← Адаб

Адаб · id 8641

تطور الأدب الحديث في مصر

أحمد هيكل

Полный текст (433 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

البيت كما لا يلتزم القافية، ولكن هذه المحاولة هي الأخرى لم تصادف أي نجاح في شعر أصحاب هذا الاتجاه، ولذا عدل عنها وعن مثيلاتها الدكتور أحمد زكي أبو شادي، الذي كان أكثر شعراء هذا الاتجاه جرأة في محاولة التجديد في موسيقى الشعر. هذه أهم خصائص هذا الاتجاه في الموضوعات والتجارب، وفي الأسلوب وطريقة الأداء، ثم في الموسيقى والقالب النغمي. د- خصائصه من حيث المضمون: أما خصائصه من حيث المضمون، فأولاها غلبة الجانب الوجداني على المضمون الشعري، بحيث تبدو العاطفة أوضح خيط في نسيجه، أو بحيث تمثل أهم ما عند الشاعر، وأبرز ما يحاول نقله إلى الآخرين. والخاصة الثانية هي غلبة طابع الحزن على تلك العاطفة، بحيث تصدر عن أسى ومرارة حينًا، وعن يأس واستسلام حينًا، وتثير الشجن والحزن في كثير من الأحايين. والخاصة الثالثة هي فردية النزعة بحيث يعبر الشاعر -في الأعم الأغلب- عن أحاسيسه هو، ويهتم بهمومه الفردية، ولواعجه الذاتية وشئونه الخاصة على وجه العموم١، وقلما التفت الشاعر -في فترة ظهور هذا الاتجاه- إلى أحاسيس الجماعة، أو اهتم بالأمور الوطنية أو القومية، وحين اهتم بعض الشعراء بتلك الأمور فيما بعد، كانت دائمًا في المحل الثاني. ونتيجة لهذه النزعة العاطفية الذاتية المنطوية الحزينة، جاءت دواوين شعراء هذا الاتجاه الأولى، تحمل عناوين توحي بالانطواء والذاتية، وتسبح في جو عاطفي حزين، فناجي يسمى ديوانه "من وراء الغمام" ليوحي بأنه شاعر محلق في سماء الشعر، وأنه بعيد عن الأرض، ناء عن دنيا الناس، وأنه

стр. 352

غير مبتهج في هذا التحليق، وإنما هو وراء غمام من الهموم القاتلة، تجعله يرى كل شيء وقد اكتسى غلالة رمادية، أو تجعله لا يرى شيئًا على حقيقته، بعد أن حال الغمام بينه وبين الأشياء. وعلي محمود طه يسمى ديوانه "الملاح التائه" ليُفهِم أنه هارب من الحياة والأحياء، وأنه يضرب في عوالم شتى من الحيرة والضياع، والوحدة كملاح تاه في بحار لا يعرف لها شط، ولا يدري لعابرها مصير. وحسن كامل الصيرفي يجعل ديوانه "الألحان الضائعة"؛ ليدل على يأسه الجاثم وحظه العاثر وحزنه العميق؛ فأشعاره ألحان ضاعت سدى؛ لأنها لم تجد أذنًا مصغية، والشاعر يعزفها لنفسه في انطوائية، ويأس ومرارة. وأحمد زكي أبو شادي يجعل اسم ديوان "الشفق الباكي"؛ ليفيد أنه يستلهم جانبًا نائيًا من الحياة، وهذا الجانب حزين جريح، ففيه لون الدم أولًا، وفيه أحزان البكاء ثانيًا؛ لأنه شفق وباك معًا، وفي هذا الجانب تتمثل نفس الشاعر المنطوية الحزينة الباكية الجريحة. وبرغم أن هذه النزعة الفردية العاطفية المنطوية الحزينة، كانت تمثل روح الفترة١، قد كانت أهم ما أخذ على هذا الاتجاه، وأبرز ما سبب الهجوم على أصحابه فيما بعد، فقد لوحظ أن شعراء هذا الاتجاه باتباعهم هذه النزعة الفردية المنطوية، قد وقفوا سلبيين من قضايا عصرهم ومشكلات وطنهم، وبدلًا من أن يناضلوا بالكلمة المنغومة المجنحة ليحققوا لمجتمعهم، ووطنهم حياة أفضل، أو على الأقل ليحاربوا الطغيان والظلم الذي جثم على صدره؛ راحوا يبكون ويحملون، ويهربون إلى أحضان الطبيعة حينًا، وإلى حنان الحب حينًا آخر، تاركين وطنهم ومجتمعهم لما فرض عيه من ظلم، وتآمر وانتكاس٢. ويبدو أن المسألة كانت لونًا من رد الفعل الشديد، قابل به هؤلاء

стр. 353

الشعراء ما كان عند الشعراء المحافظين من إفراط في الإسهام بالشعر من ميادين النضال دون رعاية -في كثير من الأحيان- لمقتضيات الفن ومتطلبات الشعر، حتى تحولت قصائد كثيرة إلى خطب منظومة، بل حتى تورط هذا الاتجاه المحافظ في شعر المناسبات وغرق فيه غرقًا.. أو يبدو أن المسألة كانت عدم نضج في الوعي بوظيفة الشاعر، وما يجب عليه نحو مجتمعه من التزام بقضاياه، واتخاذ موقف نضالي في سبيل تحقيق أمانيه، ولتمكينه من حياة أفضل، وليس ببعيد أن يكون الأمران معًا قد سببا هذه النزعة التي نأت بأغلب شعراء هذا الاتجاه عن الارتباط بقضايا مجتمعهم، ودفعتهم دفعًا إلى الهروب من الظلم، والقهر والفساد، بالانطواء والحزن والشكوى، لا بالمقاومة والتمرد والثورة. هـ- أهم مصادر تلك الخصائص: هذه هي أهم خصائص هذا الاتجاه، وليس من شك في أن كثيرًا منها قد أفاده شعراؤه من ثقافتهم الأجنبية التي وصلتهم بنتاج شعراء "الرومانتيكية" الغربيين، وبخاصة الإنجليز، وقد مضى ما يوضح صلتهم بشعر هؤلاء الشعراء، وإعجابهم به١، وقد تمثل تأثرهم بهؤلاء "الرومانتيكيين" في أكثر من جانب، كالاهتمام بموضوعي الطبيعة والحب٢، والاتجاه إلى موضوع الحنين

стр. 354

إلى مواطن الذكريات١، والإكثار من الشكوى وبث الحزن٢، ثم في النزعة العاطفية المنطوية، والروح الهاربة على أجنحة الخيال٣، وأخيرًا في الثورة على الأساليب المحافظة، واصطناع أساليب مبتدعة٤. وليس من شك أيضًا في أن بعض الخصائص الفنية لهذا الاتجاه، قد أفادها شعراؤه من صلتهم بنتاج الشعراء الرمزيين، وقد مضى أيضًا ما يوضح أن أعلام هذا الاتجاه "الابتداع العاطفي"، كانوا على صلة بشعر "بودلير" و"فرلين"٥. كذلك كان أحمد زكي أبو شادي يشيد بقيمة بعض الخصائص الرمزية في التعبير، ومن المأثور عنه قوله: "كلما سما الفن كان رمزيًا في بلاغته؛ لأنه بهذا الرمز يثير التفكير والتأمل، ويثير عواطف شتى مكنونة، ويحيي ذكريات، ويكون علاقات ذهنية ونفسية متنوعة بين صور الحياة"٦. وكذلك كان الهمشري أيضًا يدرك القيمة الفنية لبعض الوسائل الرمزية، كالإبهام الرمزي الذي يقول فيه: "إنه أسمى ما يصل إليه الفكر العبقري في نواحي تعبيره"٧.

стр. 355

وقد تجلى هذا التأثر بالرمزية في خاصة التوسع في المجاز، بناء على فكرة تجاوب الحواس التي نبه إليها "بودلير"١. كما تجلى في خاصة استخدام التعابير الموحية، التي تخلق جوًا، وتثير خيالا وتجلب ذكرى، أكثر مما تؤدي معنى أو تفيد دلالة أو تزيد فكرة٢. ويمكن أن يضاف إلى مصادر هذه الخصائص الفنية عند بعض شعراء هذا الاتجاه مصدر آخر، هو الأدب المهجري، الذي كان في طابعه العام يتسم "بالرومانتيكية"، وفي بعض جوانبه يرتبط بالرمزية، ومن ذلك كتب جبران خليل جبران، التي تتمثل "ورمانتيكيتها" في جيشان العاطفة، وانطوائية النزعة وغلبة طابع الحزن، والاهتمام بموضوعي الطبيعة والحب، كما تمسها الرمزية في العبارات الموحية، والصور المعبرة عن حالات النفس، والمخاطبة لمكنون اللاشعور، وقد ظهر النتاج المهجري مبكرًا، وكان بعضه ينشر في مصر في وقت نشأة هذا الاتجاه وظهوره إلى النور، فقد أخذت كتب جبران خليل جبران تظهر منذ سنة ١٩٠٥ ٣، وتوافر عدد منها ومن غيرها في الفترة التي يساق عنها الحديث، فكانت رافدًا من روافد هذا الاتجاه، وخاصة بالنسبة لمن لم يكونوا يجيدون لغة أجنبية من الشعراء المتطلعين بحكم نزعتهم التجديدية، إلى زاد يشحذ ملكاتهم، ويثير خيالاتهم، ويعطيهم النموذج الذي عليه ينسجون. ولا يمكن، ونحن بصدد الحديث عن مصادر هذا الاتجاه الفنية، أن ننسى تأثير كل من المحافظثين والمجددين السابقين، حيث أفاد شعراء هذا الاتجاه من حركة الصراع بينهما، وأخذوا من سمات كل اتجاه أحسنها، بل أفادوا

стр. 356

بشكل واضح من كتابات المجددين الثلاثة شكري، والمازني، والعقاد على نحو ما ذكر في أول هذا الفصل. وإذا كان رواد هذا الاتجاه قد اعترفوا بتأثرهم بمطران، واعتزوا بأستاذيته من بين المجددين١، على حين أغفلوا تأثرهم "بالاتجاه التجديدي الذهني"، الذي كان يتصدره العقاد، فليس معنى ذلك أن مطران كان فعلا أستاذهم في التجديد، وأن العقاد وصاحبيه شكري والمازني، لم يكونوا من المؤثرين في هذا الاتجاه الجديد، فالحق أن أعلام الاتجاه التجديدي الذهني، كانوا ذوي تأثير كبير في هذا "الاتجاه الابتداعي" بما لهم من شعر جديد خصب، وبما لهم أيضًا من كتابات رائدة في النقد والتبصير بوسائل التجديد في الشعر، ورمبا كان العقاد بشعره الجديد ونقده الرائد، من أهم المؤثرين في هؤلاء الشعراء الابتداعيين. غير أنه يبدون أن هؤلاء الشعراء الابتداعيين كانوا -أيام ظهور اتجاههم- يؤثرون السلامة، ويخافون من الخصومات، ويبتعدون عن التحزب، لهذا لاذوا بمطران المحايد المسلم من بين المجددين، وأغفلوا العقاد واتجاهه، لارتباطه بكثير من المعارك والصراعات، التي لم يشأ هؤلاء الشعراء الجدد أن يمسهم شررها وهم في أول الطريق٢. هذا بالإضافة إلى ما كان من صلة قوية بين مطران، وأحمد زكي أبي شادي، تلك الصلة التي ترجع إلى صداقة مطران ووالد الشاعر، فهذه الصلة القوية والمودة القديمة، جعلت أبا شادي يكثر من الإشادة بمطران، وجعلت زملاءه أو مريديه، يجارونه في هذه الإشادة، التي ترجع إلى المجاملة، وإلى شخصية مطران أكثر من أي سبب آخر٣.

стр. 357

وبعد، فلعل مما مضى من خصائص هذا الاتجاه يتضح سر تسميته، "بالابتداع العاطفي"، فهو يقوم أولًا على الابتداع المجاوز حد التجديد في الموضوعات والأساليب، وهو يقوم ثانيًا على نزعة عاطفية تشكل أهم مادته الشعرية، وتكاد تطغى على ما سواها من محتويات المضمون الشعري، وإذا كان لا بد من تشبيه هذا الاتجاه باتجاه غربي، فهو أشبه بالاتجاه "الرومانتيكي"١، الذي نجد فيه أكثر الخصائص التي وجدناها في هذا الاتجاه، والذي يقوم إلى درجة كبيرة على دعامتي الابتداع والعاطفية، هذا مع تأكيد ما لم سبق تقريره من أن هذا الاتجاه لا يصل إلى درجة المدرسة الفنية؛ لأنه لم يقم أولًا على فلسفة محددة، ولم يلتزم بمذهب فني خاص، وقد اعترف بعدم مذهبيته بعض أعلام الاتجاه أنفسهم٢. و ريادة هذا الاتجاه: هذا وقد درج بعض الباحثين على اعتبار الدكتور أحمد زكي أبي شادي رائد هذا الاتجاه، وأستاذ السائرين فيه٣، والحق أن الدكتور أبا شادي كان من أوائل المتحمسين لهذا الاتجاه الجديد، كما كان أكثر أصحابه تشيعًا له، وأخذًا بيد الشبان المتجهين إليه، وقد صنع من أجل ذلك الكثير، فأصدر مجلة "أبولو" لتتيح لهم فرصة النشر بجانب الشعراء الكبار، كما ألف "جماعة أبولو" ليعلو فيها صوت هؤلاء الشعراء الشبان، إلى جانب ما كان يزحم الحياة الأدبية من أصوات، كما ساعد على نشر دواوين هؤلاء الشبان

стр. 358

الجدد، وإذاعة نتاجهم والدفاع عنهم١، إلا أنه مع سبقه وتحمسه، ومع كل ما كان له من جهود خيرة، لم يكن أقوى شعراء هذا الاتجاه شاعرية، ولا أعظمهم فنًا، وإن كان أكثرهم خدمة للاتجاه، وأغزرهم نتاجًا بين أصحابه. وقد اتسم نتاجه الكثير بالعفوية والتلقائية، وعدم التجويد المبني على المراجعة، فجاء غير محافظ على المستوى الفني المرضي؛ حيث ارتفع بعضه إلى درجة الشعر الجيد، وانحط بعضه إلى مهاوي النظم الرديء، وجاء كثير منه على سطحية في الفكر، أو نثرية في التعبير، أو برود في العاطفة٢؛ مما لا يدع بصاحبه إلى الصف الأول من بين شعراء هذا الاتجاه، برغم ما نرى من مجاملة بعض رفاقه له، وحديثهم عنه كرافع لواء الاتجاه الجديد٣. والحق أنه إذا كان شوقي قمة "الاتجاه المحافظ البياني"، وإذا كان العقاد قمة "الاتجاه التجديدي الذهني"، فإن ناجي هو قمة الاتجاه "الابتداعي العاطفي"، وذلك لطاقته الأضخم ونتاجه الأجود، وفنه الأسمى، على أن هناك شاعرًا قد مات في عمر الورد، ولو قدر له أن يعيش كما عاش رفاقه، لانتزاع لواء هذا الاتجاه، وتربع على عرش فنه، هذا الشاعر هو محمد عبد المعطي الهمشري الذي نرى نتاجه -الأقل كمًّا من نتاج رفاقه- يمثل إرهاصات عبقرية شعرية فذة، كما نرى فيه أوضح خصائص هذا الاتجاه، بحيث يمكن أن تمثلها القصيدة الواحدة من قصائده إلى درجة كبير٤.

стр. 359

ز- مقاومة هذا الاتجاه وانتصاره: وقد لقي هذا الاتجاه كثيرًا من المقاومة، وبخاصة حين خرجت إلى النور دواوينه الأولى سنة ١٩٣٤، وأعجب ما في هذه المقاومة ما كان منها من النقاد المتحررين ذوي الثقافة الغربية والميول التجديدية، فقد تعرض شعر هذا الاتجاه -ممثلًا في بعض دواوينه الأولى- لهجوم طه حسين والعقاد، وهما دعامتا الأدب الجديد في ذلك الحين، ويبدو أن هذا الهجوم لم يكن بدوافع فنية حتى يثير العجب، وإنما كان وراءه روح الفترة التي تتسم بالصراع السياسي، والخصام الحزبي، الذي انعكس على كثير من المجالات حتى مجال الفكر والأدب١. فقد عرف أن العقاد كان يضيق بشعراء هذا الاتجاه؛ لأنهم على صلة بأبي شادي ومجلته، وأبو شادي كان -في رأي العقاد- على صلة برئيس الديوان الملكي حينذاك٢، كما كانت له كبوة في مدح الملك فؤاد٣، وعثرة في التودد إلى رئيس وزرائه في ذاك العهد إسماعيل صدقي٤، والعقاد كان على عداء للملك فؤاد، وقد عرض به في البرلمان، وسجن من أجل هذا التعريض٥. وكان ذلك كله في عهد إسماعيل صدقي، الذي كان ينكل بالوفد، ويضطهد كتابه الذين في مقدمتهم العقاد، فكان من الطبيعي أن يشك العقاد في أبي شادي، وأن يسخط على المتصلين به، وأن يعبر عن ذلك بالهجوم على

стр. 360

الشعراء الذي ينضمون تحت لوائه، ويسيرون في اتجاهه، وخاصة إذا نمي إليه أن تلك الحركة التي يتزعمها أبو شادي قد أقامها القصر لتحاربه١، ومن هنا هاجم العقاد ناجي هجومًا عنيفًا حين أخرج ديوانه الأول "من وراء الغمام"، واتهمه بالسرقة، والسطحية، والرخاوة. وكان مما قاله: "وأظهر ما يظهر من سمات هذه المجموعة الضعف المريض والتصنع، فإن صاحبها كما يدل عليه كلامه من أولئك النوع الذي يفهمون أن "الرقة" ترادف البكاء، وأن الشاعر ينظم ليبكي ويشكو، فإذا هجره الحبيب بكى ... وإذا تناجى مع حبيبته قال لها: "هاتي حديث السقم والوصب"، إلى نحو ذلك من أعراض الرخاوة المريضة٢....". وأماط طه حسين، فمعروف أنه أخرج من الجامعة في عهد صدقي، ولاقى كثيرًا من الاضطهاد على يد وزير معارفه حينذاك حلمي عيسى٣، وقد وجد طه حسين أنا أبا شادي قد تورط في التودد إلى صدقي، كما وجده هو وبعض "جماعة أبولو"، قد زاروا حلمي عيسى في الوزارة ومدحوه، طالبين منه رعاية مجلتهم وتشجيع حركتهم٤، فسخط طه حسين على أبي شادي، ومن يلوذون به، واتخذ هذا السخط عدة مظاهر، منها مبايعة العقاد بإمارة الشعر٥، ومنها الهجوم على ما صدر من دواوين لشعراء هذا الاتجاه الذي

стр. 361

يريد أن يتزعمه أبو شادي، وهكذا هاجم طه حسين علي محمود طه١، كما هاجم إبراهيم ناجي٢، وتحامل عليه تحاملا لا يتفق مع ثقافة الدكتور طه النقدية، ولا مع ذوقه الفني؛ فقد كان مما قاله عنه: "فإذا نظرنا إليه نظرة الناقد المحلل الذي يريد أن يقسم الشعر أنصافًا وأثلاثًا وأرباعًا -كما يقول الفرنسيون- لم يكد يثبت لنا أو يصبر على نقدنا، وإنما يدركه الإعياء قبل أن يدركنا، ويفر عنه الجمال الفني قبل أن يفر عنا الصبر على الدرس والنقد والتحليل". كما قال في تعليقه على أبيات ناجي التي منها: أمسيت أشكو الضيق والأينا ... مستغرقًا في الفكر والسأم فمضيت لا أدري إلى أينا ... ومشيت حيث تجرني قدمي "فانظر إليه، وقد أمسى يشكو الضيق والأين، وهو مستغرق في الفكر والسأم، فأما الضيق والسأم فقد نفهمها من الشاعر، وقد نفهم أن يشكو التعب، ولا سيما إذا كان طبيبًا قد أنفق ساعات طوالا يلقى المرضى، ويفحصهم وصيف لهم الدواء، ويسمع منهم ما لا يحب للقراء أن يسمعوه، ولكن الذي لا يستقيم للشاعر المجيد، هو الاستغراق في الفكر والسأم معا، فالمفكر لا يسأم والسائم لا يفكر؛ لأن التفكير يشغل صاحبه حتى عن الضيق والتعب والسأم؛ ولأن السأم لا يمكن صاحبه من التفكير، ولا يخلي بينه وبينه".

стр. 362

"وعلى كل حال فقد أمسى الشاعر ضيقًا متعبًا مغرقًا في السأم والتفكير، فخرج لا يدري إلى أين ومضى حيث تجره قدمه، فانظر إلى هذه الصورة التي لا تلائم شعرًا ولا لغة؛ فالقدم لا تجر صاحبها وإنما تحمله، وتحمله متثاقلة مكدودة، إذا لم يتح لها النشاط؛ وإنم يجر صاحب القدم قدمه فاترًا مكدودًا لا يقوى على المشي، ولكن الشاعر أراد قافية تلائم السأم، فجعل قدمه تجره على حين كان ينبغي أن يجرها هو"١. وإذا كان مثل هذا التحامل لا يتفق مع ثقافة طه حسين وذوقه الفني، فإنه يتفق مع روح الصراع الذي كان يسيطر على الحياة المصرية في ذلك الحين، ويفسد عليها كثيرًا من شئونها. وليس من شك في أن هذه المقاومة التي لقيها هذا الاتجاه -وبخاصة من العقاد وطه حسين- قد فتت في عضد شعرائه، وأصابت بعضهم بصدمة شديدة حملتهم على التوقف، فأعلن أكثر من واحد إضرابه عن قول الشعر، كما كان من إبراهيم ناجي وصالح جودت٢، ولكن تلك الوقفة لم تطل، فسرعان ما زالت الصدمة، واستعاد هؤلاء الشعراء الثقة، وواصلوا سيرهم في اتجاههم بحماس أكثر ونتاج أغزر، فازداد عدد الأنظار الملتفتة إليهم، وتضاعف الشعراء السائرون في اتجاههم، وخاصة من الشباب المثقف، الذي لا يريد أن يحصر نفسه في نطاق التراث العربي، وإنما يتطلق إلى آفاق فنية أرحب، وألوان أدبية أخصب، وقد كان هذا الاتجاه بإبداعه وعاطفيته، يستهوي هذا الشباب، حتى رأينا منهم طائفة ممتازة تسرع بالانضمام إلى السائرين فيه، وكان من هؤلاء الشباب المثقفين الطموحين: عزيز فهمي وعبد الرحمن الخميسي، وصالح الشرنوبي، ومحمد فهمي، وهكذا ظل هذا الاتجاه أخصب الاتجاهات الشعرية وأكثرها حيوية، وأشدها رواجًا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

стр. 363

ز- محاولات مسرحية وقصصية: وقد كان لبعض شعراء هذا الاتجاه محاولات في الشعر الموضوعي، أرادوا بها أن يسهموا في تطويع الشعر لفني المسرحية والقصة، أو الخروج به عن الانحصار في قالب القصيدة الغنائية المعروف، ومن أوائل أصحاب تلك المحاولات، الدكتور أحمد زكي أبو شادي، الذي ألف بعض المسرحيات الغنائية "أبرات"، وبعض القصص الشعرية. أما مسرحياته الغنائية، فالمشهور منها أربع، نشرها سنة ١٩٢٧، وهي: "إحسان" و"أردشير" و"الزباء" و"الآلهة"١. والمسرحية الغنائية الأولى تعرض قصة فتاة مصرية اسمها "إحسان" أحبها ابن عمها الضابط المصري "أمين"، ولكنه قبل الزواج بها سافر إلى الحبشة ضمن حملة عسكرية سنة ١٨٧٦، ووقع في الأسر. وانتهز "حسن" الفرصة، فأشاع -كذبًا- أنه مات، رجاء أن يحل محله في الزواج "بإحسان"، ولكنه لم يحقق مطمعه؛ لأن الفتاة تزوجت من "كمال" شقيق الضابط الأسير، بناء على وصيته قبل سفره إلى الحبشة، بأن يتزوج أخوه خطيبته إذا مات هو، وقد احتال "حسن" فدس السم لكمال زوج "إحسان"، الذي أخذ يمشي الموت في جسده رويدًا رويدًا حتى انتقل إلى جوار ربه.. وأخيرًا نجا الضابط الأسير "أمين"، وعاد إلى مصر، وعلم بخيانة صديقه "حسن"، ووجد "إحسان" في أيامها الأخيرة، نتيجة لعدوى السل التي أصابتها من زوجها قبل موته، وانتهى أمرها بأن لفظت أنفاسها الأخيرة بين يدي فتاها الأول "أمين" بعد أن صاحت صيحة الفرح والدهشة بعودته ولقائه. والمسرحية الغنائية الثانية تعرض قصة حب "أردشير"، ولي عهد

стр. 364

ملك شيراز "لحياة النفوس" ابنة ملك العراق، التي كانت تبغض الرجال وترفض الزواج، نتيجة لعقدة أصابتها منهم، بسب رؤيا رأت فيها طائرًا يقع في الشرك فتنقذه أنثاه، ثم تقع الأنثى في الشرك نفسه، ولكن الطائر الذكر يفر تاركا صاحبته للصائد يذبحها.. ولقد زاد رفض "حياة النفوس" للخاطبين، من تعلق "أردشير" بها، وإصراره على الزواج منها. وحين رفضته هو الآخر، غضب والده "السيف الأعظم"، وصمم على غزو العراق، ولكن ابنه "أردشير" يقنعه بالعدول عن هذه الفكرة، ويلجأ إلى الحيلة في الوصول إلى بغيته، فيرحل إلى العراق، ويتنكر في لباس تاجر كبير، ويلتقي "بحياة النفوس" بعد مراسلة ساعدته عليها مربيتها العجوز. وهكذا تحب الأميرة الأمير، ويتكرر لقاؤهما، ولكن أباها الملك يكشف علاقتهما ويهم بقتلهما، غير أن الشاة يجيء في اللحظة المناسبة على رأس جيش، للبحث عن ابنه الذي طال غيابه، وحين يلتقي الولدان يتصافيان، وتزف الأميرة للأمير. والمسرحية الغنائية الثالثة، تعرض قصة "زنوبيا" ملكة تدهر، حين أرادت توسيع مملكتها وتأكيد نفوذها، فغزت مصر بحملة على رأسها ابنها هبة الله، وقائد جيشها "بلينيوس"، وكان هذا القائد يرغب في الزواج من الزباء طمعا في مملكتها، وحين رفضت رغبته حقد عليها، وانضم إلى جيش إمبراطور الرومان "أورليان"، الذي كان قد أرسل لتأديب الزباء على محاولتها الابتعاد عن نفوذ روما، وانتهى الأمر بانتصار هذا الجيش على "الزباء"، والقضاء على مملكة تدمر، وأسر "الزباء" نفسها والذهاب بها إلى روما، وهناك أوضحت للإمبراطور ما كان من أمر القائد "بلينيوس" وأطماعه، وشرحت له أن سر انضمامه إلى الجيش الذي حاربها، إنما هو الانتقام منها على رفضها الزواج منه، وليس وفاء للإمبراطور ولا حبا لروما، وهنا غضب "أورليان" على "بلينيوس" وأمر بإعدامه، وصفح

стр. 365

عن "الزباء"، وأنزلها في ضيافته مكرمة هي وأولادها. والمسرحية الغنائية الرابعة، تعرض فترة خيالية من حياة شاعر فيلسوف، يستيقظ في غابة الطبيعة على نشيد إلهة الجمال، التي تفتنه، وتخبره بأنها المتصرفة في الدنيا، وتعده بالسعادة الحقة، إذاما أطاع إرشادها، وتعرض عليه أمثلة من نفوذها، وتسمح له في حدود سلطانها بمصاحبة شقيقتها إلهة الحب التي تكلفها بإرشاده وتوجيهه، ولكن إلهة الشهوة، ثم إلهة القوة، تجعلانه يجحد إيمانه بالجمال بالحب، فيشقى ويضل ويندم، بعد أن ينال منه الشقاء والتعاسة، وهنا يدعو إلهتي الجمال والحب لنجدته، ويغمى عليه فيسقط، فتخفان إلى جواره ونجدته والصفح عنه، وتعيدان إليه سعادة الدنيا، وتهيئاته لهناءه الخلود. ويلاحظ على مسرحيات أبي شادي الغنائية عدة ملاحظات، فهي أولا تستوحي التاريخ الحديث حينا، كما في "إحسان"، وتستوحي التاريخ القديم حينا آخر كما في "أردشير" و"الزباء"، كما تستوحي عالم الأساطير، وتعتمد على الرموز في بعض الأحايين كما في "الآلهة"، وهي ثانيا ليست على حظ كبير من الجودة الفنية، وربما كان ذلك؛ لأنها لم يقصد منها إلى إنشاء نص "درامي" شعري مستقل بمقوماته الفنية، وإنما قصد بها إلى إنشاء أعمال شعرية تكمل فنيتها بالتلحين والموسيقى، ولا يهتم فيها بجودة النص "الدرامي" بالقدر الكافي، نظرا لعدم الاعتماد أساسا عليه وحده. وتلك المسرحيات الغنائية -بعد ذلك- يلاحظ على شعرها خاصة شعر أبي شادي العامة، الذي يتردد بين القوة والضعف، وتبدو فيه أحيانا نثرية في الأسلوب، وسطحية في الأفكار، وبرود في العاطفة، نتيجة لغزارة نتاجه، وتسجيله لكل ما يعن له، وعدم اهتمامه بالمعاودة والتجويد والصقل١.

стр. 366

وأما كتابات أبي شادي الشعرية في مجال القصة، فأهمها قصتان نشرهما سنة ١٩٢٦، هما "عبده بك" و"مها"١. والأولى تحكي حكاية زواج رجل مصري من الطبقة الوسطى، بثلاث زوجات تباعًا، الأولى منهن مصرية، يفشل زواجه بها لنقص تربيتها وسوء اختياره لها، والثانية أجنبية، يفشل زواجه بها أيضًا، ولكن نتيجة للتنافر بين الزوجين، واختلاف طباعهما وتقاليدهما، والثالثة من بنات وطنه وبيئته، وينجح زواجه بها لتجنبه الأخطاء التي تورط فيها حين تزوج من السابقتين، وفي خلال هذه القصة يعرض المؤلف ما كان من مهازل الزواج، وما كان يحيط به قبل التطور الاجتماعي من المفارقات وسيئ العادات، كالوسطاء والخاطبات، والأطماع والاندفاع، وعدم رعاية القيم المعنوية التي يجب أن تطلب في الزوجة، والاهتمام بشكليات لا تغني في نجاح الحياة الزوجية شيئًا. وأما القصة الثانية "مها"، فتحكي حكاية فتاة عربية أحبها ضابط إنجليزي، وأحبته أثناء الحرب العالمية الأولى، في مكان قرب العقبة، وحين رفض أبوها زواجهما هرب الحبيبان، حيث مات المحب في شعاب الجبل، وانتحرت الفتاة فوق جثته بطلقة نارية صوبتها إلى صدرها من مسدسه. والملاحظ على القصتين، أنهما ضعيفتان من الناحية الفنية؛ لأن الشعر ليس لغة القِصص التي يمكن أن تندرج بحق تحت هذا الجنس الأدبي، إذ الشعر يضيق بأوزانه وقوافيه وأسلوبه، عن الوصف والتحليل، ورسم الشخصيات، وما إلى ذلك من عناصر قصصية ضرورية لنجاح القصة الفنية، ومجال القصة الوحيد هو النثر، الذي نشأت القصة. ظلاله وصارت تتخذ لغة في جميع الآداب٢، وهذا لا يمنع من اتساع الشعر للأقاصيص القصار، التي لا تحتاج إلى عناصر قصصية تحتم مرونة

стр. 367

النثر، بل تبدو كخاطرة أو تجربة شعرية لا يضيق بها الشعر، كذلك لا يعارض هذا ما كان من صوغ الملاح شعرًا -وهي في حقيقتها قصص طوال- وذلك؛ لأن الملاحم كانت تعتمد أساسًا على الأساطير، وتضرب في شعاب الخيال، وهي أمور ألصق بسذاجة الشعر وطبيعته، ولم تكن الملاحم قصصًا بالمفهوم الفني، الذي يتطلب تحليلا للمواقف، ورسمًا للشخصيات وإبرازًا لأبعادها النفسية والاجتماعية والأخلاقية، حتى يضيق بها الشعر كما ضاق بمحاولة أبي شادي، فتلك المحاولة بعيدة عن النجاح، حيث لم تحقق عملا قصصيًا جيدًا، ولم تقدم نصًا شعريًا ممتازًا، ففي الجانب القصصي إملال وإسهاب، وبعد عن خصائص فن القصص، وفي الجانب الشعري فتور ونظم، ونأي عن رونق فن الشعر، ويكفي -شاهدًا على ذلك- أن نقرأ مثل هذين البيتين اللذين يتحدث فيهما الشاعر في قصة "إحسان"، عن الخاطبة الحاجة "حليمة"، وما لها من تجارب وخبرات: ويقال مصر كَحلةٍ ... ومثالها كالمغرفة فلها اطلاع واسع ... ولها اختيار المعرفة١ ولكون سر النجاح عند شعراء هذا الاتجاه هو إدراكهم لطبيعة اتجاههم، ومحاولتهم تنمية هذه الطبيعة لا مسخها؛ نجد أن أنجح محاولة لهم في ميدان الشعر القصصي٢، هي محاولة الشاعر الهمشري، التي تمثلها قصيدته القصصية الطويلة "شاطئ الأعراف"، التي كتبها سنة ١٩٢٩، ونشر أجزاء منها في السياسة الأسبوعية: ثم نشرها كاملة في أبولو سنة ١٩٣٣ ٣، وتلك القصيدة تحكي رحلة خيالية يقوم بها الشاعر إلى الشاطئ الذي يقع وراء الحياة،

стр. 368

ويشرف على عالم الموت، "بعد أن يخدر الموت شكاته"، وتحمله "سفينة الذكريات" إلى هذه الرحلة العجيبة. وهذه الرحلة قد اتخذت مجالها عالمًا آخر غير عالمنا، يشبه عالم المعري في "رسالة الغفران"، وعالم "دانتي" في "الكوميديا الإلهية"، وقد عرض الشاعر في هذا المجال أحداثًا خيالية، وجسم معاني تجريدية، تجري بينها تلك الأحداث، فهناك "بحر الوقت"، الذي يتسرب من فتحات في "هيكل الليالي"، وهناك "سفن الموت" التي تحمل كل شيء إلى "وادي العدم"، وهناك "مواكب الحياة"، التي تشرق أولًا بالبهة في "بحر الوقت"، ثم لا تلبث أن تتوارى في "هيكل الليالي"، وهناك بعد ذلك "إلهة الشعر" التي تعرض على الشاعر أن تصحبه إلى "الفردوس". وهناك "المغني" الذي يحاول أن يبعث لحنًا من قيثارته، فلا يخرج منها أي صوت. والشاعر من خلال هذه الأحداث الخيالية، والمعاني المجسمة، يعبر عن حزن الإنسان وقلقه، وفزعه من نهايته المؤلمة التي تتجسم في الممات، كما يعبر -في الوقت نفسه- عن مأساته الخاصة، التي تتمثل في سوء الحظ في الحياة، وخيبة الأمل في الحب، وقسوة العيش في فقدان العزاء، لدرجة أن الشاعر لم يجد من يبثه شكواه في الدنيا، فراح يبحث عنه في الآخرة١. فموضوع تلك القصيدة القصصية تجربة ذاتية؛ ولكن الشاعر استطاع أن يوسع أبعادها، فيجعل منها تجربة إنسانية، تعالج خوف البشر وقلقهم الدائم من المصير الحتمي المؤلم. وقد صاغ الشاعر تلك التجربة في أسلوب شعري جيد، فيه الخيال الجنح، والعاطفة الجياشة، واللغة الجذابة، والموسيقى النابضة، وفيه -قبل ذلك- أهم خصائص هذا الاتجاه الابتداعي التي مضى عنها الحديث.

стр. 369

وبرغم ما اشتملت عليه القصيدة من عثرات لغوية وتعبيرية١؛ قد جاءت من أنجح المحاولات للقصيدة القصصية، التي لا تخرج بالقصيدة عن طبيعتها الغنائية الأصلية، ولكنها ترفدها بعنصر قصصي يمنحها موضوعية توسع مجالها، ويهبها وحدة تربط بناءها: هذا إلى ما يشيع فيها من حركة وحيوية، واتساع وعمق. هذا وقد جاء عرض هذا اللون من الشعر المتصل بالموضوعية هنا، برغم ما يبدو من أن مكانه الطبيعي هو مكان الحديث عن المسرحية والقصة؛ لأن الناجح من هذه المحاولات في الفترة التي يساق عنها الحديث -وهو محاولة الهمشري- أقرب إلى الشعر الغنائي منه إلى الشعر الموضوعي، فلو أخذناه بمقياس القصة الفنية والمسرحية الحقيقية، لظلمناه: حيث يسقط برغم وصوله إلى مستوى رفيع من الناحية الغنائية، الآخذة بشيء من موضوعية القصة و"درامية" المسرحية.

стр. 370

ثانيا: النثر مدخل ... ثانيًا: النثر: كان من أوضح الظواهر الأدبية في تلك الفترة أن النثر قد ازدهر، حتى سبق الشعر، وتصدر ميدان الأدب، بعد أن كان في الفترات السابقة يأتي خلف الشعر، وقد كان طبيعيًا أن يزدهر النثر بعد ما كان من تقدم ثقافي ونضج فكري٢، فالتقدم الثقافي والنضج الفكري يستتبعان دائمًا ازدهار النثر، لاحتياجه أبدًا إلى الثقافة، وقيامه أساسًا على الفكرة، بخلاف الشعر الذي قد تكفيه الفطرة الملهمة، وقد يقنع بالعاطفة الساذجة. كذلك كان طبيعيًا أن يتصدر النثر في تلك الفترة بعد ما كان من

стр. 371

تغلب للاتجاه الفكري الذي يولي وجهه شطر الغرب، وبعد ما كان من تصدر للأدباء الذين لا يرون في التراث العربي وحده المثل الأعلى١. فالتراث كان يقدم الشعر، وكان الشعر دائمًا هو الفن الأدبي الأول، على حين عرفت الآداب الغربية فنونًا من النثر قد سبقت الشعر بأشواط، أو على الأقل لم تدع له مكان الصدارة، ومن هنا كان تغلب الاتجاه الغربي، وتصدر أدباء من المثقفين ثقافة غربية، ومن المتصلين بآداب الغرب، مستتبعًا بالضرورة تصدر النثر الذي يعملون في ميدانه، ويتصلون في الآداب الأوروبية بأنواعه، ويحاولون أن يتفوقوا على غيرهم بالخوض في هذه الميادين التي لم يكن لغيرهم فيها نصيب يذكر. وهكذا كان من مظاهر ازدهار النثر وسبقه، ظهور أنواع أدبية نثرية لم تكن معروفة في أدبنا العربي من قبل كالترجمة الذاتية واليوميات والمسرحية المقروءة، بالإضافة إلى ألوان روائية جديدة. كما كان من مظاهر هذا الازدهار والسبق الذي حظا به النثر، اختفاء الطريقة البديعية تمامًا، واتضاح اتجاهين فنيين للأداء النثري، هما: "الاتجاه الأسلوبي" و"الاتجاه الفكري". أما الاتجاه الأسلوبي فقد جاء امتدادًا لطريقة المنفلوطي، التي تعني بإشراق الديباجة وروعة البيان، وتعطي عناية خاصة للصياغة٢. وقد كان أعلام هذا الاتجاه من ذوي الثقافة العربية القديمة أساسًا، وإن أضاف بعضهم إلى تلك الثقافة ثقافة أوروبية واسعة، كطه حسين، وأحمد حسن الزيات.

стр. 372

كذلك كان من أعلام هذا الاتجاه من بدأوا يشقون طريقهم في أواخر الفترة السابقة كهذين العلمين١، كما كان منهم من شق طريقه تمامًا فيما مضى ولكن كشاعر، ولم ينصرف إلى النثر ويجعله فنه الأدبي الأول إلا في هذه الفترة، كمصطفى صادق الرافعي٢.

стр. 373

على أن جميعهم لم يقفوا عند مرحلة المنفلوطي، بل تجاوزوها تجويدًا، واتفاقًا في المضمون، وفي الشكل على السواء، فهم قد حاولوا أن يتجنبوا العيوب التي أخذت على طريقة المنفلوطي، كما حاولوا أن يضيفوا إلى حسناتها حسنات، حتى وصلوا بتلك "الطريقة الأسلوبية" إلى مرتبة عظيمة من الرقي، وذلك على اختلاف بينهم في الدرجة والطابع، والسمات الشخصية كما سيتضح فيما بعد. وقد تبع هذه الطريقة بعد أعلامها الأول، طائفة من ذلك الجبل التالي من الكتاب، الذين بدأوا يظهرون في النصف الثاني من تلك الفترة، وكانوا من ذوي الثقافة العربية أساسًا، من أمثال محمد سعيد العريان، ومحمد عبد المنعم خلاف. وأما الاتجاه الفكري فقد جاء امتدادًا لطريقة أحمد لطفي السيد، تلك الطريقة التي تعني قبل كل شيء بالمضمون وما يحمل من قيم، وتهتم في المحل الأول بالفكرة، وما يدور حولها من معان، وهي لا تهمل الشكل ولكن لا تنمقه تنميقًا، ولا تغفل الأسلوب ولكن لا تجعل العناية به فوق الصحة والبساطة والدقة والوضوح١. وقد كان أعلام هذا الاتجاه ممن بدأوا يشقون طريقهم في أواخر الفترة السابقة، مثل الدكتور محمد حسين هيكل٢، وعباس محمود العقاد٣،

стр. 374

وسلامه موسى١، وقد كانوا جميعًا من ذوي الثقافة الغربية أساسًا، وإن أضافوا إلى تلك الثقافة ثقافة عربية على درجات متفاوتة. وقد تجاوز أعلام هذا الاتجاه أيضًا مرحلة طريقة لطفي السيد، التي كانت تتسم بالانحصار في دائرة ضيقة من الكتابات الفلسفية والسياسية، ويوشك أن يغلب عليها جفاف لغة العلم، وانطلقوا إلى مجالات شتى أدبية وتاريخية واجتماعية ونفسية وحضارية وفنية؛ كما خطوا بالأسلوب الفكري خطوات، فساح نحو الصقل والإشراق والجمال. وقد سار في هذا الاتجاه طائفة أخرى من كتاب الجيل التالي لجيل أعلامه، وكانوا كسابقيهم ممن آمنوا بعمق الثقافة في الأدب، وغزارة الفكر في الفن، وممن كان أساسهم الثقافي قائمًا على الثقافة الغربية، ومن هؤلاء محمد مندور وزكي نجيب محمود. وإذا كان لا بد لكل اتجاه من طرف متطرف، فطرف الاتجاه الأسلوب المتطرف هو الرافعي، وطرف الاتجاه الفكري المتطرف هو سلامة موسى. وفيما يلي لما سبق من إجمال:

стр. 375

١- المقالة وتميز الأساليب الفنية: في تلك الفترة عرفت المقالة عهدها الذهبي، فقد تعددت الصحف نتيجة للصراع الحزبي، واهتمت كل صحيفة باستكتاب اللامعين من حملة الأقلام، لكسب أوفر عدد من القراء، ولم يقتصر الأمر على الصحف الحزبية، بل تعددت كذلك المجلات الثقافية والأدبية، نتيجة للتقدم الثقافي والوعي الصحفي والازدهار الأدبي، فكما كانت هناك: "السياسة" و"البلاغ" و"كوكب الشرق" و"الجهاد" في الميدان السياسي، كانت هناك: "الهلال" و"المقتطف" و"العصور" و"الرسالة"، و"المجلة الجديدة" في الميدان الثقافي والأدبي١. وكانت المقالة هي أهم الوسائل التي يخاطب بها الأدباء قراءهم عن طريق تلك الصحف والمجلات، وكان للصراع الحزبي بين الصحف الناطقة بلسان الأحزاب؛ كما كان للتنافس الشديد بين المجلات الناطقة بلسان الثقافة والأدب؛ أثر هائل في تنشيط كتابة المقالة، التي توفرت لها كل عوامل الازدهار في ذلك الحين. وقد كان من مظاهر هذا الازدهار تعدد ألوان المقالات، فكان منها المقالة الأدبية، التي تدرس شخصية أو ظاهرة، أو اتجاهًا أو أثرًا في الأدب العربي القديم أو الحديث، أو في الأدب الأوروبي الغابر أو المعاصر، وكان منها المقالة النقدية، التي تحدد قيمة أو تشرح مبدأ من قيم النقد أو مبادئه، أو تطبق هذا أو ذاك على بعض الدواوين، أو الكتب أو النصوص الأدبية على وجه العموم، كما كان منها المقالة الفلسفية التي تعرف ببعض الفلاسفة، أو تشرح بعض نظرياتهم وأفكارهم، لكن بلغة الأدب وأسلوب الأدباء، لا بلغة الفلاسفة وأسلوب الحكماء، كذلك كان منها المقالة التاريخية، التي تعرض لعصر مضى أو ثورة سلفت، أو بطل غبر أو شخصية ولت، وذلك

стр. 376

أيضًا بلغة الأدب وطريقة الناثرين، لا بلغة التاريخ، وأسلوب المؤرخين، ثم كان من المقالة التي ازدهرت في تلك الفترة، المقالة الاجتماعية، التي تندرج تحتها الكتابة في كل ما يتصل بالمجتمع من أمور سياسية واقتصادية وتعليمية، وخلقية وما إلى ذلك، مما يتناول الأدباء لا كمتخصصين في السياسة والاقتصاد والتعليم والأخلاق، وإنما كمثقفين لهم مشاركتهم فيما يدور حولهم، ولهم آراؤهم فيما يتصل بمجتمعهم، وذلك أيضًا على طريقتهم الفنية. وأخيرًا كان من أهم ألوان المقالة حينذاك، المقالة التعبيرية التي موضوعها انطباع الكاتب أو شعوره حيال حدث معين، أو موقف خاص أو مشهد ما. وفي هذا اللون من المقالات يكون الكاتب أشبه بالشاعر، ولا ينقصه غالبًا إلا الجانب الموسيقي المعهود في الشعر، حتى يكون عمله قصيدة لا مقالة. وقد بلغ من ازدهار المقالة في تلك الفترة، أن كثيرًا من الكتب الجيدة التي نراها الآن لكبار الكتاب، ونراهم يعتزون بها ويذكرونها في مقدمة آثارهم؛ إنما نشرت أولًا في الصحف على هيئة مقالات، ثم جمعت بعد ذلك في شكل كتب، ومن تلك الكتب: "حديث الأربعاء" لطه حسين، و"في أوقات الفراغ" لمحمد حسين هيكل، و"مطالعات في الكتب والحياة"، و"ساعات بين الكتب" لعباس محمود العقاد، و"حصاد الهشيم" و"قبض الريح" لإبراهيم عبد القادر المازني. "فحديث الأربعاء" مجموعة مقالات نشر معظمها في السياسة الأسبوعية١، وقد ضمن المؤلف الجزء الأول من هذا الكتاب مقالاته التي قد نشرها حول الشعر الجاهلي والإسلامي، وبعض الشعراء الجاهليين والإسلاميين، وفي آخره فصول عن "الغزل والغزليين" من حسيين وعذريين، ممن عاشوا في العصر الأموي، كذلك ضمن المؤلف الجزء الثاني من "حديث الأربعاء"

стр. 377

مقالاته التي كان قد نشرها عن الشعر العباسي والشعراء العباسيين، وعن تصوير هذا الشعر وهؤلاء الشعراء لذلك العصر عصر لهو وزندقة.. ثم خص المؤلف الجزء الثالث من هذا الكتاب بمقالاته في الأدب الحديث وقضاياه، ففيه حديث عن القديم والجديد، ومناقشة للرافعي في مذهبه في الأدب، وفيه نقد لبعض الكتب والدواوين المصرية والمهجرية، كدواوين علي محمود طه، وإبراهيم ناجي، وفوزي المعلوف. و"في أوقات الفراغ" لمحمد حسين هيكل، مجموعة مقالات أيضًا نشر معظمها في السياسة، وقد رتبها المؤلف في كتابه ثلاث طوائف، وأهم ما في الطائفة الأولى مباحث مختلفة في النقد، وترجمات منوعة "لأناتول فرانس"، و"بييرلوتي" وقاسم أمين.. وأهم ما في الطائفة الثانية مقالات عن مصر وتاريخها القديم، بمناسبة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.. وأهم ما في الطائفة الثالثة تلك المقالات الخاصة بالدعوة إلى الأدب القومي، الذي يمثل البيئة المصرية والحياة المصرية، وتتضح فيه سمات الأمة وخصائص الشعب، بما يميز المصريين عن أسلافهم الأقدمين، وجيرانهم المعاصرين. و"مطالعات في الكتب والحياة" للعقاد مجموعة مقالات أيضًا نشر معظمها في"البلاغ"١، وتلك المجموعة من المقالات منوعة غاية التنوع, فهي تتناول شخصيات عربية وأوروبية مثل: المعري والمتنبي و"أناتول فرانس" و"عمانويل كانت" كما تتناول مباحث جمالية وفنية، مثل: "عبقرية الجمال" و"الحرية والفنون الجميلة" و"معرض الصور" ... وتتناول كذلك دراسات أدبية نقدية، مثل: "الأدب كما يفهم الجيل" و"القديم والجديد" و"الشعر ومزاياه" و"خواطر عن الطبع والتقليد".. وأخيرًا تتناول تلك المقالات بعض الانطباعات والصور الوصفية مثل: "الألم واللذة"، و"على معبد إيزيس" و"التمثيل في مصر".

стр. 378

ومثل هذا الكتاب كتاب "ساعات بين الكتب"؛ فهو الآخر مجموعة مقالات نشرت في الصحف والمجلات التي كان العقاد يتعاون معها في ذلك الحين، وهو أيضًا يضم ألوانًا منوعة من تلك المقالات؛ ففيه مقالات عن شخصيات عربية وأوروبية، مثل: ابن الرومي والمتنبي، و"شكسبير" و"توماس هاردي" و"بلاسكو إيبانيث" و"كبلنج" و"إبسن" و"رسو" و"فولتير"، وفي الكتاب أيضًا مقالات عن "الشعر في مصر"، وأخرى في النقد مثل: "التجميل في الأسلوب والمعاني" و"الصحيح والزائف في الشعر" و"النثر والشعر".. وفيه كذلك مقالات إسلامية تتصل بالجانب الأدبي والنقدي، وهي تلك المقالات التي كتبها حول "إعجاز القرآن".. وفي الكتاب أخيرًا طائفة من المقالات التي تعبر عن خاطر، أو انطباع أو وجهة نظر، مثل: "حب المرأة" و"الغيرة" و"النكتة" و"البطولة" و"الوطنية". و"حصاد الهشيم" للمازني قريب الشبه بكتابي العقاد، فهو مجموعة مقالات منوعة، قد نشرها صاحبها أولًا في الصحف التي كان يعمل بها، وخاصة "الأخبار١"، وبعض تلك المقالات عن المتنبي وابن الرومي، و"تاجر البندقية" و"رباعيات الخيام"، وبعضها عن الفن واللغة "كمعرض الصور" و"الحقيقة والمجاز"، كما أن بعض تلك المقالات من النوع الإنشائي، الذي يتناول الانطباع ويسجل الخاطرة ويصف المشهد، مثل حديث المازني عن "الصحراء". ومثل حصاد الهشيم "قبض الريح"، ففيه مقالات عديدة في النقد، وجهت طائفة منها إلى طه حسين وكتابه "حديث الأربعاء"، كما اختص بعضها بالحديث عن بشار وأبي العلاء، وجاء بعضها الآخر من قبيل وجهات

стр. 379

النظر والحواضر والانطباعات، مثل: "نشأة الشعر"، و"المرأة واللغة" و"المفعول المطلق". وقد قصد بهذا العرض لتلك الكتب وألوان المقالات التي تحويها، إعطاء صورة للمقالة في جوانبها الموضوعية، وميادينها المتعددة، مما كان مظهرًا جليًّا من مظاهر ازدهار هذا النوع النثري في تلك الفترة.. فإذا تركنا هذه الجوانب المتصلة بالموضوع ونظرنا فيما يتصل بالمقالة من ناحية الأسلوب، وجدنا جانبًا آخر من جوانب الازدهار يفوق هذا الجانب، ويتجاوزه بأشواط. فقد أدت الثقافة الفنية التي تمتع بها كبار كتاب تلك الفترة، وما كان لهم من شعور قوي باستقلال الشخصية، وإحساس عارم بالحرية الفردية، ثم ما كان من ممارسة متصلة للكتابة، ومعاناة دائبة للانتاج -قد أدت كل تلك العوامل إلى تعدد طرق التعبير، وتميز أساليب الأداء، برغم اندماجها جميعًا تحت اتجاهين رئيسيين، هما: "الاتجاه الأسلوبي" و"الاتجاه الفكري". ويمكن أن نتعرف على خمس من تلك الطرق، هي" طريقة طه حسين التي يمكن أن نسميها "طريقة التصوير المتتابع"، وطريقه العقاد التي يمكن أن نطلق عليها "طريقة التعبير المحكم"، وطريقة الرافعي التي نستطيع أن نقول إنها: "طريقة البيان المقطر"، وطريقة الزيات التي نستطيع أن نعرفها "بطريقة البيان المنسق". وأخيرًا طريقة المازني التي لا نبعد عن الحق إذا وصفناها بأنها طريقة "الأداء المصري". ١- طريقة طه حسين: وقد اخترت لطريقة طه حسين اسم "طريقة التصوير المتتابع"؛ لأن هذا الكتاب يغلب عليه في أسلوبه التصوير بالألفاظ والجمل، وتقديم المشاهد المتتابعة والصور المتعاقبة، التي قد يكون بعضها لرسم شيء حسي خارجي،

стр. 380

وبعضها لنقل جو نفسي داخلي، وبعضها لتجسيم معنى أو إبراز فكرة، أو تعميق إحساس. ولطه حسين وسائل عديدة في رسم صورة، وإيرادها في تتابع وتعاقب ومن أهم تلك الوسائل، الاعتماد على الجمل والقصار، وإيراد تلك الجمل -أو بعض أجزائها- فيما يشبه التكرار والإعادة١، مما يحقق بالكلمة والعبارة تجسيم الصورة أولًا، ويهبها التحرك والتتابع ثانيًا.. ومن أهم وسائل طه حسين كذلك، استخدام الروابط -كحروف الجر ونحوها- في وفرة وتنوع وتقابل، مما يزيد التجسيم الذي يبرز الصورة، ويضاعف التتابع الذي يهبها الحيوية. على أن لطريقة طه حسين بعد تلك الوسائل، سمات أخرى تحدد بقية أبعادها، وتميز آخر ملامحها، ومن تلك السمات المميزة، استخدام طائفة من "اللازمات" في البدء والانتقال والتفصيل، وكقوله: "ليس من شك"، و"مما لا شك فيه" و"مهما يكن من أمر"، وكقوله: "يحدث هذا حينًا ويحدث ذلك حينًا، ويحدث كذا في كثير من الأحايين"، وكقوله عن شيء: تستطيع أن تسميه "كذا"، وتستطيع أن تسميه "كيت"، وأنا زعيم لك بأنه ليس "بكذا"، وليس "بكيت" وإنما هو شيء آخر غير "كذا"، وغير "كيت" جميعًا. ومن سمات طريقة طه حسين المميزة كذلك، ميله إلى التوجيه بالحديث إلى المخاطب، حتى ليبدو وكأنه يحدث قارئه، ولا يكتب إليه. ومن سماته الفنية أيضًا الإلمام بالسجع الخفيف غير المتكلف، حين تدعو الحاجة إلى إشاعة لون من النغم في الحديث، أو حين يتطلب الموقف بعض التأثير بموسيقى الكلم، على أن هذا السجع في كثير من الحالات لا يأتي في نهاية الجمل -شأن السجع التقليدي- وإنما يأتي بين كلمتين متجاورتين في

стр. 381

الجملة الواحدة، وقد يجاوره بعد ذلك سجع بين نهايتي جملتين؛ كقوله: "كان الشيخ مهيبًا رهيبًا، وكان فخمًا ضخمًا، قد ارتفعت قامته في السماء، وامتد جسمه في الفضاء١". وكلف طه حسين بتلك الوسائل السابقة المحققة للتتابع يورطه أحيانًا في اللف والدوران من غير ضرورة، كما يورطه أحيانًا أخرى في بطء الحركة الأسلوبية، ويجعل من صورة -في بعض ما يكتب- شيئًا شبيهًا بصور السينما التي تعرض بالطريقة البطيئة، لتوضيح حركة خفية، أو تسجيل موقف غريب. على أن الغالب على طريقة طه حسين، استخدام التتابع بوسائله العديدة في تجسيم أبعاد الصور الحسية، وتعميق الإحساس بأبعاد الصور النفسية، وتأكيد الإيمان بالفكرة المجردة، فما يبدو في ظاهره تكرارًا وإعادة، إنما هو في حقيقته تتابع، في كل جزء من أجزائه زيادة ولو طفيفة، وتغيير ولو يسير، ونمو ولو غير ملحوظ، أشبه ما يكون بكل لقطة من لقطات "الفيلم" الجزئية التي تؤلف في جملتها اللقطة الكلية في حركتها وحيويتها، ثم تؤلف مع اللقطات الكلية الأخرى أبعاد العمل الفني، وأعماقه وإيحاءات فنه. ونستطيع أن نتبين طريقه "التصوير المتتابع" التي أطلقناها على طريقة طه حسين، في النموذج التالي، وهو جزء من مقال له "عن الحب في شعر عمر بن أبي ربيعة".. وفي هذا النموذج يقول طه حسين. " ... وكان كل شيء في حياة عمر وسيلة إلى الاتصال بالمرأة وذكرها، والتحدث إليها، ولا سيما الحج، فلم يكن ابن أبي ربيعة يفهم من موسم الحج إلا أنه معرض إسلامي للجمال، كان إذا قرب الموسم اتخذ أجمل ما كان يستطيع من زينة، وظهر في مظهر الفتوة والقوة، وفارق مكة،

стр. 382

فتعرض للحجيج في طريق المدينة والشام والعراق، يتلمس نساءهم ويتبين هوادجهن، ويعرض منها لمن تظهر عليها آثار النعمة والترف، فإذا وافى الحجيج مكة وغيرها من مواضع المناسك، كان عمر قد أحصى النساء اللاتي يجب أن يكون بينه وبينهن لقاء، أو حديث أو مكاتبة، وكانت له رسل تعمل في ذلك، فتأتيه المواعيد في مكة حينًا، وفي منى حينًا آخر، وكانت أحب ساعات الدهر إليه أوائل الليل من أيام الموسم، حين ينتهز النساء فرصة الليل فيخرجن للطواف، هنالك كان عمر بن أبي ربيعة يترصدهن، ومنهن من كانت تترصده. وهنالك كانت تبتدئ الأحاديث لتتم بعيدًا عن البيت، حتى إذا انتهى الموسم وأزمع الحجيج العودة إلى بلادهم، رأيت عمر مقسما بين نساء المدينة، ونساء الشام ونساء العراق، يشيع هذه ثم يعود فيشيع تلك، ثم يترك هاتين ليشيع امرأة أخرى، وهو لا يفرغ من تشييع امرأة إلا قال الشعر الجيد يسبقها إلى موطنها، ولا يلبث أن يسقط بين أيدي المغنين، فإذا هو مصدر للهو والطرب لهذه الأرستقراطية المترفة من أبناء قريش والأنصار، فكان موسم الحج موسم شعر وغناء في الحجاز". " ... منذ سنين كتب صديقي الأستاذ ضيف رسالة باللغة الفرنسية قدمها إلى "السربون"، وقارن فيها بين عمر بن أبي ربيعة، وبين الشاعر الفرنسي "ألفرد دي موسيه"، وقد تكون هذه المقارنة خلابة في ظاهر الأمر، فعمر بن أبي ربيعة أظهر عشاق العرب، و"ألفرد دي موسيه" أظهر الغزلين من شعراء فرنسا في القرن الماضي، وكلاهما وقف حياته على المرأة وحبها، وكلاهما وقف شعره على جمال المرأة والتغني به، ولكن الفرق عظيم جدًا بين الشاعرين، عظيم إلى حد أن المقارنة بينهما مستحيلة، فليس بين نفسيهما شبه ما، أنت محزون حين تقرأ "ألفرد دي موسيه"، يتفرط قلبك لوعة وأسى، ويأخذك شيء من اليأس والسخط على الحياة والزهد فيها، حين تنظر إلى هذا الحب القوي المتين، فترى أنه على قوته وصدقه، ومتانته جريح يدمي.

стр. 383

"ولكنك مبتهج راض للحياة، حين تقرأ شعر ابن أبي ربيعة؛ فلم يكن قلبه جريحًا، ولم تكن نفسه كئيبة، ولم يكن يرى الحياة إلا لهوًا أو سبيلًا إلى اللهو. وأنت حين تقرأ ما يظهر ابن أبي ربيعة فيه الحزن والأسى مطمئن راض، بل مبتسم؛ لأنك تعلم أن هذا الحزن إنما هو وسيلة إلى السرور، ومذهب من مذاهب الاستعطاف، وسبيل من سبل اللذة". "لا أضع ابن أبي ربيعة بإزاء "ألفرد دي موسيه"، وإنما أضعه بإزاء رجل فرنسي آخر هو أخوه حقًا، هو صورته الصادقة لولا ما بينهما من فروق البيئة والجيل، ولكن نفسيهما نفس واحدة، ولكن حسيهما حس واحد، ولكن مذهبيهما في الحب، وإعلانه مذهب واحد، كلاهما أحب بحسه وأخضع قلبه لحسه، وكلاهما فتن النساء، وكلاهما تحدث بفنه للنساء حديثًا حلوًا خلابًا، وكلاهمها تعمق الحب الحسي حتى وصل إلى قرارته، وكلاهما أحب حتى كره الحب، ولذ حتى زهد اللذة، وكلاهما لم يعرف لحبه موضعًا يقصره عليه، فكان يترك هذه ليحب تلك، ويخلص من هذه ليقع في شراك تلك". "سألتني عن هذا الفرنسي الذي يشبه عمر بن أبي ربيعة هذا الشبه القوي الغريب، ليس شاعرًا ولكنه ناثر كالشاعر، أنت تعرفه حق المعرفة؛ لأن بينك وبينه صلة قوية؛ لأنه صديق الشرق عامة وصديق مصر خاصة: بييرلوتي ... ١". ب- طريقة العقاد: وإنما آثرت لطريقة العقاد اسم "طريقة التعبير المحكم"؛ لأنه يعمد إلى التعبير عما عنده بألفاظ وجمل محكمة، فيها الدقة، وفيها القصد، وفيها التركيز، وفيها دسامة الزاد قبل أن يكون فيها رونق الشكل، فلا إفراط في

стр. 384

المقدمات، بل أحيانًا لا تكون هناك مقدمات، ولا لجوء إلى التكرار أو اللف أو التوكيد بالكلمة أو بالجملة؛ لأنه لا محل لشيء من ذلك، وإنما المحل الأول لإعطاء أوفر معان وأغزر أفكار؛ وحسب الكلمة والعبارة أن تؤدي المعنى وتنقل الخاطرة وتفصح عن الشعور، وهي تتبع كلمة أو عبارة أخرى، لكن لا لتحدث معها إيقاعًا أو تزيد الفكرة تأكيدًا، وإنما لتزيد المعني ولتضيف إلى الفكرة جديدًا. فهذه الطريقة لإحكامها لا تتزيد، ولا تهتم بالإطار، وإنما تجعله لباسًا محبوكًا مفصلًا على قد المعاني، بل إن هذا الإحكام قد يبالغ فيه أحيانًا إلى حد الضيق، فلا تتسع العبارة للمعاني بالقدر الكافي، وقد تطول الجملة مع ذلك أكثر من المألوف، فيبدو جزء من الأسلوب على شيء من الغموض أو الجفاف، أو الالتواء، ويتطلب من القارئ تنبهًا عظيمًا كما يقول الأستاذ "جيب"١. على أن الغالب على تلك الطريقة الإبانة والإفصاح، ولا ينقصها الجمال الطبيعي البعيد عن التلاعب بالعواطف، وعن التوجه المباشر إلى العين بالصورة أو إلى الأذن بالجرس، بل إن هذا الجمال قد يصل أحيانًا إلى حد الشاعرية إذا كان الموقف متطلبًا لذلك، وهذا يأتي جريًا وراء الإحكام الذي يلبس كل مضمون شكله، ويختار لكل موقف ما يناسبه. ومن سمات هذه الطريقة المميزة، استخدام التذييلات الضابطة، والاحتراسات المتحفظة، ضمانًا لإحكام التعبير، وصونًا لدقة المعنى. ومن سمات هذه الطريقة كذلك الميل إلى التفصيلات المنقطية لا اللغوية، واستخدام المقابلات العقلية لا البديعية، وكل ذلك يأتي أيضًا جريًا وراء الإحكام، ورعاية لدقة أداء المعاني.

стр. 385

الحياة وحدها، أو تعد هذه الحياة المتوحدة غايتها، وأمنيتها من السعادة والخلو من الألم؟؟ ". "وإما أن يكون معك في الوجود غيرك على ألا تحس به، أو على ألا يصدمك من هذه الأشياء صادم، ولا يقابلك منها ما ترى أن بينه، وبين حياتك اختلافًا وفرقًا، وهذه هي أشبه الحالات بـ"النرفانا" البوذية، أو هي الموت بذاته في صورة غير صورته المعهودة". "ولست أفرض لهاتين الحياتين حياة ثالثة، إلا أن يتمنى المتمني أن تسره الأشياء الأخرى التي تصادمه في هذا الوجود، فلا يكون إلا مبتهجًا بها راضيًا عن جميع حالاتها، وهذا كالجمع بين المتناقضات؛ لأن منس ره قرب شيء ساءه البعد عنه، ومن أرضاه أن يدرك أملا أغضبه أن يحرمه، فإما حياة متشابهة من جميع الجوانب، فيستوي فيها الخير والشر والحسن والقبيح، بل لا يكون فيها خير ولا شر ولا حسن ولا قبيح، بل لا يكون فيها شيء تتمناه؛ لأنك لا تحرم فيها شيئًا، فكيف تكون هذه الحياة هي رضى النفس، وأمنيتها التي نتمناها؟ وإما حياة تختلف جوانبها ففيها النقيض ونقيضه، وفيها حينئذ ما يسر وما يسوء، وما يلذ وما يؤلم". "وخلاصة هذه الفروض، أن النازل عن الألم نازل عن ذاته، أو حياته في هذا العالم، وأن العقل الإنساني لن يستطيع أن يتخيل حياة مبرأة من الألم، وإن كان يتمناها أحيانًا.. ولو أننا دفعنا خوف الألم يومًا واحدًا من نفوس الأحياء لبادوا جميعًا في ذلك اليوم الواحد؛ ذلك أن أحدًا منهم لا يبالي أن يخبط بجدار، أو يسقط من علٍ أو يغرق في نهر، أو يلقى بنفسه في المهالك التي فيها تلف، وهو لا يتحرك في غيبوبة الألم حركة إلا كان مشفيًا على تلف أو واقعًا فيه، فنحن إنما نحفظ حياتنا الحاضرة بذخيرة من الآلام السابقة، التي عاناها أسلافنا وتعلموا منها ما تعلموه من حيطة ومقدرة، ولا نكاد نضيف شيئًا جديدًا على ما ادخروه من كنوز الحياة، حتى نسلك إليه من سراديب الألم وأنفاقه المظلمة. ولولا أنني أعلم أن الحياة نفس أكب من الألم، وأنكر

стр. 386

أنه كل شيء فيها، لقلت: إن الحياة هي قابلية الألم، وإننا كلما ازداد نصيبنا من الحياة ازداد معه قسطنا من الألم". وليس معنى هذا بالبداهة أنني أمنع الشكوى على المتألمين، فإن الألم الذي لا يشتكي صاحبه فلا فائدة فيه، ولا أنني آبى العطف عليهم؛ فإن النفس التي تتسع للآلام تتسع للعطف عليها، ولكنني أعني أن أجعل الحياة أكبر من ألمها، وأن أقول: إن الحياة التي نألم في سبيلها جديرة أن تكون شيئًا عظيمًا، لا أن أعكس الأمر كما يعكسه بعض الساخطين المتذمرين، فأقول: إنها لحقيرة؛ لأننا نألم في سبيلها١..". جـ- طريقة الرافعي: وإنما فضلت لطريقة الرافعي اسم "طريقة البيان المقطر"؛ لأنه يميل في أسلوبه إلى الناحية البيانية، ويهتم في المقام الأول بجمال الصياغة وروعة الديباجة، ثم؛ لأن بيانه ليس ذلك البيان القريب التناول، البسيط العناصر، الهين الأداء، وإنما هو بيان فيه بعد وتركيب وجهد؛ حيث يجنح صاحبه إلى اعتصار المعاني، وتوليد الأفكرا، ومزج الخواطر، من خلال مجازات مركبة واستعارات بعيدة، وكنايات خفية، فيأت بيانه آخر الأمر أشبه بعملية تقطير لألوان من الزهور المعروفة، والورود المألوفة، والرياحين الشائعة، لاستخلاص عطر مركب مركز غريب، فيه جمال ولكن ليس فيه بساطة، وفيه متعة ولكن ليس فيه جلاء، وفيه فن ولكنه فن المهارة التي تسيطر على الفطرة. وهكذا كان أسلوب الرافعي في النثر قريب الشبه بأسلوب أبي تمام في الشعر؛ تزدحم فيه الاستعارات والمجازات والكنايات والتشبيهات، ولكن في جدة وطرافة وإبداع في كثير من الأحايين، وهذا كله يأتيها من جهة إعمال الفكر وتحكيم المهارة، مما يبعدها كثيرًا عن المألوف، ويجنح بها

стр. 387

إلى غير المتوقع، وقد يسبب ذلك بعض الغموض الذي يصل أحيانًا إلى حد الإلغاز. ومن خصائص طريقة الرافعي -أو طريقة البيان المفطر- أنها تستلهم المعجم القرآني والسني والتراثي على وجه العموم؛ حيث يتكئ الكاتب في كثير من المواطن على لفظة أو عبارة من القرآن الكريم، أو على كلمة أو جملة من الحديث الشريف، أو على حكمة أو مثل أو بيت شعر من مأثورات العرب. ومما يكلم صورة طريقة الرافعي بعد ذلك كله، أنها تميل إلى استخدام بعض البديع، ولكن في اقتصاد وفنية، وبعض هذا البديع يأتي لخدمة الجانب البياني المتصل بروعة الصياغة، كالسجع والجناس، وبعضه يأتي لخدمة الجانب المعنوي الجاانح إلى توليد الأفكار كالمقابلة والتورية. وأهم ما يمثل فن المقالة عند الرافعي وأسلوبه الذي تم له في هذا الفن، تلك المقالات التي كان ينشرها في "الرسالة"، والتي جمع طائفة منها في كتابه "وحي القلم"، وهي تتناول خواطر نفسية، ومشاعر إنسانية، ومواقف إسلامية، وصورًا وصفية، ونظرات إصلاحية، ويغلب عليها جميعًا الطابع العربي، ويشيع فيها الروح الإسلامي، وتتسم في اتجاهها العام بالالتفات إلى التراث. ولعل النموذج التالي يوضح ما ذُكر لطريقة الرافعي من خصائص، وهو جزء من مقال له بعنوان "حقيقة المسلم"، يقول فيه الكاتب: "لا يعرف التاريخ غير محمد ﷺ رجلًا أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله، كما تصب المادة في المادة، لتمتزج بها، فتحولها، فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول به وتنمو، وإذ هو ﷺ وجود سار فيها، فما تبرح الإنسانية تنمو به وتتحول". "كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية، كأنما وهن من طول الدهر عليه

стр. 388

يتحيفه ويمحوه ويتعاوره بالشكر والمنكر، فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد. بدأت به الدنيا تطورها الأعلى، من حيث يرتفع الإنسان على ذاته، كما بدأت من حيث يوجد الإنسان في ذاته، فكانت الإنسانية دهرها بين اثنين: أحدهما فتح لها طريق المجيء من الجنة، والثاني فتح لها طريق العودة إليها، كان في آدم سر وجود الإنسانية، وكان في محمد سر كمالها". "ولذا سمي الدين "بالإسلام"؛ لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية، كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها، فلاحظ له هو من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية به الحظ". "وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ، مبدأ إنكار الذات و"إسلامها" طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها، وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني، أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي، وهو أبدًا يروضها على هذه الحركة ما دام حيًا، فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها ليضعها ما بين يدي حقيقتها الإلهية، يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماة في اللغة خمس صلوات، لا يكون الإسلام إسلامًا بغيرها، فلا غرو كانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها النبي ﷺ : هي عماد الدين، بين ساعات وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة، أي إسلام النفس إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة القائمة على الطاعة للفرض الإلهي، وإنكار المعاني الذاتية الفانية التي هي مادة الشر في الأرض، وإقرارها لحظات في حيز من الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها، ومعنى ذلك كله تحقيق المسلم لوجود روحه، إذا كانت أعمال الدنيا في جملتها طرقًا تشتت فيه الأرواح وتتبعثر، حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه، فتنكرها ولا تعرفها". "وهذا الوجود الروحي هو مبعث العقلية التي جاء بها الإسلام؛ ليهدي الإنسانية إليها، حالة السلام الروحاني الذي يجعل حرب الدنيا

стр. 389

المهلكة حربًا خارج النفس لا في داخلها، ويجعل ثروة الإنسان مقدرة بما يعامل الله والإنسانية عليه، فلا يكون ذهبه وفضته مما كتب عليه "ضرب في مملكة كذا"، ولكن ما يراه هو قد كتب عليه "صنع في مملكة نفسي"، ومن ثم لا يكون وجوده الاجتماعي الأخذ فحسب، بل للعطاء أيضًا، فإن قانون المال هو الجمع، أما قانون العمل فهو البذل". "بالانصراف إلى الصالة، وجمع النية عليها يستشعر المسلم أنه حطم الحدود الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان، وخرج منها إلى روحانية لا يحد فيها إلا بالله وحده". "وبالقيام في الصلاة يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على الجسم كله ليمتزج بجلال الكون ووقاره، كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح بحمده". "وبالتولي شطر القبلة في سمتها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض، يعرف المسلم حقيقة الرمز للمركز الثابت في روحانية الحياة، فيحمل قلبه معنى الاطمئنان، والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها". "وبالركوع والسجود بين يدي الله، يشعر المسلم نفسه معنى السمو، والرفعة على كل ما عدا الخالق من وجود الكون". "وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات، يكون المسلم جالسًا فوق الدنيا يحمد الله، ويسلم على نبيه وملائكته ويشهد ويدعو". "وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالًا جديدًا من جهتي السلام والرحمة". "وهي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا، لجمح الشهوات، وتقييدها بين وقت وآخر بسلاسلها، وأغلالها من حركات الصلاة، ولتمزيق الفناء كل يوم خمس مرات عن النفس، فيرى المسلم من ورائه حقيقة الخلود، فتشعر روحه أنها تنمو وتتسع، هي خمس صلوات، وهي كذلك

стр. 390

خمس مرات يفرغ فيها القلب مما امتلأ به من الدنيا ... ١". د- طريقة الزيات: كذلك آثرت تسمية طريقة لازيات باسم "طريقة البيان المنسق"؛ لأن هذا الكاابت أولًا يميل في أسلوبه إلى الناحية البيانية، ويجعلها في المحل الأول، ثم؛ لأنه ثانيًا لا يعمد إلى البيان البسيط أو إلى البيان المركب، وإنما إلى البيان الذي يقوم على التنسيق والهندسة، فالجملة فيه تعادل الجملة، بل الكلمة تقابل الكلمة، والفقرة توازي الفقرة، حتى ليتألف من الكلمات والجمل والفقرات لوحة بيانية تتقابلب خطوطها، وتتعادل مساحاتها وتتوازن ألوانها، كاللوحات التي ترسم على مسطح قسم أولًا إلى مربعات، كيلا ينحرف خط أو تزيد مساحة، أو يجور لون. والزيات يهتم -لتحقيق ذلك- باستخدام ألوان من المحسنات، ولكن في مهارة فائقة، ورشاقة شفافة، وبعض هذه المحسنات يأتي به لتحقيق التناسق الصوتي كالسجع والجناس، وبعضها يأتي به لتحقيق التناسق المعنوي كالمقابلة والطباق. وهكذا يحس قارئ مقالة الزيات، أنه أمام عمل هندسي مصمم مقسم مهندم، قد اعتنى فيه بالحرف والمقطع والكلمة، مثل العناية بالجملة والعبارة والفقرة. فلا تثقل كلمة وتخف كلمة، ولا تطول عبارة وتقصر عبارة، ولا يوضع جزء من الجملة "نشازًا" دون جزء آخر يقابله ويسانده، ويكون معه عملًا جماليًا أساسه التناسق والتعادل. وأهم ما يمثل فن المقالة عند الزيات، تلك المقالات التي كان يفتتح بها أعداد مجلة "الرسالة"، والتي جمع أكثرها بعد ذلك في مجلدات باسم "وحي الرسالة"، وتلك المقالات تتنوع بين أدبية وسياسية ووصفية، ويغلب عليها وفرة العناية بالإطار، وشدة رعاية جانب الشكل، حتى ليقل الزاد الفكري
следующие страницы →