من إنشائه، وأصبح بعد نحو عشر سنوات مجالًا للخطابة السياسية، التي تعارض الحكومة وتنتقد تصرفات المسئولين، وتندد بالخديو نفسه، وتشن حملات شديدة على التدخل الأجنبي، والحكم الاستبدادي، وتطالب بألوان من الإصلاح في السياسة والحكم والاقتصاد.. كذلك وجدت الحركة العرابية، فكانت مجالًا من أهم المجالات لإنعاش الخطابة السياسة ومدها بأخصب زاد. وكانت أحداث سنة ١٨٨١ بخاصة، وقودًا غذى الخطابة السياسية في مجال الثورة العرابية، وأمدها بفيض من الحياة؛ فحادث قصر النيل وما صاحبه وأعقبه من مؤتمرات واجتماعات، وحادث عابدين وما مهد له وقيل فيه، ثم يوم سفر عبد العال حلمي وقواته إلى دمياط، وسفر عرابي وجنده إلى رأس الوادي، ثم ما كان بعد ذلك من حشد الشعب للوقوف في وجه العدوان الإنجليزي، والتآمر الخديوي، كل ذلك كانت الخطابة إحدى وسائله -بل أهم وسائله- في الإقناع والتحميس والتجميع والعمل.. وهكذا كانت الخطابة السياسية منتعشة في تلك الفترة من جديد، بعد أن ظلت قرونًا ذابلة، أو خامدة لا تكاد يحس لها وجود أو تدرك له حياة.
وفي ميدان الاجتماع وجد عدد من الجمعيات الخيرية والاجتماعية التي اتخذت الخطابة وسيلة لبث أفكار الإصلاح، والدعوة إلى حياة أفضل، في الثقافة، والتعليم، والاقتصاد، وما إلى ذلك. وهكذا كانت الخطابة الاجتماعية -هي الآخر- إحدى وسائل الاستمالة والإقناع والعمل على الإصلاح الاجتماعي في شتى مظاهره، ومن هنا انتعشت الخطابة الاجتماعية، بل وجدت أشبه بالجديدة في الأدب المصري، الذي عرفها مع هذه المظاهر الحضارية، التي لم تكن من موضوعات الخطابة إلا في العصر الحديث.
وطبيعي ألا تكون الخطابة بألوانها المختلفة ذات أسلوب واحد في تلك الفترة، وإن كانت كل الألوان تخلصت -إلى حد كبير- من الجمود والتفاهة، وعدم مراعاة الحال، التي كانت تسيطر على الخطابة الدينية المتخلفة في العصر التركي وما تلاه.. وطبيعي أن تختلف أساليب الخطابة باختلاف ألوانها، فالخطابة السياسية تعمد كثيرًا إلى الإثارة ومخاطبة المشاعر، وتتزين بألوان
стр. 72
من المؤثرات العاطفية كالشعر الحماسي، والقصص الديني ونحو ذلك مما يشد مشاعر الجماهير، ثم تتحلى ببعض المحسنات كالسجع والتقسيم الذي يبعث في الكلام موسيقى، ويزيد به التأثير.. أما الخطابة الاجتماعية، فتعمد أكثر إلى مخاطبة العقل واستخدام المنطق، وقد تتعرض لذكر الأرقام والحقائق المحسوسة، في لغة أشبه بلغة العلم، ومع ذلك لا تترك فرصة يمكن فيها التأثير، وجذب القلوب حتى تنتهزها بأسلوب عاطفي، قد يعتمد على الخيال، ويتحلى ببعض المحسنات ...
وهذا نموذج من خطب عبد الله النديم، خطيب الثورة العرابية١، والنموذج من خطبة هذا الثائر، في مظاهرة توديع أحد زعماء الثورة -عبد العال حلمي-المبعد بقواته إلى دمياط، بعد الحركة العسكرية في عابدين والمطالبة بمطالب الشعب ... وكانت المظاهرة في محطة العاصة قبيل تحرك القطار بالقائد وجنوده.. وفي هذه الخطبة يقول النديم:
"حماة البلاد وفرسانها.. من قرأ التاريخ، وعلم ما توالى على مصر من الحوادث والنوازل، عرف مقدار ما وصلتم إليه من الشرف، وما كتب لكم في صفحات التاريخ من الحسنات؛ فقد ارتقيتم ذروة ما سبقكم إليها سابق، ولا يلحقكم في إدراكها لاحق، ألا وهي حماية البلاد، وحفظ العباد وكف يد الاستبداد عنهما. فلكم الذكر الجيمل، والمجد المخلد، يباهي بكم الحاضر من أهلنا، ويفاخر بمآثركم الآتي من أبنائنا، فقد حيي الوطن حياة طيبة بعد أن بلغت التراقي، فإن الأمة جسد والجند روحه، ولا يحاة للجسد بلا روح، وهذا وطنكم العزيز أصبح يناديكم ويناجيكم، ويقول:
стр. 73
إليكم يرد الأمر وهو عظيم ... فإني بكم طول الزمان رحيم
إذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن أين يأتي للديار نعيم
وإن الفتى إن لم ينازل زمانه ... تأخر عنه صاحب وحميم
فردوا عنان الخيل نحو مخيم ... يقلبه بين البيوت نسيم
وشدوا له الأطراف من كل وجهة ... فمشدود أطراف الجهات قويم
إذا لم تكن سيفًا فكن أرض وطأة ... فليس لمغلول اليدين حريم
وإن لم تكن للعائذين حماية ... فأنت ومخضوب البنان قسيم
ولقد ذكرت باتحادكم وحسن تعاهدكم ما كان من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم- عند تغييب سيدنا عثمان في أهل مكة، من مبايعة أهل الشجرة على حفظه، وصيانته ﷺ ، فصاروا يعنون بالعشرة المبشرين بالجنة"١.
стр. 74
٥- الرواية ونشأة اللون التعليمي:
أما هذا اللون من النثر -وهو الرواية- فقد نشأ منه في تلك الفترة اللون التعليمي؛ بعد أن وضع بذوره رفاعة الطهطاوي في الفترة السابقة؛ فقد ألف علي مبارك١ كتابًا سماه "علم الدين"، وجعل هدفه تقديم معارف منوعه أولًا،
стр. 75
ثم المقارنة بين أحوال الشرق وأحوال الغرب ثانيًا، واختار لتلك المعارف والمقارنة قلب الحكاية، واتخذ صورة الرحلة من مصر إلى أوروبا شكلًا لهذه الحكاية، ثم آثر جعل بطلها شيخًا ريفيًّا مصريًّا أزهريًّا مستنيرًا يصاحب في تلك الرحلة عالمًا إنجليزيا، تعرف به في مصر وهيأ له -بعد أن أعجب به- أن يصحبه إلى أوروبا، ومما يدور بين البطل والعالم الإنجليزي، ومما يكون في الرحلة من مواقف عديدة، يقدم المؤلف مجموعة كبيرة من المعلومات، في العلوم الإنسانية والطبيعية وغيرها، كما يعقد مقارنات بين الشرق والغرب.. ومن هنا كان هذا العمل رواية؛ لأنه اتخذ شكل الرحلة وحكايتها، ثم هو تعليمي؛ لأنه لا يقصد إلى غرض فني أدبي، بل إلى غرض ثقافي تربوي، هو تقديم هذه المعارف والمقارنات في إطار مشوق١.
وواضح أن هذا العمل يتفق مع ما سبق أن ألفه رفاعة الطهطاوي من قبل، باسم "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، فكلاهما معلومات ومعارف تقدم في شكل رحلة، وكلا المؤلفين أزهري مصري يجمع إلى ثقافته الشرقية العربية الدينية، ثقافة أوروبية حديثة، وإن كان علي مبارك تخصص في الهندسة، ورفاعة تخصص في الأدبيات، غير أن عمل علي مبارك قد اعتبر رواية تعليمية على حين اعتبر عمل رفاعة بذورًا لهذا اللون فحسب؛ لأن عمل رفاعة خال تمامًا من العناصر الروائية، باستثناء عرضه للرحلة الواقعية -التي قام بها المؤلف- في صورة يغلب عليها جانب التقريرات الرسمية، والترجمة والسرد العلمي في كثير من المواطن، حتى لقد سمى المؤلف كل فص باسم "مقالة".
стр. 76
أما علي مبارك فعلى الرغم من أن عمله هو الآخر يحكي رحلة المؤلف، فإنه قد أكسب هذه الرحلة شكلًا خياليًّا، حيث وضع لها أشخاصًا بعضهم له أصل من الواقع مثل علم الدين، الذي ليس إلا علي مبارك نفسه، وبعضهم من صنع خيال المؤلف، مثل السائح الإنجليزي، وغيره من الشخصيات، وهذا الجانب الخيالي من جهة، ثم قصد المؤلف قصدًا إلى الحكاية والقص -مما صرح به في صدر الكتاب- من جهة أخرى، قد جعل من هذا العمل رواية تعليمية، ولم يقف بها عند مرحلة البذور الأولى التي وضعها أستاذه الطهطاوي، وقد كان من مظاهر الخيالية والروائية، ومحاولة البعد عن جو الكتاب التعليمي، تسمية المؤلف لكل فصل من الكتاب باسم "مسامرة".
غير أن عمل علي مبارك مع ذلك ليس رواية ناضجة، وذلك لغلبة الجانب العلمي عليه، ولشيوع الجفاف فيه، ثم لعدم التزامه للمقاييس الروائية، وذلك أن المؤلف كثيرًا ما يقدم المعارف والعلوم في هذا العمل ناسيًا أنه يحكي ويقص، وناسيًا أنه وعد بتقديم ما سيقدم في إطار حكاية، ثم هو كثيرًا ما يقطع تسلسل القص لينتهز فرصة -أي فرصة- لحشد المعلومات، وهو أيضًا يجري الأحاديث على ألسنة الشخصيات دون مراعاة لطبيعة هذه الشخصيات، ولا لثقافتها. وأخيرًا هو لا يعني بالتشويق، ولا يلتفت أصلًا إلى العنصر الغرامي -مما تتميز به الرواية التعليمية بصفة خاصة-، ولا يهتم كثيرًا برونق الأسلوب١.
ومن هنا يضعف العنصر الروائي، ويبعد الكتاب عن مقومات الفن، ويعد -في أحسن الاحتمالات- رواية تعليمية غير ناضجة، ومع ذلك فعلي مبارك رائد في هذا اللون من ألوان الرواية الذي يهدف إلى التعليم والمقارنة، ولكتابة فضل السبق على تلك الأعمال التي ستظهر أكثر نضجًا وفنًّا في الفترات التالية..
يقول علي مبارك: ".. وقد رأيت النفوس كثيرًا ما تميل إلى السير والقصص وملح الكلام، بخلاف الفنون البحتة، والعلوم المحضة، فقد تعرض عنها في كثير من الأحيان، لا سيما عند السآمة والملال من كثرة الأشغال،
стр. 77
وفي أوقات عدم خلو البال، فحداني هذا أيام نظارتي لديوان المعارف، إلى عمل كتاب أضمنه كثيرًا من الفوائد، في أسلوب حكاية لطيفة ينشط الناظر إلى مطالعتها، ويجد فيها رغبته فيما كان من هذا القبيل، فيجد في طريقه تلك الفوائد، ينالها عفوًا بلا عناء، حرصًا على تعميم الفائدة وبث المنفعة، فجاء كتابًا جامعًا، اشتمل على غرر الفوائد المتفرقة في كثير من الكتب العربية والإفرنجية، في العلوم الشرعية، والفنون الصناعية، وغرائب المخلوقات وعجائب البر والبحر.. مفرغًا في قالب سياحة عالم مصري، وُسِمَ "بعلم الدين" مع رجل إنجليزي، كلاهما هيان بن بيان، نظمهما سمط الحديث، لتأتي المقارنة بين الأحوال المشرقية والأوروبية١".
هذا وبالإضافة إلى فضل الريادة التي ينسب إلى عمل علي مبارك في ميدان الرواية التعليمية بخاصة، ينسب إليه كذلك فضل الإسهام في لفت الأنظار إلى الفن القصصي بعامة.
وفي مجال لفت النظر إلى هذا الفن، وتشجيع الأقلام على تناوله، وتشجيع القراء على الشغف به، يذكر بعض من ترجموا أعمالًا روائية كبيرة في تلك الفترة، وفي طليعة هؤلاء، يأتي اسم محمد عثمان جلال، الذي ترجم رواية "بول وفرجيني" للكاتب الفرنسي "برناردين دي سان بيير"، وقد عرب محمد عثمان جلال هذه الرواية، وسماها باسم عربي هو "الأماني والمنة في حديث قبول وورد جنة"، بل إنه قد تصرف فيها بما يتلاءم مع الجو العربي، والذوق العربي والقارئ العربي. وبلغ من هذا التصرف، أن جعل لغتها السجع، بل أنطق بعض أبطالها بالشعر العربي الفصيح، وعلى الرغم من أن مثل تلك الترجمة أو مثل هذا التعريب، مما لا يعد من الأعمال الفنية الدقيقة، فإن ما قام به محمد عثمان جلال -رغم عيوبه- قد كان من ألوان النشاط الروائي الفعال الذي أسهم في نقل هذا النوع الأدبي الغربي إلى الأدب المصري الحديث.
стр. 78
٦- المسرحية وميلادها:
لم يعرف التاريخ الفني الحديث في مصر، مسرحيات قبل تلك الفترة التي نؤرخ لأدبها، ولم يكن لمصر مسرح عربي قبل سنة ١٨٧٠ على وجه التحديد؛ ففي هذا التاريخ أنشئ أول مسرح عربي في مصر، محاكيًا أولًا المسرح الأوروبي، ثم مستفيدًا بعد ذلك من نشاط الوافدين الشوام، الذين كانت لهم صلة بفن المسرح، وكتابة المسرحيات قبل ذلك بفترة١.
وبيان ذلك، أن بعض المسارح كان قد أنشئ في مصر قبل هذا التاريخ، غير أن هذه المسارح ظلت أجنبية، لا تقدم عليها مسرحيات عربية، ولا يمثل عليها مملثون عرب، فقد أنشأ نابليون في مصر، أول مسرح سنة ١٧٩٨، لكي يستمتع جنوده ببعض المسرحيات الفرنسية، ثم أنشئ بعد ذلك -في أيام إسماعيل- "مسرح الكوميدي" سنة ١٨٦٨، وقدمت عليه المسرحية الغنائية الإيطالية "ريجوليتو"، ثم أنشئ "مسرح الأبرا" سنة ١٨٦٩، وقدمت عليه المسرحية الغناية الإيطالية "عايدة"، وكان ذلك بمناسبة الاحتفالات التي أقيمت لافتتاح قناة السويس٢، ويلاحظ أن المسرحية العربية لم يكن لها أي مكان على أي مسرح في مصر حتى هذا التاريخ.
وقد كان نشاط الفرق الأجنبية التي عملت في مصر حينذاك، مشجعًا لبعض المصريين على الاشتغال بالتمثيل؛ فقد تحمس يعقوب صنوع، صاحب جريدة "أبي نضارة"، والذي كان قد درس في إيطاليا، وشاهد كثيرًا من المسرحيات فيها، فأنشأ أول مسرح عربي في مصر، وألف له
стр. 79
فرقة دربها على التمثيل، وكتب لها الروايات، وافتتح مسرحه سنة ١٨٧٠ وسماه "التياترو الوطني"، وقد قدم على هذا المسرح اثنتين وثلاثين مسرحية من تأليفه، بالإضافة إلى بعض المترجمات، وكانت مسرحياته المؤلفة، تتناول قضايا اجتماعية وأخلاقية وسياسية، وكان منها الملهاة والهزلية والمسرحية العصرية والمسرحية الغنائية، كما كانت الشخصيات مزيجًا من المصريين والأجانب، وكان المستوى الفني ساذجًا بطبيعة الحال، وكانت اللغة غالبًا العامية، أما مترجماته فكانت عن بعض ملاهي "موليير"، الذي يبدو أن المؤلف كان يعتمد عليه أحيانًا فيما يؤلف من مسرحيات، والذي كان يتأسى به كثيرًا، حتى لقب "موليير مصر".
وقد ظل هذا المسرح المصري الأول يعمل حتى سنة ١٨٧٣، حين أغلقه إسماعيل؛ بسبب التعريض به وبالقصر، في بعض ما كان يقدم من مسرحيات١.
وبعد ذلك بثلاث سنوات، وفد على مصر رجل من إخواننا مسيحي الشام، يسمى سليم نقاش، وكان قد عرف فن المسرح من عمه مارون النقاش، الذي كان قد أنشأ أول مسرح عربي في بيروت سنة ١٨٤٨، وقدم عليه بعض المسرحيات الغنائية وغيرها، وقد واصل سليم النقاش في مصر، ما بدأه "أبو نضارة" قبله بنحو ست سنوات، فقدم على مسرح "زيزنيا" بالإسكندرية، تلك المسرحيات التي كان عمه قد قدمها في بيروت، مضيفًا إليها مسرحيات مترجمة ومقتبسة عن مسرحيات أجنبية، وكان يساعده في إعداد النصوص، الصحفي السوري أديب إسحاق، ولكن الاثنين آثرا بعد فترة أن يوجها جهودهما إلى الصحافة؛ لأنها كانت في ذلك الحين أكثر رواجًا، فتولى أمر الفرقة الشامية زميل لهما هو يوسف الخياط، الذي انتقل بالفرقة إلى القاهرة، فقدمت عرضها على مسرح "الأوبرا"، ولكنها
стр. 80
ما لبثت أن غصب عليها إسماعيل، لاتهامها بالتعريض به، وقد سبب ذلك توقف نشاطها حينًا، ثم عادت إلى التمثيل بين الإسكندرية والقاهرة، وتولدت منها فرقة أخرى سنة ١٨٨٢ برياسة سليمان القرداحي أحد أفراد الفرقة الشامية الأولى، وقد تنافست الفرقتان، ونشطتا حركة التمثيل في مصر١.
وإلى هنا كان أكثر المسرحيات هي المترجمة والمقتبسة، والمعربة والممصرة، وكان أقلها هي المسرحيات المؤلفة.
ويلاحظ أن المسرحيات المؤلفة في ذلك العهد المبكر، لم تصل إلى مستوى الأدب المسرحي، فهي بداية بسيطة لكتابة شيء يعرض على المسرح، ولكنها ليست نصوصًا أدبية تمتع بقراءتها، وتؤدي وظيفة لمتصفحها في كتاب، كوظيفتها لمشاهدها على الخشبة، وهي بعد ذلك لا تصلح للدرس والنقد كباقي نصوص الأدب، وكالأدب المسرحي الذي سوف نجده بعد ذلك شعرًا عند شوقي، أو نثرًا عند الحكيم.
وقد كان الجانب اللغوي من أهم عيوب تلك المسرحيات؛ فهي غالبًا كانت لغة متعثرة بين البديع والركاكة؛ لأنها كانت أحيانًا الفصحى المسجوعة التي يتخللها الشعر غير الملائم للنص المسرحي غالبًا، كما كانت أحيانًا أخرى العامة المهلهلة، التي يتخللها الزجل المقحم في أكثر الحالات٢، ومع ذلك فمسرحيات تلك الفترة -على عيوبها- قد مثلت ميلادها هذا الشكل الفني في مصر لأول مرة، وكانت الخطوات الأولى في هذا الطريق الذي سوف يوصل إلى نشأة الأدب المسرحي.
стр. 81
٧- كتب الأدب وتجددها:
ونعني بها هذا اللون من الكتابات التثقيفية، التي تجم بين مختارات من الشعر، والنثر، والتاريخ، والحكم، والأمثال، وغير ذلك مما يمتع الأديب، ويفيد المتأدب من ثقافة عامة، تتشكل بثقافة المؤلف، وتصور- إلى حد كبير- ثقافة عصره.
وقد عرفنا في أدبنا القديم ألوانًا من هذه الكتب، عند أبي الفرج في كتابه "الأغاني"، وعند ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد".. وكانت تلك الكتب -رغم طابعها الثقافي العام- تسمى "كتب أدب"، بمعنى عام لكلمة أدب، يراد به الثقافة الإنسانية العامة، التي يتخللها الشعر والنثر، وجيد القول المأثور على وجه العموم.
وقد حفظت لنا تلك الفترة التي نسوق عنها الحديث، بعض الأعمال التي يمكن أن توضع في هذا اللون من التأليف الأدبي.. وأهم تلك الأعمال كتابان لرفاعة الطهطاوي، الذي امتد به الأجل إلى تلك الفترة١، وكان لها فيها نشاط لا يمكن أن يغفل هذان الكتابان هما: "مناهج الألباب المصرية، في مباهج الآداب العصرية"، ثم "المرشد الأمين للبنات والبنين"، وكل من الكتابين، يقدم معلومات شتى ومعارف منوعة، في أسلوب أدبي، وتتخللها مختارات الشعر والنثر، وتتناثر فيها المأثورات والتواريخ، وتحليها الحكم والأمثال، ثم إن ما في هذين الكتابين من معلومات ومعارف، تلونها ثقافة رفاعة، التي تجمع بين الشرق والغرب، ويمتزج فيها ما هو عربي أزهري، بما هو أوروبي باريسي، وهي بعد ذلك تصور طابع العصر الذي التقى فيه تياران، أحدهما عربي قديم، وثانيهما غربي حديث ... ومن هنا يمكن اعتبار هذين الكتابين امتدادًا، أو تطورًا لهذا اللون من الأدب التأليفي، الذي عرفناه قديمًا عند أبي الفرج صاحب الأغاني، وابن عبد ربه صاحب العقد.
ويشترك الكتابان في أن لغتهما مرسلة حينًا مسجوعة حينًا آخر، وهي في الحالتين واضحة معجبة، وأجود بكثير من لغة رفاعة في كتابيه السابقين، "تخليص الإبريز" و"مواقع الأفلاك"، ويغلب استخدام السجع والتأنق الأسلوبي في هذين الكتابين المتأخرين، حين يكون المقام عاطفيًا وجدانيًا،
стр. 82
كما يغلب الترسل المتقارب للغة العلم، حين يكون الموقف فكريًا أو علميًا.
على أن الكتابين بعد اشتراكهما في هذه الصفات العامة ينفرد كل منهما بسمات خاصة، فالكتاب الأول يغلب عليه جانب التثقيف العلمي، بمقالات عن التجارة والصناعة والزراعة والسياسة، هذا بالإضافة إلى العلوم الإنسانية كالتاريخ والأخلاق، أما الكتاب الثاين فيغلب عليه التهذيب الأدبي بمقالات في الآداب والتربية، والدين والوطنية والاجتماع، وما إلى ذلك ... وفيما يلي نماذج من الكتابين:
يقول رفاعة في مقدمة "مناهج الألباب": ".... وهو نخبة جليلة، وتحفة جميلة، في المنافع العمومية، التي بها للوطن توسيع دائرة المدنية.. وعززتها بالآيات البينات، والأحاديث الصحيحة والدلائل المبينات، وضمنتها الجم الغفير من أمثال الحكماء، وآداب البلغاء وكلام الشعراء ... "١.
ويقول في "المرشد الأمين" في حديثه عن الوطن وكون مصر أحسن الأوطان: "الوطن هو عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشأته تربته، وغداه هواؤه، وحلت عنه التمائم فيه، قال أبو عمرو بن العلاء: مما يدل على حرية الرجل وكرم غريزته، حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى متقدم إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه، والكريم يحن إلى أحبابه كما يحن الأسد إلى غابة، ويشتاق اللبيب إلى وطنه، كما يشتاق النجيب إلى عَطَنه، فلا يؤثر الحر على بلده بلدًا، ولا يصبر عنه أبدًا، قال الشاعر:
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
وكان الناس يتشوقون إلى أوطانهم، ولا يفهمون العلة في ذلك، حتى أوضحها علي بن العباس الرومي، في قصيدة لسليمان بن عبد الله بن طاهر، يستعديه على رجل من التجار يعرف بابن أبي كامل، أجبره على بيع داره، واغتصبه على بعض جدرها، فقال ابن الرومي:
стр. 83
ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكًا
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا
ولا يشك أحد في أن مصر وطن شريف إن لم نقل: إنها أشرف الأمكنة؛ فهي أرض الشرف والمجد في القديم والحديث، وكم ورد في فضلها من آيات بينات وأثار وحديث، فما كأنها إلا صورة جنة الخلد، منقوشة في عرض الأرض، بيد الحكمة الإلهية، التي جمعت محاسن الدنيا فيها، حتى تكاد أن تكون حضرتها في أرجائها ونواحيها ... "١.
ثم يقول في الكتاب نفسه عن تعليم المرأة: "ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات؛ فإن هذا مما يزيدهن أدبًا وعقلًا، ويجعلهن للمعارف أهلًا، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم ويعظم مقامهن ... وليمكن للمرأة -عند اقتضاء الحال- أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال، على قدر قوتها وطاقتها، فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن، وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة؛ فإن فراغ أيديهن عن العمل، يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل، فالعمل يصون المرأة عما لا يليق، ويقربها من الفضيلة، وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال، فهي مذمة عظيمة في حق النساء، فالمرأة التي لا تعمل تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها، وفيما يأكلون ويشربون ويلبسون ويفرشون، وفيما عندهم وعندها، وهكذا ... "٢.
وهذا الكلام بالإضافة إلى كونه نصًّا أدبيًّا ذا قمية في ذاته، يعتبر ريادة لفكرة إصلاحه اجتماعية كبير، وهي فكرة تحرير المرأة، فقد سبق رفاعة بها قاسم أمين بزمن، وإن لم يتوسع فيها توسع هذا الأخير.
وهكذا يضيف رفاعة إلى ألوان رياداته، لونًا آخر يذكر له مع كل ثناء عرفان بالفضل.
стр. 84
الفصل الثالث: فترة النضال
حوافز النضال واتجاهاته:
١- من جرائم الاحتلال البريطاني:
لقد بدأ الإنجليز يطمعون في الاستيلاء على مصر، منذ أيام الحملة الفرنسية عليها، ولذا طارد أسطولهم الأسطول الفرنسي حتى أغرقه في أبي قير سنة ١٧٩٨، ولذا أيضًا شاركوا في إخراج الفرنسيين من مصر سنة ١٨٠١، وللسبب نفسه حاولوا غزو البلاد بتلك الحملة المعروفة بحملة فريزر سنة ١٨٠٧، ولكن المصريين ردوهم ببسالة في موقعة رشيد الخالدة١.
وحين عجز الإنجليز عن التدخل العسكري المباشر، ظلوا يتحينون الفرص لكسب نفوذ في مصر، حتى يمهدوا به قليلًا قليلًا لما بيتوه من احتلال كامل، وما إن تورط إسماعيل في الديون، حتى أمدته بريطانيا -فيمن أمده من دول- حتى تضيق الحبل حول رقبته، بل حور رقبة مصر، ثم ضرب الإنجليز ضربتهم التي حققت التدخل الفعلي في شئون البلاد، وذلك حين اشتروا حصة مصر من أسهم قناة السويس سنة ١٨٧٥؛ فقد تبع ذلك تدخلهم في توجيه اقتصاديات البلاد وسياستها، بحجة المحافظة على مصالحهم وأموالهم، الممثلة فيما لهم من ديون وحقوق في قناة السويس، وتحقق كثير من طمعهم، ولكنهم لم يرضوا إلا بنيل كل ما بيتوا له، وهو الاحتلال الكامل.
ولذا انتهزوا فرصة تحرك العناصر الوطنية المطالبة بتحقيق مطالب الشعب على أيدي عرابي، وأصحابه، ونفذوا مؤامرتهم الاستعمارية، ليتخلصوا من تلك العناصر الوطنية أولًا، وليتم لهم ما طمعوا فيه من احتلال مصر آخر الأمر.. وهكذا ضربوا الإسكندرية من البحر في يوليو سنة ١٨٨٢، ونزلوا إلى أرض مصر، وتحرك عرابي بجنده لنزالهم، وعمل جهده على تحطيم غزوهم، ولكن
стр. 85
الخيانة والتآمر والغدر كانت فوق طاقة الثائر الأمين الباسل، فهزم عرابي وجنده في معركة التل الكبير، وتم احتلال الإنجليز لمصر في سبتمبر سنة "١٨٨٢"١.
ومعروف أن أهم أطراف المؤامرة كانت تتمثل في توفيق الخائن، والإنجليز المعتدين، ولذا تآزر هذان الطرفان من أول أيام الاحتلال على إضعاف كل القوى الواعية في مصر، حتى تستحيل البلاد إلى حقل كبير ينتج القطن لمصانع بريطانيا، ويصب المال في جيب الخديوي، وأعوانه الرجعيين.
وتبعًا لتنفيذ تلك الخطة، اكتفى الخديوي من حكم البلاد بالاسم، وبعض مظاهرة الشكلية الزائفة التي يضمنها له الإنجليز، وأطلق الأيدي هؤلاء المعتدين في مصر، يصفون كل قواها الواعية على الوجه الذي يحقق أطماعهم، ويسدد لهم ثمن حمايتهم للخديوي الخائن.
وهكذا نفي عرابي وأصحابه، وصفيت كل العناصر الوطنية في الجيش وخارجه، إما بالنفي أو السجن أو الاختفاء، ونتيجة للسياسة التي رسمها الإنجليز وأشرفوا على تنفيذها بوساطة مستشاريهم، ومعتمديهم٢، سرح الجيش
стр. 86
الوطني القوي الذي حارب مع عرابي، وكان يضم كثيرًا من الوطنيين الأقوياء البواسل، وأعيد تكوينه على ضعف وهزال، وفي عدد لا يتجاوز ستة آلاف، على رأسهم "سردار" إنجليزي يعاونه طائفة من كبار الضباط الإنجليز، كذلك أغلقت مصانع الأسلحة كلها وبيعت آلاتها، كما أنهيت البحرية المصرية، وبيعت سفنها، وشبيه بما فعل مع الجيش لتصفيته، وإضعافه وجعله في قبضة المحتلين، فعل مع البوليس، بوضع رجل إنجليزي على رأسه، وتعيين وكيل إنجليزي لوزارة الداخلية.
ونتيجة للسياسة الإنجليزية نفسها أرهق الاقتصاد المصري بل خنق؛ وذلك بتعيين مستشار إنجليزي للمالية، وإجهاد الخزانة المصرية بتعويضات مجحفة تؤدي للأجانب عما أصابهم من خسائر وهمية، ثم كان من عوامل خنق الاقتصاد المصري، وإرهاق المصريين ماليًّا تحميل مصر تكاليف جيش الاحتلال والموظفين الإنجليز، ثم تحميلها كذلك تكاليف حرب المهدي في السودان١.
هذا فيما يتصل بالقوتين العسكرية والاقتصادية، اللتين تمثلان للبلاد ساعدها الذي تحتمي به، وقلبها الذي تعيش عليه. أما فيما يتعلق بالقوتين الثقافية والأخلاقية، فقد عمل الاحتلال على إضعافهما ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فقد عوقبت البعثات٢، وأهملت المعاهدات العالية٣، واقتصر الاهتمام.
стр. 87
بالتعليم على اللون الذي يخرج طائفة من الموظفين الذي يعملون تحت رياسة رؤساء من الإنجليز.
وكان من أبرز مظاهر تخلف التعليم في عهد الاحتلال، انخفاض نسبة المتعلمين في الأربع والعشرين سنة الأولى من الاحتلال إلى النصف، وانخفاض ميزانية التعليم بشكل واضح عما كانت عليه قبل الاحتلال١، وقد اعترف بذلك الإنجليز على لسان رجهلم في مصر حينذاك "كرومر"٢، الذي كان يدعو جهرًا إلى عدم تقدم التعليم في مصر٣.
كذلك فرضت اللغة الإنجليزية على التعليم، وحوربت اللغة العربية ألوانًا من الحرب، فلم تعد وسيلة للتدريس، وإنما حلت محلها لغة المحتلين٤، ولم تترك الفصحى وسيلة للتعبير خارج قاعات الدرس، لتنمو وتتطور، وتصل المصريين بالماضي العربي المشرق، والتراث الإسلامي المجيد، وتجمعهم مع إخوانهم العرب والمسلمين في كتلة قوية واعية، وإنما ظهرت دعوات خبيثة من خبر الاستعمار، وبعض من خدع فيهم من العرب، وراحت هذه الدعوات تهاجم الفصحى، وتنسب إلى المصريين التخلف والعجز بسببها،
стр. 88
وتنادي باتخاذ العامية لغة للتأليف العلمي والأدبي، وبإحلال العامية محل الفصحى في القراءة والكتابة١.
وهكذا عوُقت الحركة العلمية، وتناقص عدد المتعلمين، ووجدت اللغة العربية صعوبات وعراقيل، وأصبح من يشتغلون بها من الطوائف المضطهدة في رزقها، وفي وضعها الاجتماعي.
كذلك حل المستعمرون "مجلس شورى النواب"، بحجة أن المصريين لم يصلوا بعد إلى المرحلة التي يستطيعون فيها أن يكون لهم مجلس نيابي، أو حكومة ديمقراطية، وقد استعاضوا عن هذا المجلس بثلاث مؤسسات أخرى هي الجمعية العمومية، ومجلس شورى القوانين، ومجال المديريات، وكل هذه المؤسسات لا تغني عن المجلس النيابي شيئًا بطبيعة الحال، وإن برر الإنجليز مسلكهم العدواني بأنهم يريدون أن يدربوا المصريين على الحكم النيابي الذي لم يصلوا إلى مستواه في زعمهم٢.
стр. 89
وفي الوقت نفسه أخمدت أنفاس الصحافة بسبب أقل شبهة في معاداة الإنجليز أو الخديو، فمنعت "العروة الوثقى" من دخول مصر، وكان يصدرها في باريس جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وقت إبعادة عن البلاد، بعد الثورة العرابية. كذلك ألغيت صحيفة "الوطن"، وصحيفة "مرآة الشرق"، وصحيفة "الزمان"، وعطلت "الأهرام" بعض الوقت١.
وهكذا خنقت روح القوة الأخلاقية، وهي الحرية، وأصبح بعض الناس يتشكلون وفق مصالحهم، أو ما يرونه من صالح جماعتهم، فتقرب نفر من المستعمرين، وهادن آخرون الحكام الخائنين، وبدأت المفاسد الخلقية التي تخلفها مصادرة الحرية تظهر في صورة شتى، ولكن كلها قبيح شائه كريه.
وقد أضيف إلى هذا العامل الرئيسي المفسد للأخلاق، عامل الضغط الاقتصادي على طبقات الشعب الكادحة، بما كان من استغلال الإقطاعيين لهم، وامتصاص المرابين لدمائهم، وجور السلطان عليهم، أجل أضيف هذا العامل الاقتصادي المفسد، إلى العامل المعنوي المتلف، فتضاعفت المأساة، وظهرت مع الاحتلال عيوب خلقية عديدة، في طليعتها: النفاق، والجشع والحقد، وما إلى ذلك مما يخلفه فقدان الحرية، وسوء النظم الاقتصادية.
كذلك أدخل الاحتلال إلى مصر ألوانًا من المباذل الوضيعة، كالبغاء الرسمي ونوادي الميسر، وحانات الخمر، وظهرت هذه المباذل في المدن، وجرفت كثيرًا من المواطنين، فعرفت حياتنا الاجتماعية -وخاصة في المدن- عيوبًا لم تعرفها قبل عهد الاحتلال٢.
وهكذا عمل الاستعمار على قتل القوتين الثقافية والأخلاقية، اللتين
стр. 90
تمثلان عقل الأمة، وضميرها تماماً كما عمل على قتل القوتين العسكرية والاقتصادية، اللتين تمثلان ساعد الأمة وقلبها.
حقيقة قد أباح الاحتلال -بعد فترة- إنشاء بعض الصحف، كما سمح بقيام بعض الأحزاب، ولكن ذلك كان أساسًا لتأجيج الخصومات، وتفريق شمل الأمة.
وحقيقة قد قام الاحتلال ببعض ألوان من إصلاح الري، وإقامة بعض السدود والقناطر، ولكن ذلك كان بقصد زيادة محصول القطن، الذي كانت تحتكره المصانع الإنجليزية، على أن هذا كله لم يخلف رخاء اقتصاديًا، ولم يرفع مستوى الشعب، وإنما زاد من ثراء طائفة من كبار الملاك، وضاعف من تحكمهم في الطبقة الكادحة١.
ومن ذلك كله كانت التركة التي خلفها الاحتلال، تركة مثقلة رهيبة تحتاج إلى نضال صابر وكفاح مرير، حتى يصلح ما فسد ويقوم ما اعوج، كان على البلاد أن تناضل في ميادين عديدة، في ميادني السياسة ضد المحتل وحليفه اقصر، وفي ميدان الاقتصاد ضد الفقر والاستغلال، وفي ميدان التعليم ضد الجهل والأمية، وفي ميدان الثقافة ضد العدوان على اللغة وتراث العرب والإسلام، وفي ميدان الاجتماع ضد التخلف والجمود، وفي ميدان الأخلاق ضد التبذل والتفرنج.
والحق أن الاحتلال لم يستطع -رغم وسائله العديدة- أن يحول بين الرواد المصريين، وبين خوض معركة النضال من أجل تخليص الوطن، وإصلاح ما فسد من أمره، وكل ما استطاعه الاحتلال هو أن يعوق مسيرة مصر إلى نهضتها، وأن يكلفها الكثير من التضحيات والجهد، لكي تحقق ما تصبو إليه من هدف كبير، وقد أثبت مصر في نضالها الشريف، أنها بإيمانها ونبل غايتها، أقوى من الاحتلال بكل جيوشه، وخسيس أهدافه.
стр. 91
٢- مراحل النضال وطرائقه:
كانت السنوات العشر الأولى من سني الاحتلال سنوات كئيبة، خيم فيها ما يشبه الذهول الذي يصيب المرء من أثر الصدمة، وكان للضغط الشديد الذي يفرضه الإنجليز، وللاضطهاد البالغ الذي وقع بالمصريين، أثر كبير في سيطرة هذا الجو الكئيب، الذي أوقف -تقريبًا- كل نشاط سياسي، للقيادات المصرية، ووجه النضال إلى طريق الإصلاح الديني والفكري، الذي تزعمه من رأوا أن الحالة غير ملائمة للعمل السياسي، وأن الواجب انتهاز الفرصة للإصلاح في ميادين أخرى تؤهل المواطنين بعد ذلك للحياة الأفضل.
وكان في مقدمة هؤلاء المصلحين، الإمام محمد عبده، الذي أخذ نفسه -بعد عودته إلى مصر، وبعد انتهاء مدة إبعاده- بإصلاح الأزهر والقضاء الشرعي، وبتوضيح الجوانب المشرقة في الإسلام، والرد على طعنات أعدائه، كما اهتم كثيرًا بجانب الإصلاح الديني، والفكري على وجه العموم١.
ولما مات توفيق، وتولى عباس حلمي سنة ١٨٩٢، أراد هذا الخديو الجديد - في أول عهده- أن يدعم سلطانه، وأن يتكئ على سند غير سند الإنجليز الذين لا أمان لهم في السياسة، فتظاهر بالوطنية، وأبدى كثيرًا من المظاهر التي يخالف بها سابقية من الحكام، فأخذ يستقبل طوائف الشعب في مناسبات عديدة، وراح يزور الأقاليم المصرية المختلفة، وبدأ يقرب العناصر الوطنية ويؤازرها، فأصدر عفوًا من المشتركين في
стр. 92
الثورة، بل تعدى ذلك إلى تشجيع المصريين على مقاومة الإنجليز، وعدم الخضوع لهم١.
وكان المصريون من جانبهم، قد بدأت تتبدد صدمتهم بالاحتلال، وشرعوا يثوبون إلى أنفسهم، ويعون واقعهم ويدركون واجبهم، ومن هنا بدأ النشاط السياسي النضالي يظهر، وأخذ نفر من الزعماء المصريين الجدد يندد بالاحتلال، وينتقد وجود الإنجليز، وينادي بالاستقلال والحرية.
وكان الإنجليز بدورهم قد بدءوا يخفقون قبضتهم على الصحافة، وعلى العمل السياسي، أملا في أن تشغل المعارك الصحفية المصريين عن الإنجليز، وطمعًا في أن يستهلك النزاع الحزبي جهود المواطنين، ولكن المصريين أحسنوا -إلى حد كبير- الإفادة من الفرصة المتاحة؛ فأنشأوا الصحف الوطنية، وراح كتابهم يهاجمون الاستعمار، وينادون بالحرية، ويناضلون جاهدين لتخليص الوطن مما جلبه عليه الاحتلال٢.
وهكذا بدأ النضال السياسي، ولكنه أخذ اتجاهين مختلفين، الاتجاه الأول يلونه حماس ديني، فيرى أن المشكلة الأولى هي مشكلة جلاء الإنجليز، وإنهاء الاحتلال ولكن مع الإيمان بأن الجامعة الإسلامية، هي طريق القوة، وبأن الولاء للخلافة -التي يعتبر الخليفة التركي رمزًا لها- ولاء ضروري تفرضه فكرة الإيمان بضرورة قيام جامعة إسلامية تتكتل لتواجه خطر الاستعمار.
ورغم أن زعماء هذا الاتجاه كانوا من ذوي الثقافة المدنية الحديثة، وأنهم لم يكونوا من رجال الدين، قد كانت عواطفهم الدينية تلون أفكارهم، وتوجه
стр. 93
دعوتهم كما كان لسياستهم ما يبررها -في نظرهم- حينذاك، من وجوب التكتل أمام قوى الغرب، ومن وجوب جمع كلمة المسلمين تحت فكرة الجامعة الإسلامية، وعدم الانفصال عن الخلافة باسم القومية أو الوطنية؛ لأن ذلك معناه الانقسام، وإتاحة الفرصة للمستعمر ليلتقم أمم الإسلام واحدة وراء أخرى١.
وكان يمثل هذا الاتجاه الأول؛ الحزب الوطني، ويقوده مصطفى كامل الذي اتخذ صحيفة اللواء لسان حاله٢.
كما كان أصحاب هذا الاتجاه، وعلى رأسهم مصطفى كامل، موالين -أول الأمر- للخديوي الجديد عباس، لما كان يظهره من وطنية ومؤازره للوطنيين، وكراهية ومناوأة للإنجليز، ثم عادوا فعادوا عباسًا وحاربوه، وذلك حين ضعف أمام الضغط الإنجليزي وانقلب على الوطنيين، وهادن المحتلين حتى انتهى معهم إلى سياسة الوفاق٣.
أما الاتجاه الثاني من اتجاهي النضال الوطني، فقد كان يلونه حماس قومي، فهو يرى أن فكرة الجامعة الإسلامية غير ممكنة التحقيق، وأن الانفصال عن الخلافة واجب بعدما كان من فساد الخلفاء الأتراك، وأنه لا ولاء إلا لمصر، ولا عمل إلا من أجل مصر، وأن مصر للمصريين وأصحاب هذا الاتجاه يعتقدون بعد هذا المشكلة الحقيقية هي الاحتلال، وأن إخراج الإنجليز من مصر واجب، ولكن ذلك يجب أن يسبقه إعداد
стр. 94
الشعب لحكم نفسه، وتأهيله لتملك المسئولية الكبيرة؛ وذلك بتنويره وتثقيفه، وبتعويده نظم الحكم الحديثة، ومن هنا شغل أصحاب هذا الاتجاه أنفسهم أولًا بالإصلاح الفكري والاجتماعي والسياسي، وعملوا على أن يقوم في مصر حكم ديمقراطي، فيه وزارة من المصريين تزاول عملها على أساس المسئولية البرلمانية، وفيه برلمان يمثل الشعب، ويراقب أعمال الوزارة وباقي السلطات.
وكان هذا الاتجاه ممثلًا في حزب الأمة، ويتزعمه لطفي السيد، الذي اتخذ صحيفة الجريدة لسانًا لحاله١.
ويلاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه الثاني، كانوا -في جملتهم- من كبار الملاك وأبنائهم، وكانوا بين مستمدين لنفوذهم مما تحت أيديهم من إقطاع كبير، مثل محمود سليمان رئيس حزب الأمة؛ وبين مستمدين لنفوذهم مما في رءوسهم من ثقافة واسعة، مثل لطفي السيد محرر الجريدة، وقاسم أمين أحد مفكري الحزب.
على أن الجميع كانوا يعتقدون أنهم أصحاب المصالح الحقيقية في مصر، وأنهم أحق بالحكم والسلطان، وتولي شئون البلاد من الأتراك وأسرة محمد علي، ومن هنا أخذت سياستهم هذا الاتجاه الذي يهدف أقرب ما يهدف إلى الإصلاح السياسي الداخلي ونيل الدستور، وأخذ أكبر قسط من السلطة التي في يد الخديوي، ومن هنا لم يكن أصحاب هذا الاتجاه في تحمس أصحاب الاتجاه الأول، لإخراج الإنجليز٢، وإن كانوا لم يقروا بقاءهم بطبيعة الحال٣.
стр. 95
على أن ارتباط أصحاب الاتجاه الأول بفكرة الجامعة الإسلامية، صبغت دعوتهم الإصلاحية، وكل نشاطهم النضالي بطابع إسلامي عربي واضح، وذلك لارتباط الإسلام بالتراث العربي ارتباطًا لا انفصام له، ومن هنا عنوا بالتراث العربي والاهتمام به، والإقبال على تمثله والاعتماد عليه، كما نافحوا عن اللغة العربية، وتصدوا للدعوات المحاربة لها أو الغاضة من شأنها، كما اهتموا بإشاعة القيم الإسلامية العربية، والاعتماد على الأسلوب الحضاري الذي عرفته حضارة العرب والإسلام، ولم يفتنوا كثيرًا بالحضارة الغربية، وأساليبها الغربية الوافدة.
كما أن ارتباط أصحاب الاتجاه الثاني بفكرة القومية، شكل دعوتهم الإصلاحية، وكل نشاطهم النضالي بطابع غربي أوروبي واضح، فإيمانهم بالقومية، جعلهم يعطون ظهرهم للخلافة، ويولون وجوههم شطر البلاد التي نشأت فيها القوميات، والتي ازدهرت فيها مدنية حديثة تبهر الأبصار.
ومن هنا شغل أصحاب هذا الاتجاه الثاني شطرًا كبيرًا من نشاطهم بألوان من الإصلاح الفكري والاجتماعي والسياسي، الذي يستمد مثله الأعلى من حضارة الغرب ومدنية أوروبا؛ فنادوا بفصل الدين عن الدولة، كما نادوا بفكرة الوطنية بمفهوم عقل مصلحي، لا بمفهوم وجداني حماسي، كذلك دعوا إلى تفسير نصوص الدين بما يلائم الحضارة ويتفق مع التطور، وظهرت في هذا المجال دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة١.
والحق أن الاتجاه الأول أخذ -من الناحية السياسية- يضعف شيئًا
стр. 96
فشيئًا حتى أصبحت دعوته السياسية أشبه بحلم يعيش عليه بعض المتحمسين. أما من الناحية الفكرية، فقد كان خلال تلك الفترة في المحل الأول، ثم استمرت دعوته وعاشت عبر السنين، كتيار فكري يرى أن نقطة الانطلاق إلى الثقافة، والحضارة يجب أن تبدأ مما عرفه العرب أيام مجدهم الزاهر.
وأما الاتجاه الثاني فقد استطاع -من الناحية السياسية- أن يتغلب، وذلك بسبب قوة نفوذ السائرين فيه، وكونهم يقتسمون الثراء المادي والفكري جميعًا.
وقد ساعد على تغلب هذا الاتجاه من الناحية السياسية، ما مني به أصحاب الاتجاه الأول من ضربات أضعف قوتهم، وقللت أعوانهم، ومن تلك الهزائم معاداة الخديو لهم بعد أن انقلب على الوطنيين وهادن الإنجليز، ومنها تخلي فرنسا عن مؤازرتهم ضد بريطانيا، بعد الاتفاق الودي الذي تم بين الدولتين سنة ١٩٠٤، والذي أطلقت به فرنسا يد بريطانيا في مصر، وأطلقت به بريطانيا يد فرنسا في المغرب، ومنها ظهور دعوة تركيا الفتاة، ومناداة بعض الأتراك أنفسهم بترك فكرة الخلافة، ومنها بعد ذلك كله ما كان من تخلف تركيا وفساد خلافتها، وعدم ارتياح وطني مستنير إلى الارتباط بها على الرغم من تخلفها، وضعتها وفسادها.
أما من الناحية الفكرية، فقد كان هذا الاتجاه في المحل الثاني، ولم يستطع أن يتغلب على الاتجاه الأول، بل عاشا معًا يمثلان ثنائية "أيديلوجية" في الحياة الفكرية والاجتماعة، ثم يشكلان أهم اتجاهات الأدب كما سنرى إن شاء الله. على أن من الحق أن يقال ابتداء: إن هذا الاتجاه الثاني، هو الذي فتح الطريق إلى التجديد في الأدب، ومعهد إلى تعرف الأدب بالتيارات الغربية الحديثة، والفنون الأدبية الجديدة.
وهكذا أصبح النضال السياسي -بعد ضعف الحزب الوطني- ممثلا في حزب الأمة، وقد آثر هذا الحزب البدء بنواحي الإصلاح، والإعداد للاستقلال وخطا في ذلك خطوات فساح، ثم قامت الحرب الكبرى الأولى سنة ١٩١٤.
стр. 97
وكان الخديوي عباس في تركيا لبعض شئونه، فانتهزت بريطانيا الفرصة، وأعلنت الحماية على مصر، ومنعت عباسًا من العودة إلى البلاد، وولت آخر من أسرة محمد علي، هو حسين كامل، الذي خلعت عليه لقب سلطان١.
وعاش المصريون فترة الحرب الكبرى الأولى في ضيق بالغ، وتحت ضغط رهيب، حيث فرض الإنجليز على الصحف الرقابة، وأعلنوا الأحكام العسكرية، وساقوا المصريين إلى العمل الشاق المهين تحت اسم "السلطة"، واستولوا على كثير من أقوات أبناء البلاد، وأموالهم لإمداد الجيوش البريطانية، كل هذا تحت عين الحكام من أبناء أسرة محمد علي، والمواطنون وزعماؤهم مكبلوا الإرادة مغلولو القدرة، لا يستطيعون أن يقاوموا هذا الطغيان، إلا بما سمحت به ظروفهم القاسية، حينذاك، كالسخط على الإنجليز والابتهاج بكل ما يصيبهم من هزائم، وكبعض المحاولات لاغتيال صنائعهم من الحكام المفروضين على البلاد، فقد اعتدى على السلطان حسين مرتين بقصد اغتياله، ولكنه نجا في المرتين، واستمر ضغط الإنجليز من جانب، وتمكين صنائعهم لهم من جانب آخر، حتى نهاية الحرب٢، فلما وضعت الحرب أوزارها، وأعلنت الهدنة سنة ١٩١٨، تقدم نفر من زعماء البلاد٣ إلى المعتمد البريطاني، مطالبين برفع يد الإنجليز عن مصر، ثم تألف وفد٤، وطلب السماح لبعض أعضائه بالسفر إلى إنجلتراء لحضور مؤتمر الصلح الذي ستسافر إليه وفود عديدة من
стр. 98
الشعوب لتعرض مطالبها، ولكن هذا المطلب العادل قوبل بالرفض، بل تجاوزت سلطات الاحتلال ذلك إلى اعتقال بعض زعماء الوفد، ونفيهم إلى "مالطة"١. وهكذا شبت الثورة المصرية في مارس سنة ١٩١٩، واشتركت فيها كل القوى الوطنية، وبهذه الثورة تُوجْت تلك المرحلة من مراحل نضال الشعب المصري البطل٢.
стр. 99
٣- بعض معالم النضال المشرقة:
وقد كان للنضال المصري في تلك الفترة معالم بارزة في شتى الميادين، وارتبطت بعض تلك المعالم ببعض الأحداث الكبرى التي شهدتها هذه السنوات، وكان هذا النضال هو الرد الطبيعي على جرائم الاحتلال، ومحاولته لقتل كل القوى الواعية في البلاد.
فقد قوبلت مجاربته للتعليم بحركة مضادة، تدعو إلى بذل الجهود الوطنية في إنشاء المدارس ونشر الثقافة١، وقد توجت تلك الجهوند بإنشاء الجامعة المصرية الأهلية سنة "١٩٠٨"٢، وقد أضيف إلى نضال المصريين في هذا الشأن، مقاومتهم للحيلولة بين أبنائهم، وبين البعثات التي عوقها كرومر، فراح القادرون منهم يبعثون بأولادهم لاستكمال دراساتهم في فرنسا التي كان الإنجليز يحاربون ثقافتها، كما عملت الجامعة بعد إنشائها على إيفاد بعض خريجيها الممتازين إلى فرنسا لاستكمال دراستهم٣.
стр. 100
كذلك قوبل ضغط الاحتلال على الحريات وخنقه للصحافة، بإظهار مزيد من الصحف التي فضحت جرائمه، وشهرت بعدوانه، وقد كان في طليعة الصحف الوطنية في ذلك العهد صحيفة "المؤيد" للشيخ علي يوسف، وقد ظهرت سنة ١٨٨٩، وارتفع صوتها منذ العام الأول بمسألة الجلاء١، ثم ظهرت صحيفة "الأستاذ" للسيد عبد الله النديم سنة ١٨٩٢، وحملت على الاحتلال والفساد الذي جرَّه على البلاد، حتى ضاق بها الإنجليز، وضغطوا على الخديو حتى أبعد صاحبها عن مصر٢، ثم ظهرت "اللواء" لمصطفى كامل سنة ١٩٠٠، فكانت سوط عذاب على الإنجليز وعملائهم وجرائمهم، ثم ظهرت "الجريدة" لسان حال حزب الأمة سنة ١٩٠٧، وكان يرأس تحريرها لطفي السيد٣، وقامت هي الأخرى بدور في تحرير الفرد والجماعة لا يمكن أن يجحد، وإن لم تكن في حماس "المؤيد" و"الأستاذ" و"اللواء" فيما يتعلق بموضوع الجلاء، والتشهير بالإنجليز.
وقد كان من أبرز الأحداث التي وجد فيها الوطنيون، والصحافة الوطنية مجالا لمهاجمة الإنجليز، حادث دنشواي الذي وقع سنة ١٩٠٦، والذي نصب فيه الإنجليز المشانق وأدوات التعذيب لأبناء تلك القرية المسالمة من قرى المنوفية، قبل أن يحاكموا بتهمة قتل أحد الإنجليز، الذين كانوا قد ذهبوا إلى تلك القرية لصيد الحمام، فأصيب بضربة شمس أنهت حياته٤.
وكذلك قوبل الضغط الاقتصادي، وما خلفه من فقر وعدم، بدعوات إلى مساعدة المعوزين، ومديد العون إلى المحتاجين، وأنشئت الجمعيات الخيرية، وأسست الملاجئ ونحوها من دور البر.
كذلك قوبل ما بثه الاحتلال من مفاسد خلقية، وما أشاعه من مباذل،
стр. 101
بدعوات حارة إلى الأخذ بالأخلاق الكريمة، وازدراء العادات المريضة الوافدة من الغرب العادي، وكان أكثر الداعين إلى صلابة الخلق، واستقامة السلوك من أصحاب الاتجاه العربي الإسلامي١، وكانت دعوتهم تتخذ أشكالًا مختلفة من أشكال الأدب، كما سنرى حين نفصل القول في أدب هذه الفترة، وكان التراث العربي الإسلامي، وتقاليده الحضارية في ماضيها المشرق تمد هؤلاء الدعاة بكثير مما يؤدي دعوتهم، ويمنحها المادة والشكل على السواء.
وعلى الجملة، قد أشعلت آثام الاحتلال، ومفاسده روح المقاومة، وشحذت النفوس للنضال، الذي تحرك في كل الميادين، وتوجته ثورة سنة ١٩١٩.
стр. 102
الأدب بين المحافظة والتجديد
أولا: الشعر
سيطرة الاتجاه المحافظ البياني
...
الأدب بين المحافظة والتجديد:
كان الطابع الغالب على أدب تلك الفترة هو طابع المحافظة واستلهام الماضي، أو اتخاذ التراث العربي المشرق الذي خلفته عصور الازدهار نقطة انطلاق نحو أدب معاصر، وليس معنى ذلك أن التيار الفكري المتجه إلى الحضارة الغربية لم تكن له آثار أدبية تصوره، وإنما الذي يراد تقرير هو أن هذا التيار الغربي كان في تلك الفترة في طور التمهيد، والإعداد الفكري لظهور الأدب الذي يمثله١، وقد ظهر وليدًا غضا، أمام أدب محافظ قد استوى واستحصد، وملك على الناس مشاعرهم الفنية، وشكل لهم أنماطهم الأدبية، وهكذا لم تكن القوة الأدبية لهذا التيار الغربي المجدد، معادلة لقوة التيار العربي المحافظ، بل لم تكن قوة هذا التيار الغربي في ميدان الأدب معادلة لقوته هو نفسه في مجال الفكر والإصلاح الاجتماعي؛ نظرًا لكونه من الناحية الأدبية قد كان محتاجًا إلى تغييرات فكرية ونفسية واجتماعية كبيرة تمهد له، وتعد للأخذ به، وتدفع إلى السير في طريقه. ومن هنا كانت غلبة الطابع المحافظ على الأدب بفنونه المختلفة، على الوجه الذي يتضح تفصيله فيما يلي:
أولاً: الشعر:
١- سيطرة الاتجاه المحافظ البياني:
عرفنا من حال الشعر في الفترة السابقة، أنه قد ظهر الاتجاه المحافظ البياني الذي راده البارودي، وبعث به الشعر العربي، وذلك حين رده إلى استلهام النماذج الجيدة التي خلفتها عصور الازدهار، وحين جعل النموذج البياني
стр. 103
المشرق قالبًا للتعبير عن أحاسيس الشاعر وتجاربه، وعن قضايا وطنه وأهم أحداث عصره١، وعرفنا كذلك أن هذا الاتجاه لم يكن وقت ظهوره على يد البارودي هو الاتجاه الشعري الوحيد، بل لم يكن الاتجاه الفني الغالب، وإنما كانت الغلبة لذلك الاتجاه التقليدي الجامد، الذي كان يمثله شعراء عديدون، تقيدهم -عادة- بقايا أغلال العصر التركي والمملوكي، وتكبل شعرهم -غالبًا- ألوان من الألاعيب اللفظية والمحسنات المتكلفة، لتستر ضحالة الموضوعات، وفقر الأفكار، وبرودة المشاعر، وتهافت الأسلوب٢.
ونضيف الآن، أن هذا الاتجاه المحافظ البياني، قد أخذ يقوى عوده رويدًا رويدًا، على يد الجيل الذي خلف البارودي، حتى استحصد في هذه الفترة التي نسوق عنها الحديث، بل حتى سيطر سيطرة توشك أن تكون تامة، ومن هنا اختفى -أو كاد- ذاك الاتجاه التقليدي الجامد، وأصبح الاتجاه الذي يملأ الحياة الأدبية هو هذا الاتجاه المحافظ البياني الحي، الذي راد طريقه البارودي في الفترة السابقة، وأصبح جيل الشعراء في هذه الفترة، يسيرون في نفس اتجاهه، ويترسمون خطاه؛ فإسماعيل صبري٣، وأحمد شوقي٤،
стр. 104
وحافظ إبراهيم١، ومحمد عبد المطلب٢، وبقية شعراء هذا الجيل التالي من أمثال أحمد محرم٣، وعلي الغاياتي٤،
стр. 105
وغيرهم١؛ قد صاغوا شعرهم على طريقة البارودي، وساروا في فنهم على دربه: فقضوا قضاء شبه تام على الطريقة التقليدية الجامدة، وجعلوا السيطرة للاتجاه المحافظ البياني، وذلك بفضل تمكنهم من أسلوب هذا الاتجاه، وكثرة نتاجهم بطريقته، وقوة تمسكهم بتقاليده، ثم لإلحاح دواعي السير على منهجه.
وقد عرفنا أن أهم أسباب ظهور هذا الاتجاه في الفترة السابقة، كانت تتمثل في هذا النوعي الناضج عند بعض المثقفين، الأمر الذي حمل على الالتفات إلى مجد الماضي وتراث الأمس، للاتكاء عليه ومواجهة تحدي الحضارة الغربية به٢، ونضيف الآن أن النضال الذي شهدته الفترة التي نسوق عنها الحديث، قد عمق الإحساس بتلك الفترة، وجعل الارتباط بالماضي العربي أقوى والاتكاء على التراث المجيد أشد، وخاصة عند هذه الجمهرة من المثقفين الذين يؤمنون بفكرة الجامعة الإسلامية، ويرتبطون تبعًا لها بالتراث الإسلامي العربي٣، ومن هنا كان هذا الشغف البالغ بالاتجاه المحافظ البياني في الشعر، وكانت سيطرته، وأخذ جمهرة الشعراء الكبار به.
فجلهم من المؤمنين بفكرة الجامعة الإسلامية، ومن المرتبطين تبعًا لها بالتراث،
стр. 106
ومن المفتونين بناء على هذا بنماذج الشعر الرائعة التي خلفها هذا التراث، وهم لذلك كله يسيرون في الاتجاه الذي يعتمد أساسًا على أسلوب هذه النماذج التراثية، ويتخذها مثلًا أعلى للأسلوب الشعري.
١- المحافظون والنضال:
أما أهم الأغراض التي عالجها أصحاب هذا الاتجاه في هذه الفترة، فهي تلك الأغراض التي بدأ علاجها البارودي بشعره من قبل، وهي تلك التي تشمل الذات وتجاربها، والوطن وقضاياه، والعالم وأهم أحداثه، غير أن شعراء هذه الفترة قد وسعوا تلك الخطوات القصار التي خطاها البارودي في طريق الوطنيات، وبعض الأحداث الكبرى الخارجة على حدود الوطن؛ فهم قد عالجوا كل قضايا مصر ومشكلاتها، وأبرز أحداث العالم الإسلامي وتطوراته، وكثيرًا من شئون العالم الخارجي وأزماته، ومن هنا خاضوا كثيرًا في السياسة المصرية والعربية والإسلامية، كما خاضوا في المسائل الاجتماعية والثقافية والفكرية والأخلاقية، هذا إلى اهتمام كبير بالماضي وأمجاده، تارة ماضي العرب والإسلام، وأخرى ماضي الفراعنة ومصر، وهم في ذلك كله معبرون عن روح هذه الفترة، مستجيبون لطابعها العام وهو طابع النضال من أجل الخلافة وتآمر الغرب عليها، والنضال من أجل بعض الدول الإسلامية وطمع الاستعمار فيها، والنضال من أجل الوطن واستبداد الاحتلال والقصر به، والنضال من أجل المجتمع المصري وما جلبه المستعمر من آفات عليه١.
وهكذا نجد الشعر المحافظ البياني قد خاض معركة النضال، وجال في كل ميادينها فأبلى أحسن البلاء، وكان جهازًا من أهم أجهزة المقاومة، وسلاحًا من أمضى أسلحة معركة النضال التي خاضتها مصر في عهد الاحتلال.
стр. 107
من أجل الجامعة الإسلامية:
والملاحظ أن الشعراء جميعًا من أصحاب هذا الاتجاه، قد مدحوا الخليفة التركي ومجدوه على تفاوت بينهم، وواضح أن الدافع الأساسي إلى ذلك، كان اعتبار الخليفة رمزًا لوحدة المسلمين، وشعارًا لفكرة الجامعة الإسلامية التي آمن بها الكثيرون في تلك الأحايين، كضمان لوحدة الشعوب في هذه المنطقة وتكتلها ضد الاستعمار الغربي وعدوانه، فقد ظهر جليًّا تآمر الدول الأوروبية على تركيا، وتطلعها إلى اقتسام الدول التي تؤلف الخلافة الإسلامية، وقد اتضح هذا في مؤتمر برلين سنة ١٨٧٨، حين اجتمع لحل مشكلات تركيا في البلقان، فعمل على تمزيق ولاياتها بل ابتلاع ما أمكن منها، فاحتلت إنجلترا جزيرة قبرص، واحتلت روسيا بعض أملاك تركيا على البحر الأسود، واضطرت تركيا إلى التخلي عن رومانيا والصرب، ثم احتلت فرنسا تونس سنة ١٨٨١، واحتلت انجلترا مصر سنة ١٨٨٢، ثم هاجمت إيطاليا ليبيا سنة ١٩١١، وحُملت تركيا على التخلي عنها سنة ١٩١٢ لتفرغ للثورات المأججة ضدها في البلقان، وأكثر من ذلك قد تهجم على الإسلام والمسلمين بعض الكتاب الغربيين، وأعلن بعضهم ابتهاجه بتوغل فرنسا في قلب الإسلام بأفريقيا، ومن هؤلاء الكتاب: "هانوتو" و"رينان" و"كرومر١".
ومن هنا كانت هذه الحفاوة من جانب الشعراء بالخلافة والخليفة، لا تقديرًا لتريكا أو لذات السلطان التركي، وإنما لهذه الجامعة الإسلامية التي يعتبر الخليفة رمزًا لها٢.
стр. 108
يقول أحمد محرم مخاطبًا أمم الخلافة:
يا آل عثمان من ترك ومن عرب ... وأي شعب يساوي الترك والعربا
صونوا الهلال وزيدوا مجده علمًا ... لا مجد من بعده إن ضاع أو ذهبا١
ويقول أحمد شوقي مخاطبًا الخليفة:
أمةُ الترك والعراقُ وأهلو ... هـ ولبنان والربى والخيامُ
عالم لم يكن لينظم لولا ... أنك السلم وسلطة والوئام٢
ويقول حافظ إبراهيم عن الخلفاء العثمانيين:
وردوا على الإسلام عهد شبابه ... ومدوا له جاهًا يرجى ويرهب
أسود على البسفور تحمي عرينها ... وترعى نيام الشرق، والغرب يرقب٣
ويقول علي الغاياتي مخاطبًا السلطان عبد الحميد، ومشيرًا إلى نكبة الاحتلال لمصر:
رمتها الحادثات بشر قوم ... لهم في كل مظلمة شئون
قضت في عصرهم مصر ولولا ... رجاء فيك ما قرت عيون
فأعزز يا حمى الإسلام شعبًا ... بعزك لا يذل ولا يهون٤
ونظرًا لكون المسألة لم تكن مسألة الخليفة لشخصه، ولا الخلافة العثمانية لذاتها، وإنما كانت رعاية لوحدة الأمم الإسلامية وسلامتها من طمع الغرب العادي؛ لم يقف الشعراء عند تمجيد الخليفة والخلافة، بل مجدوا نظام الأمم الإسلامية المعتدى عليها، وحثوا على عونها وخوض المعارك إلى جانبها، ومن هنا نجد ألمع الشعراء يشهرون بالطليان في عدوانهم على ليبيا سنة ١٩١١، ونراهم يعتبرون هذا العدوان عدوانًا على الوطن، وينادون بمؤازرة إخوانهم في ليبيا، ويدعون إلى الحرب المقدسة إلى جوارهم.
стр. 109
يقول محمد عبد المطلب من قصيدة له في ذلك العدوان الطلياني:
بني أمنا أين الخميس المدرب ... وأين العوالي والحسام المذرب
إذا اهتز في نصر الحنيف تساقطت ... نفوس العدا في حده تتحلب
خليل مالي إن تذكرت برقة ... بجنبي نيران الأسى تتلهب
نعم راعني من نحو برقة صائح ... يهيب بأنصار الهلال: ألا اركبوا١
ويقول أحمد الكاشف٢ في المناسبة نفسها:
المؤمنون إليك مستبقونا ... لذمارهم وديارهم حامونا
فاحشد كتائبك التي أعددتها ... للحق أبلج والرجاء متينًا٣
ويقول حافظ كذلك في تلك الحرب مصورًا فظائع الطليان ضد العرب، ومنددًا بمباركة الباب للحملة:
كبلوهم قتلوهم مثلوا ... بذوات الخدر طاحوا باليتامى
ذبحوا الأشياخ والزمنى ولم ... يرحموا طفلًا ولم يبقوا غلامًا
أحرقوا الدور استحلوا كل ما ... حرمت "لاهاي" في العهد احترامًا
بارك المطران في أعمالهم ... فسلوه: بارك القوم علامًا؟
أبهذا جاءهم إنجيلهم ... آمرًا يلقي على الأرض سلامًا٤
ويقول شوقي أيضًا حاثًّا على التطوع بجانب جيوشًا تركبًا، ومعتبرًا كل المسلمين من أبناء الدولة العثمانية:
يا قوم عثمان والدنيا مداولة ... تعاونوا بينكم يا قوم عثمانا
كونوا الجدار الذي يقوى الجدار به ... فالله قد جعل الإسلام بنيانًا
هل ترحمون لعل الله يرحمكم ... بالبيد أهلًا وبالصحراء جيرانًا
стр. 110
في ذمة الله -أوفى ذمة- نفر ... على طرابلس يقضون شجعانًا١
وإذا كان بعض الشعراء قد استمد كثيرًا من تحمسه للخليفة والخلافة مما يجري في عروقه من بعض دم تركي، فإن جمهرة الشعراء قد كانوا مدفوعين إلى تمجيد الخلافة والخلفاء، ومؤازرة جنده بفكرة الجامعة الإسلامية، التي كانت هدفًا سياسيًّا نبيلًا في ذلك الحين.
علاقتهم بالحاكم:
والملاحظ كذلك أن أكثر الشعراء المحافظين قد مدحوا الخديو، ومن جاء بعده من الحاكمين، والحق أن معظم هذا المدح كان بدافع تعلق الآمال بالحاكم، ورجاء أن يعمل لخدمة الوطن، فمثلًا كانت أكثر الأمداح التي وجهت إلى عباس الثاني بسبب ما ظهر به في أول عهده من اصطناع الوطنية، ومعاداة الإنجليز، أي أن ما وجه إليه من أمداح -كان في جملته- مشاركة في النضال باعتبار هذا الحاكم قد كان في الفترة التي يمدحه فيها جل الشعراء، يمثل مؤازرة الوطنيين وخصومة الاحتلال، ولذا نرى طائفة الشعراء الوطنيين الصرحاء ينصرفون عنه بمجرد مهادنته للإنجليز، ومعاداته للمناضلين، بل إن بعض هؤلاء الشعراء لم يكتف بالانصراف عنه، وإنما تجاوز ذلك إلى نصحه، ثم إلى نقده، وأخيرًا إلى هجائه في صورة تبلغ حدًّا رائعًا من الشجاعة والجرأة والفدائية.
يقول علي الغاياتي مخاطبًا عباسًا الثاني بعد أن تنكر للمناضلين وهادن الإنجليز.
أعباس هذا آخر العهد بيننا ... فلا تخش منا بعد ذاك عتابًا
أيرضيك فينا أن نكون أذلة ... ننال إذا رمنا الحياة عقابًا؟
وأرضيت أعداء البلاد وأهلها ... وأصليتنا بعد الوفاق عذابًا٢