← Общие книги

Общие книги · id 8642

الوحي المحمدي

محمد رشيد رضا

Полный текст (259 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويظهر أن كثيرين من الذين تعلّموا فى تلك المدارس لم يعطوا قوة على الأنباء بما سيأتى. إنما اختص بهذه الخصوصية أناس منهم كان الله يقيمهم وقتا دون آخر حسب مشيئته، ويعدهم بتربية فوق العادة لواجباتهم الخطيرة على أن بعض الأنبياء الملهمين كان يختصهم الله بوحيه ولم يتعلموا من قبل ولا دخلوا تلك المدارس، كعاموس مثلا فإنه كان راعيا وجانى جميز «١». «أما النبوة فكانت على أنواع مختلفة كالأحلام والرؤى والتبليغ، وأحيانا كثيرة كان الأنبياء يرون الأمور المستقبلة بدون تمييز أزمنتها فكانت تقترن فى رؤاهم الحوادث الرقيبة العهد مع البعيدة. كاقتران نجاة اليهود من الأشوريين بخلاص العالم بواسطة المسيح، وكانتصار اسكندر ذى القرنين بإتيان المسيح، وكاقتران انسكاب الروح القدس يوم الخميسين بيوم الحشر، ومن هذا القبيل اقتران خراب أورشليم بحوادث يوم الدينونة. وقد أرسل الله الأنبياء الملهمين ليعلنوا مشيئته وليصلحوا الشئون الدينية، وعلى الأخص ليخبروا بالمسيح الآتى لتخليص العالم، وكانوا القوة العظيمة الفعالة فى تعليم الشعب وتنبيههم وإرشادهم إلى سبيل الحق، وكان لهم دخل عظيم فى الأمور السياسية» أهـ بنصه. بعض ما يرد على نبوتهم من تعريفها أما تفسير الإلهام بحلول روح الله فى روح الملهم فهو تحكم للنصارى لا يعرفه ولا يعترف به أنبياء بنى إسرائيل ولا علماؤهم، ولا يمكنهم إثباته ولا دفع ما يرد عليه من وقوع التعارض والتناقض والخلق فيما كتبه أولئك الملهمون، وما خالفوا فيه الواقع، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «إن فى شرح ذلك التعليم دقة، وأن العلماء اختلفوا فى شرحه» إلخ، ومن حلّ فيه روح الله صار إلها، إذ المسيح لم يكن إلها عند النصارى إلا بهذا الحلول، فكيف يقع فى مثل ما ذكر ويتخلف وحيه أو يخالف الواقع؟ وأما كلامهم فى النبوة والأنبياء فيؤخذ منه ما يأتى: ١ - إن أكثر أنبياء بنى إسرائيل كانوا يتخرجون فى مدارس خاصة بهم يتعلمون فيها تفسير شريعتهم التوراة، والموسيقى والشعر، وأنهم كانوا شعراء ومغنيين وعازفين على آلات الطرب، وبارعين فى كل ما يؤثر فى الأنفس ويحرك الشعور والوجدان، ويثير رواكد الخيال، فلا غرو أن يكون عزرا ونحميا من أعظم أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل (اؤرتحششتا) ومغنيين له، وأن يكونا قد استعانا بتأثير غنائمهما فى نفسه على سماحه لهما بالعودة بقومهما إلى وطنهما وإقامة دينهما فيه.

стр. 37

فالنبوة على هذا كانت صناعة تعلم موادها فى المدارس، ويستعان على الإقناع بها بالتخيلات الشعرية، والإلهامات الكلامية، والمؤثرات الغنائية والموسيقية والمعلومات المكتسبة، فأين هى من نبوة محمد الأمى الذى لم يتعلم شيئا، ولم يقل شعرا، وقد جاء مفردا بأعظم مما جاءوا به كلّهم أجمعون مجتمعا؟ ٢ - إن كثيرا من هؤلاء الأنبياء وأولادهم كانوا متنسّكين أو طوّافين على الناس يعيشون ضيوفا عند الأتقياء المحبّين لرجال الدين. كما هو المعهود من دراويش المتصوفة أهل الطرق فى المسلمين، ومن المعلوم أن هؤلاء المحبين يقبلون من رجال التنسك كل ما يقولون، ويسلمون لهم كل ما يدعون، ويذيعون عنهم كل ما يقبلون منهم، ومن غير هؤلاء الكثيرين من الأنبياء من نقلت عنهم كتبهم المقدسة بعض كبائر المعاصى، وإن من أخبار الصوفية والنسّاك والسيّاح عند المسلمين من تفضل سيرتهم سيرة هؤلاء الأنبياء فى كتبهم، فكيف يصح أن يرتفع أحد منهم إلى درجة محمد ﷺ فى نشأته الفطرية ومعيشته من كسبه، وكونه لم يكن عالة على الناس فى شىء قبل النبوة ولا بعدها؟ ٣ - أشهر أنواع نبوتهم الأحلام والرؤى المنامية والتخيلات المبهمة، وكلها تقع لغيرهم، وقد كانت الرؤيا الصادقة مبدأ نبوة محمّد ﷺ قبل وحى التشريع الذى كان له صور أعلى منها سنبينها بعد «١»؛ والرؤى صور حسية فى الخيال تذهب الآراء والأفكار فى تعبيرها مذاهب شتى، قلما يعرف تأويل الصادق منها غير الأنبياء كرؤيا ملك مصر التى عبرها يوسف ﵇، ورؤياه وهو فى صغره. ٤ - إن نبوة الإخبار عن الأمور المستقبلة- وهى التى يستدلون بها على كونهم مخبرين عن الله تعالى- كانت أحيانا كثيرة بدون تمييز أزمنتها ولا حوادثها، فكان بعضها يختلط ببعض، فلا يكاد يظهر المراد منها إلا بعد حملها على شىء واضح بعد وقوعه، كما يعهد فى كل عصر من أخبار العرافين والمنجمين. بله الروحانيين المكاشفين، ومنها ما ظهر خلافه كما أشار إليه ولم يشرحه، ولكن التاريخ شرحه. وكان أعظم نبوات هؤلاء الأنبياء إخبارهم عن المسيح (مسيا) وملك إسرائيل ولا يزال اليهود ينتظرونها «٢»، ثم إخبار المسيح نفسه عن خراب العالم ومجىء الملكوت لأجل دينونة العالم، وأنه لا ينقضى الجبل الذى خاطبه حتى يكون ذلك كله، وقد مرت أجيال كثيرة ولم يكن من ذلك شىء.

стр. 38

امتياز نبوة محمّد على نبوة من قبله فى موضوعيها والموازنة بينه وبين موسى وعيسى (ع. م) أنى تضاهى تلك الأخبار (النبوات) - وهى كما علمت- أنباء القرآن الكثيرة بالمغيّبات كالذى بيناه فى خلاصة تفسير سورة براءة (التوبة) مما وقع من المنافقين، وما هو فى سورة الفتح، وقد وقع فى عهد النبى ﷺ . وفى غيرهما كقوله تعالى فى أول سورة الروم: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ١ - ٤]، وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥]، وأين هى من إنباء النبى ﷺ أصحابه بأنهم سيفتحون بعده بلاد الشام وبلاد فارس ومصر، ويستولون على ملكى كسرى وقيصر. حتى أنه سمى كسرى عصره باسمه كما رواه البخارى عن عدى بن حاتم إلخ «١»؟. هذا ما يقال بالإجمال فى أحد موضوعى النبوة وهو الإخبار عما سيكون فى مستقبل الزمان، فما جاء به محمد ﷺ منها فى وحى القرآن وغيره أظهر وأوضح وأبعد عن احتمال التأويل، وأعصى على إنكار المرتابين، ويزيد عليه ما جاء به من أنباء الغيب الماضية، وسأورد ما يتأول به الجاحدون للنبوة فى بيان بطلان شبهتهم. وأما الموضوع الثانى للنبوة وهو الأهم الأعظم، أى عقائد الدين وعباداته وآدابه وأحكامه، فالنظر فيه من وجهين: (أحدهما) ما ذكروه من كونه لا يمكن أن يصل إليه عقل من جاء به وفكره ولا علومه ومعارفه الكسبية، فيتعين أن يكون بوحى من الله. (وثانيهما) أن يكون ما فيه من هداية الناس وصلاح أمورهم فى دينهم ودنياهم أعلى فى نفسه من معارف البشر فى عصره، فيتعين أن يكون وحيا. فأما الأول؛ الخاص بشخص الرسول، فإنّ العاقل المستقلّ للفكر إذا عرف تاريخ محمد ﷺ وتاريخ أنبياء بنى إسرائيل ﵈ فإنه يرى أنّ محمدا ﷺ قد نشأ أميا لم يتعلم القراءة ولا الكتابة، وأنّ قومه الذين نشأ فيهم كانوا أميين وثنيين جاهلين بعقائد الملل

стр. 39

وتواريخ الأمم وعلوم التشريع والفلسفة والأدب، حتى إن مكة عاصمة بلادهم وقاعدة دينهم ومثوى كبرائهم ورؤسائهم، ومثابة الشعوب والقبائل للحج والتجارة فيها والمفاخرة بالفصاحة والبلاغة فى أسواقها التابعة لها لم يكن يوجد فيها مدرسة ولا كتاب مدون قط، فما جاء به من الدين التام الكامل، والشرع العام العادل، لا يمكن أن يكون مكتسبا، ولا أن يكون مستنبطا بعقله وفكره كما بيناه من قبل، وسندفع ما يرد من الشبهة عليه بعد (فى الفصل الثالث). ويرى تجاه هذا أن موسى (ع. م) أعظم أولئك الأنبياء فى علمه وعمله، وفى شريعته وهدايته قد نشأ فى أعظم بيوت الملك لأعظم شعب فى الأرض وأرقاه تشريعا وعلما وحكمة وفنا وصناعة، وهو بيت فرعون مصر، ورأى قومه فى حكم هذا الملك القوى القاهر مستعبدين مستذلين، تذبّح أبناؤهم وتستحيى نساؤهم، تمهيدا لإبادتهم ومحوهم من الأرض، ثم إنه مكث بضع سنين عند حمية فى مدين وكان نبيا- أو كاهنا كما يقولون- فمن ثم يرى منكرو الوحى أن ما جاء به موسى من الشريعة الخاصة بشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة، ناشئ فى بيت الملك والتشريع والحكمة إلخ. ثم ظهر فى أوائل القرن الميلادى أنّ شريعة التوراة موافقة فى أكثر أحكامها لشريعة حمورابى العربى ملك الكلدان الذى كان قبل موسى معاصرا لإبراهيم ﷺ ، وقد قال الذين عثروا على هذه الشريعة من علماء الألمان فى حفائر العراق أنه قد تبين أن شريعة موسى مستمدة منها لا وحى من الله تعالى «١»، وأقل ما يقوله مستقل الفكر فى ذلك: إنه إن لم تكن التوراة مستمدة منها فلا تعد أحق منها بأن تكون وحيا من الله تعالى، ولم ينقل أن حمورابى ادعى أن شريعته وحى من الله تعالى. ثم يرى الناظر أن سائر أنبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعبدين بها، وأنهم كانوا يتدارسون تفسيرها فى مدارس خاصة بهم وبأبنائهم مع علوم أخرى، فلا يصح أن يذكر أحد منهم مع محمّد ذكر موازنة ومفاضلة، ويرى أيضا أن يوحنا المعمدان الذى شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم لم يأت بشرع ولا بنبإ غيبى- بل أن عيسى ﵇ وهو أعظمهم قدرا، وأعلاهم ذكرا، وأجلاهم أثرا، لم يأت بشريعة جديدة، بل كان تابعا لشريعة التوراة مع نسخ قليل من أحكامها، وإصلاح روحى وأدبى لجمود اليهود المادى على ظواهر ألفاظها، فأمكن لجاحدى الوحى أن يقولوا إنه لا يكثر على رجل مثله زكى الفطرة، ذكى

стр. 40

العقل، ناشئ فى حجر الشريعة اليهودية، والمدنية الرومانية والحكمة اليونانية، غلب عليه الزهد والروحانية أن يأتى بتلك الوصايا الأدبية «١». ونحن المسلمين لا نقول هذا ولا ذاك، وإنما يقولها الماديون الملحدون والعقليون، وألوف منهم ينسبون إلى المذاهب النصرانية. وأما الوجه الثانى؛ وهو عقائد الدين وعباداته وآدابه وأحكامه، فلا يرتاب العقل المستقل الفكر غير المقلد لدين من الأديان أنّ عقائد الإسلام من توحيد الله وتنزيهه عن كل نقص، ووصفه بصفات الكمال، والاستدلال عليها بالدلائل العقلية والعلمية الكونية، ومن بيان هداية رسله، ومن عباداته وآدابه المزكية للنفس المرقية للعقل، ومن شريعة العدل، وحكمه الشورى المرقى للاجتماع البشرى. كل ذلك أرقى مما فى التوراة والأناجيل وسائر كتب العهد القديم والجديد، بل هو الإصلاح الذى بلغ به دين الله أعلى الكمال، ويشهد بهذا علماء الإفرنج، وقد شرحناه من وجهة نظرنا ووجهة نظرهم فى مواضع من المنار والتفسير «٢»، وسيأتى بيانه. ومن نظر فى قصص آدم ونوح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ويوسف من سفر التكوين، وسيرة موسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء فى سائر أسفار العهد القديم، ثم قرأ هذه القصص فى القرآن يرى الفرق العظيم فى الاهتداء بسيرة هؤلاء الأنبياء العظام. ففي أسفار العهد القديم يرى وصف الله تعالى بما لا يليق به من الجهل والندم على خلق البشر والانتقام منهم، ووصف الأنبياء أيضا بما لا يليق بهم من المعاصى مما هو قدوة سوأى، من حيث يجد فى قصص القرآن من حكمة الله تعالى ورحمته وعدله وفضله وسننه فى خلقه، ومن وصف أنبيائه ورسله بالكمال، وأحاسن الأعمال، ما هو قدوة صالحة وأسوة حسنة تريد قارئها إيمانا وهدى، فأخبار الأنبياء فى كتب العهدين تشبه بستانا فيه كثير من الشجر والعشب والشوك، والثمار والأزهار والحشرات، وأخبارهم فى القرآن تشبه العطر المستخرج من تلك الأزهار، والعسل المشتار من جنى الثمار، ويرى فيه رياضا أخرى جمعت جمال الكون كلّه. وندع هنا ذكر ما كتبه علماء الإفرنج الأحرار فى نقد هذه الكتب والطعن فيها، ومن أخصرها وأغربها كتاب (أضرار تعليم التوراة والإنجيل) لأحد علماء الإنكليز «٣»؛ وما فيها من مخالفة العلم والعقل والتاريخ، والقرآن خال من مثل ذلك.

стр. 41

صد الكنيسة عن الإسلام إن رجال الكنيسة لم يجدوا ما يصدون به أتباعها عن الإسلام بعد أن رأوه قد قضى على الوثنية والمجوسية، وكاد يقضى على النصرانية فى الشرق، ثم امتد نوره إلى الغرب. إلا تأليف الكتب ونظم الأشعار والأغانى فى ذم الإسلام ونبيه وكتابه بالإفك والبهتان، وفحش الكلام، الذى يدل على أن هؤلاء المتديّنين أكذب البشر، وأشدّهم عداوة للحقّ والفضيلة فى سبيل رياستهم التى يتبرأ منها المسيح عليه صلوات الله وسلامه. وقد كان أتباعهم يصدقون ما يقولون ويكتبون، ويتهيجون بما ينظمون وينشدون، حتى إذا ما اطلع بعضهم على كتب الإسلام، ورأوا المسلمين وعاشروهم ففضحوهم أقبح الفضائح كما ترى فى كتاب (الإسلام خواطر وسوانح) للكونت دى كاسترى، وكما ترى فى الكتاب الفرنسى الذى ظهر فى هذا العهد باسم (حياة محمد) للمسيو درمنغام وهذان الكاتبان الفرنسيان من طائفة الكاثوليك اللاتين، وقد صرحا كغيرهما بأن كنيستهما هى البادئة بالظلم والعدوان، والإفك والبهتان، واعترفا بأدب المسلمين فى الدفاع «١».

стр. 42

لما ظهرت طائفة البروتستان وغلب مذهبها فى شعوب الأنجلو سكسون والجرمان، وكان الفضل فى دعوتهم الإصلاحية لما انعكس على أوروبا من نور الإسلام، لم يتعفف قسوسهم ودعاتهم (المبشرون) عن افتراء الكذب، ولا تجمّلوا فيه بشيء من النزاهة والأدب. والذى نراه فى هذا العصر من مطاعنهم وافترائهم وسوء أدبهم أشد مما نراه من غيرهم، ولكن الذين أنصفوا الإسلام من أحرار علمائهم أصرح قولا، ولعلهم أكثر من اللاتين عددا، وكذلك الذين اهتدوا به، وسبب ذلك أن الحرية والاستقلال فى تربيتهم أقوى، وسيكونون هم الذين ينشرون الإسلام فى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ثم فى سائر العالم كما جزم العلامة برناردشو الإنكليزى فى كتاب الحياة الزوجية (واشتهر عنه هذا ونقلته صحف الأقطار الإسلامية).

стр. 43

الآيات والعجائب (أى الخوارق) وإثبات النبوة عندنا وعندهم «١» بقى الكلام فى مسألة العجائب التى بنيت على أساسها الكنائس النصرانية على اختلاف مذاهبها، وفيما يدّعونه من تجرد محمّد ﷺ من لباسها. وهى قد أصبحت فى هذا العصر حجّة على دينهم لا له، وصادة للعلماء العقلاء عنه لا مقنعة به. ولولا حكاية القرآن لآيات الله التى أيّد بها موسى وعيسى ﵉ لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعم وأسرع؛ لأن أساسه قد بنى على العقل والعلم وموافقة الفطرة البشرية. وتزكية أنفس الأفراد، وترقية مصالح الاجتماع، وأما آيته التى احتج بها على كونه من عند الله تعالى فهى القرآن، وأمية محمّد ﷺ ، فإنما هى آية علمية تدرك بالعقل والحس والوجدان: كفاك بالعلم فى الأمى معجزة ... فى الجاهلية والتأديب فى اليتم وأما تلك العجائب الكونية فهى مثار شبهات وتأويلات كثيرة فى روايتها وفى صحتها، وفى دلالتها، وأمثال هذه الأمور تقع من أناس كثيرين فى كل زمان، والمنقول منها عن صوفية الهنود والمسلمين أكثر من المنقول عن العهدين العتيق والجديد، وعن مناقب القديسين، وهى من منفّرات العلماء عن الدين فى هذا العصر، وسنبين ما جاء به الإسلام فيها من القول الفصل.

стр. 44

العجائب وما للمسيح منها جاء فى تعريف العجائب وأنواعها من قاموس الكتاب المقدس ما نصه: «وعجيبة: حادثة تحدث بقوة إلهية خارقة مجرى العادة الطبيعية لإثبات إرسالية من جرب على يده أو فيه. والعجيبة الحقيقية هى فوق الطبيعة لا ضدّها، تحدث بتوقيف نواميس الطبيعة لا بمعاكستها، وهى إظهار نظام أعلى من الطبيعة يخضع له النظام الطبيعى، ولنا فى فعل الإرادة مثال يظهر لنا حقيقة أمر العجائب إذ بها ترفع اليد، وبذلك نوقف ناموس الثقل «١»، ويتسلط الله على قوى الطبيعة ويرشدها ويمد مدارها ويحصره لأنها عوامل لمشيئته، ويناط فعل العجائب بالله وحده أو بمن سمح له بذلك. وإذا آمنا بالإله القادر على كلّ شىء لم يعسر علينا التسليم بإمكان العجائب، وكانت العجيبة الأولى خليقة الكون من العدم بإرادته تعالى، أما المسيح فأقنومة عجيبة أدبية عظيمة، وعجائبه لم تكن إلا إظهار هذا الأقنوم وأعماله، وإذا آمنا بالمسيح ابن الله العديم الخطية لم يعسر علينا تصديق عجائبه. أما الشيطان فعجائبه كذابة». «ولا بد من العجائب لتعزيز الديانة؛ فكثيرا ما يستشهد المسيح بعجائبه لإثبات لاهوته وكونه المسيح، وكان يفعلها لتمجيد الله ولمنفعة نفوس الناس وأبدانهم، وكان يفعلها ظاهرا أما جماهير أصحابه وأعدائه ولم ينكرها أعداؤه غير أنهم نسبوها ليعلزبول «٢»، وسواء امتحناها بالشهادة من الخارج وبمناسبتها إلى إرساليته الإلهية التى ظهرت لكل من كان خاليا من الغرض صحيحة. فإذا لم نسلم بصحتها التزمنا أن نقول إن مقرريها كذابون، الأمر الذى لا يسوغ ظنه بالمسيح والرسل «٣».

стр. 45

«وبقيت قوة العجائب فى عصر الرسل، ولما امتدت الديانة المسيحية زال الاضطرار إليها «١»، ولا يلزمنا الآن سوى العجائب الأدبية الحاصلة من هذه الديانة مع الشواهد الداخلية على صحتها، غير أنه يمكن لله تعالى أن يحددها في أى وقت شاء» ا. هـ. ثم وضع المؤلف جدولا أحصى فيه عجائب العهد القديم من خراب سدوم وعمورية على قوم لوط إلى خلاص يونان (يونس) بواسطة حوت، فبلغت ٦٧ عجيبة، وقفى عليه بجدول العجائب المقرونة بحياة المسيح، من الحبل به «يفعل الروح القدس» إلى (الصعود إلى السماء) فبلغت ٣٧، وعزز الجدولين بثالث فى (العجائب التى جرت فى عصر الرسل)، أى الذين بثوا دعوة المسيح من تلاميذه وغيرهم من (انسكاب الروح القدس يوم الخميسين) إلى (شفاء أبى بوبليوس «٢» وغيره) فكانت عشرين، وقد صرح بأن يوحنا المعمدان لم يرد فى الكتاب أنه صنع عجائب. بحث في عجائب المسيح ﵇: أقول: إن ٢٧ من عجائب المسيح المذكورة: شفاء مرضى، ومجانين لا بستهم الشياطين، وثلاث منها إقامة موتى عقب موتهم، وما بقى فمسألة الحبل له، وتحويله الماء إلى خمر وسحب الشبكة فى بحر الجليل، وإشباع خمسة آلاف مرة، وأربعة آلاف مرة أخرى، وضرب التينة العقيمة بما أيبسها، وقيامة المسيح، وصيد السمك والصعود. وإننا نلخص رواية الأناجيل لأهمها وهو إحياء الموتى، ونذكر ما يقوله فيها منكرو العجائب. الميت الأول: شاب من مدينة نابين كان محمولا فى جنازة وأمه تبكى، فاستوقف النعش وقال له: أيها الشاب لك أقول قم. فجلس وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه، فأخذ الجميع خوف ومجّدوا الله قائلين: قد قام فينا نبى عظيم وافتقد الله شعبه (لوقا ٧: ١١ - ١٦). الثانى: صبية ماتت فقال له أبوها وكان رئيسا: ابنتى الآن ماتت، لكن تعال فضع يدك عليها فتحيا. فجاء بيت الرئيس ووجد المزمرين يضجون، فقال لهم: «تنحوا فإن الصبية لم تمت، لكنها نائمة، فضحكوا عليه، فلما أخرج الجمع دخل وأمسك بيدها فقامت الصبية» متى (٩: ١٨ - ٢٤).

стр. 46

فمنكرو العجائب يقولون: إن كلا من الشاب والشابة لم يكونا قد ماتا بالفعل، وإن كثيرا من الناس فى كل زمان قد قاموا من نعوشهم، بل من قبورهم بعد أن ظنّ النّاس أنهم ماتوا. ولذلك تمنع الحكومات المدنية دفن الميت إلا بعد أن يكتب أحد الأطباء شهادة بثبوت موته ثبوتا عمليّا فنيّا- وللمؤمنين بالآيات أن يجزموا أيضا بأن الصبيّة لم تكن ميتة أخذا بظاهر قوله ﵇: «لم تمت ولكنها نائمة»، يعنى أنها أغمى عليها فظنّوا أنها ماتت وهى لم تمت. وأما الثالث: فهو ليعازر حبيبه وأخو مرثا ومريم حبيبته: مرض في قريتهم (بيت عنيا) فأرسلتا إلى المسيح قائلين: هو ذا الذي تحبه مريض، فمكث يومين وحضر فوجد أنه مات منذ أربعة أيام، فلاقته مرثا وقالت: يا سيد لو كنت هنا لم يمت أخى، ثم دعت أختها مريم، فلما رأته خرت عند رجليه قائلة كما قالت مرثا، وكانوا قد ذهبوا إلى القبر للبكاء، فلما رآها تبكي واليهود الذين جاءوا معها يبكون (انزعج بالروح واضطرب) وقال: أين وضعتموه؟ فدلوه عليه، فبكى وانزعج فى نفسه وجاء إلى القبر، وكان مغارة وقد وضع عليه حجر، فأمر برفع الحجر فرفعوه (ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الأب أشكرك لأنك سمعت لى، وأنا علمت أنك فى كل حين تسمع لى، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتنى) ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: «ليعازر، هلم خارجا» فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطتان بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل، فقال لهم يسوع حلّوه ودعوه يذهب» ا. هـ. ملخصا من الفصل ١١ من إنجيل يوحنا. أتدري أيها القارئ ما يقول منكرو العجائب والآيات فى هذه القصة على تقدير صحة الرواية؟ إننى سمعت طبيبا سوريّا بروتستنتيا يقول: إنها كانت بتواطؤ بينه وبين حبيبته وحبيبه لإقناع اليهود بنبوته- وحاشاه ﵇. وإنما ننقل هذا لنتبين أن النصارى لا يستطيعون إقامة البرهان فى هذا العصر على نبوة المسيح فضلا عن ألوهيته بهذه الروايات التى تدل على النبوة وتنفى الألوهية كما فهم الذين شاهدوها. لأنه ليس لها أسانيد متصلة إلى كاتبيها، ولا دليل على عصمتهم من الخطأ في روايتها، دع قول المنكرين باحتمال الاحتيال والتلبيس أو المصادفة فيها، أو عدهم إياها على تقدير ثبوتها من فلتات الطبيعة «١».

стр. 47

وإذا كان أعظمها هو إحياء الميّت يحتمل ما ذكروا من التأويل، فما القول فى شفاء المرضى وإخراج الشياطين الذى يكثر وقوع مثله فى كل زمان، والأطباء كلهم يقولون إن ما يدعيه العوام من دخول الشياطين فى أجساد الناس ما هو إلا أمراض عصبية تشفى بالمعالجة أو بالوهم والاعتقاد، ودونها مسألة الخمر والسمك ويبس التينة «١».

стр. 48

............. ................ ........

стр. 49

آية نبوة محمّد العقلية العلمية وسائر آياته الكونية إن ما رواه المحدثون بالأسانيد المتصلة تارة، والمرسلة «١» أخرى من الآيات الكونية التى أكرم الله تعالى بها رسوله محمدا ﷺ وهى أكثر من كلّ ما رواه الإنجيليون وأبعد عن التأويل، ولم يجعلها برهانا على صحة الدين، ولا أمر بتلقينها للناس. ذلك بأن الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل فى ثبوتها وفى موضوعها؛ لأن البشر قد بدءوا يدخلون بها فى سن الرشد والاستقلال النوعى الذى لا يخضع عقل صاحبه فيه لا تباع من تصدر عنهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف فى سنن الكون، بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعدادهم العقلى مع هذا الخضوع، بل هو من موانعه، فجعل حجة نبوة خاتم النبيين عين موضوع نبوته، وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وبعلومه، وبإعجازه اللفظى والمعنوى، وبأنباء الغيب الماضية والحاضرة والآتية فيه «٢»؛ ليربى البشر على الترقى فى هذا الاستقلال، إلى ما هم مستعدّون له من الكمال. هذا الفصل بين النبوات الخاصة الماضية، والنبوة العامة الباقية، قد عبّر عنه النبىّ ﷺ بقوله: «ما من الأنبياء من نبى إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلىّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». متفق عليه من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه. وقصّ الله تعالى علينا فى كتابه: أن المشركين اقترحوا الآيات الكونية (العجائب) على رسوله، فاحتج عليهم بالقرآن فى جملته، وبما فيه من أخبار الرسل والكتب السابقة التى لم يكن يعلمها هو ولا قومه، وبهدايته وبعلومه وبإعجازه، وعدم استطاعة أحد ولا جماعة ولا العالم كله على الإتيان بمثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء: ٨٨]، وسيأتى تفصيله.

стр. 50

وأما ما أكرمه الله تعالى به من الآيات الكونية فلم يكن لإقامة الحجة على نبوته ورسالته، بل كان من رحمة الله تعالى وعنايته به وبأصحابه فى الشدائد، كنصرهم على المعتدين من الكفار الذين يفوقونهم عددا وعتادا واستعدادا بالسلاح والطعام، وناهيك بغزوة بدر والنصر فيها، ثم بغزوة الأحزاب إذ تألب المشركون واليهود على المسلمين وأحاطوا بمدينتهم فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين شر القتال. من تلك الآيات: شفاء المرضى، وإبصار الأعمى، وإشباع العدد الكثير من الطعام القليل فى غزوة الأحزاب وفى غزوة تبوك، كما وقع للمسيح ﵇. ومنها: تسخير الله السحاب لإسقاء المسلمين؛ وتثبيت أقدامهم التى كانت تسيح فى الرمل ببدر، ولم يصب المشركين من غيثها شىء. ومثل ذلك فى غزوة تبوك إذ نفذ ماء الجيش فى الصحراء والحر شديد حتى كانوا يذبحون البعير ويخرجون الفرق من كرشه ليعتصروه ويبلّوا به ألسنتهم على قلة الرواحل معهم، وكان يقل من يجد من عصارته ما يشربه شربا، فقال أبو بكر: يا رسول الله إنّ الله عودك فى الدعاء خيرا فادع لنا، فرفع يديه فدعا، فلم يرجعهما حتى كانت السّماء قد سكبت لهم ما ملئوا ما معهم من الروايا، ولم تتجاوز عسكرهم «١». تأثير العجائب فى الأفراد والأمم: لقد كانت آيات المرسلين حجة على الجاحدين المعاندين، استحقّوا بجحودها عذاب الله فى الدنيا والآخرة، ولم يؤمن بها ممن شاهدوها إلا المستعدون للإيمان بها. إن فرعون وقومه لم يؤمنوا لآيات موسى، وإن أكثر بنى إسرائيل لم يعقلوها «٢»، وقد اتخذوا العجل وعبدوه بعد رؤيتها ورؤية غيرها فى برية سيناء. وقال اليهود فى المسيح: لولا أنه رئيس الشياطين لما أخرج الشيطان من الإنسان. وقالوا إن إبليس أو بعلزبول «٣» يفعل أكثر من فعله، وما كان أكثرهم مؤمنين. وقال المنافقون وقد رأوا بأعينهم سحابة واحدة فى إبان القيظ قد مطرت عسكر المؤمنين وحده عند دعاء النبى ﷺ : إننا مطرنا بتأثير النوء لا بدعائه.

стр. 51

وقد كان أكثر من آمن بتلك الآيات إنما خضعت أعناقهم، واستخدمت أنفسهم لما لا يعقلون له سببا، وقد انطوت الفطرة على كل ما لا يعرف له سبب، فالآتى به مظهر للخالق سبحانه، إن لم يكن هو الخالق نفسه، وكان أضعاف أضعافهم يخضع مثل هذا الخضوع نفسه للسحرة والمشعوذين والدجالين ولا يزالون كذلك. وقد نقلوا عن المسيح ﵇ أنه سيأتى بعده مسحاء كذبة، وأنبياء كذبة، ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضا (متى ٢٤: ٢٤) وقد ذكر فى قاموس الكتاب المقدس عدد كثير منهم، وأسماء بعضهم وأقول: إن منهم القاديانى الذى ظهر من مسلمى الهند، وتذكر صحف الأخبار ظهور هندى آخر يريد إظهار عجائبه فى أمريكا فى هذا العام ونقلوا عن المسيح أنه قال: «الحق أقول لكم: ليس كل نبى مقبولا فى وطنه» وجعل القاعدة لمعرفة النبى الصادق تأثير هدايته فى الناس لا الآيات والعجائب فقال: «من ثمارهم تعرفونهم» ولم يظهر بعده- ولا قبله- نبى كانت ثماره الطيبة فى هداية البشر كثمار محمّد ﷺ ولا أحد يصدق عليه قوله فى إنجيل يوحنا (١٦: ١٢ إن لى أمورا كثيرة أيضا ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك «أى البارقليط» روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق) إلخ، وما جاء بعده نبى أرشد الناس إلى جميع الحق فى الدين؛ من توحيد، وتشريع، وحكمة، وتأديب: غير محمد رسول الله وخاتم النبيين. ومن استقرأ تواريخ الأمم علم أنّ أهل الملل الوثنية أكثر اعتمادا على العجائب من أهل الأديان السماوية، ورأى الجميع ينقلون منها عمن يعتقدون قداستهم من الأولياء والقديسين، أكثر مما نقلوا عن الأنبياء المرسلين، ورأى أن أكثر المصدقين بها من الخرافين. ثبوت نبوة محمد بنفسها وإثباتها لغيرها: وجملة القول: أن نبوة محمّد ﷺ قد ثبتت بنفسها، أى بالبرهان العلمى والعقلى الذى لا ريب فيه، لا بالآيات والعجائب الكونية. وإن هذا البرهان قائم ماثل للعقول والحواس فى كل زمان، وأنه لا يمكن إثبات آيات النبيين السابقين إلا بثبوت نبوته ﷺ وهذا القرآن الذى جاء به، فالحجة الوحيدة عليها فى هذا الطور العلمى الاستقلالى من أطوار النوع البشرى هو شهادته لها. فإن الكتب التى نقلها لا يمكن إثبات عزوها إلى من عزيت إليهم، إذ لا يوجد نسخ منها منقولة عنهم باللغات التى كتبوها بها لا تواترا ولا آحادا، ولا يمكن إثبات عصمتهم من الخطأ فيما كتبوه على اختلافه، وتناقضه، وتعارضه، ولا إثبات صحة التراجم التى نقلت بها، كما قلنا آنفا وبيناه بالتفصيل مرارا.

стр. 52

إن الكتاب الإلهى الوحيد الذى نقل بنصه الحرفى تواترا عمن جاء به بطريقتى الحفظ والكتابة معا هو القرآن، وأن النبىّ الوحيد الذى نقل تاريخه بالروايات المتصلة الأسانيد حفظا وكتابة هو محمد ﷺ ، فالدين الوحيد الذى يمكن أن يعقله العلماء المستقلون فى الفهم والرأى ويبنوا عليه حكمهم، هو الإسلام. وأما خلاصة ما يمكن الاعتراف به من الأديان السابقة لثبوت قضاياه الإجمالية بالتواتر المعنوى، فهو أنه وجد فى جميع أمم الحضارة القديمة دعاة إلى عبادة الله تعالى وحده، وإلى العمل الصالح، وإلى ترك الشرور والرذائل، منهم أنبياء مبلغون عن الله تعالى مبشرين ومنذرين، كما أنه وجد فيهم حكماء يبنون إرشادهم على الاحتجاج بما ينفع الناس ويرضهم بحكم العقل والتجربة، ووجد فى جميع ما نقل عن الفريقين أمور مخالفة للعقل ولما ينفع الناس، وأمور خاصة بأقوامهم وبزمانهم، وخرافات ينكرها العقل وينقضها العلم. وإذا كان الإسلام ونبيّه هو الدين الوحيد الذى عرفت حقيقته وتاريخه بالتفصيل؛ فإننا نذكر هنا شبهة علماء الإفرنج الماديين ومقلدتهم عليه، بعد مقدمة فى شهادتهم الإجمالية له، تمهيدا لدحض الشبهة، ونهوض الحجة، فنقول: درس علماء الإفرنج للسيرة المحمدية وشهادتهم بصدقه ﷺ درس علماء الإفرنج تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده على طريقتهم فى النقد والتحليل، ودرسوا السيرة النبوية المحمدية وفلوها فليا ونقشوها بالمناقيش، وقرءوا القرآن بلغته وقرءوا ما ترجمه به أقوامهم، وكانوا على علم محيط بكتب العهدين القديم والجديد، وتاريخ الأديان ولا سيما الديانتين اليهودية والنصرانية. وربما كتبه المتعصّبون للكنيسة من الافتراء على الإسلام والنبىّ والقرآن مما أشرنا إلى بعضه آنفا، فخرجوا من هذه الدروس كلّها بالنتيجة الآتية: «إن محمدا كان سليم الفطرة، كامل العقل، كريم الأخلاق، صادق الحديث، عفيف النفس، قنوعا بالقليل من الرزق، غير طموح بالمال، ولا جنوح إلى الملك، ولم يعن بما كان يعنى به قومه من الفخر، والمباراة فى تحبير الخطب ولا قرض الشعر، وكان يمقت ما كانوا عليه من الشرك وخرافات الوثنية، ويحتقر ما يتنافسون فيه من الشهوات البهيمية، كالخمر والميسر وأكل أموال النّاس بالباطل، وبهذا كله وبما ثبت من سيرته ويقينه بعد النبوة جزموا بأنه كان صادقا فيما ادعاه بعد استكمال الأربعين من سنّه من رؤية ملك الوحى، وإقرائه إياه هذا القرآن، وإنبائه بأنه رسول من الله لهداية قومه فسائر الناس».

стр. 53

وزادهم ثقة بصدقه أن كان أول الناس إيمانا به واهتداء بنبوته أعلمهم بدخيلة أمره وأولهم: زوجته خديجة المشهورة بالعقل والنبل والفضيلة، ومولاه زيد بن حارثة الذى اختار أن يكون عبدا له على أن يلحق بوالده وأهل بيته ويكون معهم حرا، ثم إن كان الذين آمنوا به من أعظم العرب حرية واستقلالا فى الرأى ولا سيما أبى بكر وعمر «١». فأما المؤمنون بالله وملائكته، وبأن للبشر أرواحا خالدة من هؤلاء الإفرنج فقد آمنوا بنبوة محمد ﷺ على علم وبرهان، وهم يزيدون عاما بعد عام، بقدر ما يتاح لهم من العلم بالإسلام، وأما الماديون فلم يكن لهم بد من تفسير لهذه الحادثة أو الظاهرة التى لا ريب فيها صحّتها وثبوتها، وتصويرها بالصورة العلمية التى يقبلها العقل، الذى لا يؤمن صاحبه بما وراء المادة أو الطبيعة من عالم الغيب. قدحوا زناد الفكر، واستوروا به نظريات الفلسفة، فلاح لهم منه سقط أبصروا فى ضوئه الضئيل الصورة الخيالية التى أجملها الأستاذ «مونتيه» فى عبارته التى نقلناها عنه آنفا، وفصلها «أميل درمنغام» وغيره بما نشرحه هاهنا (فى الفصل الثالث من هذا الكتاب). ...

стр. 54

الفصل الثالث فى شبهة منكرى عالم الغيب على الوحى الإلهى وتصويرهم لنبوة محمّد ﷺ بما يسمونه الوحى النفسى خلاصة رأى هؤلاء الماديين: أن الوحى إلهام كان يفيض من نفس النبى الموحى إليه لا من الخارج، ذلك أن منازع نفسه العالية وسريرته الطاهرة، وقوة إيمانه بالله وبوجوب عبادته وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية رديئة، يكون لها فى جملتها من التأثير ما يتجلى فى ذهنه ويحدث فى عقله الباطن الرؤى والأحوال الروحية فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشادا إلهيا نازلا عليه من السماء بدون وساطة، أو يتمثل له رجل يلقنه ذلك يعتقد أنه ملك من عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك، وإنما يرى ويسمع ما يعتقده فى اليقظة، كما يرى ويسمع مثل ذلك فى المنام الذى هو مظهر من مظاهر الوحى عند جميع الأنبياء، فكل ما يخبر به النبى كلام ألقى فى روعه، أو عن ملك ألقاه على سمعه، فهو خبر صادق عنده. يقول هؤلاء الماديون: نحن لا نشكّ فى صدق محمد فى خبره عما رأى وسمع وإنما نقول: إنّ منبع ذلك من نفسه، وليس فيه شىء جاء من عالم الغيب الذى يقال إنه رأى عالم المادة والطبيعة، الذى يعرفه جميع النّاس؛ فإنّ هذا (الغيب) شىء لم يثبت عندنا وجوده، كما أنّه لم يثبت عندنا ما ينفيه ويلحقه بالمحال، وإنما تفسير الظواهر غير المعتادة بما عرفنا وثبت عندنا دون ما لم يثبت. ويضربون مثلا لهذا الوحى: قصة «جان دارك» الفتاة الفرنسية التى قررت الكنيسة الكاثوليكية قداستها بعد موتها بزمن، وهذا التصوير الذى يصوّرون به ظاهرة الوحى قد سرت شبهته إلى كثير من المسلمين المرتابين الذين يقلدون هؤلاء الماديين فى نظرياتهم المادية أو يقتنعون بها. وإننى أفتتح الكلام فى إبطال هذه الصورة الخيالية بالكلام على (جان دارك) فقد ألقى إلى سؤال عنها نشرته مع الجواب عنه فى صفحة ٧٨٨ من المجلد السادس من المنار (سنة ١٣٢١) وهذا نصه:

стр. 55

شبهة على الوحى حضرة الأستاذ الرشيد: عرضت لى شبهات فى وقوع الوحى (وهو أساس الدين) فعمدت إلى رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده- حيث وقع اختيارى عليها- وقرأت فيها بابى (حاجة البشر إلى الوحى) و (إمكان الوحى) فوجدت الكلام وجيها معقولا، غير أنّ الحاجة إلى شىء لا تستلزم وقوعه، وكذا إمكانه وعدم استحالته عقلا لا يقتضى حصوله، ثم ما ذكر بعد من أن حالة النبى وسلوكه بين قومه وقيامه بجلائل الأعمال وبوقوع الخير للناس على يديه وهو دليل نبوته وتأييد بعثته، فليس شيئا؛ فإنه قد يكون (كون) النبى حميد السيرة فى عشيرته، صادقا فى دعوته- أعنى معتقدا فى نفسه- سببا فى نهوض أمته، ولا يكون كلّ ذلك مدعاة إلى الاعتقاد به، والتسليم به. وقد حدث بفرنسا فى القرن الخامس عشر الميلادى إذ كانت مقهورة للإنكليز أن بنتا تدعى (جان دارك) من أجمل النساء سيرة وأسلمهن نية، اعتقدت- وهى فى بيت أهلها بعيدة عن التكاليف السياسية- أنها مرسلة من عند الله لإنقاذ وطنها ودفع العدو عنه، وصارت تسمع صوت الوحى، فأخلصت فى الدعوة للقتال، وتوصّلت بصدق إرادتها إلى رئاسة جيش صغير، وغلبت به العدو فعلا، ثم ماتت عقب نصرتها ميتة الأبطال من الرجال إذ خذلتها قومها، ووقعت فى يد عدوها، فألقوها فى النّار حيّة، فذهبت تاركة فى صحائف التاريخ اسما يعبق نشره وتضوع رياه، وهى الآن موضع إجلال القوم وإعظامهم؛ فلقد تيسرت لهم النهضة بعدها، وجروا فى العلم والرقى بعيدا. فهل يجزم لذلك أن تلك البنت نبية مرسلة؟ ربما تذهبون إلى أن عملها لا يذكر مقارنا بما أتت به الرسل وما وصل للناس من الخير بسببهم، فأقول: هل هناك من ميزان نزن به الأعمال النافعة لنعلم إن كانت وصلت إلى الدرجة التى يجب معها أن نصدق دعوة صاحبها؟ وهل لو ساعدت الصدف (كذا) رجلا على أن يكون أكبر الناس فعلا، وأبقاهم أثرا، واعتقد برسالة نفسه لوهم قام (عنده) يفضى بنا ذلك إلى التيقن من رسالته؟. أظن أن هذا كله- مضافا لغيره- يدعو إلى الترجيح ولا يستلزم اليقين أبدا على أننى أنتظر أن تجدوا فى قولى هذا خطأ تقنعوننى به أو تزيدوننى إيضاحا، ينكشف به الحجاب،

стр. 56

وتنالون به الثواب، هذا وإنى أعلم من فئة مسلمة ما أعلمه من نفسى ولكنّهم يتحفظون فى الكتمان، ويسألون الكتب خشية سؤال الإنسان، ولكننى لا أجد فى السؤال عارا، وكل عقل يخطئ ويصيب، يزل ويستقيم. (أحد قرائكم) جواب المنار لقد سرنا من السائل أنه على تمكن الشبهة من نفسه لم يذعن لها تمام الإذعان فيسترسل فى تعدى حدود الدين إلى فضاء الأهواء والشبهات التى تفسد الأرواح والأجسام، بل أطاع شعور الدين الفطرى، ولجأ إلى البحث فى الكتب، ثم السؤال ممن يظن فيهم العلم، بما يكشف الشّبهة، ويقيم الحجّة، وإن كثيرا من الناس لينصرفوا عن طلب الحق عند أول قزعة من الشبهة تلوح فى فضاء أذهانهم، لأنّهم شبّوا على حبّ التمتع والانغماس فى اللذة، ويرون الدين صادا لهم عن الانهماك والاسترسال فيها، فهم يحاولون إماتة شعوره الفطرى، كما أمات النشوء فى الجهل برهانه الكسبى. أرى السائل نظر من رسالة التوحيد فى المقدمات ووعاها، ولكنه لم يدقق النظر فى المقاصد والنتائج، لذلك نراه مسلما المقدمات دون النتيجة مع اللزوم بينهما، فإذا هو عاد إلى مبحث (حاجة البشر إلى الرسالة) وتدبره وهو مؤمن بالله، وأنه أقام الكون على أساس الحكمة البالغة والنظام الكامل، فإننى أرجو له أن يقتنع، ثم إننى آنست منه أنه لم يقرأ مبحث (وقوع الوحى والرسالة) أو لعله قرأه ولم يتدبره، فإنه لم يذكر البرهان على نفس الرسالة ويبنى الشبهة عليه، وإنما بناها على جزء من أجزاء المقدمات، وهى القول فى بعض صفات الرسل ﵈، وإننى أكشف له شبهته أولا فأبين أنها لم تصب موضعها، ثم أعود إلى رأى فى الموضوع. إنّ (جان دارك) التى اشتبه عليه أمرها بوحى الأنبياء لم تقدم بدعوة إلى دين أو مذهب تدعى أن فيه سعادة البشر فى الحياة وبعد الموت كما هو شأن جميع المرسلين، ولم تأت بآية كونية ولا علمية لا يعهد مثلها من كسب البشر تتحدى بها الناس ليؤمنوا بها، وإنما كانت فتاة ذات وجدان شريف هاجه شعور الدين، وحركته مزعجات السياسة فتحرك، فنفر،

стр. 57

فصادف مساعدة من الحكومة، واستعدادا من الأمة للخروج من الذلّ الذى كانت فيه، وكان التحمس الذى حركته سببا للحملة الصادقة على العدو وخذلاته. وما أسهل حماسة أهل فرنسا بمثل هذه المؤثرات وبما هو أضعف منها، فإن نابليون الأول كان يسوقهم إلى الموت مختارين بكلمة شعرية يقولها ككلمته المشهورة عند الأهرام. وأذكّر السائل الفطن بأنّه لم يوافق الصواب فى إبعاد الفتاة عن السياسة ومذاهبها فقد جاء فى ترجمتها من دائرة المعارف العربية (للبستانى) ما نصه: «كانت متعودة الشغل خارج البيت كرعى المواشى وركوب الخيل إلى العين ومنها إلى البيت، وكان الناس فى جوار دومرى (أى بلدها) متمسكين بالخرافات ويميلون إلى حزب أورليان فى الانقسامات التى مزقت مملكة فرنسا، وكانت «جان دارك» تشترك فى الهياج السياسى والحماسة الدينية، وكانت كثيرة التخيل والورع، تحب أن تتأمل فى قصص العذراء وعلى الأكثر فى نبوة كانت شائعة فى ذلك الوقت، وهى أن إحدى العذارى ستخلص فرنسا من أعدائها، ولما كان عمرها ١٣ سنة كانت تعتقد بالظهورات الفائقة الطبيعية وتتكلم عن أصوات كانت تسمعها ورؤى كانت تراها، ثم بعد ذلك ببضع سنين خيل لها أنها قد دعيت لتخلص بلادها وتتوج ملكها، ثم وقع البرغنيور تعديا على القرية التى ولدت فيها، فقوى ذلك اعتقادها بصحة ما خيل لها». ثم ذكر بعد ذاك توسله إلى الحكام وتعيينها قائدة لجيش ملكها، وهجومها بعشرة آلاف جندى ضباطهم ملكيون على عسكر الإنكليز الذين كانوا يحاصرون أورليان، وأنها دفعتهم عنها حتى رفعوا الحصار فى مدة أسبوع، وذلك سنة ١٤٢٩، ثم ذكر أنها بعد ذلك زالت أخيلتها الحماسية، ولذلك هوجمت فى السنة التالية ١٤٣٠ فانكسرت وجرحت وأسرت. فمن ملخص القصة، يعلم أن ما كان منها إنما هو تهيج عصبى سببه التألم من تلك الحالة السياسية التى كان يتألم منها من نشأت بينهم مع معونة التحمس الدينى والاعتقادات بالخرافات الدينية التى كانت ذائعة فى زمنها، وهذا شىء عادى معروف السبب، وهو من قبيل الذين يقومون باسم المهدى المنتظر كمحمد أحمد السودانى، والباب الإيرانى (وكذا البهاء والقاديانى)، بل الشبهة فى قصتها أبعد من الشبهة فى قصة هذين الرجلين، وإن كانت أسباب النهضة متقاربة، فإنّ هذين كانا كأمثالهما يدعوان إلى شىء (ملفق) يزعمان أنه إصلاح للبشر فى الجملة.

стр. 58

أين هذه النوبة العصبية القصيرة الزمن، والمعروفة السبب، التى لا دعوة فيها إلى علم ولا إصلاح اجتماعى، إلا المدافعة عن الوطن عند الضيق التى هى مشتركة بين الإنسان والحيوان الأعجم التى لا حجّة تدعمها، ولا معجزة تؤيدها. التى اشتعلت بنفخة، وطفئت بنفخة؟. أين هى من دعوة الأنبياء التى بيّن الأستاذ الإمام إنها حاجة طبيعية من حاجات الاجتماع البشرى، طلبها هذا النوع بلسان استعداده فوهبها له المدبر الحكيم (الذى أعطى كلّ شىء خلقه ثمّ هدى) فسار الإنسان بذلك إلى كماله، فلم يكن أدنى من سائر المخلوقات الحية النامية، بل أرقى وأعلى؟ وأين دليلها من أدلة النبوّة؟ وأين أثرها من أثر النبوة؟. إن الأمم التى ارتقت بما أرشدها إليه تعليم الوحى إنما ارتقت بطبيعة ذلك التعليم وتأثيره. وإن فرنسا لم ترتق بإرشاد (جان دارك) وتعليمها، وإنما مثلها مثل قائد انتصر فى واقعة فاصلة بشجاعته، وبأسباب أخرى ليست من صنعه، واستولت أمته بسبب ذلك على بلاد رقتها بعلوم علمائها، وحكمه حكمائها، وصنع صناعها، ولم يكن القائد يعرف من ذلك شيئا ولم يرشد إليه، فلا يقال إن ذلك القائد هو الذى أصلح تلك البلاد، وعمّرها ومدّنها، وإن عدّ سببا بعيدا فهو شبيه بالسبب الطبيعى، كهبوب ريح تهيج البحر فيغرق الأسطول وتنتصر الأمة. أين حال تلك الفتاة التى كانت كبارقة خفت (أى ظهرت وأو مضت) ثم خفيت وصيحة علت ولم تلبث أن خفتت، ومن حال شمس النبوّة المحمدية التى أشرقت فأنارت الأرجاء، ولا يزال نورها متألق السناء؛ أمى يتيم قضى سن الصبا وشرخ الشباب هادئا ساكنا لا يعرف عنه علم ولا تخيل، ولا وهم دينى ولا شعر ولا خطابة، ثم صاح على رأس الأربعين بالعالم كلّه صيحة؛ إنكم على ضلال مبين، فاتبعون أهدكم الصّراط المستقيم، فأصلح وهو الأمى أديان البشر؛ عقائدها وآدابها وشرائعها، وقلب نظام الأرض فدخلت بتعليمه فى طور جديد؟. لا جرم أنّ الفرق بين الحالين عظيم، إذا أنعم النظر فيه العاقل الحكيم، ولا سعة فى جواب سؤال كهذا لتقرير الدليل على النبوة بالتفصيل، وإنما أحيل السائل على التأمل فى بقية بحث النبوة فى رسالة التوحيد، ومراجعة ما كتبناه أيضا من الأمالى الدينية فى المنار، ولا سيّما الدرس الذى عنوانه (الآيات البيّنات، على صدق النّبوات) وإن كان يصدق على

стр. 59

رسالة التوحيد المثل «كلّ الصّيد فى جوف الفرا «١»»، فإن بقيت عنده شبهة فالأولى أن يتفضل بزيارتنا لأجل المذاكرة الشفاهية فى الموضوع؛ فإن المشافهة أقوى بيانا، وأنصع برهانا، ونحن نعاهده على أن نكتم أمره وإن أبى فليكتب إلينا ما يظهر له من الشبهة على ما فى الرسالة والأمالى من الاستدلال على وقوع النبوة بالفعل، وعند ذلك نسهب فى الجواب بما نرجو أن يكون مقنعا، على أن المشافهة أولى كما هو معقول، وكما ثبت لنا بالتجربة مع كثير من المشتبهين والمرتابين. أ. هـ. جوابنا فى المنار «٢». هذا وإن ما بينه الأستاذ الإمام فى إثبات وقوع الوحى لا يستطيع أحد فهمه حقّ الفهم، وهو يؤمن بوجود الله العلى الحكيم الفاعل المختار إلّا أن يقبله ويذعن له، فإنه بين أن الوحى والرسالة بالمعنى الذى قرره لازم عقلى لعلمه تعالى وحكمته وكونه هو (الذى أعطى كلّ شىء خلقه ثمّ هدى)، ولا يفهمه حقّ الفهم إلا من أوتى نصيبا من علم الاجتماع وحكمة الوجود وسننه وأصول العقائد، ونصيبا آخر من بلاغة اللغة العربية، وأن نبوة محمد ﷺ ورسالته يمكن إثباتها بما دون هذه الفلسفة والبلاغة، وهو ما قهر عقول علماء الإفرنج على تصديق دعوته، وحمل الماديين على تصويرها بما نبسطه فيما يأتى ونقفى عليه بإثبات بطلانه. تفصيل الشبهة ودحضها بالحجة قد فصل (أميل درمنغام) الشبهة التى أجملها مونتيه بما لم نر مثله لغيره من كتاب الإفرنج، حتى اغتر بكلامه كثير من المسلمين، وأنه لحسن الثناء ولكنه يسرّ حسوا فى ارتغاء، فإن كان حكيمنا السيد/ جمال الدين قال لبعض مجادلى النصرانية: «إنكم فصلتم قميصا من رقاع العهد القديم وألبستموها للمسيح ﵇». فنحن نقول لهم: «إنكم فصلتم قميصا آخر مما استنبطتم من تاريخ الإسلام لا من نصوصه، وحاولتم خلعها على محمد ﷺ ». وإننى أشرح هذه الشبهة بأوضح مما كتبه درمنغام، وما بلغنى عن كل أحد منهم، ثم أكر عليها بالنقض والدحض، وأبدأ بمقدماتها وهى عشر:

стр. 60

المقدمة الأولى: لشبهة الوحى النفسى دعوى الأخذ عن بحيرا الراهب قالوا: إن محمدا لقى بحيرا الراهب فى مدينة بصرى بالشّام، وقالوا: إنه كان نسطوريا من أتباع آريوس فى التوحيد، وينكر ألوهية المسيح وعقيدة التثليث، وأن محمد لا بد أن يكون على علم من عقيدته، وقالوا فى بحيرا أيضا: إنه كان عالما فلكيا منجما، وحاسبا ساحرا. وإنه كان يعتقد أن الله ظهر له وأنبأه بأن سيكون هاديا لآل إسماعيل إلى الدين المسيحى، بل سمعنا من بعض الرهبان أنه كان معلما لمحمد ومصاحبا له بعد رسالته، وأن محمدا ما حرم الخمر إلا لأنه قتل أستاذه بحيرا وهو سكران. وأسرفوا فى هذه الافتراء والبهتان، وكل ما عرفه المسلمون من رواة السيرة النبوية أن النبى ﷺ لما خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام وهو ابن تسع سنين وقيل ١٢ سنة رآه هذا الراهب مع قريش ورأى سحابة تظلله من الشمس، وذكر لعمه أنه سيكون له شأن، وحذره من اليهود وفى المسألة روايات بمعناها ضعيفة الأسانيد، إلا رواية للترمذى ليس فيها اسم بحيرا وفيها غلط فى المتن وليس فى شىء من تلك الروايات أنه ﷺ سمع من بحيرا شيئا من عقيدته أو دينه. المقدمة الثانية: دعوى الأخذ عن ورقة بن نوفل قالوا: إن ورقة بن نوفل كان من منتصرة العرب العلماء بالنصرانية وأحد أقارب خديجة- يوهمون القارئ أنه ﷺ أخذ عنه شيئا من علم أهل الكتاب- والذى صحّ من خبر ورقة هذا، هو ما رواه الشيخان فى الصحيحين، وغيرهما من أن خديجة أخذته ﷺ عقب إخباره إياها بما رآه فى حراء إلى ورقة هذا وأخبرته خبره، وكان شيخا قد عمى، ولم يلبث بعد ذلك أن توفى، ولم ينقل أن النبى ﷺ رأى قبل ذلك، (وسأذكر نص الحديث فى آخر هذا المبحث)، وقد استقصى المحدثون والمؤرخون كل ما عرف عن ورقة هذا مما صح سنده، ومما لم يصح له سند كدأبهم فى كل ما له علاقة بالنبى ﷺ والإسلام، فلم يذكر أحد منهم أنه عرف عنه دعوة إلى النصرانية أو كتابة فيها، وإنما ورد فى بعضها أنه قال حين علم من خديجة خبر محمّد: إنه هو النبىّ المنتظر الذى بشرّ به المسيح عيسى ابن مريم، وفى بعضها، أنه عاش حتى رأى بلالا يعذّبه المشركون ليرجع عن الإسلام، ولكن هذه الرواية

стр. 61

شاذة مخالفة لحديث عائشة الصحيح أنه كان عند بدء الوحى أعمى ولم ينشب (أى لم يلبث) أن مات، وقد كان تعذيب بلال بعد إظهار دعوة النبوة ودخول الناس فيها، وكان هذا بعد بدء الوحى بثلاث سنين. وأميل درمنغام قد غلط فيما نقله عن خبر فترة الوحى لاختلاط الروايات عليه فيها، وعدم اطلاعه على ما دوّن فى كتب الحديث منها، وإنما كان هم المحدثين فى خبر ورقة أن يعلموا أكان صحابيا أم لا؟ فإنّ الصحابىّ هو من لقى النبىّ ﷺ بعد البعثة مؤمنا به، ولو بلغهم عنه أى شىء من علمه بالتوراة أو الإنجيل غير ما ذكروه لنقلوه. المقدمة الثالثة: دعوى انتشار اليهودية والنصرانية فى بلاد العرب ذكروا ما كان من انتشار اليهودية والنصرانية فى بلاد العرب قبل الإسلام، ومن تنصر بعض فصحاء العرب وشعرائهم، كقس بن ساعدة الأيادى، وأمية بن أبى الصلت وإشادة هؤلاء بما كانوا يسمعون من علماء أهل الكتاب عن قرب ظهور النبى الذى بشر به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، وقد نشرنا بعض بشاراتهم من التوراة والأناجيل وكتب النبوات بنصوصها المعتمدة عندهم فى تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧] ولكن لم يثبت أنه ﷺ سمع منها شيئا. فأما قس فقد مات قبل البعثة. وروى أن النبى ﷺ رآه قبل البعثة بزمن طويل يخطب الناس فى سوق عكاظ على جمل له احمر وقيل أورق، بكلام له مونق، قال فيه: «إن لله دينا خيرا من دينكم الذى أنتم عليه ونبيا قد أظلكم زمانه، وأدرككم آوانه، فطوبى لمن أدركه فاتبعه، وويل لمن خالفه». والروايات فى هذا ضعيفة، (بل بعضها موضوع وبعضها منقطع)، وتعددها قد يدل على أن لها أصلا، ولو حفظ من كلامه شىء بسند صحيح لبينوه قطعا. وأما أمية بن أبى الصلت الثقفى فهو شاعر مشهور، قال أبو عبيدة: اتفقت العرب على أن أمية أشعر ثقيف، وقال الزبير بن بكار: حدّثنى عمّى قال كان أمية فى الجاهلية نظر الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، وكان يذكر إبراهيم وإسماعيل والحنفية، وحرم الخمر،

стр. 62

وتجنّب الأوثان، وطمع فى النبوة؛ لأنه قرأ فى الكتب أن نبيا يبعث بالحجاز، فرجا أن يكون هو، فلما بعث النبى ﷺ حسده فلم يسلم، وهو الذى رثا قتلى بدر المشركين بالقصيدة التى أولها: ماذا ببدر والعقن ... قل من مرازبة جحاجح وفى المرآة عن ابن هشام أنه كان آمن بالنبى ﷺ ، فقدم الحجاز ليأخذ ماله من الطائف ويهاجر، فعلم بغزوة بدر وقتلى صناديد قريش فيها، فجدع آنف ناقته وشقّ ثوبه وبكى لأن فيهم ابني خاله، وعاد إلى الطائف ومات فيها، وصحّ أنّ النبىّ ﷺ استنشد الشريد بن عمرو من شعره فأنشده فقال: «كاد أن يسلم» والمعروف أنه كان حنيفيا على ملّة إبراهيم ولم يتنصره، ولم يلق النبى ﷺ قبل النبوة ولا بعدها ومن شعره: كلّ دين يوم القيامة عند الل ... هـ إلّا دين الحنيفة زور المقدمة الرابعة: حديث إسلام سلمان الفارسى كان سلمان الفارسى رضى الله عنه فارسيا مجوسيا فتنصر على يد بعض الرهبان وصحب غير واحد من عبادهم، وسمع منهم أو من آخرهم بقرب ظهور النبى الذى بشر به عيسى والأنبياء من العرب، فقصد بلاد العرب وبيع لبعض يهود يثرب ظلما وعدوانا ولم ير النبىّ ﷺ إلا بعد الهجرة فأسلم وكاتب سيده (أى اشترى نفسه منه) وفى قصته روايات متعارضة وهذا هو المراد منها لدرمنغام وغيره. المقدمة الخامسة: رحلتا الشتاء والصيف لتجار قريش ذكروا ما كان من رحلة تجار قريش فى الشتاء إلى اليمن، وفى الصيف إلى الشام واجتماعهم بالنصارى فى كل منهما كلما مروا بدير أو صومعة للرهبان، وكان هؤلاء النصارى يتحدثون بقرب ظهور نبى من العرب.

стр. 63

المقدمة السادسة: ما قيل من وجود يهود ونصارى بمكة زعم درمنغام أنه كان بمكة نفسها أناس من اليهود والنصارى، ولكنهم كانوا عبيدا وخدما وكان رؤساء قريش لا يسمحون لهم أن يسكنوا فى مكّة حرمهم المقدس الخاص بوثنيتهم وأصنامهم، بل كان هؤلاء يسكنون فى أطراف مكة (فى المنازل البعيدة عن الكعبة المتاخمة للصحراء)، وكانوا يتحدثون بقصص عن دينهم لا تصل إلى مسامع رؤساء قريش وعظمائهم، أو ما كانوا يحفلون بها لسماع أمثالها فى رحلاتهم الكثيرة، ولكنه ذكر أن أبا سفيان عتب على أمية بن أبى الصلت كثرة تكريره لما يذكره الرهبان من هذا الأمر. فهذه مقدمات يذكرها كتاب الإفرنج لتعليل ما ظهر به محمّد ﷺ من دعوى النبوة يعنون أنه سمع ما سمع من أخبارها فتعلّقت نفسه به، على طريقتهم فى الاستنباط، وما يسمونه النقد التحليلى، ويقرنون بها مقدمات أخرى فى وصف حالته النفسية والعقلية، وحالة قومه وما استفاده منها من تأثير وعبرة. فنلخصها مضمومة إلى ما قبلها، مع الإلمام بنقدها. المقدمة السابعة: ما زعمه من سبب نشوء محمّد ﷺ أميا وما استفاد من رحلاته التجارية قال درمنغام فى كفالة أبى طالب لمحمد بعد وفاة جده: «إنه لم يكن غنيا فلم يتح له تعليم الصبى الذى بقى أميا طوال حياته (يوهم القارئ أن أولاد الموسرين بمكة كانوا يتعلّمون، كأن هناك مدارس يعلم فيها النشء بالأجور كمدارس بلاد الحضارة وهذا باطل لا أصل له) ثم قال: ولكنه كان يستصحبه وإياه فى التجارة فيسير والقوافل خلال الصحراء يقطع هذه الأبعاد المتنائية، وتحدق عيناه الجميلتان بمدين ووادى القرى وديار ثمود، وتستمع أذناه المرهفتان إلى حديث العرب والبادية عن هذه المنازل وحديثها وماضى نبئها، ويقال إنه فى إحدى هذه الرحلات إلى الشام التقى بالراهب بحيرا فى جوار مدينة بصرى، وأن الراهب رأى فيه علامات النبوة على ما تدله عليه أنباء كتبه، وفى الشام عرف محمد أحبار الروم ونصرانيتهم وكتابهم، ومناوأة الفرس من عباد النار لهم، وانتظار الوقيعة بهم». كل ما ذكره درمنغام هنا هو من مخترعات خياله، ومبتدعات رأيه، ألبسه حلة من طراز

стр. 64

البيان الإفرنسى، إلا مسألة بحيرا الراهب فأصلها ما ذكرنا، وكأنه لم يحفل بإثباتها، لما يعلمه من مفتريات رجال الكنيسة فيها. فمحمد ﷺ لم يذهب مع عمّه إلى التجارة فى الشام إلا وهو طفل- كما تقدم- وقد أعاده إلى مكة قبل إتمام رحلته، ثم سافر إليها فى تجارة خديجة وهو شاب مرة واحدة، ولم يتجاوز سوق مدينة بصرى فى المرتين، والقوافل التى تذهب إلى الشام لم تكن تمر بمدين وهى فى أرض سيناء، ولم تكن هذه القوافل تضيّع شيئا من وقتها للبحث مع العرب أو الأعراب فى طريقها عن أنبائها والتاريخ القديم لبلادها، ولم يعرف عن تجارها أنهم كانوا يعنون بلقاء أحبار النصارى ومباحثتهم فى دينهم وكتبهم، فمن أين جاء لدر لدرمنغام أن محمدا هو الذى كان يشتغل فى تلك التجارة بالبحث عن الأمم والتواريخ والكتب والأديان، ويعنى بلقاء رؤسائها والبحث معهم كما يفعل رواد العلم والتاريخ، وجواسيس السياسة من الإفرنج فى هذا العصر إنما اخترع هذا لأنه لا يستطيع تعليل ما جاء فى القرآن من قصص الرسل إلا به، وكذلك الأنباء بغلب الروم للفرس كما سيأتى. وسترى ما نفند به تعليله وتحليله، على تقدير صحة ما زعمه كله. المقدمة الثامنة: تصوير مجامع قريش بمكة وشأن محمد فيها ثم ذكر درمنغام أن العرب- ولا سيما أهل مكة- كانوا يصرفون معظم أوقاتهم بعد ما يكون من تجارة أو حرب فى الاستمتاع بالذات من السكر والتسرى وغير ذلك، وأنّ التاريخ يشهد بأن محمدا كان يراهم ولم يكن يشاركهم فى ذلك، لا لفقره وضيق ذات يده، بل لما صوره بقوله «لكن نفس محمد كانت شغوفا بأن ترى وأن تسمع وأن تعرف، وكأن حرمانه من التعليم الذى كان يعلمه أنداده جعله أشد للمعرفة شوقا، وبها تعلقا، كما أن النفس العظيمة التى تجلت فيه من بعد ذلك آثارها، وما زال يغمر العالم سلطانها، كانت فى توقها إلى الكمال ترغب عن هذا اللهو الذى يطمح إليه أهل مكة، إلى نور الحياة المتجلى من كل مظاهر الحياة لمن هداه الحق إليها لاستكناه ما تدل هذه المظاهر عليه، وما تحدث الموهوبون به، لعله يريد الملهمين. هذا الخبر من مخترعات خيال درمنغام، فمحمد لم يكن شغوفا بأن يرى ما يفعله فسّاق قومه من فسق وفجور، ولا أن يسمع ذلك، ولا كان يتحرّى أن يعرفه، وقد ثبت عنه أنه

стр. 65

لم يحضر سمرهم ولهوهم إلا مرتين ألقى الله عليه النوم فى كل منهما، حتى طلعت الشمس فلم ير ولم يسمع شيئا، وقد بطل بهذا ما علل به الخبر على ما فيه من المدح المتضمن لدسيستين: (إحداهما): أن أنداده من قريش كانوا متعلمين وكان هو محروما مما لقنهم آباؤهم من العلم، وكان حرمانه هذا يزيده شغفا بالبحث والاستطلاع. (والثانية): أن نفسه كانت بسبب هذا تزداد طموحا إلى نور الحياة المتجلى فى جميع مظاهرها لاستكناه ما تدل عليه المظاهر. فهذه مدحة غرضه منها تعليل ما انبثق فى نفسه ﷺ بعد ذلك من الوحى، وسترى بطلان تعليله. المقدمة التاسعة: موت أبناء محمد وما أثاره فى نفسه ثم ذكر درمنغام مسألة أبناء النبى ﷺ القاسم، والطيّب، والطاهر، وهو يشك فى وجودهم، ويقول إن تكنيته بأبى القاسم لا تدلّ على وجود ولد له بهذا الاسم، وإنه إن صحّ أنهم ولدوا فقد ماتوا فى المهد، هذا زعم ووهم، والحق أنه ولد له غلام سماه القاسم وكنى به وأنه مات طفلا. وقيل عاش إلى أن ركب الدابة فهذا متواتر. ثم ولد له آخر سماه عبد الله، والصحيح أنّ الطيّب والطاهر لقبان له لا اسمان لغلامين آخرين كما قيل «١»، ولكن درمنغام قد كبر مسألة موت هؤلاء الأولاد الذين يشك فى وجودهم تكبيرا، وبنى عليها حكما، وأثار وهما، قال بعد أن زعم أن محمدا تبنى زيد بن حارثة؛ لأنه لم يطق على الحرمان من البنين صبرا: «فمن حق المؤرخ أن يجعل هذا الحادث؛ بل الحوادث الثلاثة التى أصابت محمدا فى بنيه ما هى جديرة بأن تتركه فى حياته وفى تفكيره من أثر، والأمر كذلك بنوع خاص إن كان محمدا أميا، فلم تكن المضاربات الجدلية (كذا) لتصرفه عن التأثر بعبر الحوادث ودروسها، وحوادث أليمة- كوفاة أبنائه- جديرة بأن تستوقف تفكيره، وأن تصرفه كل واحد منها إلى ما كانت خديجة تتقرّب به إلى أصنام الكعبة، وتنحر لهبل واللات والعزّى

стр. 66

ومناة الثالثة الأخرى، تريد أن تفتدى نفسها من ألم الثكل، فلا تفيد القربان ولا تجدى النحور». قال: «والأمر كان كذلك، لا ريب أن كانت عبادة الأصنام قد بدأت تتزعزع فى النفوس تحت ضغط النصرانية الآتية من الشام منحدرة إليها من الروم، ومن اليمن متخطية إليها من خليج العرب (البحر الأحمر) من بلاد الحبشة». غرض درمنغام من تكبير المصيبة بموت الأبناء المشكوك فى ولادتهم عنده، هو أن يجعلها مسوغة لما اختلقه من توسل خديجة إلى الأصنام بالقرابين لينقذوها من مصيبة الثكل ثم يستنبط من ذلك زعزعة إيمانها إيمان بعلها بعبادتها التى كان سببها تأثير النصرانية فى مكة وغيرها من بلاد العرب، ثم ليجعل ذلك من الأسباب التحليلية لتعليل الوحى لمحمّد ﷺ . والحق أنه ما تبنى زيدا إلا لأنه أثر أن يكون عبدا له على أن يكون حرا مع والده وعمه عند ما جاءا مكة لافتدائه بالمال فقال لهما: «ادعوه فخيّروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء»، ثم دعاه فسأله عن أبيه وعمه فعرفهما، فقال له: «فأنا من قد علمت وقد رأيت صحبتى لك فاخترنى أو اخترهما» فقال زيد: ما أنا بالذى أختار عليك أحدا، أنت منّى بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذى أختار عليه أحدا. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: «أشهدوا أن زيدا ابني يرثنى وأرثه»، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما. فدعى زيد: ابن محمّد، حتى جاء الله بالإسلام. رواه ابن سعد ونحوه فى سيرة ابن اسحاق. هذا وإنّ محمدا لم يكن جزوعا عند موت ولده ولا غيره، بل كان أصبر الصابرين، وإنّ خديجة لم تيأس بموت القاسم من الله أن يمنّ عليها بولد آخر، ولم تنحر للأصنام شيئا، وإن اللات كانت صخرة فى الطائف تعبدها ثقيف ولم تكن من أصنام قريش، والعزّى كانت شجرة ببطن نخلة تعبدها قريش وكنانة وغطفان، ومناة كان صنما فى قديد لبنى هلال وهذيل وخزاعة. وقد كان ما ذكره من ضعف الوثنية فى ذلك العهد- وزعم أن سببه انتشار النصرانية- جديرا بأن يمنع خديجة- وهى من أعقل العرب وأسلمهم فطرة وأقربهم إلى الحنيفية ملة إبراهيم- أن تهاجر إلى الأصنام لتنحر لها وتتقرب إليها لترزقها غلاما «١»،

стр. 67

فإن لم يمنعها عقلها وفطرتها فأجدر ببعلها المصطفى أن يمنعها من ذلك وهو عدو الوثنية والأصنام من طفولته- كما يعترف درمنغام- ولكن اتباع الهوى ينسى صاحبه ما لم يكن لينساه لولاه. المقدمة العاشرة: ضعف الوثنية فى العرب، وتعبد محمد فى الغار وسببها بزعم درمنغام زعم درمنغام أن ما ذكره من تغلغل النصرانية فى بلاد العرب أوجد فيها حالة نفسية أدت إلى زيادة إمعانهم فيما كانوا يسمونه فى الجاهلية التحنث أو التحنف، وزعمه هذا له أصل ولكنه زاد فيه وكبره وفرع عليه قوله: «وكان محمّد يجد فى التحنث طمأنينة لنفسه أن كان له بالوحدة شغف، وأن كان يجد فيها الوسيلة إلى ما برح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما فى الكون من أسبابها، فكان ينقطع كل رمضان طول الشهر فى غار حراء بحبل أبى قبيس مكتفيا بالقليل من الزاد يحمل إليه ليمضى أياما طويلة بالغار فى التأمل والعبادة بعيدا عن ضجة الناس وضوضاء الحياة». وأقول: إنّ روايات المحدثين تفيد أنه حبّب إليه الخلاء والوحدة والتحنّث فى غار حراء فى العام الذى جاءه فيه الوحى، وكان هو يحمل الزاد، وما كان أحد يحمله إليه، وما ذكره ابن إسحاق من تعبده فيه فى شهر رمضان كل سنة إنما كان فى زمن فترة الوحى كما سيأتى. ولم يكن فى أعوام ولا شهور قبله. وأما قوله: إنه كان يتوسّل بذلك إلى ما اشتد شوقه إليه من المعرفة وابتغاء الإلهام مما فى الكون من أسبابها، فهو مما يخطر فى بال الباحث فى حياة رجل صدر عنه عقب هذه الخلوة ما صدر من علم ومعرفة وإصلاح، وإرشاد إلى النظر والتفكير فى آيات السموات والأرض، ولكن لم يرو عنه ﷺ أنه كان يقصد ذلك ويبتغيه، ولا روى عن أصحابه وأترابه الذين كانوا يعرفون سيرته الطاهرة وآمنوا به كأبى بكر وعثمان وعميه حمزة والعباس، ولا عن ربيبه وصفيه وابن عمه علىّ، ولا حبه ومولاه زيد بن حارثة- رضى الله عنهم-، والتحقيق فى ذلك كله ما تراه فى المباحث الآتية:

стр. 68

نتيجة تلك المقدمات العشر هنا وصل درمنغام إلى آخر المقدمات التى تتصل بالنتيجة المطلوبة له، فأرخى لخياله العنان، ونزع من جواده اللجام، ونخسه بالمهماز، فعدا به سبحا، وجمح به جمحا، وأورت حوافره له قدحا فأثارت له نقعا وأذن لشاعريته الفرنسية فى بريق لمعها، وظلمة نقعها، أن تصف محمدا عند ذلك الغار، بما تحدثه فى نفسه مشاهد نجوم الليل وما تسفعه به شمس النهار، وما تخيل إليه أنه كان يراه فى قنة الجبل من صحارى وقفار، وخيام وآبار، وما ثم خيام ولا آبار، ومن رعاة تهشّ على غنمها حيث لا أشجار، حتى ذكر البحار على بعد البحار، وسيذكر موج البحر أيضا، ونسى أن يصف الفلك المواخر فيه، وما يعرض لها فى حالة الرهو والريح الطيبة، وحالة العواصف والأمواج المصطخبة، فكل منهما فى القرآن، ولم يكن رآه محمد من جبل حراء. قد أتقن هذا الفرنسى التخيل الشعرى، ولكنه لم يوافق به الوصف الموضعى. ثم قال مصورا لما يبتغيه محمد ﷺ من مشاهداته المزعومة: «وهذه النجوم فى ليالى صيف الصحراء كثيرة شديدة البريق حتى ليحسب الإنسان أنه يسمع بصيص ضوئها، وكأنه نغم نار موقدة». «حقا! إنّ السّماء لشارات للمدركين، وفى العالم غيب كلّه. ولكن ألا يكفى أن يفتح الإنسان عينيه ليرى، وأن يرهف أذنه ليسمع؟ ليرى حقا؟ وليسمع الكلم الخالد؟ لكنّ النّاس عيونا لا ترى وآذانا لا تسمع. أما هو فيحسب (!!) أنه يسمع ويرى. وهل تحتاج لكى تسمع ما وراء السماء من أصوات إلا إلى قلب خالص ونفس مخلصة وفؤاد ملئ إيمانا؟». «ومحمّد فى ريب من حكمة الناس، فهو لا يريد أن يعرف إلا الحقّ الخالص، الذى لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه باطل، وهو يستطيع العيش إلا بالحقّ، والحق ليس فيما يرى حوله، فحياة القرشيين ليست حقا، وربا المرابين، ونهب البدو، ولهو الخلعاء وكل ما إلى ذلك لا شىء من الحق فيه، والأصنام المحيطة بالكعبة ليست حقا، وهبل الإله الطويل الذقن الكثير العطور والملابس ليس إلها حقا». «إذن فأين الحقّ وما هو؟». «وظل محمّد يتردّد على حراء فى رمضان من كلّ عام سنوات متوالية، وهناك كان يزداد

стр. 69

به التأمل ابتغاء الحقيقة حتى لكان ينسى نفسه، وينسى طعامه، وينسى كلّ ما فى الحياة لأن هذا الذى يرى فى الحياة ليس حقا. وهناك كان يقلب فى صحف ذهنه كمل ما وعى فيزداد عما يزاول الناس من ألوان الظن رغبة واوزارا، وهو لم يكن يطمع فى أن يجد فى قصص الأحبار وفى كتب الرهبان الحق الذى ينشد، بل فى هذا الكون المحيط به: فى السماء ونجومها وقمرها وشمسها، وفى الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء وساعات صفوها البديع، إذ تكسوها أشعّة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندى. وفى البحر وموجه! وفى كلّ ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود، وتشمله وحدة الوجود- فى هذا الكون كان يلتمس الحقيقة العليا ابتغاء إدراكها. كان يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون وليخترق شغاف الحجب إلى مكنون سره». (قال درمنغام): «فلما كانت سنة ٦١٠ أو نحوها كانت الحالة النفسية التى يعانيها محمد على أشدها. فقد أبهظت عاتقه العقيدة بأن أمرا جوهريا ينقصه وينقص قومه، وأن الناس نسوا هذا الأمر الجوهرى وتشبث كل بصنم قومه وقبيلته، وخشى النّاس الجنّ والأشباح والبوارح. وأهملوا الحقيقة العليا، ولعلهم لم ينكروها، ولكنهم نسوها نسيانا هو موت الروح. وقد خلصت نفس محمد من كلّ هذه الآراء التافهة، ومن كلّ القوى التى تخضع لقوة غيرها، ومن كل كائن ليس مظهرا للكائن الواحد. ولقد عرف أن المسيحيين فى الشام ومكة لهم دين أوحى به! وأن أقواما غيرهم نزلت عليهم كلمة الله، وأنهم عرفوا الحق ووعوه أن جاءهم علم من أنبياء أوحى إليهم به. كلما ضل الناس بعثت السماء إليهم نبيا يهديهم إلى الصراط المستقيم ويذكرهم بالحقيقة الخالدة، وهذا الدين الذى جاء به الأنبياء فى كل الأزمان دين واحد، وكلما أفسده النّاس جاءهم رسول من السماء يقوّم عوجهم. وقد كان الشّعب العربىّ يومئذ فى أشد تيهاء الضلال. أفما آن لرحمة الله أن تظهر فيهم مرة أخرى وأن تهديهم إلى الحقّ؟». «وتزايدت رغبة محمّد عن الاجتماع بالناس، ووجد فى وحدة غار حراء مسرة تزداد كل يوم عمقا، وجعل يقضى الأسابيع ومعه قليل من الزاد، وروحه تزداد بالصوم والسهر والإدمان على تقليب فكرته صقالا وحدّة، ونسى النهار والليل والحلم واليقظة وجعل يقضى الساعات الطوال جاثيا فى الغار، أو مستلقيا فى الشمس، أو سائرا بخطوات واسعة فى طرق الصحراء الحجرية وكأنه يسمع الأصوات تخرج من خلال أحجارها تناديه مؤمنة برسالته!».

стр. 70

«وقضى ستّة أشهر فى هذه الحال حتى خشى على نفسه عاقبة أمره، فأسر بمخاوفه إلى خديجة فطمأنته وجعلت تحدّثه بأنه الأمين، وأن الجن لا يمكن أن تقترب منه، وفيما هو يوما نائم بالغار جاءه ملك فقال له: أقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» وكان هذا أول الوحى وأول النبوّة». «وهنا تبدأ حياة حدة روحية قوية غاية القوة. حياة تأخذ بالأبصار والألباب، ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه الله والحق والإنسانية» أ. هـ. أقول: إنّ كلّ ما هنا من خبر أو جله غير صحيح، ولو صحت لكان ما استنبطه منها مما يخطر بالبال، ولكن الوحى المحمدى فوق كل استنباط وكل احتمال، فمن أين علم هذا الإفرنسى أن محمدا نسى الليل والنهار، والحلم واليقظة؟ وأنه كان يقضى الساعات الطوال جاثيا فى الغار أو مستلقيا فى الشمس ... إلخ وإنه قضى ستة أشهر فى هذا الحال؟. قد افترى فى الأخبار «١» ليستنبط منها أنه صار صلوات الله عليه مقلوبا على عقله، غائبا عن حسه، غارقا فى بحر لجى من خياله. أثمر له انبثاق ذلك الوحى العالى من نفسه، وتجليه لبصره وسمعه. وإننى أبدأ الردّ عليه وعلى أمثاله بنقل أصحّ الروايات فى خبر تحنثه فى الغار الليالى ذوات العدد- من شهر رمضان فى تلك السنة لا فيما قبلها- لتفنيد أخيلته وشعرياته، وإبطال نتيجة مقدماته، وللاستغناء بها عما نقله من الخلط فى صفة الوحى من الفصل الذى بعد هذا من كتابه. ذلك ما رواه الشيخان البخارى ومسلم فى صحيحيهما، وهذا نص رواية البخارى رضى الله عنه فى كتابه الجامع الصحيح.

стр. 71

باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ افتتح الحافظ البخارى هذا الباب، بل الكتاب كله بروايته لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» ثم قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى «١»؟ قال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس «٢» وهو أشده علىّ، فيفصم «٣» عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا «٤» فيكلمنى فأعي ما يقول، قالت عائشة رضى الله عنها:

стр. 72

(ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا «١»). حدّثنا يحيى بن بكير، قال حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم «٢»، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه «٣» - وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق «٤» وهو فى غار حراء فجاءه الملك فقال: «أقرأ، قال: ما أنا بقارئ «٥»، قال: فأخذنى فغطّنى «٦» حتى بلغ منّى

стр. 73

الجهد، ثم أرسلنى فقال: أقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطّنى الثانية، حتى بلغ منّى الجهد، ثم أرسلنى فقال: أقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطّنى الثالثة. ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ «١» [العلق: ١ - ٣]»، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: «زمّلونى زمّلونى» فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسى «٢»» فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا «٣» إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به- خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصر فى الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب «٤»، وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: يا ابن

стр. 74

عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخى ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بخبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس «١» الذى نزّل الله على موسى، ليتنى فيها جذعا «٢»، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجى هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن لم يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب «٣» ورقة أن توفى وفتر الوحى «٤». قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصارى قال وهو يحدث عن فترة الوحى فقال فى حديثه: «بينما أنا ماش إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت زملونى فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: ١ - ٥]، فحمى الوحى وتتابع «٥» أ. هـ.

стр. 75

وأقول: أخرج البخارى حديث جابر فى تفسير سورة المدثر من طرق فى بعضها: أن أولها هو أول ما أنزل مطلقا وفى البعض الآخر أنها من حديث النبى ﷺ عن فترة الوحى كالتى هنا، وقد عبّر ﷺ عن رعبه من رؤية الملك بقوله: (فجئثت منه رعبا) وفى رواية أخرى: (فجئثت منه حتى وهيت إلى الأرض)، أى فزعت وخفت وهو بضم الجيم وكسر الهمزة بالبناء للمفعول. هذا هو المعتمد عند المحدثين فى أول ما نزل من القرآن، والمشهور أنه نزل بعد أول المدثر سورة المزمل تامة وبعدها بقية سورة المدثر؛ وقال مجاهد: أول ما نزل سورة (ن والقلم) وهو غلط، وروى عن علىّ كرم الله وجهه أن أول ما نزل سورة الفاتحة واعتمده شيخنا فى توجيه كونها فاتحة الكتاب، ويمكن أن يراد أنها أول سورة تامة نزلت بعد بدء الوحى بالتمهيد التكوينى، ثم بالأمر بالتبليغ الإجمالى، وتلاها فرض الصلاة ونزول سورة المزمّل أو نزلتا فى وقت واحد. وسيأتى كلام آخر فى فترة الوحى وأول ما نزل بعده.
следующие страницы →