وتعبيرات من غير الفصحى، ألجأت إليها ضرورة رسم بعض الشخصيات بأبعادها، أو إنطاقها بما يلائمها؛ مثل: "أدبسيس" التي قالها الشركسي في رده على التلميذ. ومثل: "برافو" التي قالها الموظف في تعليقه على التمليذ أيضًا. والأولى من مكملات شخصية الشركسي، والثانية توحي بتعلق الموظف ببعض المظاهر الغربية، مما يؤكد سطحيته وتفاهته؛ وكانت هذه إحدى خصائص محمد تيمور اللغوية، حيث يستعمل أحيانًا اللفظية العامية أو الأمية حين لا تسعف الفصحى.
ومعظم القصص الأخرى التي تضمها مجموعة "ما تراه العيون"١ تتفق مع هذه القصة في الخطوط الفنية العامة، وإن خالفتها في بعض التفاصيل، فهي قد سيطرت عليها روح النضال من أجل مجتمع مصري أفضل، ومن هنا نراها تعالج موضوعات اجتماعية مستنبطة من الحياة اليومية، وتصور شخوصًا من الناس العاديين، وخاصة من المظلومين طبقيًّا والمنكوبين اجتماعيًّا. كما نرى هذه القصص في جملتها تهتم برسم الشخصيات، وتقديم المضمون من خلال حوار الأبطال وتصرفاتهم، وما تؤول إليه الأحداث الدائرة بينهم، نرى ذلك في قصة "عطفة المنزل رقم٢٢"، التي تحكي حكاية رجل مستهتر في سلوكه، مضيق على زوجته؛ يعربد ما شاء له شيطانه، على حين يحبس زوجته بين جدران البيت، وهو في ذلك مطمئن إلى أن عرضه مصون، وخاصة أنه ترك زوجته في حراسة أمه، وأمه كما يقول لصاحبه: "من النساء اللواتي لا تفلح معهن شدة ولا رجاء"، وكان هذا الصاحب رفيقًا للزوج في نزواته، ولكنه كان أعزب، وتكذب ظنون الزوج حين يفتح هذا الرفيق الأعزب عينيه مرة على إحدى ضحاياه، فإذا هي زوجة صديقة المطمئن وهمًا إلى أنه أحكم على زوجته الأبواب، وجعلها في حراسة أمه اليقظة١!!
ونرى ذلك أيضًا في قصة "صفارة العيد" التي تتحدث عن يتيم في يوم عيد، وهو يصارع الحرمان، ويتطلع في لهفة إلى شيء من اللهو، وبعض من
стр. 212
السعادة كبقية الصبية في ذلك اليوم، ويدخل في معارك مع بعض الصبية المحظوظين السعداء، وبرغم أنه ينتظر عليهم، يظل عاجزًا عن الانتصار على فقرة وحرمانه، وتعاسته١.
ومحمد تيمور يميل أحيانًا في بعض قصصه إلى تحليل الميول، والكشف عن الطبائع، ولمس أغوار النفوس، وأوضح مثال لذلك قصة "كان طفلًا فصار شابًا"، وهي قصة يصور فيها تطور عاطفة مربية إزاء ربيب نشأته، ويبرز كيف تطورت هذه العاطفة من حب أم لطفل، إلى عشق امرأة لفتى٢.
ولم تكن مجموعة "ما تراه العيون" مؤلفة كلها؛ بل كان بعضها مقتبسًا، وقد صرح بذلك المؤلف في أمانة، فقصة "ربي لمن خلقت هذا النعيم" قد اقتبس فكرتها من قصة لـ"موباسان" هي "ضوء القمر"، وقد قدم محمد تيمور لتلك القصة حين نشرها بمقدمة صرح فيها بأنه بدل أشخاصها، وزمانها ومكانها وموضوعها، ومصر كل شيء فيها، حتى لم يبق من الأصل إلا روح الكاتب٣.
وهذه القصة -تحكى بعد التبديل- حكاية رجل غني أراد أن يزوج ابنته بشاب من طبقته، لكنها رفضت، وأصرت على الرفض، برغم ضغوط الأب وحزن الأم، ولاذت بالصمت، ولم تبح بسبب رفضها لهذا الزواج المأمول في نظر الأبوين، وقد أرق الأب ذات ليلة، فخرج إلى حديقة المنزل، وراعة منظر القمر وهو يكسو بأشعته الفضية أشجار الحديقة، فثار في نفسه هذا السؤال "ربي لمن خلقت هذا النعم؟ "، وما انتهى من تساؤله حتى لمح في الحديقة شبحين: فتاة حسناء وفتى وسيمًا، وكان الفتى يقول لفتاة: "أنا مرغم على تركك يا حبيبتي، وإني أقسم لك أني سأبقى على عهد حبي الطاهر الشريف، إلى أن يضم عظامي القبر"، وتبين الرجل أن الفتاة ابنته، وأن الفتى
стр. 213
هو حبيبها الذي رفضت زواج المصلحة من أجله، فثار في نفس الوالد هذا الجواب: "ربي إنك خلقت هذا النعيم للمحبين"١.
هذا وقد اتجه محمد تيمور أيضًا إلى كتابة المقالات والخواطر القصصية، التي رأينا أصولها من قبل عند المنفلوطي، ولكن محمد تيمور خطا بها هي الأخرى خطوة أفسح، حتى وصل في بعضها إلى ما يمكن أن يسمى "اللوحة القصصية"؛ وذلك لما فيها من تجسيم رائع لمفارقة، أو رسم جيد لشخصية، أو تسجيل حي لحدث، أو تحريك درامي لخاطرة، كل ذلك مع البعد عن الخطابية المجلجلة، والوعظ المتكلف، والأسلوب المنمق. وأكثر هذه اللوحات تدور حول مقارنات بين الغنى والفقر، والقوة والضعف، والتقدم والتخلف، وما إلى ذلك من تناقضات تمتلئ بها الحياة التي تزدحم بالمفارقات، ولولا أن المؤلف كان يجعل أساس هذه اللوحات أحداثًا عرضت له أو اتصلت به، ولولا أنه يعلق عليها بما يريد أن يقدم من عبرة، أو نقد أو فكرة إصلاح لكانت هذه اللوحات أقاصيص من الطراز الجيد٢.
ومن نماذج تلك اللوحات٣: لوحة "لبن بقهوة ولبن بالتراب" التي يقول فيها:
"صباح اليوم، بعد أن صحوت من نومي ولبست ملابسي، أتتني الخادمة بالفطور لآكل ثم أخرج: ألقيت نظري على الطعام، فوجدته مختلف الألوان، من جبن وزيتون وبيض ولبن وقهوة، وكانت لي شهية للأكل فأكلت من الجبن والزيتون والبيض حتى شبعت؛ ثم نظرت للبن
стр. 214
والقهوة وقلت لنفسي: "إني أشرب اللبن مع القهوة صباح كل يوم، وقد شبعت من غيره اليوم، وليس في مقدوري أن أضيف إلى ما في معدتي من اللبن شيئًا". وقمت لأرتدي ملابسي، وإذا بي أرى كلبي يبصبص لي بذنبه، فأفرغت ما كان في فنجاني من اللبن في وعاء الكلب، وتركته والوعاء.
"ركبت ركاب رمل حتى الإسكندرية، وقضيت بعض حوائجي، ثم أردت الرجوع، فانتظرت في المحطة قليلًا مترقبًا القطار الذي يقلني حتى المحطة التي أسكن فيها، وإذا بي أرى رجلًا يبلغ الخمسين يسيرًا وراءه طفل -ما شككت في أنه ولده- يحمل معه قدرًا مملوءًا بسائل لا أعرفه، وحاولا ركوب قطار كان قد غادر المحطة، وابتعد عنها قليلًا، وإذا بالولد يهوي على الأرض، والأب يهوي فوقه، ولحسن حظهما لم يصابا بسوء، ولكن القدر قد انكسر وسال ما فيه على الأرض، وكان لبنًا ناصع البياض، فنظر إليه الرجل نظرة ملؤها الأسف، وكادت الدموع تسيل من عينيه، ثم سار في طريقه مع ابنه، وكأنه تفاءل شرًّا مما حدث فعاد من حيث أتى، لم ألبث في طريقي قليلًا حتى رأيت طفلين من أطفال شوارع الإسكندرية يتسابقان لمكان الحادثة، وكانا لابسين من الملابس ما لا يحجب من جسديهما إلا القليل، عاريي الرأس، حافيي الأقدام، تتراكم على جبهتيهما وملابسهما القاذورات والأوساخ، تسابقا لمكان الحادثة، ولما وصلا إليه ركعا على الأرض ولبثا يلحسان اللبن، وكان لبنًا بالتراب لا بالقهوة.
بالله أترفض نفسي في هذا الصباح فنجان لبن بقهوة، وترضى نفسًا هذين الفقيرين لبنًا ممزوجًا بالتراب؟! "١.
وهكذا نرى أن أواخر هذه الفترة قد شهدت ميلاد القصة القصيرة كما شهدت ميلاد الرواية الفنية٢. وقد جاءت هذه، ثم تلك، على
стр. 215
يدي كاتب من ذوي الثقافة الأجنبية، ومن المتصلين بالأدبي الغربي، لهذا جاءت في بنائها الفني على نمط الشكل الأوروبي، وإن لم تخل من بعض الرواسب العربية.
على أنه يلاحظ أن القصة القصيرة قد تأخر ميلادها عن الرواية الفنية نحو خمس سنين١، ولعل السبب في ذلك هو أن ارتباط القصة القصيرة بالواقعية أشد، ومعالجتها لأحوال الناس العاديين أكثر، والتحامها بالروح القومية أقوى. فكان أن ظهرت مع سنوات غليان المجتمع بالروح القومية، والتفاته بعطف إلى العناصر الكادحة، وتأمله بمرارة لواقعة المتناقض؛ وهذه السنوات هي السنوات التي تمخضت عن ثورة سنة ١٩١٩، التي سيشب بعدها الفن القصصي كله، ولا يقف عند مرجلة الميلاد.
стр. 216
٤- المسرحية وأولية الأدب المسرحي:
تضاعف النشاط المسرحي في مصر خلال هذه الفترة، بعد أن ولد المسرح ونشط في الفترة السابقة، وكان تضاعف هذا النشاط بسبب قدوم فرقة شامية جديدة، هي فرقة أبي خليل القباني١؛ فقد قدم على مصر سنة ١٨٨٤، وعمل في الإسكندرية أولًا، ثم عاد إلى القاهرة، وعمل على مسرح "الأوبرا"، وتنقل بعد ذلك بفرقته في عدد من الأقاليم والعواصم المصرية٢.
وهكذا أصبح في مصر عدد من الفرق التمثيلية، كفرقة يوسف الخياط، وفرقة سليمان القرداحي، وفرقة أبي خليل القباني، وبهذا زاد التنافس بين تلك الفرق، وتضاعف النشاط في مجال المسرح، فكثر جمهوره، وتعدد الكاتبون له من شاميين ومصريين، وقد كان في مقدمة هؤلاء الكتاب
стр. 217
المسرحيين في هذا العهد المبكر، محمد عثمان جلال١، الذي ترجم للمسرح ومصر، كما ألف كذلك بعض الأعمال المسرحية، ومن ترجماته تلك المجموعة التي نشرها سنة ١٨٨٩ باسم "الروايات المفيدة في علم التراجيدة"، متضمنة ترجمة لثلاث مسرحيات للشاعر الفرنسي الكبير "راسين" هي: "إستر" و"أفغانية" و"إسكندر الأكبر"، ومن تمصيراته تلك المجموعة التي نشرها سنة ١٨٩٣ باسم "الأربع روايات من مختارات التياترات" مشتملة على أربع مسرحيات من ملاهي المسرحي الفرنسي العظيم "موليير"، وتلك المسرحيات هي: "الشيخ متلوف" و"النساء العالمات" و"مدرسة الأزواج" و"مدرسة النساء"، كذلك ألف محمد عثمان جلال مسرحية "المخدمين" التي عالج فيها موضوعًا اجتماعيًا، وهو حيل المخدمين، ووسائلهم في السيطرة على الخدم وإفسادهم على مخدوميهم، وقد كتب تلك المسرحية بالزجل المصري، الذي اختاره من قبل لغة لترجماته وتمصيراته٢.
غير أن نجاح القباني، وفرقته لم يقف عند إنعاش النشاط المسرحي ومضاعفة الاهتمام بالمسرح والكتابة له؛ وإنما تجاوزه إلى شيئين مهمين؛ وهما توجيه الاهتمام إلى المسرحية التاريخية العربية، ثم العناية باللغة الفصحى والشعر في كتابة المسرحية، فقد كان القباني يميل إلى المسرحيات المستمدة من التاريخ العربي أولًا، وكان يفضل للغتها الفصحى التي يتخللها الشعر ثانيًا، ولما كان يقدم المسرحيات، وفيها مشهيات كثيرة تلائم الأذواق في ذلك الحين، من أغان
стр. 218
وإنشادات ورقصات١؛ فقد كثر الإقبال على مسرحياته، ونجح هذا الاتجاه الذي وجه إليه المسرحية، نحو التاريخ العربي أولًا، ثم نحو اتخاذ الفصحى والشعر لغة للمسرح ثانيًا، وبرغم أن الفصحى التي كانت تكتب بها مسرحيات القباني، قد كانت مفعمة بالمحسنات التي في مقدمتها السجع، وبرغم أن الشعر لم يكن ملائمًا دائمًا للموقف أو مؤديًا وظيفة في البناء المسرحي؛ قد كان هذا الاتجاه متفقًا إلى حد كبير مع الاتجاه الأدبي العام في ذلك الحين، هذا الاتجاه الذي عرفنا أنه كان يهتم بالتراث، ويتشبث بالماضي، حتى يحاول أن يصطنع في بعض مجالات الفن القصصي لغة المقامات، باعتبارها لغة الفن القصصي البارز، الذي عرف في عهود الازدهار٢.
ومهم يكن من أمر، فقد ساعد نجاح مسرح القباني على السير في اتجاهه وتجويده، كما ساعد على دفع المسرح خطوة إلى الأمام، فقد انفصل إسكندر فرح عن فرقة القباني، وألف فرقة سنة ١٩٨١، واستعان بالشيخ سلامة حجازي٣، مواصلًا الاتجاه الغنائي، إلى أن انفصل عنه الشيخ سلامة حجازي سنة ١٩٠٥، فاعتمد على المسرحيات غير الغنائية، واجتذب إلى الكتابة المسرحية طائفة من الأقلام الممتازة، مثل مطران ونجيب الحداد، وفرح أنطون وغيرهم، ممن ألفوا وترجموا عن الإنجليز والفرنسية٤.
كذلك واصل الشيخ سلامة حجازي نشاطه المسرحي الغنائي بعد أن استقل، وكون له فرقة خاصة، وعنى عناية بالغة بالملابس والمناظر، وروعة
стр. 219
العرض، وأنشأ "دار التمثيل العربي"، واهتم إلى درجة كبيرة بالروايات التاريخية، مثل "صلاح الدين" و"زنوبيا" و"غانية الأندلس" هذا بالإضافة إلى الروايات المترجمة والمؤلفة الأخرى، وقد كان الشيخ سلامة يغني في مواقف من رواياته، كما كان يغني أيضًا بين الفصول، وكان هذا الغناء من أهم عوامل جذب الجمهور إلى المسرح في تلك الأحايين١.
ثم خطا المسرح المصري أهم خطواته نحو الفن الصحيح، وذلك حين ألف جورج أبيض٢ فرقته المسرحية، بعد عودته سنة ١٩١٠ من دراسة التمثيل في فرنسا، وقد استهلت هذه الفرقة عملها بتقديم مشهد شعري من تأليف حافظ إبراهيم هو "شهيد بيروت" في مارس سنة ١٩١٢، ثم قدمت الفرقة في نفس الشهر مسرحية "أوديب"، ثم قدمت "لويس الحادي عشر"، ثم"عطيل". والأولى ترجمة فرح أنطون، والثانية ترجمة إلياس فياض، والثالثة ترجمة مطران، وبرغم استهلال جورج أبيض بالمسرحيات المترجمة، قد اهتم بعد ذلك بالروايات التاريخية العربية، مثل "صلاح الدين ومملكة أورشليم" و"الحاكم بأمر الله"٣. ومع جورج أبيض وما قدم من روايات على أسلوب مسرحي فني٤، يكون المسرح المصري قد جاوز طور النشأة، وتكون المسرحية الصحيحة قد ظهرت أولياتها، ويكون الأدب المسرحي في مصر قد رأى النور، وظهرت نماذج وليدة منه، وخاصة في أواخر تلك الفترة التي تنتهي بثورة ١٩١٩.
стр. 220
أ- مسرحية المعتمد بن عباد:
ولكن ما هي تلك المسرحيات التي يمكن أن تعتبر أول الأدب المسرحي المصري الحديث، الحق أنه يمكن أن تعتبر مسرحية "المعتمد بن عباد" أول مسرحية تدخل في هذا الباب، وقد ألفها إبراهيم رمزي١ سنة ١٨٩٢ معتمدًا على فترة تاريخية تتصل بتاريخ العرب في الأندلس، ومختارًا من بين صفحاتها ثلاث حوادث كبيرة. الأولى ما كان بين الملك الأندلسي المعتمد بن عباد، ووزيره الشاعر أبي بكر بن عمار، من صداقة انتهت بعداوة أدت إلى قتل الوزير. والثانية غزو الأذفونش "ألفونس السادس" لإشبيلية، واستنجاد الأندلسيين بالمرابطين في شمال أفريقيا، ومجيء يوسف بن تاشفين لنجدة أهل الأندلس، ثم عودته إلى المغرب وقد طمع في الاستيلاء على تلك البلاد التي استنجدت به، أما الحادثة الثالثة، فهي ما كان من أمر هذا الجيش الذي خلفه ابن تاشفين في الأندلس، وما كان من تقويضه لملك المعمتد وأسره، ثم نقله إلى سجن أغمات في شمال إفريقيا، حيث قضى نحبه بعد أن فجع بوفاة زوجته اعتماد.
والواقع أن تلك المسرحية لم تكن ناضجة ولا قريبة من الناضجة، وذلك؛ لأن المؤلف قد اقتصر على سرد المعلومات التاريخية عن طريق الحوار، دون أن يضيف شيئًا أو يحذف شيئًا، كما تقتضي طبيعة التأليف المسرحي المعتمد على مادة التاريخ، ومن هنا جاءت المسرحية على كثير من التفكك، وليست فيها مراعاة لإطاري الزمن والمكان المعقولين، كما أنها لا تعطي تفسيرًا مقنعًا لما وراءها من مآس، ولا هدفًا محددًا لما تعرضه من أحداث، وكل ما في الأمر أنها أشبه بفصول التاريخ التي اتخذت شكل المسرحية، ولغة الحوار الدرامي.
стр. 221
وقد كتبت تلك المسرحية باللغة الفصحى المسجوعة، وتخللها قطع وأبيات من الشعر، مما أضاف إلى عيوبها السابقة عيبًا آخر، هو عيب اللغة المصنوعة التي لا تلائم الشخصيات وتطور الأحداث وتصور الجو، بقدر ما ترضى نزعة الالتفات إلى التراث، وإرضاء حاجة المشاهدين١.
على أننا إذا تذكرنا أن تلك المسرحية قد كتبت في هذا العهد المبكر، وتحت تلك الظروف التي عرفناها، وما كان فيها من عامية وركاكة من جانب، ومحافظة واهتمام بالفصحى، ورعاية للتراث من جانب آخر، إذا تذكرنا ذلك عطفنا على تلك المحاولة المبكرة، واعتبرنا صاحبها رائدًا مستحقًا للثناء.
ب- مسرحية علي بك الكبير:
وإذا كانت مسرحية "المعتمد بن عباد"، أو الأدب المسرحي النثري، فإن "علي بك الكبير" لأحمد شوقي أول الأدب المسرحي الشعري، وقد ألفها شوقي، وهو في باريس سنة ١٨٩٣، بعد أن أتيح له أن يتصل بالأدب الفرنسي، ويشاهد المسرحيات في العاصمة الفرنسية.
وقد صور شوقي في تلك المسرحية عصر المماليك، وما فيه من مساوئ سياسية واجتماعية، واختار بطلًا لمسرحيته علي بك الكبير، الذي كان مملوكًا طموحًا، استقل بمصر عن الأتراك، وتلقب بلقب سلطان سنة ١٧٦٩، ووسع رقعة ملكه بالاستيلاء على اليمن وجدة ومكة، ثم غزة ونابلس والقدس ويافا وصيدا ودمشق، وقد احتال الأتراك لدرء خطر هذا المملوك، باصطناع مملوك آخر هو محمد أبو الذهب، الذي كان علي بك الكبير قد تبناه من قبل ورباه، فغدر أبو الذهب بعلي بك الكبير، بإيعاز من الأتراك، وما زال به حتى قتله، وخلفه في الولاية على مصر، وقد رأى المؤلف أن يضيف إلى ذلك الصراع بين علي بك الكبير، ومحمد أبي الذهب، قصة غرام بين مملوك ثالث هو
стр. 222
"مراد بك" وبين "آمال" مملوكة علي بك الكبير، التي اتخذها زوجة، وربط شوقي القصتين التاريخية والخيالية؛ فجعل "مراد بك" يساعد "محمد أبا الذهب"، ويتآمر معه لكي يفوز بمحبوبته "آمال" بعد قتل زوجها، ورغبة في تقديم مفاجأة مسرحية، جعل المؤلف "مراد بك" يكتشف في آخر المسريحة أن حبيبته "آمال" إنما هي أخت مجهولة له، والذي يكشف عن هذا السر هو أبوها وأبوه، النخاس مصطفى الياسرجي.
هذا وقد كتب شوقي تلك المسرحية شعرًا، ولكنه كان دون شعره الذي عرفناه بعد ذلك، حين عاد إلى كتابة المسرحيات، بعد أن هجرها من أيام كتابة هذه المسرحية إلى سنة ١٩٢٧، وهناك عيب آخر وهو غلبة الشعر الغنائي على الشعر الدرامي فيها، وكان هذا العيب مما وجه إلى شوقي في مسرحياته الأولى، ثم حاول التخلص منه في المسرحيات المتأخرة، كما حاول أن يتخلص منه، ومن العيب السابق. حين أعاد كتابة تلك المسرحية سنة ١٩٣٢. وهناك عيب آخر في تلك المسرحية حاول شوقي أن يتلافاه حين أعاد كتابتها؛ وهو بعض زلات يصف فيها الشعب المصري بالضعف والذلة، ليجسم ما أراد من تصوير المماليك بالقوة والعنف.
على أن في تلك المسرحية عيبًا أبلغ من كل تلك العيوب، قد حاول شوقي أن يصححه حين أعاد كتابة المسرحية ولكنه لم يوفق تمامًا هذا العيب هو عجز البطل عن كسب عطف المشاهدين، مما يفقد المسرحية عنصر الإثارة، وحرارة "الدراما" وقوة الانفعال، وذلك لكون البطل شخصية سيئة لا تجلب العطف؛ لأنها من شخصيات المماليك الغادرين الشريرين١.
ومع ذلك فقد توفرت للمسرحية عناصر فنية أخرى تجعلها أكثر نجاحًا من المسرحية النثرية التي كتبها إبراهيم رمزي باسم "المعتمد بن عباد"، وأهم
стр. 223
تلك العناصر الفنية في مسرحية شوقي، هي: الحبكة، والتعقيد، والحل، والتشويق، والمفاجآت، وحيوية الحوار إلى حد كبير١. وبرغم ذلك لم تصادف النجاح الذي كان شوقي ينتظره، ولم ير تشجيعًا يدفعه إلى مواصلة الكتابة للمسرح في ذلك العهد المبكر، فآثر الشعر الغنائي، واهتم منه بشعر المدح، وما يشبهه من الشعر السياسي والاجتماعي، الذي يحقق له التفوق بسرعة، ويوصله إلى منصب شاعر الأمير، ثم أمير الشعراء، وظل لا يعاود الكتابة للمسرح إلى سنة ١٩٢٧، حين تقدم الوعي الفني، وازدهر المسرح المصري، وظهرت فرق تمثيلية جيدة، فعاد يكتب سلسلة مسرحياته المعروفة، ثم يعيد مسرحيته الأولى، ويحاول تلافي بعض ما كان فيها من عيوب٢.
وهكذا يمكن اعتبار هذين العملين بداية الأدب المسرحي المصري.. وقد تبعث هذين العملين أعمال أخرى لمؤلفين مصريين آخرين، وهي أعمال تتفاوت في قربها من المسرحية الفنية الناضجة، ولكنها جميعًا تشترك في أنها تمثل الطلائع الأولى لهذا الفن، كما تشترك في أنها تمثل روح العصر إلى حد كبير، وهذا يتضح في اتجاهها إلى التاريخ العربي المجيد واستلهامه أولًا، ثم في الاهتمام باللغة الفصحى، ومزجها بالشعر ثانيًا، ثم في التعريض ببعض المفاسد التي جرها الاحتلال، ويحاول المصريون التخلص منها آخر الأمر، ومن أمثلة ذلك، مسرحية "فتح الأندلس" لمصطفى كامل، التي ضمنها بعض الخطب، والشعر الحماسي والأناشيد، وهاجم فيها الطغيان والاحتلال، متأثرًا بموقفه كزعيم لحركة تحررية وطنية٣، ومن أمثلة تلك المسرحيات أيضًا "حياة مهلهل بن ربيعة، أو حرب البسوس" لمحمد عبد المطلب ومحمد عبد المعطي مرعي، ثم "حياة امرئ القيس" للمؤلفين نفسيهما، وهاتان المسرحيتان الأخيرتان تقومان تقريبًا على سرد التاريخ، والقصائد دون إعمال خيال أو تصرف فني،
стр. 224
يحول مادة التاريخ إلى عمل مسرحي حي١؛ فهما دون المسرحيات الأخرى، ولكنهما تدخلان في نتاج تلك المرحلة المبكرة، وتتسمان بالطابع العام، الذي يستلهم التاريخ، ويرعى الفصحى والشعر.
جـ- مسرحية أبطال المنصورة:
ثم تخطو هذه المرحلة البادئة خطوات أفسح، وتظهر بعض المسرحيات الأدنى إلى النضج، والتي تمثل أحسن ما عرفت تلك الفترة من أدب مسرحي، وتأتي في مقدمة هذه المسرحيات مسرحية "أبطال المنصورة" التي ألفها إبراهيم رمزي سنة ١٩١٥، بعد أن تمكن من فن الأدب المسرحي، واكتسب فيه ثقافة أجنبية، هيأتها له رحلته إلى إنجلترا، ودراسته فيها للأدب التمثيلي، واختلافه إلى المسارح الإنجليزية، أيام ازدهار مسرحيات "إبسن" و"برناردشو"٢.
ومن هنا جاءت مسرحية "أبطال المنصورة" خالية من أهم تلك العيوب التي شابت مسرحيته السابقة "المعتمد بن عباد"، فقد جاءت مسرحية بعيدة عن أن تكون مجرد سرد للتاريخ؛ بل فيها من التاريخ فقط ما يخدم الهدف ويلائم الفن. وفيها من الخيال والإبداع إضافات وتعديلات، لا تتنافى مع روح التاريخ، ولا مع منطق الحياة، وهذه الإضافات والتعديلات تعين في الوقت نفسه على خلق الحركة الدرامية، واستخدام عنصر التشويق والمفاجأة، ثم توفير الصراع الداخلي والخارجي، حتى لقد اعتبر بعض النقاد الكبار هذه المسرحية من أروع ما كتب في هذا الفن في الأدب العربي، بل قال: "لعلها تسمو إلى مستوى الأدب الفني العالمي الرفيع"٣.
وتصور مسرحية "أبطال المنصورة" جانبًا من الحروب الصليبية التي
стр. 225
جرت في مصر، وانتهت بانتصار أمرائها محسن وأقطاي وبيبرس، على تلك الحملة الفرنسية التي نزلت دمياط بقيادة لويس التاسع، وانتهت بمعركة المنصورة التي قتل فيها بيبرس أخا الملك لويس، ثم أسر الملك نفسه، وسجنه في البيت المعروف ببيت القاضي لقمان في المنصورة، وأخيرًا أطلق الملك الفرنسي بفدية كبيرة بعد أن تعهد بألا يعود إلى مثل تلك الحرب.
وقد طعم المؤلف تلك الأحداث البسيطة بعناصر خيالية لا تتعارض مع روح التاريخ، ولا مع منطق الحياة الإنسانية، فابتكر شخصيات خيالية، واستخدمها في تحريك الأحداث، وإثارة التشويق، وإعداد المفاجآت، وحقق بها عنصرًا دراميًا هامًا في المسرحية، ومن تلك الشخصيات شخية هبة الله، الذي رسمه طبيبًا خاصًّا للملك الصالح أيوب ولزوجته شجرة الدر، وجعله يلعب في المسرحية دور الدسيسة، ويبرر المؤلف ذلك بجعل أصله فرنسيًا، ولكنه تربى في مصر، فلم ينس أصله والعمل لمصلحة الفرنسيين ضد من ائتمنوه على أنفسهم. وينتهي أمر هذا الخائن بأن يفضح، ويقتله بيبرس في نهاية المسرحية.
ولم يفت المؤلف أن يقيم عقدة غرامية خلال تلك الأحداث، فيجعل بيبرس محبًا لصفية أخت شجرة الدر، ويدخل هبة الله منافسًا له في هذا الغرام.
ومع أن الهدف الأساسي للمسرحية قد كان إظهار بطولة المسلمين، وسماحتهم في الحروب الصليبية، وانتصارهم بفضل شجاعتهم دون التجاء إلى الخديعة والغش كما كان يفعل الصليبيون خلال حروبهم مع المسلمين؛ لم يغفل إبراهيم رمزي جوانب الضعف البشري الطبيعي الذي في نفوس الأبطال المسلمين كبشر، وقد تجلى ذلك في البطل الكبير بيبرس، وذلك حين صوره المؤلف في بعض المواقف محتاجًا إلى العطف، ظامئًا إلى الحنان كغيره من الرجال، ومن تلك المواقف، هذا الموقف الذي كان بينه وبين شجرة الدر، والذي يشكو فيه لوعته لغياب حبيبته صفية، التي كان قد أخفاها الدسيسة "هبة الله".. وهذا جزء من الموقف:
стр. 226
شجرة الدر: "بصوت هادئ" يا مرحبًا بك يا ركن الدين.
بيبرس: لمثل هذا الصوت فزعت نفسي، إلى مثل هذا الحنان تطلع قلبي، إلى مثل هذه النظرة المشفقة ظمأت روحي. املكي عني أساي، املكي عني دمعة عيني "يضع وجهه بين راحتيه" إني أكاد أجن يا أختاه "تخنقه العبرات".
شجرة الدر: روح عنك يا ركن الدين، أتيأس من رحمة الله؟..
بيبرس: آه يا مولاتي. لقد بحثت عن صفية في كل مكان، لكني لم أوفق إلى خبر عنها، سألت البوادي والقفار، وفتشت الخرائب والديار، فلم تحر جوابًا، ولقد طالما تمثلتها في سفرتي تستصرخ، فأصرخ من أعماق قلبي: لبيك..لبيك.. ثم أنتبه فلا يجيبني إلا الصدى، حتى تغشاني غاشية جنون، فأهيم على وجهي في البراري.. ثم أصرخ:.. ها أنذا، لبيك.. إلى أن أذعرت طير قلبي المسكين بصراخي. وترينني الآن كالطفل، لا يخفف حزني دمعة أذرفها، أو أم آوي إليها. إني أكاد أجن، أجن، أواه ... ١".
وقد رأى بعض النقاد أن إبراهيم رمزي قد عنى في تلك المسرحية بالأسلوب أكثر من عنايته بالمعاني، وذلك لما يرى من جودة أسلوبه وأناقته، وواضح أن هذا الرأي بعيد عن الدقة؛ أسلوب إبراهيم رمزي في مثله هذه المسرحية -برغم جودته والتأنق فيه- أسلوب غزير المعاني نابض بالحركة النفسية، والحركة الدرامية، وتلك الأناقة في اللغة قد أضفت على لغة المسرحية جمالًا، دون أن تنال شيئًا من طبيعة الحوار الفنية، ولا تزال لغة الفصحى الجيدة السبك -حتى اليوم- خير وسيلة للتعبير في المسرحيات التاريخية بنوع خاص٢.
стр. 227
هذا، وقد كان فرح أنطون -وهو من إخواننا السوريين المتمصرين- قد كتب سنة ١٩١٤ مسرحية مشابهة باسم "صلاح الدين، ومملكة أورشليم"، قبل أن يكتب إبراهيم رمزي مسرحيته، مما يحتمل معه أن يكون اللاحق قد تأثر بالسابق، ومع إمكان ذلك، جاءت مسرحية إبراهيم رمزي أرقى من الناحية الفنية، وذلك لقرب الأحداث المتخيلة من ممكنات الحياة والتاريخ، ثم لروعة أسلوب إبراهيم رمزي، وغزارته، وتركيزه١.
стр. 228
الفصل الرابع: فترة الصراع
دوافع الصراع ومجالاته
بين الروح الوطنية والانحرافات الحزبية
...
الفصل الرابع: فترة الصراع
من أعقاب ثورة ١٩ إلى قيام الحرب العالمية الثانية ١٩٢٢-١٩٣٩
دوافع الصراع ومجالاته:
١- بين الروح الوطنية والانحرافات الحزبية:
لقد خرجت مصر من ثورة ١٩١٩ ببعض المكاسب، وخطت في سبيل حريتها بعض الخطوات، فقد اضطرت إلى إعلان تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، الذي نص على إنهاء الحماية المفروضة على البلاد، ثم أعلن الاستقلال، وصدر الدستور، فسجل أن جميع السلطات مصدرها الأمة، وقرر أن الحرية الشخصية مكفولة، وأن حرية الرأي والصحافة مضمونة، كما قرر حق الأمة في حكم نفسها، وحقها في أن يكون لها برلمان يمثل إرادتها، ثم أجريت الانتخابات، وفاز بالأغلبية حزب الوفد، الذي كان يمثل العناصر الوطنية حينذاك، فأسند إلى رئيسه سعد زغلول تأليف الوزارة، ثم افتتح البرلمان١، وبدأت البلاد تستشعر الحرية والسيادة، وتأمل أن تمضي في طريق النصر، محافظة على حقوقها بالدستور، معلنة إرادتها بالبرلمان، محققة لتلك الإرادة بالحكومة الوطنية.
غير أن هذا الأمل لم يعش طويلًا، فقد تآمر القصر والإنجليز على استقلال مصر الوليد، وعلى دستورها الذي لم يجف مداده، وعلى برلمانها الذي لم تطو أعلام الاحتفال به، أما القصر، فكان يرى أن الدستور منحة منه، وأن السطلة العليا في البلاد يجب أن تكون له٢، وأما الإنجليز فكانوا يريدون للاستقلال أن يكون شكلًا لا مضمونًا، وللدستور أن يكون ملهاة تحول النضال الوطني ضدهم، إلى صراع سياسي على الحكم، كما كانوا يريدون من البرلمان أن يخرج سياسيين أمعات، يربطون بلادهم ببريطانيا ربطًا
стр. 229
توثقه جمهرة الأصوات١، وقد ساعد بعض زعماء ثورة ١٩ على نجاح هذه المؤامرة، وذلك بتعلقهم بالحكم وميلهم إلى السلطة، وتمكينهم للأهواء الشخصية والمكاسب الذاتية، وقد استغل كل من القصر والإنجليز هذا الضعف في نفوس هؤلاء الزعماء، فوجهوا الضربات إلى الاستقلال والدستور، والحكم الوطني، بل إلى هؤلاء الزعماء أنفسهم؛ حيث ضربوا بعضهم بالبعض، وأحالوا طاقاتهم الوطنية النضالية، إلى خصومات حزبية نفعية، وهكذا أصبح القصر والإنجليز، والزعامات المنحرفة في جانب العدوان على الحرية والدستور، وأصبحت القوى الوطنية -تقودها بعض الزعامات المخلصة- في جانب الدفاع عن الحرية والدستور، ومكاسب ثورة ١٩ على وجه العموم.
وقد سجل تاريخنا الحديث أن القوى الوطنية كانت تمكن للزعامات المخلصة من السلطة عن طريق الانتخابات، والسير على هدى الدستور، وأن القوى العدوانية المتحالفة ضد مكاسب الشعب، كانت تمكن للزعامات المنحرفة من السلطة عن طريق الانقلابات والمؤامرات، والاعتداء على الدستور، فقد جاءت القوى الوطنية بسعد زغلول إلى الحكم عن طريق الدستور، والبرلمان في أوائل سنة ١٩٢٤، فأطاحت القوى العدوانية بسعد في أواخر العام نفسه، وجاءت بزيور، ومكنت له عن طريق تعطيل الدستور، وحل البرلمان٢، ثم جاءت القوى الوطنية -بعد نضال- بمصطفى النحاس الذي خلف سعدًا في رياسة الوفد، وكان يتمتع بتأييد الأغلبية البرلمانية، وبمساندة الدستور حين جاءت به إلى الحكم تلك القوى الوطنية سنة ١٩٢٨، ولكن القوى العدوانية المتحالفة ضد حرية الشعب ودستوره، وقد أطاحت به في نفس العام، وجاءت بمحمد محمود عن طريق تعطيل الدستور، وحل البرلمان٣، وبعد نضال آخر جاءت القوى الوطنية بمصطفى النحاس للمرة الثانية إلى الحكم
стр. 230
في أول سنة ١٩٣٠، وكان ذلك عن طريق الانتخابات، ورعاية نصوص الدستور؛ ولكن قوى العدوان ما لبثت أن أطاحت به، وجاءت بصدقي بعد شهور من نفس العام، وكان هذا الانقلاب -ككل الانقلابات السابقة- عن طريق تعطيل البرلمان والعبث بالدستور، بل إن هذا الانقلاب قد أضاف إلى التآمر العدواني تزييف دستور خادع يسلب الأمة حقوقها، ويضع مقدراتها في قبضة القصر، كما أضاف إلى ذلك تشكيل برلمان شائه يزور إرادة الشعب ويحل محلها إرادة خصوم الشعب١، وبعد نضال أطول وجهاد أشق أتت القوى الوطنية بمصطفى النحاس إلى وزارته الثالثة في مايو سنة ١٩٣٦، وكان ذلك -كما حدث دائمًا- عن طريق الانتخابات ورعاية الدستور، غير أن قوى العدوان أطاحت به في العام التالي، وجاءت بمحمد محمود عن الطريق الذي سلكته دائمًا تلك القوى العدوانية، وهو طريق العبث بإرادة الشعب الممثلة في برلمانه، والزراية بحقوقه المسطرة في دستوره٢.
هذا، وقد نجحت قوى العدوان أخيرًا في تحويل البقية البقاية من الزعامات الوطنية، التي كانت تتصدر النضال الوطني في تلك السنين، فانحرفت عن الطريق القويم، وتورطت في مهادنة القصر، وفي الاستسلام للإنجليز، هذا الاستسلام الذي أكدته معاهدة ٣٦، التي أبرمت بين مصر وبريطانيا، واشترك في توقيعها عن مصر جبهة تضم ممثلين لكل الأحزاب السياسية العاملة في ذلك الوقت، فقد كانت تلك المعاهدة تحمل في طياتها خديعة كبرى، حيث نصت في مقدمتها على الاستقلال، ثم حوت في صلبها كل ما يسلب هذا الاستقلال٣.
كذلك تورطت البقية الباقية من الزعامات الوطنية في مصادرة الحريات
стр. 231
والإغداق على المحاسيب، واتخاذ التأييد الشعبي -أو الأغلبية البرلمانية- مسوغًا لدكتاتورية حزبية، تعمل من أجل تأكيد سلطانها ونفع أنصارها، وإن كان ذلك على حساب الوطن والمواطنين.
ويرى هذا الانحراف بصورة واضحة، في مسلك مصطفى النحاس، منذ وزارته التي جاءت سنة ١٩٣٦؛ حيث مكن بما تورط فيه من انحرافات، لنجاح المؤامرة التي طوحت بوزارته، وجاءت بوزارة محمد محمود في أواخر سنة "١٩٣٧"١.
كذلك يرى هذا الانحراف بصورة أوضح في مسلك مصطفى النحاس أيام وزارته التي ألفها بأمر الإنجليز في فبراير سنة ١٩٤٢، خلال الحرب العالمية الثانية؛ ففي خلال حكم هذه الوزارة، اتضحت التبعية للاحتلال كما لم تتضح من قبل، واتخذت مساندة الإنجليز وسيلة لقهر الخصوم السياسيين، حتى أصدقاء الأمس الذين جرأوا فقط على النقد، أو المخالفة في الرأي٢.
ومن هنا تفككت القوى الشعبية، وانحرف زعماؤها، وأصبح حزب الوفد -الذي كان في أول عهده يمثل القيادة الوطنية المخلصة -يمثل دكتاتورية حزبية لا تقل ضررًا عن أحزاب الأقلية، بل إن انحرافات هذا الحزب ولدت منه أحزابًا أخرى، أضافت إلى الصراع الحزبي الممزق عناصر جديدة، تلقى الوقود في اللهب.
فقد بدأت الحياة الحزبية في الفترة السابقة بحزب الأمة، والحزب الوطني٣،
стр. 232
أما في هذه الفترة، فقد تحول حزب الأمة أولًا إلى حزب الوفد١، ثم انفصل المختلفون مع سعد -وأكثرهم من رجالات حزب الأمة السابق-، وألفوا حزب الأحرار الدستوريين٢، ومضى الصراع بين الوفد والأحرار حينا إلى أن أنفصل عن الوفد جماعة، وألفوا الهيئة السعدية٣، ثم انفصل آخرون وألفوا الكتلة الوفدية٤، كل هذا بالإضافة إلى تلك الأحزاب التي كانت تظهر أشبه بعمليات الإجهاض غير المشروع،، كحزب الاتحاد الذي افتعل لتأييد زيور٥، وحزب الشعب الذي اصطنع لمساندة صدقي٦.
وهكذا طبعت تلك الفترة من الناحية السياسية بطابع الصراع، الذي يمثل تحالف قوى القصر، والإنجليز والمستوزرين طرفه العدواني، وتمثل القوى الوطنية طرفه المناضل، وبرغم تفوق قوى العدوان، ونجاحها حتى في الانحراف بالبقية الباقية القليلة المخلصة من الزعامات الوطنية، قد تجلت مقاومة الشعب
стр. 233
نفسه في كثير من المواقف المشرقة، التي تشهد بأنه لا يمكن أن يقهر مهما كانت قوى الشر التي تحاربه، أو تحاول تعويق خطاه على طريق النصر، فقد قابل ممثلو الأمة قرارات حل البرلمان في عهود الانقلاب الدستوري، وسد مداخل دار النيابة بالجنود المدججين بالسلاح؛ قابلوا ذلك بالتحدي والاجتماع على شكل برلمان في أماكن أخرى، ثم اتخذوا قرارات جريئة تدين الحكومات الانقلابية بالاعتداء على الدستور والحريات، حدث ذلك في عهد زيور١، كما حدث في عهد محمد محمود٢، كما حدث في عهد صادق٣.
كذلك قابل كتاب الأمة، ومفكروها إجراءات المصادرة وكبت الحريات، بالصيحات الحرة والكتابات الجريئة، التي دفعت بعدد منهم إلى السجن، كما حدث للأستاذ العقاد، حين هاجم فؤادًا الملك الطاغية تحت قبة البرلمان٤.
بل إن كثيرين من أبناء الشعب قد قابلوا القهر بالتمرد، والعدوان بالثورة، وعرضوا أجسادهم لسياط العذاب، بل فتحوا صدورهم لرصاص القتل٥. وتاريخ مصر الحديث مزدان بكثير من أسماء هؤلاء الأبطال الذين سقطوا في سبيل الحرية، وفي مقدمة هؤلاء تأتي أسماء شهداء سنة ١٩٣٥: عبد الحكم الجراحي طالب الآداب، وعبد المجيد مرسي طالب الزراعة،
стр. 234
وعلي عفيفي طالب دار العلوم١.
وبرغم أن قوى العدوان المتحالفة ضد مكاسب الشعب قد حولت الاستقلال إلى لفظ بلا معنى، وجعلت من الحرية شهيدًا تمزقه الحراب، وأحالت النضال الوطني إلى صراع حزبي، وخلقت من الدستور ملهاة يعبث بها القصر والمستوزرون، ومن البرلمان والحكومة مطمعًا يهرول نحوه هواة السلطة، ومحترفو الحكم؛ برغم ذلك كله قد التمعت في تلك الفترة إشراقات كانت ذات أثر بالغ في حياة مصر الاجتماعية والفكرية والأدبية، فقد بقيت الروح الوطنية حية نامية مناضلة، تتطلع إلى غد أكثر إشراقًا، وتبحث عن زعيم أعظم قدرة وأنفذ بصيرة، كما أصبح الناس أشد تعلقًا بالحرية التي كسبوها بدمائهم، وحاولوا جاهدين ممارستها، وتأكيدها في حياتهم، مما جعل من تلك الفترة خطوة واسعة على طريق النصر.
стр. 235
٢- بين نشوة النصر، ومرارة النكسة:
كان لثورة ١٩١٩، ومشاركة كل الطوائف الشعبية فيها، ثم انتهائها ببعض المكاسب، أثر واضح في الشعور بالثقة عند أبناء الشعب، الذين حملوا عبء النضال ثم استشعروا حلاوة النصر، بعد أن ذاقوا ويلات الحرب، ومن قبلها آثام الاحتلال.
وقد تحسنت الأحوال الاقتصادية في أوائل تلك الفترة بعض الشيء، حيث استشعر الناس الاستقرار والأمن، بعد معاناة القلق والخوف، وحيث أنشئت بعض المؤسسات الاقتصادية كبنك مصر وبنك التسليف، فقد أدى بدء الالتفات إلى الصناعة مع شركات بنك مصر، إلى إتاحة الفرصة لطائفة من الأيدي العاملة، على حين أنقذ بنك التسليف كثيرين من الفلاحين، من أيدي المستغلين والمرابين١.
стр. 236
وقد أسهمت تلك العوامل في نمو القوى الشعبية، التي أحسست كيانها وأدركت دورها، وفرضت وجودها على القوى المتصارعة التي اضطرت إلى أن تحس هذا الكيان، وتدرك هذا الدور.
غير أن هذه القوى الشعبية لم تستطع برغم ذلك أن تتصدر، وهذا لعدم إمكانياتها المادية، ولعدم اكتمال قوتها إلى الحد الذي يتيح لها تولي القيادة. فقد كانت السيطرة لا تزال في أيدي الإقطاعيين، الذين كانوا يلقبون بأصحاب المصالح الحقيقية١، والذين كانوا يتولون الزعامة اللاسياسية، ويضمون إلى جانبهم من يتولون الزعامة الفكرية٢، الأمر الذي أعطاهم مزيدًا من القوة، بل مزيدًا من السيطرة؛ فجعل منهم أكثر الحكومات والبرلمانات، وأهم السلطات التي تتصدر طبقات الشعب.
ولقد كان من أسباب بقاء الإقطاعيين مسيطرين على النفوذ والتصدر، أن ثورة ١٩ لم تلتفت إلى التغير الاجتماعي في حياة المصريين، أو بتعبير أدق، لم يلتفت زعماء تلك الثورة إلى أن يجعلوا منها ثورة اجتماعية واقتصادية٣، ولم يتجاوزوا بها هذا المجال السياسي الضيق، والذي انتهى ببعض المكاسب التي تنازع عليها هؤلاء الزعماء، فقد ظلت الزراعة هي عماد الاقتصاد المصري، وبقيت معظم الأراضي الزراعية التي هي عماد هذا الاقتصاد، في أيدي الإقطاعيين، وقد سبب هذا الوضع كثيرًا من الأضرار الاقتصادية، والاجتماعية زيادة على الأضرار السياسية، فبالإضافة إلى سيطرة طائفة قليلة من الطوائف، وتحكمها في مصائر البلاد، كان من أهم الأضرار استغلال الاستعمار لهذا الوضع لصالحه، وذلك بالضغط على السياسة المصرية، وتوجيهها إلى حيث يشاء، فقد تبع بقاء مصر بلدًا زراعيًا، الاهتمام بالقطن كمصدر أول لثروة البلاد،
стр. 237
وتبع ذلك اعتبار بريطانيا لنفسها المستورد الوحيد لهذا القطن، وتبع ذلك الاعتبار تحكمها في ثمنه، أي تحكمها في مصدر الثورة المصرية الأول، ومن هنا كان التخلف الاقتصادي الذي بلغ حد الأزمة في عهد صدقي "من سنة ٣٠ إلى ٣٤"، تلك الأزمة التي عانى منها الشعب كثيرًا من العسر والضيق والتأزم١.
لكن برغم عدم تصدر القوى الشعبية، وبقاء الصدارة لطبقة الإقطاعيين، قد كان لنمو القوى الشعبية أثر واضح في حياة تلك الفترة، وبخاصة من الناحية الأدبية، وسوف نرى في مجال الأدب، كيف عنيت فنون بهذه الطبقة، فاستلهمت جوانب من حياتها، وصورت بعض شخصياتها، وعالجت كثيرًا من مشكلاتها.
هذا ولقد كان من أهم مظاهر الحياة الاجتماعية في تلك الفترة، استقرار تجربة تحرر المرأة، ومشاركتها في كثير من المجالات السياسية، والكفرية والاجتماعية. فبعد أن كان قاسم أمين في الفترة السابقة ينادي للمرأة بالسفور، ويرى الكثير من المعارضة بل المعاداة، نرى المرأة في هذه الفترة قد خرجت إلى كل مجالات الحياة، وشاركت الرجل في تلك المجالات مشاركة توشك أن تكون تامة. وكانت ثورة ١٩ قد ساعدت على هذه الدفعة، حيث شجعت المرأة على الإسهام في الحياة السياسية، حين خرجت أول مظاهرة نسوية سنة ١٩١٩ تطالب بالاستقلال، وتحقيق مطالب البلاد٢، ثم تبع ذلك تأليف لجنة مركزية للسيدات الوفديات سنة ٢٢، شاركت في حركة المقاطعة التي نظمها الوفد ضد الإنجليز، على أثر اعتقال سعد للمرة الثانية٣، ثم دخلت المرأة الجامعة وواصلت مشاركتها في الحياة العلمية٤، كذلك ألفت الجمعيات
стр. 238
النسوية، ومضت تسهم بشكل واضح في الحياة الاجتماعية.
فإذا جاوزنا الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لتلك الفترة، إلى تلمس الجوانب النفسية، أو التعرف على "سيكلوجية" المجتمع حينذاك، رأينا أن النفسية الاجتماعية كانت -في أوائل ذلك العهد- مزيجًا من الشعور باستقلال الشخصية المصرية؛ والإحساس بالحرية الفردية، ثم من روح الثورة والرغبة في التغيير، وقد وصل الشعور بالاستقلال والحرية عند البعض إلى حد الغرور الذاتي أو الفردية الجامحة١، كما بلغ الإحساس بروح الثورة والرغبة في التغيير عند بعض آخر، إلى درجة التمرد أو التخبط، أو الهدم في بعض الأحايين٢.
أما بعد سنوات من ذلك العهد، وبالأخص بعد اتضاح انحراف الزعامات، وافتضاح حيل الاستعمار، وانكشاف تآمر القصر؛ وبعد تحول الاستقلال إلى حماية مقنعة، والدستور إلى خديعة يتلهى بها المستوزرون؛ وبعد التنكيل بكثير من المواطنين، والضغط على الحريات والانتكاس بمكاسب الشعب -بعد أن كان ذلك، قد تحول البعض إلى الشعور بالمرارة والإحساس بخيبة الأمل، مما أدى بطائفة إلى الانطواء على النفس، أو العكوف على الذات، أو الانعزال عن قضايا المجتمع٣، على أن نفرًا من هؤلاء كان يستسلم في انطوائه، وعزلته إلى الحزن واجترار الشكاية والألم٤، على حين كان يستعيض نفر آخر بألوان من المسكنات أو الملهيات؛ فيعيش على فلسفة استمتاعية، تلهي ذاته، وتزيد الهوة بينه وبين قضايا
стр. 239
أمته١، وسوف نرى حين نتحدث عن الأدب، كيف كان مرد الاتجاهات الأدبية المختلفة إلى هذه الأنماط من المشاعر والأحاسيس، بل كيف تشكل النتاج الأدبي عمومًا بهذا الطابع الاجتماعي، وما حدد معالمه من أبعاد.
стр. 240
٣- نمو الحياة الثقافية:
نمت الحياة الثقافية في مصر بعد ثورة ١٩، وكان هذا النمو نتيجة لعوامل عديدة، ومن أهم تلك العوامل: تدعيم الجامعة، واتضاح شخصيتها، بعودة طلائع بعثاتها إلى الوطن، وإسهام هذه الطلائع بنشاط واضح في الحياة الثقافية، وكان من ألمع هؤلاء، الدكتور طه حسين، والدكتور أحمد ضيف، والدكتور علي العناني١، كما كان من أسباب تدعيم الجامعة
стр. 241
واتضاح شخصيتها وضعها تحت إشراف الدولة سنة ١٩٢٥، وضم مدارس الحقوق والطب والعلوم إليها، ثم تتابع١ الكليات الأخرى إلى حرمها بعد ذلك، حتى تمت جامعة مكتملة٢.
كذلك كان من مظاهر نمو الحياة الثقافية في مصر خلال تلك الفترة، إصلاح الأزهر وإنشاء كلياته المتخصصة٣، كما كان من مظاهر نمو الحياة الثقافية أيضًا توسع الدولة في التعليم نسبيًا، وبخاصة في مجال التعليم العام، ثم ازدياد الاهتمام بتعليم المرأة، وإيفاد كثير من البعثات٤، التي لم تقتصر على الجانب الحكومي، بل تعدته إلى الهيئات والمؤسسات، التي يأتي
стр. 242
في مقدمتها بنك مصر؛ حيث أوفد طائفة من أبناء الأمة للتخصص في فنون مختلفة، لينتفع بهم في مجالات الصناعة التي احتضنتها شركات البنك حينذاك١.
على أن هناك أجهزة أخرى غير هذه الأجهزة التعليمية الرسمية، وغير الرسمية قد أسهمت بشكل واضح في النمو الثقافي الذي شهدته البلاد في تلك السنين.
وقد كانت الصحافة أهم تلك الأجهزة؛ فقد استتبع الصراع الحزبي الذي كان سمة السياسية في تلك الفترة، أن أنشأ كل حزب صحيفة أو أكثر، وكان هذا أساسًا لخدمة أغراض الحزب، ولكن رؤي أن ملء الصحف بحديث السياسة وحدها لا يلفت أنظار القراء، ولا يجلب كثيرًا من الأنصار، ومن هنا اهتمت الصحف الحزبية بالنواحي الثقافية التي لا صلة لها بالسياسة، وكان لتلك الصحف كتاب، هم أساسًا من الرواد الثقافيين، لا من الزعماء السياسيين، وهكذا كان لحزب الوفد من الصحف: "البلاغ" و"كوكب الشرق" و"البلاغ الأسبوعي"، وكان له من الكتاب -في أوائل تلك الفترة- طائفة منهم: عباس العقاد وسلامة موسى وعبد القادر حمزة. كذلك كان لحزب الأحرار من الصحف: "السياسة" والسياسة الأسبوعية"٢، كما كان له من الكتاب طائفة منهم: الدكتور محمد حسين هيكل، والدكتور طه حسين، والدكتور محمود عزمي.
стр. 243
وقد كان كتاب صحف الوفد متأثرين بالثقافة الإنجليزية كما كان كتاب صحف الأحرار متأثرين بالثقافة الفرنسية١.
على أن الأمر لم يقتصر على هذه الصحف الحزبية، أو ذات اللون الحزبي الواضح، بل كانت هناك صحافة ثقافية، أو ذات مسلك ثقافي في الظاهر على الأقل، وتمثل مجلتا الهلال والمقتطف هذا اللون من الصحافة، وقد كان يغلب على الأولى الطابع الأدبي، وعلى الثانية الطابع العملي، وأصحاب كل من المجلتين كانوا من المتمصرين الشاميين، الذين يقدرون مصلحة البلاد حينًا، ويخطئونها في كثر من الأحايين٢.
كذلك لم يقف الأمر عند هذين اللونين من الصحافة المسهمة في نمو الثقافة عن طريق الترويج للأحزاب السياسية حينًا، وعن طريق إنجاح المؤسسات الشامية حينًا آخر؛ بل إن صحافة وطنية ثقافية خالصة قد ولدت خلال تلك الفترة، وأدت أجل الخدمات إلى البلاد في تلك السنوات، ومثل ميلادها مرحلة تحول في الحياة الثقافية والفكرية على السواء، وقد تمثلت هذه الصحافة في مجلات "الرسالة" و"الرواية"٣ و"أبوللو"٤ و"الثقافة"٥، وأمثالها.
стр. 244
وهناك جهاز آخر بعد جهاز الصحافة، لا شك أنه قد أسهم بنصيب في تنمية الثقافة في تلك الفترة، هذا الجهاز هو المسرح، فقد ازداد الاهتمام بهذا الجهاز، فأنشئت الفرقة القومية، وجعل على رأسها خليل مطران١، كما كانت قد أنشئت فرق مسرحية أخرى كفرقة رمسيس٢، وقد أسهم هذا النشاط المسرحي الخصب في إفساح آفاق المشاهدين، إلى ما كان من إنضاج فن المسرحية، وإخصاب الأدب المسرحي، على ما سنرى حين يكون الحديث عن الأدب المسرحي في هذه الفترة.
ولا يمكن في مجال الحديث عن الأجهزة الثقافية، وإسهامها في التنمية الثقافية خلال ذاك العهد، أن نغفل السينما، فقد دخلت مصر لأول مرة خلال هذه الفترة٣، وبرغم أنها بدأت بأفلام أجنبية صامتة، وبأفلام عربية صامتة كذلك، ثم ثنت بأفلام ناطقة، ولكنها هزيلة -برغم ذلك قد أدت السينما بدورها خدمات لا تنكر في مجال تنمية الثقافة؛ حيث أطلعت مشاهدين كثيرين على أقطار بعيدة، وأشركتهم في قضايا عديدة، كما حركت خيالهم، ووسعت دنياهم، ونمت مشاعرهم، وزادت من معارفهم.
كذلك لا يمكن أن تغفل الإذاعة في مجال الحديث عن الأجهزة الثقافية التي عرفت في هذه الفترة، فقد دخل المذياع إلى مصر لأول مرة خلال هذه السنين. وبرغم أنه بدأ يتلقى إذاعات إعلانية، ومواد ترفيهية هزيلة مما كانت ترسله
стр. 245
المحطات الأهلية المحلية؛ ما لبث أن خضع لإشراف الدولة١، واهتم بالمواد الثقافية عن طريق البرامج، والأحاديث، والتمثيليات، بل تجاوز ذلك إلى الاهتمام بالمواد الأدبية الخالصة كالأشعار، والقصص والنقد، مما كان له أثر في الحياة الثقافية بعامة، وفي الحياة الأدبية بخاصة.
стр. 246
٤- غلبة التيار الفكري الغربي:
شهدت تلك الفترة تحولًا خطيرًا في الحياة الفكرية، وقد تمثل هذا التحول في تغلب التيار الفكري المتجه إلى الغرب، والمستدبر للشرق، والقائم أولًا على الشعور الوطني لا الإسلامي ولا العربي، والمهتم ثانيًا بالارتباط بالواقع المحلي، واتخاذ الغرب مثلًا أعلى لترقية هذا الواقع والنهوض به، ثم المبتعد آخر الأمر على التراث وتمجيده١.
وقد كان هناك أسباب عديدة دفعت بهذا الاتجاه الفكري إلى الأمام، بعد أن كان في الفترة السابقة يأتي في المحل الثاني، ويكاد ينحصر تفوقه في المجال السياسي والإصلاحي فحسب، مع ترك التفوق في المجال الفكري والأدبي للاتجاه المحافظ المؤمن أساسًا بالفكرة الإسلامية، والمتجه ابتداء إلى تطوير الحاضر بالاتكاء على أمجاد الماضي، وعدم الافتتان بكل ما هو غربي٢.
стр. 247
أما أهم تلك الأسباب التي جعلت من الاتجاه الغربي اتجاهًا رئيسيًا متفوقًا، ودفعت به إلى الأمام في المجال الفكري والأدبي، فأهمها: تلك الروح التي خلفتها الحرب العالمية الأولى، ومن بعدها ثورة سنة ١٩١٩؛ فشأن الحروب والثورات أن تزلزل القيم، وتدعو إلى التغيير، وتدفع إلى التطلع نحو الجديد.
كذلك كان من أهم الأسباب، هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، واتضاح فشل فكرة الخلافة والجامعة الإسلامية، بقيام ثائرين في تركيا نفسها، يلغون الخلافة، ويرفضون الجامعة الإسلامية، وينادون بفكرة الوطنية المحلية١؛ الأمر الذي شجع على تبني الفكرة نفسها في مصر، بل على ظهور كتاب جريء، يقرر أن الخلافة ليست شكلًا حتميًّا للحكم يفرضه الإسلام، وهو كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، أحد كتاب جريدة السياسية٢.
ثم كان من أهم أسباب تفوق هذا الاتجاه كذلك، ازدياد الاتصال بالغرب في المجال الفكري بسبب عودة طائفة من الدارسين في أوروبا إلى مصر، ممن كانوا يؤمنون بهذا الاتجاه الغربي ويروجون له، من أمثال محمد حسين هيكل، ومحمود عزمي وطه حسين.
كما كان من أسباب تفوق هذا الاتجاه، سيطرة روح حزب الأمة على الحياة في تلك الفترة؛ فذلك الحزب الذي أسس ذلك الاتجاه في الفترة السابقة، قد تحول في هذه الفترة أولًا إلى الوفد، حين اشترك أعلامه في تبني القضية الوطنية تحت اسم "الوفد المصري" بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى٣،
стр. 248
ثم تفرع عن هذا الحزب، حزب "الأحرار الدستوريين" مؤلفًا من الخارجين من الوفد، والمعارضين لسياسة سعد زغلول رئيس الوفد١، وهكذا جاء حزب "الوفد" وحزب "الأحرار" امتداد لحزب الأمة، حيث كان على رأس الأول سعد زغلول، المناصر في الفترة السابقة لذلك الحزب، والمؤازر لمفكرة لطفي السيد، كما كان على رأس الثاني عدلي يكن، ثم عبد العزيز فهمي، ثم محمد محمود، وكلهم ربيب حزب الأمة، بل إن ثالثهم كان ابن الرئيس الأول لذاك الحزب٢.
وبرغم أن حزب "الوفد" كان في عهوده الأولى يقود القوى الشعبية، ويمثلها من الناحية السياسية إلى حد كبير، قد كان في المجال الفكري كحزب "الأحرار" يمثل روح حزب الأمة، من حيث الاتجاه إلى الغرب واستدبار الشرق، ومن حيث الاعتماد أساسًا على فكرة الوطنية المحلية، وعدم الاتساع بها إلى فكرة القومية العربية، أو الجامعة الإسلامية.
وقد ساعد على ذلك استخدام هذين الحزبين الرئيسيين -اللذين يمثلان هذا الاتجاه الفكري- لطائفة من الكتاب الكبار، الذين كانوا في جملتهم من أصحاب هذا الاتجاه٣.
стр. 249
وقد بدأ هذا الاتجاه حادًّا في السنوات العشر الأولى من سني هذه الفترة، ومثل ما يشبه المراهقة الفكرية، أو الحيرة "الأيديلوجية" التي تبحث عن المثل في عصبية واندفاع، فتخطئه كثيرًا، ولا تكاد ترى وجه الحق إلا بعد جهد، ومن هنا دعا أصحاب هذا الاتجاه إلى خلق الأدب القومي١، كما دعوا إلى استلهام الماضي الفرعوني٢، ونادوا باتباع الغرب حينًا٣، وبالارتباط بشعوب البحر الأبيض حينًا آخر٤.
ثم بدأ أصحاب هذا الاتجاه يهدئون من ثورتهم، ويعدلون من خطتهم، بل بدأوا يقربون كثيرًا من نقطة الإشراق في الماضي العربي الإسلامي، ويخففون من اندفاعهم نحو كل ما هو غربي، فبدأ الدكتور محمد حسين هيكل، الذي احتضن دعوة الفرعونية حينًا، ودعوة الأدب القومي حينًا آخر، والذي جعل الغرب، وقيمه ورجالاته مثلًا أعلى في بعض الأحايين٥؛ بدأ يكتب عن "حياة
стр. 250
محمد١"، ويهيم في "منزل الوحي٢"، كما بدأ الدكتور طه حسين يحوم "على هامش السيرة٣"، وإن بقي سنوات بعد ذلك أكثر من صاحبه افتنانًا بالغرب وإيمانًا به٤، ثم تبعهما -بعد سنوات- الأستاذ عباس العقاد، فشرع يجلو العبقريات الإسلامية، ويتغنى بالحضارة العربية، ويزداد إيمانًا بتلك الحضارة وأعلامها على مر السنين٥.
أما الاتجاه المحافظ الذي كان له السبق في المجال الفكري خلال الفترة السابقة، فقد أصبح في المحال الثاني، وراحت فكرته السياسية تتطور رويدًا رويدًا لتحل فكرة الجامعة العربية محل فكرة الجامعة الإسلامية٦، كما راح يقاوم بعنف دعوات أصحاب الاتجاه الأول، ويخوض معهم صراعًا فكريًّا٧، تؤججه السياسة والحزبية، والصحافة في كثير من الأحايين٨، لكنه استطاع آخر الأمر، أن يحد من غلواء أصحاب الاتجاه الغربي، بل