الظهور إلى أن تظهر فى سن الكهولة بهذه الروعة من البيان، وسلطان البلاغة على القلوب، وقوة البرهان فى العقول، فتحدث هذه الثورة العربية المغيرة لطباعها، والمبدلة لأوضاعها، بحيث تسود بها شعوب المدنية كلها، ويتلو ذلك ما قصه التاريخ من الانقلاب فى العالم كله بها؟
وأعجب من هذا كله أن يظهر فى هذا العصر أنّ أمم العلم والفنون الواسعة والحضارة العجيبة أشد حاجة إليها ممن قبلهم؟ كلا. إن هذا لم يعرف مثله فى البشر، فلم يبق إلا أنه علم موحى به من الله مفروض على كل عاقل بلغته دعوته أن يتبعه ويهتدى به لتكميل إنسانيته، وهداية أمته، وإعدادها لسعادة الدنيا والآخرة. فإن اعترضته شبهة عليه فليبحث عنها أو لينبذها، فما كان لعاقل ثبت عنده نفع علم الطب أن يترك مراعاته فى حفظ صحته، أو مداواة مرضه، لشبهة فى بعض مسائله، أو خيبة الأطباء فى بعض معالجاتهم للمرضى. فهو أعظم أطباء الأرواح والاجتماع فيهم.
قال الله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩].
***
стр. 247
الخاتمة فى تجديد التحدى بتعاليم الوحى المحمدى، ودعوة شعوب الحضارة إلى الدين الإسلامى
تلك عقائد دين محمد وقواعد تشريعه، وأصول إصلاحه الدينى والاجتماعى والمالى والسياسى، مسرودة بالإجمال، مؤيدة بشواهدها من آيات القرآن، مجرّدة من حلل المبالغات الخطابية، وعاطلة من حلى الخلابة الشعرية، ونحن المسلمين نتحدّى الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم، ولا سيما أحرار الإفرنج، بأن يأتونا بمثلها أو بما يقرب منها من تاريخ الأنبياء، وأشهر الحكماء، وأبلغ الأدباء، وأنبغ ساسة الأولين والآخرين مع صرف النظر عن كونه ﷺ كان- كما بينا أولا وآخرا- أميا، وجاء بذلك كله بعد استكمال السن التى صرح علماؤهم بأن الإنسان يستحيل أن يبتدئ فيها علما أو فنا، أو يسن فيها شرعا أو يضع قانونا، أو أن ينهض فى العالم بانقلاب عظيم أو عمل خطير، مما لم يكن قد ظهر استعداده له وأخذ بمقدماته فى ريعان الصبا، وشرخ الشباب، وقد بينا الفرق العظيم بينه وبين موسى وعيسى أعظم
أنبياء بنى إسرائيل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
نتحداهم بهذا القرآن تحديا علميا إصلاحيا سياسيا فى أرقى عهد للبشر فى العلم الكسبى، مع صرف النظر عما كان من تحدى سلفنا بإعجاز عبارته وأسلوبها وبلاغتها العربية فى أرقى عصورها، ونتحداهم به تحديا عمليا من حيث إن تنفيذ محمد ﷺ لإصلاحه فى تأثيره وسرعته وعمومه من أكبر المعجزات التى تفوق استعداد البشر، فكيف وقد اجتمع العلم والعمل.
وبيانه أن العلم مما يصلح به حال البشر فى أفرادهم وجماعاتهم وشعوبهم علم واسع يقل فى الأذكياء من يتقن المدون منه فى الكتب الذى يلقن فى المدارس، ثم يقل من يستطيع تنفيذ ما يتعلمه منه فى أمة يتولى أمر سياستها وإدارة الأحكام فيها، فهل فى الإمكان أن يوجد إنسان يضع هذا العلم ذا الشّعب الكثيرة، بل العلوم العالية، ثم يكون هو الذى يتولى تنفيذها وإصلاح أمة كبيرة بها، ويتم له النجاح فى ذلك بنفسه فى عصره؟.
إن هذا ليس فى استطاعة أحد من البشر، ولم يقع من أحد منهم فيما غير، وأصول هذا الإصلاح وفروعه محفوظة إلى اليوم وقد فسد أكثر البشر لتركهم الاهتداء بها!!
стр. 248
وأما تنفيذ محمد ﷺ لهذه التعاليم فقد تم فى عشر سنين من تاريخ الهجرة الذى كان بدء حياة الحرية له ولمن آمن به، وقد ظل قبلها يدعو إلى أصولها المجملة عشر سنين أولا بالسر، ثم بالجهر مع احتمال الاضطهاد والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل والنفى الذى اضطر المؤمنين إلى هجرة بعد هجرة، وبعد الهجرة بالتبع له ﷺ صار لهم قوة فكان المشركون يعتدون عليهم ويقاتلون فى دار هجرتهم فكانوا فى حالة الحرب وقتال مع المشركين كافة، وكذا أهل الكتاب المجاورين له، وكان ﷺ عقد لليهود معاهدة بتأمينهم على دينهم وأنفسهم وأموالهم بشرط ألا يظاهروا المشركين عليه، فنقضوا عهده المرة بعد المرة، وظاهروهم بل أغروهم بقتاله، فاضطر إلى قتالهم وإجلائهم من جواره فى الحجاز، وظل المسلمون فى نضال مع المشركين مدة ست سنين، مدافعين عن أنفسهم فى كل قتال دفاع الضعيف- المؤيد من الله- للأقوياء المخذولين، وفى أواخر السنة السادسة عقد معاهدة الحديبية مع المشركين على وضع القتال عشر سنين، ثم غدر المشركون ونقضوا العهد، فعادت حالة الحرب، وفتح المسلمون مكة عاصمة قريش الدينية والدنيوية، ومثابة جميع الأمة العربية، فى سنة ثمان من الهجرة، وحج النبى ﷺ حجة الوداع فى آخر سنة عشر، وأنزل الله تعالى عليه فى يوم عرفة منها: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣].
ففي عشر سنين تم توحيد الأمة العربية التى كانت أعرق أمم الأرض فى الشقاق والتفرق والعداء، وإنما كان ذلك بتأثير كتاب الله وتأييده لرسوله كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٢، ٦٣]، وبما أعدّه الله تعالى له من إتمام مكارم الأخلاق، وما وفقه وأرشده إليه من حسن السياسة المبنية فى قوله تعالى:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، وذلك أن العرب كانت أعصى خلق الله على الخضوع والطاعة والانقياد، لعراقتهم فى الحرية وشدّة بأسهم وعدم ابتلائهم بالملوك المستبدين القاهرين، والرؤساء الروحيين المسيطرين الذين يذللون الأمم ويخضعونها لكل ذى سلطان قوى.
فليدلنا علماء التاريخ العام على نبى من الأنبياء أو حكيم من الحكماء، أو ملك من
стр. 249
الملوك الفاتحين والمشرعين، ربّى أمة من الأمم فى عشر سنين أو عشرين، فجعلها أهلا لفتح الأمصار، والسيادة على الأمم الحضرية، وسياستها بالعدل والرحمة، وتحويلها عن أديانها ولغاتها بالإقناع وحسن القدوة، ولا نشترط أن تكون هذه الأمة التى علمها وهذبها ووحدها رجل واحد كالأمة العربية فى عتوها ولا أن يكون هذا الرجل أميّا كمحمد ﷺ .
فأين الوحدة الجرمانية والوحدة الطليانية فى عصر العلوم والفنون والفلسفة والحضارة والقوانين ونظم الاجتماع والحرب، من الوحدة العربية المحمدية فى عهد الأمية والجاهلية؟
بل أين الوحدة الإسرائيلية، فى عهد الآيات والعجائب الكونية من الوحدة العربية الخاصة، ثم الوحدة الإسلامية العامة فى عهد آيات القرآن وعلومه الإلهية؟.
ثم نفّذ ذلك التشريع الأعلى، والهداية المثلى، خلفاء محمد الراشدون، وكثير من ملوك المسلمين الصالحين، بما شهد لهم به تاريخهم، واعترف لهم به المؤرخون المنصفون من الإفرنج وغيرهم، بالجمع بهما بين العدل والرحمة، وبأنهم جدّدوا بهما الحضارة الإنسانية ورقوها، وأحيوا العلوم والفنون الميتة وهذّبوها واستثمروها، وكانوا أساتذة العالم فيها.
ثم كان من قوة هذا الدين فى الحق والفضائل أن عادته جميع أمم الإفرنج وحاربته بجميع قواتها الصليبية- الهمجية منها والمدنية- ثم بعلومها وفنونها ونظمها المدهشة، ولا تزال تحاربه وتبذل الملايين من الدنانير لتحويل أهله عنه، بعد زوال قوة دوله، وغلبة الجهل على شعوبه، بجميع أساليب الدعوة المسماة بالتبشير، وبجميع وسائل القوة والنظام، وبمساعدة الملحدين فيه كالقاديانية، وتقترف دولهم وجمعياتهم الدينية فى ذلك من رذائل الظلم والبغى والكذب ما يتبرأ من مثله شرار المجرمين، ولم يستطيعوا له هدما، ولا أن ينصروا مسلما واحدا عرف الإسلام «١».
قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
[التوبة: ٣٢، ٣٣].
стр. 250
نتيجة التحدى بالوحى المحمدى: دعوة شعوب المدنية: أوروبا وأمريكا واليابان، بلسان علمائها إلى الإسلام لإصلاح فساد البشر المادى وتمتيعه بالسلام، والإخاء الإنسانى العام
إذا عجز حكماء هذا العصر والحياة والاجتماع والأخلاق والمؤرخون من أحرار الإفرنج وغيرهم عن إخبارنا بوجود رجل مثل محمد ﷺ فيما علم من تاريخه المعروف والمشهور بمثل هذا القرآن فى خصائصه، ولا سيما التعاليم التى لخصنا كلياتها فى هذا الكتاب، وقدر أن ينفذها ويربى بها أمة كالأمة العربية حتى كان لها بها من الأثر الدينى والمدنى فى العالم مثل أثرها- وأنهم لعاجزون عن ذلك قطعا- أفلا يكون عجزهم هذا برهانا على أن دين محمد، وكتاب محمد، وهدى محمد، وتربية محمد للأمة العربية، بما قلب به نظام العالم الإنسانى كلها، وحولها إلى ما هو خير منها- كل أولئك من خوارق العادات، وما لا يقبل المرء الظاهر من المعجزات؟ بلى.
وإذا كان حقا واقعا ما له من دافع، فما المانع من عدّ هذه التعاليم وحيا من رب العالمين، العليم الحكيم؟ وما معنى كونها وحيا إلا أنها علم أفاضه الله تعالى على روح محمد وقلبه، بطريقة خفية غير طرق العلم الكسبية المعروفة للبشر عامة، وفوق الإلهامات النفسية القليلة التى تؤثر عن بعض الخاصة؟ وما معنى كونها معجزة إلا أنها جاءت على غير المعهود فى علم البشر الكسبى والنفسى، وخلاف المقرر فى علم النفس والفلسفة العقلية وسنن الاجتماع، وتواريخ الأمم، وسير الحكماء والعلماء والملوك، وفوق المعروف عن الأنبياء أيضا، وإن كانت من جنسها، فالأنبياء قد أنبئوا ببعض الغيوب الحاضرة فى عصرهم والعصور التى أتت بعدهم- وأنبأ محمد ﷺ بما هو أصرح منها وأظهر وأكثر، وبغيوب سابقة كانت قبل نبوته بقرون، ولكن لم يجئ أحد منهم بمثل ما تقدم إجماله فى المقاصد العشرة العالية من العلم والحكمة والتشريع.
قد بينّا لكم أيّها العلماء الأحرار، بطلان ما اخترعته عقول المنكرين لنبوة محمد ﷺ من العلل والآراء، لجعل ما جاء به من العلم الإلهى الأعلى، والتشريع المدنى الأسمى، والحكمة الأدبية المثلى، نابعا من استعداده الشخصى، وما اقتبسه فى بيئته وأسفاره من أقوال بعض الأعراب، وهى شوارد ما كان يعنى مثله بحفظها، وآراء أهل الكتاب، وهى أوابد ما كان يثق بها فيحفل بقيدها، ولا كان هذا من شأنه، وعلمتم أن بعض ما قالوه افتراء على
стр. 251
التاريخ، وأن ما قد يصح منه عقيم لا ينتج ما ادعوه، وعلمتم أنه فى جملته مخالف للعلم والفلسفة وطباع البشر وسنن الاجتماع ووقائع التاريخ.
ونحن نتحداكم الآن بالإتيان بعلل أخرى لما عرضناه على أنظاركم من وحى الله تعالى وكتابه لمحمد ﷺ مع القطعى من تاريخه- علل يقبلها ميزان العقل المسمى بعلم المنطق، وسنن الإنسان، وعلم الاجتماع.
فإن لم تستطيعوا- ولن تستطيعوا- أن تأتونا بعلل تقبلها العقول، وتؤيدها النقول فالواجب عليكم أن تؤمنوا بنبوّة محمد ﷺ ورسالته، وبكتابه المنزل عليه من عند الله تعالى لإصلاح البشر، وأن تتولوا الدعوة إلى هذا الإيمان، ومعالجة أدواء الاجتماع الحاضرة به، بعد أن عجزت علومكم الواسعة، وفلسفتكم الدقيقة أن توقف عدوى فساد الإباحة وعبادة الشهوات وفوضى الأفكار فى الأمم، وعجزت عن منع دول حضارتكم أن تنفق معظم أموالها المنتزعة من شعوبها ومستعمراتها فى الاستعداد لحرب البغى والعدوان المدمرة، وتأريث العدوات بين شعوب الأرض كافة، بل زادوا شعوبهم عداوة وشنآنا وبغيا وعدوانا، بما هو شر مما عليه قبائل الهمج وسباع الوحش والطير والسمك؛ فقد كان غاية شوط هذه العلوم الواسعة عند هذه الدول أعظم نكبة على البشر، فإن أبيتم وتوليتم أيها العلماء عن دعوة الإسلام إلى السلام، فعليكم إثم شعوبكم ودولكم وسائر الناس.
لقد كتب النبى ﷺ لكل ملك وزعيم دعاة إلى الإسلام: «فإن تولّيت فعليك إثم من ولّيت أمرهم».
ونقول لكم اليوم: فإن توليتم فعليكم إثم البشر كلهم، لأنكم إذا أظهرتم الإيمان وتواطأتم على نشر الدعوة إليه، لا تلبث جميع الشعوب أن تستجيب لكم، وترغم حكوماتها على الأخوة الإنسانية والسلام، بهداية الإسلام.
стр. 252
علوم البشر لا تستقل بهدايتهم لأنهم لا يدينون إلا لوحى ربهم
ألا إنه قد ثبت بالحس والعيان، أن العلم البشرى وحده لا يصلح أنفس الناس؛ لأنهم لا يخالفون أهواءهم وشهواتهم الشخصية والقومية إلى اتباع آراء أفراد منهم، وإنما يدينون بوازع الفطرة لما هو فوق معارفهم البشرية، وهو ما يأتيهم من ربهم، ولا يوجد فى الأرض دين عام كامل صحيح ثابت إلا دين الإسلام، وقد بينا لكم أصول تشريعه الروحى والسياسى والاجتماعى الصالح لكل زمان ومكان، وأنه دين السلام والحق والعدل والمساواة التى تعطى كل شعب وكل فرد حقه، فبه وحده يمكن البرء من الأدواء المالية والسياسية والحربية والاجتماعية كلها، فاليهوديّة دين مؤقت خاص غير عام وانتهى زمانها، والمسيحية إصلاح روحى لليهودية ليس فيها تشريع، ولا تصلح وصاياها الزهدية التواضعية لحضارة هذا العصر، وإنما كانت موقوتة لإصلاح غلو اليهود والروم فى الطمع الدنيوى والشهوات كما تقدم.
والبرهمية والبوذية والمجوسية على ما تعلمون فيهن من وثنية وخصوصية، وخرافات وعداوات، وتفاوت طبقات يدينون الله بجعل بعض من كرمهم من البشر أخساء
بالفطرة كالحشرات، أو رجسا من عمل الشيطان، فلا يصلح شىء منها لتثقيفهم بالتوحيد والعرفان، والإخاء الإنسانى العام، فإذن لا ملجأ ولا وزر، والمتحد للبشر، إلا دين الإسلام قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [آل عمران: ١٩]، فلئن اهتدت به أمة قوية منظمة لتصلحن به سائر الأمم، ولتكون لها السيادة العليا فى جميع الأرض، وليدخلن العالم الإنسانى فى طور جديد من الترقى الجامع بين منافع القوى المادية، والمعارف الروحية، وهما منتهى السعادة الإنسانية.
الرجاء فى العلماء المستقلين دون السياسيين:
بلغنا أنه دعا بعض العلماء منكم إلى عقد مؤتمر من كبار علماء الشعوب كلها للبحث فى الوسائل التى يمكن أن تقى حضارة العصر من غوائل الشحناء القومية والدولية، ولئن
стр. 253
عقد هذا المؤتمر فلن يكون أمثل ولا أرجى من هذه المؤتمرات التى تعقدها الدول فى جامعة الأمم وعواصم السياسة، وهى لم تزد الأدواء القومية إلا إعضالا، والأخطار الدولية إلا تفاقما، والشعوب التى تتصرف بثروة العالم إلا فقرا، وإنما الدواء الواقى المضمون بين أيديهم وهم لا يبصرون، وحجته البينة تناديهم ولكنهم لا يسمعون، قال الله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣].
وأما أنتم أيّها العلماء المستقلو العقول والأفكار، فالمرجو منكم أن تسمعوا وتبصروا، وأن تعلموا فتعلموا، فإن كانت دعوة القرآن لم تبلغكم حقيقتها الكافلة لإصلاح البشر، على الوجه الصحيح الذى يحركك النظر، بما ضرب دونه من الحجب أو لأنكم لم تبحثوا عنها بالإخلاص مع التجرد من التقاليد المسلمة عندكم والأهواء، ولأنّ الإسلام ليس له زعامة ولا جماعات تثبت دعوته، ولا دولة تقيم أحكامه وتنفذ حضارته، بل صار المسلمون فى جملتهم حجة على الإسلام وحجابا دون نوره، إلى غير ذلك من الحجب والأسباب، التى بينتها فى مقدمة هذا الكتاب فأرجو أن يكون هذا الكتاب كافيا فى بلوغ الدعوة إليكم بشرطها المناسب لحال هذا العصر، فإن ظهر لكم بها الحقّ فذلك ما نبغى ونرجو لخير الإنسانية كلها، وإن عرضت لكم شبهة فيها، فالمرجو من حبّكم للعلم، وحرصكم على استبانة الحق، أن تشرحوها لنا لنعرض عليكم جوابنا عنها، والحقيقة بنت البحث كما تعلمون.
ولا أراكم تعدون من الشبهات الصادرة عن الإسلام (بعد أن ثبتت أصوله بما ذكرنا) أن فيه أخبارا عن عالم الغيب الذى وراء المادة لا دليل عليها عندكم، فإنما مصدر الدين عالم الغيب، ولو كان مما يعلمه البشر بكسبهم، ويدينون به لما كانوا فى حاجة إلى تلقيه من الوحى، وقد بينّا أنّ تعاليم القرآن قد أثبتت أنه وحى من عالم الغيب، وقامت برهانا على وجود الله علمه وحكمته، فوجب أن تؤخذ أخباره بالتسليم، وحسبكم أنه ليس فيه منها ما يقوم البرهان على استحالته، وإنّ منها ما كان يعدّ من وراء إدراك العقل، ثم كان من ثمرات العلم أن أثبت وجود مثله بالفعل، كتخاطب أهل الجنة وأهل النار وترائيهم وهم فيهما على ما بينهما من البعد، ولا تكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٦].
стр. 254
معجزات القرآن الطبيعية والفلكية:
وأما أخبار القرآن عن عالم الغيب المادى من تكوين وتاريخ، فمن معجزاته الإيجابية أنه جاء فيه كثير من التعبيرات التى كشف العلم والتاريخ فى القرون الأخيرة من معانيها ما لم يخطر فى بال أحد من أهل العصر الذى نزل فيه. ومن معجزاته السلبية: أنه لم يثبت على توالى القرون بعد نزوله شىء قطعى شيئا من أخباره القطعية، على أن تكون أخباره هذه إنما جاءت لأجل الموعظة والعبرة والتهذيب، ويكفى فى مثل هذا أن تكون الأخبار على المألوف عند الناس، ولا ينتقد عليها إذا لم تشرح الحقائق الفنية والوقائع التاريخية لأنها ليست مما يبعث الرسل لبيانه، ومنها ما لا يمكن الوقوف عليه إلا بالتعمق فى العلم أو الاستعانة بالآلات التى لم تكن معروفة عند المخاطبين الأولين بالوحى، بل لا يصح أن يأتى فيها ما يجزمون بإنكاره بحسب حالتهم العلمية لئلا يكون فتنة لهم، وقد قال نبى الإنسانية العام:
«أنتم أعلم بأمور دنياكم»، رواه مسلم فى صحيحه.
ومن دقائق تعبير القرآن فى النوع الأول (التكوين) التى اختلف فى فهمها الناس أن مادة الخلق «دخان» وهو عين ما يسمى السديم، وأنّ السّماوات والأرض كانتا رتقا (أى مادة واحدة متصلة) ففتقهما الله وجعل كلا منهما خلقا مستقلا، وبث فيهما أنواع الدواب، ولم يكن أحد يعتقد أو يتصور أن فى شىء من هذه الأجرام السماوية حيوانا، وأنه جعل من الماء كل شىء حى، وأنه خلق جميع الأحياء النباتية والحيوانية أزواجا، فجعل فى كل منهما ذكرا وأنثى، وأنه جعل كل نبات موزونا، يعنى أن عناصره متوازنة على نسب مقدرة، وأنه أرسل الرياح لواقح، وأنه يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ والتكوير هو اللف على الجسم المستدير، وهو صريح فى كروية الأرض ودورانها اللذين كانا موضوع الجدال والنضال بين العلماء إلى عهد قريب بعد الإسلام، وأمثال هذا فيه كثير حتى إن بعض آياته فى الشمس والقمر والنجوم وسبحها فى أفلاكها وجريانها إلى أجل مسمى، وفى تناثر الكواكب عند خراب العالم لا تفهم فهما صحيحا إلا فى ضوء علم الفلك الحديث.
وأعجب منه إثباته أنّ للخلق سننا لا تتبدل وبيانه لكثير منها، ومن سنن الاجتماع التى لم يهتد البشر إليها بالبحث العلمى إلا بعد بيان القرآن لها بقرون، ولم أوردها فى هذا البحث، لأنها قد يقال إنها مما يعرف بالعقل، وليس من موضوع الوحى. وسأفصلها فى الجزء الثانى المتمم لهذا الكتاب.
стр. 255
واختم دعوتى هذه بتلاوة قول الله فى آخر سورة فصلت: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤).
اللهم إنى قد بلغت، اللهم إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، اللهم أشهد فأنت خير الشاهدين، والحمد لله رب العالمين.
*****
стр. 256
فهرس الموضوعات
الموضوع الصفحة على سبيل التقديم ٣
مقدمة الطبعة الأولى ٧
فاتحة الطبعة الثانية ١٧
الفصل الأول: تعريف الوحى لغة وشرعا ٢٥ النبى ٢٨
حاجة البشر إلى الرسالة ٢٩
عصمة الأنبياء ٣١
العقل والعلم البشرى ٣٤
الفصل الثانى: فى إقامة الحجّة على مثبتى الوحى المطلق ٣٧ تعريف الوحى والنبوّة والأنبياء عند النصارى ٣٩
بعض ما يرد على نبوتهم ٤٠
امتياز نبوة محمّد على نبوة من قبله ٤٣
صد الكنيسة عن الإسلام ٤٥
الآيات والعجائب ٤٧
العجائب وما للمسيح منها ٤٩
آية نبوة محمّد العقلية العلمية ٥٣
تأثير العجائب فى الأفراد والأمم ٥٤
ثبوت نبوة محمّد بنفسها وإثباتها لغيرها ٥٥
درس علماء الإفرنج للسيرة المحمدية ٥٧
الفصل الثالث: فى شبهة منكرى عالم الغيب على الوحى الإلهى ٥٩ شبهة على الوحى ٦٠
جواب المنار ٦١
стр. 257
تفصيل الشبهة ودحضها بالحجة ٦٤
المقدمة الأولى: لشبهة الوحى النفسى ٦٥
المقدمة الثانية: دعوى الأخذ عن ورقة بن نوفل ٦٥
المقدمة الثالثة: دعوى انتشار اليهودية والنصرانية ٦٦
المقدمة الرابعة: حديث إسلام سلمان الفارسى ٦٧
المقدمة الخامسة: رحلتا الشتاء والصيف لتجار قريش ٦٧
المقدمة السادسة: ما قيل من وجود يهود ونصارى بمكة ٦٨
المقدمة السابعة: ما زعمه من سبب نشوء محمد ﷺ أميا ٦٨
المقدمة الثامنة: تصوير مجامع قريش بمكة ٦٩
المقدمة التاسعة: موت أبناء محمد ٧٠
المقدمة العاشرة: ضعف الوثنية فى العرب ٧٢
نتيجة تلك المقدمات العشر ٧٣
باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ ٧٧
بسط ما يصورون به الوحى النفسى لمحمد ﷺ ٨١
تفنيد تصورهم للوحى النفسى ٨٣
القول الحق فى استعداد محمد ﷺ للنبوة والوحى ٨٩
الأمثال النورانية لفطرة محمد ﷺ وروحه ٩٢
آية الله الكبرى القرآن العظيم ٩٤
الفصل الرابع: فى إعجاز القرآن بأسلوبه وبلاغته ٩٩ الثورة والانقلاب الذى أحدثه القرآن ١٠٢
اعتبار الموازنة بين تأثير القرآن فى العرب والتوراة فى بنى إسرائيل ١٠٤
فعل القرآن فى أنفس الأمة العربية ١٠٩
فعل القرآن فى أنفس مشركى العرب ١١١
فعل القرآن فى أنفس المؤمنين ١١٥
الفصل الخامس: فى مقاصد القرآن فى تربية نوع الإنسان ١١٩ المقصد الأول من مقاصد القرآن ١٢١
الركن الأول للدين: الإيمان بالله تعالى ١٢١
الركن الثانى للدين: عقيدة البعث والجزاء ١٢٦
стр. 258
البعث الإنسانى جسمانى روحانى ١٢٩
الركن الثالث للدين: العمل الصالح ١٣٢
سنة القرآن فى تهذيب الأخلاق ١٣٥
سنة القرآن فى الإرشاد إلى العبادات ١٣٨
ترجيح فضائل القرآن على الإنجيل ١٣٩
شبهة فلسفية على عمل الخير لمرضاة الله تعالى ١٤١
المقصد الثانى من مقاصد القرآن ١٤٣
بحث فى الآيات الكونية التى أيد الله بها رسله ١٤٩
الخوارق الحقيقية والصورية عن الأمم ١٥٢
الفرق بين المعجزة والكرامة ١٥٤
الكافرون بالآيات ١٥٧
علاج خرافة تصرف الأولياء فى الكون ١٥٨
المنكرون للمعجزات ١٥٩
عبادة بعض الناس للمسيح ١٦٤
ختم النبوة وانقطاع الخوارق بها ١٦٦
لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء إلا بالقرآن ١٦٧
الإيمان بالقدر والسنن العامة ١٦٩
المقصد الثالث من مقاصد القرآن: إكمال نفس الإنسان ١٧٣
الحكمة والفقه ١٨٠
دحض شبهة وإقامة حجة ١٨٤
المقصد الرابع من مقاصد القرآن: الإصلاح الإنسانى ١٨٧
المقصد الخامس من مقاصد القرآن ١٩٤
المقصد السادس من مقاصد القرآن ١٩٩
أصول التشريع فى الإسلام ٢٠٢
قواعد الاجتهاد من النصوص ٢٠٣
العدل والمساواة فى الإسلام ٢٠٣
حظر الظلم فى الإسلام ٢٠٦
قواعد مراعاة الفضائل فى الأحكام والمعاملات ٢٠٧
стр. 259
المقصد السابع من مقاصد القرآن ٢٠٩
القطب الأول: القاعدة العامة فى المال ٢٠٩
القطب الثانى: ذم طغيان المال ٢١٢
القطب الثالث: ذم البخل بالمال ٢١٣
القطب الرابع: مدح المال والغنى ٢١٤
القطب الخامس: ما أوجب الله من حفظ المال ٢١٧
القطب السادس: إنفاق المال فى سبيل الله ٢١٩
القطب السابع: فى الحقوق المفروضة والمندوبة فى المال ٢٢١
المقصد الثامن: من مقاصد القرآن ٢٢٤
أهم قواعد الحرب والسلام: القاعدة الأولى ٢٢٦
القاعدة الثانية: فى الغرض من الحروب ٢٢٧
القاعدة الثالثة: إيثار السلم على الحرب ٢٢٩
القاعدة الرابعة: الاستعداد التام للحرب ٢٢٩
القاعدة الخامسة: الرحمة فى الحرب ٢٣٠
القاعدة السادسة: الوفاء بالمعاهدات ٢٣٠
القاعدة السابعة: الجزية ٢٣١
المقصد التاسع من مقاصد القرآن ٢٣٤
المقصد العاشر من مقاصد القرآن ٢٤٠
هداية الإسلام فى تحرير الرقيق وأحكامه (الطريقة الأولى) ٢٤٢
(الطريقة الثانية) ما شرعه لتحرير الرقيق ٢٤٥
علاوة فى عتق غير المسلم ٢٤٩
الوصية بالمماليك ٢٥٠
خلاصة البحث: فى تحرير الدلالة على إثبات الوحى ٢٥٢
الخاتمة: فى التجديد التحدى بتعاليم الوحى المحمدى ٢٥٥
نتيجة التحدى بالوحى المحمدى ٢٥٨
علوم البشر لا تستقل بهدايتهم ٢٦٠
الفهرست ٢٦٥