← Общие книги

Общие книги · id 8642

الوحي المحمدي

محمد رشيد رضا

Полный текст (259 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فى الأصول أن العبرة بدلالة العموم. لا يقيد بخصوص سبب النزول. وقال فى النفقات العامة: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣]، و (من) للتبعيض، فكل من الغنى ذى السعة، والفقير ذى العسرة، مأمور بأن ينفق مما آتاه الله لا كل ما آتاه الله، وهذا أعظم الأصول الاقتصاد، فمن أنفق بعض ما يكتسب قلما يفتقر. وتقدم فى وصايا سورة الإسراء الحكيمة ذكر آيات النهى عن التبذير والمبالغة فى بسط اليد والمبالغة فى قبضها، وما لكل منهما من سوء العاقبة، قال الله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً [الإسراء: ٢٦]. ولولا اقتران تلك الوصايا بحكمها وعللها ومنافعها لما سمّيت حكمة، ألا ترى أنه قال عقب النهى عن التبذير: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [الإسراء: ٢٧]، لأنهم يفسدون نظام المعيشة بإسرافهم، ويكفرون النعمة بعدم حفظها ووضعها فى مواضعها بالاعتدال، ولذلك قال عقبه: وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء: ٢٧]، ثم قال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء: ٢٩] فعلل الإسراف فى الإنفاق بأن عاقبة فاعله أن يكون ملوما من الناس ومحسورا فى نفسه، والمحسور من حسر عنه ستره فانكشف منه المغطى، ويطلق على من انحسرت قوته وانكشفت عن عجزه، والمحسور المغموم أيضا، وكل هذه المعانى تصح فى وصف المسرف فى النفقة، يوقعه إسرافه فى العدم والفقر إلخ، وحسير البصر كليله وقصيره. ويكنى به عمن لا يفكر فى عواقب الأمور. ولو أنّ المسلمين تدبروا هذه الآيات الحكيمة فى الاقتصاد واهتدوا بها لاستغنوا بإرشادها عن جميع الكتب والوصايا فى حفظ ثرواتهم، ولندر أن يوجد فيهم فقير. ولو كان هذا القرآن نابعا من غريزة محمد ﷺ ورأيه وشعوره لما وجدتها فيه، فقد كان حب البذل والإحسان هو الغالب على طبعه، وصاحب هذه الخليقة قلما يفكر فى الاقتصاد. وإنما هى وصايا رب العباد.

стр. 212

القطب السادس: (إنفاق المال فى سبيل الله) آية الإيمان والوسيلة لحياة الأمة وعزة الدولة وسعادة الإنسان هذا هو القطب التهذيبى الأعظم من أقطاب الآيات المنزلة فى المال وأكثرها فيه، وما ذكر قبله فهو وسائل له، وما يذكر بعده فهو بيان للعمل به، وأظهر الشواهد فيه أن الله تعالى جعله هو الفصل بين الإسلام الصحيح المقترن بالإذعان، المبنى على أساس الإيمان، وجعل دعوى الإيمان بدون شهادته باطلة، وإن كانت دعوى الإسلام تقبل مطلقا؛ لأن أحكامه العملية تبنى على الظواهر، والله تعالى هو الذى يحاسب على السرائر، وعليها مدار الجزاء فى اليوم الآخر، فالإسلام عمل قد يكون صوريا غير صادر عن إخلاص وإذعان، والإيمان يقين قلبى يستلزم أعمال الإسلام، ولكن الإسلام الصورى الصادر عن استحسان لا عن نفاق، يكون أقرب الوسائل إلى يقين الإيمان، والأصل فى هذه المسألة قول الله : قالَتِ الْأَعْرابُ «١» آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٤، ١٥]، فقدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس فى تحقيق صحة الإيمان وصدق مدعيه، وقوله: لا يَلِتْكُمْ معناه لا ينقصكم. ويلى هذا الشاهد آية البر الناطقة بأن بذل المال على حبه بالاختيار، أول آيات الإيمان ويليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التى يجيبها إمام المسلمين وسلطانهم بالإلزام، ويليهما سائر أمهات الفضائل ومعالى الأخلاق، وهى قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧] وفى قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ قولان:

стр. 213

(أحدهما): أعطى المال وبذله على حبه إياه كقوله: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]. (والثانى): أن الضمير فى حبه لله تعالى كقوله: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان: ٨]، أى حب الله تعالى. وتجد بيان الذروة العليا من تفضيل حب الله ورسوله على المال وغيره من متاع الدنيا فى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٢٤]. ومن الآيات فى تفضيل المؤمنين المنفقين على غيرهم وتفاوتهم فى ذلك قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [النساء: ٩٥]. وقال الله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [الحديد: ١٠]. وقد ذكر إنفاق المال فى وجوه البر والخير من أمر ونهى ووصف فى عشرات من آيات الذكر الحكيم. وكذلك الصدقة وما تصرف منها من فعل ووصف، وكذلك الزكاة وأبلغ من ذلك التعبير عن التصدق والإنفاق بإقراض الله تعالى ووعد مقرضه بالمضاعفة له فى مثل قوله تعالى فى سورة البقرة الآية (٢)، وسورة الحديد الآية (١١)، وسورة التغابن الآية (١٧). ومن الآيات البليغة فى الترغيب فيه ومضاعفة ثوابه. وبيان آدابه: عشرون آية من أواخر سورة البقرة. هى من أواخر ما نزل من القرآن يتخللها الوعيد الشديد على أكل الربا، فرجعها من الآيات ٢٦١ إلى ٢٨١] مع تفسيرها من الجزء الثالث- تفسير المنار «١». ومن البلاء المبين أن نرى الشعوب الإسلامية فى هذه القرون الأخيرة قد قصرت عن جميع الشعوب القوية فى بذل المال للجهاد فى سبيل الله الذى يحفظ استقلالهم ويعتز به ملكهم، وتعلو به كلمة الله تعالى فيهم، ثم فى غيرهم، وفى طرق البر التى ترتقى بها

стр. 214

أمتهم، وتكون حجّة على سائر الأمم فى تفضيل دينهم على سائر الأديان، وحاجة الأمم إليه لإنقاذ الحضارة من جشع عباد المال، واستذلالهم للملايين من البشر به، وما أفضى إليه من فوضى الشيوعية الدينية والأدبية المشار إليهما فيما يلى: القطب السابع: فى الحقوق المفروضة والمندوبة فى المال والإصلاح المالى فى الإسلام قد عقدت لتفسير قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: ١٠٣] فصلا فى فوائد الزكاة المفروضة والصدقات والإصلاح المالى للبشر وامتياز الإسلام بذلك على جميع الأديان. بينت فيه مكانة المال من حياة الناس، وما له من التأثير فى الثورات والحروب والسياسة والعمران، وغلو بعض الجماعات فى جمعه وادخاره وأنظمته واستغلاله، واستعباد الألوف وألوف الألوف من البشر به، ويدعون فى عرف هذا العصر بالرأسماليين، وقيام جماعات أخرى بالدعوى إلى إبطال النظام الدولى العام فى المال، ووضع نظام آخر لاشتراك جميع الناس فيه ويلقبون بالبلشفيين والشيوعيين، وما بين هذين الفريقين من الجماعات ومن التعادى والخصام. ثم بيّنت أنّ هذه الفتن وما تنذر العالم به من الخراب والدمار لا علاج لها إلا اتباع هداية الإسلام فى الإصلاح المالى، ولخصت أصول هذا الإصلاح فى أربعة عشر أصلا هى: ١ - إقرار الملكية الشخصية وتحريم أكل أموال الناس بالباطل. ٢ - تحريم الربا والقمار. ٣ - منع جعل المال دولة بين الأغنياء. ٤ - الحجر على السفهاء فى أموالهم حتى لا يضيعوها فيما يضرّهم ويضرّ أمتهم. ٥ - فرض الزكاة فى أول الإسلام وجعلها اشتراكية مطلقة باعثها الوجدان لا إكراه الحكام، وإنما تكون كذلك حيث لا حكومة ولا دولة للإسلام. ٦ - نسخها بعد وجود الدولة والحكومة بالزكاة المحدودة بربع العشر فى النقدين والتجارة فى كل عام ما دام النصاب تاما، وبالعشر ونصف العشر فى غلات الزراعة التى عليها مدار الأقوات أو مطلقا، وزكاة الأنعام المعروفة، وفاتنى هنالك ذكر الخمس فى الركاز، وهو ما ينبش من المال المكنوز القديم والمعدن. ٧ - فرض نفقة الزوجية والقرابة.

стр. 215

٨ - إيجاب كفاية المضطر من كل جنس ودين وضيافة الغرباء. ٩ - بذل المال فى كفارات بعض الذنوب. ١٠ - ندب صدقات التطوع للمحتاجين. ١١ - ذم الإسراف والتبذير، والبخل والتقتير. ١٢ - إباحة الزينة والطيبات من الرزق بشرطهما، لتوقف ترقى الصناعة والحضارة عليها. ١٣ - مدح القصد والاعتدال بل إيجابه. ١٤ - تفضيل الغنى الشاكر على الفقير الصابر اهـ. باختصار. وكنت قد شرحت قبله مصارف الزكاة فى تفسير آيتها: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: ٦٠]. ثم عقدت فصلا آخر فى خلاصة السورة «وهى سورة التوبة» المشتملة على هذه الآيات فى أحكام الأموال فى الإسلام يدخل فى ثلاثة أقسام: ١ - المسائل الدينية والاجتماعية فى الأموال. ٢ - أنواع الأموال ومصارفها. ٣ - فوائد إصلاح الإسلام المالى للبشر. فالرجوع إلى هذه المباحث فى ذلك من التفسير يغنينا عن إعادتها هنا. وخلاصة القول فى هذه القواعد العلمية فى إصلاح ثروة البشر وجعلها خيرا عاما كما سمّاها الله تعالى فى كتابه، واتقاء شرور التنازع عليها- بالوازع الدينى، والتشريع الدولى- إنها هى التى يصلح بها أمر البشر على اختلاف أحوالهم واستعدادهم، فيكونون سعداء فى دنياهم وفى دينهم، ولن تجد مثلها فى دين من الأديان، ولا شىء من كتب القوانين والحكمة البشرية، وإن البشر لعلى خطر عظيم مما سقطوا فيه من التعادى على المال حتى أعيتهم الحيل، وسبيل النجاة ممهدة معبدة أمامهم وهم لا يبصرونها، وهى الإسلام وهداية القرآن: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: ٢٥١]. وموضوع بحثنا فى هذا المقصد وهو دلائل الوحى المحمدى، أنه لا يعقل أن يكون

стр. 216

محمد النبى الأمى الذى عرفنا خلاصة تاريخه قد اهتدى بوحى من نفسه لنفسه فى العقد السادس من عمره- أى بعد هجرته إلى هذه الحقائق التى قامت وعلت جميع الكتب الإلهية والبشرية والنظم الدولية فى أرقى عصور العلم والحكمة والقوانين، وإنما المعقول عند من يؤمن بأن للعالم ربا حكيما رحيما مدبرا أن يكون هذا بوحى منه أفاضه على خاتم النبيين عند استعداد البشر له. لا يحتاجون بعده إلى وحى آخر.

стр. 217

المقصد الثامن من مقاصد القرآن إصلاح نظام الحرب ودفع مفاسدها وقصرها على ما فيه الخير للبشر نظرة عامة فى فلسفة الحرب والسلم والمعاهدات التنازع بين الأحياء فى مرافق المعيشة ووسائل المال والجاه غريزة من غرائز الحياة، وإفضاء التنازع إلى التعادى بين الجماعات والأقوام سنّة من سنن الاجتماع، أو ضرورة من ضروراته قد تكون وسيلة من وسائل العمران، فإن كان التنازع بين الحق والباطل كان الفلج للحق، وإن كان بين العلم والجهل كان الظفر للعلم، وإن كان بين النظام والاختلال كان النصر للنظام، وإن كان بين الصلاح والفساد كان الغلب للصلاح، كما قال الله تعالى فى الحق والباطل: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الأنبياء: ١٨] وقال الله تعالى فى بيان نتيجة المثل الذى ضربه لهما: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ «١» [الرعد: ١٧] وسبق ذكر هذه الآية كلها. وأما التنازع والتعادى والتقاتل على الشهوات الباطلة، والسلطة الظالمة، واستعباد القوى للضعيف، والاستكبار والعلو فى الأرض، فإن ضرره كبير، وشره مستطير، يزيد ضراوة البشر بسفك الدماء، حتى خيف أن تقضى على هذا العمران العظيم فى وقت قصير، بما استحدثه العلم الواسع من وسائل التخريب والتدمير، كالغازات السامة ومواد الهدم والتحريق تقذفها الطيارات المحلقة فى جو السماء، على المدائن المكتظة بالألوف من الرجال والنساء والأطفال، فتقتلهم فى ساعة واحدة أو ساعات معدودة. وقد حارت الدول الحربيّة فى تلافى هذا الخطر حتى إنّ أشدّهنّ استعدادا للحرب بالأساطيل الهوائية والبحرية وآلات التدمير وكثرة الأموال لأشدهن خوفا على حياة أمتها المستعدة بجميع أنواع القتال، وعمران بلادها المحصنة بأحدث وسائل الوقاية، وترى دهاقين السياسة فى كل منها يتفاوضون مع أقرانهم لوضع نظام لتقرير السلام، ودرء مفاسد الخصام، بمعاهدات يعقدونها، وأيمان يتقاسمونها، ثم ينكثون خائبين، أو ينقضون ما ابرموا متأولين، ويعودون إلى مثله مخادعين.

стр. 218

أعجوبة القرآن فى فساد معاهدات الزمان: وقد بين الله تعالى فى كتابه سبب هذه الخيبة بما وجدنا مصداقه فى هذه الدول الأوروبية بأظهر مما كان فى عرب الجاهلية الذى نزل هذا البيان فى عهدهم، كأنه نزل فى هؤلاء الإفرنج دون غيرهم، وهو من عجائب القرآن لى لفظه ومعناه، وذلك قوله تعالى بعد الأمر بالإيفاء بعهده، والنهى عن نقضه: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ [النحل: ٩٢] والمعنى: لا تكونوا فى نقض عهودكم والعود إلى تجديدها كالمرأة الحمقاء التى تنقض غزلها من بعد قوة إبرامه نقض أنكاث «وهو جمع نكث بالكسر ما نقض ليغزل مرة أخرى» حال كونكم تتخذون عهودكم دخلا بينكم «والدخل التحريك بالفساد والغش الخفى الذى يدخل فى الشيء وما هو منه» لأجل أن تكون أمة أربى وأزيد رجالا، وأكثر ربحا ومالا، وأقوى أسنة ونصالا، من أمة أخرى. والمراد أن معاهدات الصلح والاتفاق بين الأمم يجب أن يقصد بها الإصلاح والعدل والمساواة، فتبنى على الإخلاص دون الدخل والدغل الذى يقصد به أن تكون أمة هى أربى نفعا وأكثر عددا وجمعا من الأمة الأخرى، وهو ما عليه هذه الدول فى جميع معاهداتها ولا سيما المعاهدة الأخيرة بعد الحرب للعامة (معاهدة فرسايل). ولو طلبوا المخرج والسلامة من هذا الحظر لوجدوهما فى دين الإسلام، فهو هو دين الحق والعدل والسلام، وهاك بعض القواعد الحرب والسلم فى القرآن.

стр. 219

أهم قواعد الحرب والسلام فى دين الإسلام، وشواهدها من القرآن قد استنبطنا من آيات سورة ا [الأنفال: ٢٨] قاعدة من القواعد الحربية والعسكرية والسياسية فى القتال والصلح والمعاهدات أجملناها فى الباب السابع من خلاصة تفسير السورة، وأحلنا فى تفصيلها على تفسير الآيات المستنبطة منها، ثم استنبطنا من آيات سورة [التوبة: ١٣] قاعدة حربية أكثرها فى المعاهدات ووجوب الوفاء بها وشرط نبذها، وفى الهدنة وتأمين الحربى للدخول فى دار الإسلام، و ٢٠ حكما من أحكام الحرب والجزية سردناها فى خلاصة تفسير هذه السورة «١» نكتفى هنا ببضع قواعد منهما ومن غيرهما من السور، لأن المقام مقام إيراد الشواهد المجملة على أنواع الإصلاح الإسلامى من القرآن للاستدلال به على أن جملة هذه العلوم لا يعقل أن تكون كلها من آراء محمد النبى الأمى الذى عاش قبل النبوة عيشة العزلة والانفراد، إلا قليلا من رعى الغنم فى الصبا والتجارة فى الشباب، وقد قصرت عن كل نوع منها كتب الأديان الإلهية، وكتب الحكمة والقوانين البشرية، فنقول: القاعدة الأولى: فى الحرب المفروضة على الأعيان ورد الأمر بقتال المعتدين لكف عدوانهم ولما سيأتى من درء المفاسد وتوطيد المصالح مقترنا بالنهى عن قتال الاعتداء والبغى والظلم، والشاهد عليه قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠]، وتعليل النّهى عن قتال الاعتداء بأن الله تعالى لا يحب المعتدين مطلقا دليل على أن هذا النهى محكم غير قابل للنسخ. ومن ثم بينّا فى تفسير هذه الآية من جزء التفسير الثانى أن حروب النبى ﷺ للكفار كانت كلها دفاعا ليس فيها شىء من العدوان، ثم فصلت فى تفسير آية السيف من سورة التوبة: أن قتال مشركى العرب ونبذ عهودهم بعد فتح مكة كان جاريا على هذه القاعدة. مع كون سياسة الإسلام فى العرب غير سياسته فى سائر الأقوام، من حيث إرادة إسلامهم باختيارهم، وإبطال ما كانوا عليه من الشرك غير المقيد بشرع متّبع، وإرادة جعل

стр. 220

جزيرتهم معقلا للإسلام وحده على اتساع سياسته مع غيرهم بإقرارهم على أوطانهم وأديانهم. وبينت فيه أن بعض الصحابة كان قد ثقل عليهم نبذ عهود المشركين المقتضى لقتالهم مع سبقهم لنقض العهد مع النبى ﷺ حتى بيّن الله لهم ذلك بأنهم إنما نقضوا عهده ونكثوا أيمانهم؛ لأنهم لا عهود لهم يلتزمونها بعقيدة وجدانية، ولا نظام متبع، وقال الله تعالى: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [التوبة: ١٣] أى بالقتال ثم بنقض العهد فهم المعتدون «١». وإنما اشتبه على الغافلين الأمر بما كان فى بعض الغزوات والسرايا من بدء المسلمين بها ذاهلين عن حالة الحرب بينهم وبين المشركين باعتداء المشركين الأول واستمراره، فالدفاع لا يشترط أن يكون فى كل معركة وكل حركة. وهذا الذى كان فى آخر أحكام القتال معهم يؤيد ما نزل فى أول الإذن للمسلمين بالقتال وهو قوله تعالى فى [سورة الحج، الآيتان: ٣٩، ٤٠]: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وتتمة الآيات فى القاعدة الثانية. ولما نقضوا العقد الذى عقده النبى ﷺ معهم فى الحديبية فى أواخر سنة ست للهجرة وعزم على فتح مكة سنة ثمان نزلت سورة الممتحنة (٦٠) فى النهى عن ولاية المشركين، وفيها التصريح بأن النهى خاص بالذين قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من وطنهم لأجل دينهم، فهو نهى عن موالاتهم ومودتهم دون البر والعدل إلى كل مشرك. فتأمل الآيات ٧، ٨، ٩ منها. القاعدة الثانية: فى الغرض من الحروب ونتيجتها هى أن تكون الغاية الإيجابية من القتال- بعد دفع الاعتداء والظلم واستتباب الأمن- حماية الأديان كلها من الاضطهاد فيها أو الإكراه عليها، وعبادة المسلمين لله وحده وإعلائهم كلمته، وتأمين دعوته، وتنفيذ شريعته، وهى فى مصلحة البشر كلهم وإسداء الخير إليهم، لا الاستعلاء عليهم والظلم لهم.

стр. 221

والشاهد الأول قوله تعالى بعد ذلك الإذن لهم بالقتال الذى تلوناه آنفا: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠، ٤١]. ذكر فى تعليل إذنه لهم بالقتال المذكور ثلاثة أمور: (أولها): كونهم مظلومين معتدى عليهم فى أنفسهم، ومخرجين نفيا من أوطانهم وأموالهم لأجل دينهم وإيمانهم، وهذا سبب خاص بهم بقسميه الشخصى والوطنى، أو الدينى والدنيوى. وقد جعلنا هذه الغاية للقتال قاعدة مستقلة من قواعد سورة الأنفال معبرين عنها «بحرية الدين ومنع فتون أحد واضطهاده لإرجاعه عن دينه»، واستدللنا عليها بقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الأنفال: ٣٩] وقد كان المشركون يضطهدون المسلمين بكل ما قدروا عليه من الإيذاء والتعذيب لأجل ردهم عن دينهم، وأما المسلمون فلم يفعلوا ذلك فى الصدر الأول، ومن عساه شذ عن ذلك قليلا بعده فقد خالف حكم الإسلام الذى حرم الفتنة والاضطهاد والإكراه فى الدين وشرع فيه الاختيار، بل جعله شرطا لصحته. (ثانيها): أنه لولا إذن الله للناس بمثل هذا الدفاع لهدمت جميع المعابد التى يذكر فيها اسم الله تعالى اتباع الأنبياء كصوامع العباد، وبيع النصارى، وصلوات اليهود «كنائسهم» ومساجد المسلمين. بظلم عباد الأصنام. ومنكرى البعث والجزاء، وهذا سبب دينى عام صريح فى حرية الأديان فى الإسلام، وحماية المسلمين لها ولمعابد أهلها. وكذلك كان. (فإن قيل): ولماذا لم يقر الإسلام المشركين على دينهم كما أقر اليهود والنصارى والمجوس؟ (قلت): إن الشرك الذى كان عليه العرب لم يكن دينا مبنيا على عبادة الله ومصلحة عباده كسائر الأديان حتى التى خالطها الشرك. فإنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث والجزاء على الأعمال عند الله تعالى على قاعدة «إن خيرا فخير. وإن شرا فشر»، ولا كانوا يدينون الله تعالى بعمل الصالحات وتحريم المنكرات فأصول الدين العامة قوله تعالى: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢].

стр. 222

(ثالثها): أن يكون غرضهم من التمكن فى الأرض والحكم فيها إقامة الصلاة المزكية للأنفس بنهيها عن الفحشاء والمنكر كما وصفها الله تعالى، والمربية للأنفس فى مراقبة الله وخشيته ومحبته، وإيتاء الزكاة المصلحة للأمور الاجتماعية والاقتصادية، والأمر بالمعروف الشامل لكل خير ونفع للناس، والنهى عن المنكر الشامل لكل شر وضر يلحق صاحبه أو غيره من الناس. إنّ جميع الدول الحربية تدعى بعض هذه المقاصد العالية فى حروبها رياء وابتغاء لحسن السمعة، ولكنّ أفعالها تكذب دعاويها كلها، ولا سيما النهى عن المنكر فهى تبيح للناس- الذين تمكنها القوة الحربية فى بلادهم- جميع المنكرات والفواحش التى تفسد الأخلاق والآداب وروابط الاجتماع بل تحول بينهم وبين العلم والتهذيب والصلاح بقدر الطاقة، إلا تعليم لغاتها وتاريخ عظمتها وديانة شعبها، لأجل هدم مقوماتهم المالية والقومية حتى لا يرجى لهم النّجاة من رق الاستعمار وذلّه. ولا ليكونوا مساوين للفاتح المستعمر فى العلم والثروة والعزة والقوة، كما هو معروف فى جميع الممتلكات والمستعمرات الأوروبية خلافا لما كان عليه المسلمون الأولون فى فتوحهم من العدل المطلق. القاعدة الثالثة: إيثار السلم على الحرب هذه القاعدة مبنية على القاعدتين اللتين قبلها إذ علم بهما أنّ الحرب ضرورة يقتضيها ما ذكر فيهما من المصالح ودرء المفاسد، وأن السلم هى الأصل التى يجب أن يكون عليها الناس، فلهذا أمرنا الله بإيثارها على الحرب وإذا جنح العدو لها ورضى بها، والشاهد عليه قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) [الأنفال: ٦١] فراجع تفسيرها في ص ٦٩، ١٤٠ من جزء التفسير العاشر. القاعدة الرابعة: الاستعداد التام للحرب لأجل الإرهاب المانع منها إن الذي يجب أن تكون عليه الدولة قبل الحرب هو إعداد الأمة كل ما تستطيع من أنواع القوة الحربية ومن رباط الخيل فى كل زمان بحسبه على أن يكون القصد الأول من ذلك إرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدى على بلادها أو مصالحها أو على أفراد منها أو متاع أو مصلحة لها حتى فى غير بلادها، لأجل أن تكون آمنة فى عقر دارها على دماء أهلها ومصالحها وأموالها، مطمئنة فى حريتها بدينها، وهذا ما يسمى فى عرف هذا العصر

стр. 223

بالسلم المسلحة أو التسليح السلمى، وتدعيه الدول العسكرية فيه زورا وخداعا فتكذبها أعمالها، ولكن الإسلام امتاز على الشرائع كلها بأن جعله دينا مفروضا، فقيد به الأمر بإعداد القوى والمرابطة للقتال، وذلك قوله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال: ٦٠]، فراجع تفسيرها فى ص ٦١ ج ١٠ تفسير المنار أيضا. القاعدة الخامسة: الرحمة فى الحرب إذا كان الغلب والرجحان فى القتال للمسلمين المعبر عنه بالإثخان فى الأعداء، وأمنوا على أنفسهم ظهور العدو عليهم، فالله تعالى يأمرهم أن يكفوا عن القتل، ويكتفوا بالأسر، ثم يخيرهم فى الأسارى إما بالمن عليهم بإطلاقهم بغير مقابل، وإما بأخذ الفداء عنهم، وذلك نص قوله تعالى فى [سورة محمد ﷺ ، الآية: ٤]: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ «١»، وقد أوردناها وبينا معناها فى تفسير [الآية: ٦٧، من سورة الأنفال] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ص ٧٣ ج ١٠ تفسير المنار. القاعدة السادسة: الوفاء بالمعاهدات وتحريم الخيانة فيها وجوب الوفاء بالعهود فى الحرب والسلم وتحريم الخيانة فيهما سرا أو جهرا، كتحريم الخيانة فى كل أمانة مادية أو معنوية من أحكام الإسلام القطعية، والآيات فى ذلك متعددة محكمة لا تدع مجالا لإباحة نقض العهد بالخيانة فيه وقت القوة، وعده قصاصة ورق عند إمكان نقضه بالحيلة «منها» قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ

стр. 224

تَوْكِيدِها [النحل: ٩١]، جمع بين الأمر بالإيفاء بها والنهى عن نقضها، ثم أكد ذلك بالمثل البليغ فى قوله تعالى فى الآية التى تليها: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها [النحل: ٩٢]، وقد بيناه آنفا فى مقدمة هذا المقصد، «ومنها» أنه وصف المؤمنين الأبرار بقوله فى آية البر: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا [البقرة: ١٧٧]، «ومنها» أنه عاب اليهود الذين نقضوا عهدهم مع النبى ﷺ وجعلهم من شر الدواب [الأنفال: ٥٥، ٥٦]، «ومنها»: أنه لما أمر بنبذ عهود المشركين الذين نقضوا عهد النبى والمؤمنين استثنى منهم المعاهدين على كونهم أهل دار واحدة فقال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ٤]، ثم قال الله تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ٧]، وبلغ من تأكيد الوفاء بالعهود أن الله تعالى لم يبح لنا أن ننصر إخواننا المسلمين غير الخاضعين لحكمنا على المعاهدين لنا من الكفار كما قال الله تعالى فى غير المهاجرين منهم: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ «١» [الأنفال: ٧٢]، فهل يوجد وفاء بالعهود أعظم من هذا فى حكومة دينية بأمر الله تعالى؟ القاعدة السابعة: الجزية وكونها غاية للقتال لا علة قلت فى تفسير قوله تعالى فى قتال أهل الكتاب فى آية الجزية: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] ما نصه: «هذا غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهى بها إذا كان الغلب لنا، أى: قاتلوا من ذكر عند وجود ما يقتضى وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم، أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم، أو تهديد أمنكم وسلامتكم وحرية دعوتكم، كما فعل الروم فكان سببا لغزوة تبوك، حتى تأمنوا عدوانهم بإعطائكم الجزية فى الحالين اللتين قيدت بهما، فالقيد الأول لهم: وهو أن تكون صادرة عن يد، أى قدرة وسعة فلا يظلمون ولا يرهقون. والثانى لكم: وهو الصغار المراد به حصد أو كسر شوكتهم، والخضوع لسيادتكم وحكمكم، وبهذا يكون تيسير السبيل لاهتدائهم إلى الإسلام بما يرونه من عدلكم وهدايتكم وفضائلكم التى يرونكم بها أقرب إلى هداية أنبيائهم منهم، فإن أسلموا عمّ الهدى والعدل

стр. 225

والاتحاد، وإن لم يسلموا كان الاتحاد بينكم وبينهم بالمساواة فى العدل، ولم يكونوا حائلا دونهما فى دار الإسلام. والقتال لما دون هذه الأسباب التى يكون بها وجوبه عينيا أولى بأن ينتهى بإعطاء الجزية، ومتى أعطوا الجزية وجب تأمينهم وحمايتهم والدفاع عنهم وحريتهم فى دينهم بالشروط التى تعقد بها الجزية، ومعاملتهم بعد ذلك بالعدل والمساواة كالمسلمين، ويحرم ظلمهم وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون كالمسلمين، ويسمون أهل الذمة لأن كل هذه الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، وأما الذين يعقد الصلح بيننا وبينهم عهد وميثاق يعترف به كل منا ومنهم باستقلال الآخر فيسمون بأهل العهد والمعاهدين «١». حكمة الجزية وسببها وما تسقط به: هذا- وإن الجزية فى الإسلام لم تكن كالضرائب التى يضعها الفاتحون على من يتغلبون عليهم فضلا من المغارم التى يرهقونهم بها، وإنما هى جزاء قليل على ما تلتزمه الحكومة الإسلامية من الدفاع عن أهل الذمة وإعانة للجند الذى يمنعهم أى يحميهم- ممن يعتدى عليهم، كما يعلم من سيرة أصحاب رسول الله ﷺ وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة وأعدلهم فى تنفيذها، والشواهد على ذلك كثيرة أوردنا طائفة منها فى تفسير الآية بعد ما تقدم آنفا. «منها» ما كتبه خالد بن الوليد رضى الله عنه «الصلوبا بن نسطونا» حينما دخل الفرات وهو: «هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه، إنى عاهدتكم على الجزية والمنعة فلك الذمة والمنعة، وما منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا، وكتب سنة اثنتى عشرة فى صفر» أ. هـ، وهو صريح فى أن الجزية جزاء على المنعة والحماية تدوم بدوامها، وتمتنع بزوالها. ويؤيده بالعمل ما ذكره البلاذرى فى فتوح البلدان، والأزدى فى فتوح الشام من ردّ الصحابة رضى الله عنهم لما كانوا أخذوه من أهل حمص من الجزية حين اضطروا إلى تركهم لحضور وقعة اليرموك بأمر أبى عبيدة رضى الله عنه وقد صرّحوا لهم أنهم قد أخذوها جزاء منعتهم فوجب ردها للعجز عن هذه المنعة. فعجب أهل حمص- نصاراهم ويهودهم- أشد العجب من رد الفاتحين أموالهم إليهم ودعوا لهم بالنصر على الروم.

стр. 226

فظهر بما ذكرنا أنّ الإسلام حرّم حرب الاعتداء والظلم، وقصر حرب الدفاع على دفع المفاسد وتقرير المصالح العامة للبشر فجعلها ضرورة تقدر بقدرها، وأن السلام الصحيح الشريف لا يمكن تمتع العالم به إلا بهداية الإسلام، ووضع قوانين الحرب على قواعده. ومن تأمل هذه القواعد رأى أنه لم يسبق الإسلام إلى مثلها دين من الأديان ولا قانون دولى، ولا إرشاد فلسفى أو أدبى، ولا تبعته بها أمة بتشريع ولا عمل عرفى. أفليس هذا وحده دليلا واضحا لدى من يؤمن بوجوب رب للبشر عليم حكيم، بأن محمدا العربى الأمى قد تلقاها بوحى منه ، وأنّ عقله وذكاءه لم يكن ليبلغ هذه الدرجة من العلم والحكمة فى هذه المعضلات الاجتماعية بدون هذا الوحى؟ فكيف إذا أضفنا إليها ما تقدم، وما يأتى من المعارف الإلهية والأدبية والاجتماعية والأنباء الغيبية وغير ذلك من دلائل نبوته ﷺ ؟.

стр. 227

المقصد التاسع من مقاصد القرآن إعطاء النساء جميع الحقوق الإنسانية والدينية والمدنية كانت النّساء قبل الإسلام مظلومات ممتهنات مستعبدات عند جميع الأمم وفى جميع شرائعها وقوانينها حتى عند أهل الكتاب، إلى أن جاء الإسلام، وأكمل الله دينه ببعثه خاتم النبيين محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فأعطى الله النّساء بكتابه الذى أنزله عليه، وبسنته التى بين بها كتاب الله تعالى بالقول والعمل، جميع الحقوق التى أعطاها للرجال إلا ما يقتضيه اختلاف طبيعة المرأة ووظائفها النسوية من الأحكام، ومع مراعاة تكريمها والرحمة بها والعطف عليها، حتى كان النبى ﷺ يقول: «ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم». رواه ابن عساكر من حديث علىّ كرّم الله وجهه. كان كبار العقول من الصحابة رضى الله عنهم يرون ما أصلحه الإسلام من فساد وظلم ورذيلة فى الأمة العربية فيكبرونه إكبارا ويعدونه من دلائل نبوة محمد ﷺ إذ لم يكن يمتاز عليهم قبل النبوة بشيء من العلم لا البلاغة، بل بالأخلاق وسلامة الفطرة فقط، ولذلك كان عمر بن الخطاب المصلح الكبير، والمنفذ الأعظم لسياسة الإسلام وهدى محمد ﷺ من بعده فى الفتوح والعدل وإدارة شئون الشعوب يقول: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فى الإسلام من لم يعرف الجاهلية»، ولو كان رضى الله عنه واقفا على تواريخ الأمم والشعوب لعلم أن ما جاء به الإسلام إنما هو إصلاح لشئون البشر كافة، وثنيهم وكتابيهم، همجيهم وحضريهم، لا فى شىء واحد بل فى كل شىء، وإننى أشير هنا إلى أهم أصول الإصلاح النسوى التى بسطتها فى كتاب وسيط فى حقوق النساء فى الإسلام سميته (نداء للجنس اللطيف)؛ بينت فى مقدمته حالهن قبل البعثة المحمدية عند أمم الأرض إجمالا بقولى: «كانت المرأة تشترى وتباع، كالبهيمة والمتاع، وكانت تكره على الزواج وعلى البغاء وكانت تورث، ولا ترث، وكانت تملك ولا تملك، وكان أكثر الذين يملكونها يحجرون عليها التصرف فيما تملكه بدون إذن الرجل، وكانوا يرون للزوج الحق فى التصرف بمالها من دونها، وقد اختلف الرجال فى بعض البلاد فى كونها إنسانا ذا نفس وروح خالدة كالرجل أم لا؟ وفى كونها تلقن الدين وتصح منها العبادة أم لا؟ وفى كونها تدخل الجنة أو الملكوت فى الآخرة أم لا؟ فقرر أحد المجامع فى رومية أنها حيوان نجس لا روح له ولا خلود،

стр. 228

ولكن يجب عليها العبادة والخدمة، وأن يكون فمها كالبعير والكلب العقور لمنعها من الضحك والكلام لأنها أحبولة الشيطان، وكانت أعظم الشرائع تبيح للوالد بيع ابنته، وكانت بعض العرب يرون أن للأب الحق فى قتل بنته بل فى وأدها «دفنها حية» أيضا. وكان منهم من يرى أنه لا قصاص على الرجل فى قتل المرأة ولا دية». وكتبت فى مقدمة الكلام على حقوق النساء المالية فى الإسلام ما نصه: «وقد أبطل الإسلام كل ما كان عليه العرب والعجم من حرمان النساء من التملك أو التضييق عليهن فى التصرف بما يملكن، واستبداد أزواج المتزوجات منهن بأموالهن. فأثبت لهن حق التملك بأنواعه، والتصرف بأنواعه المشروعة، فشرع الوصيّة والإرث لهن كالرجال، وزادهن ما فرض لهن على الرجال من مهر الزوجية والنفقة على المرأة وأولادها وإن كانت غنية، وأعطاهن حق البيع والشراء والإجازة والهبة والصدقة وغير ذلك. ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها كالدفاع عن نفسها بالتقاضى وغيره من الأعمال المشروعة، وأن المرأة الفرنسية لا تزال إلى اليوم مقيدة بإرادة زوجها فى جميع التصرفات المالية، والعقود القضائية. وإننى ألخص من ذلك الكتاب المسائل الآتية بالإيجاز، ولمن شاء مراجعتها فيه بطولها. ١ - كان بعض البشر من الإفرنج وغيرهم يعدون المرأة من الحيوان الأعجم أو من الشياطين لا من نوع الإنسان، وبعضهم يشك فى ذلك فجاء محمد ﷺ يتلو عليهم أمثال قول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [الحجرات: ١٣] وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [النساء: ١]. ٢ - كان بعض البشر فى أوروبا وغيرها يرون أن المرأة لا يصح أن يكون لها دين، حتى كانوا يحرمون عليها قراءة الكتب المقدسة رسميا، فجاء الإسلام يخاطب بالتكاليف الدينية الرجال والنساء معا بلقب المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والآيات فى ذلك معروفة. كان أول من آمن بمحمد خاتم النبيين ﷺ امرأته، وهى زوجته خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، وقد ذكر الله تعالى مبايعته ﷺ للنساء فى نص القرآن ثم بايع الرجال بما جاء فيها ولما جمع القرآن فى مصحف واحد جمعا رسميا وضع عند امرأة هى حفصة أم المؤمنين، وظل عندها من عهد الخليفة الأول أبى بكر الصديق إلى عهد الخليفة الثالث

стр. 229

عثمان رضى الله عنهم فأخذ من عندها واعتمدوا عليه فى نسخ المصاحف الرسمية التى كتبت وأرسلت إلى الأمصار لأجل النسخ عنها والاعتماد عليها. ٣ - كان بعض البشر يزعمون أن المرأة ليس لها روح خالدة فتكون مع الرجال المؤمنين فى جنة النعيم فى الآخرة- وهذا الزعم أصل لعدم تدينها- فنزل القرآن يقول: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء: ١٢٣، ١٢٤]، ويقول الله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: ١٩٥]، وفيها الوعد الصريح بدخولهن جنات تجرى من تحتها الأنهار .. ٤ - كان بعض البشر يحتقرون المرأة فلا يعدونها أهلا للاشتراك مع الرجال فى المعابد الدينية، والمحافل الأدبية، ولا فى غيرهما من الأمور الاجتماعية والسياسية، والإرشادات الإصلاحية، فنزل القرآن يصالحهم بقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٧١]. فأثبت للمؤمنات الولاية المطلقة مع المؤمنين، وتدخل فيها ولاية النصرة فى الحرب، ولكن الشرع أسقط عنهن فريضة القتال فكان حظهن من النصرة تهيئة الطعام والشراب للمقاتلين ومداواة جرحاهم، وكن يصلين الجماعة مع الرجال ويحججن معهم، ويأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر، حتى أن بعضهنّ كن ينكرون على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قوله جهرا، فيرجع عنه إذا كان خطأ، وهو الذى كان يهابه الرجال كالنساء. وقد قفى الله تعالى على هذه الآية بأعظم آية فى جزاء الفريقين جمعت بين بيان النعيم الجسمانى والنعيم الروحانى وهى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٧٢]. ٥ - كان بعض البشر يحرمون النساء من حق الميراث وغيره، وبعضهم يضيّق عليهن حق التصرف فيما يملكن، فأبطل الإسلام هذا الظلم، وأثبت لهن حق التملك والتصرف

стр. 230

بأنفسهن فى دائرة الشرع، قال الله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [النساء: ٧]. ونحن نرى أن دولة الولايات المتحدة الأمريكية لم تمنح النساء حق التملك والتصرف إلا من عهد قريب فى عصرنا هذا «١»، وأنّ المرأة الفرنسية لا تزال مقيدة بإرادة زوجها فى التصرفات المالية والعقود القضائية، وقد منحت المرأة المسلمة هذه الحقوق منذ ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن. ٦ - كان الزواج فى قبائل البدو وشعوب الحضارة ضربا من استرقاق الرجال للنساء فجعله الإسلام عقدا دينيا مدنيا لقضاء حقّ الفطرة بسكون النفس من اضطرابها الجنسى بالحب بين الزوجين وتوسيع دائرة المودة والألفة بين العشيرتين، واكتمال عاطفة الرحمة الإنسانية وانتشارها من الوالدين إلى الأولاد، على ما أرشد إليه قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: ٢١]. ٧ - القرآن ساوى بين المرأة والرجل باقتسام الواجبات والحقوق بالمعروف مع جعل حق رئاسة الشركة الزوجية للرجل؛ لأنه أقدر على النفقة والحماية بقول الله فى الزوجات: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: ٢٢٨]، وقد بين هذه الدرجة بقوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: ٣٤] فجعل من واجبات هذه القيامة على الزوج نفقة الزوجة والأولاد، لا تكلف الزوجة منه شيئا ولو كانت أغنى منه، وزادها المهر، فالمسلم يدفع لامرأته مهرا عاجلا مفروضا عليه بمقتضى العقد حتى إذا لم يذكر فيه لزمه مهر مثلها فى الهيئة الاجتماعية، ولهما أن يؤجلا بعضه بالتراضى، على حين ترى بقية الأمم حتى اليوم تكلف المرأة دفع المهر للرجل. وكان أولياء المرأة يجبرونها على التزوج بمن تكره أو يعضلونها بالمنع منه مطلقا وإن كان زوجها وطلقها، فحرم الإسلام ذلك، والنصوص فى هذا معروفة فى كلام الله وكلام رسوله ﷺ وسنته. ٨ - كان الرجال من العرب وبنى إسرائيل وغيرهم من الأمم يتخذون من الأزواج ما شاءوا غير مقيدين بعدد، ولا مشترط عليهم فيه العدل، فقيدهم الإسلام بأن لا يزيدوا على

стр. 231

أربع، وأن من خاف على نفسه أن لا يعدل بين اثنتين وجب عليه الاقتصار على واحدة، وإنما أباح الزيادة لمحتاجها القادر على النفقة والإحصان لأنها قد تكون ضرورة من ضرورات الاجتماع فى أحوال. منها: أن تكون الأولى عقيما أو تدخل فى سن اليأس من الحمل. أو تكون ذات مرض مانع منه، أو من إحصان الرجل، وقد يكون التعدد من مصالح النساء خاصة إذا كثرن فى أمة أو قبيلة كما يكون فى أعقاب الحروب، أو هجرة كثير من الرجال لأجل الكسب. وناهيك بأمة تحرم شريعتها الزنا وتعاقب عليه، فهل من مصلحة النساء أو الإنسانية أن تبقى النساء الزائدات على عدد الرجال محرومات من الحياة الزوجية وحصانتها، وكفالة الأزواج، ومن نعمة الأمومة؟ وهل من المصلحة أو المنفعة العامة أو الخاصة أن يباح لهن الزنا وما يترتب عليه من المصائب البدنية والاجتماعية التى نراهن مرهقات برجسها فى بلاد الإفرنج والبلاد التى ابتليت بسيطرتهم عليها أو تقليدها لهم؟. وقد فصلنا ذلك فى تفسير آية التعدد من سورة النساء، ثم زدنا عليه فى كتاب «حقوق النساء فى الإسلام» ما هو مقنع لكل عاقل منصف بأن ما شرعه الإسلام فى التعدد هو عين الحق والعدل ومصلحة البشر كافة والنساء خاصة، فهو قد أباح ذلك بشرطه الشديد ولم يوجبه، وهن فى شريعته مخيرات فى قبول العقد على رجل متزوج وعدمه، بل تجيز الشريعة للمرأة أن تشترط فى عقد نكاحها جعل عصمتها بيدها لتطلق نفسها إذا شاءت بناء على ما ذهب إليه بعض أئمة الفقه فى صحة كل شرط يتعاقد عليه الناس غير مخالف لنص قطعى فى الكتاب والسنة ولا سيما شروط الزوجية عملا بحديث: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج». رواه البخارى فى مواضع من صحيحه وأصحاب السنن. ٩ - الطلاق قد يكون ضرورة من ضروريات الحياة الزوجية إذا تعدل على الزوجين القيام بحقوق الزوجية من إقامة حدود الله، وحقوق الإحصان والنفقة والمعاشرة بالمعروف، وكان مشروعا عند أهل الكتاب والوثنيين من العرب وغيرهم، وكان يقع النساء منه وفيه ظلم كثير وغبن يشق احتماله فجاء الإسلام فيه بالإصلاح الذى لم يسبقه إليه شرع ولم يلحقه بمثله قانون، وكان الإفرنج يحرمونه ويعيبون الإسلام به، ثم اضطروا إلى إباحته، فأسرفوا فيه إسرافا منذرا بفوضى الحياة الزوجية وانحلال روابط الأسرة والعشيرة، ومما نقلته الصحف من أسباب حكم القضاة بالطلاق عندهم مسائل شعر رأس المرأة ووجه الرجل فى إرساله أو قصه وحلقه وشكوى المرأة من اشتغال الرجل عنها بمطالعته الكتاب أو الصحف فى الدار،

стр. 232

وشكواها من نتن رائحته لعدم استحمامه، وشكوى الرجل من كثرة كلام المرأة حتى بالمسرة (التليفون) ومثله كثير «١». جعل الإسلام عقدة النكاح بيد الرجال ويتبعه حق الطلاق لأنهم أحرص على بقاء الزوجية بما تكلفهم من النفقات فى عقدها وحلها وكونها أثبت من النساء جأشا وأشد صبرا على ما يكرهون، وقد أوصاهم الله تعالى فوق هذا بما يزيدهم قوة على ضبط النفس وحبسها على ما يكرهون من نسائهم فقال الله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء: ١٩]، وأعطت الشريعة المرأة حق طلب فسخ عقد الزواج من القاضى إذا وجد سببه من العيوب الخلقية أو المرضية كالرجل، وكذا إذا عجز الزوج عن النفقة. وجعلت للمطلقة عليه حق النفقة مدة العدة التى لا يحل لها فيها الزواج، وذم النبى ﷺ الطلاق بأن الله يبغضه للتنفير عنه .. إلى غير ذلك من الأحكام التى بيناها فى تفسير الآيات المنزلة فيها وفى كتابنا الجديد فى حقوق النساء فى الإسلام (نداء للجنس اللطيف). ١٠ - بالغ الإسلام فى الوصية ببر الوالدين فقرنه بعبادة الله تعالى، وأكد النبى ﷺ فيه حق الأم فجعل برها مقدما على بر الأب، ثم بالغ فى الوصية بتربية البنات وكفالة الأخوات. بأخص مما وصى به من صلة الأرحام، بل وجعل لكل امرأة قيّما شرعيا يتولى كفايتها والعناية بها، ومن ليس لها ولى من أقاربها وجب على أولى الأمر من حكام المسلمين أن يتولوا أمرها، وقد أثبتنا فى ذلك الكتاب طائفة من تلك الوصايا. وجملة القول: أنه ما وجد دين ولا شرع ولا قانون فى أمة من الأمم أعطى النساء ما أعطاهن الإسلام من الحقوق والعناية والكرامة، أفليس هذا كله من دلائل كونه من وحى الله العليم الحكيم الرحيم إلى محمد النبى الأمى المبعوث فى الأميين؟ بلى وإنا على ذلك من الشاهدين المبرهنين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 233

المقصد العاشر من مقاصد القرآن تحرير الرقبة إن استرقاق الأقوياء للضعفاء قديم فى شعوب البشر، بل هو معهود فى الحشرات التى تعيش عيشة الاجتماع والتعاون أيضا كالنمل، فإذا حاربت قرية منه أخرى فظفرت بها وانتصرت عليها فإنها تأسر ما سلم من القتال وتستعبده فى خدمة الظافر من البناء وجمع المئونة وخزنها فى مخزنها وغير ذلك. كانت شعوب الحضارة القديمة من المصريين والبابليين والفرس والهنود واليونان والروم والعرب وغيرها تتخذ الرقيق وتستخدمه فى أشق الأعمال، وتعامله بمنتهى القسوة والظلم، وقد أقرته الديانتان اليهودية والنصرانية، وظل الرق مشروعا عند الإفرنج إلى أن حررت الولايات المتحدة الأمريكية رقيقها فى أواخر القرن الثامن عشر الميلادى، وتلتها إنجلترا باتخاذ الوسائل لمنعه من العالم كله فى أواخر القرن التاسع عشر، ولم يكن عمل كل منهما خالصا لمصلحة البشر العامة، فإن لهم فيها مصالح خاصة، ولا جنوحا للمساواة بينهم، فإن الأولى لا تزال تفضل الجنس الأبيض الأوروبى المتغلب على الجنس الأحمر الوطنى الأصلى بما يقرب من الاستعباد السياسى المباح عند جميع الإفرنج للشعوب، بل يستبيح الشعب الأبيض تعذيب المخالف له فى لونه فى الولايات المتحدة على كل ذنب بما لا يبيحه القانون، فيتخطفه دعارهم من أيدى الحكام والشرطة وينكلون به أشد تنكيل، ويمثلون به أفظع تمثيل، كما أن إنجلترا تحتقر الهنود وتستذلهم، ولكن النهضة الهندية فى هذا العهد قد خفضت من غلوائهم، وطأمنت من إشناق كبريائهم «١»، وغيرهما من الإفرنج المستعمرين شر منهما ظلما وقسوة وكل منهم يأبون أن يصلوا فى كنائس مستعمراتهم مع أبناء البلاد فيتناوبون الصلاة فيها. فلما ظهر الإسلام، وأشرق نوره الماحى لكل ظلام، كان مما أصلحه من فساد الأمم إبطال ظلم الرقيق وإرهاقه، ووضع الأحكام الممهدة لزوال الرق بالتدريج الممكن بغير ضرر ولا ضرار ولا بغى ولا استكبار، إذ كان إبطاله دفعة واحدة متعذرا فى نظام الاجتماع البشرى من الناحيتين: ناحية مصالح السادة المسترقين، وناحية معيشة الأرقاء المستعبدين.

стр. 234

فإنّ الولايات المتحدة لما حررت رقيقها كان بعضهم يضرب فى الأرض يلتمس وسيلة للرزق فلا يجد ما يحسنه أو يقدر عليه فيحور إلى سادته يرجو منهم العود إلى خدمتهم كما كان. وكذلك جرى فى السودان المصرى، فقد جرب الحكام من الإنكليز أن يجدوا لهم رزقا بعمل يعملونه مستقلين فيهم مكتفين به فلم يمكن، فاضطروا إلى الإذن لهم بالرجوع إلى خدمة الرق السابقة بشرط أن لا تسمح للمخدومين ببيعهم والاتجار بهم. فهذا برهان حسى مشاهد على أن إبطال الرق- الذى كان عاما فى البشر- بتشريع دينى يتعبد الله تعالى به من أول يوم لم يكن من الحكمة ولا من مصلحة البشر الممكن تنفيذها، والإسلام تشريع عملى لا هوادة فيه، فما شرعه فى الرقيق كان أعلى مراتب الحكمة، الجامع بين المصلحة العامة والرحمة، كما تراه مفصلا فيما يلى فنجزم بأنه هداية ربانية، لا فلسفة محمدية، وإنما كان محمد ﷺ أحكم وأرحم مبلّغ ومنفّذ لوحى الله بها، وقد أعتق كثيرا من الرجال والنساء قبل البعثة وبعدها من ماله ومال زوجته خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها، وكان بعض من يملكهم يفضلون الرق عنده على العتق على الحرية عند أهلهم، وكذلك فعل صاحبه الأول وصديقه الأكبر أبو بكر الصديق رضى الله عنه الذى أنفق أكثر ماله فى تحرير الرقاب.

стр. 235

هداية الإسلام فى تحرير الرقيق وأحكامه قد شرع الله تعالى لإبطال الرق طريقتين: تحديد تجديد الاسترقاق فى المستقبل أو تقييده، وتحرير الرقيق القديم بالتدريج، الذى لا ضرر ولا ضرار فيه. الطريقة الأولى منع الإسلام جميع ما كان عليه الناس من استرقاق الأقوياء للضعفاء بكلّ وسيلة من وسائل البغى والعدوان ، وقيده باسترقاق الأسرى والسبايا فى الحرب التى اشترط فيها ما تقدم بيانه من دفع المفاسد وتقرير المصالح، ومنع الاعتداء ومراعاة العدل والرحمة وهى شروط لم تكن قبله مشروعة عند المليين، ولا عند أهل الحضارة فضلا عن المشركين الذين لا شرع لهم ولا قانون، ولست أعنى بالاستثناء أنّ الله شرع لنا من هذا النوع من الاسترقاق كل ما كانت الأمم تفعله معاملة لهم بالمثل، بل شرع لأولى الأمر من المسلمين مراعاة المصلحة للبشر فى إمضائه أو إبطاله بأن خيّرهم فى أسرى الحرب الشرعية بين أمرين: (أولهما) المن عليهم بالحرية فضلا وإحسانا ورحمة. (ثانيهما) الفداء بهم وهو نوعان: فداء المال، وفداء الأنفس إذا كان لنا أسارى أو سبى عند قومهم بنص الآية «١» من سورة محمد التى أوردناها فى القاعدة الخامسة من قواعد الحرب، ولما كنا مخيرين فيهم بين إطلاقهم بغير مقابل والفداء بهم جاز أن يعد هذا أصلا شرعيا لإبطال استئناف الاسترقاق فى الإسلام، فإن ظاهر التخيير بين هذين الأمرين أن الأمر الثالث الذى هو الاسترقاق غير جائز لو لم يعارضه أنه هو الأصل المتبع عند جميع الأمم وأقره الإسلام لأنه أمر عالمى دولى يقع به التعامل بين الأعداء فى الحرب، فمن أكبر المفاسد والضرر أن يسترقوا أسرانا ونطلق أسراهم ونحن أرحم بهم وأعدل كما يعلم مما يأتى، ولكن الآية ليست نصا فى الحصر، ولا صريحة فى النهى عن الأصل، فكانت دلالتها على تحريم الاسترقاق مطلقا غير قطعية. فبقى حكمه محل اجتهاد أولى الأمر إذا وجدوا المصلحة فى إبقائه أبقوه، وإذا وجدوا المصلحة فى ترجيح المن عليهم بالحرية- وهو إبطال اختيارى له- أو الفداء بهم عملوا به.

стр. 236

ورأيت بعض المشتغلين بالفقه يقولون: إن الاسترقاق والسبى من حقوق المحاربين الخاصة لا من حقوق أولى الأمر العامة، فليس للإمام الأعظم ولا للقائد العام فى الحرب المفوض من قبله مع أركان حربه أن يجبروا المقاتلين على المن عليهم، ولا على الفداء بهم لاقتضاء المصلحة العامة لأحد الأمرين، بدليل أن النبى ﷺ لم يجبر المسلمين على التخلى عن سبى هوازن إجبارا، بل جعله بتطييب أنفسهم له، ووعد من لا تطيب نفسه بترك حصته بالتعويض عليه. وفى هذا الفهم غلط من وجوه كثيرة «منها» أن مثل هذه المسألة إذا لم تكن من المصالح العامة التى تناط أولى الأمر فليس فى الأمم مصالح عامة قط. «ومنها» أنه يعارض نصا فى القرآن بواقعة حال عملية، «ومنها» أن النبى ﷺ جمع فى تلك الحال بين حكمة الدين ورحمته العامة، وبين تربية المسلمين التى اقتضاها الزمان والمكان، والقوة والضعف فى الإيمان، وحال طلقاء مكة والمؤلفة قلوبهم فى إظهار الإسلام، فوعد وفد هوازن بإحدى الطائفتين- الغنائم أو السبى- مع علمه بأنهم يختارون السبى. ثم إنه أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنائم أكثر من غيرهم، ولم يعط الأنصار شيئا وقد فصّلنا ذلك فى تفسير الآيتين (٢٥، ٢٦) من سورة التوبة «١». وإنما تكون مصلحة الاسترقاق أرجح من هاتين المصلحتين- أى المن على الأسرى والفداء بهم فى حالات قليلة لا تدوم كأن يكون المحاربون للمسلمين قوما قليلى العدد كبعض قبائل البدو يقتل رجالهم كلهم أو جلهم. فإذا ترك النساء والأطفال والضعفاء من الرجال لأنفسهم لا يكون لهم قدرة على الاستقلال فى حياتهم فيكون الخير لهم أن يكفلهم الغالبون ويقوموا بشئونهم المعاشية، ثم تجرى عليهم أحكام الطريقة الثانية فى تحريرهم وقد يتسترون بالنساء فيكن أمهات أولاد وربات بيوت فحرائر، أو محصنات من الفواحش مكفيات أمر المعيشة على الأقل، وكذلك الأطفال يكفلهم المسلمون ويربونهم على عقائد الإسلام وفضائله، ثم ينالهم العتق فى الغالب لما سيأتى فى وجوهه، فيكونون كسائر أحرار المسلمين علماء وأغنياء وحكاما وأمراء. وقد أفضى هذا إلى تغلب العتقى (الموالى) من الأعاجم على السيادة والسلطان فى الأمة، بعد إهمال هداية الدين فى دولها. وقد سنّ النبى ﷺ لأمته ترجيح المن على الأسارى والسبايا بالعتق قولا وعملا فى غزوة بنى المصطلق، وغزوة فتح مكة، وغزوة حنين كما هو مفصل فى كتب السيرة النبوية

стр. 237

وغيرها، لأنّ المسلمين قد أثخنوهم وظهروا عليهم، ولم يكونوا أسروا من المسلمين أحدا فعلم من ذلك أن روح الشريعة الإسلامية ترجيح الفضل والإحسان عند القدرة، ومنه عتق الأسرى والسبايا والمن عليهم بالحرية بلا مقابل حاضر، ولا خوف مستقبل، بل لمحض الإحسان. ولا تنس أن أكثر المشركين الذين كانوا يقاتلون النبى ﷺ من الإعراب (البدو) وكانت حالة الحرب معهم مستمرة- كما تقدم- فلم يكن من المصلحة إرجاع سبيهم إليهم يشقى بشقائهم وشركهم وظلمهم وقساوتهم، من قتل للأولاد ووأد للبنات، وتأمل فعله ﷺ مع بنى النضير من اليهود إذا استأذنه أصحابه بأخذ أولادهم الذين تهودوا معهم فأمرهم بتخييرهم.

стр. 238

الطريقة الثانية: ما شرعه لتحرير الرقيق الموجود وجوبا وندبا وهو ٤ أنواع النوع الأول من أحكام الرق ووسائل تحريره اللازبة وفيه عشر مسائل ١ - الحرية فى الإسلام هى الأصل فى الإنسان كما كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى عامله على مصر عمرو بن العاص- وقد اشتكى عليه قبطى-: «يا عمرو منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟»، وقد أخذ الفقهاء من هذا الأصل أن الرقّ لا يثبت بإقرار المرء على نفسه، وجعلوا قول منكره راجحا على قول مدعيه فيكلف إثباته. ٢ - إن الإسلام حرّم استرقاق الأحرار من غير أسرى الحرب الشرعية العادلة بشروطها- كما تقدم- وجعل ذلك من أعظم الآثام. روى البخارى وغيره نم حديث أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: «قال الله تعالى: ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بى ثم غدر، ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»، وفى حديث الثلاثة الذين لا يقبل الله منهم صلاة: «ورجل اعتبد محررا»، أى جعله كالعبد فى استخدامه كرها أو أنكر عتقه أو كتمه، وهو فى سنن أبى داود وابن ماجة. ٣ - شرّع الله تعالى للمملوك أن يشترى نفسه من مالكه بمال يدفعه ولو أقساطا، ويسمى هذا فى الشرع «الكتاب والمكاتبة» وأصله قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ [النور: ٣٣]، أمر بمكاتبتهم إن علم المالك أنهم يقدرون على الكسب والوفاء بما التزموه وأنه خير لهم، وأمر بإعانة المالك لمكاتبه على أداء ما باعه نفسه به. ويدخل فيه الهبة وحط بعض الأقساط عنه، وجعل فى مال الزكاة المفروضة سهما تدخل فيه هذه الإعانة، وندب غير المالك لذلك أيضا. ذهب بعض العلماء إلى أن الأمرين فى الآية للوجوب: الأمر بالمكاتبة، والأمر بالإعانة عليها، والأكثرون على أن الأول للندب والثانى للوجوب، وفى صحيح البخارى بعد ذكر الآية. قال روح عن ابن جريج: قلت لعطاء «أواجب علىّ إذا علمت أن له (أى لمملوكه) مالا أن أكاتبه؟ قال: «ما أراد إلا واجبا» وقاله عمرو بن دينار، قلت لعطاء: «أتؤثره عن

стр. 239

أحد؟ قال: لا، ثم أخبرنى أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين «١» سأل أنسا المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق سيرين إلى عمر فدعاه عمر، فقال: كاتبه، فأبى فضربه بالدرة وتلا: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [النور: ٣٣] فكاتبه» أ. هـ. ٤ - إذا خرج الأرقاء من دار الكفر ودخلوا دار الإسلام يصيرون أحرارا، وعلى الحكومة الإسلامية تنفيذ ذلك ومستنده فى السنة معروف، وقد انعكس الأمر فى هذا العصر فصار الأرقاء الذين يخرجون من دار الإسلام إلى دار الكفر أو ما فى حكمها هم الذين يعتقون، والمراد بالكفر هنا غير الإسلام. ٥ - إن من أعتق حصة له من عبد عتق كله عليه من ماله إن كان له مال، وإن كان لغيره حصة فيه فله أحكام، وفى ذلك أحاديث فى الصحيحين وغيرهما، منها حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: «من أعتق نصيبا أو شقيصا فى مملوك فخلاصة عليه فى ماله إن كان له مال وإلا قوم عليه فاستسعى «٢» به غير مشفوق عليه»، وحديث ابن عمر مرفوعا أيضا: «من أعتق نصيبا له فى مملوك أو شركا له فى عبد فكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل فهو عتيق»، والشقيص كالنصيب وزنا ومعنى. ٦ - من عذّب مملوكه أو مثّل به أو أخصاه عتق عليه، فقد روى الإمام أحمد أن زنباعا أبا روح وجد غلاما له مع جارية له فجدع أنفه وجبه، فشكاه إلى النبى ﷺ فسأله فاعترف وذكر ذنبه فقال النبى ﷺ للغلام: «اذهب فأنت حر»، ويؤخذ منه: أن الجب والخصاء حرام وموجب لعتق العبد، وينفذه الحاكم عليه، فكل ما كان يخصى من المماليك ففيه مخالفة للشرع الإسلامى بخصائصهم وبعدم عتقهم. وفى رواية له (الإمام أحمد) أخرجها أبو داود وابن ماجة: وجاء رجل إلى النبى ﷺ صارخا فقال له: «ما لك؟»، قال: سيدى رآنى أقبل جارية له فجب مذاكيرى، فقال النبى ﷺ «وعلىّ بالرجل»، فطلب فلم يقدر عليه فقال ﷺ للغلام: «اذهب فأنت حر»، وفى جامع الأصول من حديث سمرة ابن جندب وأبى هريرة أن النبى ﷺ قال: «ومن مثل بعبده عتق عليه». ٧ - إيذاء المملوك بما دون التمثيل والتعذيب الشديد حرام ولا كفارة لذنبه إلا عتقه، فقد

стр. 240

روى أحمد، ومسلم، وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه»، وللشيخين والترمذى عن سويد بن مقرن قال: «كنا بنى مقرن على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادمة واحدة فلطمها أحدنا فبلغ ذلك النبى ﷺ فقال: «أعتقوها». وقيل له إنه ليس لبنى مقرن خادم غيرها فرخص لهم باستخدامها ما دامت الحاجة وإطلاقها إذا زالت». وروى مسلم وغيره عن أبى مسعود البدرى قال: «كنت أضرب غلاما بالسوط فسمعت صوتا من خلفى: «اعلم أبا مسعود» فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا منى إذا هو رسول الله ﷺ فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود» فألقيت السوط من يدى، وفى رواية فسقط من يدى السوط من هيبته فقال: «اعلم أبا مسعود أنّ الله أقدر منك على هذا الغلام» - وفى رواية عليه- فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله فقال: «أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار». فهذا وما قبله بعض هدى الرسول فى الرحمة ومعاملة الرقيق الذى لا يزال يصفه رجال الكنيسة ورجال السياسة من الإفرنج وتلاميذهم بما علم القاصى والدانى من الكذب والإفك والبهتان، كيف لا وهو الرحمة العامة للعالمين. ٨ - التدبير عتق لازم، وينعقد بقول السيد لعبده: أنت مدبر، وأنت حرّ عن دبر منى، أى بعد أن أدبر عن هذه الدنيا، وكذا أنت حرّ بعد موتى، إذا قصد به التدبير، فإن أطلق ولا قرينة، فبعض العلماء يرجح أنه تدبير تقوية لجانب العتق الذى هو من مقاصد الشرع الأساسية ومنهم من يرجح جانب الوصية. ومن أحكام التدبير أنه لازم فى الحال لا يجوز الرجوع عنه كالوصية، وأنه لا يجوز للمدبر (بالكسر) بيع المدبر (بالفتح) عند مالك وأبى حنيفة وأن من دبر بعض مملوكه وهو مالك له كله سرى العتق إلى باقيه، وقال جمهور العلماء: إن أولاد الجارية المدبرة تابعون لها فى العتق والرق فإذا عتقت عتقوا معها. ٩ - عتق أمهات الأولاد- وهو أنّ الجارية التى تلد لسيدها ولدا تصير حرّة من رأس ماله بعد موته فلا تدخل فى ملك الورثة ولا يجوز له بيعها فى حياته عند جمهور السلف والخلف وأولهم عمر وعثمان رضى الله عنهما. ففي حديث عمر عن الإمام مالك: «أيّما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها

стр. 241

ولا يورثها وهو يستمتع منها فإذا مات فهى حرّة» ولو أن أم الولد تورث لورثها أولادها فكانت ملكا لهم، وهذا مناف لمقاصد الشرع وأصوله وآدابه. ١٠ - إن ملك أحد أحدا من أولى القربى عتق عليه، وأعم ما ورد فيه حديث ضمرة بن جندب مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا النسائى والحاكم وصحّحوه وهذا بمعنى ما قبله من عتق أمهات الأولاد. النوع الثانى من وسائل تحرير الرقيق الموجود: الكفارات والمراد بها القربات التى تمحو الذنوب وأعظمها عتق الرقاب وهى ثلاثة أقسام: (أحدها) واجب حتم على القادر على العتق بملك الرقبة أو ثمنها ككفارة قتل النفس خطأ، وكفارة الظّهار- وهو تشبيه الرجل زوجته بأمّه- وكان طلاقا فى الجاهلية وكفارة إفساد الصيام عمدا بشرطه وقيده المعروفين فى الفقه. (ثانيها) واجب مخير فيه، وهو كفارة اليمين فمن حلف يمينا وحنث فيها فكفارته إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، كما قال الله تعالى وحكمة التخيير ظاهرة. (ثالثها) مندوب، وهو العتق لتكفير الذنوب غير المعينة، وهو من أعظم مكفراتها. النوع الثالث من وسائل إلغاء الرق الموجود جعل الله أحد السّهام الثمانية من مصارف الزكاة الشرعية المفروضة (فى الرقاب) بنص القرآن هو يشمل العتق والإعانة على شراء المملوك نفسه (الكتابة) ومن المعلوم أن زكاة الأمة الإسلامية قد تبلغ مئات الألوف وألوف الألوف من الدراهم والدنانير فلو نفذت أحكام الإسلام فيها وحدها لأمكن تحرير جميع الرقيق فى دار الإسلام. النوع الرابع منها العتق الاختيارى لوجه الله تعالى (أى ابتغاء مرضاته ومثوبته) قد ورد فى الكتاب والسنة وآثار السلف من الترغيب فى العتق ما يدخل تدوينه فى سفر

стр. 242

كبير، ومما يدلّ على أنه فى أعظم العبادات وأصول القربات آية البر من سورة البقرة (١٧٧). ومن أشهر أحاديث الترغيب فى العتق؛ قوله ﷺ : «أيما رجل أعتق امرأ مسلما «١» استنقذ الله بكل عضو منه عضوا من النار»، متفق عليه من حديث أبى هريرة، وفى رواية: «عضوا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه»، وحديث أبى ذر قال: سألت رسول الله ﷺ أى العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد فى سبيله»، قلت: فأى الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها» إلخ متفق عليه. ومن اشهرها أيضا حديث أبى موسى الأشعرى: «أيّما رجل كانت له جارية أدّبها فأحسن تأديبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، وأعتقها وتزوجها فله أجران»، رواه البخارى ومسلم وغيرهما. وفى الصحيحين أيضا أن أبا هريرة لما روى قوله: «للمملوك الصالح أجران»، قال: والذى نفسى بيده لولا الجهاد والحج وبر أمى لأحببت أن أموت وأنا مملوك. علاوة فى عتق غير المسلم من الدلائل على أنّ تحرير الرقيق فى الإسلام قربة مقصودة لذاتها لأنها من حقوق البشر العامة، أنه يشمل المؤمن والكافر ومن البديهى أن حق المؤمن على المؤمن أعظم ومقدّم على غيره، ولما كان استرقاق الإنسان قتلا لحريته التى لا تتم إنسانيته بدونها جعل الله العتق كفارة للقتل فى حال عدم القصاص، وقد اشترط فى كفارة القتل عتق رقبة مؤمنة، لأن المؤمن فى الشرع الدينى أكمل، ومثله كفارة الظهار لأنه من الأحكام الزوجية الدينية. وقال الله تعالى فى كفارة اليمين أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ولم يقل مؤمنة، فقال بعض العلماء: هو على إطلاقه، فيكفى فيه رقبة غير مؤمنة. وقال بعضهم: يحمل المطلق على المقيد واشتراط كونها مؤمنة والأول أظهر. ومن دلائل السنّة ما رواه البخارى فى (باب عتق المشرك) عن هشام أخبرنى أبى (أى عروة بن الزبير) أنّ حكيم بن حزام رضى الله عنه أعتق فى الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بغير فلما أسلم حمل على مائة بعير وأعتق مائة رقبة قال: فسألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أصنعها فى الجاهلية كنت أتحنث بها- يعنى أتبرر بها؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : «أسلمت على ما سلف لك من خير»، وفى صحيح مسلم: «أسلمت على ما أسلفت من خير».

стр. 243

فقول البخارى: «عتق المشرك» يحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل لأن حكيما سأله عما أعتقه وهو مشرك، وأن يكون من الإضافة إلى المفعول لأن الذين أعتقهم كانوا مشركين، وجواب النبى ﷺ له أنه أسلم على ما كان يفعله من الخير معناه أنه كمل له الخبر والبر بالإسلام، وإذا كان الإسلام يجب ما قبله من الشرك وأعماله، ويطهر النفس منها فأجدر به أن يزيد فاعل الخير السابق خيرا وتزكية لنفسه إذا كان مستعدا لهما، ولو لم يسلم لما كان هذا ينجيه فى الآخرة ولكنه كان يكون أمثل ممن لم يفعل مثله. الوصية بالمماليك أضف إلى ما تقدم كله وصايا الله ورسوله بالمماليك، ومنها تخفيف الواجبات عليهم، وجعل حدّ المملوك فى العقوبات نصف حد الحر، وقد قرن الله تعالى الوصية بهم بالوصية بالوالدين والأقربين، ونهى النبى ﷺ عن قول السيد: «عبدى وأمتى»، وأمره أن يقول: «فتاى وفتاتى وغلامى»، وأمر بأن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون، ويعينوهم على خدمتهم إن كلفوهم ما يغلبهم كما فى حديث أبى ذر فى الصحيحين وغيرهما الذى تقدم والمناسب منها هنا: أن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر بالربذة وعليه حلّة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك»، وذكر ما تقدم من الحديث وتتمته هى قوله ﷺ فى المماليك: «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» أى: عاملوهم معاملة الأمثال، وفى الصحاح أيضا أنه ﷺ كان يوصى النساء وما ملكت الأيمان حتى فى مرض موته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى ﷺ . وسأله ابن عمر: كم أعفو عن الخادم؟ قال: «اعف عنه كل يوم سبعين مرة»، وهذه مبالغة معناها اعف عنه كلما أذنب. وقد تفلسف بعض المتنطعين فيما يسمونه النقد التحليلى فقال: إن محمدا ﷺ كان يوصى بالرقيق لأنه ربى فى حجر أمه- قيل يعنى به إرضاع ثويبة مولاة عمه أبى لهب- وأن هذا التعليل لجهل عميق بالتاريخ وعلم النفس والفلسفة جميعا، والأولى أن يعنى أم أيمن حاضنته وكانت جارية لأمه فورثها وأعتقها، ولكنّ هذا التشريع العظيم الذى جاء فى كهولة الأمية فوق جميع شرائع البشر وفلسفتهم وآدابهم شىء آخر لا ينبغى لعاقل أن يعلله بما علله به هذا المتنطع المتحذلق، وما كان هذا التشريع وحده هو الذى يعلو هذا التعليل ويحكمه بل كل نوع من شريعته مثله، ثم ماذا يقال فى مجموعها وجملتها؟.

стр. 244

ولهذا كان المسلمون فى الصّدر الأول يبالغون فى تكريم الرقيق ومعاملتهم بالحلم حتى صاروا يقصرون فى الخدمة، ولعمر الحق إنّ العبد المملوك فى حكم الإسلام الأول كان أعزّ نفسا وأطيب عيشا من جميع الأحرار الذين ابتلوا فى هذه العصور بحكم دول الإفرنج من غيرهم أو نفوذهم.

стр. 245

خلاصة البحث فى تحرير الدلالة على إثبات الوحى وحجة الله به على جميع الخلق راجع ما تقدم من الكلام على الوحى والنبوة وآيات الأنبياء عندنا وعند النصارى، ومن الكلام فى تفنيد شبهة الوحى النفسى، والكلام فى إعجاز القرآن اللغوى والعلمى وما أحدثه من الثورة العالمية والانقلاب الإنسانى من كل وجه، ثم أضف إليها تلك العشرة أنواع من مقاصد القرآن، وفى إصلاح البشر وتكميل نوع الإنسان، من جميع نواحى التشريع الروحى والأدبى والاجتماعى والمالى والسياسى، وهى التى اشتدت حاجة الشعوب والدول إليها فى هذا العصر، موضحة بما بينّاه من أصول وقواعد فى الإسلام، هى أصحّ وأكمل وأكفل للمصالح العامة، ودفع المفاسد القديمة والطارئة من كل ما سبقها من تعاليم الأنبياء، وفلسفة الحكماء وقوانين الملوك والحكام، على اختلاف العصور، مع العلم القطعى من تاريخ محمد ﷺ أنه كان أميا يؤثر بطبعه عيشة العزلة، فلم يتفق له الاطلاع على كتب الأنبياء ولا غيرها من الكتب والقوانين، وأنه لم يعرف عنه أنه كان يبحث فى شىء من العلوم، ولا أنه نطق بشيء من مسائلها، ولا أنه عرف بالبلاغة والفصاحة، أو عنى بالشعر أو الرجز أو الخطابة، والعلم القطعى بأنه إنما جاء بها فى هذا القرآن بعد استكمال سن الأربعين وهى سن لم يعرف فى استعداد أنفس البشر ومدركات عقولهم ولا فى تاريخهم أن صاحبها يأتنف مثلها ائتنافا لم يسبق له البدء بشيء منه فى أنف عمره، وآنفه شبابه وشرخه. راجع هذا كله وتأمّل جملة واحدة تجد عقلك مضطرا إلى الجزم بأن هذا فى جملته وتفصيله فوق استعداد بشر أمى أو متعلم، وأنه لا يعقل إلا أن يكون وحيا من الله تعالى اختصه به. فإذا فرضنا أنه يحتمل أن يكون شىء منها من تأثير الوراثة والبيئة والتربية، وأن يكون قد تسرب إلى ذهنه بعض مسائلها من أفواه عقلاء قومه أو غيرهم ممن لقى فى أسفاره القليلة، أو أنه فكر فى حاجة البشر إلى مثلها بما أدركه بذكائه الفطرى من سوء حالهم، فهل يعقل أن تكون تلك الفلتات الشاردة، وهذه الخطرات الواردة، تبلغ هذا الحد من التحقيق والوفاء بحاجة الأمم كلها، وأن تظل كلها مكتومة من سن الصبا وعهد حب

стр. 246

الظهور إلى أن تظهر فى سن الكهولة بهذه الروعة من البيان، وسلطان البلاغة على القلوب، وقوة البرهان فى العقول، فتحدث هذه الثورة العربية المغيرة لطباعها، والمبدلة لأوضاعها، بحيث تسود بها شعوب المدنية كلها، ويتلو ذلك ما قصه التاريخ من الانقلاب فى العالم كله بها؟ وأعجب من هذا كله أن يظهر فى هذا العصر أنّ أمم العلم والفنون الواسعة والحضارة العجيبة أشد حاجة إليها ممن قبلهم؟ كلا. إن هذا لم يعرف مثله فى البشر، فلم يبق إلا أنه علم موحى به من الله مفروض على كل عاقل بلغته دعوته أن يتبعه ويهتدى به لتكميل إنسانيته، وهداية أمته، وإعدادها لسعادة الدنيا والآخرة. فإن اعترضته شبهة عليه فليبحث عنها أو لينبذها، فما كان لعاقل ثبت عنده نفع علم الطب أن يترك مراعاته فى حفظ صحته، أو مداواة مرضه، لشبهة فى بعض مسائله، أو خيبة الأطباء فى بعض معالجاتهم للمرضى. فهو أعظم أطباء الأرواح والاجتماع فيهم. قال الله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩]. ***

стр. 247

الخاتمة فى تجديد التحدى بتعاليم الوحى المحمدى، ودعوة شعوب الحضارة إلى الدين الإسلامى تلك عقائد دين محمد وقواعد تشريعه، وأصول إصلاحه الدينى والاجتماعى والمالى والسياسى، مسرودة بالإجمال، مؤيدة بشواهدها من آيات القرآن، مجرّدة من حلل المبالغات الخطابية، وعاطلة من حلى الخلابة الشعرية، ونحن المسلمين نتحدّى الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم، ولا سيما أحرار الإفرنج، بأن يأتونا بمثلها أو بما يقرب منها من تاريخ الأنبياء، وأشهر الحكماء، وأبلغ الأدباء، وأنبغ ساسة الأولين والآخرين مع صرف النظر عن كونه ﷺ كان- كما بينا أولا وآخرا- أميا، وجاء بذلك كله بعد استكمال السن التى صرح علماؤهم بأن الإنسان يستحيل أن يبتدئ فيها علما أو فنا، أو يسن فيها شرعا أو يضع قانونا، أو أن ينهض فى العالم بانقلاب عظيم أو عمل خطير، مما لم يكن قد ظهر استعداده له وأخذ بمقدماته فى ريعان الصبا، وشرخ الشباب، وقد بينا الفرق العظيم بينه وبين موسى وعيسى أعظم أنبياء بنى إسرائيل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. نتحداهم بهذا القرآن تحديا علميا إصلاحيا سياسيا فى أرقى عهد للبشر فى العلم الكسبى، مع صرف النظر عما كان من تحدى سلفنا بإعجاز عبارته وأسلوبها وبلاغتها العربية فى أرقى عصورها، ونتحداهم به تحديا عمليا من حيث إن تنفيذ محمد ﷺ لإصلاحه فى تأثيره وسرعته وعمومه من أكبر المعجزات التى تفوق استعداد البشر، فكيف وقد اجتمع العلم والعمل. وبيانه أن العلم مما يصلح به حال البشر فى أفرادهم وجماعاتهم وشعوبهم علم واسع يقل فى الأذكياء من يتقن المدون منه فى الكتب الذى يلقن فى المدارس، ثم يقل من يستطيع تنفيذ ما يتعلمه منه فى أمة يتولى أمر سياستها وإدارة الأحكام فيها، فهل فى الإمكان أن يوجد إنسان يضع هذا العلم ذا الشّعب الكثيرة، بل العلوم العالية، ثم يكون هو الذى يتولى تنفيذها وإصلاح أمة كبيرة بها، ويتم له النجاح فى ذلك بنفسه فى عصره؟. إن هذا ليس فى استطاعة أحد من البشر، ولم يقع من أحد منهم فيما غير، وأصول هذا الإصلاح وفروعه محفوظة إلى اليوم وقد فسد أكثر البشر لتركهم الاهتداء بها!!

стр. 248

وأما تنفيذ محمد ﷺ لهذه التعاليم فقد تم فى عشر سنين من تاريخ الهجرة الذى كان بدء حياة الحرية له ولمن آمن به، وقد ظل قبلها يدعو إلى أصولها المجملة عشر سنين أولا بالسر، ثم بالجهر مع احتمال الاضطهاد والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل والنفى الذى اضطر المؤمنين إلى هجرة بعد هجرة، وبعد الهجرة بالتبع له ﷺ صار لهم قوة فكان المشركون يعتدون عليهم ويقاتلون فى دار هجرتهم فكانوا فى حالة الحرب وقتال مع المشركين كافة، وكذا أهل الكتاب المجاورين له، وكان ﷺ عقد لليهود معاهدة بتأمينهم على دينهم وأنفسهم وأموالهم بشرط ألا يظاهروا المشركين عليه، فنقضوا عهده المرة بعد المرة، وظاهروهم بل أغروهم بقتاله، فاضطر إلى قتالهم وإجلائهم من جواره فى الحجاز، وظل المسلمون فى نضال مع المشركين مدة ست سنين، مدافعين عن أنفسهم فى كل قتال دفاع الضعيف- المؤيد من الله- للأقوياء المخذولين، وفى أواخر السنة السادسة عقد معاهدة الحديبية مع المشركين على وضع القتال عشر سنين، ثم غدر المشركون ونقضوا العهد، فعادت حالة الحرب، وفتح المسلمون مكة عاصمة قريش الدينية والدنيوية، ومثابة جميع الأمة العربية، فى سنة ثمان من الهجرة، وحج النبى ﷺ حجة الوداع فى آخر سنة عشر، وأنزل الله تعالى عليه فى يوم عرفة منها: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣]. ففي عشر سنين تم توحيد الأمة العربية التى كانت أعرق أمم الأرض فى الشقاق والتفرق والعداء، وإنما كان ذلك بتأثير كتاب الله وتأييده لرسوله كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٢، ٦٣]، وبما أعدّه الله تعالى له من إتمام مكارم الأخلاق، وما وفقه وأرشده إليه من حسن السياسة المبنية فى قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، وذلك أن العرب كانت أعصى خلق الله على الخضوع والطاعة والانقياد، لعراقتهم فى الحرية وشدّة بأسهم وعدم ابتلائهم بالملوك المستبدين القاهرين، والرؤساء الروحيين المسيطرين الذين يذللون الأمم ويخضعونها لكل ذى سلطان قوى. فليدلنا علماء التاريخ العام على نبى من الأنبياء أو حكيم من الحكماء، أو ملك من

стр. 249

الملوك الفاتحين والمشرعين، ربّى أمة من الأمم فى عشر سنين أو عشرين، فجعلها أهلا لفتح الأمصار، والسيادة على الأمم الحضرية، وسياستها بالعدل والرحمة، وتحويلها عن أديانها ولغاتها بالإقناع وحسن القدوة، ولا نشترط أن تكون هذه الأمة التى علمها وهذبها ووحدها رجل واحد كالأمة العربية فى عتوها ولا أن يكون هذا الرجل أميّا كمحمد ﷺ . فأين الوحدة الجرمانية والوحدة الطليانية فى عصر العلوم والفنون والفلسفة والحضارة والقوانين ونظم الاجتماع والحرب، من الوحدة العربية المحمدية فى عهد الأمية والجاهلية؟ بل أين الوحدة الإسرائيلية، فى عهد الآيات والعجائب الكونية من الوحدة العربية الخاصة، ثم الوحدة الإسلامية العامة فى عهد آيات القرآن وعلومه الإلهية؟. ثم نفّذ ذلك التشريع الأعلى، والهداية المثلى، خلفاء محمد الراشدون، وكثير من ملوك المسلمين الصالحين، بما شهد لهم به تاريخهم، واعترف لهم به المؤرخون المنصفون من الإفرنج وغيرهم، بالجمع بهما بين العدل والرحمة، وبأنهم جدّدوا بهما الحضارة الإنسانية ورقوها، وأحيوا العلوم والفنون الميتة وهذّبوها واستثمروها، وكانوا أساتذة العالم فيها. ثم كان من قوة هذا الدين فى الحق والفضائل أن عادته جميع أمم الإفرنج وحاربته بجميع قواتها الصليبية- الهمجية منها والمدنية- ثم بعلومها وفنونها ونظمها المدهشة، ولا تزال تحاربه وتبذل الملايين من الدنانير لتحويل أهله عنه، بعد زوال قوة دوله، وغلبة الجهل على شعوبه، بجميع أساليب الدعوة المسماة بالتبشير، وبجميع وسائل القوة والنظام، وبمساعدة الملحدين فيه كالقاديانية، وتقترف دولهم وجمعياتهم الدينية فى ذلك من رذائل الظلم والبغى والكذب ما يتبرأ من مثله شرار المجرمين، ولم يستطيعوا له هدما، ولا أن ينصروا مسلما واحدا عرف الإسلام «١». قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٢، ٣٣].

стр. 250

نتيجة التحدى بالوحى المحمدى: دعوة شعوب المدنية: أوروبا وأمريكا واليابان، بلسان علمائها إلى الإسلام لإصلاح فساد البشر المادى وتمتيعه بالسلام، والإخاء الإنسانى العام إذا عجز حكماء هذا العصر والحياة والاجتماع والأخلاق والمؤرخون من أحرار الإفرنج وغيرهم عن إخبارنا بوجود رجل مثل محمد ﷺ فيما علم من تاريخه المعروف والمشهور بمثل هذا القرآن فى خصائصه، ولا سيما التعاليم التى لخصنا كلياتها فى هذا الكتاب، وقدر أن ينفذها ويربى بها أمة كالأمة العربية حتى كان لها بها من الأثر الدينى والمدنى فى العالم مثل أثرها- وأنهم لعاجزون عن ذلك قطعا- أفلا يكون عجزهم هذا برهانا على أن دين محمد، وكتاب محمد، وهدى محمد، وتربية محمد للأمة العربية، بما قلب به نظام العالم الإنسانى كلها، وحولها إلى ما هو خير منها- كل أولئك من خوارق العادات، وما لا يقبل المرء الظاهر من المعجزات؟ بلى. وإذا كان حقا واقعا ما له من دافع، فما المانع من عدّ هذه التعاليم وحيا من رب العالمين، العليم الحكيم؟ وما معنى كونها وحيا إلا أنها علم أفاضه الله تعالى على روح محمد وقلبه، بطريقة خفية غير طرق العلم الكسبية المعروفة للبشر عامة، وفوق الإلهامات النفسية القليلة التى تؤثر عن بعض الخاصة؟ وما معنى كونها معجزة إلا أنها جاءت على غير المعهود فى علم البشر الكسبى والنفسى، وخلاف المقرر فى علم النفس والفلسفة العقلية وسنن الاجتماع، وتواريخ الأمم، وسير الحكماء والعلماء والملوك، وفوق المعروف عن الأنبياء أيضا، وإن كانت من جنسها، فالأنبياء قد أنبئوا ببعض الغيوب الحاضرة فى عصرهم والعصور التى أتت بعدهم- وأنبأ محمد ﷺ بما هو أصرح منها وأظهر وأكثر، وبغيوب سابقة كانت قبل نبوته بقرون، ولكن لم يجئ أحد منهم بمثل ما تقدم إجماله فى المقاصد العشرة العالية من العلم والحكمة والتشريع. قد بينّا لكم أيّها العلماء الأحرار، بطلان ما اخترعته عقول المنكرين لنبوة محمد ﷺ من العلل والآراء، لجعل ما جاء به من العلم الإلهى الأعلى، والتشريع المدنى الأسمى، والحكمة الأدبية المثلى، نابعا من استعداده الشخصى، وما اقتبسه فى بيئته وأسفاره من أقوال بعض الأعراب، وهى شوارد ما كان يعنى مثله بحفظها، وآراء أهل الكتاب، وهى أوابد ما كان يثق بها فيحفل بقيدها، ولا كان هذا من شأنه، وعلمتم أن بعض ما قالوه افتراء على
следующие страницы →