الأدب وحركة الإحياء أولا: الشعر الاتجاه التقليدي وبعض لمحات التجديد ... الأدب وحركة الإحياء: ليس من شك في أن العوامل المختلفة التي نمت الوعي وأنضجته، كانت ذات آثار واضحة في أدب تلك الفترة، كما كان للوعي نفسه أعظم الأثر في خروج الأدب من طور إلى طور، وانتقاله إلى مرحلة جديدة ذات سمات واضحة، فالوسائل السالفة الذكر، قد طوعت اللغة وقومتها إلى حد كبير، ففتحت لها ميادين كانت مغلقة أو مجهولة من قبل، وغذتها بموضوعات وأفكار وقضايا، ووهبتها حياة ومرونة، ومنحتها قابلية للتعبير عن كثير من النواحي الفكرية والوجدانية، كما أن الوعي نفسه قد نفر الواعين من المستوى الذي كان قد وصل إليه الأدب في العصر التركي، وامتد ظله الكئيب إلى الفترة التي تلته، كذلك حمل الواعي على البحث عن التراث، ونفض الغبار عن روائعه، وكان لإحياء التراث على هذا النحو، أثر كبير في إخراج الأدب من عصور الظلمات إلى عصور النور، وسوف يتضح ذلك بتفصيل القول في كل نوع أدبي على حدة. أولًا: الشعر: ١- الاتجاه التقليدي، وبعض لمحات التجديد: لم يكن من الممكن أن يتخلى كل الشعراء عن الطريقة التقليدية، التي غلبت في الفترة السابقة، فقد وجد في هذه الفترة كثير من الشعراء، ممن عاشوا على تراث الفترة السابقة، وتتلمذوا على بقايا العصر التركي، لهذا نجد طائفة منهم لم يؤثر وعي الفترة كثيرًا عليهم، ولم يخرجهم تمامًا عن تقليديتهم فظلوا ينظمون الشعر على تلك الطريقة التقليدية، السائرة في اتجاه الضحالة، والتستر بالمحسنات والألاعيب كثيرًا، والآخذة بشيء من روح الشعر قليلًا.. وقد كان أكثر هؤلاء يتخذون الشعر وسيلة لكسب العيش، ومن

стр. 45

هنا التصقوا بالولاة والحكم والرؤساء، مداحين ومجاملين، فكثر في شعرهم المدح الفاتر، وتسجيل المناسبات التافهة، التي تصل إلى التهنئة بمولود أو ختان غلام، ولم يحققوا تطويرًا يذكر في ميدان الشعر، وهكذا جاء شعرهم مترددًا بين جانبي التقليدية. اللذين شهدتهما الفترة السابقة، ممثلين في الشيخ الدرويش والشيخ العطار، أي أن هؤلاء التقليديين من شعراء فترة الوعي، لم يكونوا واقفين شعرهم على المحسنات، والألاعيب الساترة للتهافت، كما لم يكونوا صارفين له إلى محاكاة القديم الجيد، بل كان شعرهم مزيجًا من هذا وذاك على تفاوات في الدرجة بين شاعر وآخر، بل على تفاوات في الدرجة بين قصيدة وأخرى من قصائد الشاعر الواحد. ومن هذه الطائفة من الشعراء التقليديين الخالصين، الشيخ علي أبو النصر١، والشيخ علي الليثي٢. فالشيخ علي أبو النصر مثلًا. ينظم أبياتًا على شكل لغز حول حرف التعريف "أل"، فيقول في بعد تام عن الشعر وحقيقته: إذا كنت في الآداب سيد من درى ... وفي محكم الألغاز أحسن من يدري فما كلمة فيها كلام وإنها ... لفي غاية الإشكال يا غرة الدهر هي الحرف من حرفين واسم بمدة ... كذا الفعل منها لا يغيب عن الفكر وفي قلبها في الأصل بعض فوائد ... ولكنه لا زال في حيز الهجر وغايتها بدء لها عند ذي النهى ... وجملتها تأتيك في النظم والنثر٣ وهو كذلك يتحدث عن مجلس النواب وأعضائه، فلا يشغل نفسه إلا بالتاريخ لدورة من دورات انعقاده، وهو يغالي في إظهار مهارته في هذا التاريخ، فيجعل الشطرة الأولى من كل بيت ترمز بحروفها إلى التاريخ الإفرنجي، وهو سنة ١٨٧٩، والشطرة الثانية من كل بيت ترمز إلى التاريخ

стр. 46

العربي، وهو سنة ١٢٩٦، وفي ذلك يقول في ركاكة، وتهافت لا تغني عنهما حلية التأريخ: أعد لي ذكر من وعت الإمارة ... لأجمعهم، وما احتاجت أمارة منار الفضل إن دعت الدواعي ... سراة الملك أركان الإدارة لهم في كل ناشئة ثبات ... وتدبير به ازدهت الوزارة هم البصراء حيث تكون شورى ... لأنواع لهم فيها استشارة١ وهو أيضًا يمدح النبي ﷺ ، فيثقل القصيدة بألوان من الجناس توشك أن تقحم هذه الحلية البديعية بين كل كلمتين، وهذا في تكلف وتعسف يتنافى مع روح الشعر، وفي ذلك يقول: حادى العيس نحو سربى سربى ... عل يوما ينال فيه العلاء واحدها وحدها ودعني ووجدي ... إذ لأشجانها يهبج الحداء وتمسك بطيب طيبة وانزل ... بحمىً تحتمي به الأنبياء يا حياة النفوس حبك حسبي ... ولدائي العضال نعم الدواء أولني ما به تلافي تلافي ... أنا ممن له إليك التجاء إنّ في الظن أن يقيني يقيني ... من لظى، حيث في غد بي يجاء٢ ثم هو بعد ذلك يقول بعض النماذج القليلة التي لا تعتمد على الألغاز، ولا التأريخ ولا المحسنات مع اشتمالها على روح الشعر، ومن هذه النماذج القليلة قوله يصف كأسًا أهديت إليه: أهدى الحبيب لمن أحب ... قدحًا تحلى بالذهب لو أفرغت فيه الطلا ... لأطل ينظره الحبب قد راق منظر حسنه ... ودعا له داعي الطرب لما نظرت لشكله ... في رسم تيجان العرب قبلته وقبلته ... ووعدته بنت العنب٣

стр. 47

ويمكن أن نرى شبيهًا بكل ذلك، في شعر الشيخ علي الليثي، ومن سار في نفس الطريق من الشعراء التقليديين الخالصين. على أن بعض التجديد قد ظهر كومضات مضيئة خلال أشعار بعض التقليديين، فجاء شعرهم -في جملته- تقليديًّا كسابقيهم، غير أنه امتاز عن شعر أولئك الشيوخ، بأنه لم يكن تقليديا خالصًا، وهذه الطائفة الثانية كانت تتألف من نفر ممن أتيح له قدر من الثقافة الجديدة، أو أتيح لهم حظ من الاتصال بحياة أكثر رحابة وأعظم انفساحًا، ويأتي في طليعة هؤلاء صالح مجدي، الذي عرفناه في أواخر الفترة السابقة يجاري أستاذه رفاعة في نظم القصائد الوطنية، وأولى محاولات الأناشيد الحماسية١؛ فنحن نراه في هذه الفترة -فترة الوعي- يلتفت إلى بعض الموضوعات السياسية والاجتماعية، فيقول فيها شعرًا ناقدًا، يدل على وعي وصدق حس، ومن ذلك حديثه عن تغلغل الأجانب في البلاد واستئثارهم بعديد من مناصبها، واستنزافهم لكثير من مواردها، الأمر الذي تفاقم على عهد إسماعيل، وكان صالح مجدي في مثل هذا الشعر، يعبر عن روح كل مصري وثورته، حيث يقول: إذ ما زماني بالقنا والقواضب ... علي سطا في مصر سطوة غاضب حملت على إبطاله ببسالة ... وبددتهم في شرقها والمغارب ولي معه منذ الفطام وقائع ... بأيسرها تبيض سود الذوائب ومن عجب في السلم أني بموطني ... أكون أسيرًا في وثاق الأجانب وأن زعيم القوم يحسب أنني ... إذا أمكنتني فرصة لم أحارب وأني أغضي عن مساو عديدة ... له بعضها يقضي بخلع المناكب وهل يجعل الأعمى رئيسًا وناظرًا ... على كل حربي لنا في المكاتب ومن أرضه يأتي بكل ملوث ... جهول بتلقين الدروس لطالب ويغتنم الأموال لا المنافع ... تعود على أبنائنا والأقارب

стр. 48

ولا ينثني عن مصر في أي حالة ... إلى أهله إلا بملء الحقائب فبينوا عن الأوطان فهي غنية ... بأبنائها عن كل لاه ولاعب١ بل إننا نرى صالح مجدي في بعض قصائده يهاجم إسماعيل هجومًا عنيفًا، ويذكر استهتاره، وتبديده لأموال الدولة على فجوره ولذائذه الرخيصة، ثم يدعو الشاعر المصريين إلى التنبه واليقظة، بل يحثهم على الثورة، وفي ذلك يقول: رمى بلادكم في قعر هاوية ... من الديون على مرغوب جوسيار وأنفق المال لا بخلا ولا كرمًا ... على بغي وقواد وأشرار والمرء يقنع في الدنيا بواحدة ... من النساء ولم يقنع بمليار ويكتفي ببناء واحد وله ... تسعون قصرًا بأخشاب وأحجار فاستيقظوا لا أقال الله عثرتكم ... من غفلة ألبستكم ملبس العار٢ كذلك نرى صالح مجدي كأستاذه رفاعة، يتناول بالوصف بعض المخترعات الحديثة التي عرفتها تلك الفترة، ومن ذلك قصيدة في الباخرة، التي سماها "الوابور"٣، وأغلب الظن أن افتتاح قناة السويس، وما سار بها من بواخر، كان من أسباب الالتفات إلى مثل هذا الموضوع من مثل هذا الشاعر المستنير ذي الومضات التجديدية. ويمكن أن يعد كذلك محمود صفوت الساعاتي٤، من هؤلاء الشعراء المستنيرين ذوي التقليدية غير الخالصة؛ وذلك أنه بالإضافة إلى شعره الكثير الذي يتحرك في نطاق التقليدية بجانبيها، من ضحل يستخدم كثيرًا من ألوان

стр. 49

البديع والألاعيب، إلى جزل يحوي كثيرًا من روح الشعر -نقول: إنه بالإضافة إلى هذا الشعر، التقليدي بجانبيه، له بعض النماذج ذات الومضات، الفنية الذكية، ولعل أهم هذه الومضات، روح الدعابة والفكاهة المصرية، التي تصل أحيانًا إلى ما يشبه الرسم "الكاريكاتوري"، وببعض النماذج التي قدمها صفوت الساعاتي من هذا الشعر، يمكن أن يعد مؤسسا للشعر الفكاهي في الأدب الحديث، ومن تلك النماذج قصيدته التي يداعب فيها بعض الشيوخ النحاة، الذين كانوا في نظره يعيشون على مضغ المصطلحات، ولوكها دون جدوى. وفي القصيدة يعرض الشاعر باستخدام مصطلحات النحاة، ويقدم بعض التراكيب والصور الضاحكة، التي ترد هنا على مسئولية صاحبها، وناقل الكفر ليس بكافر.. يقول الساعاتي: إذا ارتفعت بالنحو أعلام علمنا ... جعلنا جواب الشرط حذف العمائم ليعلم من بالنصب يرفع نفسه ... بأن حروف الخفض غير الجوازم ويعلم من أعياه تصريف اسمه ... بأنا صرفناه كصرف الدراهم نصبنا على حال من العلم والعلا ... وكنا على التمييز أهل المكارم لأنا رأينا كل ثور معمم ... يكلف قرنيه بنطح النعائم يجر من الإدلال فضل كسائه ... كأن الكسائي عهده عنده غير عالم إذا نظر الكراس حرك رأسه ... وصاح: أزيد قام أم غير قائم؟ وقال: المنادي اسم شرط مضارع ... وظرف زمان، نحو جاء ابن آدم وجمعك للتكسير اسم إشارة ... كقولك: نام الشيخ فوق السلالم١

стр. 50

٢- ظهور الاتجاه المحافظ البياني: وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الطائفة من الشعراء ترتبط بالاتجاه التقليدي على اختلاف بينهم في نسبة هذا الارتباط، ومع اتضاح لبعض ملامح التجديد عند البعض، مما جعل التقليدية خالصة عند أمثال الشيخ علي أبي النصر، والشيخ علي الليثي، وغير خالصة عند أمثال صالح مجدي، وصفوت الساعاتي، نقول: في هذا الوقت كانت طائفة أخرى من الشعراء، قد نما وعيها أكثر، وصارت نفرتها من الاتجاه التقليدي أشد، ورأت هذه الطائفة أن المثل الشعري، ليس ما خلفته عصور التخلف، وأن التشبث بالألاعيب اللغوية والمحسنات البديعية، يجعل حقيقة الشعر تفلت من قبضة الشاعر. وقد كانت هذه الطائفة الثانية تجمع -غالبًا- بين شيئين، لم يتهيأ للطائفة الأولى، وأول هذين الشيئين هو عدم إلحاح الحاجة عليها للتكسب بالشعر، تلك الآفاة التي من شأنها أن تشد الشاعر إلى حاكم أو غنى، وتجعله يقول: لا ما يرضي الشاعر نفسه، بل ما يرضي الحاكم أو ولي النعمة. ومن هنا يكون الإكثار من شعر المدح الملق، والمناسابت التافهة، وما إلى ذلك مما لا يمس شعور الشاعر، أو يصدر عن إحساسه الصادق، أما الشيء الثاني الذي كان -غالبًا- يجمع بين هذه الطائفة الثانية من الشعراء؛ فهو البعد شبه الكامل عن الثقافة التقليدية، والقرب الشديد من الثقافة الحديثة، هذا بالإضافة إلى الاتصال القوي بألوان من الحياة الحضرية. هذان العاملان، بالإضافة إلى عامل تقدم الوعي والنفرة من الأنماط التقليدية؛ جعل هذه الطائفة من الشعراء تبحث عن مثل للشعر غير المثل المتخلف، الذي غلب على نتاج التقليديين، ولم يكن من المستطاع أن يكون المثل الأعلى هو الشعر الأوروبي، وذلك؛ لأنه لم يكن قد ترجم منه إلى العربية حتى ذاك الوقت ما يمكن أن يلفت النظر، هذا بالإضافة إلى ما كان من توجس -في تلك الفترة- من هذه الوافدات الأجنبية، التي ترتبط بهؤلاء الأجانب الممثلين للعدوان في كثير من مظاهر الحياة المصرية. وهكذا لم يكن أمام تلك الطائفة من الشعراء الواعين الموفورين ذوي الثقافة والحياة العصرية، إلا الشعر العرب القديم، في صورته البيانية الجديدة، التي خلفتها عصور الازدهار في المشرق والأندلس.. وكان ذلك متفقًا تمامًا مع روح الفترة، تلك الروح الواعية، الباحثة عن أمجاد الماضي العربي المشرق، لتتكئ عليها الأمة في كفاحها، ولتجمع بها شملها، وتقوى من

стр. 51

عزيمتها، وتواجه بذلك كله مزاعم من ينكرون أصالتها وقوتها، ويريدون أن يسلبوا كل مقدراتها، وقد تجلت هذه الروح بشكل آخر في حركة إحياء التراث، التي قامت بها جمعية كجمعية المعارف١. هذا، وقد كان في طليعة هذه الطائفة من الشعراء: البارودي٢ وإسماعيل

стр. 52

صبري١، وعائشة التيمورية٢، وإن كان البارودي أوضح الجميع أخذًا بهذا الاتجاه الجديد؛ فهو أقواهم شاعرية، وأعلاهم قامة، وأغزرهم نتاجًا، وأبعدهم عن التقليدية التي غلبت على كثير من شعراء تلك الفترة، ومن هنا يعتبر البارودي -بجدارة- رائد هذا الاتجاه الذي اتجه بأسلوب الشعر، إلى الأسلوب القديم المشرق الحي، البعيد عن التهافت والتستر بالمحسنات، فهو مؤسس الاتجاه المحافظ البياني في الشعر الحديث، وليس المراد بالمحافظة أي لون من التقليدية أو المحاكاة بمعناها الرديء، الذي تلغى معه الشخصية أو تغلق العيون، والمشاعر عما يحيط بالشاعر ويمس نفسه، وإنما المراد بالمحافظة اتخاذ النمط العربي المشرق مثلًا أعلى في الأسلوب الشعري، وهذا النمط تمثله تلك النماذج الرائعة من الشعر، التي خلفها قمم الشعراء في عصور الازدهار

стр. 53

في المشرق والأندلس، من أمثال أبي تمام والبحتري، والمتنبي من المشارقة، وابن زيدون وابن خفاجة من الأندلسيين، والمراد بالبيانية، إبراز الجانب البياني في الشعر بشكل واضح، والاعتماد عليه أساسًا كعنصر من أهم عناصر الجمال فيه؛ حتى ليقدم الجانب البياني على الجوانب المتعددة الأخرى، التي يمكن أن يتألف منها نسيج الشعر، كالجانب الذهني١، والجانب العاطفي٢، وما إليهما. وقد كان هذا الأسلوب المحافظ البياني بعد ذلك وسيلة تعبير عن حياة الشاعر الخاصة وأحاسيسه الذاتية، ثم عن قضايا بلده ومشكلاته القومية، وأخيرًا كان وسيلة لتسجيل بعض أحداث العصر، الخارجة عن نطاق الذات والوطن. وهكذا لم يكن استخدام الأسلوب المحافظ البياني، حاملًا للشعراء من أصحاب هذا الاتجاه على حصر أنفسهم في أغراضهم الأقدمين أصحاب هذا الأسلوب في الأصل، وإنما كان أسلوبًا حيًّا مشرقًا، قد اختير للتعبير عن أغراض تشبه أغراض الأقدمين حينًا، وتختلف عنها في كثير من الأحايين، على أن الشاعر من أصحاب هذا الاتجاه كان يتخذ من العالم العربي القديم عالمًا مثاليًا، يخفق له قلبه، ويهيم به خياله، ويشد إليه وجدانه؛ لأنه عالم الآباء الأماجد والتاريخ العريق، والدولة العربية الإسلامية الغالية، ومن هنا كان يستمد الشاعر كثيرًا من صوره من هذا العالم، بل يجمع بعض الألوان والخطوط من الصحراء، فيرسم خيامها وكثبانها وبانها، ويتغنى بهند وأسماء وسعاد والرباب، ويبكي الرسوم والأطلال، ويذكر أماكن تعود ذكرها الشاعر القديم كالعقيق ونجد، ويشبه الحبيبة بنفس طريقة ذاك الشاعر القديم، فيجعل قوامها غصنًا، وإشراقها بدرًا ونفرتها ظبيًّا، ويتخذ

стр. 54

الشاعر من أصحاب الاتجاه المحافظ ذلك كله، رمزًا إلى صور جديدة وتعبيرًا عن معان حديثة، وهو في ذلك صادق غالبًا، إذا استثنينا ما يكون من رياضة القول في أول عهود التأدب، نعم هو صادق مع نفسه، ومع فنه ومع طبيعة عصره. ذلك العصر الذي عرفنا أنه كان مشدود الوجدان إلى الماضي العربي العظيم، وإلى تراثه الجيد المشرق١. ومهما يكن من أمر، فقد استطاع هذا الأسلوب أن يعبر -في تلك الفترة- عن الشاعر وحياته وتجاربه، وعن وطن الشاعر ومشكلاته وقضاياه، بل استطاع أن يسجل بعض الأحداث الكبيرة التي وقعت خارج الشاعر وبعيدًا عن وطنه، وقد أدى هذا الاتجاه الشعري كل ذلك بتوفيق، وصل أحيانًا إلى حد الروعة، ونقل الشعر العربي الحديث معه إلى النور والحياة٢. فالبارودي مثلًا يعبر عن تجربة البعد عن الوطن، والحنين إلى الأهل والأحباب، أيام كان بعيدًا عن مصر ليشارك في حرب البلقان، فيقول: هو البين حتى لا سلام ولا رد ... ولا نظرة يقضي بها حقه الوجد ولكن إخوانا بمصر ورفقة ... نسوا عهدنا حتى كأن لم يكن عهد أحن لهم شوقًا على أن دوننا ... مهامه تعيا دون أقربها الربد أفي الحق أنا ذاكرون لعهدكم ... وأنتم علينا ليس يعطفكم ود فلا تحسبوني غافلًا عن ودادكم ... رويدًا فما في مهجتي حجر صلد هو الحب لا يثنيه نأي وربما ... تأرج من مسر الضرام له النّد٣ وهو يصور حال مصر قبل الثورة العرابية، وما ضاقت به من تأزم

стр. 55

وفساد أرق المواطنين، وفزعهم، ويتوقع الفرج وانكشاف الغمة، لكن بحد السيف، فيقول: تنكرت مصر بعد العرف واضطربت ... قواعد الملك حتى ريع طائره فأهمل الأرض جرًا الظلم حارثها ... واسترجع المال خوف العدم تاجره واستحكم الهول حتى ما يبيت فتى ... في جوشن الليل إلا وهو ساهره يا نفس لا تجزعي فالخير منتظر ... وصاحب الصبر لا تبلى مرائره لعل بلجة نور يستضاء بها ... بعد الظلام الذي عمت دياجره إني أرى أنفسًا بما حملت ... وسوف يشهر حد السيف شاهره١ بل إنه يحرض فعلا على الثورة والحرب، وانتهاز الفرصة لحصد رءوس الحكم الدخلاء الظالمين، فيقول: فيا قوم هبوا إنما لعمر فرصة ... وفي الدهر طرق جمة ومنافع أصبرًا على مس الهوان وأنتم ... عديد الحصى؟ إني إلى الله راجع وكيف ترون الذل دار إقامة ... وذلك فضل الله في الأرض واسع أرى أرؤساً قد أينعت لحصادها ... فأين ولا أين السيوف القواطع فكونوا حصيدًا خامدين أو افزعوا ... إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافع أهبت فعاد الصوت لم يقض حاجة ... إلي، ولباني الصدى وهو طائع فلم أدر أن الله صور قبلكم ... تماثيل لم تخلف لهن مسامع فلا تدعوا هذي القلوب فإنها ... قوارير محني عليها الأضالع٢ وهو بعد ذلك يتجاوز تجاربه النفسية الذاتية، وقضايا وطنه القومية، ليحدثنا عن تلك الأرض النائية ببلاد البلقان، وما جرى عليها من حرب بين الروس والأتراك، فيقول: وأصبحت في أرض يحار بها القطا ... وترهبها الجنان وهي سوارح بعيدة أقطار الدياميم لو عدا ... سليك بها شأوًا قضى وهو رازح

стр. 56

تصيح بها الأصداء في غسق الدجى ... صياح الثكالى هيجتها النوائح تردت بسمور الغمام جبالها ... وماجت بتيار السيول الأباطح فأنجادها للكاسرات معاقل ... وأغوارها للعاسلات مسارح مهالك ينسي المرء فيها خليله ... ويندر عن سوم العلا من ينافح فلا جو إلا سمهري وقاضب ... ولا أرض إلا شمري وسابح ترانا بها كالأسد نرصد غارة ... يطير بها فتق من الصبح لامح مدافعنا نصب العدا ومشاتنا ... قيام تايها الصافنات القوارح ثلاثة أصناف تقيهن ساقة ... حيال العدا إن صاح بالشر صائح فلست ترى إلا كماة بواسلا ... وجردًا تخوض الموت وهي ضوابح١ وبمثل تلك النماذج، عبر الاتجاه المحافظ البياني في توفيق واضح، عن أغراض أرحب من تلك الأغراض التي عبر عنها الشعراء الأقدمون، وانفسح لتسجيل نبضات الشاعر الحديث، وقضايا وطنه وكبريات أحداث عصره. ولم يستلزم هذا الأسلوب المحافظ البياني، حصر الشاعر في نطاق الأغراض التي كان يعبر عنها هذا الأسلوب في العصور القديمة، بل إن التزام منهج القصيدة العربية، واستخدام بعض الصور القديمة، والألوان البدوية الصحراوية نفسها، وما فيها من أماكن ونباتات وحيوانات -كالعقيق ونجد، وكالخزامى والبهار، وكالرئم والمها- لم تحل بين هذا الأسلوب، ونقل كل ما أراد الشاعر المحافظ أن يعبر عنه من تجاربه الذاتية، أو قضايا وطنه القومية، أو الأحداث الإنسانية الخارجة عن ذات الشاعر وقضايا وطنه، وهذا إذا أخذنا هذه الصور والألوان العربية القديمة على أنها رموز للتعبير عن معالم نفسية ومادية جديدة، فالشاعر حين يقول متشوفًا إلى مسارح شبابه، وأنسه بمصر: أين ليالينا بوادي الغضا ... ذلك عهد ليته ما انقضى كنت به من عيشتي راضيًا ... حتى إذا ولى عدمت الرضا

стр. 57

أيام لهو وصباً كلما ... ذكرتها ضاق علي الفضا١ إنما يتخذ "وادي الغضا" رمزًا لأعز الأماكن على نفسه في مصر. وبديهي أنه لا يريد وادي الغضا بمعناه الحرفي، هذا المكان المعروف بشبه الجزيرة العربية، وإنما يريد باستخدام هذا الاسم بالذات، استغلال ما فيه من ظلال نفسية وشحنات عاطفية، خلعها عليه الشعر القديم، والاستخدام العربي السالف، وقد لاءم ذلك ما كان من الشعور المسيطر في تلك الفترة، وهو شعور الالتفات الوجداني إلى ماضي العرب ومجدهم، والتعلق بكل ما يتصل بهم، ومثل هذا الكلام يمكن أن يقال فيما يستخدم الشاعر المحافظ البياني -في ذاك الجيل- من أسماء أشخاص وأشياء، وأماكن ونباتات وحيوانات، قد كثر ورودها في الشعر العربي القديم. وقبل ختام الحديث عن هذا الاتجاه الشعري، المحافظ البياني، وما له وما عليه في فترة الوعي، نسجل أن شعراءه لم يتخلصوا تخلصًا كاملًا من كل عيوب التقليديين؛ فقد تورطوا أحيانًا -بنسب متفاوتة- في المحسنات والتأريخ، وبعض المجاملات البعيدة عن الصدق، ولكن ذلك كان شيئًا ضئيلًا بجانب الطابع العام لاتجاههم، الذي كان شيئًا آخر غير اتجاه التقليديين.

стр. 58

ثانيًا: النثر ١- الكتابة الإخوانية، واتجاهها إلى التقليد: كانت بعض ألوان النثر تميل إلى التقليد الذي خلفته عصور التخلف، من حيث التحرك في أغراض ضيقه، وتناول أفكار تافهة، والعناية بقيود البديع، التي في مقدمتها السجع والجناس.. وكان أكثر ألوان النثر أخذًا بهذا الاتجاه التقليدي المتخلف، هذا اللون الذي يمكن أن يسمى "الكتابة

стр. 59

الإخوانية"، ونعني بها تلك الكتابة التي تدور حول الإخوانيات، والتي كانت مجال نشاط لطائفة من الأدباء التقليديين في تلك الفترة؛ ممثلة في رسائل التهنئة والاعتذار، وقطع التقريظ والتقديم، وما إلى ذلك من أغراض، يغلب عليها الجانب الفردي أو الشخصي، كما تبدو فيها سذاجة الموضوع وتفاهة المعاني، ثم تتزاحم بها ألوان البديع، وخاصة الجناس والسجع، وكثيرًا ما كان هذا اللون من الكتابة لا يكتفى باتخاذه ميدانًا لتسابق الأدباء التقليديين، ومجالًا لإبراز البراعة في الحيل اللفظية، والمحسنات البديعية، بل يتجاوز ذلك إلى إظهار القدرة على حوك الألغاز، وفهم الأحاجي.. وقد ساعد على تكبيل هذا اللون من النثر بكل تلكك القيود، وبعده عن الترسل والموضوعية، انحصاره في دائرة ضيقة ومجال محدود، قد لا يتجاوز اثنين يتراسلان، فهذا اللون بطبيعته بعيد عن الموضوعية، ناء عن الجماهيرية، صالح لترسب عيوب عصور التخلف عليه، وتقوقع التقليدية فيه، ومن هنا لم يتأثر هذا اللون من النثر بما كان في تلك الفترة من وعي نام ناضج؛ قد أثر على كثير من ألوان الأدب الأخرى، وظل هذا اللون -تقريبًا- على الصورة التي كان عليها في العصر التركي وما تلاه، إذا استثنينا شيئًا من صحة اللغة وسلامة التعبير، والبعد عن اللحن والدخيل، والخلاص من عدم استقامة التراكيب، وما إلى ذلك من مظاهر بدأت تكسبها اللغة منذ الفترة السابقة، وزاد حظها منها في الفترة التي نسوق عنها الحديث. ومن أمثلة هذه الكتابة الإخوانية ما كتبه الشيخ علي أبو النصر١ من منفلوط إلى أحد أصحابه بمصر، حيث يقول: "إن أبهى ما تسر به نفوس الأحبة، وأبهج ما يستضاء بنوره في دياجي المحبة، دون ما رسمه يراع المشوق،

стр. 60

وأبدعه مما يحسن ويروق، تشوقًا إلى اقتطاف ثمرات المسامرة، وتشوفا إلى أبيات بمحاسن البديع عامرة، ولما تشرف المحب بورود المحلق الأسنى، الجامع بين رقة اللفظ ودقة المعنى، كان يرقص طربًا، بعد أن قضى مما رآه عجبًا، وتاقت نفسه إلى التشبه بالأوائل، وأين فهاهة باقل، من فصاحة سحبان وائل. وكرم أخلاق سيدي يقضي بغض البصر عن العيوب، وكل ما استحسنه المحبوب محبوب، وعين الرضا عن كل عيب كليلة، ولا حول فيما قضى الإله ولا حيلة، فإني وجدت الرسائل لا تجدي إذ شط المزار، ومعانقة الطيف لا تغني متى عز الاصطبار، غير أني أمرت بأداء ما وجب، ونسجت على منوال من تحلى بالأدب، وركضت بجواد القريحة، وقدحت زند فكرة ليست بالمستريحة ... ١".

стр. 61

٢- الكتابة الديوانية وميلها إلى الترسل: وقد أدى تعريب الدواوين في تلك الفترة إلى اتساع المجال أمام الكتابة لتطور نفسها بعض الشيء، فالكتابة الديوانية "كتابة رسمية"، ومن هنا لا تتحمل -كثيرًا- هذه الألاعيب اللغوية والمحسنات اللفظية، التي من شأنها أن تغلف الركاكة وتستر التفاهة، أو على الأقل تحدث جوًا من التسلية والتفكة بين أصداء يتناولون أمورًا شخصية، وفردية تخصهم وحدهم، لذلك نجد في الكتابة الديوانية -عموماً- ميلا إلى الموضوعية، واتجاهًا إلى الترسل، وبعدًا عن أبرز عيوب الكتابة الإخوانية، وليس الأمر أمر كاتب وكاتب فحسب، بحيث يكون واحد يسير فقط على الطريقة التقليدية، ويسير آخر على الطريقة المترسلة، بل الأمر -أيضًا- أمر ميدانين للكتابة، أو فنيين من فنونها، هذا يميل إلى طريقة في الأداء، وذاك يؤثر أخرى في التعبير، وقد وجدنا أديبًا كعبد الله فكري١، يكتب كتابات إخوانية بطريقة،

стр. 62

ويكتب كتابات ديوانية بأخرى، فهو حين يكتب في المسائل الإخوانية، يجنس ويسجع ويتكلف ما يتكلفه هؤلاء التقليديون، ثم هو حين يكتب في المسائل الرسمية يبسط ويترسل، ويجنح إلى ما يجنح إليه المجددون.. وهكذا كانت الكتابة الديوانية ميدانًا من الميادين التي ساعدت على تطور النثر وترسل الكتابة، والتخلص من عيوب التقليدية المتخلفة١، وهذا نموذج من كتابات عبد الله فكري الديوانية، كتب به إلى الوزير رياض باشا، يسجل له ما حدث في مؤتمر المستشرقين الذي كان عبد الله فكري قد شارك فيه مندوبًا عن الحكومة في جوتمبرج.. يقول عبد الله فكري ... "ثم أشير إلي فقمت، وأنشدت قصيدة كنت أعددتها لذلك بعد ارتحالنا من باريس، فأتممتها في الطريق، وبيضتها في استكهولم، فابتدأت أقول: اليوم أسفر للعلوم نهار ... وبدت لشمس نهارها أنوار ومضيت فيها إلى آخرها، وصفق الناس لكل من خطب، وبالجملة لي لما أتممت الإنشاد، وخاطبني أناس منهم باستحسانها.. وحضر كاتب المؤتمر على أثر الفراغ منها، وسارني بطلب نسختها، فأخذها في الحفلة، وخطب بعد ذلك أناس، منهم المسيو "شفر" وافد فرنسا، وكانت هذه الحفلة خاصة بذلك، ليس فيها تقديم موضوعات علمية, ثم قام الملك وودع الحاضرين، وصافح البعض، وصافحنا، وقال: "حسنًا" وانصرفنا، وانقضت الحفلة، وارفضت الجميعة"٢. فإذا عرفنا أن عبد الله فكري هو القائل في تقريظ الوقائع المصرية: "لار يب أن كل من عرف التمدن، وشم عرف التفنن، وأخذ بنصيب من الفهم والتفطن، كان أحب شيء إليه، وأوجب أمر لديه، أن يكون مطلعًا على وقائع مصره، وعارفًا بما تجدد بين بني عصره، من حوادث الزمان، وعجائب عالم الإمكان ... "٣ أقول: إذا عرفنا أن عبد الله فكري هو قائل

стр. 63

هذا الكلام، عرفنا كيف كانت تخالف الكتابة الديوانية الكتابة الإخوانية مخالفة توشك أن تكون تامة، وعرفنا أن المسألة لم تكن فقط اختلاف كاتب وكاتب في هذا الشأن، وإنما كانت كذلك اختلاف ميدان وميدان، أو نوع من الكتابة ونوع آخر.

стр. 64

٣- المقالة ونشأتها: لم يعرف أدبنا القديم هذا القالب الفني للكتابة النثرية، وهو قالب "المقالة"، وإن كان عرف شيئًا قريبًا منه، وهو "الرسالة" التي نراها في بعض كتابات علم مثل الجاحظ، حيث تناول موضوعات محددة في صورة مركزة، تشبه -إلى حد كبير- شكل المقالة، وإن لم تكن هي تماماً. فالمقالة تتناول موضوعًا أكثر تحديدًا، وتعرضه بصورة أشد تركيزًا، وهذا الموضوع يتصل بقضية حية، ويتجه فيه الحديث إلى الجماعة، ويخضع آخر الأمر في أسلوبه لمقتضيات الصحافة، التي نشأ معها هذا الفن١. وهكذا جاء فن المقالة -في الأدب المصري- استجابة لضرورات سياسية واجتماعية، ثم تطور نتيجة لهذا الوعي الذي كان ينمو وينضج في تلك السنين، من النصف الثاني من القرن الماضي، فقد وعي المصريون واقعهم بكل ما فيه من حاجات إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي والديني، واتجه فريق من مثقفيهم إلى الكتابة في تلك الجوانب الإصلاحية العديدة، متخذين من الصحافة -تلك الوسيلة الجديدة- أداة لتوصيل آرائهم، وأفكارهم إلى مواطنيهم، وبدءوا يكتبون بأسلوب قريب من الأسلوب التقليدي المزركش، ثم أخذوا تدريجيًّا يتخلصون من ذلك الترسل٢، فلم يكن من الممكن أن يتجهوا إلى جمهور المواطنين عن طريق الصحف، بتلك اللغة المتكلفة المتلاعبة الملتوية الثقيلة،

стр. 65

لأنها عاجزة عن علاج المشكلات أولًا ثم؛ لأنها لن تفهم من جمهور القراء ثانيًا. وكان الوعي قد لفت الأنظار إلى التراث العربي النثري المشرق، وأدرك الوراد من الكتاب١ ما فيه هذا النثر من ترسل، وبساطة، وحرية، وقوة، وكان قد أذيع -ضمن ما أذيع من تراث- آثار نثرية جيدة، يمكن أن تكون أنماطًا للكتابة التي يجب أن توجه الجماهير عن طريق الصحف، كبعض كتب ابن المقفع، وكبعض آثار ابن خلدون، فأخذ الرواد من المثقفين المصريين يكتبون موضوعات في السياسة، والاجتماع والدين، بهذه اللغة الجانحة إلى الموضوعية والوضوح والترسل، وهم في ذلك مراعون لمقتضيات الصحافة وتحديد أنهرها، ومستوى قرائها، ووسائل تأتيها، فكانت من هذه الكتابات المقالات الحقيقية الأولى في الأدب الحديث٢. وقد كان يؤازر المصريين ويشاركهم تلك الحركة، إخوانهم من مهاجري الشام المسيحيين، كما كان يرودهم ويوجههم، ذلك المصلح الغيور السيد جمال الدين الأفغاني، ومن كل تلك الظروف ولدت المقالة في ألوانها السياسية والاجتماعية والدينية، حيث وجدت موضوعات عامة تدعو إلى الكتابة، ووجد جمهور كبير يتجه إليه الكتاب، كما وجدت صحف تنقل هذه الكتابات إلى أكبر عدد من المتلقين، وفيهم العاديون من المتعلمين، بل وفيهم المستمعون للقراء من الأميين، وأخيرًا حيث وجد في التراث العربي -الذي بدأ الاهتمام به- نمط أسلوبي يمكن أن يحتذى في الجانب التعبيري على الأقل. وكان لهذا التحول من الموضوعات التقليدية الضيقة فيما يكتب أولًا، ثم من الفرد إلى الجماعة فيمن يكتب إليه ثانيًا، أكبر الآثار في أن اتخذت المقالة

стр. 66

لغة تنأى عن فردية الموضع وعن استقراطية التعبير، وتميل إلى الموضوعية في الأغراض، والديمقراطية في الأسلوب. وليس من شأنك في أن حركة الترجمة، وانتشار الصحافة، وإسهام المهاجرين الشوام، وتوجيهات الأفغاني؛ قد ساعدت الرواد الأول من كتاب المقالة في الأدب المصري الحديث على أن يرسوا دعائم هذا الفن النثري. ولقد كان من أوائل هؤلاء الرواد، الشيخ محمد عبده١؛ فهو صاحب

стр. 67

أثر كبير في تخليص لغة النثر عمومًا من التفاهة وأثقال المحسنات، وذلك بعد أن تطور هذا الشيخ١، وآمن بوجوب التخلص من تلك الآفات المعوقة، وكان قد استجاب لتوجيهات الأفغاني في وجوب الترسل، كما كان قد قرأ بعض التراث العربي البعيد عن الزخرف، كمقدمة ابن خلدون، وفتن بأسلوبها المرسل القوي المعبر، فلما أسند إليه تحرير "الوقائع المصرية" في عهد توفيق، عمل على تخليص كتاباتها من أوضار التقليدية المتخلفة، فكان يكتب كتابة موضوعية حية مرسلة، تعد نماذج رائدة إلى حد كبير، كما كان يحث الآخرين من كتاب "الوقائع" وغيرها على الأخذ بهذا الأسلوب الحي المرسل فيما يكتبون، ومن هذه الناحية يعتبر الشيخ محمد عبده ذا دور في إحياء النثر يشبه -إلى حد ما- دور البارودي في إحياء الشعر٢. ويلاحظ أن أسلوب المقالة -في تلك الفترة- لم يتخذ شكلًا واحدًا بطبيعة

стр. 68

الحال؛ فقد اختلفت أشكاله بعض الاختلافات نظرًا لاختلاف الكتاب وطبيعتهم وثقافتهم أولًا، ثم نظرًا لاختلاف الموضوع المعالج ثانيًا، فحين يكون الكاتب ذا ثقافة فكرية يغلب على أسلوبه الجانب الذهني، والقرب من القضايا المنطقية، وما فيها من استدلال واحتجاج؛ وحين يكون الكاتب ذا ثقافة فنية يغلب على أسلوبه طابع التصوير والخيال، والشاعرية أحيانًا، وخاصة إذا كان الموضوع على حظ من العاطفية يحتمل ذلك، ومن هنا لم تختف كل أنواع المحسنات تمامًا، بل ظل بعضها يأتي بين الحين والحين، وخاصة السجع والتقسيم اللذان يكسبان الكالم موسيقى ويزيدانه تأثيرًا، وذلك حين يأتيان مطبوعين، وفي مواقف تتحملهما. وهذا نموذج من مقالات الشيخ محمد عبده في الوقائع بعد أن انتقل أسلوبه إلى المرحلة الثانية مرحلة الترسل والموضوعية والبساطة، وعنوانه "خطأ العقلاء"، يقول الشيخ في هذا المقال: "إن كثيرًا من ذوي القرائح الجيدة، إذا أكثروا من دراسة الفنون الأدبية، ومطالعة أخبار الأمم وأحوالهم الحاضرة، تتولد في عقولهم أفكار جليلة، وتنبعث في نفوسهم همم رفيعة، تندفع إلى قول الحق، وطلب الغاية التي ينبغي أن يكون العالم عليها، ولكونهم اكتسبوا هذه الأفكار، وحصلوا تلك الهمم من الكتب والأخبار، ومعاشرة أرباب المعارف ونحو ذلك، تراهم يظنون أن وصول غيرهم إلى الحد الذي وصلوا إليه، وساير العالم بأسره، أو الأمة التي هم فيها بتمامها -على مقتضى ما علموه- هو أمر سهل، مثل سهولة فهم العبارة عليهم، وقريب الوقوع، مثل قرب الكتب من أيديهم، والألفاظ في أسماعهم، فيطلبون من الناس طلبًا حاثًّا، أن يكونوا على مشاربهم، ويرغبون في أن يكون نظام الأمة، وناموسها العام على طبق أفكارهم، وإن كانت الأمة عدة ملايين، وحضرات المفكرين أشخاصًا معدودين، ويظنون أن أفكارهم العالية إذا برزت من عقولهم إلى حيز الكتب والدفاتر، ووضعت أصولًا وقواعد لسير الأمة بتمامها، ينقلب بها حال الامة من أسفل درك في الشقاء إلى أعلى درج في السيادة، وتتبدل

стр. 69

العادات وتتحول الأخلاق، وليس بين غاية النقص والكمال، إلا أن ينادي على الناس باتباع آرائهم، تلك ظنونهم التي تحدثهم بها معارفهم المكتسبة من الكتب والمطالعات، وإنهم وإن كانوا أصابوا طرفًا من الفضل من جهة استقامة الفكر في حد ذاته، وارتفاع الهمة وانبعاث الغيرة، لكنهم أخطأوا خطأ عظيمًا، من حيث إنهم لم يقارنوا بين ما حصلوه، وبين طبيعة الأمة التي يريدون إرشادها. ولم يختبر قابلية الأذهان، واستعدادات الطبائع للانقياد إلى نصائحهم، واقتفاء آثارها"١.

стр. 70

٤- الخطابة وانتعاشها: أما هذا اللون من ألوان النثر، فقد كان من أهم وسائل تنمية الوعي وإنضاجه، كما كان من أهم وسائل التعبير عن الدعوات الإصلاحية في السياسة والاجتماع، ثم كان قبل ذلك كله من أبرز الفنون الأدبية التي تأثرت بالوعي، وبحركة الإصلاح في شتى نواحيه. فالخطابة قد وجدت دواعيها، وكثرت ميادينها في تلك الفترة، بعد أن كانت في عهود التخلف قد انحصرت -أو كادت- في الميدان الديني، وفي أضيق مجالاته، وهو خطبة الجمعة وما ماثلها من خطب العيدين، على أن تلك الخطابة الدينية المحصورة في هذا النطاق ضيق، كانت قد تجمدت -غالبًا-، وأصبح أغلب الخطباء يقرءون الخطبة من كتب معدة في عصور سابقة، وكثيرًا ما لا يتناسب موضوع الخطبة، ولا أسلوبها مع الموقف أو حال المستمعين، فلما كانت فترة الوعي وجدت دواع مختلفة أفسحت الطريق أمام الخطابة لتأخذ طريقها إلى أفق رحب مضيء. ففي ميدان السياسة، وجد -إلى جانب الجمعيات السياسية التي كانت مدارس الخطابة١- "مجلس شورى النواب" الذي نما فيه الوعي بعد فترة

стр. 71

من إنشائه، وأصبح بعد نحو عشر سنوات مجالًا للخطابة السياسية، التي تعارض الحكومة وتنتقد تصرفات المسئولين، وتندد بالخديو نفسه، وتشن حملات شديدة على التدخل الأجنبي، والحكم الاستبدادي، وتطالب بألوان من الإصلاح في السياسة والحكم والاقتصاد.. كذلك وجدت الحركة العرابية، فكانت مجالًا من أهم المجالات لإنعاش الخطابة السياسة ومدها بأخصب زاد. وكانت أحداث سنة ١٨٨١ بخاصة، وقودًا غذى الخطابة السياسية في مجال الثورة العرابية، وأمدها بفيض من الحياة؛ فحادث قصر النيل وما صاحبه وأعقبه من مؤتمرات واجتماعات، وحادث عابدين وما مهد له وقيل فيه، ثم يوم سفر عبد العال حلمي وقواته إلى دمياط، وسفر عرابي وجنده إلى رأس الوادي، ثم ما كان بعد ذلك من حشد الشعب للوقوف في وجه العدوان الإنجليزي، والتآمر الخديوي، كل ذلك كانت الخطابة إحدى وسائله -بل أهم وسائله- في الإقناع والتحميس والتجميع والعمل.. وهكذا كانت الخطابة السياسية منتعشة في تلك الفترة من جديد، بعد أن ظلت قرونًا ذابلة، أو خامدة لا تكاد يحس لها وجود أو تدرك له حياة. وفي ميدان الاجتماع وجد عدد من الجمعيات الخيرية والاجتماعية التي اتخذت الخطابة وسيلة لبث أفكار الإصلاح، والدعوة إلى حياة أفضل، في الثقافة، والتعليم، والاقتصاد، وما إلى ذلك. وهكذا كانت الخطابة الاجتماعية -هي الآخر- إحدى وسائل الاستمالة والإقناع والعمل على الإصلاح الاجتماعي في شتى مظاهره، ومن هنا انتعشت الخطابة الاجتماعية، بل وجدت أشبه بالجديدة في الأدب المصري، الذي عرفها مع هذه المظاهر الحضارية، التي لم تكن من موضوعات الخطابة إلا في العصر الحديث. وطبيعي ألا تكون الخطابة بألوانها المختلفة ذات أسلوب واحد في تلك الفترة، وإن كانت كل الألوان تخلصت -إلى حد كبير- من الجمود والتفاهة، وعدم مراعاة الحال، التي كانت تسيطر على الخطابة الدينية المتخلفة في العصر التركي وما تلاه.. وطبيعي أن تختلف أساليب الخطابة باختلاف ألوانها، فالخطابة السياسية تعمد كثيرًا إلى الإثارة ومخاطبة المشاعر، وتتزين بألوان

стр. 72

من المؤثرات العاطفية كالشعر الحماسي، والقصص الديني ونحو ذلك مما يشد مشاعر الجماهير، ثم تتحلى ببعض المحسنات كالسجع والتقسيم الذي يبعث في الكلام موسيقى، ويزيد به التأثير.. أما الخطابة الاجتماعية، فتعمد أكثر إلى مخاطبة العقل واستخدام المنطق، وقد تتعرض لذكر الأرقام والحقائق المحسوسة، في لغة أشبه بلغة العلم، ومع ذلك لا تترك فرصة يمكن فيها التأثير، وجذب القلوب حتى تنتهزها بأسلوب عاطفي، قد يعتمد على الخيال، ويتحلى ببعض المحسنات ... وهذا نموذج من خطب عبد الله النديم، خطيب الثورة العرابية١، والنموذج من خطبة هذا الثائر، في مظاهرة توديع أحد زعماء الثورة -عبد العال حلمي-المبعد بقواته إلى دمياط، بعد الحركة العسكرية في عابدين والمطالبة بمطالب الشعب ... وكانت المظاهرة في محطة العاصة قبيل تحرك القطار بالقائد وجنوده.. وفي هذه الخطبة يقول النديم: "حماة البلاد وفرسانها.. من قرأ التاريخ، وعلم ما توالى على مصر من الحوادث والنوازل، عرف مقدار ما وصلتم إليه من الشرف، وما كتب لكم في صفحات التاريخ من الحسنات؛ فقد ارتقيتم ذروة ما سبقكم إليها سابق، ولا يلحقكم في إدراكها لاحق، ألا وهي حماية البلاد، وحفظ العباد وكف يد الاستبداد عنهما. فلكم الذكر الجيمل، والمجد المخلد، يباهي بكم الحاضر من أهلنا، ويفاخر بمآثركم الآتي من أبنائنا، فقد حيي الوطن حياة طيبة بعد أن بلغت التراقي، فإن الأمة جسد والجند روحه، ولا يحاة للجسد بلا روح، وهذا وطنكم العزيز أصبح يناديكم ويناجيكم، ويقول:

стр. 73

إليكم يرد الأمر وهو عظيم ... فإني بكم طول الزمان رحيم إذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن أين يأتي للديار نعيم وإن الفتى إن لم ينازل زمانه ... تأخر عنه صاحب وحميم فردوا عنان الخيل نحو مخيم ... يقلبه بين البيوت نسيم وشدوا له الأطراف من كل وجهة ... فمشدود أطراف الجهات قويم إذا لم تكن سيفًا فكن أرض وطأة ... فليس لمغلول اليدين حريم وإن لم تكن للعائذين حماية ... فأنت ومخضوب البنان قسيم ولقد ذكرت باتحادكم وحسن تعاهدكم ما كان من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم- عند تغييب سيدنا عثمان في أهل مكة، من مبايعة أهل الشجرة على حفظه، وصيانته ﷺ ، فصاروا يعنون بالعشرة المبشرين بالجنة"١.

стр. 74

٥- الرواية ونشأة اللون التعليمي: أما هذا اللون من النثر -وهو الرواية- فقد نشأ منه في تلك الفترة اللون التعليمي؛ بعد أن وضع بذوره رفاعة الطهطاوي في الفترة السابقة؛ فقد ألف علي مبارك١ كتابًا سماه "علم الدين"، وجعل هدفه تقديم معارف منوعه أولًا،

стр. 75

ثم المقارنة بين أحوال الشرق وأحوال الغرب ثانيًا، واختار لتلك المعارف والمقارنة قلب الحكاية، واتخذ صورة الرحلة من مصر إلى أوروبا شكلًا لهذه الحكاية، ثم آثر جعل بطلها شيخًا ريفيًّا مصريًّا أزهريًّا مستنيرًا يصاحب في تلك الرحلة عالمًا إنجليزيا، تعرف به في مصر وهيأ له -بعد أن أعجب به- أن يصحبه إلى أوروبا، ومما يدور بين البطل والعالم الإنجليزي، ومما يكون في الرحلة من مواقف عديدة، يقدم المؤلف مجموعة كبيرة من المعلومات، في العلوم الإنسانية والطبيعية وغيرها، كما يعقد مقارنات بين الشرق والغرب.. ومن هنا كان هذا العمل رواية؛ لأنه اتخذ شكل الرحلة وحكايتها، ثم هو تعليمي؛ لأنه لا يقصد إلى غرض فني أدبي، بل إلى غرض ثقافي تربوي، هو تقديم هذه المعارف والمقارنات في إطار مشوق١. وواضح أن هذا العمل يتفق مع ما سبق أن ألفه رفاعة الطهطاوي من قبل، باسم "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، فكلاهما معلومات ومعارف تقدم في شكل رحلة، وكلا المؤلفين أزهري مصري يجمع إلى ثقافته الشرقية العربية الدينية، ثقافة أوروبية حديثة، وإن كان علي مبارك تخصص في الهندسة، ورفاعة تخصص في الأدبيات، غير أن عمل علي مبارك قد اعتبر رواية تعليمية على حين اعتبر عمل رفاعة بذورًا لهذا اللون فحسب؛ لأن عمل رفاعة خال تمامًا من العناصر الروائية، باستثناء عرضه للرحلة الواقعية -التي قام بها المؤلف- في صورة يغلب عليها جانب التقريرات الرسمية، والترجمة والسرد العلمي في كثير من المواطن، حتى لقد سمى المؤلف كل فص باسم "مقالة".
следующие страницы →