← Адаб

Адаб · id 8641

تطور الأدب الحديث في مصر

أحمد هيكل

Полный текст (433 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٤- غلبة التيار الفكري الغربي: شهدت تلك الفترة تحولًا خطيرًا في الحياة الفكرية، وقد تمثل هذا التحول في تغلب التيار الفكري المتجه إلى الغرب، والمستدبر للشرق، والقائم أولًا على الشعور الوطني لا الإسلامي ولا العربي، والمهتم ثانيًا بالارتباط بالواقع المحلي، واتخاذ الغرب مثلًا أعلى لترقية هذا الواقع والنهوض به، ثم المبتعد آخر الأمر على التراث وتمجيده١. وقد كان هناك أسباب عديدة دفعت بهذا الاتجاه الفكري إلى الأمام، بعد أن كان في الفترة السابقة يأتي في المحل الثاني، ويكاد ينحصر تفوقه في المجال السياسي والإصلاحي فحسب، مع ترك التفوق في المجال الفكري والأدبي للاتجاه المحافظ المؤمن أساسًا بالفكرة الإسلامية، والمتجه ابتداء إلى تطوير الحاضر بالاتكاء على أمجاد الماضي، وعدم الافتتان بكل ما هو غربي٢.

стр. 247

أما أهم تلك الأسباب التي جعلت من الاتجاه الغربي اتجاهًا رئيسيًا متفوقًا، ودفعت به إلى الأمام في المجال الفكري والأدبي، فأهمها: تلك الروح التي خلفتها الحرب العالمية الأولى، ومن بعدها ثورة سنة ١٩١٩؛ فشأن الحروب والثورات أن تزلزل القيم، وتدعو إلى التغيير، وتدفع إلى التطلع نحو الجديد. كذلك كان من أهم الأسباب، هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، واتضاح فشل فكرة الخلافة والجامعة الإسلامية، بقيام ثائرين في تركيا نفسها، يلغون الخلافة، ويرفضون الجامعة الإسلامية، وينادون بفكرة الوطنية المحلية١؛ الأمر الذي شجع على تبني الفكرة نفسها في مصر، بل على ظهور كتاب جريء، يقرر أن الخلافة ليست شكلًا حتميًّا للحكم يفرضه الإسلام، وهو كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، أحد كتاب جريدة السياسية٢. ثم كان من أهم أسباب تفوق هذا الاتجاه كذلك، ازدياد الاتصال بالغرب في المجال الفكري بسبب عودة طائفة من الدارسين في أوروبا إلى مصر، ممن كانوا يؤمنون بهذا الاتجاه الغربي ويروجون له، من أمثال محمد حسين هيكل، ومحمود عزمي وطه حسين. كما كان من أسباب تفوق هذا الاتجاه، سيطرة روح حزب الأمة على الحياة في تلك الفترة؛ فذلك الحزب الذي أسس ذلك الاتجاه في الفترة السابقة، قد تحول في هذه الفترة أولًا إلى الوفد، حين اشترك أعلامه في تبني القضية الوطنية تحت اسم "الوفد المصري" بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى٣،

стр. 248

ثم تفرع عن هذا الحزب، حزب "الأحرار الدستوريين" مؤلفًا من الخارجين من الوفد، والمعارضين لسياسة سعد زغلول رئيس الوفد١، وهكذا جاء حزب "الوفد" وحزب "الأحرار" امتداد لحزب الأمة، حيث كان على رأس الأول سعد زغلول، المناصر في الفترة السابقة لذلك الحزب، والمؤازر لمفكرة لطفي السيد، كما كان على رأس الثاني عدلي يكن، ثم عبد العزيز فهمي، ثم محمد محمود، وكلهم ربيب حزب الأمة، بل إن ثالثهم كان ابن الرئيس الأول لذاك الحزب٢. وبرغم أن حزب "الوفد" كان في عهوده الأولى يقود القوى الشعبية، ويمثلها من الناحية السياسية إلى حد كبير، قد كان في المجال الفكري كحزب "الأحرار" يمثل روح حزب الأمة، من حيث الاتجاه إلى الغرب واستدبار الشرق، ومن حيث الاعتماد أساسًا على فكرة الوطنية المحلية، وعدم الاتساع بها إلى فكرة القومية العربية، أو الجامعة الإسلامية. وقد ساعد على ذلك استخدام هذين الحزبين الرئيسيين -اللذين يمثلان هذا الاتجاه الفكري- لطائفة من الكتاب الكبار، الذين كانوا في جملتهم من أصحاب هذا الاتجاه٣.

стр. 249

وقد بدأ هذا الاتجاه حادًّا في السنوات العشر الأولى من سني هذه الفترة، ومثل ما يشبه المراهقة الفكرية، أو الحيرة "الأيديلوجية" التي تبحث عن المثل في عصبية واندفاع، فتخطئه كثيرًا، ولا تكاد ترى وجه الحق إلا بعد جهد، ومن هنا دعا أصحاب هذا الاتجاه إلى خلق الأدب القومي١، كما دعوا إلى استلهام الماضي الفرعوني٢، ونادوا باتباع الغرب حينًا٣، وبالارتباط بشعوب البحر الأبيض حينًا آخر٤. ثم بدأ أصحاب هذا الاتجاه يهدئون من ثورتهم، ويعدلون من خطتهم، بل بدأوا يقربون كثيرًا من نقطة الإشراق في الماضي العربي الإسلامي، ويخففون من اندفاعهم نحو كل ما هو غربي، فبدأ الدكتور محمد حسين هيكل، الذي احتضن دعوة الفرعونية حينًا، ودعوة الأدب القومي حينًا آخر، والذي جعل الغرب، وقيمه ورجالاته مثلًا أعلى في بعض الأحايين٥؛ بدأ يكتب عن "حياة

стр. 250

محمد١"، ويهيم في "منزل الوحي٢"، كما بدأ الدكتور طه حسين يحوم "على هامش السيرة٣"، وإن بقي سنوات بعد ذلك أكثر من صاحبه افتنانًا بالغرب وإيمانًا به٤، ثم تبعهما -بعد سنوات- الأستاذ عباس العقاد، فشرع يجلو العبقريات الإسلامية، ويتغنى بالحضارة العربية، ويزداد إيمانًا بتلك الحضارة وأعلامها على مر السنين٥. أما الاتجاه المحافظ الذي كان له السبق في المجال الفكري خلال الفترة السابقة، فقد أصبح في المحال الثاني، وراحت فكرته السياسية تتطور رويدًا رويدًا لتحل فكرة الجامعة العربية محل فكرة الجامعة الإسلامية٦، كما راح يقاوم بعنف دعوات أصحاب الاتجاه الأول، ويخوض معهم صراعًا فكريًّا٧، تؤججه السياسة والحزبية، والصحافة في كثير من الأحايين٨، لكنه استطاع آخر الأمر، أن يحد من غلواء أصحاب الاتجاه الغربي، بل

стр. 251

استطاع أن يكسب نفرًا من قادتهم، لا في جانب المحافظة والاتجاه إلى الماضي والإيمان بالجامعة الإسلامية، بل في جالنب الاعتدال والإنصاف، والإيمان بروائع التراث العربي، وأمجاد الماضي الإسلامي، حتى كفروا أخيرًا بما دعوا إليه أولًا من محلية ضيقة، وفرعونية منصرمة، وفرنجة تابعة١. وإذا كان هيكل وطه حسين والعقاد يمثلون الاتجاه الغربي، في حدته أولًا ثم في اعتداله أخيرًا، فإن الرافعي وعزام والزيات٢ يمثلون الاتجاه المحافظ،

стр. 252

في صراعه من أجل الفكرة الإسلامية والتراث العربي، وفي انتصاره بعد ذلك في ترويض المندفعين، وحملهم على كثير من الاعتدال. وهكذا أصبح التيار الفكري الرئيسي هو التيار العربي المعتدل، المؤمن بالفكر الغربي، واتخاذه مثلًا أعلى مع الالتفات إلى مواطن الإشراق في الماضي العربي والإسلامي، ومحاولة الإفادة من تلك المواطن ما أمكن، ووراء هذا التيار يأتي تيار أقل قوة منه، وهو التيار المحافظ المؤمن بالفكر العربي الإسلامي، واتخاذه فلسفة ومذهبًا بل حمى يذاد عنه ويحارب من أجله، هذا مع التسليم ببعض جوانب الخير في الحضارة الغربية، ومحاولة الانتفاع بها ولكن بحذر. ووراء هذين التيارين وجد تيار ثالث كان في تلك الفترة أضعف من التيارين السابقين، ولكنه كان ذا أثر في الحياة الفكرية لا يخفى. هذا التيار، هو التيار الغربي المتطرف، الذي كان يؤمن بالغرب وماديته إيمانًا مطلقًا، ولا يرى في الشرق، وروحانيته شيئًا يستحق أن يؤخذ به، وقد تحمس هذا الاتجاه المتطرف لكل الدعوات التي دعا إليها الاتجاه الغربي، وزاد عليها تطرفًا وصل أحيانًا إلى حد الهدم، ومن ذلك الدعوة إلى احلال اللغة العامية محل اللغة الفصحى. وكان يمثل هذا الاتجاه سلامة موسى١، وإذا جاز أن نطلق على الاتجاه الأول الاتجاه الحضاري، وعلى الثاني الاتجاه الروحي، أمكن أن نطلق على الاتجاه الثالث الاتجاه المادي، فقد كان التفكير المادي بخاصة أساس الاتجاه الأخير٢.

стр. 253

وقد عاشت هذه الاتجاهات الثلاثة في الحياة الفكرية خلال تلك الفترة، وأثرت في أدبها تأثيرًا يختلف وضوحًا وخفاء، أو قوة وضعفًا، تبعًا لما كان لكل اتجاه من قوة ونفوذ، أو تبعًا لما كان لكل من ظروف ملائمة وأرض ميهأة، وسوف نرى ذلك كله حين يكون الحديث عن الأدب إن شاء الله، حيث نرى ابتداء أن أبرز نتاج، وأكثره وأهمه كما وكيفًا، هو الذي خلفه زعماء الاتجاه الأول، من أمثال هيكل وطه حسين والعقاد، كما أن النتاج الذي يليه هو نتاج زعماء الاتجاه الثاني، من أمثال الرافعي والزيات وعزام، وأخيرًا يأتي في نتاج الاتجاه المادي المتطرف الذي يتزعمه سلامة موسى، وهذا اللون الأخير برغم فاعليته وتأثيره في جيل تال، لا يعد عنه العبض نتاجًا أدبيًّا بقدر ما يعد كتابة إصلاحية، وفصولًا فكرية ومقالات صحفية.

стр. 254

الأدب وغلبة الاتجاه التجديدي مدخل ... الأدب وغلبة الاتجاه التجديدي: لقد عكس أدب تلك الفترة طابعها العام، ومثل بخاصة أهم معالمها النفسية١ والثقافية والفكرية، فهو أولًا قد سجل الشعور باستقلال الشخصية المصرية، وهو ثانيًا قد صور الإحساس بالحرية الفردية، وهو ثالثًا قد جسم روح الثورة المتطلعة إلى التغيير، وهو رابعًا قد مثل -في بعض جوانبه- هذا التطرف في الشعور بالحرية والاستقلال، والثورة عند البعض، مما وصل إلى حد الذاتية المنعزلة أو الفردية المتقوقعة أحيانًا، وبلغ درجة التمرد أو الهدم في بعض الأحايين، والأدب آخر الأمر قد صور هذا الصراع الذي سببه اصطدام التيار الفكري الغربي بالاتجاه الفكري العربي الإسلامي٢، هذا الصراع الذي تعددت ميادينه، واشتعل أواره، حتى خرج كثيرًا عن الموضوعية، وتقاليد المعارك الأدبية المهذبة٣. فقد كان الشعور باستقلال الشخصية المصرية، والإحساس بالحرية الفردية، والتشبع بروح الثورة، طابع أدب أصحاب التيار الفكري الغربي، ولم يكن من الممكن أن يتركهم أصحاب الاتجاه المحافظ يروجون لدعواتهم، ويدعون لآرائهم، التي يعتبر كثير منها في نظر المحافظين خطرًا على الروح الإسلامي والفكر العربي، ومن هنا قاوموهم وتتبعوا بالرد كثيرًا من نتاجهم، وخاض الطرفان كثيرًا من المعارك الحامية، التي كان مصدرها الاختلاف الفكري بين الجانبين، وليس من شك في أن الصراع الحزبي قد لعب دورًا كبيرًا في إذكاء نار هذا الصراع الأدبي، وليس من شك أيضًا في أن الصحافة قد

стр. 255

أشعلت هذا الصراع، وأن كثيرًا من حدة المعارك الأدبية التي أدت في تلك الفترة، كان وراءه محركات سياسية حزبية١، ودوافع صحفية نفعية، تهم أصحاب الصحف، وتغريهم بإلقاء الوقود في اللهب؛ حتى تجاوزت المعارك ميدانها بين الاتجاهين المختلفين، وانتقلت إلى أصحاب الاتجاه الفكري الغربي أنفسهم، وذلك لانقسامهم بدورهم إلى كتاب وفد، وكتاب أحرار٢. وهكذا صور أدب تلك الفترة -إلى جانب روح التحرر والثورة- ما كان من صراع انتقل من الحياة السياسية إلى الحياة الفكرية، ثم إلى الحياة الأدبية، وهكذا أيضًا كان التحرر والصراع يمثلان أهم جوانب الأدب في تلك الفترة، بحيث يمكن إدراج أهم ألوان النشاط الأدبي تحت هذين المعلمين. ويمكن في هذا المجال أن نضرب المثل ببعض الاتجاهات، والأعمال الأدبية البارزة التي ظهرت في تلك الفترة: لقد ظهرت دعوة إلى وجوب خلق أدب قومي يستلهم الواقع المصري، ولا يستلهم التراث العربي، وتبنى هذه الدعوة طائفة من كتاب "السياسة الأسبوعية٣"، وكان على رأس هؤلاء الكتاب الدكتور محمد حسين هيكل،

стр. 256

الذي تحمس لتلك القضية في كتابه "في أوقات الفراغ"، ثم عاد إليها بعد ذلك في كتابه "ثورة الأدب"، فإذا تأملنا تلك الدعوة، وجدناها تمثيلًا للإحساس باستقلال الشخصية المصرية، وقد تطرفت تلك الدعوة حينًا، فوصلت إلى الدعوة الفرعونية، والمناداة باستلهام الأدب للماضي المصري القديم، باعتبار أن الروح المصري الحديث ليس إلا امتدادًا للروح الفرعوني، برغم تتابع العصور، وتوالي الديانات وتمازج الأجناس.. وقد تبنى تلك الدعوة كذلك بعض كتاب "السياسة"، وتحمس لها بصفة خاصة الدكتور محمد حسين هيكل١، وكان وراءها أيضًا هذا الشعور باستقلال الشخصية المصرية. بل إن هذا الشعور باستقلال الشخصية المصرية، وعدم ارتباطها بالماضي العربي والتراث الإسلامي، قد جمح بالبعض فدعا إلى اصطناع اللغة العامية المصرية، وإحلالها في المجال الفكري والأدبي محل العربية الفصحى، وقد ردد تلك الدعوة طائفة من المتطرفين، من أشهرهم سلامة موسى، وقد سبقه إلى تلك الدعوة بعض العلماء والخبراء الغربيين، الذين لا ترتفع دعوتهم عن مستوى الشبهات٢. وواضح أن الإحساس بالحرية الفردية، والتشبع بروح الثورة كانا يرفدان الشعور باستقلال الشخصية المصرية، عند كل أصحاب هذه الدعوات من كتاب تلك الفترة.

стр. 257

كذلك ظهرت دعوة إلى عدم إجلال التراث العربي، أو التسليم بكل ما جاء منه، ووجوب إخضاعه للمنهج العلمي، وإن شوهه ذلك المنهج، وقد تمثلت تلك الدعوة في عملين أدبيين للدكتور طه حسين، هما "حديث الأربعاء" و"الشعر الجاهلي"، أما "حديث الأربعاء"، فقد نشره المؤلف أولًا على هيئة مقالات ظهر معظمها في السياسة ما بين سنتي ١٩٢٢ و١٩٢٤، ثم ظهر كتابًا سنة ١٩٢٥، وقد تناول طه حسين في هذا الكتاب -ضمن ما تناول- طائفة من الشعراء أصحاب الاتجاه المحدث، من أمثال أبي نواس، ومن سلك مسلكه، وبين كيف أن هؤلاء الشعراء يصورون عصرهم العباسي، عصر لهو ومجون وشك وزندقة، ووجه الأنظار إلى وجوب الاعتماد في صور أمثال تلك العصور العربية، لا على ما جاء في كتب التاريخ، وأخبار الخلفاء فحسب، بل على ما ورد في دواوين الشعر وكتب الأدب، وأخبار الشعراء والأدباء كذلك؛ حتى ولو أدى ذلك إلى تجريد عصر مما خلع عليه من جلال، أو حرمان خليفة مما وهبه التاريخ من تقدير١. أما كتاب "في الشعر الجاهلي"، فقد ظهر سنة ١٩٢٦، بعد أن ألقى الدكتور طه حسين مادته محاضرات على طلبة كلية الآداب في السنة السابقة، وهذا الكتاب يشك في نسبة معظم الشعر الجاهلي إلى الشعراء الجاهليين، ويرى أنه من صنع شعراء إسلاميين، وضعوه بعد العصر الجاهلي لأغراض مختلفة، منها السياسي والقبلي والديني، ثم نسبوه إلى الجاهليين، وهذا يخالف ما عليه التقاليد العربية من أن هذا الشعر من صنع شعراء جاهليين معينين، قالوه في الجاهلية، ورواه عنهم الرواة، وحفظ عن طريق الرواية التي حفظ بها التراث العربي الجاهلي كله، حتى دوِّن في عصر التدوين. وإذا تأملنا تلك النظرة التي نظر بها الدكتور طه حسين إلى التاريخ العربي أولًا، وإلى الشعر الجاهلي ثانيًا، وجدنا أن وراءها شعورًا باستقلال الشخصية المصرية، يحمل على عدم الارتباط بالتاريخ والتراث العربيين، ارتباطًا يحمل

стр. 258

على إجلالهما أو التسليم بما اشتملا عليه، أو استقر حولهما من قضايا. وليس يخفى ما وراء نظرة الدكتور طه حسين كذلك من إحساس قوي بالحرية الفردية، وتشبع هائل بالروح الثورية، مما جعله يخرج على الناس بهذه الآراء التي زلزلت أفكارهم وأثارت مشاعرهم، وجرت عليه كثيرًا من الخصومات والخصوم، حتى تجاوز الأمر الوسط العلمي والأدبي، وعرضت القضية في البرلمان، وأوشكت أن تطوح بالمؤلف خارج الجامعة، لولا أن هدد رئيس الوزارة حينذاك بالاستقالة، فسكنت العاصفة إلى حين، واكتفى بمصادرة الكتاب، الذي أدخل عليه صاحبه بعد التعديلات التي لم تمس فكرته الأساسية، ونشره بعد ذلك باسم "في الأدب الجاهلي"١. كذلك ظهر كتاب "الديوان" للعقاد والمازني في جزأين، ظهر أولهما سنة ١٩٢٠، وثانيهما سنة ١٩٢١، وقد نادى فيه المؤلفان بأسس جديدة للأدب ونقده، كما ناديا أساسًا بعدم محاكاة القدماء، وبالأصالة، وبرفض اتخاذ الأنماط الأدبية القديمة مثلًا للأدب المصري الحديث، وقد ركزا على تحطيم من تمثل فيهم الارتباط بالتراث، ومحاكاة الأدب القديم، وهما شوقي في الشعر، والمنفلوطي في النثر، هذا بالإضافة إلى هجمات أخرى على بعض الشعراء

стр. 259

والكتاب الآخرين، من أمثال شكري والرافعي. وليس يخفى ما وراء هذا العمل من شعور باستقلال الشخصية المصرية،وبالحرية الفردية، وبروح الثورة جميعًا. كذلك ظهر اتجاه شعري يغني ذات الشاعر وأحاسيسه، ويفيض بعاطفته الذاتية لا بعواطف قومه، ويهجر أساليب أسلافه إلى إبداعات فنه، وهو إلى ذلك يهيم بالخيالات المجنحة والمجالات الحالمة، ويهرب من متاعب الحياة وبرودة الواقع، إلى أحضان الطبيعة ودفء الحب. وإذا تأملنا دوافع هذا الاتجاه الشعري١ في تلك الفترة، وجدنا من أهمها الشعور باستقلال الشخصية المصرية، والإحساس بالحرية الفردية، والتشبع بروح الثورة، هذا بالإضافة إلى كثير من الأسى والمرارة واليأس، وغير ذلك من مشاعر خانقة قد خلفتها خيبة الأمل، وسببها الشعور بالنكسة؛ هذا الشعور الذي جرف طائفة من المواطنين، وتمثل في مسلك هؤلاء الشعراء المرهفين، بعد سنوات من بدء تلك الفترة، حين ظهر العدوان على الحرية والعبث بمكاسب الشعب، والتآمر على انتصارات ثورة ١٩١٩. وفي مقال هذه المظاهر التي تصور الشعور باستقلال الشخصية المصرية، والإحساس بالحرية الفردية والتشبع بالروح الثورية، والتي مثلتها أعمال أدباء ممن يسيرون في الاتجاه الفكري الغربي، وجدت مظاهر عديدة تصور وجهة نظر المحافظين أصحاب الاتجاه الفكري العربي، وتصور في نفس الوقت هذا الصراع الذي نشأ من اصطدام الاتجاهين الفكريين، والذي يعتبر الجانب الثاني من جانبي صورة الأدب في تلك الفترة. فقد ظهرت كتابات ترد على الدعوة إلى أدب قومي أو أدب فرعوني، كما ظهرت كتابات تدحض الدعوة إلى العامية، وغيرها من الدعوات التي تدور

стр. 260

كلها حول فكرة الانفصال عن التراث، والماضي العربي الإسلامي، وكانت هذه الكتابات -في جملتها- بأقلام أصحاب الاتجاه العربي الإسلامي، من أمثال محمد رشيد رضا، وشكيب أرسلان، ومصطفى صادق الرافعي١. كذلك كثرت المقالات وتعددت الكتب التي ترد على آراء طه حسين في كتابيه "حديث الأربعاء" و"في الشعر الجاهلي"، وقد حظي كتابه "في الشعر الجاهلي" بصفة خاصة، بعدة كتب ألفها أصحابها في الرد عليه، وأهم هذه الكتب: "تحت رآية القرآن" للرافعي، و"نقد كتاب الشعر الجاهلي" لمحمد فريد وجدي، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" للخضر حسين، و"النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي" للدكتور محمد الغمراوي. كذلك قوبل اتجاه "الديوان" في الأدب والنقد، باتجاه مضاد، مثلًّه كتاب "على السفود" الذي أخرجه مصطفى صادق الرافعي سنة ١٩٣٠، بعد أن نشره مقالات في مجلة العصور، بين سنتي ١٩٢٩و ١٩٣٠. وقد صور هذا الكتاب بعض آراء المحافظين في الأدب والنقد، وجعلها في مواجهة آراء أصحاب الاتجاه الغربي، التي مثَّل بعضها "الديون"، ولكن "على السفود" صور قبل كل شيء حدة الصراع الأدبي، وضراوته التي بلغت ذروتها في ذلك الحين، فقد هاجم الرافعي في كتابه العقاد، وأدبه هجومًا نأى كثيرًا عن الموضوعية، وبعد عن أسس النقد، وقرب جدًّا من السباب الخالص. ومن الحق أن نقرر أنه منذ سنة ١٩٣٢، قد بدأت الحدة التي شهدتها السنوات الأولى من هذه الفترة تخف، فلم نعد نرى مظاهر الشعور الحاد باستقلال الشخصية المصرية، هذا الشعور الذي حمل أحيانًا على الدعوة إلى الانفصال عن الماضي العربي والتراث الإسلامي، ولم نعد نرى مظاهر الإحساس المفرط بالحرية الفردية، هذا الإحساس الذي دفع أحيانًا إلى الجرأة على التراث والسخرية ببعض المقدسات، كذلك لم نعد نرى مظاهر التشبع

стр. 261

المبالغ بروح الثورة، الذي ورط البعض في التخبط، ووصل بهم أحيانًا إلى الهدم. كذلك لم نعد نرى مظاهر الصراع العنيف، الذي أذكته الحزبية والصحافة، ووصل ببعض الأدباء إلى المهاترات والشتائم، ومجانبة ما تمليه روح الأدب في سماحتها ومثاليتها. فمنذ سنة ١٩٣٢، قد بدأت تهدأ تلك الفورة التي خلفتها ثورة ١٩١٩، كما راح يتلاشى هذا الاستخفاف الذي صنعته الحرب العالمية الأولى، كذلك تجلى فشل تجارب القومية الضيقة، والفرعونية المنبتة، والعامية العاجزة، والتغريب المضلل، وانكشف الغرب للمبالغين في التعلق به، عن استعمار جشع، وهنا بدأت موجة التحرر تتعقل، فلا تنفصل عن الماضي العريق انفصالًا، بل تلتفت إليه بين الحين والحين، لتنتقي أروع ما فيه، بل لترتبط به شيئًا من الارتباط، يمد النهضة ببعض القوة ويجعل اليوم المتحفز، مستندًا إلى أمس ركين١. كذلك بدأ الصراع يتحول إلى جدل فكري، وأدب خصب، بعد أن كان معارك كلامية جارحة، تتطاير خلالها الشتائم من غير حساب. وهنا، ومع هذا التحرر وتعقله، وتحول الصراع واعتداله، ظهرت كتابات طه حسين، وهيكل عن محمد ﷺ ، فقد بدأ طه حسين ينشر "على هامش السيرة" في "مجلة الرسالة" سنة ٣٣، ثم أخرجه كتابًا بعد ذلك، وكان هيكل قد بدأ يكتب "حياة محمد"، ويذيع ما يكتب في "السياسة الأسبوعية" منذ سنة ٣٢ حتى استوى كتابه العظيم الذي أخرجه سنة ٣٥. بل إنه أتبع ذلك الكتاب بكتابه الإسلامي الثاني "في منزل الوحي" الذي

стр. 262

أخرجه سنة ١٩٣٦، والذي كتبه بعد أن زار الأراضي الحجازية المقدسة، وفي هذا الكتاب الثاني أعلن الدكتور محمد حسين هيكل توبته عن التطرف في الاتجاه إلى الغرب، واستدبار الشرق، وأكد أن المذهب الذي اهتدى إليه أخيرًا بعد تجارب عديدة، هو وجوب ربط الحضارة المصرية الحديثة بالحضارة العربية القديمة، ولزوم استلهام الفكر والأدب المعاصرين للفكر والأدب الإسلاميين؛ لأن التراث الروحي للعروبة والإسلام، هو أنسب ما يمكن أن تستلهم الروح المصرية التي لم تنفصل قط عن ماضيها في العروبة والإسلام١. وكانت سنة ١٩٣٣، قد شهدت ميلاد "مجلة الرسالة" التي يمثل صاحبها الاتجاه الفكري المحافظ، في شكله الناضج الواعي المثقف، الذي تسلح بثقافة الغرب، ولكن لم يجعلها تغلب في وجدانه روح العروبة والإسلام، وقد استكتب صاحب الرسالة في مجلته زعماء الاتجاه الفكري الغربي، بعد أن خفت حدتهم، فأذاعوا عن طريق الرسالة كتابات تعتبر مرحلة التحول والاعتدال في حياتهم الأدبية والفكرية، كما تعتبر مرحلة التحول والاعتدال في الأدب المصري الحديث أيضًا٢. فمنذ هذا الوقت لم نجد دعوات أدبية مندفعة كالتي عرفت أيام "السياسة"، كما لم نجد خصومات كالتي شهدناها أيام "السفود"، وقد كانت معارك أدبيةٌ تحتدم بين الحين والحين، وعلى صفحات "الرسالة" بالذات، كالمعارك التي كان يخوضها الدكتور زكي مبارك كثيرًا، ولكن تكل المعارك التي حدتها كانت أقرب الموضوعية، وأدنى إلى روح المنطق، وأبعد ما تكون عن السباب، والتجريح الذي عرف في المعارك القديمة. هذا، وقد كان من أهم نتائج التحرر والصراع، اللذين مثلا جانبي الأدب في تلك الفترة، اتضاح الأساليب الأدبية، وتميزها تميز شخصيات

стр. 263

الأدباء؛ فنتيجة للشعور باستقلال الشخصية والإحساس بالحرية، قد حاول كل أن يؤكد ذاته ويميز أسلوبه، ويذيع طريقته، وقد ساعد الصراع على تحقيق تلك الغاية، بدفعه لكل كاتب أن يكون المتفوق والمميز والمفضل، وهكذا تكاملت في هذه الفترة -ولأول مرة- أساليب طه حسين والعقاد والزيات والرافعي، وغيرهم من أعلام الكتاب١. وأخيرًا كان من أهم نتائج الشعور باستقلال الشخصية وبالحرية الفردية، ظهور في فن التراجم الذاتية، تلك التي يؤرخ فيها الأديب لحياته ويكتب عن نفسه، على نحو ما فعل طه حسين في "الأيام" التي بدأ ينشرها مقالات في مجلة الهلال سنة ١٩٢٦، ثم أخرجها في كتاب بعد ذلك٢. وهكذا يمكن أن يقال: إن الطريق الشائك الذي سلكه أدب تلك الفترة، والذي تردد فيه بين الثورية والمحافظة، قد وصل به آخر الأمر إلى معالم محددة، وأول هذه المعالم، أن الأدب قد غلب عليه الاتجاه التجديدي، الذي تزعمه أصحاب التيار الفكري الغربي، وأصبح الاتجاه المحافظ في هذه الفترة في المحل الثاني، بعد أن كانت له الغلبة في الفترة السابقة، كذلك صار مؤيدو هذا الاتجاه المحافظ يبذلون أقصى الجهد لمساندة فريقهم، والاحتفاظ بوجودهم، ويحاولون جاهدين، أن يطوروا أنفسهم ويعدلوا طريقتهم، لكن ذلك لم يمنح أدبهم الصدارة، بعد أن أكد غلبة الاتجاه التجديدي، أعلامٌ مقتدرون، مثل هيكل والعقاد وطه حسين. كذلك كان من أهم المعالم التي انتهت إليها مسيرة الأدب في تلك الفترة، استكمال أهم ملامح شخصيته، واستيفاء بقية فنونه، وسوف نرى تفصيل كل ذلك -إن شاء الله- فيما يلي من فصول.

стр. 264

أولًا: الشعر . ١- تجمد الاتجاه المحافظ البياني: كانت أول ظاهرة تتصل بالشعر في تلك الفترة، هي ظاهرة تجمد الاتجاه المحافظ البياني، الذي نشأ في فترة الوعي على يد البارودي، وما زال يقوى حتى سيطر في فترة النضال على يد شوقي١. ولقد كان من أهم مظاهر هذا الاتجاه في فترة الصراع -التي يساق عنها الحديث- أنه من الناحية الموضوعية لم يضف أي كسب جديد إلى المجالات التي كان يعبر عنها من قبل٢، كما أنه من الناحية الفنية لم يصب أي تطور في أسلوبه الذي عرف به فيما سبق٣. أ- من الناحية الموضوعية: أما من الناحية الموضوعية، فقد ظل هذا الاتجاه يعني في المقام الأول بالأمور العامة، وبخاصة الأمور السياسية والاجتماعية، وإذا كان يلاحظ على تلك الأمور شيء من التغيير، فهو تغيير في شكل تلك الأمور لا في حقيقتها، فكل ما حدث هو نقل الاهتمام من مسألة سياسية إلى أخرى، أو تركيز الاهتمام حول مجال اجتماعي دون آخر، وقد كان ذلك لما طرأ على الحياة السياسية والاجتماعية من تطورات٤.

стр. 265

وهكذا نجد أعلام الاتجاه الشعري المحافظ، يشاركون بشعرهم -خلال فترة الصراع- في القضايا السياسية الداخلية، أكثر مما يهتمون بالشئون الوطنية الخارجية، أو بتعبير أدق، نجدهم يتحولون بشعرهم إلى ميدان الصراع الداخلي. ويولون هذا الميدان اهتمامًا أكثر من الاهتمام بميدان النضال الوطني، فقد أصبح الدستور والبرلمان اهتمامًا أكثر من الاهتمام بميدان النضال الوطني، فقد أصبح الدستور والبرلمان، والأحزاب والزعماء شغل الناس الشاغل، ولما كان من طبيعة هذا الاتجاه المحافظ أن يعبر عما يشغل الناس، وأن يسهم في الحياة السياسية كما يعيشها الناس، نراه في هذه الفترة يهتم في المحل الأول بقضايا الدستور، وأحداث البرلمان، ومشكلات الأحزاب، وتقويم الزعماء، وما إلى ذلك، كل هذا مع اختلاف في وجهات النظر بين الشعراء في بعض المسائل، في ذاك الوقت. فحين تتأهب الامة لتأليف برلمانها بعد أن فازت بالدستور المضطهد، والاستقلال المقيد، يتحدث شوقي سنة ١٩٢٢ عن هذا البرلمان المأمول، ويدعو المواطنين إلى انتخاب الواعين الجديرين بالنيابة، فيقول: دار النيابة قد صفت أرائكها ... لا تجلسوا فوقها الأحجار والخشبا اليوم يا قومن إذ تبنون مجلسكم ... تبنون للعقب الأيام والحقبا١ ويردد الفكرة نفسها في قصيدة أخرى سنة ١٩٢٤، فيقول: دار النيابة هيئت درجاتها ... فليرق في الدرج الذوائب والذرا الصارخون إذا أسيء إلى الحمى ... والذائدون إذا أغير على الشرى لا الجاهلون العاجزون ولا الأولى ... يمشون في ذهب القيود تبخترا٢ ثم يقول سنة ١٩٢٥، منددًا بإغلاق البرلمان، مشهرًا بالعدوان عليه على أثر الانقلاب الدستوري الأول٣.

стр. 266

احتل حصن الحق غير جنوده ... وتكالبت أيد على المفتاح ضجت على أبطاله ثكناته ... واستوحشت لكماتها النزاح هجرت أرائكه، وعطل عوده ... وخلا من الغادين والرواح وعلاه نسج العنكبوت فزاده ... كالغار من شرف وسمت صلاح١ إلى أن يقول في قصيدة أخرى سنة ١٩٢٦، محييًا عودة البرلمان٢، ممجدًا كيانه باعتباره ثمرة لنضال الأمة، من عهد عرابي إلى عهد مصطفى كامل، ومن معركة التل الكبير إلى مأساة دنشواي: بنيان آباء مشوا بسلاحهم ... وبنين لم يجدوا السلاح فثاروا فيه من التل المدرج حائط ... ومن المشانق والسجون جدار أبت التقيد بالهوى وتقيدت ... بالحق أو بالواجب الأحرار في مجلس، لا مال مصر غنيمة ... فيه، ولا سلطان مصر صغار٣ ... وحين تفوز الأمة بالدستور المضطهد، يقول شوقي أيضًا من قصيدة له سنة ١٩٢٤، محذرًا من اتخاذ هذا الدستور مجالًا للهوى الشخصي، أو مثارًا للنزاع الحزبي: وتفيأوا الدستور تحت ظلاله ... كنفًا أهش من الرياض وأنضرا لا تجعلوه هوى وخلفًا بينكم ... ومجر دنيا للنفوس ومتجرا٤ ثم يعود إلى الحديث عن الدستور في قصيدة أخرى سنة ١٩٢٦ مقسمًا به كشيء مقدس، مصورًا ما بذل في سبيله من تضحيات، وما يرتبط به من آمال، فيقول:

стр. 267

.. وبالدستور وهو لنا حياة ... نرى فيه السلامة والفلاحا أخذناه على المهج الغوالي ... ولم نأخذه نيلا واستماحا بنينا فيه من دمع رواقًا ... ومن دم كل نابتة جناحا١ ثم يواصل تمجيده في قصيدة أخرى سنة ١٩٢٦، مؤكدًَا أنه هيكل الحرية الذي من شأنه أن يفدى بالضحايا، وأنه يشاد كما تشاد خنادق المحاربين، تحت وابل من الرماح: صرح على الوادي المبارك ضاحي ... متظاهر الأعلام والأوضاح هو هيكل الحرية القاني، له ... ما للهياكل من فدى وأضاح يُبنى كما تبنى الخنادق في الوغى ... تحت النبال وصوبها السحاح٢ إلى أن يجعله في قصيدة أخرى سنة ١٩٢٧، غاية النعم، التي يهون من أجلها كل حدث، ويغفر للزمن كل ذنب، وفي ذلك يقول: إذا سلم الدستور هان الذي مضى ... وهان من الأحداث ما كان آتيا ألا كل ذنب لليالي لأجله ... سدلنا عليه صفحنا والتناسيا٣ وعلى حين نجد شاعرًا كشوقي يبتهج بالبرلمان، ويمجد الدستور على هذا النحو، نجد شاعرًا آخر كأحمد محرم، يسخط على الدستور، ويلعن اليوم الذي فتح فيه البرلمان؛ وذلك لما رأى من استغلال المستعمر لهذه الملهاة لصرف الجهود الوطنية عن نضاله، وفي ذلك يقول الشاعر: سأتبع يوم السبت ما عشت لعنة ... يطير بها عاد من الطير ضابحُ هو اليوم يوم الشؤم ضج نذيره ... ومر به طير من النحس بارح يقولون: نواب ودار نيابة ... وملك ودستور من الحق واضح

стр. 268

وساوس أقوام مهاذير ما لهم ... من الرأي هاد أو من اللب ناصح١ وحين يتزعم سعد الحركة الوطنية منذ ثورة سنة ١٩١٩، ويتولى رياسة أول حكومة دستورية كانت من مكاسب تلك الثورة، نجد شاعرًا كحافظ إبراهيم يمجده، ويدعو إلى مؤازرته والسير على هديه، فيقول من قصيدة له: يأيها النشء الكرام تحية ... كالروض قد خطرت عليه قبول سيروا على سنن الرئيس وحققوا ... أمل البلاد، فكلكم مأمول أنتم رجال غد وقد أوفى غدٌ ... فاستقبلوه وحجلوه وطولوا٢. لكننا نجد شاعرًا آخر كأحمد محرم يدعو عليه، ويتهمه بتحكيم شهواته، وبالتسامح مع أعداء البلاد، وبالاعتداء على المواطنين، وفي ذلك يقول من إحدى قصائده: جزى الله سعدًا، إنها شهواته ... طغت ريحها، فالشر غاد ورائح أباح حمى مصر وسودانها معا ... فأمعن مغتال وأوغل طامح يسامح أعداء البلاد ويعتدي ... على قومه، شر الحماة المسامح٣ وحين يشتد الخلاف الحزبي سنة ١٩٢٥، نرى سخطًا على تلك الأحزاب حتى من أكثر الشعراء تهليلًا للدستور والحياة النيابية، فشوقي ينعي على الأحزاب هذا الخلاف في عدد من القصائد، ويقول إحداها سنة ١٩٢٥: إلام الخلف بينكم إلاما ... وهذي الضجة الكبرى علاما وفيم يكيد بعضكم لبعض ... وتبدون العداوة والخصاما ولينا الأمر حزبًا بعد حزب ... فلم نك مصلحين ولا كراما٤

стр. 269

كما يقول من قصيدة أخرى في العام نفسه مقارنًا بين اتحاد الأمس أمام الحوادث، وتفكك اليوم في مواجهتها: مشينا أمس نلقاها جميعًا ... ونحن اليوم نلقاها فرداى ومن لقى السباع بغير ظفر ... ولا ناب تمزق أو تفادى١ كما ينعي أحمد محرم كذلك على الأحزاب إسلامها البلاد إلى الفوضى، وإيقاعها بالمواطنين الظلم، فيقول من قصيدة له سنة ١٩٢٥: سائل الأحزاب ماذا عندها ... غير ترجاف ووهم مقلق وتأمل هل ترى اليوم سوى ... دولة فوضى وحكم أخرق فات "نيرون" رجال رزقوا ... من فنون الظلم ما لم يرزق٢ ويقول من قصيدة أخرى في السنة نفسها، داعيًا الشعب إلى الانفضاض عن الأحزاب، والانفصال عن الزعماء الحزبيين، الذين لم يعد لهم هم إلا الكيد والصراع، وإسقاط الوطن صريعًا شهيدًا في معركتهم الخاسرة: دع الزعماء إن لهم لدينا ... يدين بغيره الشعب الرشيد لمن تتألف الأحزاب شتى ... وما هذي الصواعق والرعود تداعوا للوغى فهوى صريعًا ... على أيديهم الوطن الشهيد٣ كما يندد الكاشف بما منيت به البلاد على يد الأحزاب من فرقة أشعلت بين بنيها ما يشبه الحرب التي لا تنقضي، وفي ذلك يقول من قصيدة له سنة ١٩٢٥: تنازع قومي اليوم جند وفادة ... فلم أر إلا سالبًا وسليبا مبادئ أحزاب أرى أم منافعًا ... توالت صنوفًا بينهم وضروبا تقضت حروب العالمين ولم أزل ... أرى بين أبناء البلاد حروبا٤

стр. 270

وحين يكون الائتلاف بين الأحزاب سنة ١٩٢٦، ويتهادن الزعماء، وتنام الفتنة إلى حين، يبتهج شوقي بهذا، بل يتغنى به، فيقول من إحدى قصائده في هذا الوقت: التامت الأحزاب بعد تصدع ... وتضافت الأقلام بعد تلاح سحبت على الأحقاد أذيال الهوى ... ومشى على الضغن الوداد الماحي وجرت أحاديث العتاب كأنها ... سمر على الأوتار والأقداح ترمي بطرفك في المجامع لا ترى ... غير التعانق واشتباك الراح١ وحين يستبد بعض الحكام في عهود الانقلابات الدستورية، نرى بعض الشعراء المحافظين يصبون بشعرهم اللعنات على الاستبداد والمستبدين، وبرغم أن معظم شعر هؤلاء الشعراء في هذا الميدان قد ضاع، أو نسي لما لم يتح له من نشر أو تسجيل، فإن قليلًا منه قد استطاع أن ينجو من وادي النسيان، ويصل إلينا مسجلًا ما كان من مقاومة لهؤلاء الحكام المستبدين، ومن هذا الشعر القليل الذي نجا من الضياع، قول حافظ من قصيدة له في صدقي سنة ١٩٣٢: ودعا عليك الله في محرابه ... الشيخ والقسيس والحاخام لا هم أحي ضميره ليذوقها ... غصصًا وتنسف نفسه الآلام٢ وكما نجد أعلام الاتجاه المحافظ البياني يتحولون بشعرهم إلى ميدان الصراع السياسي، ويولونه اهتمامًا أكثر من اهتمامهم بميدان النضال الوطني، نجدهم كذلك يعبرون عما طرأ على الفكر المصري حينذاك، من تطورات "أيديلوجية" وما أصاب النظرة السياسية من تغيرات٣. فحين تغلب فكرة الوطنية المحلية فكرة الجامعة الإسلامية -في هذه الفترة- نجد أعلام الاتجاه المحافظ يعبرون عن هذا الشعور الوطني، حتى ليتطرف بعضهم فيقدس الوطن تقديسًا، وهذا شوقي يقول للشباب سنة ١٩٢٤:

стр. 271

وجه الكنانة ليس يغضب ربكم ... أن تجعلوه كوجهه معبودا ولوا إليه في الدروس وجوهكم ... وإذا فرغتم فاعبدوه هجودا١ وحين تغذو فكرة الفرعونية الشعور الوطني، وتساندها الكشوف الأثرية، وبخاصة كشف مقبرة توت عنخ آمون؛ نجد الشعر المحافظ يغني الأمجاد الفرعونية، عاكسًا هذا الحماس الملتهب لفكرة الوطنية، التي أصبحت تتكئ على ماض مشرف عريق، ومن هنا نجد لشوقي عددًا غير قليل من القصائد في الآثار المصرية، من بينها أربع قصائد في توت عنخ آمون، وما حوته مقبرته من عجائب، وما أوحى به تاريخه من أمجاد، وما ألهمت قصة آثاره من عظات٢. ومن ذلك قوله في إحدى: تلك القصائد مفاخرًا بالفراعين: مشت بمنارهم في الأرض "روما" ... ومن أنوارهم قبست أثينا ملوك الدهر بالوادي أقاموا ... على وادي الملوك محجبينا تعالى الله كان السحر فيهم ... أليسوا للحجارة منطقينا٣ كذلك نجد لحافظ قصيدته المشهورة "مصر تتحدث عن نفسها"، تلك القصيدة التي نراه فيها يمجد الفراعنة تمجيدًا نحس معه تفضيلهم على العرب، بل نكاد نشم منه اعتبار العرب غرباء عن مصر كاليونان، وفي تلك القصيدة يقول حافظ على لسان مصر، تحت هذا الحماس الذي كانت تزيده فكرة الفرعونية، وتؤججه الكشوف الأثرية الباهرة: إن مجدي في الأوليات عريق ... من له مثل أولياتي ومجدي أنا أم التشريع، قد أخذ الرو ... مان عني الأصول في كل حد وشدا "بنتئور" فوق ربوعي ... قبل عهد اليونان أو عهد نجد٤

стр. 272

وزعماء الاتجاه المحافظ برغم أنهم عنوا كثيرًا بالصراع السياسي، واهتموا بالحديث عن الدستور، والبرلمان والأحزاب والزعماء، وبرغم أنهم صوروا التحول "الأيديلوجي"، وسجلوا الحماس البالغ للوطنية المحلية، وما تؤججه من فكرة فرعونية -برغم ذلك كله، لم ينسوا قضية الإنجليز ووجوب جلائهم، كما لم يحولوا أنظارهم عن إخوانهم العرب والمسلمين، ووجوب الانتصار لهم. أو بتعبير أكثر إيجازًا: لم يصرفهم الاشتغال بالصراع الداخلي، عن النضال في المجال الخارجي، وإن كانوا قد جعلوا من الميدان الأول أهم الميدانين، بل اتخذوا من الميدان الثاني طريقًا لخدمة الميدان الأول في كثير من الأحايين. فنحن أولًا نرى زعماء الاتجاه المحافظ ينددون في مناسبات عددية بالإنجليز، ويشككون في نواياهم، ويحذرون الزعماء من حيلهم، ويتوجسون مما يبدو من خير على أيديهم، ويطالبون بالجلاء للخلاص منهم، ونحن ثانيًا نرى هؤلاء الشعراء قد تعلقت أنظارهم بالأقطار الإسلامية، والبلاد العربية، وسجلوا أهم أحداثها، وغنوا أفراحها وبكوا مآسيها، ولم تخلعهم فكرة الوطنية المحلية، وما تؤججها من فرعونية، من الارتباط شعوريًّا بأبناء دينهم المسلمين وأبناء لغتهم العرب، وظلوا إلى تحركهم في دائرة الوطنية بعمق، يتحركون في دوائر العروبة، والإسلام والشرق، دون تمييز دقيق بين هذه الدوائر في كثير من الأحايين. ونتيجة لعدم نسيان مشكلة الإنجليز، وقضية الجلاء -برغم الاهتمام الزائد بالصراع السياسي- وجدنا شاعرًا كشوقي، يقول في قصيدة له سنة ١٩٢٢ متحدثًا عن مصر، وخديعة الإنجليز لها بتصريح ٢٨ فبراير، وعن وجوب مواصلة النضال ضد المحتلين حتى يتحقق الاستقلال الحق: ربحت من التصريح أن قيودها ... قد صرن من ذهب وكن حديدا يا فتية النيل السعيد خذوا المدى ... واستأنفوا نفس الجهاد مديدا١

стр. 273

ووجدنا الشاعر نفسه يقول من قصيدة له سنة ١٩٢٣، أثناء انعقاد مؤتمر لوزان، متحدثًا عن غطرسة الإنجليز وتجاهلهم لحق مصر، نظرًا لكونها لا تستند إلى قوت تنتزع بها هذا الحق: أتعلم أنهم صلفوا وتاهوا ... وصدوا الباب عنا موصدينا ولو كنا نجر هناك سيفًا ... وجدنا عندهم عطفًا ولينا١ كذلك وجدنا شاعرًا كحافظ إبراهيم يشكك في تصريح ٢٨ فبراير، ويدعو إلى الحذر والنضال، فيقول عن الإنجليز والتصريح: قد حارت الأفهام في أمرهم ... إن لمحوا بالقصد أو صرحوا إني أرى قيدًا فلا تسلموا ... أيديكم، فالقيد لا يسجح حتَّام يمضي أمرنا غيرنا ... وذاك الأحرار لا يملح٢ ثم وجدنا الشاعر نفسه يحذر سعدًا من الإنجليز وأحابيلهم، فيقول من قصيدة له سنة ١٩٢٤: لا تقرب "التاميز" واحذر ماءه ... مهما بدا لك أنه معسول الكيد ممزوج بأصفى مائه ... والختل فيه مذوب مصقول كم وارد يا سعد قبلك ماءه ... قد عاد منه والفؤاد غليل٣ كذلك وجدنا الكاشف يشكك في الاستقلال المقيد الذي خدع به الإنجليز تطلع المصريين، ويندد بحيل المستعمرين وأحابيلهم، فيقول من قصيدة له سنة ١٩٢٣، فيما سمي حينذاك "عيد الاستقلال": يا عيد الاستقلال أنت ... له خيال أم حقيقه للعتق أم للرق ما ... خطوه في تلك الوثيقه إن أطلقوا أمس البلا ... د، فمنهم ليست طليقه وحديقة أضحت ولكن ... للغريب جنى الحديقة٤

стр. 274

وإلى جانب هذا كله، وجدنا الحديث عن الجلاء يتردد في أشعار زعماء الاتجاه المحافظ؛ فشوقي يقول في قصيدة له سنة ١٩٢٤ متحدثًا عن طائفة من الوطنيين بعد الإفراج عنهم، مما سمي حينذاك بالمؤامرة الكبرى: طلبوا الجلاء على الجهاد مثوبة ... لم يطلبوا أجر الجهاد زهيدا والله ما دون الجلاء ويومه ... يومًا تسميه الكنانة عيدا وجد السجين يدًا تحطم قيده ... من ذا يحطم للبلاد قيودا١ ويقول في قصيدة أخرى سنة ١٩٢٥ بمناسبة ذكرى مصطفى كامل: بك الوطنية اعتدلت وكانت ... حديثًا من خرافة أو مناما بنيت قضية الأوطان منها ... وصيرت الجلاء لها دعاما٢ كما وجدنا مجابهة الإنجليز، وتحديهم من الأمور التي تتردد كذلك في شعر هؤلاء الشعراء، فمحرم يقول من قصيدة له سنة ١٩٢٥ في استقبال اللورد "جورج لويد": عميد الغاصبين نزلت أرضًا ... يبيد الغاصبون ولا تبيد يذود الواحد القهار عنها ... إذا قهرت جنودك من يذود أتذكر إذا لقومك ما أرادوا ... وإذا "لكرومر" البطش الشديد تطوف جنوده فتصيد منا ... ومن سرب الحمائم ما تصيد٣ وكذلك يقول حافظ سنة ١٩٣٢ مخاطبًا دار المندوب السامي، ومنددًا بما سموه سياسة الحياد، ليتخلصوا من تبعة ما كان يتورط فيه صدقي من استبداد، وتنكيل بالمواطنين: قصر الدبارة قد نقضـ ... ت العهد نقض الغاصب أخفيت ما أضمرته ... وأبنت ود الصاحب

стр. 275

الحرب أروح للنفو ... س من الحياد الكاذب١ ويقول في نفس السنة مخاطبًا "السير برسي لوين" المندوب السامي، وقتئذ: ألم تخبر بني التاميز عنا ... وقد بعثوك مندوبًا أمينا بأمنا قد لمسنا الغدر لمسا ... وأصبح ظننا فيكم يقينا كشفنا عن نواياكم فلستم ... وقد برح الخفاء محايدينا سنجمع أمرنا فترون منا ... لدى الجلي كرامًا صابرينا٢ ويصل حافظ إلى قمة التحدي حين يقول سنة ١٩٣٢، مخاطبًا الإنجليز: حولوا النيل واحجبوا الضوء عنا ... واطمسوا النجم واحرمونا النسيما واملأوا البحر إن أردتم سفينا ... واملأوا الجو إن أردتم رجومًا إننا لن نحول عن عهد مصر ... أو ترونا في الترب عظمًا رميمًا٣ وواضح أن وطنية شوقي في هذه الفترة أصرح منها في الفترة السابقة، وخاصة فيما يتعلق بموقفه من الإنجليز، والسبب في هذه الصراحة، ما أفاده الرجل بعد عودته من المنفى من انعتاق من قيد القصر، هذا القيد الذي كان يفرض عليه -فيما سبق- أن يربط موقفه بموقف القصر إزاء الإنجليز، الأمر الذي ورطه أحيانًا في مهادنة المحتلين، بل أوقعه في مدحهم. وواضح كذلك أن وطنية حافظ في هذه الفترة، وخاصة في أواخرها قد طرأ عليها شيء من الشجاعة، حتى لنراه يقول للإنجليز ما لم يقله منذ عين في دار الكتب، وحتى لنراه أيضًا يقول لبعض الحكام المستبدين ما لم يقله غيره من الشعراء، والسبب في ذلك أن الرجل كان قد اطمأن بعض الشيء بعد الاستقلال المقيد، وأمن في بعض الفترات أذى المحتلين، كما كان بعد ذلك قد أمضى مدة خدمته في دار الكتب، وأحيل إلى المعاش؛ فلم يعد قيد الوظيفة يعقل لسانه أو يهيض جناحه، ولذا هاجم الإنجليز، وطالب بالجلاء

стр. 276

ولعن المستبد صدقي، ولذا أيضًا وجدنا أهم ما له من شعر وطني في تلك الفترة قد قاله حول سنة ١٩٣٢، وهي سنة إحالته إلى المعاش. ونتيجة لتعلق أنظار هؤلاء الشعراء بالبلاد الإسلامية والعربية، وارتباطهم وجدانيًّا بإخوانهم المسلمين والعرب، وتحركهم في دوائر الإسلامية والعروبة والشرق، إلى جانب تحركهم بعمق في دائرة الوطنية المحلية؛ نتيجة لهذا كله، نجد زعماء الاتجاه المحافظ يتابعون أحداث الخلافة بعد الحرب العالمية الأولى، باكين هزيمة تركيا أولا، ثم مهللين لانتصار مصطفى كمال ثانيًا، ثم جزعين من إلغاء أتاتورك للخلافة آخر الأمر، وهم في كل ذلك مدفوعون بمشاعر إسلامية خالصة، يذكرونها صراحة، ويؤكدونها بترديد أسماء المعالم المقدسة في البلاد الإسلامية، ليخلعوا على تلك المعالم مشاعرهم، وليثيروا -بما تحمله من طاقات شعورية- حماس المسلمين في كل مكان. كما نجد هؤلاء الشعراء المحافظين يسهمون في قضايا البلاد الإسلامية العربية الأخرى، مؤازرين نضالها، مباركين انتصارها، باكين من استشهدوا من أبطالها، وهم في هذه المرة مشيدون بالرابطة الإسلامية والرابطة العربية، التي تذكر كل منهما صراحة أو تكنيه، أو يشار إلى أي منهما بلفظ الشرق، الذي كان يعني الوطن العربي أحيانًا، والوطن الإسلامي أحيانًا، كما تدل على ذلك استعمالات الشعراء في ذاك الوقت١. فحين تُحتل الآستانة، ويتقسمها الإنجليز والفرنسيون والطليان، يتحدث حافظ إبراهيم عن هذه النكبة، فيقول مناجيًا الله سبحانه، في تحسر المسلم على ما كان من ضياع أرض إسلامية عزيزة، وإذلال لإخوة مسلمين أعزاء:

стр. 277

أيرضيك أن تغشى سنابك خيلهم ... حماك، وأن يمنى الحطيم وزمزم وكيف يذل المسلمون وبينهم ... كتابك يتلى كل يوم ويكرم نبيك محزون وبيتك مطرق ... حياء، وأنصار الحقيقة نوم١ وحين ينتصر مصطفى كمال سنة ١٩٢٢، وتنهض تركيا بعد ما منيت به من هزيمة واستسلام، يتحدث شوقي عن هذا الانتصار بلغة المسلم المبتهج بانتصار قائد مسلم في معركة إسلامية، حتى ليذكره هذا النصر القريب في الأناضول بما كان من انتصار بعيد في بدر، وحتى لينقل إليه مصطفى كمال صورة خالد بن الوليد، وحتى ليجعل الفرحة تهز كل جوانب العالم الإسلامي، وتمس كل آثاره المقدسة، وفي ذلك يقول شوقي: الله أكبركم في الفتح من عجب ... يا خالد الترك جدد خالد العرب لما أتيت ببدر من مطالعها ... تلفت البيت في الأستار والحجب وهشت الروضة الفيحاء ضاحكة ... إلى المنورة المكية الترب وأرَّج الفتح أرجاء الحجاز وكم ... قضى الليالي لم ينعم ولم يطب٢ بل يتحدث عبد المطلب عن هذا الانتصار، في حماس أعظم واندماج أشد، حتى ليعتبره انتصارًا لقومه، وفوزًا لآله، وهو في ذلك لا يعتبر نفسه تركيًّا، ولا يتخلى عن شيء من حماسه لوطنه، وإنما يصدر عن هذا الشعور الإسلامي المجمع، الذي يعتبر المسلمين إخوة، وفي ذلك يقول من قصيدة له: لقد ظنوا الظنون بنا سفاهًا ... ورادوا البغي وانتجعوا الخيالا كأم لم يعلموا أن المنايا ... بأيدينا نصرفها نصالا وأن لنا لدى الغارات خيلا ... بحد بنا إلى الموت اختيالا وما يونان -إن جهلت- بكفء ... لنا يوم المغار ولا مثالا٣

стр. 278

وحين يُلغي مصطفى كمال الخلافة، يبكيها شوقي -قبل كل شيء- في حزن المسلم، الذي كان يرى فيها وسيلة تجميعن وتكتيل لقوى المسلمين، ومظهرًا من مظاهر عظمة الإسلام وجلاله، وفي ذلك يقول: ضجت عليك مآذن ومنابر ... وبكت عليك ممالك ونواح بكت الصلاة، وتلك فتنة عابث ... بالشرع عربيد القضاء وقاح أفتى خزعبلة وقال ضلالة ... وأتى بكفر في البلاد صراح إن الذين جرى عليهم فقهه ... خلقوا لفقه كتيبة وسلاح١ كما يتحدث أحمد محرم -كمسلم- عما لقيت الخلافة من خيانات بعض الزعامات العربية الطامعة، والمدفوعة بإغراءات الإنجليز وحيل الاستعمار، فيقول في قصيدة له في المناسبة نفسها: وما نفع الخلافة حين تمسي ... حديث خرافة للهازلينا ثوت تتجرع الآلام شتى ... على أيدي الدهاة الماكرينا منعنا الظلم أن يطغى عليهم ... فخانونا وكانوا الظالمينا نصاب لأجلهم ونصاب منهم ... فإن تعجب فذلك ما لقينا٢ وحين تهب سوريا في ثورتها ضد الاحتلال الفرنسي سنة ١٩٢٥، يسهم الشعراء المحافظون بشعرهم في المعركة، إلى جانب إخوانهم السوريين، حتى لنجد لشوقي وحده ثلاثة قصائد في هذه المناسبة، فهو أولًا يذيع قصيدته النونية المشهورة، مؤكدًا أخوة الإسلام والعروبة، والمأساة بين سوريا ومصر، فيقول: قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا ... مشت على الرسم أحداث وأزمان تغير المسجد المحزون واختلفت ... على المنابر أحرار وعبدان

стр. 279

فلا الأذان أذان في منابره ... إذا تعالى ولا الآذان آذان ونحن في الشوق والفصحى بنو رحم ... ونحن في الجرح والآلام إخوان١ ثم يذيع قصيدته الثانية سنة ١٩٢٦ بمناسبة نكبة دمشق، ويتحدث فيها عن صلات الدين واللسان، والمحنة بين المصريين والسوريين، ويحاول أن يستنهض همم مواطنيه في نضال الإنجليز، بتمجيده لبطولات أبناء سوريا في نضال الفرنسيين، ومن تلك القصيدة يقول شوقي: نصحت ونحن مختلفون دارًا ... ولكن كلنا في الهم شرق وتجمعنا إذا اختلفت بلاد ... بيان غير مختلف ونطق وللأوطان في دم كل حر ... يد سلفت ودين مستحق وللحرية الحمراء باب ... بكل يد مضرجة يدق٢ ثم يذيع قصيدته الثالثة سنة ١٩٢٦ أيضًا، رابطًا بين معاناة قومه من أجل الحرية، ومعاناة إخوانه في سوريا من أجلها أيضًا، ويوضح أن الطريق الوحيد إلى الظفر بها هو طريق الدم، وفي تلك القصيدة يقول: سلوا الحرية الزهراء عنا ... وعنكم: هل أذاقتنا الوصالا وهل نلنا كلانا اليوم إلا ... عراقيب المواعد والمطالا عرفتم مهرها فمهرتموها ... دمًا صبغ السباسب والدغالا٣ وحين يستشهد القائد العربي محمد بن سعيد العاصي في فلسطين سنة ١٩٢٩ ٤، يذيع محرم قصيدة في رثائه، وفيها يستنهض همم المسلمين والعرب من أجل نصرة فلسطين، سابقًا كل الشعراء إلى هذا الميدان المقدس، ومن هذه القصيدة يقول:

стр. 280

نظم المجد لأبطال الحمى ... ونظمت الشعر نارًا ودما يا فلسطين ارفعي تاجيك في ... دولة البأس وزيدي شمما صخرة صماء تحمي صخرة ... علمتها كيف تشفي الصمما أسمت "بلفور" نجوى وعده ... ترتمي حزنًا وتمضي ندما١ وحين يقتل الطليان الشهيد المسلم، عمر المختار سنة ١٩٣١، يذيع شوقي همزيته الرائعة، التي يصور فيها كيف ضجت أفريقيا على البطل العظيم، الذي ركزه المستعمرون -عن جهل- لواء يتجمع تحته المظلومون ليثأروا من ظالميهم. ومن تلك القصيدة قول شرقي: ركزوا رفاتك في الرمال لواء ... يستنهض الوادي صباح مساء يا أيها السيف المجرد في الفلا ... يكسو السيوف على الزمان مضاء أفريقيا مهد الأسود ولحدها ... ضجت عليك أراجلا ونساء والمسلمون على اختلاف ديارهم ... لا يملكون على المصاب عزاء٢ ويذيع محرم قصيدة في نفس المناسبة، معتبرًا المصيبة مصيبة الإسلام والمسلمين، فيقول: هتف النعي فما ملكت بياني ... ليت النعي إلى الإمام نعاني ذعر الحطيم وراع يثرب حائط ... للموت ضج لهوله الحرمان سهم أصاب المسلمين وجال في ... كبد الهدى وحشاشة الإيمان٣ وحين ينكل الصهيونيون بأبناء الإسلام والعروبة في فلسطين، يقول محرم من قصيدة له سنة ٣٨ متنبئًا بما سيجره اغتصاب الأرض المقدسة على الإسلام والعروبة من ويلات، ومثيرًا الهمم إلى خوض معركة الحياة ضد الصهيونية الباغية:

стр. 281

من ذا يرى دمه أعز مكانة ... من أن يخصب في فلسطين الربا وطن يعذب في الجحيم وأمة ... أعزز علينا أن تصاب وتنكبا إنا لنعلم أن آكل لحمهم ... سيخوض منا في الدماء ليشربا١ ب- من الناحية الفنية: أما من الناحية الفنية، فإن زعماء الاتجاه المحافظ البياني ظلوا على طريقتهم في محافظتها على تقاليد الشعر العربي التي حددتها عصور الازدهار، ووقفوا عند ما ألفوا من الاهتمام قبل كل شيء بالجانب البياني، وجعل إتقان الصياغة في المحل الأول٢، شأنهم في ذلك شأن "الكلاسيكيين" الذين تعد الصياغة المتقنة أبرز خصائصهم٣. وليس من شك أنهم أحسوا بحرج موقفهم، وخاصة بعد الهجوم العنيف الذي وجه إليهم من أصحاب الاتجاه التجديدي الذهني، وبصفة أخص، بعد ظهور كتاب "الديوان"، الذي أخرجه العقاد والمازني، وجعلا من أهم أهدافه هدم هؤلاء المحافظين، بتحطيم زعيمهم شوقي عن طريق نقد شعره وبيان ما فيه من تخلف، وبعد عن الفن الشعري الذي يتطلبه العصر٤. وقد عبر حافظ عن هذا الإحساس عند الشعراء المحافظين، حين قال: ملأنا طبقا الأرض وجدًا ولوعة ... بهند ودعد والرباب وبوزع وملت بنات الشعر منا مواقفًا ... بسقط اللوى والرقمتين ولعلع تغيرت الدنيا وقد كان أهلها ... يرون متون العيس ألين مضجع

стр. 282

وكان بريد العلم عيرًا وأينقا ... متى يعيها الإيجاف في البيد تظلع فأصبح لا يرضى البخار مطية ... ولا السلك في تياره المتدفع ونحن كما غنى الأوائل لم نزل ... نغني بأرماح وبيض وأدرع عرفنا مدى الشيء القديم فهل مدى ... لشيء جديد حاضر النفع ممتع؟! ١ غير أن هذا الإحساس لم يتجاوز هذا الاعتراف من جانب حافظ، وبعض محاولات للتجديد لا تنم عن فهم لحقيقته عند رفاق حافظ، ممن حسبوا أن التجديد هو الحديث عن بعض المخترعات الحديثة، كالقطار والطيارة، وما إلى ذلك، وجعل مجرد الحديث عن هذه الأشياء ثورة على الحديث عن الجمل والناقة مثلًا، مع أن من المقررات أن التجديد لا يكون في تناول شيء جديد فحسب، وإنما في طريقة تناول هذا الشيء، بل في طريقة الإحساس به والوقوف منه، قبل طريقة الحديث عنه، وقد تناول الشعراء المحافظون ما تناولوا من مخترعات حديثة بنفس الطريقة القديمة، التي تتناول الشيء من الخارج، وتعدد مظاهره لونًا وحجمًا وفائدة أو ضررًا، دون أن تتعدى ذلك -في الغالب- إلى وقع هذا الشيء على نفس الشاعر، أو تحاول النفاذ من الحدود الشكلية لهذا الشيء إلى ما وراء اللون والحجم، والمظاهر السطحية، بل أكثر من ذلك، قد عبر الشعراء المحافظون عن هذه المخترعات الحديثة، بتلك الأوصاف والتراكيب، والصور التي ألفت، بل استهلكت في الحديث عن أشياء معرفة في القدم، ومن ذلك قول شوقي في الطيارة: أعقابٌ في عنان الجو لاح ... أم سحاب فر من هوج الرياح أم بساط الريح ردته النوى ... بعد ما طوف في الدهر وساح أو كأن البرج ألقى حوته ... فترامى في السموات الفساح٢

стр. 283

جـ- محاولات تجديدية: ولعل المحاولة الوحيدة الجادة في مجال التجديد الشعري من جانب المحافظين هي تلك المحاولة التي قام بها شوقي لتطويع الشعر للمسرح، والحق أن هذه المحاولة ليست وليدة تلك الفترة التي يساق عنها الحديث، ولم يتجه إليها شوقي في تلك السنوات فقط، وإنما بدأها من قبل ذلك بسنين١، ولكن الحق أيضًا، أن شوقي كان قد انصرف عن كتابة المسرحيات الشعرية منذ خاب أمله بعد كتابة مسرحيته الأولى "علي بك الكبير"، التي ألفها في فرنسا سنة ١٨٩٣، ولكنه تحت عبء الإحساس بالجمود، وإزاء الاتهام بالتخلف، وأمام هجمات دعاة التجديد في هذه الفترة؛ اتجه من جديد إلى الشعر المسرحي منذ سنة ١٩٢٧، ووالي إخراج مسرحياته الشعرية من ذلك التاريخ حتى سنة ١٩٣٢، فأخرج في هذه السنوات: "مصرع كليوباترا" و"مجنون ليلى" و"قمبيز" و"عنترة" و"الست هدى"، كما أعاد كتابة مسرحيته الشعرية الأولى "علي بك الكبير" بما يتلاءم مع مستواه الشعري والفني الجديد، وربما يجنبه الأخطاء التي تورط فيها حين أقدم على المحاولة لأول مرة٢. وربما اعتبرت محاولة أخرى لأحمد محرم، في المحل الثاني من هذه المحاولة؛ وذلك أنه أراد أن يطوع الشعر للقصص التاريخي الحماسي الطويل، فألف نحو سنة ١٩٣٣ "ديوان مجد الإسلام٣" ليحكي بالشعر سيرة

стр. 284

الرسول وبطولاته وغزواته، وربما أراد محرم بهذا العمل أن يطرق بالشعر العربي فن الملحمة، ولكنه في الواقع لم يخرج ملحمة بالمفهوم الفني لهذا الجنس الأدبي، وإن طاب لكثير ممن تحدثوا عن هذا العمل أن يسموه "الإلياذة الإسلامية"١. وذلك أن الملحمة في حقيقتها، وكما عرفت -من أروع نماذجها التي خلفها "هوميروس"- تعتمد أساسًا على الأساطير الشعبية، والبطولات الخيالية، التي تصل أحيانًا إلى جعل الأبطال في مصاف الآلهة، أو أنصاف الآلهة، وهي لهذا كله لا تعني بالوقائع التاريخية ولا الأحداث الحقيقية، وإنما تعني قبل كل شيء بالخيال الجامح والتصوير الأسطوري، مما كان يرضي ظمأ الجماهير إلى البطولة الخارقة، وتلهفها على الأبطال الخياليين٢. أما "ديوان مجد الإسلام"، فبرغم اتخاذه سيرة بطل عظيم مادة، وبرغم تسجيله لمعارك وانتصارات باهرات، فإن هذا العمل الشعوي قد التزم الوقائع التاريخية، وسجل الأحداث الحقيقية، ولم يعتمد أصلًا على الأساطير ولم يحكم الخيال؛ ثم هو بعد ذلك قد التزم في البناء الفني شكل القصائد الغنائية المتتالية، التي تؤلف في جملتها ديوانًا ذا موضوع واحد، هو حياة محمد ﷺ ، وبطولاته وغزواته. وقد درج الشاعر على أن يقدم بين يدي معظم القصائد -بمقدمة نثرية تجمل الأحداث التاريخية التي ستعالج فيما يلي من أبيات، كذلك درج على التزام الوزن والقافية في كل قصيدة تعالج فصلًا، أو موضوعًا معينًا، ثم تغيير الوزن والقافية في القصيدة الأخرى، وهكذا. ومن هنا نرى أن أهم تجديد في هذا العمل، هو معالجته في ديوان

стр. 285

كامل لموضوع واحد، هو سيرة الرسول وبطولاته وغزواته، أما بعد ذلك فهو -في جملته- قصائد غنائية تستلهم مادة تاريخية، ولا تؤلف ملحمة إلا على سبيل التجوز، واعتبار الحديث عن البطولة بالشعر المتسم بالطول والإفاضة، كافيًا لإطلاق هذا الاسم١. وهذه أبيات من القصيدة الأولى، التي تحمل عنوان: "مطلع النور الأول"، وفي هذه الأبيات يتحدث الشاعر عن ثبات محمد ﷺ ؛ وعدم استجابته لإغراء قومه بالملك والمال، حتى يصرفوه عن دعوته: جاءه عمه يقول: أترضى ... أن يقيموك سيدًا أو أميرا ويصبوا عليك من صفوة الما ... ل، حيًا ماطرًا وغيثًا غزيرا لو أتوني بالنيرين لأعرضـ ... ـت أريهم مطالبي والشقورا٢ إن يشيروا بما علمت فإنى ... لأدع الهوى وأعصي المشيرا دون هذا دمي يراق، ونفسي ... تطعم الحتف رائعًا محذورًا٣ ... على أن محاولة شوقي برغم نجاحها، إنما كانت محاولة للتجديد في فن الشعر بعامة، وليست محاولة للتجديد في مجال الشعر الغنائي بخاصة، فهي تهدف إلى عمل شعر "درامي"، وهو نوع من الشعر مغاير في حقيقته للشعر الغنائي من الناحية الفنية، وإن خدمت الشعر العربي بوجه عام، وفتحت أمامه ميدانًا من أخصب الميادين.
следующие страницы →