على سبيل التقديم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صاحب هذا الكتاب (الوحى المحمدى) الشيخ الجليل/ محمد رشيد رضا؛ واحد من الرموز الشوامخ الذين دافعوا عن الإسلام وتبنّوا قضايا أمتنا المسلمة في زمن كان فيه الزحف الاستعمارى لا يكتفى باستيطان أرض المسلمين وإنما كان يعمل بقواه كلّها على استيطان الأفئدة والعقول من خلال «الغزو الثقافى» لصرف أعين الأمة عن التطلع إلى الخلاص من غزاتها والقدرة على الشفاء من علتها وأدوائها وعلى رأسها الأمية الطاغية والظلمة المطبقة على الأفكار والعقول.
ومن ثم كان دور هذه الصفوة المجاهدة التى كانت تمثلها مدرسة المصلحين العظيمين جمال الدين الأفغانى والإمام محمد عبده، ومن تتلمذ عليهما من أمثال صاحب الكتاب كان دور هذه الصفوة عظيم الأثر فى إيقاظ وعى الأمة بما تحمله دينها من أسباب الخلاص وعوامل النهوض، ثم بما ينبغى أن تكون عليه مسلكها في مواجهة مكايد الغازين من الخارج ومضار المتخلّفين والجاهلين بحقيقة التدين من فقراء الفكر ومحدودى الرؤية ممن ينسبون إلى العلم فى الداخل.
وكان القيام بهذه المهام الكبار بحاجة إلى رجال أولى عزم وقوة، وذوى ثقافة جامعة وبصر مستنير يتيح لهم الرؤى النفاذ إلى حقائق الأحداث والأمور.
ومن هنا كان للتكوين الثقافى الشامل والمتجدد لصاحب هذا الكتاب «الشيخ محمد رشيد رضا» عاملا مؤثرّا فى تحديد الموقع الذى قام عليه في خدمة المسلمين والإسلام.
ولد الشيخ فى: «القلمون» من أعمال طرابلس الشام فى عام ١٢٨٢ هـ ١٨٦٥ م.
وفيها وفى طرابلس أخذ يدرس ويتعلم.
ثم رحل إلى مصر فى العقد الثالث من عمره (١٣١٥ هـ) حيث تتلمذ ولازم أستاذه الإمام محمد عبده وكانا قد التقيا قبل ذلك في «بيروت».
стр. 2
وهنا كان إصداره لمجلة «المنار» ذات المكانة والتأثير الثقافى الرفيع فى كلّ مكان عرفت فيه فى ديار الإسلام. حيث ضمّها آراءه الإصلاحية التى كانت ثمرة ناضجة لعلاقته بالأستاذ الإمام، ولاهتماماته الواسعة لقضايا المسلمين والإسلام، ولا سيما اهتماماته بالإصلاح الدينى الذى كان أستاذه الشيخ محمد عبده هو الرائد له فيها، وكان إطارها العام هو تخليص مناهج التعليم الأزهرى من الحشود من الحواشى والتقارير وغيرها مما يعطل ملكات الطلاب ويقف بهم عند مجرد الاستظهار والحفظ.
وظل الرجل يتدخل بين ديار الإسلام وغيرها العربية حتى استقر به المطاف فى وطنه الثانى مصر حتى لقى ربه.
أما عن هذا الكتاب فهو رسالة إلى الأمة المسلمة يشرح فيها المؤلف أسباب عجز المسلمين عن إبلاغ روعة الإسلام إلى العالم على الوجه الذى يحقق اقتناع غير المسلمين بالإسلام، ثم يؤدى إلى دخولهم فيه.
والقضية فعلا كانت وستبقى محل الاهتمام والتساؤل لأنها هى القضية المحورية للدعوة والدعاة .. وسبب التساؤل هو أنه على الرغم من كثرة وتعدد المؤسسات والهيئات التى تعمل فى حقل الدعوة الإسلامية إلّا أنّ القوى المعادية للإسلام لا تزال ممتلكة للتفوق فى إحداث التأثير المعاكس فى الإساءة إلى الإسلام وفى تنفير غير المسلمين منه وهنا تكون التساؤلات:
هل السبب فى ذلك وفرة الإمكانات المادية والتقنية التى تعطيهم من مساحة بث دعاواهم واتهاماتهم للإسلام ما لا تجده المؤسسات الإسلامية؟
وربما كان هذا- فعلا- أحد الأسباب لكنه ليس كلّ الأسباب ولا أهمها، لأنّ الأسباب الحقيقية هى فينا نحن المسلمين فهى أسباب داخلية أكثر منها خارجية.
ففي الجانب العقيدى البحت- جانب التعريف بالإسلام عقيدة وشريعة- تطفو الخلافات الفقهية المتصلة بفروع الشريعة .. وتطفو لتتخذها بعض الهيئات والمؤسسات لتعرضها وتركز عليها وكأنها هى أصل الإسلام الأمر الذى يفقد الدعوة ركنها الأهم الذى ينبغى أن يقدم إلى الناس ويتم التعريف به.
стр. 3
ليس هذا فحسب بل إنه يتحرك له أثرا سلبيا بالغ الإساءة إلى الإسلام والمسلمين بالصورة التى يتركها لدى غير المسلم من أنهم عاجزون عن الاتفاق على موقف واحد وصورة موحدة لعقيدتهم وتشريعاتهم .. ومن ناحية أخرى فإن أخطر وأهم أسباب تصورنا وعدم استجابة الآخرين لمعطيات شريعتنا هو أوضاعنا الداخلية فى أنحاء العالم الإسلامى الذى عانى من التمزق والعجز والتخلف، بينما جوهر الإسلام وصريح القرآن يدعوان إلى الوحدة، وإلى القوة وإلى التقدم، وهى المبادئ التى قامت عليها الدولة فى عصر النبوة والراشدين، وعصور ازدهار الدولة المسلمة التى شرّقت وغرّبت فيما وراء ما بين المحيط والخليج وصولا إلى آسيا الوسطى وبلاد ما وراء النهر وتحت حكم دام قرونا فى الأندلس حتى جنوب فرنسا.
وهى الفترة التاريخية التى ازدهرت فيها حضارة الإسلام وأفرزت الشوامخ الكبار من علماء المسلمين فى كل فروع المعرفة والذين كان عطاؤهم هو المحرك والمؤثّر الأكبر فى النهضة الأوروبية فى العصور الوسطى.
ومما هو جدير بالتسجيل أن يكون هذا هو ما قال به حكيم الشرق، وباعث النهضة السيد جمال الدين الأفغانى، والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده. وما سجّله الشيخ رشيد رضا فى مقدمة الطبعة الأولى لهذا الكتاب.
الأمر الذى يؤكد حقيقة بالغة الأهمية فى كيفية استعادة دور ومكانة الإسلام فى العلم، ليس اعتمادا على مجرد التبليغ بل أهم منه هو أن تكون حال المسلمين فى الداخل صورة صحيحة وصادقة عن الإسلام حتى يصدق المدعون ما ندعوهم إليه.
وهنا نصل إلى الباعث الدافع للشيخ رشيد رضا على تأليف هذا الكتاب. وهو الإسهام فى تصفية وتوضيح حقيقة الإسلام التى ينبغى أن يلتقى حولها المسلمون- كل
المسلمين- على اختلاف مشاربهم فى كل مكان من العالم.
وبعد فإن ذلك العصر الذى ازدان بهؤلاء الشوامخ من المصلحين وكبار المفكرين كان وسيبقى رجاله وأعلامه نعم القدوة والأسوة لأبناء الأمة فى هذا الزمن الذى تزحف فيه القوى
стр. 4
المعادية للإسلام على أرضنا وأهلينا، وتزحف فيه قبل ذلك وبعده على العقول والقلوب بهذا القدر الهائل من الغزو الفكرىّ.
الأمر الذى يوجب على الجميع رعاة ورعايا أن يكونوا على مستوى المسئولية فى مواجهة المخاطر، والله من وراء القصد وهو دائما حسبى.
نائب رئيس المجلس «أ. د/ عبد الصبور مرزوق»
стр. 5
مقدمة الطبعة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) [آل عمران: ١٨ - ٢٠].
ارتقاء البشر المادى، وهبوطهم الأدبى، وحاجتهم إلى الدين:
إن من المعلوم اليقينى الثابت بالحواس أن علوم الكون المادية تثب فى هذا العصر وثوبا يشبه الطفور، وتؤتى من الثمار اليانعة بتسخير قوى الطبيعة للإنسان ما صارت به الدنيا كلها كأنها مدينة واحدة، وكأنّ أقطارها بيوت لهذه المدينة، وكأنّ شعوبها عشائر وفصائل لأمة واحدة فى هذه البيوت (الأقطار) يمكنهم أن يعيشوا فيها إخوانا متعاونين، سعداء متحابين، لو اهتدوا بالدين.
وإنّ من المعلوم اليقينى أيضا أن البشر يرجعون القهقرى فى الآداب والفضائل على نسبة عكسية مطّردة لارتقائهم فى العلوم المادية واستمتاعهم بثمراتها، فهم يزدادون إسرافا فى الرذائل، وجرأة على اقتراف الجرائم، وافتنانا فى الشهوات البهيمية، ونقض ميثاق الزوجية، وقطيعة وشائج الأرحام، وعقوق الوالدين، ونبذ هداية الأديان، حتى كادوا يفضّلون الإباحة المطلقة على كل ما يقيد الشهوات من دين وأدب وعرف وعقل بل رجع بعضهم إلى عيشة العرى فى أرقى ممالك أوروبا وأمريكا علما وحضارة، كما يعيش بعض بقايا الهمج السذج فى غابات إفريقية وبعض جزائر البحار النائية عن العمران.
وإنّ من المعلوم اليقينى أيضا أنّ الدول الكبرى لشعوب هذه الحضارة أشدّ جناية عليهم وعلى الإنسانية من جنايتهم على أنفسهم- بإغرائها أضغان التنافس بينهم، وباستعمالها جميع ثمرات العلوم ومنافع الفنون فى الاستعداد للحرب العالمة التى تدمر فى أشهر أو أيام معدودة صروح العمران التى شيّدتها العصور الكثيرة، وتفنى الملايين فيها من غير المحاربين
стр. 6
كالنساء والأطفال والشيوخ، وبصرفها معظم ثروات شعوبها فى هذه السبل، وفى سبيل ظلمهم للشعوب الضعيفة التى ابتليت بسلطانها، وسلبها لثروتهم وحريتهم فى دينهم ودنياهم. فالعالم البشرىّ كلّه فى شقاء من سياسة هذه الدول الباغية الخبيثة الطويّة. وكل ما عقد من المؤتمرات لدرء أخطارها لم يزد نارها إلا استعارا، ولو حسنت نياتها وأنفقت هذه الملايين التى تسلبها من مكاسب شعوبها وغيرهم فى سبيل الإصلاح الإنسانى العام لبلغ البشر بها أعلى درجات الثراء والرخاء.
كل ما ذكر معلوم باليقين، فهو حق واقع ما له من دافع.
وإن من المعلوم من استقراء تاريخ هذه الحضارة المادية أن هذه الشرور كانت لازمة لها، ونمت بنمائها، فكان هذا برهانا على أنّ الفنون والعلوم البشرية المحضة غير كافية لجعل البشر سعداء فى حياتهم الدنيا، فضلا عن سعادتهم فى الحياة الآخرة، وإنما تتم السعادة لهم بهداية الدين، فالإنسان مدنّى الطبع، ومتديّن بالطبع، أو بالفطرة كما يقول الإسلام.
من أجل ذلك فكّر بعض عقلاء أوروبا وغيرهم فى اللجوء إلى هداية الدين وأنه هو العلاج لأدواء هذه الحضارة المادية والترياق لسمومها، وتمنوا لو يبعث فى الغرب أو فى الشرق نبىّ جديد بدين جديد يصلح الله بهدايته فسادها، لأنّ الأديان المعروفة لهم لا تصلح لهذا العصر وقد فسر حال جميع أهلها «١»، وكان من يسمون دينهم دين المحبة، مصداقا لقول الله تعالى: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [المائدة: ١٤].
بيد أنّ هؤلاء المفكرين لا يعرفون حقيقة دين القرآن، وهو الدين الإلهى العام، والمانع لهم من معرفته ثلاثة حجب تحول دون النظر الصحيح فيه، وعدم فهمهم للقرآن كما يجب أن يفهم، فأما الحجب دونه فهذا بيانها بالإيجاز.
الحجب الثلاثة بين حقيقة الإسلام وشعوب الإفرنج:
(الحجاب الأول): الكنيسة؛ أو الكنائس التى عادته منذ بلغتها دعوته، وطفقت تصوره بصور مشوهة باطلة، بدعاية عامة فيها من افتراء الكذب وأقوال الزور والبهتان ما لم يعهد مثله فى أهل ملة من البشر فى زمن من الأزمان، وألفت فى ذلك من الكتب والرسائل، والأغانى والأناشيد والقصائد، ما يعرف بطلانه كل مؤرخ مطلع على الحقائق، ثم إنها جعلت تشويهه ووجوب معاداته ركنا من أركان التربية والتعليم فى جميع مدارسها والمدارس
стр. 7
التى يتولى خريجوها تعليم الناس فيها؛ فما من أحد يتعلم فيها من أتباعها إلا وهو يعتقد أن جميع المسلمين أعداء للمسيح والمسيحيين كافة. فيجب عليه عداوتهم ما استطاع.
والحق الواقع أن الإسلام هو صديق المسيحية المتمم لهدايتها، وأن محمدا ﷺ هو الفارقليط روح الحق الذى بشر به المسيح ﵇ «١».
(الحجاب الثانى): رجال السياسة الأوروبية؛ فإنهم ورثوا عداوة الإسلام من الكنيسة وتلقوا مفترياتها فى الطعن عليه بالقبول، وضاعف هذه العداوة له والضراوة بحرية طمعهم فى استعباد شعوبه واستعمار ممالكهم.
وإذا كان رجال الدين قد ملئوا الدنيا كذبا وافتراء على الإسلام- ومن أسس الدين الصدق وقول الحق والحب والرحمة والعدل والإيثار- فأى شىء يكثر فعله على رجال السياسة وأساس بنائها الكذب، وأقوى أركانها الجور والظلم والعدوان، والقسوة والإثرة والخداع؟ وهو ما نراه بأعيننا ونسمع أخباره بآذاننا كلّ يوم فى المستعمرات الأوروبية بل نحن نعلم أنّ سبب افتراء رجال الدين على الإسلام هو السياسة لا الدين نفسه، وأن قاعدتهم المشهورة (الغاية تبرّر الوسيلة) سياسية لا إنجيلية، فما كان لدين أن يبيح الجرائم والرذائل باتخاذها وسيلة لمنفعة أهله وإن كانت دينية.
(الحجاب الثالث): سوء حال المسلمين فى هذه القرون الأخيرة؛ فقد فسدت حكوماتهم وشعوبهم، واستحوذ عليهم الجهل بحقيقة دينهم ومصالح دنياهم، حتى صاروا حجة لأعدائهم فيهما على أنه لا خير فيهم ولا فى دينهم، وأمكن هؤلاء الأعداء أن يفتنوا بهذه الحجة الداحضة أكثر من يتخرج فى مدارسهم السياسية الإلحادية، والدينية التنصيرية، من أبناء ملتهم أو جلدتهم ومن غيرهم، حتى نابت المسلمين أنفسهم أيضا، وهم يختارون من هذه النابتة الأفراد التى تتولى أعمال الحكومة والتعاليم فى مدارسها فى كل قطر خاضع لنفوذ دولهم الفعلى بأى اسم من أسمائه. من فتح وامتلاك وحماية واحتلال وانتداب أو لنفوذهم السياسى والتعليمى، كما فعلوا فى بلاد الترك وإيران، لتساعدهم على هدم كل شىء إسلامى فيها من اعتقاد وأدب وتشريع.
وقد كان السيد جمال الدين الأفغانى- حكيم الإسلام وموقظ الشرق- يرى أن هذا الحجاب أكثف الحجب الحائلة بين شعوب أوروبا الحرة والإسلام، ونقل لى الثقة عنه أنه
стр. 8
قال: «إذا أردنا أن ندعو أحرار أوروبا إلى ديننا فيجب علينا أن نقنعهم أولا أننا لسنا مسلمين، فإنهم ينظرون إلينا من خلال القرآن هكذا- ورفع كفيه وفرج بين أصابعهما- فيرون وراءه أقواما فشا فيهم الجهل والتخايل والتواكل ... فيقولون لو كان هذا الكتاب حقّا مصلحا لما كان أتباعه كما نرى».
لا ننكر أن بعض أحرار الإفرنج قد عرفوا من تاريخ الإسلام ما لم يعرفه أكثر المسلمين، فانصفوا فيما كتبوا عنه من تواريخ خاصة، ومن مباحث عامة فى العلم والحضارة والدين، وأن منهم من اهتدى به عن بصيرة وبينة؛ ولكن ما كتبه هؤلاء كلهم لم يكن مبينا لحقيقته كلها، ولم يطلع عليه إلا القليل من شعوبهم، وكان جل تأثيره فى أنفس من اطلعوا عليه أن بعض الناس أخطئوا فى بيان تاريخ المسلمين فانتقد عليهم آخرون، فهو لم يهتك الحجب الثلاثة المضروبة بينهم وبين حقيقة الإسلام.
وأما عدم فهمهم للقرآن كما يجب- وأعنى به الفهم الذى تعرف به حقيقة إعجازه وتشريعه وأدبه وإصلاحه، وكونه هو دين الله الأخير الكامل الذى لا يحتاج البشر معه إلى كتاب آخر ولا إلى نبى آخر- فلعله أربعة أسباب خاصة، وراء تلك الحجب العامة وهى:
الأسباب العائقة عن فهم الأجانب للقرآن:
(أولها): جهل بلاغة القرآن
جهل بلاغة اللغة العربية التى بلغ القرآن فيها ذروة الإعجاز فى أسلوبه ونظمه وتأثيره فى أنفس المؤمنين والكافرين به جميعا، فأحدث بذلك ما أحدث من الثورة الفكرية والاجتماعية فى العرب، والانقلاب العام فى البشر- كما شرحناه فى هذا الكتاب- وقد كان من إكبار الناس لهذه البلاغة أن جعلها أكثر علماء المسلمين موضوع تحدّى البشر بالقرآن دون غيرها من وجوه إعجازه، وجعلوا عجز العربى الخالص عن معارضته بها، ثم عجز المولدين الذين جمعوا بين ملكة العربية العملية وملكة فلسفتها من فنون النحو والبيان، هو الحجة الكبرى على نبوة محمد ﷺ ، وقد فقد العرب الملكتين منذ قرون كثيرة إلا أفرادا متفرقين منهم، فما القول فى غيرهم؟ فعلماء المسلمين فى هذه القرون يحتجّون بعجز أولئك ولا يدّعون أنهم يدركون سرّ هذا الإعجاز أو يذوقون طعمه؛ بل قال بعض علماء النظر المتقدمين منهم: إن الإعجاز واقع غير معقول السبب، فما هو إلا أن الله تعالى صرف النّاس عن معارضته بقدرته. والصواب أن منهم من حاول المعارضة فعجزوا، إذ ظنوا أن إعجازه بفواصل الآيات التى تشبه السجع فقلدوها فافتضحوا، ومن متأخرى هؤلاء
стр. 9
من ادعى النبوة كمسيح الهند القاديانى الدجال، ومن ادعى الألوهية (كالبهاء) وقد أخفى أتباع هذا كتابه الملقب بالأقدس؛ لئلا يفتضحوا به بين الناس وأضعف منه وأسخف بيان أستاذه الباب.
(ثانيها): قصور ترجمات القرآن وضعفها
أنّ ترجمات القرآن التى يعتمد عليها علماء الإفرنج فى فهم القرآن كلها قاصرة على أداء معانيه التى تؤديها عباراته العليا وأسلوبه المعجز للبشر، وهى إنما تؤدى بعض ما يفهمه المترجم له منهم إن كان يريد بيان ما يفهمه، وإنه لمن الثابت عندنا أن بعضهم تعمّدوا تحريف كلمه عن مواضعه، على أنه قلما يكون فهمهم تاما صحيحا، ويكثر هذا فيمن لم يكن به مؤمنا، بل يجتمع لكل منهم القصوران كلاهما: قصور فهمه، وقصور لغته، وقد اعترف لى ولغيرى بهذا مستر (محمد) مارماديوك بكتل الذى ترجمه بالإنكليزية وجاء مصر منذ ثلاث سنوات «١» فعرض على بعض علماء العربية المتقدمين للغة الإنكليزية ما رأى أنه عجز عن أداء معناه منه، وصحح بمساعدتهم ماذا كرههم فيه «٢».
واعترف بذلك قبله الدكتور (ماردريس) المستشرق الفرنسى الذى كلفته وزارتا الخارجية والمعارف الفرنسيتان لدولته ترجمة ٦٢ سورة من السور الطوال والمئين والمفصل التى لا تكرار فيها ففعل، فقد قال فى مقدمة ترجمته التى صدرت سنة ١٩٢٦ ما معناه بالعربية:
«أمّا أسلوب القرآن فإنه أسلوب الخالق جلّ وعلا، فإنّ الأسلوب الذى ينطوى على كنه الكائن الذى صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيا، والحق الواقع أن أكثر الكتّاب ارتيابا وشكّا قد خضعوا لسلطان تأثيره (فى الأصل- لتأثير سحره- يعنى تأثيره الذى يشبه السحر فى كونه لا يعرف له سبب عادى) وأن سلطانه على ثلاث مائة مليون من المسلمين المنتشرين على سطح المعمورة لبالغ الحد الذى جعل أجانب «المبشرين» يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة محققة ارتد فيها أحد المسلمين عن دينه إلى الآن «٣».
ذلك أن هذا الأسلوب الذى طرق فى أول عهده آذان البدو «٤» كان نثرا جد طريف،
стр. 10
يفيض جزالة فى اتساق نسق، متجانسا مسجعا، لفعله أثرا عميقا فى نفس كلّ سامع يفقه العربيّة. لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان أداء تأثير هذا النثر البديع «الذى لم يسمع بمثله» بلغة أخرى، وخاصة اللغة الفرنسية الضيقة (التى لا سعة فيها للتعبير عن الشعور) المرثة «١» «التى لا تتنازل عن حقوقها» والقاسية. وزد على ذلك أن اللغة الفرنسية ومثلها جميع اللغات العصرية ليست لغة دينية، وما استعملت قط للتعبير عن الألوهية» أهـ.
ثم تكلم عن عنايته هو مدة تسع سنوات متتالية بمحاولة نقل شىء من القرآن إلى اللغة الفرنسية على شرط المحافظة على بلاغة الأصل، وتساءل هل أمكنه التغلب على هذه الصعوبة أم لا؟ يعنى أنه يشك فى ذلك.
(ثالثها): أسلوب القرآن المخالف لجميع أساليب الكلام
إن أسلوب القرآن الغريب المخالف لجميع أساليب الكلام العربى وغيره، وطريقته فى مزج العقائد والمواعظ والحكم والأحكام والآداب بعضها ببعض فى الآيات المتفرقة فى الصور- وهو ما بينّا سببه وحكمته فى هذا الكتاب- وقد كان حائلا دون جمع كبار علماء المسلمين من المفسرين وغيرهم لكلّ نوع من أنواع علومه ومقاصده فى باب خاص به. كما فعلوا به فى آيات الأحكام العملية من العبادات والمعاملات. دون القواعد والأصوب الاجتماعية والسياسية والمالية التى يرى القارئ نموذجها فى هذا الكتاب. إذ لم يكونوا يشعرون بالحاجة إليها كما نشعر فى هذا العصر.
وقد عنى بعض الإفرنج «٢» بوضع كتاب باللغة الفرنسية جمع فيه آيات القرآن بحسب معانيها، ووضع كلا منها فى باب أو أبواب خاصة بقدر فهمه، ولكنه أخطأ فى كثير من هذه المعانى وقصر فى بعض مما علمه، وما جهله منها عظيم، ذلك بأن أخذ القواعد والأصول العامة «٣» من هذه الآيات يتوقف على العلم بسيرة النبى ﷺ وسنته فى بيان القرآن وتنفيذه لشرعه، وآثار خلفائه وعلماء أصحابه من بعده، كما يعلم من يراجع فى ذلك الكتاب الآيات الدالة على ما بيناه فى كتابنا هذا من مقاصد القرآن بالاختصار، وما فصلناه منها فى تفسير المنار.
стр. 11
(رابعها): الإسلام ليس له دولة ولا جماعات
أن الإسلام ليس له دولة تقيم القرآن وسنة رسوله ﷺ بالحكم وتتولّى نشره بالعلم، ولا جماعات دينية تتولى بحمايتها الدعوة إليه بالحجة، وليس لأهله مجمع دينى علمى يرجع إليه فى بيان معانى القرآن وهدايته فى سياسة البشر ومصالحهم العامة التى تتجدد لهم بتجدد الحوادث ومخترعات العلوم والفنون وفيما
يتعارض بين العلوم ونصوص الدين، فيرجع إليها علماء الإفرنج فى استبانة ما خفى عليهم من نصوصهما.
وأعجب من هذا وأغرب أنّ المسلمين أنفسهم قد تركوا من بعد خير القرون الأولى أخذ دينهم من القرآن المنزل ومن بيان الرسول ﷺ له كما أمره الله تعالى فيه بقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤]، وما زالوا يهجرون الاهتداء بهما حتى استغنوا عنهما استغناءا تامّا بأخذ عقائدهم من كتب المتكلّمين، وأخذ أحكام عباداتهم ومعاملاتهم عن كتب علماء المذاهب غير المجتهدين، وهذه الكتب لا تقوم بها حجة الله تعالى على البشر، ولا سيما أهل هذا العصر الذى ارتقت فيه جميع العلوم العقلية والتشريعية، حتى صار المسلمون منا، يأخذون عنهم العلم كما كان أجدادهم يأخذون عنّا، بل فيها من آراء المتكلمين والفقهاء، وروايات الكذابين والضعفاء ما قد يعدّ حجة على الإسلام وأهله، كما أنّ سوء حال المسلمين فى فشو الجهل فى شعوبهم، والفساد والانحلال فى حكوماتهم، قد اتخذ حجة على دينهم، فصاروا فتنة للذين كفروا به «١».
وإذا كان هذا حال المسلمين فى فهم القرآن وهدايته، فكيف يكون حال الشعوب التى نشأت على أديان أخرى ألفتها، ولها رؤساء يربونهم عليها ويصدونهم عن غيرها؟ ودول حربية قد عادت الإسلام منذ بضع قرون، بما لو وجهوه إلى جبال لاندكت وزالت من الوجود، ولكنه دين الله الحىّ القيوم، فهو باق ما دام البشر فى الأرض لا يزول أو يزولون أجمعون.
هذه أظهر الأسباب لخفاء حقيقة الإسلام الكاملة على علماء الحضارة العصرية من الأجانب والمسلمين أيضا وتمنيهم لو يبعث نبىّ جديد بهداية إلهية عامة كافية لإصلاحهم.
стр. 12
ولما كان الإسلام هو دين الإنسانية العام الدائم الجامع لكلّ ما تحتاج إليه جميع الشعوب من الهداية الدينية والدنيوية، وجب على العقلاء الأحرار، والعلماء المستقلين الذين يتألمون من المفاسد المادية التى تفاقم شرها فى هذا العهد أن يعنوا بهتك تلك الحجب التى تحجبهم عن النظر فيه، وإزالة الموانع التى تعوقهم عن فهم حقيقته، وأن يدعوا جميع الشعوب إلى أخوته، وتكميل الحضارة الإنسانية بهدايته.
نتيجة هذه المقدمات:
بيان هذا الكتاب لحقيقة الإسلام بما تقوم به الحجة على جميع الأنام
أما بعد فإنّنى أقدم لهم هذا الكتاب الذى صنفته فى إثبات (الوحى المحمدى) وكون القرآن كلام الله ، وكونه مشتملا على جميع ما يحتاج إليه البشر من الإصلاح الدينى والاجتماعى والسياسى والمالى والحربى، وقد أطلت فى بيان هذه المقاصد الأساسية بعض الإطالة؛ لأنها مثار جميع الفتن والمفاسد التى يشكو منها عقلاء هذا العصر، وأما توفية هذا الموضوع حقّه فلا يكون إلا فى سفر كبير أو أسفار يجمع فيها مقاصد القرآن كلها مع بيان حاجة البشر إليها فى أمور معاشهم ومعادهم، وهو ما أبينه فى تفسير المنار بإجمال قواعد كل سورة وأصولها فى آخر تفسيرها، بعد بيانها بالتفصيل فى شرح آياتها.
على أننى لم أكتب هذا البحث أول وهلة لهذا الغرض، وإنما بدأت منه بفصل استطرادى لتفسير آية: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [يونس: ٢] إلخ، من أول سورة يونس بينت به الدلائل القطعية على أنّ القرآن وحى من الله تعالى كان محمد ﷺ يعجز كغيره من مثله بعلمه ولغته وتأثيره، وأنه ليس وحيا نفسيا نابعا من نفسه كما يزعم بعض الباحثين من الإفرنج وغيرهم، وأنه أعمّ وأكمل وأثبت من كلّ وحى كان قبله، وأن حجّته قائمة على المؤمنين بالوحى التشريعى وعلى غيرهم.
ثم بدا لى فى أثناء كتابته أن أجرّده فى كتاب خاص أدعو به شعوب الحضارة المادية من الإفرنج واليابان إلى الإسلام بتوجيهه أولا إلى علمائهم الأحرار. حتى إذا اهتدوا به تولوا دعوة شعوبهم ودولهم إليه بلغاتهم، ولهذا زدت فيه على ما كتبته فى التفسير، ووضعت له الخاتمة التى صرحت فيها بالدعوة وجعلتها هى المقصودة بالذات منه.
стр. 13
ولو أنّنى قصدت هذا منذ بدأت بالكتابة لوضعت له ترتيبا آخر يغنينى عن بعض ما فيه من الاستطراد والتكرار بتحقيق كل مسألة فى موضعها، على أن بعض التكرار متعمد فيها، ولكننى كتبته فى أوقات متفرقة، وحالات بؤس وعسرة، لا أراجع عند موضوع منه ما قبله، ولا أعتمد إلا على ما أتذكره من القرآن نفسه على صعوبة استحضار المعانى المتفرقة فى سوره، وإلا بعض الأحاديث فى مواضعها من كتبها لتخريجها والثقة بصحتها، وإنى أحيل القارئ له فى كل إجمال على مراجعة تفسير المنار فى تفصيله، وفى كل إشكال على مراجعة محرره.
محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار وحررت هذه المقدمة فى ليلة ذكرى المولد المحمدى من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ (وهى على الأرجح عند المحدثين التاسع من هذا الشهر- ونشر الكتاب فى اليوم ١٢ منه- وهو يوم المولد النبوى المشهور).
***
ذكر (الوحى المحمدى) فى آيات متفرقة من السور المكية التى كانت تتلى على منكرى وحى النبوة من العرب الذين كانوا أقوى البشر استعدادا لهداية هذا الوحى إذا عقلوه وآمنوا به، لأنه لم يكن عندهم من التقاليد الدينية المسيطرة على القلوب والإرادات، ولا من أمشاج الفلسفة البشرية الشاغلة للعقول والأفكار، ولا من الاستبداد السياسى والاستعباد الروحانى السالبين لاستقلال الأفراد والجماعات ما يصرفهم عن فقهه وتدبره والاهتداء به، أو يأفكهم عن الدعوة إليه وحمايته، والجهاد بالأموال والأنفس فى سبيل إقامته.
دعوة الوحى المحمدى فى هذه الآيات:
ثم ذكر فى هذه الآيات من هذه السورة المدنية [النساء] بما لم يذكر بمثلها فى تفصيله وعموم الخطاب وخصوصه، فخاطب فى أولها محمدا رسول الله وخاتم النبيين ﷺ ثم وجه الخطاب فى بعضها إلى الناس كافة، وفى بعض آخر إلى أهل الكتاب خاصة. فبدأ خطاب النّاس كافة بأنه قد جاءهم (الرسول) الكامل الذى بشر به الأنبياء والرسل، والنبى الأعظم الذى كانت تنتظره الأقوام والأمم، ولذلك ذكر معرفا بأداة التعريف «١» وأنه جاءهم بالحق من ربهم، وهو الحق المحض الذى جهله المشركون، واختلف فيه الكتابيون، فضلوا فى هداية أنبيائهم ورسلهم، وكفّر بعضهم بعضا، ولعن بعضهم بعضا، وكتب الفريقين واحدة، وقد بين لهم ذلك فى الآيات التى قبل هذه الآيات مباشرة، وأهمها الخلاف فى رسولهم النبى الروحانى المصلح المسيح عيسى ابن مريم ﵇، ثم أعاد ذكره ونهاهم عن الغلو فيه فى هذه الآيات، وهى مشتملة على المسائل العشر الآتية:
(الأولى) أن الله تعالى أوحى إلى محمد ﷺ كما أوحى إلى نوح أول رسول أرسله إلى الأمم وقص عليه خبره فى السور المكية وإلى النبيين من بعده، فوحيه إليه كوحيه إليهم، أى مثله فى جنسه وموضوعه والغرض منه، فهو ليس بدعا من الرسل ولا أولهم، ولكنه خاتم الرسل المكمل لهدايتهم، وخص بالذكر منهم أشهر أنبياء بنى إسرائيل المعروفين عند أهل الكتاب المجاورين له فى الحجاز وما حوله، وقد كانت دعوته ﷺ بلغت اليهود والنصارى جميعا فيها، والمراد بالأسباط الأنبياء من سلالة أبناء يعقوب، عمم ثم خصص.
стр. 16
(الثانية) أن لله تعالى رسلا آخرين منهم من قصّ عليه خبرهم فى السور المكية إجمالا كقوله فى سورة الأنعام بعد قصة إبراهيم مع أبيه وقومه: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠) [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]، وتفصيلا فى سور الأعراف وهود ويوسف وطه والطواسين (الشعراء والنمل والقصص) وما دونهن، ومنهم من لم يقص عليه خبرهم من أنبياء سائر الأمم لعدم العبرة لقومه ولجيرانهم بقصصهم، وعدم ظهور إقامة الحجة بها عليهم، وربما كان ذكر بعضها فتنة لبعضهم يدعون أنها أسماء مخترعة، وقد جاء فى بعض السور أنّه تعالى أرسل فى كل أمة رسولا.
وترى هذا فى موضع آخر من هذا الكتاب بشواهده، وهو حجة على أهل الكتاب الذين يحصرون فضل الله على البشر بالنبوة فيهم.
(الثالثة) أنّ وظيفة جميع الرسل تعليم النّاس ما به يصلح حالهم، ويستعدون لمآلهم بطريق التبشير لمن آمن وأصلح عملا بحسن الثواب، وإنذار من كفر وأفسد عملا بالعقاب وحكمة ذلك أن لا يكون للناس على الله حجة بجهلهم ما يجب عليهم من أصول الإيمان، وما تصلح به الأنفس وتتزكّى من صالح الأعمال، فتستعد لسعادة الدنيا
بقدرها، وسعادة الآخرة من بعدها. وقد فصلنا فى هذا الكتاب وجه الحاجة إلى هدايتهم، وعجز البشر عن الاستقلال بمعرفتها بعقولهم.
(الرابعة) شهادة الله تعالى وشهادة ملائكته بصحة هذا الوحى له ﷺ ، وأورد هذه الشهادة مفتتحة بقوله لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ وهو استدراك على إنكار معلوم من قرينة حال الكفار به ﷺ من المشركين وأهل الكتاب ومما حكاه من قبل عن المشركين من الإنكار والمطالبة بالآية أو الآيات، كما تراه فى سورتى الأنعام ويونس وغيرهما ثم ما حكاه قريبا فى هذه السورة [النساء] عن اليهود بقوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ
стр. 17
السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣] إلخ، فهو تعالى يقول له: إن أولئك المشركين ينكرون وحى الله إليك وإلى غيرك، وإنّ هؤلاء الجاحدين يكتمون الشهادة بنبوتك وبشارة أنبيائهم بها لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ [النساء: ١٦٦] إلخ.
فأما شهادته تعالى فقد بينها بيانا مستأنفا لوقوعها جوابا لسؤال مقدر، وهو قوله: (أنزله بعلمه) أى أنزل هذا القرآن الذى أوحاه إليك متلبسا بعلمه الخاص الذى لا تعلمه أنت ولا قومك من تشريع وحكم وآداب وعبر وأخبار غيب سابقة وحاضرة وآتية، بأسلوب معجز للبشر. وهو ما يفصله هذا الكتاب بالشواهد من السور العديدة، وأما شهادة الملائكة له فما أخبر به تعالى من نزول الروح الأمين جبريل ﵇ بهذا القرآن، وما أيده به يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فى غزوة بدر، وكذا غزوتا الأحزاب وحنين، وفى أحوال أخرى.
هذه الشهادة من الله بهذا القرآن الذى لا يمكن أن يكون إلّا من الله حقّ لا ريب فيه، وهى أظهر من شهادة يوحنا (يحيى) للمسيح- ﵉ إذا روى يوحنا أنه قال: (٥:
١٣ إن كنت أشهد لنفسى فليست شهادتى حقا ٣٢ الذى يشهد لى هو آخر وأنا أعلم أن شهادته التى يشهدها لى هى حق ٣٣ أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق)، وكذلك هى أظهر وأقوى من شهادة المسيح لنفسه فيما رواه يوحنا أيضا، إذ دعا اليهود إلى اتباع النور الذى جاء به (٨: ١٣). فقال له الفرّيسيون: أنت تشهد لنفسك شهادتك ليست حقّا ١٤ فأجاب يسوع وقال لهم: (وإن كنت أشهد لنفسى فشهادتى حق)، وقد صدق ﵇ فى أن شهادته لنفسه حق، ولكن لا تقوم بها الحجة على الخصم، وأما شهادة الله تعالى لنبيه فى القرآن فهى حجّة على كلّ أحد يعجز عن الإتيان بمثله، فهى إذن حجة على كل أحد.
(الخامسة) الإخبار فى الآيات ١٦٧ - ١٦٩ بحال الكفار الذين يتعدى ضررهم إلى غيرهم من الناس، بصدّهم النّاس عن سبيل الله وهى الإسلام، وبظلمهم لأنفسهم وللناس، وكون جزاؤهم بحسب سنة الله فى أنفس البشر ونظام الاجتماع أن يظلوا سائرين على طريق الباطل والشر والموصلة إلى عذاب جهنّم. إذ لا يغفر الله تعالى لهم إلا بتزكية أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح الذى يهدى إليه الوحى، وقد صاروا بضلالهم فى أشد البعد عنه خلافا لما يقوله الكفار من نيل المغفرة بجاه الشفعاء الشخصى مع بقاء الأنفس على
стр. 18
فسادها، وظلمات ظلمها وجهلها، وهو ما سرى إلى أهل الكتاب من المشركين، إلا أن بعض النصارى خصّوه بالمسيح وبعضهم جعلوه عاما لجميع القديسين.
(السادسة) مخاطبة جميع الناس (فى الآية ١٧٠) بأن هذا الرسول محمدا ﷺ قد جاءهم بالحق من ربهم حقّا محضا غير مشوب بالآراء والأهواء البشرية، ولا بالتقاليد الكهنوتية «١» التى زادها رؤساء الأديان على ما جاءهم به الرسل الأولون فلم يعد يعرف أحد ما هو من الله تعالى وما هو منهم، فإن يؤمنوا بما جاءهم به هذا الرسول يكن خيرا لهم، وإن يكفروا فالله غنى عنهم.
(السابعة) نداؤه أهل الكتاب (فى الآية ١٧١) بالنهى عن الغلو فى الدين، وعن قول غير الحق على الله تعالى، وبيانه لهم حقيقة المسيح الذى غالى اليهود منهم فى الكفر به وتكذيبه، والطعن فى صيانة أمه الطاهرة، وغالى النصارى فيه فجعلوه ربا وإلها، وأنه قد جاءهم بالحق فيه، وهو أنه بشر روحانى خلق بكلمة الله التكوينية وهى إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وبنفخ روح القدس فى أمه الطاهرة، وبتأييد هذا الروح له فى سائر أحوال نبوته، وأن روحه ﵇ قدّيسه من الله تعالى لا حظّ للشيطان فيها، والنصارى يقررون أن الأرواح قسمان: طاهرة قديسة، ونجسة شيطانية، والتمييز بينهما مزية تحدث بها زعيمهم بولس فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثيوس.
(الثامنة) أمره تعالى أهل الكتاب بعد ما ذكر من حقيقة أمر المسيح أن يؤمنوا بما جاء به خاتم النبيين من الإيمان الصحيح بالله، وتوحيده والإيمان برسله، ونهيهم عن التثليث الوثنى الهندى، وعن اتخاذ الولد لله ، وع لله بأنه المالك لكلّ ما فى السموات والأرض، أى كل العالم، ولو كان له ولد لكان ولده مثله لا ملكه، ولكان محتاجا كاحتياج الإنسان إلى ولده سبحانه هو الغنى عن كل ما سواه كما هو مبين فى الآيات الكثيرة الواردة فى هذا المعنى «٢».
(التاسعة) إنباؤهم فى الآية (١٧٢) بأنّ المسيح لن يستنكف، أى لن يأبى أنفة واستكبارا عن أن يكون عبدا لله، ولا الملائكة المقربون- وهم أفضل الملائكة وأعلاهم منزلة عنده تعالى- أن يكونوا عبيدا له، فإنه ما تم فى الوجود إلا رب واحد كل من عداه عبيد له،
стр. 19
فالمؤمنون الذين يؤمنون بربوبيته ويعملون الصالحات تعبدا له يوفيهم أجورهم، ويزيدهم عليها ثوابا ونعيما، فضلا منه وإحسانا، والذين يستنكفون ويستكبرون
عنها يعذبهم عذابا أليما، ولا يجدون لهم من دونه- أى غيره- وليّا يتولى أمورهم ويغفر لهم، ولا نصيرا ينصرهم بشفاعة ولا فدية ولا غيرها، فلا يغرنهم ما يدعيه الرؤساء الذين استعبدوهم من أنّ خلاصهم وسعادتهم يكونان من غير أنفسهم.
(العاشرة) نداؤه للناس كافة فى الآيتين (١٧٤، ١٧٥) مبشرا لهم بأنه قد جاءهم البرهان العلمى العقلى من ربهم، وأنزل عليهم النور الساطع، وهو القرآن المبين لجميع الحقائق، فلا ينبغى لأحد منهم أن يصغى بعدها إلى تقليد الرؤساء والكهنة الذين استعبدوهم لرئاستهم وأهوائهم، وأثبت لهم أن الإيمان به، والاعتصام بحبله المتين، والدخول فى النور المبين، هو الذى يخرجهم من شقاء الدنيا ويدخلهم فى رحمة خاصة، وفضل عظيم، يمتازون بهما على غيرهم من البشر، ويهديهم بإرشاده وفيض نوره صراطا مستقيما من العلم والعمل، والحق والعدل والفضل، يكونون به سعداء الدنيا والآخرة.
هذا مضمون الوحى الإلهى المنزل على محمد رسول الله وخاتم النبيين المبين فى هذه الآيات، ظهر نوره فاهتدت به العرب، وحملته إلى شعوب العجم بالتبليغ له بالعلم والعمل، فاهتدى به السواد الأعظم ممن بلغتهم دعوته من المليين الكتابيين، والمجوس والوثنيين، والهمج المعطلين، لأنه دين البشر أجمعين. وقاومته الدول الدينية من نصرانية ومجوسية ووثنية، فنصره الله عليهم كلهم كما وعدهم حتى أظهره على الدين كله، ولا يزال ينصره وينشره بعد ترك دوله لدعوته، وإعراضهم عن هدايته. وما نزل بهم من عقوبته لهم كما أوعدهم، ولو ثبتوا على إقامته لعم نوره العالم، ولاستراح البشر من هذه العداوات الجنسية والوطنية والسياسية، ولو لقى غيره من الأديان مثل ما لقى من البغى والعدوان حوار مع الأستاذ بن لأصبح فى خبر كان.
ثم إن حاجة الأمم قد اشتدت فى عصرنا هذا إلى هدايته، حتى أشدها إمعانا فى عداوته، ولجاجا فى نكايته، وجهلا بحقيقته، فأخرجت هذا الكتاب من هداية القرآن، لتجديد دعوته بما يناسب ضرورة هذا الزمان، ولو أننى حين شرعت فى كتابة مباحثه فى المرة الأولى، أردت أن يكون كتابا مستقلا فى تجديد الدعوة إلى الإسلام، لافتتحته بهذه الآيات، وإن سبق لى تفسيرها المفصل فى آخر سورة النساء، ثم لنشرت بعض ما طويت من وجوه إعجازه، ولفصلت ما أجملت من مقاصد إصلاحه، ولبسطت ما قبضت من
стр. 20
دلائله. ولاجتنبت فيه الإحالة فى بسط ما طوى وتفصيل ما أجمل، على أجزاء تفسير المنار المطول، التى اختصرت جل المقاصد وشواهدها منها، لأنها مما يشغل القارئين للكتاب، وربما كان أكثرهم لا يقتنون تلك الأجزاء، ولذلك انتقد هذه الإحالة وبعض الاختصار فيه بعض من قرأه قولا وكتابة بحق، وكنت أسبقهم إلى ذلك.
رواج الكتاب وترجمته ببعض لغات:
لقد راج هذا الكتاب أضعاف ما رجونا، ونال من ثناء رجال العلوم الدينية ورجال المعارف المدنية العصرية فوق ما قدرنا، حتى قال كاتب مدنى شهير إنه لم ير كتابا عربيّا نشر فى هذا العصر وكان له من حسن القبول عند جميع أصناف القراء- حتى الذين لا يعنون بأمر الدين- مثل ما كان لهذا الكتاب (الوحى)، وقد صدق قوله، فإنه لم يمر على بدء نشره ثلاثة أشهر إلا وقد كادت تنفذ نسخه، حتى قللنا من بيعه لتجار الكتب بالجملة، لئلا تنفذ قبل التمكن من إعادة طبعه منقحا، مبسوطا مفصلا.
وقد استأذننى بعض المستنيرين ومحبى الإصلاح الإسلامى من الشعوب الإسلامية بترجمته باللغات الغربية والشرقية المختلفة، فأذنت لإمام جامع وكنج ومحرر مجلة الإسلام (ريفيو إسلاميك) فى لندن وداعية الإسلام فيها بترجمته باللغة الانكليزية ونشره فى أوروبا وأمريكا مترجما «١»، وأذنت أيضا بترجمته باللغات الأوردية والتركية والفارسية والصينية، وسأذكر ما يكون من أمر هذه الترجمات فى المقال الذى أجعله تصديرا لهذه الطبعة (الثانية).
ولقد كنت على ما أسمع وما أقرأ من تقريظه وإطرائه أحرص على العلم بما يراه أولو العلم والرأى من انتقاده، وسألت كثيرا عن هذا ولم اسألهم عن ذاك، وبعد هذا كله شرعت فى إعداده لهذه الطبعة الثانية له.
...
стр. 21
الفصل الأول فى تحقيق معنى الوحى والنبوة والرسالة وحاجة البشر إليها وأصولها وعدم إغناء العقل والعلم الكسبى عنها «١»
تعريف الوحى لغة وشرعا:
قال فى الأساس: أوحى إليه وأو رمى إليه بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إذا كلمته بما تخفيه عن غيره؛ وأوحى الله إلى أنبيائه: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: ٦٨].
وقال الراغب: أصل الوحى الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل «أمر وحى». وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة. وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ١١] إلخ، أى: أشار إليهم ولم يتكلم. والوحى بتشديد الياء السريع، ومن وحى الإيماء بالجوارح قول الشاعر:
نظرت إليها نظرة فتحيرت ... دقائق فكرى فى بديع صفاتها
فأوحى إليها الطرف أنى أحبها ... فأثر ذاك الوحى فى وجناتها
فالقول الجامع فى معنى الوحى اللغوى: أنه الإعلام الخفى السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره. ومنه الإلهام الغريزى كالوحى إلى النحل، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله فى روع الإنسان السليم الفطرة الطاهر الروح كالوحى إلى أم موسى، ومنه ضده وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ
لِيُجادِلُوكُمْ
[الأنعام:
١٢١]، وقال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: ١١٢]، ووحى الله تعالى إلى أنبيائه قد روعى فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما: الخفاء والسرعة. فهذا معنى المصدر، ويطلق على متعلقه وهو ما وقع به الوحى، أى: اسم المفعول، وهو ما أنزله تعالى على أنبيائه وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتابا، أى: تشريعا يكتب ومنهم من لم يعطه.
стр. 22
والله تعالى يوحى إلى ملائكته ما يأمرهم بفعله كقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: ١٢]، ويوحى إلى ملك الوحى ما يوحيه الملك إلى الرسول كقوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: ١٠]، أى: أوحى إلى عبده جبريل ﵇ ما أوحى جبريل إلى محمد ﷺ .
وقال شيخنا الأستاذ الإمام فى رسالة التوحيد بعد تعريف الوحى لغة: «وقد عرفوه شرعا أنه إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه»، أما نحن فنعرفه على شرطنا بأنه: عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام: وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين أتى. وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور.
هذا التعريف يشمل أنواع الوحى الثلاثة الواردة فى قول الله : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١] فالوحى هنا: إلقاء المعنى فى القلب، وقد يعبر عنه بالنفث فى الرّوع- وهو بالضم: القلب والخلد والخاطر، والكلام من وراء حجاب: هو أن يسمع كلام الله من حيث لا يراه كما سمع موسى ﵇ النداء من وراء الشجرة، وأما الثالث: فهو ما يلقيه ملك الوحى المرسل من الله إلى رسول الله فيراه متمثلا بصورة رجل، أو غير متمثل، ويسمعه منه أو يعيه بقلبه.
وتعبيره يشمل- قبل التفرقة بينه وبين الإلهام- ما يسميه بعضهم بالوحى النفسى وهو الإلهام الفائض من استعداد النفس العالية، وقد أثبته بعض علماء الإفرنج لنبينا ﷺ كغيره، فقالوا: إن محمدا يستحيل أن يكون كاذبا فيما دعا إليه من الدين القويم والشرع العادل والأدب السامى، وصوره من لا يؤمنون بعالم الغيب منهم أو باتصال عالم الشهادة به بأن معلوماته وأفكاره وآماله ولدت له إلهاما فاض من عقله الباطن أو نفسه الخفية الروحانية العالية على مخيلته السامية، وانعكس اعتقاده على بصره فرأى الملك ماثلا له، وعلى سمعه فوعى ما حدثه الملك به.
فصار الخلاف بيننا وبين هؤلاء فى كون الوحى الشرعى من خارج نفس النبى نازل عليها من السماء كما نعتقد، لا من داخلها فائضا منها كما يظنون، وفى وجود ملك روحانى مستقل نزل من عند الله عليه ﷺ كما قال : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ
стр. 23
بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] وفى تخيل الملك بزعمهم.
وسنشرح هذا الزعم ونبسط شبهاته ونبطلها، ونثبت أنّ هذا القرآن وحى من الله تعالى ينزل من فوق السموات العلى، لا يمكن أن يكون فائضا فى هذه الأرض من نفس محمد ﷺ وهو موضوع كتابنا هذا.
وأعلم أيها القارئ أن تقسيم المتكلمين كلام الله تعالى إلى نفسى قديم قائم بذاته سبحانه ليس بحرف ولا صوت ولا ترتيب ولا لغة، وكلام لفظى هو المنزل على الأنبياء ﵈، ومنه الكتب الأربعة، وخلافهم فى كونه مخلوقا أو غير مخلوق هو اصطلاح كله فلسفة وآراء نظرية مبتدعة، لم يرد به كتاب ولا سنة وهو تعرض للبحث التحليلى لذات الله تعالى وصفاته، ومثار للوسواس الشيطانى فيه فاجتنبه، واستعذ بالله منه، وحسبك أن تؤمن بأن الكلام صفة كمال تتعلق بكل ما يتعلق به العلم، إلا أن تعلق العلم عبارة عن انكشاف المعلومات للعالم، وتعلّق الكلام عبارة عن كشف العالم ما شاء من علمه لمن شاء، وأن الله تعالى متصف بكمال العلم والتعليم، وكمال الكلام والتكليم، وأن هذا وغيره مما وصف به نفسه فى كتابه لا ينافى كمال تنزيهه تعالى عما لا يليق به من نقائص عباده ولا يقتضى مماثلته لهم فيما وهبهم من كمال، فإن الاشتراك فى الأسماء لا يقتضى الاشتراك فى المسميات، وأسماء الأجناس المقولة بالتشكيك فى الممكنات تختلف من وجوه كثيرة منها النقص والكمال، فكيف بها إذا كانت مشتركة بين الخالق والمخلوقات؟ فذاته تعالى أكمل من ذواتهم، ووجوده أعلى من وجودهم، وصفاته أسمى من صفاتهم، وهو أعلم، ورسوله أعلم منهم بصفاته وأفعاله، فعليك أن تؤمن بما صح عنهما من إثبات ونفى، ومن غير زيادة ولا نقص، بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وليس عليك ولا لك أن تحكم رأيك وعقلك فى كنه ذاته ولا صفاته، ولا فى كيفية مناداته وتكليمه لرسله، ولا فى كنه ما هو قائم به، وما يصدر عنه، وعلى هذا كان أصحاب الرسول وعلماء التابعين، وأئمة الحديث والفقه، قبل ظهور بدعة المتكلمين.
стр. 24
النبى معناه لغة وشرعا والفرق بين الرسول وغيره
النبيء فى اللغة العربية: وصف من النبأ، وهو الخبر المفيد لما له شأن مهم، ويصح فيه معنى الفاعل والمفعول، لأنه منبئ عن الله ومنبأ منه، والنبى بالتشديد أكثر استعمالا، أبدلت الهمزة فيه ياء، أو هو: من النبوة وهى الرفعة والشرف. ويطلق عند أهل الكتاب على الملهم الذى يخبر بشيء من أمور الغيب المستقبلة. وقيل إن معنى أصل مادته فى
العبرانية القديمة: المتكلم بصوت جهورى مطلقا، أو فى الأمور التشريعية، وهو عندنا: من أوحى الله إليه وحيا، فإن أمره بتبليغه كان رسولا، فكل رسول نبى، وما كان نبى رسولا، فقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:
٤٠] يدل على انقطاع النبوة والرسالة معا بعد محمد ﷺ ، فكل من ادعى أو يدعى الوحى الشرعى من الله تعالى بعده فهو كاذب مضل، وقد ادعى النّبوة كثيرون فظهر كذبهم، ولم يأت أحد ادعى النبوة بعد محمد ﷺ بشيء من الإصلاح الدينى الذى يحتاج إليه البشر، بل رأينا كتبهم وأقوالهم طافحة بمدح أنفسهم واللغو فى إطرائها ودعاويها الباطلة، التى يراد بها إخضاع العوام لهم واستعبادهم إياهم، كالذى نعهد فى الدجالين من مدعى الولاية ومعرفة الغيب والتصرف الروحانى فى نفع الناس وضرهم. ويدحض هذا وأمثاله ما بينه الله فى كتابه الحق من وظائف الرسل كافة، وخاتم النبيين خاصة، كما نراه فى موضعه من هذا الكتاب، وكذا ما علم بالتواتر من شمائله وأخلاقه ﷺ من التواضع وكراهة الدعوى والإطراء والنهى عنه.
ويرى قارئ هذا الكتاب فيه أن ما جاء به ﷺ من كتاب الله وما بينه به من سننه كاف شامل لكل ما يحتاج إليه البشر من هداية الدين لا يحتاجون إلى غيره.
стр. 25
حاجة البشر إلى الرسالة وأصول أديان الرسل الأساسية
وجه حاجة البشر إلى هداية الأنبياء ﵈ فى الجملة أن موضوع رسالتهم المقصود بالذات أو بقصد الأول ثلاثة أمور لا تستقل معارفهم المكتسبة بحواسهم وعقولهم بها، ولا يذعنون فيها إلا لأمر ربهم وخالقهم.
(أحدها) الإيمان بالغيب، ورأسه توحيد الله وصفاته وآياته الدالة على كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب من عبادته وشكره وذكره الذى هو على ما تتزكى به النفس، وتتطهر من أدران مساويها، وتصل إلى الكمال المستعدة له بفطرتها. ويليه الإيمان بملائكته وما يناط بهم من الوحى، والنظام فى الخلق والأمر، ويجب الوقوف فى ذلك عند ما ورد به النص.
ومما أخبر به الأنبياء من أمر عالم الغيب (الجن والشياطين) وأن ما يجده الناس فى أنفسهم من خواطر السوء، وتقوية دواعى الشر والباطل فهو من وسواس الشياطين، وحكمة إعلامهم بذلك إرشادهم إلى محاسبة أنفسهم على خواطرها، والتمييز بين حقها وباطلها، وخيرها وشرها، فهو أكبر معين لهم على تربيتها وتزكيتها- وقد وضحناه بالدلائل فى تفسيرنا- وضربنا له المثل بعوالم الجنّة المادية التى تسمى بالميكروبات، وكون تأثيرها فى الأجسام كتأثير الشياطين فى الأرواح، وقد مر على البشر الألوف الكثيرة من السنين وهم يجهلونها على ما لها من التأثير العظيم فى صحتهم وأمراضهم، وطعامهم وشرابهم، حتى كشفوها فى هذا العصر، ولو حاسب الناس أنفسهم على خواطرهم السوأى اتقاء لوسوسة الشياطين كما يتقون ميكروبات الأمراض لحفظ أبدانهم لكان تأثير هذه التقوى لحفظ الأنفس من الشر والفساد أعظم من تأثير تلك الوقاية فى حفظ الأجساد من الأمراض.
وقد كشف بعض الماديين فى القرن الثامن عشر أن للبشر أرواحا مستقلة كما أخبرهم الأنبياء، ووجدوا وسيلة لإدراك بعض الجنة غير المادية، وهو ما يعتقدون أنه من أرواح الموتى والراجح عندنا أن أكثرها من أرواح شياطينهم، ولا يتسع هذا الفصل لبيان الحق فى هذه المسألة التى لا تزال موضع الخلاف بين الناس، وإنما المراد هنا تعريف موضوع الرسالة بالإجمال.
стр. 26
المشهور: أن أرقى البشر عقلا ورأيا فى شئون العالم رجال السياسة الدولية فى الغرب، وإنك لتجد غاية سياستهم أن يسخروا ثروة شعوبهم ونتائج علومها وفنونها لعداوة بعضهم لبعض، وإعدادها للتقتيل والتدمير. أليست هذه السياسة الشيطانية مصداقا لقول الله تعالى فيهم: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٣، ٦٤].
(ثانيها) ما يجب اعتقاده من البعث بعد الموت والحساب، والجزاء على الإيمان والأعمال، وهو أكبر البواعث- بعد الإيمان بالله ومعرفته- على اتباع ما شرعه من اتباع الحق، وإقامة العدل، وأعمال البر والخير، والصدود عن أضدادها.
(ثالثها) وضع حدود وأصول للأعمال التشريعية المشار إليها لا مجال للآراء والأهواء فيها، لتكون جامعة للكلمة، مانعة من التفرقة، متبعة فى السر والعلانية.
وجملة القول: أن تهذيب البشر بالدين مبنى على الإيمان بالغيب والوقوف فيه عند خبر الأنبياء ﵈، ولا يمكن تهذيبهم بالعلوم المادية الكسبية وحدها وهو ما نكرر بيانه فى هذا الكتاب.
стр. 27
عصمة الأنبياء
إذا كان إرسال الأنبياء إلى البشر لأجل هدايتهم إلى تزكية أنفسهم بما تصلح به أحوالهم فى دنياهم، ويستعدون به الحياة أعلى من هذه الحياة الدنيا فى نشأة أخرى، فلا يتم هذا الغرض ولا تتحقق هذه الحكمة إلا إذا كان هؤلاء الأنبياء أهلا لأن يقتدى بهم فى أعمالهم وسيرتهم، والتزام الشرائع والآداب التى يبلغونها عن ربهم، ومن ثم قال علماؤنا بوجوب عصمة الأنبياء من المعاصى والرذائل، وبالغ بعضهم فيها حتى قالوا بعصمتهم من الذنوب الصغائر كالكبائر قبل النبوة وبعدها، وخصّ بعضهم العصمة من الصغائر بما كان باعثه الخسة والدناءة.
وأهل الكتاب لا يقولون بهذه العصمة، وكتبهم المقدسة ترمى بعض كبار الأنبياء بكبار الفواحش المنافية لحسن الأسوة، بل المجرئة على الشرور والمفاسد.
والنصارى منهم يجعلون معاصى الأنبياء دليلا على عقيدتهم وهى أن المسيح هو المعصوم وحده لأنه رب وإله، ولأنه هو المخلص للناس من العقاب على الخطيئة اللازبة اللازمة لكل ذرية آدم بالوراثة له، وأنه لا شفيع ولا مخلص لهم غيره؛ لأن المخطئ لا يخلص المخطئين وهو منهم، وهذه العقيدة وثنية مخالفة لدين الأنبياء وكتبهم وللعقل، ومطابقة للأديان الوثنية الهندية وغيرها.
بيد أنّ كتب العهدين القديم والجديد المقدسة عندهم المحرفة فى اعتقادنا لا تشهد لهم برمى جميع أنبيائها بالذنوب فضلا عن المعاصى التى هى أشد من الذنوب، فإن يوحنا المعمدان (هو يحيى بن زكريا ﵉ لم يوصم بخطيئة قط. بل شهدت له أناجيلهم بما يدل على أنه كان أعظم من المسيح فى عصمته، ففي إنجيل لوقا (١: ٦٥ إنه يكون عظيما أمام الرب، وخمرا ومسكرا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس) وفيه «كانت يد الرب معه»، وقال المسيح فيه: «متى ١١: ١١ الحق أقول لكم إنه لم يقم بين المولدين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان»، ثم قال فيه: «١٨ جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فيقولون فيه شيطان ١٩ وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون: هو ذا إنسان أكول، وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة».
стр. 28
بل شهدت الأناجيل أن المسيح ﵇ أهان أمه وإخوته ولم يسمح لهم بلقائه، وقد استأذنوا عليه ليكلموه، وعلل ذلك بأنهم مخالفون لمشيئة أبيه كما تراه فى آخر الفصل الثانى عشر من إنجيل متى وآخر الثالث من مرقس بالمعنى. وعبارة لوقا (٨: ٢٠ فأخبروه قائلين: أمك وإخوتك واقفون خارجا يريدون أن يروك ٢١ فأجاب وقال لهم أمى وإخوتى هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها)، نعم إن إخوته لم يكونوا يؤمنون به كما هو مصرح به فى موضع آخر، ولكن هل كانت أمه كذلك؟ وهل يجازيها هذا الجزاء؟ والله تعالى يوصى بالإحسان بالوالدين حتى المشركين ويفضل أمّ السيد المسيح على نساء العالمين.
وإهانة الأم ذنب فى جميع الشرائع والآداب، كما أن المبالغة فى شرب الخمر ذنب حتى فى الشرائع التى لم تحرمها مطلقا، وجاء فى هذه الأناجيل أن الشيطان استولى عليه أربعين يوما يجربه ويدعوه إلى عبادته، كما تراه فى أول الفصل الرابع من إنجيل متى. وكذا فى غيره من الأناجيل. ونحن نبرئه من كل ذلك.
وشهدت الأناجيل أيضا بأنّ يوحنا كان يعمد الناس للتوبة ومغفرة الخطايا وأنه عمد المسيح نفسه، وبأن أباه زكريا وأمه اليصابات «وكان كلاهما بارين أمام الله سالكين فى جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم» (لوقا ١: ٦) وهذه شهادة بالعصمة التامة.
وهنالك أنبياء آخرون شهدت لهم نبوات العهد القديم بالبر ولم ينسب إلى أحد منهم أدنى خطيئة، وآدم عند ما ارتكب الخطيئة لم يكن نبيا مرسلا إلى أحد ولا كان معه قوم يسيئون الاقتداء به. وكان قد نسى النهى عن الأكل من الشجرة، وإنما كانت مثلا لاستعداد جنس البشر للمعصية كالطاعة، نسيانا أو عمدا، ولكون المعصية تعالج بالتوبة فيغفرها الله تعالى، وقد كان ابناه قابيل وهابيل مثلا لكل من الاستعدادين، وشهد الكتاب عندهم لهابيل بأنه كان بارا لم يرتكب خطيئة، وهو لم يكن نبيا.
جاء القرآن وهو المهيمن على جميع الكتب الإلهية بما لخصناه من الحق فى مسألة آدم وشهد لمن قص علينا خبرهم من أنبياء الله ورسله أنهم كانوا من الصالحين الذين يقتدى بهم فى البرّ والتقوى، كقوله فى سورتهم: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [الأنبياء: ٧٣]، وقال فيهم بعد ذكر أشهرهم: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠].
وأما قوله لخاتمهم ومكمل هدايتهم: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ
стр. 29
مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ١، ٢] إلخ، وقوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩]، فالذنب فيه جاء على أصل معناه اللغوى المشتق من ذنب الدابة، وهو كل عمل له عاقبة ضارة أو منافية للمصلحة، أو لما هو أولى وأنفع، ويدخل فيه الاجتهاد فى الرأى المباح شرعا كإذن النبى ﷺ لمن استأذنه من المنافقين فى التخلف عن غزوة تبوك وعاتبه الله عليه بقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ «١» [التوبة: ٤٣]، وإنما المعصية للأنبياء من معصية الله بمخالفة وحيه إليهم، إذ لو عصوه لكان أتباعهم مأمورين من الله بالمعصية لأنه أمرهم باتباعهم، وقال تعالى فى نبينا ﷺ : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١].
стр. 30
العقل والعلم البشرى لا يغنيان عن هداية الرسل
(فإن قيل) إن الإيمان بالغيب ووجود الرب غريزى فى الفطرة البشرية كما حققتم، أو إلهام من إلهاماتها يلقى فى روع أفرادها عند نمو إدراكهم، وأن بعض الحكماء المفكرين قد ارتقوا فى معارفهم العقلية إلى حيث أقاموا البراهين على وجود واجب الوجود وعلمه وحكمته، ووجوب تعظيمه وشكره وعبادته، وقد قرر بعضهم بقاء النفس بعد الموت وخلودها فى نعيم مقيم أو عذاب أليم، ووضعوا للناس أصول الفضائل والتشريع والآداب التى تصلح بها الإنسانية وروابط الاجتماع.
(قلت) نعم لكل ذلك أصل يثبته التاريخ الماضى، ويشهده العصر الحاضر. ولكن بين هداية الأنبياء وحكمة الحكماء وعلومهم فروقا فى مصدر كل منهما، وفى الثقة بصحته، وفى الإذعان لحقيته، وفى تأثيره فى أنفس جميع طبقات المخاطبين.
فحكمة الحكماء وعلومهم آراء بشرية ناقصة، وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود مجهول، وهى عرضة للتخطئة والخلاف، ولا يفهمها إلا فئة مخصوصة من الناس، وما كل من يفهمها يقبلها، ولا كل من يقبلها ويعتقد صحّتها يرجّحها على هواه وشهواته، إذ لا سلطان لها على وجدان العالم بها، فلا يكون لها تأثير الإيمان وإسلام الإذعان والتعبد، لأن النوع البشرى يأبى طبعه وغريزته أن يدين ويخضع خضوع التعبد لمن هو مثله فى بشريته وإن فاقه فى علمه وحكمته، وإنما يدين لمن يعتقد أن له سلطانا غيبيا عليه بما يملكه من القدوة على النفع والضر بذاته، دون الأسباب الطبيعية المبذولة لجميع الناس بحسب سنن الكون ونظامه.
واضرب لهذا مثلا: إنه كان للفيلسوف الرئيس ابن سينا خادم متعلم معجب بعلومه وفلسفته، وكان يعجب منه كيف يدين بملة محمد ﷺ ويتبعه وهو فى رأيه أعلم منه وأرقى، وكان يكاشفه بذلك فيعرض عنه أو يوبّخه، فاتفق أن كانا فى مدينة أصفهان فى ليلة شديدة البرد كثيرة الثلج، فأيقظ الرئيس خادمه فى وقت السّحر وطلب منه ماء ليتوضأ به، فاعتذر بشدة البرد وبقاء الليل، ثم أيقظه الرئيس فى وقت أذان الصبح وطلب منه الماء فاعتذر بشدة البرد، حتى قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله. قال الرئيس لخادمه:
اسمع ماذا يقول المؤذن؟ قال: إنه يقول أشهد أن محمدا رسول الله. قال الرئيس: الآن قد
стр. 31
آن لى أن أبين لك ضلالك القديم، إنك خادمى لا عمل لك غير خدمتى، وإنك أشدّ الناس إعجابا بى وإجلالا وتعظيما لى؟ حتى إنك تفضلنى على رسول الله ﷺ ، وتنكر علىّ أن أؤمن به وأتبعه، وأنك على هذا تخالف أمرى فى أهون خدمة أطلبها منك فى داخل الدار معتذرا بشدة البرد، وإن هذا المؤذن الفارسى يخرج من بيته قبل الفجر ويصعد هذه المنارة وهى أشد مكان فى البلد بردا، حتى إذا لاح له الفجر أشاد فى أذنه بذكر محمد العربى بعد مرور أربعة قرون ونيف على بعثته، إيمانا وإذعانا وتعبدا واحتسابا. فتأمل هذا وتدبره فى نفسك يظهر لك الفرق بين سلطان النبوة على الناس وسلطان العلم والفلسفة.
فمن أعظم مزايا هداية الوحى الدينية على العلمية الكسبية أن جميع طبقات المؤمنين بها يذعنون لها بالوازع النفسى التعبدى، فبذلك تكون عامة ثابتة لا مجال للخلاف والتفرق فيها ما دام الفهم لها صحيحا والإيمان بها راسخا، ولذلك نرى الشعوب التى ساء فهمها للدين، وتزلزل إيمانها به أو زال، لا ينفعها من دونه علوم العلماء، ولا حكمة الحكماء، وقد ارتقت العلوم والحكمة فى هذا العصر، وعم انتشارهما بما لم يعرف مثله فى عصر آخر، وهم لا يذعنون فى أنفسهم لإرادة ملك أو أمير، ولا لرأى عالم نحرير، ولا فيلسوف شهير، ولا مخترع خبير، بل صاروا إلى فوضى فى الأخلاق والآداب والاجتماع، واستباحة الأموال والأعراض وكذا الدماء لم يعهد لها فى البشر نظير. صارت بها الأمم والدول عرضة لفتنة فى الأرض وفساد كبير.
أكثر البشر المؤمنون بوجود الله وعلمه وحكمته، والمثقفين بالتعليم العصرى يؤمنون بوحدانيته، ولم يبق للشرك به تعالى بقية إلا فى جهال المتبعين لتقاليد الأديان المنسوبة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما هى من أديانهم فى شىء. بل هى هادمة لأساسها الأعظم وهو التوحيد المطلق، فكان فشو الشرك بعبادة الأنبياء والقديسين وما ترتب عليه واقترن به من الخرافات وفساد الأخلاق من أكبر الشبهات على صحة هذه الأديان والمنفرات عن اتباعها وصار أكثر البشر إما مؤمنين بالأنبياء دائنين بالخرافات، وإمّا كافرين بهم منكرين أن الدين وحى من الله تعالى، وتعين إرجاع الفريقين إلى هداية الدين الصحيح وما هو إلا دين الإسلام.
إن الدين الذى ينتمى إليه أكثر شعوب الحضارة فى هذا العصر هو النصرانية، وإنما سبب بقائه فيهم أن دولهم قد جعلته من نظام حياتهم الاجتماعية، ولكنه لم يبق له سلطان روحى إلا فى قلوب النساء والعوام الخرافيين، وقد جاءتنا الأنباء قبل طبع هذا الفصل بأن
стр. 32
زعماء الشعب الألمانى وهو أرقى شعوب الأرض علما وفنا وحضارة قد ثار على هذا الدين ثورة جديدة يريد بها هدم أساسه من كتب العهد القديم، وتنقيح تعاليم العهد الجديد وجعل ما يبقون منه وطنيا ألمانيا خاصا بالجنس الآرى الهندى الفارسى الأصل والبراءة من كل ما هو سام منه، وما أنبياؤهم ورسلهم ومسيحهم ومعبودهم إلا من الساميين. بل يريدون تقديس شهداء الحرب وعظماء أسلافهم الألمانيين، وإنّ هذه إلا وثنية كوثنية اليابانيين. تذكى سعير العداوة بينهم وبين سائر الأوروبيين.
فلا سبيل إلى إنقاذ البشر فى هذا العصر إلا إثبات الوحى المحمدى الموحّد لإنسانيتهم، المزكى لأنفسهم، والمكمّل لفطرتهم. الذى فيه السعادة الدنيوية والأخروية لهم فى جملتهم، وقد بينا فى هذا الكتاب أنّ محمدا رسول الله وخاتم النبيين. وهو المرسل إلى كافة الناس رحمة للعالمين، وأنه هو الذى أكمل الله به الدين، وأزال العصبيات الجنسيّة والوطنيّة.
لتوحيد الأخوة الإنسانية، فاتباعه هو الترياق المجرّب لهذه السموم الروحية الاجتماعية القاتلة. راجين أن يفتح الله تعالى به أبواب الهدى لكل من يعقله ويتدبره من مستقلى الفكر، وطالبى معرفة الحق، وإصلاح الخلق المعنيين بقول الله : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) [المائدة: ١٥، ١٦].
***
стр. 33
الفصل الثانى فى إقامة الحجة على مثبتى الوحى المطلق فى إثبات نبوة محمد ﷺ
إن من اطّلع على الكتب المقدسة عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى المعبر عنها بكتب العهدين القديم والجديد، وعلى القرآن وكتب السنة والسيرة المحمدية- من أحرار الفكر ومستقلى العقل- علم علما وجدانيّا أنه لا يستطيع أحد أن يؤمن إيمانا علميا بأن تلك الكتب وحى من الله، وأن الذين كتبوها أنبياء معصومون فيما كتبوه ثم لا يؤمن بأن القرآن وحى من الله، وأن محمدا نبىّ معصوم فيما بلغه عن الله تعالى. كما لا يستطيع فقيه أن ينكر فقه أبى حنيفة والشافعى، ولا نحوى أن يجحد نحو سيبويه وابن جنّى، ولا شاعر أن ينفى شاعرية الرضى والبحترى، وقل مثل ذلك فى الطبيب والفيلسوف والرياضى والفلكى- كل منهم مع أئمة علمه، وفى كلّ إنسان صحيح الحواس فى المدركات الحسية، فالبصير لا يستطيع أن يكابر حسه فيفضل نور القمر والكواكب على ضوء الشمس، أن نور السراج على نور النهار، ولله در البوصيرى حيث قال:
الله أكبر إنّ دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيل
لا تذكروا الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفأ القنديلا
قد صرح بهذا المعنى علماء الإفرنج الذين نشئوا فى النصرانية، وأحاطوا بها علما وخبرا، ثم عرفوا الإسلام معرفة صحيحة ولو غير تامة.
كتب الأستاذ أدوار مونتيه المستشرق مدرس اللغات الشرقية فى مدرسة جنيف الجامعة فى مقدمة ترجمته الفرنسية للقرآن ما ترجمته بالعربية:
«كان محمّد نبيّا صادقا كما كان أنبياء بنى إسرائيل فى القديم، كان مثلهم يؤتى رؤيا ويوحى إليه وكانت العقيدة الدينيّة وفكرة وجود الألوهية متمكنتين فيه كما كانتا متمكنتين فى أولئك الأنبياء أسلافه فتحدّث فيه كما كانت تحدث فيهم ذاك الإلهام النفسيّ، وهذا التضاعف فى الشخصية، اللذين يحدثان فى العقل البشرى المرائى والتجليات والوحى والأحوال الروحية التى من بابها» أهـ.
стр. 34
فهذا العالم الأوروبى المستقل الفكر يقول: إن كل ما كان به أنبياء بنى إسرائيل أنبياء كان ثابتا لمحمد، ونحن نقول: إنّ جميع خصائص النبوة التى كانت فيه هى أكمل شكلا وموضوعا وأصح رواية وأبعد عن الشبهات كما سنوضحه، وأما ما فسر به هذه الخصائص فهو التعليل الذى يعلل به الماديون الوحى المطلق، وسنتكلم عليه فى الفصل الثالث.
ولخص هذا العالم خبير نزول الوحى على محمد ﷺ من كتب إسلامية مذعنا لصحة روايتها، وفصّلها بعده العالم المستشرق الفرنسى أميل درمنغام «١» فى كتابه (حياة محمد) مذعنا لصحة الرواية ولموضوعها. شارحا لتأثير نبوته فى إصلاح البشر متمنيا الاتفاق بين المسلمين والنصارى، آسفا للشقاق بينهم.
وإننا ننقل هنا تعريف الوحى والنبوّة والآيات (العجائب) عن أحد علماء الإفرنج الجامعين بين العلوم العصرية والدينية والتواريخ، وهو الدكتور «جورج بوست» الشهير مؤلف كتاب (وقاموس الكتاب المقدس) بالعربية ليبنى عليها الباحث المستقلّ العقل حكمه فى نبوة أنبياء بنى إسرائيل ووحيهم، ونبوة محمد رسول الله وخاتم النبيين، والوحى الذى أنزل عليه.
стр. 35
تعريف الوحى والنبوة والأنبياء عند النصارى
جاء فى تفسير كلمة «وحى» من قاموس الكتاب المقدس المطبوع فى الطبعة الأمريكانية فى بيروت سنة ١٩٨٤ ما نصه مع حذف أكثر رموز الشواهد.
وتستعمل هذه اللفظة للدلالة على نبوة خاصة بمدينة أو شعب، وجاء فى (جزء ١٢: ١٠) «هذا الوحى هو الرئيس» أى أنه لآية للشعب وعلى العموم يراد بالوحى الإلهام.
وعلى ذلك يقال: «إن كل الكتاب هو موحى به من الله» والوحى بهذا المعنى هو حلول روح الله فى الكتّاب الملهمين وذلك على أنواع:
١ - إفادتهم بحقائق روحية أو حوادث مستقبلة لم يكن يمكنهم التوصل إليها إلا به.
٢ - إرشادهم إلى تأليف حوادث معروفة أو حقائق مقررة والتفوه بها شفاها أو تدوينها كتابة بحيث يعصمون من الخطأ. فيقال: «تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس، وهنا لا يفقد المتكلم أو الكاتب شيئا من شخصيته، وإنما يؤثر فيه الروح الإلهى بحيث يستعمل ما عنده من القوى والصفات وفق إرشاده تعالى، ولهذا نرى فى كل مؤلف من الكتّاب الكرام ما امتاز به من المواهب الطبيعية ونمط التأليف وما شابه ذلك وفى شرح هذا التعليم دقة، وقد اختلف العلماء فيما أوردوه من شرحه، غير أن جميع المسيحيين يتفقون على أن الله قد أوحى لأولئك الكتّاب ليدونوا إرادته ويفيدوا الإنسان ما يجب عليه من الإيمان والعمل لكى ينال الخلاص الأبدى» أهـ.
وجاء فى تفسير «نبى. أنبياء. نبوة» منه ما نصه:
«النبوة لفظة تفيد الإخبار عن الله، وعن الأمور الدينية، ولا سيّما عمّا سيحدث فيما بعد، وسمى هارون نبيا لأنه كان المخبر والمتكلم عن موسى نظرا لفصاحته (خروج ٧: ١) أما أنبياء العهد القديم فكانوا ينادون بالشريعة الموسوية، وينبئون بمجيء المسيح، ولما قلت رغبة الكهنة وقل اهتمامهم بالتعليم والعلم فى أيام صموئيل أقام مدرسة فى الرامة وأطلق على تلامذتها اسم بنى الأنبياء فاشتهر من ثم صموئيل بإحياء الشريعة وقرن اسمه باسم موسى وهارون فى مواضع كثيرة من الكتاب، وتأسست أيضا مدارس أخرى للأنبياء فى بيت إيل وأريحا والجلجال وأماكن أخرى، وكان رئيس المدرسة النبوية يدعى أبا أو سيدا، وكان يعلم فى هذه المدارس تفسير التوراة والموسيقى والشعر، ولذلك كان الأنبياء شعراء وأغلبهم كانوا يرنمون ويلعبون على آلات الطرب، وكانت الغاية من هذه المدارس أن يرشح الطلبة فيها لتعليم الشعب. أما
معيشة الأنبياء وبنى الأنبياء فكانت ساذجة للغاية، وكثير منهم كانوا متنسكين أو طوافين يضافون عند الأتقياء.
стр. 36
ويظهر أن كثيرين من الذين تعلّموا فى تلك المدارس لم يعطوا قوة على الأنباء بما سيأتى. إنما اختص بهذه الخصوصية أناس منهم كان الله يقيمهم وقتا دون آخر حسب مشيئته، ويعدهم بتربية فوق العادة لواجباتهم الخطيرة على أن بعض الأنبياء الملهمين كان يختصهم الله بوحيه ولم يتعلموا من قبل ولا دخلوا تلك المدارس، كعاموس مثلا فإنه كان راعيا وجانى جميز «١».
«أما النبوة فكانت على أنواع مختلفة كالأحلام والرؤى والتبليغ، وأحيانا كثيرة كان الأنبياء يرون الأمور المستقبلة بدون تمييز أزمنتها فكانت تقترن فى رؤاهم الحوادث الرقيبة العهد مع البعيدة. كاقتران نجاة اليهود من الأشوريين بخلاص العالم بواسطة المسيح، وكانتصار اسكندر ذى القرنين بإتيان المسيح، وكاقتران انسكاب الروح القدس يوم الخميسين بيوم الحشر، ومن هذا القبيل اقتران خراب أورشليم بحوادث يوم الدينونة. وقد أرسل الله الأنبياء الملهمين ليعلنوا مشيئته وليصلحوا الشئون الدينية، وعلى الأخص ليخبروا بالمسيح الآتى لتخليص العالم، وكانوا القوة العظيمة الفعالة فى تعليم الشعب وتنبيههم وإرشادهم إلى سبيل الحق، وكان لهم دخل عظيم فى الأمور السياسية» أهـ بنصه.
بعض ما يرد على نبوتهم من تعريفها
أما تفسير الإلهام بحلول روح الله فى روح الملهم فهو تحكم للنصارى لا يعرفه ولا يعترف به أنبياء بنى إسرائيل ولا علماؤهم، ولا يمكنهم إثباته ولا دفع ما يرد عليه من وقوع التعارض والتناقض والخلق فيما كتبه أولئك الملهمون، وما خالفوا فيه الواقع، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «إن فى شرح ذلك التعليم دقة، وأن العلماء اختلفوا فى شرحه» إلخ، ومن حلّ فيه روح الله صار إلها، إذ المسيح لم يكن إلها عند النصارى إلا بهذا الحلول، فكيف يقع فى مثل ما ذكر ويتخلف وحيه أو يخالف الواقع؟
وأما كلامهم فى النبوة والأنبياء فيؤخذ منه ما يأتى:
١ - إن أكثر أنبياء بنى إسرائيل كانوا يتخرجون فى مدارس خاصة بهم يتعلمون فيها تفسير شريعتهم التوراة، والموسيقى والشعر، وأنهم كانوا شعراء ومغنيين وعازفين على آلات الطرب، وبارعين فى كل ما يؤثر فى الأنفس ويحرك الشعور والوجدان، ويثير رواكد الخيال، فلا غرو أن يكون عزرا ونحميا من أعظم أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل (اؤرتحششتا) ومغنيين له، وأن يكونا قد استعانا بتأثير غنائمهما فى نفسه على سماحه لهما بالعودة بقومهما إلى وطنهما وإقامة دينهما فيه.
стр. 37
فالنبوة على هذا كانت صناعة تعلم موادها فى المدارس، ويستعان على الإقناع بها بالتخيلات الشعرية، والإلهامات الكلامية، والمؤثرات الغنائية والموسيقية والمعلومات المكتسبة، فأين هى من نبوة محمد الأمى الذى لم يتعلم شيئا، ولم يقل شعرا، وقد جاء مفردا بأعظم مما جاءوا به كلّهم أجمعون مجتمعا؟
٢ - إن كثيرا من هؤلاء الأنبياء وأولادهم كانوا متنسّكين أو طوّافين على الناس يعيشون ضيوفا عند الأتقياء المحبّين لرجال الدين. كما هو المعهود من دراويش المتصوفة أهل الطرق فى المسلمين، ومن المعلوم أن هؤلاء المحبين يقبلون من رجال التنسك كل ما يقولون، ويسلمون لهم كل ما يدعون، ويذيعون عنهم كل ما يقبلون منهم، ومن غير هؤلاء الكثيرين من الأنبياء من نقلت عنهم كتبهم المقدسة بعض كبائر المعاصى، وإن من أخبار الصوفية والنسّاك والسيّاح عند المسلمين من تفضل سيرتهم سيرة هؤلاء الأنبياء فى كتبهم، فكيف يصح أن يرتفع أحد منهم إلى درجة محمد ﷺ فى نشأته الفطرية ومعيشته من كسبه، وكونه لم يكن عالة على الناس فى شىء قبل النبوة ولا بعدها؟
٣ - أشهر أنواع نبوتهم الأحلام والرؤى المنامية والتخيلات المبهمة، وكلها تقع لغيرهم، وقد كانت الرؤيا الصادقة مبدأ نبوة محمّد ﷺ قبل وحى التشريع الذى كان له صور أعلى منها سنبينها بعد «١»؛ والرؤى صور حسية فى الخيال تذهب الآراء والأفكار فى تعبيرها مذاهب شتى، قلما يعرف تأويل الصادق منها غير الأنبياء كرؤيا ملك مصر التى عبرها يوسف ﵇، ورؤياه وهو فى صغره.
٤ - إن نبوة الإخبار عن الأمور المستقبلة- وهى التى يستدلون بها على كونهم مخبرين عن الله تعالى- كانت أحيانا كثيرة بدون تمييز أزمنتها ولا حوادثها، فكان بعضها يختلط ببعض، فلا يكاد يظهر المراد منها إلا بعد حملها على شىء واضح بعد وقوعه، كما يعهد فى كل عصر من أخبار العرافين والمنجمين. بله الروحانيين المكاشفين، ومنها ما ظهر خلافه كما أشار إليه ولم يشرحه، ولكن التاريخ شرحه.
وكان أعظم نبوات هؤلاء الأنبياء إخبارهم عن المسيح (مسيا) وملك إسرائيل ولا يزال اليهود ينتظرونها «٢»، ثم إخبار المسيح نفسه عن خراب العالم ومجىء الملكوت لأجل دينونة العالم، وأنه لا ينقضى الجبل الذى خاطبه حتى يكون ذلك كله، وقد مرت أجيال كثيرة ولم يكن من ذلك شىء.
стр. 38
امتياز نبوة محمّد على نبوة من قبله فى موضوعيها والموازنة بينه وبين موسى وعيسى (ع. م)
أنى تضاهى تلك الأخبار (النبوات) - وهى كما علمت- أنباء القرآن الكثيرة بالمغيّبات كالذى بيناه فى خلاصة تفسير سورة براءة (التوبة) مما وقع من المنافقين، وما هو فى سورة الفتح، وقد وقع فى عهد النبى ﷺ . وفى غيرهما كقوله تعالى فى أول سورة الروم: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ١ - ٤]، وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥]، وأين هى من إنباء النبى ﷺ أصحابه بأنهم سيفتحون بعده بلاد الشام وبلاد فارس ومصر، ويستولون على ملكى كسرى وقيصر. حتى أنه سمى كسرى عصره باسمه كما رواه البخارى عن عدى بن حاتم إلخ «١»؟.
هذا ما يقال بالإجمال فى أحد موضوعى النبوة وهو الإخبار عما سيكون فى مستقبل الزمان، فما جاء به محمد ﷺ منها فى وحى القرآن وغيره أظهر وأوضح وأبعد عن احتمال التأويل، وأعصى على إنكار المرتابين، ويزيد عليه ما جاء به من أنباء الغيب الماضية، وسأورد ما يتأول به الجاحدون للنبوة فى بيان بطلان شبهتهم.
وأما الموضوع الثانى للنبوة وهو الأهم الأعظم، أى عقائد الدين وعباداته وآدابه وأحكامه، فالنظر فيه من وجهين:
(أحدهما) ما ذكروه من كونه لا يمكن أن يصل إليه عقل من جاء به وفكره ولا علومه ومعارفه الكسبية، فيتعين أن يكون بوحى من الله.
(وثانيهما) أن يكون ما فيه من هداية الناس وصلاح أمورهم فى دينهم ودنياهم أعلى فى نفسه من معارف البشر فى عصره، فيتعين أن يكون وحيا.
فأما الأول؛ الخاص بشخص الرسول، فإنّ العاقل المستقلّ للفكر إذا عرف تاريخ محمد ﷺ وتاريخ أنبياء بنى إسرائيل ﵈ فإنه يرى أنّ محمدا ﷺ قد نشأ أميا لم يتعلم القراءة ولا الكتابة، وأنّ قومه الذين نشأ فيهم كانوا أميين وثنيين جاهلين بعقائد الملل
стр. 39
وتواريخ الأمم وعلوم التشريع والفلسفة والأدب، حتى إن مكة عاصمة بلادهم وقاعدة دينهم ومثوى كبرائهم ورؤسائهم، ومثابة الشعوب والقبائل للحج والتجارة فيها والمفاخرة بالفصاحة والبلاغة فى أسواقها التابعة لها لم يكن يوجد فيها مدرسة ولا كتاب مدون قط، فما جاء به من الدين التام الكامل، والشرع العام العادل، لا يمكن أن يكون مكتسبا، ولا أن يكون مستنبطا بعقله وفكره كما بيناه من قبل، وسندفع ما يرد من الشبهة عليه بعد (فى الفصل الثالث).
ويرى تجاه هذا أن موسى (ع. م) أعظم أولئك الأنبياء فى علمه وعمله، وفى شريعته وهدايته قد نشأ فى أعظم بيوت الملك لأعظم شعب فى الأرض وأرقاه تشريعا وعلما وحكمة وفنا وصناعة، وهو بيت فرعون مصر، ورأى قومه فى حكم هذا الملك القوى القاهر مستعبدين مستذلين، تذبّح أبناؤهم وتستحيى نساؤهم، تمهيدا لإبادتهم ومحوهم من الأرض، ثم إنه مكث بضع سنين عند حمية فى مدين وكان نبيا- أو كاهنا كما يقولون- فمن ثم يرى منكرو الوحى أن ما جاء به موسى من الشريعة الخاصة بشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة، ناشئ فى بيت الملك والتشريع والحكمة إلخ.
ثم ظهر فى أوائل القرن الميلادى أنّ شريعة التوراة موافقة فى أكثر أحكامها لشريعة حمورابى العربى ملك الكلدان الذى كان قبل موسى معاصرا لإبراهيم ﷺ ، وقد قال الذين عثروا على هذه الشريعة من علماء الألمان فى حفائر العراق أنه قد تبين أن شريعة موسى مستمدة منها لا وحى من الله تعالى «١»، وأقل ما يقوله مستقل الفكر فى ذلك: إنه إن لم تكن التوراة مستمدة منها فلا تعد أحق منها بأن تكون وحيا من الله تعالى، ولم ينقل أن حمورابى ادعى أن شريعته وحى من الله تعالى.
ثم يرى الناظر أن سائر أنبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعبدين بها، وأنهم كانوا يتدارسون تفسيرها فى مدارس خاصة بهم وبأبنائهم مع علوم أخرى، فلا يصح أن يذكر أحد منهم مع محمّد ذكر موازنة ومفاضلة، ويرى أيضا أن يوحنا المعمدان الذى شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم لم يأت بشرع ولا بنبإ غيبى- بل أن عيسى ﵇ وهو أعظمهم قدرا، وأعلاهم ذكرا، وأجلاهم أثرا، لم يأت بشريعة جديدة، بل كان تابعا لشريعة التوراة مع نسخ قليل من أحكامها، وإصلاح روحى وأدبى لجمود اليهود المادى على ظواهر ألفاظها، فأمكن لجاحدى الوحى أن يقولوا إنه لا يكثر على رجل مثله زكى الفطرة، ذكى
стр. 40
العقل، ناشئ فى حجر الشريعة اليهودية، والمدنية الرومانية والحكمة اليونانية، غلب عليه الزهد والروحانية أن يأتى بتلك الوصايا الأدبية «١».
ونحن المسلمين لا نقول هذا ولا ذاك، وإنما يقولها الماديون الملحدون والعقليون، وألوف منهم ينسبون إلى المذاهب النصرانية.
وأما الوجه الثانى؛ وهو عقائد الدين وعباداته وآدابه وأحكامه، فلا يرتاب العقل المستقل الفكر غير المقلد لدين من الأديان أنّ عقائد الإسلام من توحيد الله وتنزيهه عن كل نقص، ووصفه بصفات الكمال، والاستدلال عليها بالدلائل العقلية والعلمية الكونية، ومن بيان هداية رسله، ومن عباداته وآدابه المزكية للنفس المرقية للعقل، ومن شريعة العدل، وحكمه الشورى المرقى للاجتماع البشرى. كل ذلك أرقى مما فى التوراة والأناجيل وسائر كتب العهد القديم والجديد، بل هو الإصلاح الذى بلغ به دين الله
أعلى الكمال، ويشهد بهذا علماء الإفرنج، وقد شرحناه من وجهة نظرنا ووجهة نظرهم فى مواضع من المنار والتفسير «٢»، وسيأتى بيانه.
ومن نظر فى قصص آدم ونوح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ويوسف من سفر التكوين، وسيرة موسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء فى سائر أسفار العهد القديم، ثم قرأ هذه القصص فى القرآن يرى الفرق العظيم فى الاهتداء بسيرة هؤلاء الأنبياء العظام.
ففي أسفار العهد القديم يرى وصف الله تعالى بما لا يليق به من الجهل والندم على خلق البشر والانتقام منهم، ووصف الأنبياء أيضا بما لا يليق بهم من المعاصى مما هو قدوة سوأى، من حيث يجد فى قصص القرآن من حكمة الله تعالى ورحمته وعدله وفضله وسننه فى خلقه، ومن وصف أنبيائه ورسله بالكمال، وأحاسن الأعمال، ما هو قدوة صالحة وأسوة حسنة تريد قارئها إيمانا وهدى، فأخبار الأنبياء فى كتب العهدين تشبه بستانا فيه كثير من الشجر والعشب والشوك، والثمار والأزهار والحشرات، وأخبارهم فى القرآن تشبه العطر المستخرج من تلك الأزهار، والعسل المشتار من جنى الثمار، ويرى فيه رياضا أخرى جمعت جمال الكون كلّه.
وندع هنا ذكر ما كتبه علماء الإفرنج الأحرار فى نقد هذه الكتب والطعن فيها، ومن أخصرها وأغربها كتاب (أضرار تعليم التوراة والإنجيل) لأحد علماء الإنكليز «٣»؛ وما فيها من مخالفة العلم والعقل والتاريخ، والقرآن خال من مثل ذلك.