← Адаб

Адаб · id 8641

تطور الأدب الحديث في مصر

أحمد هيكل

Полный текст (433 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أنه كل شيء فيها، لقلت: إن الحياة هي قابلية الألم، وإننا كلما ازداد نصيبنا من الحياة ازداد معه قسطنا من الألم". وليس معنى هذا بالبداهة أنني أمنع الشكوى على المتألمين، فإن الألم الذي لا يشتكي صاحبه فلا فائدة فيه، ولا أنني آبى العطف عليهم؛ فإن النفس التي تتسع للآلام تتسع للعطف عليها، ولكنني أعني أن أجعل الحياة أكبر من ألمها، وأن أقول: إن الحياة التي نألم في سبيلها جديرة أن تكون شيئًا عظيمًا، لا أن أعكس الأمر كما يعكسه بعض الساخطين المتذمرين، فأقول: إنها لحقيرة؛ لأننا نألم في سبيلها١..". جـ- طريقة الرافعي: وإنما فضلت لطريقة الرافعي اسم "طريقة البيان المقطر"؛ لأنه يميل في أسلوبه إلى الناحية البيانية، ويهتم في المقام الأول بجمال الصياغة وروعة الديباجة، ثم؛ لأن بيانه ليس ذلك البيان القريب التناول، البسيط العناصر، الهين الأداء، وإنما هو بيان فيه بعد وتركيب وجهد؛ حيث يجنح صاحبه إلى اعتصار المعاني، وتوليد الأفكرا، ومزج الخواطر، من خلال مجازات مركبة واستعارات بعيدة، وكنايات خفية، فيأت بيانه آخر الأمر أشبه بعملية تقطير لألوان من الزهور المعروفة، والورود المألوفة، والرياحين الشائعة، لاستخلاص عطر مركب مركز غريب، فيه جمال ولكن ليس فيه بساطة، وفيه متعة ولكن ليس فيه جلاء، وفيه فن ولكنه فن المهارة التي تسيطر على الفطرة. وهكذا كان أسلوب الرافعي في النثر قريب الشبه بأسلوب أبي تمام في الشعر؛ تزدحم فيه الاستعارات والمجازات والكنايات والتشبيهات، ولكن في جدة وطرافة وإبداع في كثير من الأحايين، وهذا كله يأتيها من جهة إعمال الفكر وتحكيم المهارة، مما يبعدها كثيرًا عن المألوف، ويجنح بها

стр. 387

إلى غير المتوقع، وقد يسبب ذلك بعض الغموض الذي يصل أحيانًا إلى حد الإلغاز. ومن خصائص طريقة الرافعي -أو طريقة البيان المفطر- أنها تستلهم المعجم القرآني والسني والتراثي على وجه العموم؛ حيث يتكئ الكاتب في كثير من المواطن على لفظة أو عبارة من القرآن الكريم، أو على كلمة أو جملة من الحديث الشريف، أو على حكمة أو مثل أو بيت شعر من مأثورات العرب. ومما يكلم صورة طريقة الرافعي بعد ذلك كله، أنها تميل إلى استخدام بعض البديع، ولكن في اقتصاد وفنية، وبعض هذا البديع يأتي لخدمة الجانب البياني المتصل بروعة الصياغة، كالسجع والجناس، وبعضه يأتي لخدمة الجانب المعنوي الجاانح إلى توليد الأفكار كالمقابلة والتورية. وأهم ما يمثل فن المقالة عند الرافعي وأسلوبه الذي تم له في هذا الفن، تلك المقالات التي كان ينشرها في "الرسالة"، والتي جمع طائفة منها في كتابه "وحي القلم"، وهي تتناول خواطر نفسية، ومشاعر إنسانية، ومواقف إسلامية، وصورًا وصفية، ونظرات إصلاحية، ويغلب عليها جميعًا الطابع العربي، ويشيع فيها الروح الإسلامي، وتتسم في اتجاهها العام بالالتفات إلى التراث. ولعل النموذج التالي يوضح ما ذُكر لطريقة الرافعي من خصائص، وهو جزء من مقال له بعنوان "حقيقة المسلم"، يقول فيه الكاتب: "لا يعرف التاريخ غير محمد ﷺ رجلًا أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله، كما تصب المادة في المادة، لتمتزج بها، فتحولها، فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول به وتنمو، وإذ هو ﷺ وجود سار فيها، فما تبرح الإنسانية تنمو به وتتحول". "كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية، كأنما وهن من طول الدهر عليه

стр. 388

يتحيفه ويمحوه ويتعاوره بالشكر والمنكر، فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد. بدأت به الدنيا تطورها الأعلى، من حيث يرتفع الإنسان على ذاته، كما بدأت من حيث يوجد الإنسان في ذاته، فكانت الإنسانية دهرها بين اثنين: أحدهما فتح لها طريق المجيء من الجنة، والثاني فتح لها طريق العودة إليها، كان في آدم سر وجود الإنسانية، وكان في محمد سر كمالها". "ولذا سمي الدين "بالإسلام"؛ لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية، كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها، فلاحظ له هو من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية به الحظ". "وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ، مبدأ إنكار الذات و"إسلامها" طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها، وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني، أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي، وهو أبدًا يروضها على هذه الحركة ما دام حيًا، فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها ليضعها ما بين يدي حقيقتها الإلهية، يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماة في اللغة خمس صلوات، لا يكون الإسلام إسلامًا بغيرها، فلا غرو كانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها النبي ﷺ : هي عماد الدين، بين ساعات وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة، أي إسلام النفس إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة القائمة على الطاعة للفرض الإلهي، وإنكار المعاني الذاتية الفانية التي هي مادة الشر في الأرض، وإقرارها لحظات في حيز من الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها، ومعنى ذلك كله تحقيق المسلم لوجود روحه، إذا كانت أعمال الدنيا في جملتها طرقًا تشتت فيه الأرواح وتتبعثر، حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه، فتنكرها ولا تعرفها". "وهذا الوجود الروحي هو مبعث العقلية التي جاء بها الإسلام؛ ليهدي الإنسانية إليها، حالة السلام الروحاني الذي يجعل حرب الدنيا

стр. 389

المهلكة حربًا خارج النفس لا في داخلها، ويجعل ثروة الإنسان مقدرة بما يعامل الله والإنسانية عليه، فلا يكون ذهبه وفضته مما كتب عليه "ضرب في مملكة كذا"، ولكن ما يراه هو قد كتب عليه "صنع في مملكة نفسي"، ومن ثم لا يكون وجوده الاجتماعي الأخذ فحسب، بل للعطاء أيضًا، فإن قانون المال هو الجمع، أما قانون العمل فهو البذل". "بالانصراف إلى الصالة، وجمع النية عليها يستشعر المسلم أنه حطم الحدود الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان، وخرج منها إلى روحانية لا يحد فيها إلا بالله وحده". "وبالقيام في الصلاة يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على الجسم كله ليمتزج بجلال الكون ووقاره، كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح بحمده". "وبالتولي شطر القبلة في سمتها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض، يعرف المسلم حقيقة الرمز للمركز الثابت في روحانية الحياة، فيحمل قلبه معنى الاطمئنان، والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها". "وبالركوع والسجود بين يدي الله، يشعر المسلم نفسه معنى السمو، والرفعة على كل ما عدا الخالق من وجود الكون". "وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات، يكون المسلم جالسًا فوق الدنيا يحمد الله، ويسلم على نبيه وملائكته ويشهد ويدعو". "وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالًا جديدًا من جهتي السلام والرحمة". "وهي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا، لجمح الشهوات، وتقييدها بين وقت وآخر بسلاسلها، وأغلالها من حركات الصلاة، ولتمزيق الفناء كل يوم خمس مرات عن النفس، فيرى المسلم من ورائه حقيقة الخلود، فتشعر روحه أنها تنمو وتتسع، هي خمس صلوات، وهي كذلك

стр. 390

خمس مرات يفرغ فيها القلب مما امتلأ به من الدنيا ... ١". د- طريقة الزيات: كذلك آثرت تسمية طريقة لازيات باسم "طريقة البيان المنسق"؛ لأن هذا الكاابت أولًا يميل في أسلوبه إلى الناحية البيانية، ويجعلها في المحل الأول، ثم؛ لأنه ثانيًا لا يعمد إلى البيان البسيط أو إلى البيان المركب، وإنما إلى البيان الذي يقوم على التنسيق والهندسة، فالجملة فيه تعادل الجملة، بل الكلمة تقابل الكلمة، والفقرة توازي الفقرة، حتى ليتألف من الكلمات والجمل والفقرات لوحة بيانية تتقابلب خطوطها، وتتعادل مساحاتها وتتوازن ألوانها، كاللوحات التي ترسم على مسطح قسم أولًا إلى مربعات، كيلا ينحرف خط أو تزيد مساحة، أو يجور لون. والزيات يهتم -لتحقيق ذلك- باستخدام ألوان من المحسنات، ولكن في مهارة فائقة، ورشاقة شفافة، وبعض هذه المحسنات يأتي به لتحقيق التناسق الصوتي كالسجع والجناس، وبعضها يأتي به لتحقيق التناسق المعنوي كالمقابلة والطباق. وهكذا يحس قارئ مقالة الزيات، أنه أمام عمل هندسي مصمم مقسم مهندم، قد اعتنى فيه بالحرف والمقطع والكلمة، مثل العناية بالجملة والعبارة والفقرة. فلا تثقل كلمة وتخف كلمة، ولا تطول عبارة وتقصر عبارة، ولا يوضع جزء من الجملة "نشازًا" دون جزء آخر يقابله ويسانده، ويكون معه عملًا جماليًا أساسه التناسق والتعادل. وأهم ما يمثل فن المقالة عند الزيات، تلك المقالات التي كان يفتتح بها أعداد مجلة "الرسالة"، والتي جمع أكثرها بعد ذلك في مجلدات باسم "وحي الرسالة"، وتلك المقالات تتنوع بين أدبية وسياسية ووصفية، ويغلب عليها وفرة العناية بالإطار، وشدة رعاية جانب الشكل، حتى ليقل الزاد الفكري

стр. 391

فيها، ويتضاءل المضمون بها في كثير من الأحايين، ولكنها تبقى -برغم ذلك- باهرة بإشراق صياغتها، أخاذة بروعة بيانها، هذه الروعة التي تجعل منها في بعض الأحيان شيئًا شبيهًا بالشعر، وخاصة في الموضوعات العاطفية والوصفية. وهذا نموذج "لطريقة البيان المنسق" التي عرف بها الزيات تتضح فيها أهم سمات تلك الطريقة التي سلف عنها الحديث، والنموذج جزء من مقال للكاتب بعنوان: "أوروبا والإسلام"، وفيه يقول: "شيع الناس بالأمس عاما قالوا: إنه نهاية الحرب، واستقبلوا اليوم عامًا يقولون إنه بداية السلم، وما كانت تلك الحرب التي حسبوها انتهت، ولا هذه السلم التي زعموها ابتدأت، إلا ظلمة أعقبها عمى، وإلا ظلامًا سيعقبه دمار! ". "حاربت الديمقراطية وحليفتها الشيوعية عدوتيهما الدكتاتورية، وزعمتا للناس أن أولاهما تمثل الحرية والعدالة، وأخراهما تمثل الإخاء والمساواة، فالحرب بينها وبين الدكتاتورية التي تمثل العلو في الأرض،والتعصب للجنس والتطلع إلى السعادة، إنما هي حرب بين الخير والشر، وصراع بين الحق والباطل، ثم أكدوا هذا الزعم بميثاق خطوه على مياه "الأطلسي"، واتخذوا من الحريات الأربع التي ضمنها هذا الميثاق مادة للدعاية شغلت الإذاعة والصحافة والتمثيل، والتأليف أربع سنين كوامل، حتى وهم ضحايا القوة وفرائس الاستعمار أن الملائكة والروح يتنزلون في كل ليلة بالهدى والحق على روزفلت، وتشرشل وستالين، وأن الله الذي أكمل الدين وأتم النعمة وختم الرسالة، قد عاد فأرسل هؤلاء الأنبياء الثلاثة في واشنطن ولندن وموسكو، ليدرأوا عن أرضه فساد الأبالسة الثلاثة في برلين وروما وطوكيو! وعلى هذا الوهم الأثيم بذلت الأمم الصغرى للدول الكبرى قسطها الأوفى من الدموع والدماء والعرق؛ فأقامت مصر من حريتها، وثروتها وسلامتها في "العلمين" سدًّا دون القناة، وحجزت تركية

стр. 392

بحيادها الودي سيل النازية عن الهند، وفتحت إيران طرقها البحرية والبرية ليمر منها العتاد إلى روسيا، ولولا هذه النعم الإسلامية الثلاث لدقت أجراس النصر في كنائس أخرى". "ثم تمت المعجزة وصرع الجبارون ووقف الأنبياء الثلاثة، على رءوس الشياطين الثلاثة، يهصرون الأستار عن العالم الموعود، وتطلعت شعوب الأرض إلى مشارق الوحي في الوجوه المقدسية، فإذا اللحى تتساقط، والقرون تنتأ، والمسابح تنفرط، والمسوح تنهتك، وإذا التسابيح والتراتيل عواء وزئير، والوعود والمواثيق خداع وتغرير، وإذا الديمقراطية والشيوعية والنازية والفاشية كلها ألفاظ تترادف على معنى واحد، هو استعمار المشرق واستعباد أهله! ". "إذن برح الخفاء وانفضح الرياء، وعادت أوروبا إلى الاختلاف والاتفاق على حساب العرب والإسلام١ ... ". هـ- طريقة المازني: وأخيرًا فصلت لطريقة المازني اسم "طريقة الأداء المصري"؛ لأن هذا الكاتب يميل في أسلوبه إلى أن يؤدي مشاعره وأحاسيسه وأفكاره وانطباعاته، بروح مصرية، وبلغة فيها ظلال لغة المصريين، فهو يميل إلى الدعابة والسخرية وإبراز المفارقات، مما عرفت به الروح المصرية في تناولها للأشياء، ثم هو يعمد إلى البساطة واليسر في التعبير، ويستخدم -غالبًا- الألفاظ الأليفة التي تعودتها الآذان، ويلجأ إلى العبارات المأنوسة التي ألفتها الألسنة٢، وهو يؤثر من هذه وتلك ماله رصيد نفسي مصري، وإشعاع شعبي غني، ما دامت الفصحى لا تنكرها، والعربية السليمة لا ترفضها، بل إنه في

стр. 393

كلفه بمثل تلك الألفاظ والتعابير، يوشك أن يجري جريًا وراء اللفظة الشعبية والعبارة المصرية التي تحاشاها الاستعمال المتفاصح، حتى ظُن أنها ليست عربية. وفوق كل هذا يكلف المازني بالمثل الشعبي كما يكلف برسم الصورة المصرية التي تستمد عناصرها من البيئة المحلية، ومن البيئة القاهرية على وجه الخصوص. والمازني في كل ذلك قاصد إلى الأداء بأسلوب فيه ظلال اللغة المصرية، كما هو قاصد بسخريته ودعابته ومفارقاته إلى الأداء بأسلوب فيه عطر الروح المصرية كذلك، ومن تآزر عطر الروح المصرية، وظلال اللغة المصرية في أسلوب المازني، يتحقق ما سميته "بطريقة الأداء المصري". على أننا نجد في أسلوب المازني أحيانًا بعض الألفاظ الغربية، أو المغالية في مستوى الفصاحة، وأغلب الظن أنه يستخدم مثل تلك الألفاظ في معارض السخرية، أو إظهار المفارقة أو الإضحاك، كأن يخاطب متعاليًا بقوله: "أيها الفطحل"، وكأن يتحدث عن متحذلق بقوله: "إنه من الجهابذة"، وكأن يقول عن حالته امتلائه: "إنه شعر بالكظة". وبرغم هذا "الأداء المصري" في طريقة المازني، قد كان -غالبًا- لا يتورط في إهمال قواعد اللغة أو اللجوء إلى الألفاظ، أو التراكيب العامية، وإنما كان يحافظ على الإطار اللغوي الفصيح، في قواعده، وتراكيبه ومفردات ألفاظه، اللهم إلا ما قد يكون من استعمال للفظة هنا أو عبارة هناك، حين يفرضها رسم لجو ما، أو يحتمها تصوير لشخصية معينة، أو يدعو إليها إيحاء خاص. وهذا نموذج يصور إلى حد كبير طريقة المازني، أو "طريقة الأداء المصري"، وسماتها التي سلف عنها الحديث، والنموذج جزء من مقال للمازني بعنوان "بين القراءة والكتابة"، وفيه يقول: "مضت شهور لم أكتب فيها كلمة في الأدب؛ لأني كنت أقرأ! والقراءة والكتابة عندي نقيضان، وقد كنت -وما زلت- امرءًا يتعذر عليه، ولا يتأتى له، أن يجمع بينهما في فترة واحدة، ولكم أطلت الفكر في ذلك

стр. 394

فلم يفتح علي بتعليل يستريح إليه العقل ويأنس له القلب، وما أظن بي إلا أن الله جلت قدرته قد خلقني على طراز "عربات الرش"، التي تتخذها مصلحة التنظيم -خزان ضخم يمتلئ ليفرغ، ويفرغ ليمتلئ! وكذلك أنا فيما أرى؛ أحس الفراغ في رأسي، وما أكثر ما أحس ذلك! فأسرع إلى الكتب ألتهم ما فيها وأحشو بها دماغي، هذا الذي خلقه الله لي خلقة عربات الرش كما قلت! حتى إذا شعرت بالكظة وضايقني الامتلاء، رفعت يدي عن ألوان هذا الغذاء، وقمت عنه متثاقلًا متثائبًا من التخمة، فلا ينجيني إلا أن أفتح الثقوب وأسح! وهكذا دواليك! "ولكم قلت لنفسي: أهذا الذي ركبه الله لك يا مازني بين كتفيك، رأس كرءوس الناس أم معدة أخرى؟؟ وأداة نظر وإدراك وتفكير هو أم مخزم يكتظ حينا ويخلو أحيانًا تبعًا لانتقال الأحوال بك؟ والحق أقول: إن الجواب يعييني؟ وإذا لم أكن قد ركبت من الوهم شر الحمير! فالناس في الأكثر والأعم إنما يعالجون الكتابة؛ لأن في رءوسهم فكرة أو خالجة، كائنة ما كانت، يبغون العبارة عنها والإفصاح بها، ولست أرى كذلك، ولقد يخيل إلي في بعض الأحايين أن في نفسي معنى معينًا، ويؤكد ذلك عندي ويقرر اعتقاديه، ما أحسه من جيشان الصدر واضطرابه، فأذهب ألتمس هذا المعنى أو الخاطر، فإذا به قد تبخر! وإذا بي كابني حين يجلس إلى جانبي ويحاول أن يقبض على الدخان الذي يتصاعد من سيجارتي، وأنا أضحك من هذا الذي يحاوله، وألهو به وأقول: إنه يجرب في عالم المحسوسات بعض ما أعانيه في عالم المعنويات! " ... وأحيانًا أفعل هذا: أسأل نفسي "أفي رأسك شيء؟، وأعني بالشيء ماله قيمة، لا أي شيء على الإطلاق، فتساورني الشكوك، فأنقر بأصبعي على جوانب رأسي كمن يريد أن يتبين من الرنين مبلغ الخلو! وربما أسفت؛ لأني لا أستطيع أن أتناول رأسي هذا، وأن أقلبه بين كفي، وأن أفعل به ما يفعل المرء حين يختبر البطيخ!

стр. 395

" ... وأمري مع الكتب أغرب، كنت في أول عهدي بها -أي منذ عشرين سنة أو نحو ذلك- أذهب في أول كل شهر إلى واحد من باعتها، فيتقدم إلى العامل سائلا عن حاجتي فأبينها له، فيرفع رأسه إلى الرفوف، ويدور حول نفسه وهو في مكانه، ثم يلتفت إلي وعلى شفته -دون عينيه- ابتسامة جهل وغباء، ويهز لي رأسه أسفًا، فأنحيه عن الطريق وأمضي إلى الرفوف وأجيل عيني فيها، وآخذ منها ما يروقني، وأنصرف عن الحانوت بأثقل من حمل حمار! وأغرق فيها بقية الشهر إلى ما فوق الأذنين، إن كان فوقهما شيء يستحق الذكر! ". " ... وإني لأمر الآن بالمكاتب فأشيح بوجهي عنها وأغمض عيني دونها، ويردني الكتاب بكرهي فأتركه حيث يقع، وأهمله الأسابيع والشهور، وإذا فتحته اكتفيت بأن أعبره تزجية للوقت، ولم أبال من أي موضع بدأت، وسيان عندي أن أقرأه من أوله إلى آخره، أو من آخره إلى أوله، أو أن لا أقرأه، وقد تعاودني الحمى القديمة، ويتأوبني الحنين الماضي إلى الكتب، فأدافع نفسي عنها ما استطعت، فإن عجزت وغلبت على أمري، طاوعتها على حذر وسايرتها متحفزًا، وذهبت أتخير لها الكتب وأنتقيها، ومهما يكن من الأمر، فلست الآن ذلك الذي كان كأنما يعبد منها دمى وأصنامًا، ولقد غنمت أول فرصة سنحت فبعتها جملة، وتحريت بعد ذلك أن أزداد جهلًا! ". "ولكن الزامر يموت وأصابعه تلعب! كما يقول المثل العامي، وللعادة حكم! لا يقوى المرء كل حين على مغالبته، والنفس لا تطاوع المرء دائمًا على ما يريدها عليه من الخمود والتبلد، وقد يزعج المرء أن يرى نفسه يقضي أيامه بطين الجسد وحده، أو يموتها على الأصح؛ فإن من الموت أن يستحيل الإنسان جثة خامدة المتقد لا ينقصها إلا الرمي، وما لا يصح سلوى ومتعة قد يصلح دواء، وعسير على من تعنود أن يحس الحياة بأعصابه العارية أن يروض نفسه على التبلد ويخلد إلى الركود، فلا عجب إذا كنت أقبل على المطالعة حينًا بعد حين١".

стр. 396

المقالة وتميز الأساليب الفنية ... ومن سمات هذه الطريقة بعد هذا، الابتعاد عن الزخرف بكل ألوانه، وذلك باستثناء بعض السجع الذي قد يؤتي به قليلًا في المواقف المحتاجة إلى رنين يقرع السمع، كمواقف السخرية والتحدي والدعابة، وما إلى ذلك. ويمكن أن نتبين طريقة "التعبير المحكم" التي أسمينا بها طريقة العقاد، في هذا النموذج التالي، وهو جزء من مقال للكاتب الراحل بعنوان "الألم واللذة"، وفيه يقول: "أما أن الألم موجود في هذه الدنيا فمما لا يختلف فيه اثنان، وأما أنه فوق ما تقبله النفوس فمما لا يختلف فيه إلا القليل، وأما أنه نافع أو غير نافع ومقدم للحياة أو مثبط لها، فذلك ما يختلف فيه الكثيرون". "ورأيي في هذا الخلاف أن الألم ضرورة من ضرورات الحياة، وحسنة من حسناتها في بعض الأحيان، وحالة لا تتخيل الإنسانية بدونها على وجه من الوجوه". "أما تفصيل هذا الرأي، فهو أن الشعور بالنفس يستلزم الشعور بغير النفس؛ فهذه الـ"أنا" التي تقولها، وتجمل فيها خصائص حياتك، ومميزات وجود وتعرف بها نفسك مستقلا عما حولك منفردًا بإحساسك، هي نصيبك من الحياة الذي لا نصيب لك غيره، وهي تلك "الذات" التي لا تشعر بها إلا إذا شعرت بشيء مخالف لها في هذا العالم الذي يحيط بها، فأنت لا تكون شيئًا له حياة ولذات وآلام ومحاب ومكاره، إلا إذا كانت في العالم أشياء أخرى غيرك، ولا تكون هذه الأشياء الأخرى معك إلإ إذا كان منها ما يلائمك، وما لا يلائمك، أو ما يسرك وما يؤلمك". "فإذا أردت حياة لا ألم فيها، فأنت تريد إحدى حياتين: فإما أن تكون وحدك في هذا الوجود، وهذا حياة لا يتخيل العقل كيف تكون، ولو تخيلها لما أطاق احتمالها، وكيف ونحن نرى أن الأديان الكبرى كلها تعلمنا أن الله خلق الخلق ليعرفه غيره بعد أن كان ولا شيء سواء؟؟ فإذا كانت النفس البشرية لا تقوى على أن تتصور إلهًا منفردًا بالوجود، فكيف تراها تطيق

стр. 397

٢- الخطابة وازدهارها: توفرت للخطابة في هذه الفترة عوامل عديدة دفعت بها أشواطًا في سبيل الرقي، حتى تجاوزت مرحلتي الانتعاش والنشاط إلى مرحلة التألق والازدهار، وبرغم أن أهم أنواع الخطابة في هذه الفترة كانت الأنواع السياسية، والقضائية، والدينية والاجتماعية -وهي الأنواع التي عرفت من قبل- فقد ارتقى كل نوع من تلك الأنواع رقيا ملحوظًا بما أتاحت له ظروف تلك الفترة من عوامل الرقي، ووسائل الازدهار. أما الخطابة السياسية، فقد أتيح لها هذا الشعور الشديد بالحرية، والاعتزاز البالغ بالأوضاع الديمقراطية، مما أعقب ثورة سنة ١٩١٩، كما أتيح لها النشاط السياسي الزائد، والصراع الحزبي العنيف، مما أعقب نيل البلاد للاستقلال الشكلي، وفوزها بالدستور الشهيد، ثم فتحها للبرلمان المضطهد، وغرقها في الحزبية المتناحرة١. وقد كانت كل هذه العوامل مما منح الخطاب السياسية مزيدًا من النشاط ومزيدًا من التجويد، حتى ازدهرت في المجالين الرسمي، وغير الرسمي كما لم تزدهر من قبل. ففي المجال الرسمي -الذي كان يتمثل في البرلمان- كانت الخطابة السياسية وسيلة الحكومة لبسط خطتها، والإقناع بسياستها والدفاع عن موقفها، وكسب الثقة بها، كما كانت الخطابة أيضًا وسيلة المعارضة ضد الحكومة،

стр. 398

في تفنيد ما ترسم من خطة ونقض ما تتخذ من سياسة، وإضاعة ما تنال من ثقة١. وفي المجال غير الرسمي -وهو أفسح المجالات- كانت الخطابة السياسية من أقوى وسائل الأحزاب في كسب الأنصار، وهزيمة الخصوم ومحاولة الوصول إلى الأهداف، فالحزب غير الحاكم، كان يعقد الاجتماعات السياسية، ويقيم المؤتمرات الشعبية، ليعرض أخطاء الحكومة، ويبسط أهدافه في السياسة، ويسرد وعوده إذا حكم، كل هذا على ألسنة الخطباء المحاولين لكسب الجماهير بالكلمة المنطوقة الآسرة٢. وفي كثير من الأحيان كان يحاول خطباء الحزب الحاكم -أو الأحزاب الحاكمة- أن يدافعوا عن سياسة الحكومة، وأن يبرروا مسلكها، ويسندوا وضعها، كما كانوا يحاولون تضخيم أخطاء خصومهم، وتشويه مسلك معارضيهم، كل هذا في مؤتمرات واجتماعات، تصل أحيانًا إلى حد الطواف بالبلاد والتوجه بالحديث إلى الجماهير، التي إن لم تحتشد حشدتها السلطات قسرًا!! ومن هنا ازدهرت الخطابة السياسية، وأصبحت من أهم الأسس التي يقوم عليها الساسة، ويوزن بها رجال الحكم، حتى ليكون قسط كبير من نجاحهم والتفاف الجماهير حولهم راجعًا إلى قدرتهم الخطابية. غير أنه يلاحظ أن هذا النوع من الخطابة كان يعتمد غالبًا على تجميل الصياغة وإحسان الأداء، وقوة التلاعب بعقول الجماهير، عن طريق التأثير الحسي والتحايل اللفظي، فكان الخطباء السياسيون -في الأعم الأغلب- أحد رجلين: الأول رجل حكم، يبسط خططًا لا ينفذ منها إلا أقل من القليل،

стр. 399

ويعطي وعودًا لا يوفي من بينها إلا بالنزر اليسير، وكل همه أن يدافع عن وضعه ووضع حكومته بالحق حينًا، وبالباطل في كثير من الأحايين، والثاني رجل معارضة، غايته أن يزحزح الحكومة القائمة، وهدفه أن يسقط الحزب الحاكم، وذلك لكي يثبت حزبه، وتتولى الحكم جماعة من فريقه، وكان ذلك كله يبعد بالخطابة السياسية كثيرًا عن دقة الصدق ونبل الهدف، ويدنيها أحيانًا من خداع البهرج وتضليل الشعوذة، ومن هنا كانت أهم أدواتها هي تلك الأدوات المتصلة بإثارة العواطف، وأبرز سماتها هي تلك السمات المرتبطة باللعب بالمشاعر، فكانت تعتمد قبل كل شيء على العبارة الرنانة، والحملة المنغومة واللفظة التي ترتبط بمعناها مشاعر الجماهير، كألفاظ الاستقلال والحرية، والدستور والديمقراطية، والبرلمان والشعب، والجهاد والاستشهاد، وما إلى ذلك. هذا وقد كان أبرع الخطباء السياسيين في أوائل تلك الفترة، خطيبًا عرفناه في الفترة السابقة من أبرز خطباء الجمعية التشريعية، ثم أحد زعماء الثورة المصرية التي ختمت بها تلك الفترة، هذا الخطيب هو سعد زغلول، الذي وصل إلى الذروة في الخطابة السياسية -بالمفهوم الذي كانت تعنيه السياسة في ذلك الحين- فقد عرف بقدرة فائقة على التأثير وكسب المواقف عن طريق الكلمة الملقاة في الجموع١، وعرفت له وسائل فريدة في هذا الشأن، تشخص في جملتها أهم سمات الخطابة السياسية في ذلك الوقت، وقد اعتبر سعد لذلك النموذج لخطباء السياسة، حتى إن معظم الخطباء السياسيين بعده قد تأسوه، وبلغ ببعضهم الافتتان به أن قلدوه حتى فيما عيب عليه من خصائص لا تتفق والخطابة الممتازة، فقد كان سعد مثلًا يقطع الجمل إلى كلمات، أو تراكيب يقف على آخر كل منها بالحركة٢، فجاء بعض الخطباء

стр. 400

السياسيين بعده وساروا على الطريقة نفسها، وكان سعد كذلك يوشي خطبه بالسجع، وخاصة الخطب المعدة، فجاء بعض المفتونين بسعد وطريقته، ونهجوا النهج نفسه، بل بالغوا فيه كثيرًا، ونجد صورة لذلك في خطب مطصفى النحاس التي كان كثير منها أجزاء جمل -أو كلمات- مقطعة، يسيطر عليها سجع فيها كثيرمن التكلف والافتعال. وكان من أنبه الخطباء السياسيين -بعد سعد- مكرم عبيد، الذي كان من أهم خصائص خطبه، اللجوء إلى الاقتباس من القرآن الكريم، وقد كان مكرم في ذلك ماهرًا أشد المهارة، حيث كان مسيحيًا شأنه إلا تكون له صلة بالقرآن الكريم، فاستشهاده بكتاب الإسلام الأول واقتباسه منه، يجذب إليه مشاعر الجماهير المسلمة الغفيرة، ويحملها على الإعجاب بثقافته وسماحته وأخوته!! وقد كان مكرم يتأسى هو الآخر خطى سعد في السجع، وكان يلتزم هذا السجع في بعض خطبه التزامًا، ويتفنن فيه تفننًا، حتى ليجعل بين السجعات الرئيسية سجعات فرعية، ولكن ذلك كله مع ذكاء وفن ومهارة، تبعد به كثيرًا عن المزالق التي تورط فيها بعض من قلدوا سعدًا دون أصالة. وفي النصف الثاني من تلك الفترة، ومع نشأة جيل جديد من السياسيين، نجد طائفة من الشباب تلمع في ميدان الخطابة السياسية، ولا تلتزم طريقة سعد ولا طريقة السياسيين القدماء عمومًا، في الميل إلى إثارة العاطفة والتلاعب بالمشاعر، والجنوح إلى المحسنات التي في مقدمتها السجع؛ وإنما تميل هذه الطائفة من الشباب كثيرًا إلى مخاطبة العقول والإشارة إلى التاريخ، وخاصة تاريخ الثورات والحركات السياسية الناهضة، كما تعمد إلى بسط الحقائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كل ذلك في دقة ووضوح وترسل،

стр. 401

دون إغفال لجوانب الحرارة العاطفية، والتدفق الخطابي الآسر، وكان يمثل هذا النوع أحمد حسين، وفتحي رضوان. وإذا كانت الخطابة السياسة قد ازدهرت ازدهارًا مشوبًا بكثير من العيوب التي فرضتها روح الفترة -وهي روح الصراع السياسي-، فإن الخطابة القضائية قد ازدهرت ازدهارًا خالصًا، وارتقت رقيًا ساميًا، حتى اكتملت أهم مقوماتها ورست أقوى دعائمها، واصبحت منذ تلك الفترة من جملة التقاليد القضائية الرائعة. وقد تضافرت عوامل مختلفة، على منح الخطابة القضائية هذا المستوى الرفيع. وكان في مقدمة هذه العوامل، استقرار تقاليد القضاء الوطني بعد استكمال مراحله وسيره نحو تمام تمصيره، ثم ظهور جيل من رجال القضاء الممتازين -بعد جيل الرواد- يجمع إلى الثقافة القانونية المستوعبة قدرة بيانية، وخطابية رائعة، وذلك لما لهم من صلة وثيقة بالتراث العربي وعيون أدبه، كذلك كان من أهم العوامل التي منحت الخطابة القضائية الازدهار، والرقي في تلك الفترة، ما كان من ممارسة رجال القضاء لعدد من القضايا الكبرى، التي خلفتها طبيعة المرحلة، بما حفلت به من معارك سياسية ووطنية١، فقد

стр. 402

كانت هذه القضايا فرصة للقضاء المصري ليمارس عمله على مستوى رفيع، وكانت الخطابة القضائية من أهم وسائل القضاء في تلك القضايا، حيث كانت سلاح المعركة للادعاء، والدفاع على السواء. وقد كانت الخطابة القضائية في تلك الفترة تعتمد كثيرًا على قوة الحجة، ودقة الفهم للنصوص، وبراعة التفسير للمواد، وسعة الإلمام بالقانون، ووفرة الاطلاع على التاريخ، هذا بالإضافة إلى إحكام العبارة وجمال الصياغة، وروعة التصوير وقوة التأثير، كذلك كانت أميل إلى الترسل وأبعد عن المحسنات، بخلاف ما كانت عليه الخطابة السياسية، وخاصة عند سعد، ومن حاكموه. وقد تألق من بين الخطباء القضائيين عدد وفير من أمثال: أحمد لطفي وصبري أبو علم وعبد الرحمن الرافعي، ومكرم عبيد، ووهيب دوس.

стр. 403

وأما الخطابة الدينية فقد ازدهرت ازدهارًا رائعًا، ولمع في ميدانها طائفة أسهموا في الحياة العامة بخطبهم الدينية إسهامًا عظيمًا، بل أرسوا تقاليد جديدة للخطابة الدينية، حيث جعلوها تقرب من الفكر الصحيح، وتدنو من المنطق العلمي، وتمتزج بالثقافة الواسعة، هذا إلى جانب البيان المشرق والعاطفة الجياشة، والتدفق الأخاذ والروحية الشفافة. وقد كانت هناك أسباب عديدة أدت إلى ازدهار الخطابة الدينية في تلك الفترة، ومن أهم تلك الأسباب تقدم التعليم الديني تقدمًا ملحوظًا، بسبب إصلاح الأزهر، والاهتمام بالدراسات الدينية في عدد من المعاهد العالية غير الأزهر١. كما كان من تلك الأسباب، تقدم الحياة الأدبية عمومًا؛ واتجاه أعلامها -وخاصة في النصف الأخير من تلك الفترة- إلى الموضوعات الإسلامية، ثم اهتمام بعض الصحف بالمناسبات المتصلة بالإسلام؛ واستكتاب كبار الأقلام في هذه المناسبات، فهذا كله قد فتح للخطباء الدينيين آفاقًا جديدة، وأمدهم ببيان حي؛ ووجه أسلوبهم الخطابي، وجهة أرقى. على أنه كان من أهم أسباب تقدم الخطابة الدينية، وازدهارها في تلك الفترة -فوق كل ما تقدم- تأليف عدد من الجمعيات الدينية؛ التي كانت لها بدايات طيبة في التوجيه الديني والتعبئة الروحية، والتي كانت الخطابة من أهم أدوات القائمين عليها في تحقيق ما يقصدون من أهداف. وقد لمع من بين الخطباء الدينيين في تلك الفترة عدد من الشيوخ المتأدبين المستنيرين كالشيخ المراغي، والشيخ شلتوت، كما لمع عدد من القائمين على بعض الجمعيات الدينية، ووصل بعضهم إلى حد طبع كثيرين بطريقته وخصائص أسلوبه. وكان من أهم مميزات الخطابة الدينية في تلك الفترة ابتعادها نهائيًا عن المحفوظ من المواعظ والمكرور من القوالب، ثم اتجاهها إلى ربط الدين

стр. 404

بالدنيا، وعدم الفصل بين الإسلام والسياسة، ثم محاولة إبداء الرأي في أكثر القضايا الوطنية والقومية، ومعظم المشكلات المعاصرة من دستورية واقتصادية وسياسية، والبحث لذلك كله عن سند من الإسلام، أو رأي في كتاب الله أو سنة رسوله، أو مأثورات السلف، هذا من ناحية الموضوعات، أما من ناحية الأسلوب، فكان -في جملته- أسلوبًا مترسلًا جيدًا، يجنح كثيرًا إلى الاقتباس من القرآن والحديث، وإلى الاستشهاد بأخبار النبي والصحابة والسلف الصالح، ويعتمد في جماله على الجزالة العربية، والجملة القرآنية، والبيان الذي عرفناه عند خطباء الإسلام في عهود الازدهار، هذا مع التدفق والجيشان والحرارة العاطفية، وخاصة عند بعض زعماء الجمعيات الدينية الذين كانت الخطابة من أبرز مقومات شخصياتهم، وأهم وسائل دعوتهم. وأما الخطابة الاجتماعية، فقد ازدهرت هي الأخرى، نتيجة لنمو المجتمع وازدياد مشكلاته وتعدد قضاياه، وخاصة بعد الاستقلال، وتغلب التيار الفكري الغربي، ثم نتيجة لتقدم الثقافة وإنشاء عدد غير قليل من الجمعيات، والهيئات التي تعني بشئون المجتمع وتهتم بإصلاحه، كالجمعيات المتصلة بقضايا الريف أو شئون المرأة، أو دعوات البر، وما إلى ذلك. وقد كانت هناك قضايا كثيرة تشغل الأذهان، وتتبارى الألسن في نقاشها عن طريق الخطابة الاجتماعية، وكان في مقدمة تلك القضايا: قضية المجتمع بين المحافظة والتقليد، وقضية المرأة بين البيت والعمل، وقضية الإصلاح وأهم وسائله، والنهوض وأنجع طرائقه، وما إلى ذلك من قضايا اجتماعية. وقد لمع في ميدان الخطابة الاجتماعية طائفة ممن اتجهوا إلى الإصلاح الاجتماعي، وكانت لهم قدرات خطابية ساعدتهم على توصيل أفكارهم إلى الآخرين، وكان في مقدمة هؤلاء الأستاذ محمد توفيق دياب، الذي كان يمثل الخطيب النموذج في ذلك الحين، حيث كانت تجتمع فيه مقومات الخطيب البارع موهوبة ومكتسبة، من لسن وحسن بيان، إلى سعة في الثقافة، واحتفال

стр. 405

كبير بالأداء، فقد كان يعني كثيرًا بالوقفة، والحركة، والإشارة وحسن التنغيم، حتى كان في بعض المواقف أشبه بممثل يؤدي دورًا، منه بخطيب يلقي حديثًا. وكان كل ذلك مناسبًا للمزاج الفني للعصر الذي كان يعجب أشد الإعجاب بتمثيل يوسف وهبي، وما فيه من صنعة وجلجلة. على أنه في الجزء الأخير من تلك الفترة ظهرت طائفة من الخطباء الاجتماعيين يعتمدون على المنطق الهادئ أكثر من الاعتماد على البيان الجزل، ويجنحون إلى التأثير في الفكر أكثر مما يهتمون بالتأثير في الوجدان، ويفضلون لغة الأرقام وبسط الحقائق، على لغة الشعر والتحليق في الخيال، وقد كان من ألمع الخطباء الاجتماعيين الذين سلكوا هذا المسلك إبراهيم سلامة، ومظهر سعيد، اللذان قد جمعا إلى المضمون الفكري، والمنهج العلمي قدرة بيانية فائقة، وتدفقًا خطابيًّا آسرًا. وقد أدى اتصال هذا النوع من الخطابة اتصالًا مباشرًا بشئون الناس، وأمور حياتهم اليومية، إلى جنوح بعض الخطباء الاجتماعيين إلى التعبيرات الشعبية والاستعمالات العامية، فجاءت خطبهم أقرب إلى لغة الشعب، مما يمكن أن تسمى معه "بالخطابة الشعبية"، أي التي تقال بلغة الشعب وتعكس روحه، وقد كان فارس هذا الميدان فكري أباظة. هذا، وقد نشط في تلك الفترة لون الخطابة الحفلية، وهو ما كان يلقى في حفلات التكريم والتأبين والاستقبال والتوديع، وما إلى ذلك من مناسبات تدور حلو شخص أو أشخاص، ولا تتصل بالجماعة اتصالًا مباشرًا، وهذا اللون من الخطابة قد عرفق هو الآخر من قبل، ولكنه نشط في هذه الفترة التي يساق عنها الحديث، نتيجة للتقدم الاجتماعي، ومراعاة كثير من التقاليد والمواضعات الراقية، ثم نتيجة كذلك للصراع الذي كان طابع ذلك العصر، وكان من نتائجه ظهور زعامات ورياسات عديدة، فكان أعوان تلك الزعامات والرياسات يتلمسون الفرص تلمسًا لإظهاره الحفاوة بهذا الزعيم، أو ذاك

стр. 406

الرئيس، ومن وراء ذلك تكون الدوافع السياسية والحزبية، وتتأجج الصراعات التي كانت تحكم ذلك العصر. وقد كان هذا اللون من الخطابة يحكمه -غالبًا- أمران رئيسيان؛ الأول طبيعة الموقف، والثاني طبيعة الشخص الذي يدور حوله الحفل، أما طبيعة الموقف فكانت تجعل من الخطبة خطبة مدح أو رثاء مثلًا، إذا كانت القول في مقام تكريم أو تأبين، وأما طبيعة الشخص الذي يدور حوله الحفل، فكانت تلون الخطبة كثيرًا بلون فنه أو طبيعة عمله، فإذا كان من أهل السياسة صبغت الخطبة -مهما كان الموقف- بلون سياسي، وإذا كان من رجال الأدب خاضت الخطبة كثيرًا أو قليلًا في أمور الأدب، كل ذلك علاوة على كونها أساسًا خطبة تكريم أو تأبين، وعلاوة أيضًا على كون قائلها من أهل السياسة والأدب، أو من غير هؤلا وهؤلاء. وهكذا كانت الخطبة الحفلية تأخذ طابعًا خاصًّا تمتزج فيه -غالبًا- عدة خصائص من أنواع مختلفة من الخطابة، وإن كان يغلب عليها طابع الموقف قبل كل شيء، هذا الموقف الذي يفرضه موضوع الحفل. وكان خطباء المحافل هم خطباء السياسة والقضاء والاجتماع، بالإضافة إلى رجال الأدب الذين كانوا يسهمون في كل هذه الأمور، أو في أكثرها بأوفى نصيب. ومن أمثلة الخطابة السياسية تلك الخطبة التي قالها سعد زغلول في حفل أعضاء مجلس الشيوخ، الذي أقامه له هؤلاء الأعضاء بعد انتخابهم لأول مرة سنة ١٩٢٤، والتي يقول فيها: "أيها السادة شيوخنا الكرام: أشكر حضراتكم على هذه الحفلة المملوءة وقارًا، وعلى هذا التركيم الجامع لأسباب البهجة والسرور، وأشعر في نفسي بخجل شديد عندما أتصور أن شخصي الضعيف هو موضوع هذا الاحتفال الشائق، وأنه المعنى بمدح خطبائكم والمقصود من ثنائكم، اعتقادًا مني أني دون ما تصفون، ولا شك أنكم تغرفون لي من بحار فضلكم، وأنكم

стр. 407

إنما تنظرون إلي بالنظرة العاطفة، لا بالنظرة الكاشفة، جزاكم الله أحسن الجزاء، وأقدرني على أن أستحق هذا الثناء. "وبعد فإني أهنئكم من كل قلبي بالثقة التي اكتسبتموها من البلاد.. لأن تؤلفوا مجلس الشيوخ في أول برلمان في بلادنا على الطراز الحديث، وأعد نفسي سعيدة بأني أول وزير مصري لحكومة دستورية، تستمد قوتها من إرادة الشعب، وتستند في بقائها على ثقة نوابه ... "ستصبح هذه المبادئ بعد يوم واحد نافذة المفعول فينا، ويصبح أمر الكل للكل، ويشعر كل مصري أن حياته وحريته وشرفه وماله وولده، كل ذلك، تحت حماية القانون، وأن على القانون حارسًا قويًا أمينًا هو البرلمان، وأن البرلمان تحت حراسة أمة يقظة، والكل في ذمة الله وعنايته. "بعد يوم واحد تجد الوزارة نفسها مسئولة أما نواب البلاد، وأن عليها أن تبرر أعمالها العامة أمامكم، كما تبررها أمام ضمائرها الخاصة، وتشعر من جهة أخرى بخفة ثقل المسئولية الملقاة عليها؛ لوجود قوة بجانبها تقاسمها هذه المسئولية، كما تشاطرها النظر في إدارة أمور البلاد. "بعد يوم واحد يحل احترام الحكومة محل الخوف منها، ويشتد القرب منها بعد البعد عنها؛ إذ يستيقن الكل أنها ليست إلا قسمًا من الأمة تخصص لخدمتها العامة، حسب القانون والمبادئ الديمقراطية، وأن لكل واحد حصته فيها مباشرة أو بالواسطة، فيبذل الكل جهودهم في معاونتها على القيام بمهمتها الخطيرة. "وأكبر هذه المهمات شأنًا، وأخطرها قدرًا وأشغلها لعقلي ولبي، هي مهمة الاستقلال التام لمصر والسودان.. يتلو هذه المهمة مهمة القيام بالإصلاحات الداخلية، وحل ما عقده الماضي من المشكلات، وتذليل ما أقامته السياسات من العقبات في طريقنا، وما هذا بالهنات الهينات.

стр. 408

" ... فعلى الذين يحملهم فرط الحب للبلاد على تعجلنا أن يتريثوا بنا ويتمهلوا؛ لأن طبيعة الأشياء تأبى الطفرة، ولكل شيء وقته ووسائله، وعليهم أن يعتقدوا كل الاعتقاد أن هناك عقولا مشغولة بهذه المهام، وعزائم معقودة على معالجتها، وأن التأخير فيها ليس قصورًا أو تقصيرًا، ولكنه جرى مع الطبيعة على حكمها. وليتأكدوا أننا نزداد كل يوم قوة في الإرادة، ومضاء في العزم، وثباتًا في الخطة، وغيره على الصالح العام، فليصبروا، إن الله مع الصابرين، وليثقوا بنا، إننا لا نقصد إلا خيرهم، ولا نفتر طرقة عن خدمتهم، ولا نترك فرصة تمر حتى ننتهزها لبلوغ المراد، حقق الله أملنا، ووفقنا جميعًا إلى الرشاد١". ومن أمثلة الخطابة الاجتماعية تلك الخطبة التي قالها توفيق دياب بعنوان: "الشباب المصري خيوط الحاضر ونسيج المستقبل"، والتي منها قوله: " ... لا رجاء في أمة إلا أن يكون لها إيمان، ولا في شباب أمة إلا أن يكونوا مؤمنين. "وليس المهم كيف تؤمن، وإنما المهم أن تؤمن، نعم، ولكن تؤمن بماذا؟ تؤمن بشيء أنت دونه وتريد أن تسمو إليه، تؤمن بقوة تستعين بها على ضعفك، تؤمن بباعث عظيم من بواعث الأمل وبواعث العمل، تؤمن بمثل من الأمثلة العليا تريده لنفسك فردًا ولأمتك جماعة، تؤمن بمثل عال من الشجاعة يصونك من التذلل والخور، تؤمن بمثال عال من الكرامة يصونك عن كل مهين وخسيس. "أما أنا فواحد من الذين يؤمنون بالقوة العظمى التي تجمع الصفات الحسنى في اسم الله، وإيماني به إيمان الضعيف بالقوي، ولكن حين أستمد منه القوة أحس كأني ارتفعت فوق المناعم والمتاعب، وفوق الفقر والغنى،

стр. 409

وفوق الإخفاق والنجاح، بل فوق الموت والحياة؛ لأني ارتكنت إلى العمد الباقي. " ... ليس مؤمنًا بالله من لا يؤمن بالوطن، أليست مصر كبرى أنعمه عليكم؟ أجري فيها كوثره، وأسبغ عليها رزقه، وكساها من جماله، وجعل لها السبق في الأولين ليلحق بها المتخلفون، وامتحنها في الحاضرين بمنحة التخلف لتنهض فتلحق السابقين؟.. إن من جحد نعمته، وعق كنانته، واتخذها سخرية ولعبًا، فهو بربه من الساخرين"١. ومن أمثلة الخطابة الحفلية الخالصة -التي راعت الموقف فحسب- خطبة مكرم عبيد في حفل تأبين سعد زغلول، والتي يقول فيها: "إذن فقد مات سعد، وهذه الحفلة الحافلة هي حفلة الزعيم في موته، أي وربي وحفلته الأولى! وهذه الجموع الحاشدة قد جاءت لتسمعه خطيبًا محدثًا. لا وربي، بل حديثًا يُرى! وهذه العيون اللوامع قد ألهبها بريق ناظريه، لا وربي، بل حرقة الذكرى! وهذا السكون، وهذا الخشوع، وهذا الجلال، إن هي إلا مظاهر العزة والعظمة للعزيز العظيم فينا، لا وربي، بل ضريبة الموت فرض على كل مصري أن يؤديها مرة بعد أخرى! فقد مات من كان حيًا في كل قلب وأصبحت حياته شيئًا يُتلى! وقد سكن من كان ناطقًا في كل لسان، وأصبح الكلام فيه دمعًا يُزْجَى. "لقد دارت دورة الشؤم، فشاءت أن أرثي سعدًا باكيًا نائحًا، وقد اعتاد لساني ألا يذكره إلا شاديًا صادحًا، فسامحونا إذا ألح بنا الألم فضاقت عنه مآقينا، فقد حرمنا حعتى سلوة البكاء عليه في منيته، وحتى نظرة الوداع إلى جثته، وحتى خطوة التشييع في رحلته٢، وقد كان والله يحنو على أشخاصنا في محنته، ويبكي على أمراضنا في رحمته، ولا يبغي بنا بديلًا في غربته٣.

стр. 410

"إذن وقعت الواقعة التي طالما هادنا عليها القدر، وانتزع الموت في لحظة من ضنت به الأجيال متعاقبة، وتعبت في صنعه وصوغه العظائم والعبر، فكان لها عونًا على الدهر، وكان هو المدخر، إذن فقد نفذ السهم وحم القدر، ذلك الذي كنا إلى الأمس ننادي به، إذا انطلق السهم إليه ارتد وانكسر، وإذا التطم الموج بصخرة عج وانحسر، وإذا امتدت إليه يد الحوادث ارتد القدر، عجبًا هل تطاول القبر إلى مكان فوق هامات البشر؟ أم أن تلك العظمة الشامخة لما لم تجد علوًّا ترتفع إليه قد تواضعت، فتدانت حتى ذلك المستقر؟ سبحانك رب، بل أردت فقدرت، فمنك الوجود، وإليك المفر"١. ومن نماذج الخطب التي لُونت بلون المقول فيه، فأخذت طابعًا موضوعيًا خطبة طه حسين في حفل تكريم العقاد الذي كان قد أقيم له سنة ١٩٣٤ بمناسبة نظمه "النشيد القومي"٢، وهي الخطبة التي باعي فيها طه حسين العقاد بإمارة الشعر، وفيها يقول: ".... نحن حين ندرس الشعر مضطرون إلى أن ندع ميولنا، وأهواءنا، وعواطفنا، وإلى أن نحكم عقولنا وذوقنا وحده، ونحن إذن من هذه الناحية بخلاء بالمدح، بخلاء بالثناء، لا نقدم المدح إلا بمقدار، ولا نثني إلا بشيء كثير من الاحتياط؛ لأننا نزعم أننا أمناء على الفن، وأن النقد يضطرنا إلى أن نتجنب الغلو والإسراف، ومع هذا فإني أريد أن أكون منصفًا مسرفًا في الإنصاف إن صح هذا التعبير، وأريد أن لا أتحرج في المدح أو الثناء،

стр. 411

ولكني على كل حال أعلن إليكم راضيًا سعيدًا، أني مضطر أن أثني على العقاد الشارع من غير تحفظ أو احتياط. "لنا نحن النقاد مع العقاد مواقف، يا لها من مواقف، نختصم فيها حول المعنى اختصامًا مرهقًا عنيفًا، ونختصم معه في اللفظ اختصامًا نضيق نحن به ويضيق به الناس، ولكننا حين نختم معه في معنى أو لفظ، أو حين نشتط عليه في النقد، لا نزيد على أن نعترف له أن الشاعر الفذ، ولولا أنه الشاعر الفذ لما خاصمناه. "أما أنا أيها السادة فسعيد بهذه الفرصة التي أتيحت لي، ومكنتني من أن أعلن رأيي في صراحة، وأن أقول -وقد يكره هذا مني كثير من الناس- مكنتني من أن أقول، بالرغم من الذين سخطوا والذين سيسخطون: أني لا أومن في هذا العصر الحديث بشاعر عربي كما أومن بالعقاد، أنا أعرف حق المعرفة وأقدر كما ينبغي نتيجة هذه المقالة التي أعلنها سعيدًا مغتبطًا، أعلم هذا حق العلم، وأعلنه مقتنعًا به محتملًا تبعاته، وقد تعودت احتمال التبعات الأدبية. "تسألونني لماذا أومن بالعقاد في الشعر الحديث، وأومن به وحده؟ وجوابي يسير جدًا، لماذا؟ لأنني أجد عند العقاد مالًا أجده عنده غيره من الشعراء، وإن شئتم فإنني لا أجد عند العقاد ما أجده عند غيره من الشعراء؛ لأني حين أسمع شعر العقاد، أو حين أخلو إلى شعر العقاد، فإنما أسمع نفسي أو أخلو إلى نفسي، إنما أرى صورة قلبي، وصورة قلب الجيل الذي نعيش فيه، وحين أسمع لشعر العقاد، إنما أسمع الحياة المصرية الحديثة، وأتبين المستقبل الرائع للأدب العربي الحديث، إنما أرى شيئًا لا أراه عند غيره من الشعراء، تستطيعون أن تنظروا في أي ديوان من دواوين العقاد، لا أطلب منكم أن تقرأوا شعر العقاد الآن، إنما انظروا في الفهرست وحده، فسترون من هذه النظرة اليسيرة في هذه الصفحات القليلة، أن العقاد شيء آخر، وأن شعر العقاد شيء آخر،

стр. 412

وأنه أرسل ليتحدث إلى نفوسكم أحاديث لم يتحدث بها أحد من قبل. "ثم لماذا أيضًا؟ لماذا أكبر العقاد، وأومن به وحده دون غيره من الشعراء في هذا العصر؟ لأن العقاد -أيها السادة- يصور لي هذا المثل الأعلى في الشعر الذي أحببته، وتمنيت وجاهدت في أن يحبه الشباب، هذا المثل الأعلى الذي يجمع بين جمال العربي القديم، وبين أمل المصري الحديث، هذا المثل الذي ليس محافظًا مسرفًا في المحافظة، وليس مجددًا مسرفًا في التجديد، إنما هو مزاج مقتصد منهما، هو حلقة اتصال، هو صلة خصبة بين مجدنا القديم، وما نطمع فيه من مجدنا الحديث. " ... كنا أيها السادة نشفق على الشعر العربي، وكنا نخاف عليه أن يرتحل سلطانه عن مصر، وكنا نتحدث حين مات الشاعران العظيمان شوقي وحافظ، كنا نتحدث عن علم الشعر العربي المصري أين يكون ومن يرفعه للشعراء والأدباء يستظلون به؟ كنا نسأل هذا السؤال، وكنت أنا أسأل هذا السؤال، لماذا؟ لأني كنت أرى شعر العقاد، على علو مكانته وجلال خطره شعرًا خاصًّا مقصورًا على المثقفين والمترفين في الأدب، وكنت أسأل: هل آن للشعر القديم المحافظ المسرف في المحافظة أن يستقر وأن يحتفظ بمجده، وهل آن للشعر الجديد الذي يصور مجد العرب، وأمل المصريين أن ينشط ويقوى؟ انتظرت فلم أجد للمقلدين حركة أو نشاطًا، فإذا المدرسة القديمة قد ماتت بموت شوقي وحافظ، وإذا المدرسة الجديدة قد أخذت تؤدي حقها، وتنهض بواجبها، فترضي المصريين والعرب جميعًا، وإذا الشعر الجديد يفرض نفسه على العرب فرضًا، وإذا الشعور المصري والقلب المصري، والعواطف المصرية أصبحت لا ترضى أن تصور كما كان يصورها حافظ وشوقي، إنما تريد وتأبى إلا أن تصور تصويرًا جديدًا، هذا التصوير الذي حمل الملايين على إكبار العقاد كما قال أحد الخطباء، إذن لا بأس على الشعر العربي والأدب العربي، وعلى مكانته مصر في الشعر والأدب. "ضعوا لواء في الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء: أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه"١.

стр. 413

٣- القصص واستقرار اللون الفني: في هذه الفترة استقر القصص كجنس أدبي، ولم يعد مترددًا بين استلهام التراث وتأسي القصص الغربي١؛ فقد اتجه تمامًا إلى الطريق الذي سلكه القصاصون الغربيون، وتأسي القوالب الفنية في القصة القصيرة والرواية، مستدبرًا تلك المحاولات التي قصدت استلهام التراث، كما فعل المويلحي في "حديث عيسى بن هشام"، ثم متجاوزًا مرحلة التمهيد التي كانت تمزج القصة ببعض العناصر الغريبة عن فنها الصحيح، كما فعل المنفلوطي في "العبرات"، وإلى ذلك كله ظهر جيل من كتاب القصص المتمكنين، الذين تفرغوا فنيًا لهذا الجنس الأدبي، ولم يشاركوا -كأغلب الكتاب الكبار- في المجالات الصحفية والسياسية، ولم يكن همهم المقال أو الكتاب أو ما إلى ذلك، فهؤلاء الكتاب القصصيون الخلص، هم الذين جعلوا لهذا الجنس الأدبي مكانًا مرموقًا بين الأجناس الأدبية الأخرى. وليس من شك في أن القصص مدين في استقراره -بجانب جهود هؤلاء الرواد- لما كان الفترة السابقة من محاولات ولد معها هذا الجنس الأدبي على صورته الفنية في الأدب الحديث، حيث كان ميلاد الرواية على يد الدكتور محمد حسين هيكل٢، كما كان ميلاد القصة القصيرة على يد محمد تيمور٣.

стр. 414

ثم إن القصص مدين في استقراره -بجانب ذلك- لما كان من جهود المنفلوطي في قصصه المعرب والمؤلف، برغم كل ما أخذ عليه من عيوب، فقد جذب القراء إلى هذا الجنس الأدبي، وحبب إليهم متابعته بفضل ما كان لهذا الكاتب المقتدر من أسلوب مشرق، وعاطفة حارة وخيال مجنح١. ولا يمكن أن ينسى في هذا المقال فضل المترجمين والمعربين، الذين نقلوا إلى العربية -في هذه الفترة والفترة التي قبلها- نماذج مختلفة من القصص الغربي، ومن هؤلاء الذين أسهموا في هذا الميدان: يعقوب صروف، الذي ترجم "قلب الأسد" عن "والترسكوت"، ونجيب حداد، الذي ترجم "الفرسان الثلاثة" عن "إسكندر دوماس" الأب، وحافظ إبراهيم، الذي ترجم "البؤساء" عن "فيكتور هوجو"، وأحمد حسن الزيات، الذي ترجم "رفائيل" عن "لا مارتين"، كما ترجم "آلام فرتر" عن "جوته"، ومن هؤلاء الذين أسهموا في ميدان الترجمة القصصية محمد السباعي الذي ترجم "قصة مدينتين" عن "تشارلز دكنز"، كما ترجم عدًا كبيرًا من القصص القصيرة لمشاهير كتاب الغرب٢، كما لا ينسى في هذا المقام فصل أعلام آخرين كان لهم نشاط ملحوظ في حركة الترجمة القصصية، مثل: أحمد حافظ عوض، وعباس حافظ، وعبد القادر حمزة، وإبراهيم المازني، ومحمد عبد الله عنان. فهذه العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى روح ثورة سنة ١٩١٩، وما سببته من غلبة التيار الفكري الغربي، ومن رغبة في خلق أدب مصري٣، قد منحت

стр. 415

القصص استقرارًا، ووهبته قوة، حتى احتل -منذ هذه الفترة- منزلة في الأدب الحديث، بعد أن كان بعض الكتاب في الفترة السابقة يستحي أن يضع اسمه على عمل قصصي، كما حدث للدكتور محمد حسين هيكل حين نشر "زينب" لأول مرة١. وكان من مظاهر هذا الاستقرار، نمو القصة القصيرة ونضجها وتحدد ملامحها؛ حتى صارت كائنات قويًّا يوشك أن يدافع بقية الكائنات الأدبية الأخرى، وكان ذلك بفضل جيل من الرواد الذين اهتموا بالقصة القصيرة، وأوشكوا أن يوقفوا نتاجهم عليها، من أمثال عيسى عبيد وشحاته عبيد، ومحمود تيمور ومحمود طاهر لاشين٢. كما أسهم في هذا الفضل بعض الكتاب المرموقين ممن كان لهم نشاط كبير في ميادين عديدة من ميادين الأدب، مثل إبراهيم المازني وتوفيق الحكيم٣، كما أسهم في هذا الفضل بعض شباب الأدب في ذلك الحين، ممن سيكون لهم شأن كبير في الفن القصصي بعد ذلك، مثل نجيب محفوظ٤. كذلك كان من مظاهر هذا الاستقرار للفن القصصي -في هذه الفترة- نمو الرواية الفنية أيضًا؛ حيث كثرت الأعمال الروائية الجيدة، وتعددت

стр. 416

ألوانها، وتمايزت اتجاهاتها؛ فكان منها اللون التحليلي النفسي، واللون التجريبي الشخصي، واللون الاجتماعي الإصلاحي، واللون الذهني الفكربي، واللون التاريخي القومي١. كما كان من مظاهر استقرار الفن القصصي وقوته أيضًا، مشاركة كبار الكتاب في كتابة بعض الروايات، حيث ظهرت كتابات روائية للدكتور طه حسين، وللأستاذ العقاد وللأستاذ المازني، كل هذا بالإضافة إلى جهود جيل الكتاب القصصين الخلص؛ من أمثال عيسى عبيد، ومحمود طاهر لاشين، ومحمود تيمور، ثم نجيب محفوظ٢. وعلاوة على هذا كله ظهرت بعض الفنون الأدبية ذات الملامح القصصية، كفن الترجمة الذاتية، الذي مثلته "الأيام" لطه حسين، وكفن "اليوميات" الذي مثلته "يوميات نائب في الأرياف"، لتوفيق الحكيم. وتفصيل القول عن كل هذه الفنون القصصية المختلفة، وعن كل عمل من الأعمال المتصلة بها؛ في الكتاب الذي خصص لدراسة "الأدب القصصي والمسرحي في مصر"، وهو الكتاب الثاني المكمل لهذا الكتاب الأول.

стр. 417

٤- المسرحية وتأصيل الأدب المسرحي: كان النشاط المسرحي قد تضاعف في أواخر الفترة السابقة، وبخاصة بعد عودة جورج أبيض إلى مصر وتأليفه لفرقته، التي كانت فرقة طليعية في ذلك الوقت، ثم ازدهر هذا النشاط المسرحي في أوائل سنوات هذه الفترة التي أعقبت ثورة سنة ١٩١٩، حيث تعددت الفرق المسرحية التي لمع فيها كبار الممثلين والمخرجين، الذين يعتبرون جيل الأساتذة لفن التمثيل في مصر، فقد كانت هناك منذ أواخر الفترة السابقة، وأوائل هذه الفترة، فرقة منيرة المهدية، وفرقة عبد الرحمن رشدي، وفرقة أبناء عكاشة، وجمعية رقى الآداب والتمثيل، وجمعية أنصار التمثيل، وفرقة عزيز عيد، وفرقة الريحاني، وفقة علي الكسار١. غير أنه منذ أعقاب الحرب الكبرى الأولى كان قد غلب على المسرح الجانب الهزلي، وأصبح الجانب الجاد في المحل الثاني، ووصل الأمر إلى ما يشبه الأزمة للمسرح الجاد في أوائل الفترة التي يُساق عنها الحديث٢، حتى أصبحت الحاجة ماسة إلى فرقة مسرحية جديدة تضطلع بالمسرح الجاد، وتبذل في سبيله كثيرًا من الجهود، وقد كانت فرقة رمسيس المسرحية التي كونها يوسف وهبي سنة ١٩٢٣ ٣، هي الفرقة التي اضطلعت بهذه المهمة٤. وقد آزرتها بعض الوقت فرقة فاطمة رشدي، غير أن جهود فرقة رمسيس ما لبث أن ضعفت في أوائل الثلاثينات أمام معوقات كثيرة كان المال في مقدمتها. ثم زاد من فتور حماس هذه الفرقة، وغيرها من الفرق المسرحية ظهور السينما، وانتاج أوائل الأفلام المصرية، التي بدأت تجذب المشاهدين

стр. 418

وتحولهم من المسارح إلى دور الخيالة١. وهنا مست الحاجة إلى رعاية الدولة للمسرح، فألفت الفرقة القومية سنة ١٩٣٥، وضمت نخبة ممتازة من كبار الممثلين والمخرجين، وعهد برياستها إلى الشاعر الكبير خليل مطران. وهكذا استمر النشاط المسرحي حيًا ناميًا أغلب سنوات هذه الفترة بفضل تلك الفرق الأهلية العديدة، التي كان من أهمها فرقة رمسيس، ثم بفضل تلك الفرقة الحكومية التي كانت تحمل اسم الفرقة القومية. ومن خلال أضواء تلك الفرق العديدة لمع عزيز عيد، ويوسف وهبي، ونجيب الريحاني، وزكي طليمات، وحسين رياض، وفؤاد شفيق، وأحمد علام، وسليمان نجيب، كما تألقت أسماء: روز اليوسف، وفاطمة رشدي، وأمينة رزق، وزينب صدقي. وقد كان من مظاهر النشاط المسرحي في هذه الفترة افتتاح أول معهد للتمثيل، ذلك المعهد الذي أشرف على إنشائه زكي طليمات، والذي ما لبث أن أغلق في عهد صدقى، وعلى يد وزير المعارف في عهد حلمي عيسى، بحجة المحافظة على التقاليد، ولكن هذا المعهد برغم إغلاقه في ذاك العهد، قد أسهم هو الآخر في النشاط المسرحي وخرج طائفة من أعلام التمثيل رجالا ونساء، مثل: حسين صدقي وأحمد بدر خان، وروحية خالد وزوزو حمدي الحكيم٢. كذلك كان من مظاهر النشاط المسرحي في هذه الفترة ظهور أول مجلة للمسرح، وهي تلك المجلة التي كان يصدرها محمد عبد المجيد حلمي،

стр. 419

والتي كان يكتب فيها التابعي أول كتاباته في النقد الفني١. وكما سبب هذا النشاط المسرحي تألق عدد من كبار الممثلين والممثلات، سبب كذلك التماع عدد من الكتاب، الذين أمدوا المسرح بكثير من المسرحيات، ما بين مؤلفة ومقتبسة ومترجمة، ومن هؤلاء: محمد لطفي جمعة، وعباس علام، وبديع خيري، وأنطون يزبك، وإسماعيل وهبي، ووداد عرفي، ثم يوسف وهبي ونجيب الريحاني؛ فقد أصبح الأول يؤلف لنفسه بعد أن كان يؤلف له أنطون يزبك، كما صار الثاني يشارك بديع خيري في التأليف حينًا، والاقتباس من المسرحيات الفرنسية حينًا آخر. وربما يضاف إلى هذه المظاهر الدالة على نشاط الحركة المسرحية، ونموها في فترة ما بين الحربين، ما كان من جذب العمل المسرحي لعدد من الشباب المثقف من أبناء الأسر المحافظة، فقد اقتحم كثير من هؤلاء ميدان التمثيل بجرأة، فأسهموا في تمزيق ما تبقى على المسرح من ظلال الازدراء، التي كانت تلقى ظلمًا عليه، ونسجوا بدلًا من تلك الظلال حللًا من التقدير والإجلال، ما زال المسرح يرفل فيها منذ ذلك الحين، وفي هذا المقام يذكر محمود تيمور، الذي اشتغل بالمسرح تمثيلًا وتأليفًا، وهو ابن العالم والأديب الكبير أحمد باشا تيمور. كما يذكر عبد الرحمن رشدي٢، وهو المحامي اللامع الذي آثر خشبة المسرح على منصة الدفاع، كما يذكر محمد عبد الرحمن٣، وهو أستاذ الجغرافيا المتخصص في إنجلترا، والذي كان أول رئيس لجمعية أنصار التمثيل، والذي قام بدور البطولة في بعض المسرحيات٤، ثم يذكر يوسف وهبي، ابن أحد البشوات المرموقين، والذي آثر دراسة التمثيل في إيطاليا على دراسة أي شيء آخر، ثم كرس

стр. 420

حياته لهذا الفن رغم مقاومة والده الباشا لهذا الاتجاه١. وطبيعي أن يكون لهذا النشاط المسرحي النامي أثر واضح على أدب المسرح؛ فبالإضافة إلى المسرحيات الكثيرة التي كان يقوم عليها عمل تلك الفرق العديدة -والتي لا يصل كثير منها إلى مستوى الأدب- ظهرت نصوص مسرحية أدبية منوعة غنية، نمت الأدب المسرحي -الذي ولد غضًا في الفترة السابقة٢- وجعلته نوعًا أصيلًا من أنواع الأدب المصري الحديث. وهذه النصوص المسرحية الأدبية، التي نمت أدب المسرح وأصلَّته، قد تجلت في نتاج علمين من أعلام الأدب المصري، هما أحمد شوقي، وتوفيق الحكيم، فعلى جهود شوقي تم تأصيل المسرحية الشعرية، حيث أخرج في هذه الفترة خمس مسرحيات شعرية هي: "مصرع كليوباترة" و"قمبيز"، و"مجنون ليلى" و"عنترة" و"الست هدى"، بالإضافة إلى إعادة كتابة مسرحيته الشعرية الأولى "علي بك الكبير"، التي كتبها في الفترة السابقة٣. وعلى جهود الحكيم تم تأصيل المسرحية النثرية، حيث أخرج في هذه الفترة مسرحيتين ذهنيتين هما: "أهل الكوفة" و"شهر زاد"، بالإضافة إلى مسرحيته السياسية "براسكا أو مشكلة الحكيم"، هذا إلى جانب عدد

стр. 421

من المسرحيات الاجتماعية والنفسية التي ضمها كتابه "مسرحيات توفيق الحكيم"١. وكل من مسرحيات شوقي والحكيم جعلت الأدب المسرحي يأخذ مكانًا مرموقًا بين الفنون الأدبية في الأدب المصري، إذ أصبحت هذه المسرحيات نصوصًا حية من هذا الأدب، وأنماطًا ينسج على منوالها الأدباء. وقد فُصِّل القول عن هذا الأدب المسرحي، وعن كل هذه الأعمال الشعرية والنثرية التي تمثله؛ في الكتاب الثاني، الذي جُعل لدراسة: "الأدب القصصي والمسرحي في مصر"، والذي هو توأم هذا الكتاب الأول. أسأله أن ينفع بها وأن يثيب عليهما، وله الحمد في الأولى والآخرة.

стр. 422

مراجع الكتاب المراجع العربية ... مراجع الكتاب: مرتبة عناوينها حسب الحروف الهجائية أولًا: المراجع العربية الكتب: "أ" ١- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين جـ١، جـ٢ "القاهرة سنة ١٩٥٤-١٩٥٦". ٢- آثار الزعيم سعد زغلول، جمع إبراهيم الجزيري جـ١ "القاهرة سنة ١٩٢٧". ٣- الأدب العربي المعاصر في مصر للدكتور شوقي ضيف "القاهرة سنة ١٩٦١". ٤- أدب المازني للدكتورة نعمات فؤاد "القاهرة سنة ١٩٥٤". ٥- أدب المقالة الصحفية للدكتور عبد اللطيف حمزة جـ٢-جـ٦" القاهرة سنة ١٩٥٠-١٩٥٤". ٦- الأدب الأندلسي للدكتور أحمد هيكل ط٢ "القاهرة سنة ١٩٦٢". ٧- الأدب وفنونه للدكتور عز الدين إسماعيل "الاقهرة سنة ١٩٥٥". ٨- أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية لجورج صيدح "القاهرة سنة ١٩٥٦". ٩- الأدب ومذاهبه للدكتور محمد مندور ط٢ "القاهرة سنة ١٩٥١". ١٠- أرواح شاردة لعلي محمود طه المهندس ط٤. ١١- الأزهر وتاريخه وتطوره "القاهرة سنة ١٩٦٤". ١٢- الإسلام في شعر شوقي للدكتور أحمد الحوفي "القاهرة سنة ١٩٦٢". ١٣- أسواق الذهب لأحمد شوقي ط. دار الهلال "القاهرة سنة ١٩٣٢". ١٤- الأعلام لخير الدين الزركلي عشرة أجزاء "القاهرة سنة ١٩٥٤". ١٥- أعلام من الشرق والغرب لمحمد عبد الغني حسن "القاهرة سنة ١٩٤٩".

стр. 423

١٦- أفيون الشعوب لعباس محمود العقاد "القاهرة سنة ١٩٥٦". ١٧- إنشاء العطار للشيخ حسن العطار "القاهرة سنة ١٩٠٤هـ". "ب" ١٨- بدائع الزهور لابن إياس "استانبول سنة ١٩٣٢". ١٩- برناردشو لأحمد خاكي "الإسكندرية سنة ١٩٦٧". "ت" ٢٠- تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر للويس شيخو جـ١، جـ٢ "بيروت سنة ١٩٠٨-١٩١٠". ٢١- تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان جـ٤ بتحقيق شوقي ضيف "القاهرة سنة ١٩٥٧". ٢٢- تاريخ البعثات الحكومية لمحمد فؤاد شاكر "بحث مكتوب على الآلة الكاتبة بمكتبة وزارة التربية". ٢٣- تاريخ التعليم في عصر محمد علي لأحمد عزت عبد الكريم "القاهرة سنة ١٩٣٨". ٢٤- تاريخ التعليم في مصر -عصر إسماعيل لأحمد عزت عبد الكريم "القاهرة سنة ١٩٤٥". ٢٥- تاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي مجلدان "القاهرة سنة ١٩٢٩-١٩٣٠". ٢٦- تاريخ الشيخ محمد عبده لمحمد رشيد رضا ٤ أجزاء "القاهرة سنة ١٩٣١". ٢٧- تاريخ مصر الاقتصادي والمالي للدكتور أمين مصطفى عفيفي ط٣ القاهرة سنة ١٩٥٤". ٢٨- تاريخ مصر من الفتح العثماني لسليم حسن ط٦ "القاهرة سنة ١٩٢٤".

стр. 424

٢٩- تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر لجورجي زيدان جـ١، جـ٢ "القاهرة سنة ١٩١٠". ٣٠- تخليص الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة الطهطاوي "القاهرة سنة ١٩٥٥". ٣١- تطور الرواية العربية للدكتور عبد المحسن بدر "القاهرة سنة ١٩٦٣". ٣٢- تطور الشعر العربي الحديث في مصر للدكتور ماهر حسن فهمي "القاهرة سنة ١٩٥٨". ٣٣- تطور الصحافة المصرية للدكتور إبراهيم عبده "القاهرة سنة ١٩٤٤". ٣٤- تقويم جامعة القاهرة "القاهرة سنة ١٩٥٧". ٣٥- تقويم دار العلوم لمحمد عبد الجواد "القاهرة سنة ١٩٥٢". "ث" ٣٦- ثورة الأدب للدكتور محمد حسين هيكل "القاهرة سنة ١٩٣٣". ٣٧- ثورة سنة ١٩١٩ لعبد الرحمن الرافعي جـ١، جـ٢ "القاهرة سنة ١٩٤٦". ٣٨- الثورة العرابية لعبد الرحمن الرافعي "القاهرة سنة ١٩٤٩". "ج" ٣٩- جماعة أبوللو لعبد العزيز الدسوقي "القاهرة سنة ١٩٦٠". "ح" ٤٠- حافظ إبراهيم للدكتور عبد الحميد سند الجندي "القاهرة سنة ١٩٦٠". ٤١- حافظ وشوقي للدكتور طه حسين "القاهرة سنة ١٩٣٣". ٤٢- الحجاج بن يوسف لجورجي زيدان "القاهرة سنة ١٩٠٢". ٤٣- حديث الأربعاء للدكتور طه حسين جـ١، جـ٢، جـ٣ "القاهرة سنة ١٩٢٦-١٩٤٥".

стр. 425

٤٤- حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي "القاهرة-طبعة مصر". ٤٥- حصاد الهشيم لإبراهيم عبد القادر المازني "القاهرة سنة ١٩٣٢". ٤٦- حوليات مصر السياسية لأحمد شفيق -تمهيد جـ٢ "القاهرة سنة ١٩٢٧". ٤٧- حياة الرافعي لمحمد سعيد العريان "القاهرة سنة ١٩٣٩". "خ" ٤٨- الخطابة السياسية لعبد الصبور مرزوق "رسالة ماجستير مكتوبة على الآلة الكاتبة بمكتبة كلية دار العلوم". ٤٩- الخطط التوفيقية لعلي مبارك "القاهرة سنة ١٣٠٥-١٣٠٦هـ". ٥٠- خلاصة اليومية لعباس محمود العقاد "القاهرة سنة ١٩١٢". "د" ٥١- دراسات في الرواية المصرية للدكتور علي الراعي "القاهرة سنة ١٩٦٤". ٥٢- الديوان لعباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني جـ١، جـ٢ " القاهرة ١٩٢٠-١٩٢١". ٥٣- ديوان أطياف الربيع لأحمد زكي أبي شادي "القاهرة سنة ١٩٣٣". ٥٤- ديوان أغاني الكوخ لمحمود حسن إسماعيل "القاهرة سنة ١٩٣٥". ٥٥- ديوان الألحان الضائعة لحسن كامل الصيرفي "القاهرة سنة ١٩٣٤". ٥٦- ديوان أنداء الفجر لأحمد زكي أبي شادي "القاهرة سنة ١٩١٠". ٥٧- ديوان البارودي طبعة دار الكتب جـ١، جـ٢ "القاهرة سنة١٩٤٠- ١٩٤٢". ٥٨- ديوان بعد الأعاصير لعباس محمود العقاد "القاهرة سنة ١٩٥٠". ٥٩- ديوان حافظ لحافظ إبراهيم جـ١، جـ٢ "القاهرة سنة ١٩٣٩". ٦٠- ديوان الخليل لخليل مطران "القاهرة سنة ١٩٠٨". ٦١- ديوان زينب للدكتور أحمد زكي أبي شادي "القاهرة سنة ١٩٢٤".
следующие страницы →