← Общие книги

Общие книги · id 8642

الوحي المحمدي

محمد رشيد رضا

Полный текст (259 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ افتتح الحافظ البخارى هذا الباب، بل الكتاب كله بروايته لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» ثم قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى «١»؟ قال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس «٢» وهو أشده علىّ، فيفصم «٣» عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا «٤» فيكلمنى فأعي ما يقول، قالت عائشة رضى الله عنها:

стр. 72

(ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا «١»). حدّثنا يحيى بن بكير، قال حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم «٢»، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه «٣» - وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق «٤» وهو فى غار حراء فجاءه الملك فقال: «أقرأ، قال: ما أنا بقارئ «٥»، قال: فأخذنى فغطّنى «٦» حتى بلغ منّى

стр. 73

الجهد، ثم أرسلنى فقال: أقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطّنى الثانية، حتى بلغ منّى الجهد، ثم أرسلنى فقال: أقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطّنى الثالثة. ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ «١» [العلق: ١ - ٣]»، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: «زمّلونى زمّلونى» فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسى «٢»» فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا «٣» إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به- خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصر فى الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب «٤»، وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: يا ابن

стр. 74

عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخى ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بخبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس «١» الذى نزّل الله على موسى، ليتنى فيها جذعا «٢»، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجى هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن لم يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب «٣» ورقة أن توفى وفتر الوحى «٤». قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصارى قال وهو يحدث عن فترة الوحى فقال فى حديثه: «بينما أنا ماش إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت زملونى فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: ١ - ٥]، فحمى الوحى وتتابع «٥» أ. هـ.

стр. 75

وأقول: أخرج البخارى حديث جابر فى تفسير سورة المدثر من طرق فى بعضها: أن أولها هو أول ما أنزل مطلقا وفى البعض الآخر أنها من حديث النبى ﷺ عن فترة الوحى كالتى هنا، وقد عبّر ﷺ عن رعبه من رؤية الملك بقوله: (فجئثت منه رعبا) وفى رواية أخرى: (فجئثت منه حتى وهيت إلى الأرض)، أى فزعت وخفت وهو بضم الجيم وكسر الهمزة بالبناء للمفعول. هذا هو المعتمد عند المحدثين فى أول ما نزل من القرآن، والمشهور أنه نزل بعد أول المدثر سورة المزمل تامة وبعدها بقية سورة المدثر؛ وقال مجاهد: أول ما نزل سورة (ن والقلم) وهو غلط، وروى عن علىّ كرم الله وجهه أن أول ما نزل سورة الفاتحة واعتمده شيخنا فى توجيه كونها فاتحة الكتاب، ويمكن أن يراد أنها أول سورة تامة نزلت بعد بدء الوحى بالتمهيد التكوينى، ثم بالأمر بالتبليغ الإجمالى، وتلاها فرض الصلاة ونزول سورة المزمّل أو نزلتا فى وقت واحد. وسيأتى كلام آخر فى فترة الوحى وأول ما نزل بعده.

стр. 76

بسط ما يصورون به الوحى النفسى لمحمد ﷺ ها أنا ذا قد بسطت جميع المقدمات التى استنبطوها من تاريخ محمّد ﷺ وحالته النفسية والعقلية، وحالة قومه ووطنه، وما تصوروا أنه استفاده من أسفاره، ما كان من تأثير خلواته وتحنثه وتفكره فيها، وقفيت عليها بأصحّ ما رواه المحدثون فى الصحاح من صفة الوحى وكيف كان بدؤه وفترته، ثم كيف أمر نبيه ﷺ بتبليغه ودعوة الناس إلى الحق، وكيف حمى وتتابع؟. وأبين الآن كيف يستنبطون من ذلك أن هذا الوحى قد نبع من نفس محمد وأفكاره بتأثير ذلك كله فى وجدانه وعقله، بما لم أر ولم أسمع مثله فى تقريبه إلى العقل، ثم أقفى عليه بما ينقضه من أساسه بأدلة العقل والنقل والتاريخ والصحيح من وصف حالته ﷺ فأقول: يقولون (أولا): إن عقل محمد الهيولانى- أو ما يسمونه فى عصرنا بالعقل الباطن- قد أدرك بنوره الذاتى بطلان ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام، كما أدرك ذلك أفراد آخرون من الأقوام. ونقول: آمنا وصدّقنا. (ثانيا): أن فطرته الزكية قد احتقرت ما كانوا يتنافسون فيه من جمع الأموال بالربا والقمار. ونقول: آمنا وصدّقنا. (ثالثا): إن فقره وفقر عمه (أبى طالب) الذى كفله صغيرا حال دون انغماسه فيما كانوا يسرفون فيه من الاستمتاع بالشهوات؛ من السكر والتسرى وعزف القيان. ونقول الصحيح: إنه ترك ذلك احتقارا له لا عجزا عنه. (رابعا): إنه طال تفكره فى إنقاذهم من ذلك الشرك القبيح، وتطهيرهم من تلك الفواحش والمنكرات. ونقول: لا مانع من ذلك.

стр. 77

(خامسا): أنه استفاد من أسفاره وممن لقيه فيها، وفى مكة نفسها من النصارى كثيرا من المعلومات عن النبيين والمرسلين الذين بعثهم الله فى بنى إسرائيل وغيرهم فأخرجوهم من الظلمات إلى النور. ونقول: إنّ هذا لم يصح عندنا ولا يضرنا. (سادسا): أنّ تلك المعلومات لم تكن كلّها مقبولة فى عقله لما عرض للنصرانية من الوثنية بألوهية المسيح وأمه، وغير ذلك وبما حدث فيها من البدع. ونقول: هذا مبنى على ما قبله، فهو معقول غير منقول. (سابعا): إنه كان قد سمع أنّ الله سيبعث نبيا مثل أولئك الأنبياء من العرب فى الحجاز قد بشر به عيسى المسيح وغيره من الأنبياء، وأن هذا علق بنفسه فتعلق رجاؤه بأن يكون هو ذلك النبى الذى آن أوانه. ونقول: إن هذا استنباط لهم مما قبله غير صحيح وسيأتى ما فيه. (ثامنا): وهو نتيجة ما تقدم: أنه توسل إلى ذلك بالانقطاع إلى عبادة الله تعالى والتوجه إليه فى خلوته بغار حراء فقوى هنالك إيمانه، وسما وجدانه، فاتسع محيط تفطره، وتضاعف نور بصيرته، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات البيّنات فى ملكوت السموات والأرض على وحدانية مبدع الوجود، وسر النظام السارى فى كلّ موجود، بما صار به أهلا لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وما زال يفكر ويتأمل، وينفعل ويتململ، ويتقلّب بين الآلام والآمال، حتى أيقن أنه هو النبىّ المنتظر، الذى يبعثه الله لهداية البشر، فتجلّى له هذا الاعتقاد فى الرؤى المنامية ثم قوى حتى صار يتمثل له الملك يلقنه الوحى فى اليقظة. وأما المعلومات التى جاءته فى الوحى فهى مستمدة الأصل من تلك الينابيع التى ذكرناها، ومما هداه إليه عقله وتفكره فى التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ولكنها كانت تتجلّى له نازلة من السماء، وأنها خطاب الخالق بواسطة الناموس الأكبر ملك الوحى جبريل روح القدس ﵇، الذى كان ينزل على موسى بن عمران، وعيسى ابن مريم وغيرهما من النبيين ﵈. وقال أحد ملاحدة المصريين: إن سولون الحكيم اليونانى وضع قانونا وشريعة لقومه فليس بدعا فى العقل أن يضع محمد شريعة أيضا، وسأبين فساد هذا الرأى أيضا.

стр. 78

تفنيد تصويرهم للوحى النفسى وإبطاله من وجوه (الوجه الأول): إن أكثر المقدمات التى أخذوا منها هذه النتيجة هى آراء متخيّلة، أو دعاوى باطلة، لا قضايا تاريخية ثابتة، كما بيناه عند ذكرها، وإذا بطلت المقدمات بطل لزوم النتيجة لها. مثال ذلك: زعمهم أن محمدا ﷺ سمع من نصارى الشام خبر غلب الفرس وظهورهم على الروم؛ ليوهموا النّاس أنّ ما جاء فى أول سورة الروم من الإنباء بالمسألة، وبأن الروم سيغلبون الفرس بعد ذلك؛ هو مستمد مما سمعه ﷺ من نصارى الشام، وهذا مردود بدلائل التاريخ والعقل؛ فأما التاريخ فإنه يحدثنا بأن ظهور الفرس على الروم كان فى سنة ٦١٠ م وذلك بعد رحلة محمد الأخيرة إلى الشام بأربع عشر سنة وقبل بدء الوحى بسنة. ثم إن التاريخ أنبأنا أنّ دولة الروم كانت مختلة معتلّة فى ذلك العهد بحيث لم يكن أحد يرجو أن تعود لها الكرّة والغلب على الفرس، حتى أن أهل مكة أنفسهم هربوا بالخبر، وراهن أبو بكر أحدهم على ذلك وأجازه النبى ﷺ فربح الرهان «١»، وأما العقل فإنه يحكم بأن مثل محمد فى سمو إدراكه المتفق عليه لا يمكن أن يجزم بأن الغلب سيعود للروم على الفرس فى مدة بضع سنين، لا من قبل الرأى ولا من الوحى النفسى المستمد من الأخبار غير الموثوق بها، وقد صحّ أن انتصار الروم وقع سنة ٦٢٢ م، وكان وحى التبليغ للنبى ﷺ سنة ٦١٤ م، فإذا فرضنا أنّ سورة الروم نزلت فى هذه السنة يكون النصر قد حصل بعد ثمانى سنين، وإن كان فى السنة الثانية تكون المدة سبع سنين، وهو المعتمد فى التفسير، والبضع يطلق على ما بين الثلاث والتسع. والحكمة فى التعبير عن هذا النبأ بقوله تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ٢ - ٤]، ولم يقل بعد سبع أو ثمان

стр. 79

مثلا، هى إفادة أن الغلب يكون فى الحرب الممتدة فى هذه المدة، وأنباء الوحى والعبر لا تكون بأسلوب التاريخ يحدد الوقائع بالسنين، وليس فى وعود القرآن الكثيرة للمسلمين بالنصر وغيره من أنباء الغيب ذكر السنين ولا الشهور، فهذه الآية فريدة فى بابها. ومثال آخر: ما زعموا من مروره ﷺ فى رحلته إلى الشام بأرض مدين وحديثه مع أهلها، الذى أرادوا به أن يجعلوه أصلا لما جاء فى القرآن من أخبارها والخبر باطل كما أشرنا إليه عند نقلنا إياه فى المقدمات، ولو صحّ لما كان من المعقول أن يعتمد محمد على ما سمعه فى الطريق من أناس مجهولين لا يوثق بمعرفتهم ولا يصدقهم فيجعله أصلا للوحى الذى جاءه فى قصة موسى وقصة شعيب ﵉. (الوجه الثانى): لو كان النبىّ ﷺ تلقى عن علماء النصارى فى الشام شيئا أو عاشرهم لنقل ذلك أتباعه الذين لم يتركوا شيئا علم عنه أو قيل فيه- ولو لم يثبت- إلا ودونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى إسناده وما علم من سيرة رواته. (الوجه الثالث): لو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أنّ ما يدعيه من الوحى قد تعلّمه فى الشام من النصارى، فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة، وهو أنه كان فى مكة قين (حداد) روميّ يصنع السيوف وغيرها، فكان النبى ﷺ يقف عنده أحيانا يشاهد صنعته فاتهموه بأنه يتعلم منه، فرد الله عليهم بقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣]. (الوجه الرابع): نصوص القرآن صريحة فى أنه ﷺ لم يكن يعرف شيئا من أخبار الرسل وقصصهم قبل الوحى، وهم متفقون معنا على أنه ﷺ لم يكن يكذب على أحد فضلا عن الكذب على الله ، كما اعترف بذلك أعدى أعدائه أبو جهل، كما أنهم متفقون معنا على قوة إيمانه بالله ويقينه بكل ما أوحاه إليه. ومن الشواهد على ذلك: قوله تعالى عقب قصة موسى فى مدين وما بعدها من سورة القصص: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الآيتان: ٤٤، ٤٥]، وقوله بعد قصة نوح من سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ

стр. 80

نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [الآية: ٤٩]، ونحوه فى أواخر سورة يوسف بعد قصته: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [الآية: ١٠٢]. ومن الشواهد التى لم يكن يعرفها أحد من أهل الكتاب قوله تعالى بعد قصة زكريا وولادة مريم وكفالته لها، فيتوهم أنه مأخوذ عنهم: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤]. الأقلام: جمع قلم تطلق على الأزلام والأقداح التى كانوا يلقونها لضرب القرعة لإزالة الخلاف فيما يتنازعون فيه، وعلى أقلام الكتابة، وتكون القرعة بأوراق تخلط بها كما هو المعهود فى عصرنا، والمعنى أنهم اختصموا وتنازعوا فى كفالة مريم وتربيتها عناية بأمرها فأصابت القرعة زكريا عليه وعليها السلام، كما قال تعالى فى أول قصتها. (الوجه الخامس): أنه لم يرد فى الأخبار الصحيحة والمرفوعة «١» أن محمدا ﷺ كان يرجو أن يكون هو النبى المنتظر الذى يتحدث عنه بعض علماء اليهود والنصارى قبل بعثته، ولو روى عنه شىء من ذلك لدوّنه المحدثون لأنهم ما تركوا شيئا بلغهم عنه إلا ودوّنوه، كما رووا مثله عن أمية بن أبى الصلت، بل صرح القرآن المجيد بأنه لم يكن يرجو هذا ولا يؤمله، قال تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: ٨٦]، أى لكن ألقى إليك رحمة من ربك بك وبالناس كلهم لا كسب لك فيه بعلم ولا عمل، ولا رجاء، ولا أمل، فهذا تأكيد وتكميل الشاهد الأول من الوجه الرابع. (الوجه السادس): أن حديث بدء الوحى الذى أثبته الشيخان فى الصحيحين، وغيرهما من المحدثين صريح فى أنه ﷺ لما رأى الملك أول مرة ولم تجد زوجته خديجة بنت خويلد العاقلة المفكرة وسيلة يطمئن بها على نفسه، وتطمئن هى عليه إلا استفتاء أعلم العرب بهذا الشأن وهو ابن عمها ورقة بن نوفل الذى كان تنصر، وقرأ كتب اليهود والنصارى. (الوجه السابع): لو كانت النبوة أمرا كان يرجوه محمد ويتوقعه، وكان قد تم استعداده له باختلائه وتعبده فى الغار، وما صوروا به حاله فيه من الفكر المضطرب، والوجدان الملتهب، والقلب المتقلب، حتى إذا كمل استعداده. تجلّى له رجاؤه واعتقاده، بما تم به مراده، لظهر عقب ذلك كل ما كانت تنطوى عليه نفسه الوثّابة، وفكرته الوقّادة، فى سورة

стр. 81

أو سور من أبلغ سور القرآن، فى بيان أصول الإيمان، وتوحيد الديان، واجتثاث شجرة الشرك وعبادة الأوثان، وتشريع الأحبار والرهبان، واتخاذ الولد للرحمن، وإنذار رءوس الكفر والطغيان، ما سيلقون فى الدنيا من الخزى والنكال، وفى الآخرة من عذاب النار كسور المفصل ولا سيما (ق والقرآن المجيد)، والذاريات، والطور، والنجم والقمر، ثم الحاقة والنبأ، أو فى سورة أو أكثر من السور الوسطى التى تقرعهم بالحجج، وتأخذهم بالعبر، وتضرب لهم المثل، بسنن الله فى الرسل، كسور الأنبياء والحج والمؤمنون. ولكنه ظل ثلاث سنين لم يتل فيها على الناس سورة ولم يدعهم إلى شىء ولا تحدث إلى أهل بيته ولا أصدقائه بمسألة من مسائل الإصلاح الدينى الذى توجهت إليه بزعمهم نفسه، ولا من ذم خرافات الشرك الذى ضاق به ذرعه. إذ لو تحدث بذلك لنقلوه عنه، وناهيك بألصق الناس به، خديجة وعلىّ وزيد بن حارثة فى بيته وأبى بكر الصديق الذى عاشره طول عمره- فهذا السكوت وحده فى فترة الوحى برهان قاطع على بطلان ما صوروا به استعداده للوحى الذاتى الذى زعموه، واستمداده لعلومه من التلقى الذى اختلقوه والاختبار الذى توهموه. (الوجه الثامن): أن ما نقل من ترتيب نزول الوحى بعد هذه الفترة الطويلة جاء موافقا لما كان يتجدّد من الوقائع والحوادث الطارئة، دون ما زعموا من الأمور السابقة، فقد نزل ما بعد صدر سورة المدثر ردا على قول الوليد بن المغيرة المخزومى الذى قاله فى القرآن؛ فقد أراده أبو جهل أن يقول فيه قولا يبلغ قومه أنه منكر له، وأنه كاره له، بعد أن علم أنه تحرى استماعه من محمّد ﷺ وأعجب به، قال له الوليد: وماذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر، لا برجزه ولا بقصيدة منى، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذى يقول شيئا من هذا، وو الله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله «١»، وإنه ليعلو وما يعلى، وأنه ليحطم ما تحته. قال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، فقال: دعنى حتى أفكر، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره من غيره، فنزلت الآيات: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً [المدثر: ١١، ١٢ إلى ٣٠]. رواه الحاكم عن ابن عباس بإسناد صحيح على شرط البخارى. وقد نزلت سورة اقرأ فسورة ن والقلم، فسورة المزمل قبل سورة المدثر، ونزل بعدها أكثر من ثلاثين سورة من قصار المفصل وأوساطه ليس فيها شىء مما زعموا أنه تلقاه أو شاهده

стр. 82

فى الأسفار، ولا مما وصفوا من أفكاره فى الغار، فليراجع ترتيب نزول السور فى كتاب الإتقان من شاء. (الوجه التاسع): إن هذه المعلومات المحمدية التى تصورها هؤلاء المحللون لمسألة الوحى قليلة المواد ضيقة النطاق عن أن تكون مصدرا لوحى القرآن. وإن القرآن لأعلى وأوسع وأكمل من كل ما كان يعرفه مثل بحيرا، ونسطور، وكل نصارى الشام ونصارى الأرض ويهودها. دع الأعراب الذين كان يمرّ بهم النبى ﷺ بالطريق إلى الشام أو حضرهم. وأن القرآن نزل مصدقا لكتب أهل الكتاب من حيث كونها فى الأصل من وحى الله إلى موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم، ونزل أيضا مهيمنا عليها؛ أى: رقيبا وحاكما كما نصت عليه الآية (٤٨) من سورة المائدة ومما حكم به على أهلها من اليهود والنصارى أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب «١»، أى: لا كله ونسوا حظا آخر منه وأنهم حرفوا كلمه عن مواضعه «٢»، وبين كثيرا من المسائل الكبرى مما خالفوا واختلفوا فيه من العقائد والأحكام والأخبار «٣»، ومثل هذه الأحكام العليا عليهم، لا يمكن أن تكون مستمدة من أفراد من الرهبان أو غير الرهبان، أفاضوها على محمد فى رحلته التجارية إلى الشام. سواء أكان عند بعضهم بقية من التوحيد الموسوي والعيسوي الذى كان يقول به آريوس وأتباعه أم لا؟ وسواء أكان لدى بعضهم بقية من الأناجيل التى حكمت الكنيسة الرسمية بعد قانونيتها (أبو كريف) كإنجيل طفولة المسيح وإنجيل برنابا أم لا؟ فمحمد لم يعقد فى الشام ولا فى مكة مجمعا مسيحيا كمجامع الكنيسة للترجيح بين الأناجيل والمذاهب المسيحية ويحكم بصحة بعضها دون بعض. إنّ وقوع مثل هذا منه فى تلك الرحلة مما يعلم واضعو هذه الأخبار ببداهة العقل مع عدم النقل أنه محال عادة، وعلى فرض وقوعه يقال: كيف يمكن أن يحكم بين تلك الأناجيل وتلك المذاهب برأيه فى تلك الخلسة التجارية للنظر فيها ويأمن على حكمه الخطأ؟ وقد صحّ عنه أنه قال لأصحابه فى شأن أهل الكتاب: «لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم «٤»»،

стр. 83

يعنى فيما سكت عنه القرآن لئلا يكون ما كذبوهم فيه مما حفظوا أو يكون ما صدقوهم به مما نسوا حقيقته أو حرفوا أو بدلوا. (الوجه العاشر): أن ما فى القرآن ما هو مخالف للعهدين العتيق والجديد، وهو مما لا يعلم إلى الآن أن أحدا من اليهود والنصارى قال به، كمخالفة سفر الخروج فيمن تبنت موسى، ففيه أنها ابنة فرعون وفى القرآن أنا امرأته، وفيما فيه من عزو صنع العجل الذى عبده بنو إسرائيل إلى هارون ﵇ بعزوه إياه إلى السامرى وإثباته لإنكار هارون عليهم فيه، وغير ذلك. بل ما جاء به محمد أكبر وأعظم من كل ما فى الكتب الإلهية ما صحّ منها وما لم يصح كما سنبينه. رويدكم أيها المفتاتون «١» الذين يقولون ما لا يعلمون، إنّ وحى القرآن أعلى مما تزعمون، وأكبر مما تتصورون وتصورون، وإنّ محمدا أقل علما كسبيا مما تدعون وأكمل استعدادا لتلقى كلام الله عن الروح القدس مما تستكبرون. وإذا كان وحى القرآن أعلى وأكمل من جميع ما حفظ عن أنبياء الله ورسله، لأنه الخاتم لهم، المكمّل لشرائعهم الخاصة الموقوتة، فأجدر به أن يكون أكمل مما وضعه (سولون) الفيلسوف اليونانى الذى شبه محمدا بأحد ملاحد عصرنا فى مصرنا، مع بعد الشبه بين أمى نشأ بين الأميين، وفيلسوف نشأ فى أمة حكمة، وتشريع ودولة وسياسة، ودخل فى كل أمور الأمة والدولة كسولون هذا «٢».

стр. 84

القول الحق فى استعداد محمد ﷺ للنبوة والوحى التحقيق فى صفة حال محمد ﷺ من أول نشأته، وإعداد الله تعالى إياه لنبوته ورسالته: هو أنه خلقه كامل الفطرة؛ ليبعثه بدين الفطرة، وأنه خلقه كامل العقل الاستقلالى الهيولانى ليبعثه بدين العقل المستقل والنظر العلمى، وأنه كمل بمعالى الأخلاق، ليبعثه متمما لمكارم الأخلاق، وأنه بغّض إليه الوثنية وخرافات أهلها ورذائلهم من صغر سنه، وحبب إليه العزلة حتى لا تأنس نفسه بشيء يتنافسون فيه من الشهوات واللذات البدنية، أو منكرات القوة الوحشية، كسفك الدماء، والبغى على النّاس، أو المطامع الدنيئة كأكل أموال الناس بالباطل- ليبعثه مصلحا لما فسد من أنفس الناس، ومزكيا له بالتأسى به، وجعله المثل البشرى الأعلى، لتنفيذ ما يوحيه إليه من الشرع الأعلى. فكان من عفته أن سلخ من سنى شبابه وفراغه خمسا وعشرين سنة مع زوجته خديجة كانت فى عشر منها كهلة نصفا أم أولاد، وفى ١٥ منها عجوزا يائسة من النسل، فتوفيت فى الخامسة والستين وهى أحبّ الناس إليه، وظلّ يذكرها ويفضّلها على جميع من تزوّج بهن من بعدها، حتى عائشة بنت الصديق على جمالها وحداثتها وذكائها، وكمال استعدادها للتبليغ عنه، ومكانة والدها العليا فى أصحابه، وظلّ طول عمره يكره سفك الدماء ولو بالحقّ، فكان على شجاعته الكاملة، يقود أصحابه لقتال أعداء الله وأعدائه المعتدين عليه وعليهم، لأجل صدّهم عن دينه، ولكنه لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا منهم (هو أبىّ بن خلف) كان موطنا نفسه على قتله ﷺ فهجم عليه وهو مدجج بالحديد من مغفر ودرع، فلم يجد ﷺ بدا من قتله فطعنه فى ترقوته من خلال الدرع والمغفر فقتله، وظل طول عمره ثابتا على أخلاقه من الزهد والجود والإيثار، فكان بعد ما أفاء الله عليه من غنائم المشركين واليهود يؤثر التقشف وشظف العيش على نعمته، مع إباحة شرعه لأكل الطيّبات ونهيه عن تركها تدينا، وكان يرفع ثوبه ويخصف نعله، مع إباحة دينه للزينة وأمره بها عند كلّ مسجد وكان يساعد أهل بيته على خدمة الدار. أكمل الله استعداده الفطرى الوهبى «لا الكسبى» للبعثة بإكمال دين النبيين، والمرسلين. والتشريع الكافى الكافل لإصلاح جميع البشر إلى يوم الدين، وجعله حجّة على جميع العالمين بأن أنشأه كأكثر قومه أميا، وصرفه فى أميته عن اكتساب أى شىء من علوم البشر

стр. 85

من قومه العرب الأميين، ومن أهل الكتاب حتى إنه لم يجعل له أدنى عناية بما يتفاخر به قومه من فصاحة اللسان، وبلاغة البيان، من شعر وخطابة، ومفاخرة ومنافرة «١»، إذ كانوا يؤمون أسواق موسم الحج وأشهرها عكاظ «٢» من جميع النواحى لإظهار بلاغتهم وبراعتهم، فكان ذلك أعظم الأسباب لارتقاء لغتهم، واتساع معارفهم، وكثرة الحكمة فى شعرهم، فكان من الغريب أن يزهد محمد ﷺ فى مشاركتهم فيه بنفسه وفى روايته لما عساه يسمعه منه، وقد سمع بعد النبوة زهاء مائة قافية من شعر أمية بن الصلت فقال: «إن كاد ليسلم» وقال: «آمن شعره وكفر قلبه»، وقال: «إنّ من البيان لسحرا وإن من الشعر حكما». رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس، وأما قوله «إن من البيان لسحرا» فقد رواه مالك وأحمد والبخارى وأبو داود والترمذى من حديث ابن عمر قلنا: إن الله تعالى جعل استعداد محمّد ﷺ للنبوة والرسالة فطريا وإلهاميا لم يكن فيه شىء من كسبه بعلم ولا عمل لسانى ولا نفسى، وأنه لم يرو عنه أنه كان يرجوها .. كما روى عن أمية ابن أبى الصلت. بل أخبر الله عنه أنه لم يكن يرجوها كما تقدّم ولكن روى عن خديجة رضى الله عنها أنها لما سمعت من غلامها ميسرة أخبار أمانته وفضائله وكراماته، وما قاله بحيرا الراهب فيه. تعلّق أملها بأن يكون هو النبى الذى يتحدّثون عنه، ولكن هذه الروايات لا يصل شىء منها إلى درجة المسند الصحيح كحديث بدء الوحى الذى أوردناه آنفا، فإن قيل: إنه يقويها حلفها بالله أنّ الله تعالى لا يخزيه أبدا. قلنا: إنها عللت ذلك بما ذكرته من فضائله ورأت أنها فى حادة إلى استفتاء ابن عمها ورقة فى شأنه. وأما اختلاؤه ﷺ وتعبده فى الغار عام الوحى فلا شك فى أنه كان عملا كسبيا مقويا لذلك الاستعداد السلبى من العزلة وعدم مشاركة المشركين فى شىء من عباداتهم ولا عاداتهم. ولكنه لم يكن يقصد به الاستعداد للنبوّة. لأنه لو كان لأجلها لاعتقد حين رأى

стр. 86

الملك أن عقب رؤيته حصول مأموله وتحقق رجائه، ولم يخف منه على نفسه، وإنما كان الباعث لهذا الاختلاء والتحنث اشتداد الوحشة من سوء حال النّاس والهرب منها إلى الأنس بالله تعالى والرجاء فى هدايته إلى المخرج منها، كما بسطه شيخنا الأستاذ الإمام فى تفسير قوله تعالى من سورة الضحى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضحى: ٧]، وما يفسره من قوله فى سورة الشورى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: ٥٢، ٥٣]، وألمّ به فى رسالة التوحيد إلماما مختصرا مفيدا، فقال: «من السنن المعروفة أنّ يتيما فقيرا أميا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته، ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه لا سيما إن كان من ذوى قرابته، وأهل عصبته، ولا كتاب يرشده، ولا أستاذ ينبهه، ولا عضد إذا عزم يؤيده، فلو جرى الأمر فيه على جارى السنن لنشأ على عقائدهم، وأخذ بمذاهبهم إلى أن يبلغ مبلغ الرجال، ويكون للفكر والنظر مجال، فيرجع إلى مخالفتهم، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم، كما فعل القليل ممن كانوا على عهده «١». ولكنّ الأمر لم يجر على سنته، بل بغضت إليه الوثنية من مبدأ عمره، فعاجلته طهارة العقيدة، كما بادره حسن الخليقة، وما جاء فى الكتاب من قوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى لا يفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد، أو على غير السبيل القويم، قبل الخلق العظيم، حاشا لله إن ذلك لهو الإفك المبين، وإنما هى الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص فيما يرجون للناس من الخلاص، وطلب السبيل، إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين، وإرشاد الضالين، وقد هدى الله نبيه إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته، واختياره من بين خلقه لتقرير شريعته» أ. هـ. (أقول) وجملة القول أن استعداد محمد ﷺ للنبوة والرسالة عبارة عن جعل الله تعالى روحه الكريمة كمرآة صقيلة حيل بينها وبين كل ما فى العالم من التقاليد الدينية والأعمال الوراثية والعادات المنكرة، إلى أن تجلّى فيها الوحى الإلهى بأكمل معانيه، وأبلغ مبانيه، لتجديد دين الله المطلق الذى يرسل به رسله إلى أقوامهم خاصة بما يناسب حالهم واستعدادهم، وأراد إكمال الدين به فجعله خاتم النبيين، وجعل رسالته عامة دائمة، لا يحتاجون بعدها إلى وحى آخر.

стр. 87

الأمثال النورانية لفطرة محمد ﷺ وروحه، ووحيه، وكتاب الله تعالى ودينه لقد كان محمد ﷺ في فطرته السليمة، وروحه الشريفة، وما نزل عليها من المعارف العالية، وما أشرق فيها من نور الله الذي تلوته عليك آنفا من آخر سورة الشورى هو مضرب المثل فى قوله تعالى من سورة النور: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) [النور: ٣٥]. الله أكبر إن دين محمّد ... وكتابه أقوى وأقوى قيلا لا تذكروا الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفأ القنديلا وكما قال فى أول همزيته: كيف ترقى رقيّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء لم يساووك فى علاك وقد حا ... ل سنى منك دونهم وسناء إنما مثّلوا صفاتك النا ... س كما مثّل النجوم الماء أنت مصباح كلّ فضل فما تص ... در إلا عن ضوئك الأضواء أفرأيت من أنزل الله عليه تلك الآيات. التى أشرقت بنورها الأرض والسموات، وألهمه هذا الدعاء الفياض بنور الله. أيعقل أن يستمد النور ممن كانوا يعيشون فى ظلمة الوثنية الهالكة، وفى ظلمات التقاليد الكهنوتية الحالكة. الذين ضرب لهم الله المثل بعد مثل النور الذي اقتبسناه من سورة النور بقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) [النور: ٣٩ - ٤٠]. فارجع أيها الناظر المنصف إلى وجدانك، وتأمل هذه الأمثال الإلهية، وما تراه فى سائر هذا الكتاب لعلّ الله يتم نور إنصافك، فتكتب كتابا آخر تثبت به الوحى الإلهى المعصوم لمحمّد خاتم النبيين ببلاغتك الفرنسية، وتدعو قومك إلى الاهتداء بكتابه القويم، ومعالجة مفاسد إلحادهم وخياناتهم لأنفسهم وظلمهم لغيرهم باتباع صراطه المستقيم.

стр. 88

هذا ما نراه كافيا لتفنيد مزاعم مصورى الوحى النفسى من ناحية شخص محمد واستعداده، ويتلوه ما هو أقوى دليلا، وأقوم قيلا، وهو موضوع الوحى الذى هو آية نبوته الخالدة، وحجته الناهضة، ومصدر جميع تلك الأنوار الفائضة، وهو: القرآن الكريم.

стр. 89

آية الله الكبرى القرآن العظيم القرآن الكريم، القرآن الحكيم، القرآن المجيد، الكتاب العزيز الذى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) هو كتاب لا كالكتب، هو آية لا كالآيات، هو معجزة لا كالمعجزات، هو نور لا كالأنوار، هو سر لا كالأسرار، هو كلام لا كالكلام، هو كلام الله الحى القيوم، الذى ليس لروح القدس جبريل الأمين ﵇ منه إلا نقله بلفظه العربى من سماء الأفق الأعلى إلى هذه الأرض، ولا لمحمّد رسول الله وخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله منه إلا تبليغه للناس بلفظه الذى تلقاه عن الروح الأمين، ثم بيانه لهم بالقول والعمل ليهتدوا به، فهو معجز للخلق بلفظه ونظمه وأسلوبه وهدايته وتأثيره وعلومه. لم يكن فى استطاعة محمّد ﷺ أن يأتى بسورة من سوره بكسبه ولا مواهبه. من علومه ومعارفه، وفصاحته وبلاغته، وهو ﷺ لم يكن عالما ولا بليغا ممتازا إلا به. بل فيه آيات صريحة ناطقة بأنه لم يكن يعلم شيئا من علومه- تقدم بعضها، وبأنه كان يعجز كغيره عن الإتيان بمثله، وهو ما أمره تعالى أن يقوله للناس فى تحديه إياهم واستدلاله به على نبوته، وهو قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس: ١٥]، أى: لو شاء الله ألّا أتلوه عليكم ما تلوته، ولما أعلمكم هو به، فإنى إنما تلوته عليكم بمشيئته وأمره، فقد أقمت فيكم عمرا طويلا لم أتل عليكم شيئا، أفلا تعقلون أنّ من عاش أربعين سنة لم يصدر عنه علم ولا عرفان ولا بلاغة لسان، لا يمكن أن يصدر عنه بعد الاكتهال، ما لم يكن له أدنى نصيب منه فى سن الشباب «١»؟. وقد بينت فى الكلام على آية التحدى بالقرآن من تفسير سورة البقرة [٣٢] أهم وجوه الإعجاز اللفظى والمعنوى بالإجمال والإيجاز، وهى بضعة أنواع «٢».

стр. 90

ثم تكلمت عن التحدى ببلاغته ونظمه فى آيتى يونس [٣٧، ٣٨] ومنه دلالتهما على عجز النبى ﷺ عن الإتيان بسورة من مثله كغيره، ومنه وجه التحدى بعشر سور مثله مفتريات، ووجه الإعجاز فى السور القصيرة، وسأعود إلى هذا فى آخر الكتاب. وأوجّه الكلام هنا إلى هداية القرآن بأسلوبه وتأثيره وعلومه المصلحة للبشر بما يحتمله المقام من البسط والتفصيل، وهو القدر الذى يعلم منه أن هذه العلوم أهدى من كل ما حفظه التاريخ عن جميع الأنبياء والحكماء، وواضعى الشرائع والقوانين، وساسة الشعوب والأمم، وأن إعجازه من هذه الناحية أقوى البراهين على كونه وحيا من الله تعالى تقوم به الحجة على جميع البشر. فمن كان يؤمن بأن للعالم ربا عليما حكيما مريدا فاعلا مختارا فلا مندوحة له ولا مناص من الإيمان بأن هذا القرآن وحى من لدنه أنزله على خاتم أنبيائه المرسلين رحمة بهم ليهتدوا به إلى تكميل فطرتهم، وتزكية أنفسهم، وإصلاح مجتمعهم من المفاسد التى كانت عامة لجميع أممهم، فيكون اتباع محمد فرضا إلهيا عاما كما قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]. ومن كان لا يؤمن بوجود هذا الرب العليم الحكيم فهذا القرآن حجة ناهضة على وجوده الحق. بكونه ليس من المعهود فى الخلق. وبما اشتمل عليه من الآيات البينات فى الأنفس والآفاق. فمن لم يهتد إلى فهمها فلا مندوحة له عن الجزم بأن محمدا أكمل وأفضل وأعلم وأحكم من كل من عرف فى هذا العالم من الحكماء الهادين المهديين، ويكون الواجب بمقتضى العقل أن يعترف له هؤلاء بأنه أفضل البشر على الإطلاق. وأولاهم بالاتباع. ولا غرو فقد اعترف له بهذا كثير من علماء الشرق والغرب، سنورد بعض شهاداتهم بعد.

стр. 91

بل رأينا بعض المنصفين من الواقفين على السيرة المحمدية الذين يفهمون القرآن فى الجملة يعتقدون أنّ ما وجد ولن يوجد مثله فى المستقبل: ومنهم الأستاذ وليام موير الانكليزى المشهور «١»، ومنهم ذلك الفيلسوف الطبيب السورى الكاثوليكى النشأة. المادى الكهولة الذى رأى فى مجلة المنار بعض المناقب المحمدية فكتب إلينا كتابا نشرناه فى الجزء الأول من المجلد الحادى عشر سنة ١٣٣٦ هذا نصه: مكتوب الدكتور شبلى شميل المادى فى تفضيل محمد ﷺ على جميع البشر إلى غزالى عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار: «أنت تنظر إلى محمد كنبى، وتجعله عظيما، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم، ونحن وإن كنا فى الاعتقاد (الدينى أو المبدأ الدينى) على طرفى نقيض فالجامع بيننا العقل الواسع، والإخلاص فى القول، وذلك أوثق بيننا لعرى المودة». الحق أولى أن يقال دع من محمّد فى سدى قرآنه ... ما قد نحاه للحمة الغايات إنى وإن أك قد كفرت بدينه ... هل أكفرنّ بمحكم الآيات أو ما حوت فى ناصع الألفاظ من ... حكم روادع للهوى وعظات وشرائع لو أنهم عقلوا بها ... ما قيدوا العمران بالعادات نعم المدبّر والحكيم وإنّه ... ربّ الفصاحة مصطفى الكلمات رجل الحجا رجل السياسة والدها ... بطل حليف النصر فى الغارات ببلاغة القرآن قد غلب النهى ... وبسيفه أنحى على الهامات من دونه الأبطال فى كل الورى ... من سابق أو حاضر أو آت والمؤمنون بهذه الحقيقة من أحرار مفكّرى الشعوب كلّها كثيرون كما قلنا، ولكن الجاحدين لوجود رب مدبر للعالمين قليلون، وأن محمدا ﷺ لحجة عليهم فيما شهدوا له به

стр. 92

وعزوه إلى استعداده وكسبه، وأسنده هو إلى وحى ربه مع ما علم بالضرورة من صدقه الفطرى المطبوع. ولكن شبلى شميل كان يزعم أنه نسج قرآنه من سدى الحكمة ولحمة الدين ليقبله جمهور الناس، وقد بطل هذا الزعم بما بسطناه فى هذا الكتاب وأثبتنا به نبوته ﷺ وهو يتضمن الحجة على وجود الرب تعالى بل هو مجموعة حجج عقلية وطبيعية، على الألوهية وعلى النبوة. وسترى أيها القارئ بسط هذه الحجة فى خاتم هذا الكتاب، وأمهد السبيل لها بفصلين فى إعجاز القرآن للخلق، من وجهين هما أوجه وأقوى مما ألف فيه علماؤنا المصنفات الممتعة وأحراها بإقناع أهل هذا العصر المستقلى الفكر، فأقول: ***

стр. 93

الفصل الرابع فى إعجاز القرآن بأسلوبه وبلاغته، وتأثيره وثورته أسلوب القرآن فى تركيبه المزجى: لو أن عقائد الإسلام المنزلة فى القرآن من الإيمان بالله وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما فيه من الحساب والجزاء، ودار الثواب ودار العقاب. جمعت مرتبة فى ثلاث سور أو أربع أو خمس مثلا ككتب العقائد المدونة. ولو أن عباداته من الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والدعاء والأذكار وضع كل منها فى بعض سور أيضا مبوّبة مفصّلة ككتب الفقه المصنفة. ولو أنّ آدابه وحكمه وفضائله الواجبة والمندوبة، وما يقابلها من الرذائل والأعمال المحرمة والمكروهة أفردت هى وما تقتضيه من الترغيب والترهيب من المواعظ والنذر والأمثال، الباعثة لشعورى الخوف والرجاء. فصلت فى عشر سور أو أكثر ككتب الأخلاق والآداب المؤلفة. ولو أن قواعده التشريعية، وأحكامه الشخصية والسياسية والحربية والمالية والمدنية وحدوده وعقوباته التأديبية، رتبت فى عدة سور خاصة بها كأسفار القوانين الوضعية. ثم لو أن قصص النبيين والمرسلين وما فيها من العبر والمواعظ والسنن الإلهية سردت فى سورها مرتبة كدواوين التاريخ. لو أن كل ما ذكر وما لم يذكر من مقاصد القرآن التى أراد الله بها إصلاح شئون البشر جمع كل نوع منها وحده كترتيب أسفار التوراة التاريخى التى لا يعلم أحد مرتبها، أو كتب العلم والفقه والقوانين؛ لفقد القرآن بذلك أعظم مزايا هدايته المقصودة بالقصد الأول من التشريع وحكمة التنزيل، وهو التعبّد به واستفادة كل حافظ للكثير أو للقليل من سوره- حتى القصيرة منها- كثيرا من مسائل الإيمان والفضائل والأحكام والحكم المثبتة فى جميع السور، لأنّ السورة الواحدة لا تحوى فى هذا الترتيب المفروض إلا مقصدا واحدا من تلك المقاصد، وقد يكون أحكام الطّلاق أو الحيض. فمن لم يحفظ إلا سورة طويلة فى موضوع واحد يتعبّد بها وحدها، فلا شكّ أنه يملّها.

стр. 94

وأما سورة المنزلة بهذا الأسلوب الغريب، والنظم العجيب، فقد يكون فى الآية الواحدة الطويلة والسورة الواحدة القصيرة، عدة ألوان من الهداية وإن كانت فى موضوع واحد فترى فى سورتى الفيل وقريش على قصرهما ذكر مسألتين تاريخيتين قد جعلتا حجة على مشركى قريش فيما يجب عليهم من توحيد الله وعبادته، بما منّ عليهم بعنايته بحفظ البيت الحرام وأمنه وهو مناط عزّهم وفخرهم وشرفهم، ومعقل حياتهم. ومحبى تجارتهم ورزقهم. قلت: إنّ القرآن لو أنزل بأساليب الكتب المألوفة المعهودة وترتيبها لفقد أعظم مزايا هدايته المقصودة بالقصد الأول. وأقول أيضا: إنه لو أنزل هكذا لفقد بهذا الترتيب أخص مرات إعجازه المقصود بالدرجة الثانية. كلا إنّ كلّ واحدة من الميزتين مقصودة لذاتها. فأولى أن يعبر عن الميزة الأولى بالموضوع وعن الثانية بالشكل. كاصطلاح المحاكم. فيقال: لو كان القرآن مرتبا مبوبا كما ذكر لكان خاليا من أعظم مزاياه على غيره من الكتب شكلا وموضوعا. يعلم هذا وذاك مما نبينه من فوائد نظمه وأسلوبه الذى أنزله به رب العالمين. العليم الحكيم الرحيم، وهو مزج تلك المقاصد كلّها بعضها ببعض وتفريقها فى السور الكثيرة الطويلة منها والقصيرة بالمناسبات المختلفة، وتكرارها بالعبارات البليغة. المؤثّرة فى القلوب المحركة للشعور النافية للسآمة والملل. من المواظبة على ترتيلها بنغمات نظمه الخاص به وفواصله المتعددة القابلة لأنواع من التغنى والنغم الذى يحرك فى القلوب وجدان الخشوع وخشية الإجلال للرب المعبود، والعرفان بقدسه وكماله، والملاحظة لجماله وجلاله والتعرض لتجلى أسمائه وصفاته، والتفكر فى آيات مصنوعاته، والرجاء فى رضوانه ورحمته، والخوف من غضبه وعقوبته، والاعتبار بسننه فى خلقه والقابلة لأنواع أخرى من الإلقاء الخطابى فى الترغيب والترتيب. والتعجيب، والتعجيب، والتكريه والتحبيب، والزجر والتأنيب، واستفهام الإنكار والتقرير، والتهكم والتوبيخ بما لا نظير له فى كلام البشر من خطابه ولا شعر، ولا رجز ولا سجع، فبهذا الأسلوب الرفيع فى النظم البديع وبلاغة التعبير الرفيع كان القرآن كما ورد فى معنى وصفه أنه لا تبلى جدته، ولا تخلقه كثرة الترديد «١»؛ وحكمة ذلك وغايته تعلم مما وقع بالفعل، وهاك بيانه بالإجمال:

стр. 95

_________ فى هذا ما رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه، ومحمد بن نصر، وابن الأنبارى فى كتاب المصاحف، والحاكم فى المستدرك وصححه، والبيهقى من حديث ابن مسعود مرفوعا إلى النبى ﷺ . ولفظه: «إن هذا القرآن مأدبة الله فأقبلوا من مأدبته ما استطعتم. إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه. لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا يخلق عن كثرة الرد، فاتلوه فإن الله تعالى يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إنى لا أقول (الم) حرف، ألف ولام وميم. قوله: لا يزيغ فيستعتب؛ معناه لا يميل عن الحق فيطلب منه العتبى أى الرجوع إليه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر، أى ولم يخرجه البخارى بسبب ما قيل فى صالح بن عمر فى سنده، وليس كذلك فإن صالحا قد خرج له مسلم، وإنما تركاه بسبب شيخه إبراهيم بن مسلم الهجرى (بفتحتين) الذى ضعفه الجمهور، وما ضعفوه بطعن فى صدقه أو حفظه وإنما وجدوا أنه رفع عدة أحاديث إلى النبى ﷺ هى موقوفة على عبد الله بن مسعود، وكذا على عمر رضى الله عنه. ولكن صرح سفيان بن عيينة بأنه جاء إبراهيم هذا فأعطاه كتبه فصحح له المرفوع والموقوف بقوله هذا عن النبى ﷺ ، وهذا عن عبد الله بن مسعود، وهذا عن عمر، والظاهر أن هذا الحديث مما رفعه سفيان، ولذلك خرجه ابن أبى شيبة ومن ذكرنا مرفوعا. وروى نحوه من حديث علىّ كرم الله وجهه واعتمده القاضى الباقلانى فى كتابه إعجاز القرآن.

стр. 96

الثورة والانقلاب الذى أحدثه القرآن في الأمة العربية فسائر الأمم القرآن كتاب أنزله الله تعالى على قلب رجل نشأ على الفطرة البشرية سليم العقل صقيل النفس. طاهر الأخلاق، لم تملكه تقاليد دينية، ولا أهواء دنيوية، لأجل إحداث ثورة وانقلاب كبير فى العرب فسائر الأمم، يكتسح من العالم الإنسانى ما دنس فطرته من رجس الشرك والوثنية. الذى هبط بهذا الإنسان من أفقه الأعلى فى عالم الأرض. إلى عبادة مثله وما هو دونه من هذه المخلوقات- وما أفسد عقله وذهب باستقلال فكره من البدع الكنسية، والتقاليد المذهبية، التى أحالت توحيد الأنبياء الأولين شركا، وحقّهم باطلا، وهدايتهم غواية- وما أفسد بأسه، وأذل نفسه، وسلبه إرادته، من استبداد الملوك الظالمين، والرؤساء القاهرين. ثورة تحرر العقل البشرى والإرادة الإنسانية من رقّ المنتحلين لأنفسهم صفة الربوبية، أو النيابة عن الرب الخالق تعالى في التحكم والهيمنة والسيطرة على قلوب الناس وعقولهم، والتصرف فى إرادتهم وأبدانهم وأموالهم، فيكون بهذا العتق كل امرئ اهتدى به حرّا كريما في نفسه، عبدا خالصا لربه وإلهه، يوجّه قواه العقلية والبدنية إلى تكميل نفسه وجنسه. مثل هذه الثورة الإنسانية لا يمكن أن تحدث إلا على قاعدة القرآن في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١]. وكيف يكون تغيير الأقوام لما بأنفسهم من العقائد والأخلاق والصفات الثابتة، التى طبعتها عليها العبادات الموروثة والعادات الراسخة؟ هل يكفى فى ذلك قيام مصلح فيهم يضع لهم كتابا تعليميّا جافّا ككتب الفنون يقول فيه: إنكم أيها الناس ضالون فاسدون، ومضلّون ومفسدون فاعملوا بهذا الكتاب تهتدوا وتصلحوا، أو قانونا مدنيّا يقول في مقدمته: نفذوا هذا القانون تحفظ حقوقكم وتعتز أمتكم وتقوى دولتكم؟ أنّى وقد عهد من الناس الفاسدين المفسدين سوء التصرف بكتب أنبيائهم المرسلين، وإهمال قوانين حكمائهم المصلحين، كما فعل أهل الملل الأولون والمسلمون المتأخرون؟ كلا. إنما توضع القوانين للحكومات المنظمة ذات السلطان والقوة التى تكفل تنفيذها. وأنّى لمحمّد ﷺ فعل هذا فى الأمة العربية العاتية عن كل سيطرة ونظام وقد بعث

стр. 97

بالحجة والبرهان فريدا وحيدا لا عصية له من قومه ولا سلطان؟ على أنه جاء بأعدل الأصول التى تبنى عليها أمة قوانينها عند تكوين دولتها فى الأحوال الملائمة لها. جاء لإصلاح الأخلاق والطباع بالحجة والقيمة وطرق الإقناع والخضوع لوازع الاعتقاد النفسى دون وازع الحكم القهرى. ليغير الناس ما بأنفسهم بالاختيار، لا بالقوة والإجبار فيغير الله ما بهم بمقتضى سنته فى نظام الاجتماع وقد نطق القرآن بأن الرسول إنما هو مبلغ ومذكر غير جبّار على النّاس ولا مسيطر. كلا. إنّ هذه الثورة ما كان يمكن أن تحدث إلا بما حدثت به. وهو تأثير هذا القرآن فى أنفس الأمة العربية التى كانت أشد الأمم البدوية والمدنية استعدادا فطريا لظهور الإسلام فيها، كما بيناه فى كتابنا (خلاصة السيرة المحمدية)، وسنلم به قريبا. ذلك بأن من طباع البشر فى معرفة الحق والباطل، والخير والشر، والعمل بمقتضى المعرفة وإن خالف مقتضى الأهواء والشهوات، والتقاليد والعادات، إن مجرد البيان والإعلام والأمر والنهى لا يكفى فى الحمل على التزام الحق ونصره على الباطل، ولا فى أداء الواجب ومن عمل الخير وترك الشر إذا عارض المقتضى العلمى لهما ما أشرنا إليه آنفا من الموانع النفسية والعلمية. إلا فى بعض الأفراد من الناس. دون الجماعات والأقوام. بل مضت سنّة الله فى تثبيت الحق والخير فى النفس، وصدور آثارهما عنهما بالعمل. أنه يتوقف على صيرورة الإيمان بهما إذا عانا وجدانيا حاكما على القلب. راجحا على ما يخالفه من رغب ورهب، وأمل وألم، وإنما يكون هذا فى الأحداث بالتربية العلمية العملية، والأسوة الحسنة لهم فيمن ينشئون بينهم من الوالدين والأقربين والمعاشرين. وأما كبار السن فلا سبيل إلى جعل الإيمان بالحقّ المطلق والخير العام إذعانا وجدانيا لجمهورهم إلا بالأسلوب الذى نزل به القرآن. بل بالقرآن الممتاز بهذا الأسلوب، فقلب به طباع الكهول والشبان وأخلاقهم وتقاليدهم وعاداتهم، وحوّلها إلى أضدادها علما وعملا بما لم يعهد له نظير فى البشر، فكان القرآن آية خارقة للمعهود من سنن الاجتماع البشرى فى تأثيره. بالتبع لكونه آية معجزة لبشر فى لغته وأسلوبه: كما كان آية معجزة فى إصلاحه للأمم بهديه وتعليمه.

стр. 98

اعتبار الموازنة بين تأثير القرآن فى العرب والتوراة فى بنى إسرائيل واعتبر هذا ببنى إسرائيل سلالة النبيين؛ فإن كان ما رأوه بمصر من آيات موسى ﵇، ثم ما رأوه فى برية سيناء ومدة التيه فيها، ومن عناية الله تعالى بهم، ومن سماعهم كلام الله تعالى بآذانهم فى لهيب النار المشتعلة على ما ترويه توراتهم- ولم يثبت عندنا التكليم إلا لنبيّهم- لم يتغير بذلك كله ما كان بأنفسهم من تأثير الوثنية المصرية وخرافاتها الراسخة فى قلوبهم، ولا من تأثير السياسة الفرعونية المستبدة فى أخلاقهم، فقد عذّبوا موسى عذابا نكرا، وعاندوه فى كل ما كان يأمرهم به، وعبدوا صنم العجل الذهبى فى أثناء مناجاته لربه. حنينا إلى ما كان من عبادة مستعبديهم الفرعونيين للعجل (أبيس) حتى وصفهم الله فى التوراة بالشعب الصلب الرقبة، وهو كناية عن البلادة والعناد، وعصل الطباع «١» المانع من الانقياد، وظل ذلك كذلك إلى أن باد ذلك الجيل الفاسد بعد أربعين سنة، ونشأ فيهم جيل جديد ممن كانوا أطفالا عند الخروج من مصر وممن ولد فى التيه، أمكن أن يعقلوا التوحيد والشريعة، وأن يعملوا بها ويجاهدوا فى سبيلها، وإنما كان ذلك بعد موت موسى ﵇. فأين بنو إسرائيل من أصحاب محمد ﷺ الذين تربّوا بسماع القرآن وترتيله وتدبره، فى رسوخهم فى الإيمان وصبرهم على أذى المشركين واضطهادهم إياها ليفتنوهم عن دينهم، ثم مجاهدتهم لهم عند الإمكان بعد الهجرة، ومجاهدة أعوانهم من أهل الكتاب (اليهود) وتطهيرهم الحجاز وسائر جزيرة العرب من كفر الفريقين فى عهده ﷺ ، وقد كانت مدّة البعثة المحمدية كلّها عشرين سنة أى نصف مدة التيه، وكان ذهب نصفها فى الدعوة وتبليغ الدين للأفراد بمكة والنصف الآخر هو الذى تم فيه الانقلاب العربى من تشريع وتنفيذ وجهاد وفتح وتأسيس. ثم تأمل ما كان من تدفقهم أنفسهم كالسيل الآتى «٢» على الأقطار من نواحى الجزيرة كلّها، والظهور على ملكى قيصر وكسرى أعظم ملوك الأرض، وإزالة الشرك والظلم

стр. 99

منهما، ونشر التوحيد والحق والعدل فيهما، ودخول الأمم فى دين الله أفواجا مختارين اهتداء بهم، وعنايتهم بتعلم العربية بالتبع لعنايتهم بالدين، حتى فتحوا- هم وتلاميذهم- نصف كرة الأرض فى زهاء نصف قرن، وكانوا مضرب المثل فى الرحمة والعدل «١»، وموضع الحيرة لعلماء الاجتماع وقواد الحرب «٢». وأنى يبلغ الشعب الذى وصف ربه فى كتابه بالشعب المتمرد الصلب الرقبة «٣» درجة الذين وصفهم رب العالمين بقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [الفتح: ٢٩]. فهذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين الذى نشأ وشبّ على الشدة والقسوة فى الجاهلية حتى قيل: إنه وأد بنتا له، صار بالإسلام من أرحم الرحماء بالناس، حتى أنه يطبخ الطعام هو وزوجته ليلا لامرأة فقيرة فى المخاض وبعلها حاضر لا يساعدهما، ولم يكن يعلم أنه أمير المؤمنين. لا جرم أن سبب هذا كلّه تأثير القرآن بهذا الأسلوب الذى نراه فى المصحف، فقد كان النبى ﷺ يجاهد به الكافرين كما أمره الله بقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً [الفرقان: ٥٢]، ثم كان به يربى المؤمنين ويزكيهم. كما قال الله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، وبهدايته والتأسى بمبلغه ﷺ ربوا الأمم وهذّبوها، وقلّما يقرأه أحد كما كانوا يقرءون، إلا ويهتدى به كما كانوا يهتدون على تفاوت فى الاستعداد النفسى واللغوى واختلاف الزمان لا يخفى. المسلمون أرحم البشر بهداية القرآن: وكيف لا يكون المؤمنون بالقرآن ارحم النّاس وقد امتن الله عليهم فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]؟، وقد قلنا فى الكلام على الرحمة من هذه المزايا الأربع للقرآن من تفسير المنار (جز ١١) ما نصه:

стр. 100

(الرابعة الرحمة للمؤمنين): وهى ما تثمره لهم هداية القرآن وتفيضه على قلوبهم من رحمة ربهم الخاصة، وهى صفة كمال من آثارها: إغاثة الملهوف، وبذل المعروف، وكف الظلم، ومنع التعدّى والبغى، وغير ذلك من أعمال الخير والبر، ومقاومة الشر، وقد وصف الله المؤمنين بقوله: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، وبقوله: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. وهذه الصفات الأربع مرتّبة على سنّة الفطرة البشرية، فالموعظة هى التعاليم التى تشعر النفس بنقصها وخطر أمراضها الاعتقادية والخلقية، وتزعجها إلى مداواتها وطلب الشفاء منها، والشفاء تخلية، يتبعها طلب التحلية، بالصحة الكاملة، والعافية التامة، وهو الهدى، ومن ثمراته: هذه الرحمة التى لا توجد على كمالها إلا فى المؤمنين المهتدين، ولا يحرمها إلا الكافرون الماديون. حتى قال بعضهم: إنها ضعف فى القلب. ويجعل صاحبه كالمضطر إلى الإحسان والعطف، وما هذا القول إلا من فساد الفطرة وقسوة القلب، وفلسفة الكفر، فلقد كان أشجع الناس وأقواهم بدنا وقلبا، أرحم الناس وأشدهم عطفا وهو سيد ولد آدم محمد رسول الله وخاتم النبيين. الذى وصفه ربه بما وصف به نفسه من قوله: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، وقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وكذلك كان أصحابه رضى الله عنهم حتى كان من يوصف بالشدة والقسوة كعمر بن الخطاب رضى الله عنه صار من أرحم الناس وسيرته فى ذلك معروفة كما أشرنا إليه آنفا. وقد قال ﷺ : «لا تنزع الرحمة إلا من شقى». رواه أبو داود والترمذى، واللفظ له عن أبى هريرة رضى الله عنه، وقد صح عنه ﷺ أنه كان إذا سمع وهو فى الصلاة بكاء طفل تجوز فى صلاته- أى اختصرها وخفّفها- رحمة به وبأمه، وروى ابن اسحاق أن بلالا رضى الله عنه مر بصفية وبابنة عم لها على قتلى قومهما اليهود بعد انتهاء غزوة خيبر فصكّت ابنة عمها وجهها وحثت عليه التراب وهى تصيح وتبكى، فقال ﷺ له: «أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما». وجاء أعرابى إليه ﷺ فقال: إنكم تقبلون أولادكم وما نقبلهم فقال له ﷺ : «أو أملك لك «١» أن نزع الله الرحمة من قلبك؟». رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى الله عنها والمراد إنى لا أملك أن أشعرك بما لا تشعر به، لأنّ الله نزع الرحمة من قلبك، فأجعلك رحيما. بل كان ﷺ شديد الرحمة

стр. 101

بالبهائم والطير والحشرات، وطالما أوصى بها ولا سيما صغارها وأمهاتها، وجاءه مرة رجل وعليه كساء فى يده شىء قد التف عليه فقال: يا رسول الله إنّنى لما رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجرة فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فى كسائى، فجاءت أمّهنّ فاستدارت على رأسى، وكشفت لها عنهن فوقعت عليهن فلففتها معهن بكسائى، فهن أولاء معى. قال: «ضعهن». قال: ففعلت فأبت أمهن إلا لزومهن. فقال ﷺ : «أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها؟». قالوا: نعم. قال: «والذى بعثنى بالحق الله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن حيث أخذتهن وأمهن معا». فرجع بهن. رواه أبو داود من حديث عامر الرامى رضى الله عنه وروى مالك والبخارى ومسلم وأبو داود من حديث أبى هريرة مرفوعا حديثين خلاصتهما أن الله غفر لرجل ولامرأة بغى «أى مومس» لأن كلا منهما رأى كلبا قد اشتد العطش به فرحمه وأخرج له الماء من البئر بخفه فسقاه قالوا له: يا رسول الله إن لنا فى البهائم أجرا؟ فقال: «فى كلّ كبد رطبة أجر». ورواه أحمد عن عبد الله بن عمرو سراقة بن مالك بلفظ: «وفى كل ذات كبد حرّى أجر». وقال ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء». رواه الترمذى وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنه، ورويناه مسلسلا بالأولية من طريق أستاذنا الشيخ محمد أبى المحاسن القاوقجى، وقال ﷺ : «إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على ولدها، وأخّر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» - وفى رواية-: «ولو يعلم الكافر بكلّ الذى عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة؛ ولو يعلم المؤمن بكلّ ما عند الله من العذاب لم يأمن من النار». رواه البخارى ومسلم والترمذى أ. هـ. ... هذا ولو كان القرآن بأسلوب الكتب العلمية والقوانين الوضعية لما كان له ذلك التأثير الذى غير ما بأنفس العرب فغيروا به أمم العجم، فكانوا كلهم كما وصفهم الله بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمران: ١١٠]، ولم يكن عند العرب شىء من العلم بسياسة الأمم وإدارتها إلا هذا القرآن، والأسوة الحسنة

стр. 102

بمبلغه ومنقذه الأول ﵊، ولن يعود للمسلمين مجدهم وعزهم إلا إذا عادوا إلى هدايته وتجديد ثورته، ولعنة الله على من يصدونهم عنه. زاعمين استغناءهم عن العمل به وبسنة مبينه- بكتب مشايخهم الجافة الخاوية من كل ما يحيى الإيمان، ويعلى الهمم ويزكى الأنفس، ويبعث على الجهاد بالأنفس والأموال. أما وحق القرآن علينا، والله لم ينزل غيره إلينا، إنه لا يغنينا عن تدبره والاهتداء به ولا عن فهم سورة واحدة من سوره. جميع ما فى الأرض من الكتب المنزلة، ولا من الكتب المصنفة، وما فتن الشيطان هذه الأمة بشيء كما فتنهم بصدهم عن تهذيب أنفسهم وتزكيتها بالقرآن والسنة المبينة له، وعن دعوة جميع أهل الملل به إليه، وقد بينا لك الفرق بين تأثيره وتأثير التوراة، وهاك إجمال لما فعله فى الأمة العربية ثم فى العالم.

стр. 103

فعل القرآن فى أنفس الأمة العربية وإحداثها به أكبر ثورة عالمية تهود أناس من العرب، وتنصّر منهم أناس آخرون من قبل الإسلام بقرون، وكان كل منهم يمدح دينه ويدعو إليه بالطبع. فلم يعاد الجمهور أحدا منهم أو يحتقره لدينه بل كان لزعماء اليهود المستعربين وشعراء النصارى من العرب عندهم مكانتهم اللائقة بهم كأمثالهم من المشركين، ولم يكن لليهودية ولا للنصرانية أدنى صولة فى مكة، ولا خافها رؤساء قريش على زعامتهم الدينية ولا الدنيوية، فلما قام فيهم محمد ابن عبد الله يتلو عليهم القرآن باسم الله زلزلت الأرض بهم زلزالها، وثاروا عليه ثورتهم الصغرى، ثم ثارت الأمة به ومعه ثورتها الكبرى، وهى التى بدلت الأرض، والقلوب غير القلوب، والعقول غير العقول وقلبت نظام الاجتماع العام. وقد كان فعل القرآن فى أنفس العرب وإحداثه تلك الثورة الكبرى فيهم على نوعين أولهما ما أحدثه من الزلزال فى المشركين، وثانيهما تزكيته للمؤمنين ونزعه كل ما كان بأنفسهم من غل وجهل وظلم وفساد. حتى أعقب ما أعقب من الإصلاح فى العالم كله؛ وأمهد لبيان ذلك بكلمة فى حالهم فى عصر ظهور الإسلام. بينا مرارا أن الله تعالى قد أعد الأمة العربية- ولا سيما قريش ومن حولها- لما أراده من الإصلاح العام للبشر بكونهم كانوا أقرب الأمم إلى سلامة الفطرة، وأرقاهم لغة فى التعبير والتأثير، وأقواهم استقلالا فى العقل والإرادة. لعدم وجود ملوك مستبدين فيهم يضعفون إرادتهم ويفسدون بأسهم، ويذلون أنفسهم بالقوة القاهرة، ولا رؤساء دين أولى سلطان روحى يسيطرون على عقولهم وقلوبهم، ويتحكمون فى عقائدهم وأفكارهم، ويسخرونهم لشهواتهم، وكانت جميع الأمم ذات الحضارة والملل مستعبدة مستذلة لزعماء هاتين الرئاستين، حاش العرب. فلما بعث فيهم محمد ﷺ بهذا القرآن الداعى إلى الحق وإلى صراط مستقيم، كانوا على أتم الاستعداد الفطرى لقبول دعوته، ولكن رؤساء قريش كانوا على مقربة من ملوك شعوب العجم؛ فى التمتع بالثروة الواسعة، والعظمة الكاذبة، والشهوات الفاتنة، والسرف فى الترف، وعلى حظ مما كان عليه رؤساء الأديان فيها من المكانة الدينية بسدانتهم لبيت الله الحرام. الذى أودع الله تعظيمه فى القلوب من عهد إبراهيم وإسماعيل ﵉،

стр. 104

فرأوا أن هذا الدين الحر يوشك أن يسلبهم الانفراد بهذه العظمة الموروثة، وقد يفضل عليهم بعض الفقراء والموالى، وأنه يحكم عليهم وعلى من يفاخرون بهم من آبائهم بالكفر والجهل والظلم والفسوق، ويشبههم بسائمة الأنعام، فوجهوا كل قواهم ونفوذهم إلى صد محمد عن دعوته ولو بتمليكه عليهم وجعله أغنى رجل فيهم، ولكن تعذر إقناعه بالرجوع عنها بالترغيب، حتى التمويل والتمليك. فقد أجاب عمه أبا طالب لمّا عرض عليه ما أرادوه من ذلك بتلك الكلمة العليا: «يا عم والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى شمالى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». حينئذ أجمعوا أمرهم على صده عن تبليغها بالقوة والحيلولة بينه وبين جماهير الناس فى الأسواق والمجامع والبيت الحرام، وبصد الناس عنه أن يأتوه ويستمعوا له، وباضطهاد من اتبعه بالدعوة الفردية إلا أن يكون له من يحميه منهم لقرابة أو جوار أو ذمة، فهؤلاء الرؤساء المترفون والمسرفون المتكبرون، كانوا أعلم الناس بصدق محمد وفيهم نزل قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣]، فقد كابروا الحق بغيا واستكبارا للحرص على رياستهم وشهواتهم، وكانوا أجدر العرب بقبول دعوة القرآن لأنهم أدق الناس لها فهما، وأوسعهم بإعجازها علما، ولكنهم عتوا عنها عتوا: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل: ١٤] كفرعون وقارون وهامان فى آيات موسى.

стр. 105

فعل القرآن فى أنفس مشركى العرب قلنا: إن فعل القرآن فى أنفس العرب كان على نوعين: فعله فى المشركين، وفعله فى المؤمنين، فالأول تأثير روعة بلاغته، ودهشة نظمه وأسلوبه، الجاذب لفهم دعوته والإيمان به إذ لا يخفى حسنها على أحد فهمهما، وكانوا يتفاوتون فى هذا النوع تفاوتا كبيرا لاختلاف درجاتهم فى بلاغة اللغة وفهم المعانى العالية. فهذا التأثير هو الذى أنطق الوليد به المغيرة المخرومى بكلمته العالية فيه لأبى جهل التى اعترف فيها بأنه الحق الذى يعلو ولا يعلى، والذى يحكم ما تحته، وكانت كلمة فائضة من نور عقله وصميم وجدانه، وما استطاع أن يقول كلمة أخرى فى الصد عنه بعد إلحاح أبى جهل عليه باقتراحها إلا بتكليف لمكابرة عقله ووجدانه، وبعد أن فكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، وأدبر واستكبر، كما تقدم. وهذا التأثير هو الذى كان يجذب رءوس أولئك الجاحدين المعاندين ليلا لاستماع تلاوة رسول الله ﷺ فى بيته، على ما كان من نهيهم عنه ونأيهم عنه، وتواصيهم وتقاسمهم لا يسمعن له، ثم كانوا يتسللون فرادى مستخفين، ويتلاقون فى الطريق متلاومين «١». وهذا التأثير للقرآن هو الذى حملهم على منع أبى بكر الصديق رضى الله عنه من الصلاة والتلاوة فى المسجد الحرام، لما كان لتلاوته وبكائه فى الصلاة من التأثير الجاذب إلى الإسلام، وعللوا ذلك بأنه يفتن عليهم نساءهم وأولادهم، فاتخذ مسجدا له بفناء داره فطفق النساء والأولاد الناشئون ينسلون من كل حدب إلى بيته ليلا لاستماع القرآن.

стр. 106

فنهاه أشراف المشركين بأن العلة لا تزال، وأنهم يخشون أن يغلبهم نساؤهم وأولادهم على الإسلام، حتى ألجئوه إلى الهجرة فهاجر فلقى فى طريقه ابن الدغنة «١» سيد قومه فسأله عن سبب هجرته فأخبره الخبر، وهو يعرف فضائل أبى بكر من قبل الإسلام فأجاره وأعاده إلى مكة بجواره أى حمايته، ومنعه منهم. وخبره هذا رواه البخارى فى باب الهجرة من صحيحه وفيه ما نصه: «فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة (أى أجازته) وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه فى داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا «٢»، فقال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه فى داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ فى غير داره، ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه «٣» نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون عنه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه فى داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه فى داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك «٤»، ولسنا مقرين لأبى بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذى عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتى، فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت فى رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإنى أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله » أ. هـ. قلنا: إن هذا التأثير هو الذى حملهم على صد النبى ﷺ بالقوة عن تلاوة القرآن فى البيت الحرام وفى أسواق الموسم ومجامعه، حتى إنهم كانوا يقذفونه بالحجارة، وهو سبب

стр. 107

تواصيهم بما حكاه الله تعالى عنهم فى قوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦]. وقد أدرك هذا فلاسفة فرنسا «١»؛ فذكر فى كتاب له قول دعاة النصرانية إن محمدا لم يأت بآية على نبوته كآيات موسى وعيسى، وقال فى الرد عليهم: إن محمدا كان يقرأ القرآن خاشعا أواها متألها فتفعل قراءته فى جذب الناس إلى الإيمان ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين. (أقول): ولو كان القرآن ككتب القوانين المرتبة وكتب الفنون المبوبة، لما كان لقليله وكثيره من التأثير ما كان لسوره المنزلة. ومن الشواهد الكثيرة على صحة قول هذا الفيلسوف ما روى أن كبراء قريش اجتمعوا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذى قد فرق جماعتنا وشئت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد فجاء النبى ﷺ فكلمه فيما قالوا عنه، وما يخافون من عاقبة أمره أن يفضى إلى قيام بعضهم على بعض بالسيوف، وعرض عليه كل ما يمكن أن يريده من المال والرئاسة والتزوج بعشر من خير نساء قريش، حتى إذا أتم كلامه تلا عليه النبى ﷺ سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣]، قام عتبة فأمسك على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه. فلما رجع إليهم وجدوه متغيرا فقالوا قد صبأ (أى مال) إلى محمد وقص عليهم خبره وما وقع من الرعب فى قلبه من قراءته. ومما قاله: وقد علمتم أن محمدا، إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. وفى رواية أنه قال: «كلمنى بكلام والله ما سمعت أذناى بمثله قط فما دريت ما أقول له» أ- هـ. مختصرا من رواية المحدثين وهو مفصل فى السير النبوية. كان كل ما يطلبه النبى ﷺ من قومه أن يمكنوه من تبليغ دعوة ربه بتلاوة القرآن على الناس وإذ قال تعالى مخاطبا له: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ

стр. 108

إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، أى: وأنذر به كل من بلغه من غيركم من الناس. وقال فى آخر سورة النمل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [النمل: ٩١ - ٩٣]. إن رؤساء قريش عرفوا من جذب الناس إلى الإسلام بوقعه فى أنفسهم هم ما لا يعرفه غيرهم، وعرفوا أنه ليس لجمهور العرب مثل ما لهم من أسباب الجحود والمكابرة، فقال لهم عمه أبو لهب من أول الأمر: خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب، ففعلوا، وكان من ثباته ﷺ على بث الدعوة واحتمال الأذى ما أفضى بهم إلى الاضطهاد وأشد الإيذاء له ولمن يؤمن به، حتى ألجئوهم إلى الهجرة بعد الهجرة، ثم إجماع الرأى على قتله، لولا أن خرج من وطنه مهاجرا، ثم صاروا يقاتلونه فى دار هجرته وما حولها، وينصره الله عليهم، إلى أن اضطروا إلى عقد الصلح معه فى الحديبية سنة ست من الهجرة، وكان أهم شروط الصلح السماح للمؤمنين بمخالطة المشركين، وهو الذى كان سبب سماعهم للقرآن، ودخولهم بتأثيره فى دين الله أفواجا. فكان انتشار الإسلام فى أربع سنين بالسلم والأمان أضعاف انتشاره فى ست عشرة سنة من أول الإسلام.

стр. 109

فعل القرآن فى أنفس المؤمنين كان كل من يدخل فى الإسلام قبل الهجرة يلقن ما نزل من القرآن- ليعبد الله بتلاوته- ويعلم الصلاة ولم يفرض فى مكة من أركان الإسلام غيرها. فيرتل ما يحفظه فى صلاته اقتداء بالنبى ﷺ إذ فرض الله عليه التهجد بالليل من أول الإسلام. قال تعالى فى أول سورة المزمل: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ١ - ٤]، ثم قال فى آخرها: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠]، أى: فى صلاة الليل وغيرها، ثم ذكر الأعذار المانعة من قيام الليل كله ما كان منها فى ذلك العهد؛ كالمرض والسفر وما سيكون بعد سنين، وهو القتال فى سبيل الله. ومما ورد فى صفة الصحابة رضى الله عنهم أن الذى كان يمر ببيوتهم ليلا يسمع منها مثل دوى النحل من تلاوة القرآن، وقد غالى بعضهم فكان يقوم الليل كله حتى شكا منهم نساؤهم فنهاهم النبى ﷺ عن ذلك، وكان هو يصلى فى كل ليلة إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة منهن، وما قبلها مثنى مثنى، وكان هو يطيل فيهن حتى تورمت قدماه من طول القيام فأنزل الله عليه مرفها ومسليا: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ١، ٢] إلخ. فتربية الصحابة التى غيرت كل ما كان بأنفسهم من مفاسد الجاهلية، وزكّتها تلك التزكية التى أشرنا إليها آنفا، وأحدث أعظم ثورة روحية اجتماعية فى التاريخ إنما كانت بكثرة تلاوة القرآن فى الصلاة وتدبره فى غير الصلاة، وربما كان أحدهم يقوم الليلة بآية واحدة يكررها متدبرا لها، وكانوا يقرءونه فى كل حال حتى مستلقين ومضطجعين كما وصفهم الله بقوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩١]، وأعظم ذكر الله تلاوة كتابه المشتمل على ذلك أسمائه الحسنى، وصفاته المقدسة، وأحكامه وحكمه وسننه فى خلقه، وأفعاله فى تدبير ملكه كما تقدم. وقد وصف الله تعالى فعل القرآن فى هؤلاء المؤمنين بقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣].

стр. 110

ولو كان القرآن ككتب القوانين والفنون لما كان لتلاوته كل ذلك التأثير فى قلب الطباع، وتغيير الأوضاع. بل لكانت تلاوته تمل فتترك، فأسلوب القرآن الذى وصفناه آنفا من أعظم أنواع إعجازه اللغوى، وتأثيره الروحى، ومن ارتاب فى هذا فلينظر فى المسائل التى تشتمل عليها السورة منه وليحاول كتابتها نفسها أو مثلها. بأسلوب تلك السورة ونظمها وأسلوب سورة أخرى كالسور التى يتكرر فيها الموضوع الواحد بالإجمال الموجز تارة وبعض التفصيل تارة، وبالإطناب فيه أخرى. كالاعتبار بقصص الرسل مع أقوامهم فى سورة المفصل (كالذاريات والقمر والحاقة) وفيما فوقها (كالمؤمنون والشعراء والنمل) وفيما هو أطول منها (كالأعراف وهود) ثم لينظر ما يفضى إليه عجزه من السخرية والتكرار المملول. الذى يغثى منه الذوق غثيانا، وتمجه القلوب وتستفرغه استفراغا. وقد بين غوستاف لوبون فى كتابه (روح الاجتماع) أن تكرار الدعوات الدينية والسياسية والاجتماعية فى الخطب والمقالات التى تثير الجماعات وتدعّهم (تدفعهم بعنف) إلى الانهماك والتفانى فيها دعاء هو الذى يثبتها فى القلوب، ولذلك يعتمد عليه خطباء السياسة ورؤساء الأحزاب ومؤسسوها، وكذلك التجار وغيرهم فيما ينشرونه من الإعلانات فى الصحف ويعلقونه فى الشوارع. (ونقول): ما كان محمد ولا أحد من أهل عصره يعلمون هذا. لكن الله يعلم من طبائع الجماعات والأقوام. فوق ما يعلمه حكماء عصرنا وسائر الأعصار، وإنما القرآن كلامه ليس فيه من التكرار، إلا ما له أكبر الشأن فى انقلاب الأفكار، وتغيير ما فى الأنفس من العقائد والأخلاق، ولو جمعت أبلغ خطب رجال السياسة التى أحدثت التأثير فى أحزابهم وقرئت بعد ذلك مرات قليلة لسارع الملل إلى نفس كل قارئ حتى أتباع ذلك الخطيب أنفسهم وقراءة القرآن لا يملها أحد يفهم معانيها، ويذوق حلاوة أسلوبها. ألا وإن تقليب القلوب والأفكار، لأعسر من فلق الصخور وتحويل الجبال، وقد ضرب الله لهذا المثل بقوله: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١]. وهكذا كان تأثير القرآن فى العرب، فهذا مثلهم، وأما مثل بنى إسرائيل بعد رؤيتهم آيات الله لموسى فقوله لهم بعد سردها: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤].
следующие страницы →