مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومتبعى هديه إلى يوم الدين .... وبعد.
يعد علم الوقف من أهم العلوم التى أهتم بها العلماء المسلمون حتى أنهم أفردوا لها تصانيف خاصة وأول من كتب فى الوقف هو شيبة بن نصاح الكوفى (ت ٧٤٧ م) ومن أهم المؤلفات المطبوعة التى وقعت تحت يدى وأثنى عليها العلماء قديما وحديثا خمسة مؤلفات وهم كتاب (إيضاح الوقف والابتداء) لابن الأنبارى وكتاب (المقصد) للأنصارى وكتاب (القطع والائتناف) للنحاس وكتاب (المكتفى فى الوقف والابتداء) لأبى عمرو الدانى وكتاب (منار الهدى) للأشمونى، يقول النكزاوى: باب الوقف عظيم القدر جليل الخطر لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معانى القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل «١».
وقد لفت انتباهى عند قراءتى فى كتب تفسير آيات الأحكام أن فقهاء الحنفية قد استدلوا بالوقف فى ترجيح رأيهم الفقهى على رأى غيرهم من الفقهاء، ثم وقع نظرى على رسالة للماجستير مقدمة من د. هالة عثمان عبد الواحد وموضوعها «الأثر النحوى لظاهرة الوقف فى النص القرآنى» لقسم النحو والصرف والعروض- كلية دار العلوم جامعة المنيا- ورغم أن الرسالة تتحدث فى مضمونها عن التأثير النحوى ولم تتطرق إلى تأثير الوقف الفقهى أو فى التفسير إلا أن الفكرة قد استهوتنى للبحث فى تأثير الوقف فى الفقه الإسلامى على أننى سوف أجعل تأثير الوقف فى التفسير بحثا آخر بإذن الله تعالى.
ومن ثم فقد حاولت فى هذا البحث أن أضع يدى على موقف المذهب الحنفى من
стр. 2
الاستدلال بالوقف كمرجح فى المسائل الفقهية وأبين أنه إذا كان هناك خلاف بين الفقهاء فى الوقوف على بعض الآيات دون البعض فإن هذا الخلاف انبثق عنه اختلاف فى كثير من الفروع الفقهية التى نجدها متناثرة فى كتب الفقه والتفسير المختلفة.
ولقد قسمت هذا البحث إلى فصلين عالج الأول منها نشأة القراءات القرآنية وتكلم عن الوقف وأقسامه وهل الوقف توقيفى أم لا؟ ثم جاء الفصل الثانى دراسة تطبيقية ليبين أثر الوقف فى الأحكام الفقهية عند الحنفية.
والله اسأل أن يوفقنى للعمل بكتابه وسنة رسوله.
стр. 3
ثبت بالآيات التى ورد فيها الوقف
١ - يقول الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]
٢ - يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى [البقرة: ١٧٨]
٣ - يقول الله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٤٥]
٤ - يقول الله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣]
٥ - يقول الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦]
٦ - يقول الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]
٧ - يقول الله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥]
٨ - يقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧]
٩ - يقول الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١]
стр. 4
رموز التخريج
خ: البخارى.
م: مسلم.
ت: الترمذى.
ن: النسائى.
د: أبو داود.
جه: ابن ماجة.
هق: البيهقى فى السنن الكبرى.
قط: الدار قطنى.
стр. 5
الفصل الأول نشأة القراءات القرآنية وتعريف الوقف وأقسامه
المبحث الأول: القراءات القرآنية
المبحث الثانى: تعريف الوقف وأهميته
المبحث الثالث: أقسام الوقف
стр. 6
المبحث الأول: القراءات القرآنية
القراءات لغة: جمع قراءة وهى فى الأصل مصدر (قرأ) يقال: قرأ فلان، يقرأ قراءة «١».
فى الاصطلاح: عرفها علماء الاصطلاح بقولهم (هى علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها، منسوبة لناقلها فالقراءات هى تلك الوجوه اللغوية والصوتية التى أباح الله بها قراءة القرآن تيسيرا وتخفيفا على العباد) «٢».
نشأة القراءات:
لا خلاف فى أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف تتضمن مختلف لغات العرب ولهجاتها وعلى رأسها لغة قريش لأنها كانت أفصحهم حتى أن سيدنا عثمان عند ما أمر بجمع المصحف جعل الأصل فيها أن يكون بلغة قريش عند الاختلاف أما إن أمكن الجمع بين الأحرف فى الخط كتبوه.
وكان رسول الله ﷺ يقرئ أصحابه بهذه الأحرف فيذهب كل واحد منهم وهو يقرأ بقراءة غير التى يقرؤها صاحبه، ثم جاء الفتح الإسلامى وتفرق الصحابة فى البلاد وأخذ الناس القرآن عنهم ثم كثر الاختلاف والتنازع وذلك بسبب اختلاف الناس فى القراءات حتى أن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه فى القصة المشهورة التى قام على أثرها الصحابة رضى الله عنهم بعد اجتماعهم على كتابة القرآن فى مصحف جامع لأن الصحابة وهم أهل فصاحة كانوا على إدراك تام لمعنى هذه الأحرف المختلفة والمقصود منها بعد أن علمهم النبى ﷺ ، أما الناس بعد ذلك فلم يصل إدراكهم وفهمهم إلى ما وصل إليه أولئك كما أن
стр. 7
دخول العجم فى الإسلام كان له بالغ الأثر فى التعجيل بتوحيد الأمة على قراءة واحدة فجمعه أبو بكر بعد حادث اليمامة وقتل القراء ثم جمعه عثمان الجمعة الثانية وطرحوا ما سواه فلم يقرءوا به وما زال المسلمون على ذلك حتى يومنا هذا «١».
فوائد تعدد القراءات:
لتعدد القراءات فوائد عدة تذكر منها ما يلى:
١ - التخفيف على الأمة الإسلامية من باب التيسير ورفع الحرج.
لذلك يقول ابن قتيبة فى تأويل مشكل القرآن: فكان من تيسير الله أن أمر الرسول ﷺ بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرى عليه عادتهم .. ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتباره طفلا وناشئا وكهلا لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة وتذليل اللسان وقطع للعادة فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل له متسعا فى اللغات ومتصرفا فى الحركات كتيسيره عليهم فى الدين «٢».
٢ - رغم تعدد القراءات القرآنية فإنه لا يوجد بينها تضاد ولا تناقض رغم ما به من آيات محكمات وأخر متشابهات مما يدل على إعجازه.
٣ - هذه القراءات القرآنية يفسر بعضها بعضا كقوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً فسرتها قراءة: «يأخذ كل سفينة صالحة غصبا».
٤ - هذه القراءات ترجح حكما على حكم آخر كما سوف يتبين فى الدراسة وكما فى قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. ففي قراءة أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ «٣» [المائدة: ٨٩].
٥ - تأكيد جانب عقائدى كما فى رؤية الله يوم القيامة فى قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً. فهناك قراءة بكسر اللام وفتح الميم وهى من أعظم الأدلة على رؤية الله تعالى يوم القيامة «٤». [الإنسان: ٢٠]
стр. 8
٦ - الاحتجاج بتنويع القراءات فى تقرير القواعد اللغوية والنحوية «١».
أركان القراءة الصحيحة:
للقراءة الصحيحة ثلاثة أركان إذا توافرت هذه الأركان حكمنا عليها بالصحة وإذا اختل ركن منها فهى غير صحيحة وهذه الأركان هى:
١ - روايتها متواترة بسند متصل برسول الله ﷺ لذلك يقول سيدنا زيد بن ثابت القراءة سنة متبعة.
٢ - موافقتها لخط المصاحف العثمانية ورسمها فإن لم يتحملها الرسم اعتبرت القراءة شاذة وإن صح سندها فلا يقرأ بها القرآن.
٣ - موافقة القراءة وجها من العربية فى الصوت أو الصرف أو التركيب أو الدلالة.
فمن خلال هذه الأركان الثلاثة يمكننا القول بأن هذه الأركان هى مقياس الصحة والشذوذ عند علماء القراءات فإن توافرت كانت القراءة صحيحة وإلا حكمنا بالشذوذ كما يمكننا القول بأن القرّاء ليسوا بسبع كما هو مشهور عند العامة لأن كل من قرأ واكتملت فيه هذه الأركان كانت قراءته صحيحه. ومما يؤكد ذلك أن جرير الطبرى روى فى كتابه واحد وعشرين قراءة، وقد صرح مكى فى الإبانة أن الناس من الأئمة فى كتبهم أكثر من سبعين ممن هم أعلى رتبة وأجل قدرا من هؤلاء السبعة «٢».
وأول من ذكر أو اقتصر على القراءات السبعة هو ابن مجاهد وتبعه فى ذلك أبو عمرو الدانى والشاطبى.
والذى دفع ابن مجاهد ومن تبعه إلى هذا هو من باب التيسير على الأمة لأنهم رأوا الهمم قصرت والأفهام عجزت عن استيعاب طرق القراءات كلها فنظروا فى أئمة القراءة وأكثرهم ضبطا واتقانا واختاروا منهم هؤلاء السبعة «٣».
стр. 9
وهم:
١ - نافع وهو ابن عبد الرحمن بن أبى نعيم توفى بالمدينة سنة ١٢٩ هـ.
٢ - عبد الله بن كثير الدارى توفى سنة ١٢٠ هـ.
٣ - أبو عمرو بن العلاء هو ابن عمار التميمى المازنى البصرى واسمه زبان توفى سنة ١٥٤ هـ.
٤ - عبد الله بن عامر هو ابن يزيد اليحصبى توفى بدمشق سنة ١١٨ هـ.
٥ - عاصم بن أبى النجود ويقال ابن بهدلة الأسدي ت ١٢٨ هـ.
٦ - حمزة بن حبيب الزيات ت سنة ١٥٨ هـ.
٧ - الكسائى هو على بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي ت ١٨٩ هـ. «١».
وزاد ابن الجزرى فى نشره ثلاثة قرّاء هم:
١ - أبو جعفر هو يزيد بن القعقاع المخزومى ت سنة ١٣٠ هـ.
٢ - يعقوب هو ابن اسحاق بن زيد الحضرمى ت ٢٠٥ هـ.
٣ - خلف هو ابن هشام البزار الأسدي ت ٢٢٩ هـ.
стр. 10
المبحث الثانى: تعريف الوقف وأهميته
علم الوقف هو العلم الذى جاء من أجل إزالة الالتباس بين العبارات بعضها ببعض ويمنع التداخل بينها بحيث نعرف متى تنتهى تلك العبارة ومتى تبدأ الأخرى، فمهمة هذا العلم هو تنظيم الكلام بين الناس وكان لخطورة عدم تعلم هذا العلم عند تعلم القرآن الكريم ألا يجيز الشيخ تلميذه إلا بعد أن يتقن علم الوقف والابتداء، يقول ابن الأنبارى:
من تمام معرفة القرآن الوقف والابتداء «١».
والوقف لغة هو الحبس والكف ووقف الشيء حبسه وقد وردت مادة وقف فى القرآن والسنة، أما القرآن ففي قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤]. أما السنة فما رواه الترمذى عن فعل رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن: «ولا يمر بآية عذاب إلا وقف يتعوذ» «٢».
الوقف اصطلاحا: هو علم يعرف به كيفية أداء قراءة القرآن بالوقف على المواضع التى تتم عندها المعانى والابتداء من مواضع تستقيم معها المعانى وتتفق مع وجوه التفسير وصحة اللغة، وما تقتضيه علومها من نحو وصرف ولغة بحيث لا يخرج القارئ على وجه مناسب من التفسير ولا يخالف وجوه اللغة وسبل أدائها «٣».
فالوقف فى القراءة: عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمنا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض ويكون فى رءوس الآى وأواسطها ولا يأت فى وسط الكلمة ولا فيما اتصل رسما «٤».
стр. 11
الوقف والقطع والسكت:
أطلق علماء القراءات المتقدمون هذه الكلمات وغالبا ما أرادوا بها الوقف أما المتأخرون ففرقوا بينها فقالوا: القطع عبارة عن قطع القراءة رأسا فهو كالانتهاء، فالقارئ به كالمعرض عن القراءة والمنتقل إلى حالة أخرى غيرها وهو الذى يستعاذ بعده للقراءة المستأنفة ولا يكون هذا إلا على رأس آية لأن رءوس الآى فى نفسها مقاطع.
أما السكت عندهم: فهو عبارة عن قطع الصوت زمنا وهو دون زمن الوقف عادة من غير تنفس «١».
ومما سبق يتضح لنا أن الوقف أعم من السكت والقطع.
ومعرفة الوقف من أهم متطلبات الفصاحة فى كلام الفصحاء كما أنه من أهم متطلبات التجويد فى القراءة وقد ذكرنا قبل ذلك أن الشيخ لم يجز لتلميذه القراءة إلا إذا أجاد علم الوقف والابتداء وقد روى البيهقى عن ابن عمر قوله: لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها وأوامرها وزواجرها وما ينبغى أن يقف عنده منها، ولقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لا يدرى ما أمره وما زاجره وما ينبغى أن يقف عندها ينثر نثر الدقل «٢».
قال النحاس معلقا على هذا الحديث: فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون القرآن وقول ابن عمر لقد عشنا برهة من دهرنا يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة ثابت «٣».
وكان ﷺ يقف على بعض الآيات وإن كان أكثر وقوفه على رءوس الآيات وذلك لما روى عن أم سلمة ﷺ أنها سئلت عن قراءة النبى ﷺ فقالت: كان يقطع قراءته، يقول: الحمد لله رب العالمين ويقف، الرحمن الرحيم ويقف «٤».
وروى عن على بن أبى طالب أنه سئل عن معنى الترتيل فى قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤] فقال: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف «٥».
стр. 12
المبحث الثالث: أقسام الوقف
اختلف العلماء فى تقسيمهم للوقف حسب اختلافهم فى تحقيق المعانى فقسمه ابن الأنبارى إلى ثلاثة: تام وحسن وقبيح وقسمه غيره إلى أربعة أقسام تام مختار وكاف جائز وحسن مفهوم وقبيح متروك، وقال السجاوندى الوقف على خمس مراتب لازم ومطلق وجائز ومجوز بوجه ومرخص ضرورة وغير ذلك من أقسام «١»، وكل ما ذكروه من أقسام الوقف لا يخرج عن أربعة أقسام وهى التام والكافى والحسن والقبيح.
وقبل الكلام فى هذه الأقسام الأربع ينبغى ذكر الضابط التى يفرق العلماء من خلاله بين هذه الأنواع.
فالضابط فى التفريق بين هذه الأنواع الأربع هو النظر إلى العبارة التى قبل موضع الوقف والعبارة التى بعده فيبحثون عن ثلاثة روابط وبحسب وجود شىء منها أو
وجودها كلها يكون تحديد نوع الوقف وحكمه وهى:
١ - الروابط اللفظية.
٢ - المعنى الخاص بكل عبارة.
٣ - السياق العام (أى الموضوع) «٢».
وفى ذلك تقول د. هالة عثمان:
(فإذا لم يوجد أى رابط لفظى بين العبارتين، وكان المعنى الخاص بكل عبارة كاملا بنفسه ولا يحتاج إلى العبارة الأخرى ليكمل ويصير معنى مفيدا. وكانت العبارة الثانية بداية موضوع وسياق جديد فهذا هو التام أما إن كان السياق لا يزال واحدا فهذا الكافى وإن وجد
стр. 13
بين العبارتين رابط لفظى ورابط فى المعنى والسياق العام إلا أن العبارة الأولى بنفسها تشكّل معنى مفيدا فهذا هو الحسن فإن كان كل من العبارتين محتاجا إلى الآخر بحيث لا يكون بنفسه معنى مفيدا إلا بالعبارة الأخرى فالوقف حينئذ بينهما قبيح «١».
القسم الأول: التام:
فالوقف التام هو الذى يفصل بين عبارتين لا علاقة لأحدهما بالأخرى لا فى اللفظ ولا فى المعنى لأن العبارة الأولى تامة وتستغنى بنفسها عن العبارة الثانية فى تمام معناها ومثالها قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥] فالوقف على (مفلحون) وقف تام لأنه نهاية الكلام عن المؤمنين وما بعد الوقف كلاما مستأنفا يتكلم عن الكفار وحالهم مع الرسول والرسالة فنلاحظ هنا عدم وجود الرابط اللفظى أو المعنى بين العبارتين «٢»، وهذا النوع من الوقف يحسب الوقوف عليه والابتداء بما بعده.
القسم الثانى: الكافى:
هو الذى يفصل بين عبارتين لا تعلق بينهما فى اللفظ فكل منهما جملة مفيدة فى لفظها وإن كان هناك تعلق بالمعنى العام وسياق الكلام ومثالهما قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ثم نبدأ بقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وهذا النوع وهو الوقف الكافى يكثر فى الفواصل «٣».
القسم الثالث: الحسن:
هو الذى يفصل بين عبارتين تتصل كل منهما فى اللفظ وفى سياق الموضوع غير أن الجملة الأولى مفيدة بنفسها أما الثانية فهى غير مفيدة بنفسها ولا يتم معناها إلا بالربط بالجملة الأولى لوجود الرابط اللفظى. مثاله قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فالوقف على الحمد لله حسن لأنها جملة مفيدة بذاتها أما الابتداء برب العالمين لا يحسن
стр. 14
لوجود الرابط اللفظى لأن كلمة (رب) صفة والموصوف هو (الله) فلا يمكن الفصل بين الصفة والموصوف فيجب على القارئ إن فصل وأراد الابتداء بالثانية عليه إعادة الجملة الأولى ١، فهذا النوع من الوقف يحسن الوقوف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده.
القسم الرابع: القبيح:
هو الذى يفصل بين عبارتين اشتد تعلقهما فى اللفظ والمعنى بحيث أن كل جملة منهما لا تستطيع أن تستغنى عن الأخرى وتكون جملة مفيدة. ومثاله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ فالوقف على هذه الجمل والبدء بما بعدها يعد من القبح فى الوقف ولا يجوز لأنه يغير المعنى المقصود تماما.
وكذا وصل ما يجب الوقف عليه قبيحا كما فى قوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فلا نستطيع الوصل بل يجب الوقف على (يسمعون) لأنه فى حالة الوصل اشرك الموتى مع الذين يسمعون فى صفة الاستجابة.
رموز الوقف:
وضع العلماء رموزا للوقف وهى:
(م) رمز للوقف اللازم وهو ما كان فى وصله إفساد للمعنى أو إبهام لمعنى آخر غير مراد.
(ط) رمز للوقف المطلق والمراد به ما يحسن فيه الابتداء بما بعده وهذا الرمز لا يكون إلا فى الوقف التام والكافى.
(ج) رمز الوقف الجائز وهو ما يجوز فيه الوقف والوصل بدرجة متساوية. لوجود وجهين فيها من الإعراب من غير ترجيح لأحدهما.
(ز) رمز للوقف المجوز لوجه وذلك إذا كان هناك وجهان متغايران فى الإعراب وأحدهما أرجح من الآخر.
(ص) رمز للوقف المرخص لضرورة النفس، وذلك إذا طال الكلام وانقطع النفس فيقف عليه مع وجود الارتباط بما بعده «١».
стр. 15
الوقف غير توقيعى:
لا خلاف نعرفه فى أن الآيات التى ورد عن النبى ﷺ أنه كان يقف عليها ووقف عليها الصحابة من بعده فإنه وقف لازم لأنه توقيفى من النبى ﷺ كما أنه ورد عن النبى أنه كان يقف على بعض الآيات تارة ويصلها أخرى فاحتمال وقفه عليها أحد أمرين.
الأول: أن تكون فاصلة. والثانى: أن يكون المعنى احتمل ذلك. ومن هنا جاء القياس فى الوقف. «١»
بل إننا نرى أن القراء أنفسهم لهم فى الوقف والابتداء مذاهب مما يدل على أن الوقف فى الأعم الأغلب غير توقيفى ما دام تحتمله القواعد النحوية واللغوية، فنافع كان يراعى عند وقفه تجانسها بحسب المعنى وابن كثير وحمزة كانا يقفان عند انقطاع النفس، واستثنى ابن كثير بعض الحالات التى يجوز الوقف عليها لغير انقطاع النفس مثل قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
أما عاصم والكسائى فكان الوقف عندهم حيث تم الكلام، أما أبو عمرو يتعمد رءوس الآى ويقول: هو أحب إلى «٢».
ومما يؤكد قولنا أن الوقف غير توقيفى قول النكزاوى الذى أورده السيوطى حيث يقول:
لا بدّ للقارئ من معرفة مذاهب الأئمة المشهورين فى الفقه لأن ذلك يعين على معرفة الوقف والابتداء لأن القرآن مواضع ينبغى الوقف على مذهب بعضهم ويمتنع على مذهب آخرين «٣».
نخلص من هذا كله أن الوقف كما قلنا غير توقيفى إلا فيما ثبت عن النبى ﷺ فيجب الوقوف عليه. مما يجيز لنا الاستشهاد ببعض الآيات فى الجانب التطبيقى لم يقف عليها القراء وإن كان يجوز الوقف عليها.
стр. 16
الفصل الثانى الوقف وأثره فى الترجيح عند الحنفية
стр. 17
١ - مباشرة الزوجة بعد انقطاع الدم
يقول تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. [البقرة: ٢٢٢]
لا خلاف بين العلماء فى جواز الاستمتاع بالحائض فيما فوق السرة ودون الركبة بالنص والإجماع «١» والوطء فى الفرج محرم بهما «٢».
غير أنهم اختلفوا فى حكم الوطء بعد انقطاع الدم وقبل الغسل وسبب الخلاف يرجع إلى الاحتمالات التى فى قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ هل المراد به الطهر الذى هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟ ثم إن كان الطهر بالماء فهل المراد به طهر جميع الجسد أم طهر الفرج؟ «٣».
وقد ورد فى هذه الآية عدة قراءات كان من بينها وقف كان له أثرا بارزا فى الخلاف الفقهى وقبل ذكر اختلاف الفقهاء وأدلتهم أود أن أذكر هذه القراءات وهى:
١ - ورد وقف على قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ والاستئناف بقوله: فَإِذا تَطَهَّرْنَ «٤».
стр. 18
٢ - قرأ الجمهور منهم نافع وأبو عمر وابن كثير وابن عاصم فى رواية حفص (يطهرن) بسكون الطاء وضم الهاء.
٣ - ورد فى مصحف أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود (حتى يطهرن) وهى قراءة شاذة.
٤ - قرأ حمزة والكسائى وعاصم فى رواية أبى بكر والمفضل عنه (يطهّرن) بتشديد الهاء والطاء وفتحهما وهى قراءة صحيحة ورجحها الطبرى.
٥ - ورد فى مصحف أنس بن مالك فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ورجح أبو على الفارسى قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثى مضاد لطمث وهو ثلاثى وهذه القراءة شاذة.
وبناء على هذه القراءات اختلف الفقهاء إلى فريقين وإليك بيان ذلك:
المذهب الأول: وهم الحنفية الذين قالوا بأن انقطاع الدم يجيز للزوج وطء زوجته بشرط أن يكون الانقطاع بعد عشرة أيام وهى أقصى مدة للحيض عندهم، أما دون ذلك فلا يجوز له الوطء إلا بعد الغسل أو يمضى عليها وقت صلاة كامل «١».
واستدلوا على ذلك بأدلة منها «٢».
١ - أن الوقف على قوله (حتى يطهرن) والاستئناف بقوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فهو ابتداء كلام لا إعادة لما تقدم، ولو إعادة لاقتصر على الأول، فقال: حتى يطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله خاصة فلما زاد عليه دل على أنه استئناف حكم آخر.
٢ - المراد بقوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ حتى ينقطع عنهن الدم، وقد يستعمل التشديد موضع التخفيف، فيقال: تطهر بمعنى طهر كما يقال: قطع وقطّع ويكون هذا أولى لأنه لا يفتقر إلى إضمار.
كما أنهم حاولوا الجمع بين القراءتين فحملوا قراءة التخفيف على انقطاع الدم لعشرة أيام وقراءة التشديد على ما هو أقل من عشرة أيام وغايتهم فى هذا مراعاة كل من
стр. 19
القراءتين باستعمال أحدهما على سبيل الحقيقة والأخرى على سبيل المجاز «١».
٣ - مد التحريم إلى غاية وهى انقطاع الدم وما بعد الغاية مخالف لما قبلها فوجب أن يحصل الجواز بعد انقطاع الدم بسبب حكم الغاية لأن (حتى) تقتضى أن يكون حكم ما بعدها بخلاف ما قبلها كقوله تعالى: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، وقوله: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء: ٤٣] فكذلك قوله: حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتخفيف فيراد به انقطاع الدم.
المذهب الثانى: وهو قول جمهور العلماء القائل بعدم جواز الوطء إلا بعد انقطاع الدم والغسل وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة وذهب الأوزاعى إلى أنها إن غسلت فرجها بالماء جاز وطؤها «٢».
واستدلوا على مذهبهم بأدلة نذكر منها «٣».
١ - يقول تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٢٢]. يعنى إذا اغتسلن، هكذا فسره ابن عباس.
كما أن القراءة الشاذة التى وردت فى مصحف ابن مسعود وأبى بن كعب وهى حَتَّى يَطْهُرْنَ فكلمة يَطْهُرْنَ مضارع تطهر وباب تفعل يأتى لعدة معان منها التكلف الذى يطلق على ما يكتسبه المكلفون بأنفسهم كما يقول: تعلم زيد، فإن التعلم من اكتسابه وكذلك إذا قلنا: تطهرت المرأة: كان المراد أنها اكتسبت الطهارة بنفسها وذلك يكون بالاغتسال بالماء لا بمجرد انقطاع الدم.
٢ - قوله تعالى فى آخر الآية: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فأثنى عليهم فيدل على أنه فعل منهم أثنى عليهم به وفعلهم هو الاغتسال دون انقطاع الدم.
يقول ابن العربى: قال تعالى فى آخر الآية: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فمدحهم وأثنى عليهم فلو كان المراد به انقطاع الدم ما كان فيه مدح، لأنه من غير عملهن والبارى سبحانه قد ذم على مثل هذا فقال: وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا «٤».
стр. 20
اشترط لإباحة الوطء شرطين انقطاع الدم والاغتسال فلا يباح إلا بهما كقوله تعالى:
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦] لما اشترط لدفع المال إليهم بلوغ النكاح والرشد لم يبح إلا بهما وأيضا يقول تعالى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] ثم جاءت السنة باشتراط الوطء فوقف التحليل على الأمرين جميعا وهما انعقاد النكاح ووقوع الوطء فكذا هاهنا.
٤ - أن فعل (تطهر) لا يستعمل إلا فيما يكتسبه الإنسان وهو الاغتسال بالماء فأما انقطاع الدم فليس بمكتسب وقراءة (حتى يطّهّرن) والتشديد يدل على المبالغة فى الطهارة وذلك إنما يكون بالاغتسال بالماء فعلا لا بانقطاع الدم وأصله (يتطهرن) فقلبت التاء طاء لقرب مخرجيهما وأدغمت التاء فى الطاء فصارت (يطهرن).
٥ - كلمة (إذا) فى قوله (فإذا تطهرن) تفيد الشرط والمعلق على الشرط عند عدم الشرط فوجب أن لا يجوز الإتيان إلا بعد التطهر فدل ذلك على أن المراد ب (يتطهرن) الاغتسال.
٦ - إن ظاهر قوله: (فإذا تطهرن) حكم عائد إلى ذات المرأة فوجب أن يحصل هذا التطهر فى كل بدنها لا فى بعض من أبعاض بدنها وهذا لا يتحقق إلا بالاغتسال.
مناقشة الأدلة:
بعد عرض أدلة الفريقين يتبين لنا ضعف أدلة الحنفية وإليك بيان ذلك:
١ - أما قولهم بوجوب الوقف على قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ والاستئناف بقوله:
فَإِذا تَطَهَّرْنَ غير مسلم به لأن هذا خلاف الظاهر فإن المعاد فى الشرط هو المذكور فى الغاية بدليل ذكره (بالفاء)، ولو كان غيره لذكره (بالواو)، وأما الزيادة فلا تخرجه عن أن يكون بعينه كما فى قوله: لا تعط هذا الثوب زيدا حتى يدخل الدار فإذا دخل فاعطه الثوب ومائة درهم لكان هو بعينه ولو أراد غيره لقال: لا تعطه حتى يدخل الدار، فإذا دخل وجلس فافعل كذا وكذا هذا طريق النظم فى اللسان «١».
٢ - قولهم بأن (حتى يطهرن) بالتخفيف والتشديد تدل على انقطاع الدم غير مسلم به أيضا
стр. 21
لأن المعاجم لا تشهد لهم فالقراءة بالتخفيف لا تفيد انقطاع الدم فقط كما زعم الحنفية بل تفيد انقطاع الدم والاغتسال يقول الفيروزآبادى: طهرت: انقطع دمها واغتسلت من الحيض وغيره كتطهرت «١».
وكذلك حمل (يطهرن) بالتشديد بانقطاع الدم لا يصح لأنه مخالف للغة أيضا: يقال:
اطهرت المرأة: بمعنى انقطع دمها، وإنما معناه اغتسلت، لأن التشديد كما قلنا يدل على المبالغة فى الطهارة وإنما يكون بالاغتسال بالماء لا انقطاع الدم كما إن قوله تعالى بعد ذلك: فإذا تطهرن يدل على أن المراد بالماء «٢».
٣ - أما احتجاجهم بأن انقطاع الحيض غاية النهى عن ايتاء المرأة فلا يلزم بقائه عند انقطاع الدم لأن ما بعد الغاية مخالفا لما قبلها فوجب أن يحصل الجواز بعد انقطاع الدم لسبب حكم الغاية، فقد أجيب بأنه يكون الحكم للغاية مخالفا لما قبله إذا كانت مطلقة فأما إذا انضم إليها شرط آخر فإنما يرتبط الحكم بما وقع القول عليه فى الشرط كقوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ وكقوله تعالى: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
الرأى الراجح:
بعد مناقشة أدلة الحنفية يتضح لنا رجحان مذهب الجمهور القائل بأن الزوج لا يأتى زوجته إلا بعد انقطاع الدم والغسل وقد دفع هذا ابن المنذر إلى قوله: هذا كالإجماع منهم «٣» وبالغ أحمد بن محمد المروذى فقال: لا أعلم فى هذا خلافا «٤».
وقد رجح ابن تيمية هذا الرأى بقوله: وإنما ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور لأن قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهذا التحريم يزول بانقطاع الدم، ثم يبقى الوطء بعد ذلك وجائز بشرط الاغتسال يقول تعالى: فإذا تطهرن «٥».
فنخلص من هذا أن الوقف الذى استدل به الحنفية على جواز ايتاء الزوج زوجته قبل
стр. 22
الغسل وبعد انقطاع الدم لا يقوى أمام القراءة الصحيحة وباقى أدلة الجمهور التى سبق عرضها.
فائدة:
بقى أن أشير إلى أن الإنصاف يقتضينا أن نشير إلى أن هناك خلط عند بعض المتناولين للقضية يشيرون إلى أن الجمهور قد استدل بأن الله وقف الحكم وهو جواز الوطء على شرطين. أولهما: وهو انقطاع الدم ويدل عليه قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ أى ينقطع دمهن، والثانى: وهو الاغتسال بالماء ويدل عليه قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ أى إذا اغتسلن بالماء فعند تحقق هذين الشرطين يجوز الوطء وهذا ما فعله ابن تيمية فى النص السابق. وقد التبس هذا الأمر أيضا على القرطبى حيث يقول: ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها على شرطين أحدهما: انقطاع الدم وهو قوله: حَتَّى يَطْهُرْنَ والثانى: الاغتسال بالماء وهو قوله تعالى: «فإذا تطهرن» أى فعلن الغسل بالماء «١».
فهذا اعتراف منه للحنفية رغم أنه ساق الدليل فى معرض احتجاجه لأدلة الجمهور.
وأنا لا أوافقه على ذلك لأن الجمهور لم يشترط انقطاع الدم بقوله: حَتَّى يَطْهُرْنَ وإنما اشترط الاغتسال وإلا لكان هذا اعترافا منهم يؤيد رأى الحنفية وهو أن (يطهرن) بالتخفيف بمعنى انقطاع الدم، لأن الحنفية يحملون قوله: «فإذا تطهرن» على الاغتسال.
لذلك يقول ابن العربى مراعيا لهذا الخلط: إنا نقول: نسلم أن قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ أن معناه حتى ينقطع دمهن، ولكنه لما قال بعد ذلك.
فإذا تطهرن معناه فإذا اغتسلن بالماء تعلق الحكم على شرطين:
أحدهما: انقطاع الدم.
الثانى: الاغتسال بالماء.
فوقف الحكم وهو جواز الوطء على الشرطين «٢».
فكلام ابن العربى واضح فى أنه يفترض (حتى يطهرن) بالتخفيف معناه انقطاع الدم ردا
стр. 23
منه على الحنفية لإثبات صحة مذهبه وإثبات ضعف ما ذهبوا إليه من أدلة. فهذا ليس اعترافا منه بأن (يطهرن) بالتخفيف بمعنى انقطاع الدم وإلا كان مناقضا لما ذهب إليه.
وهذا أسلوب عند بعض الفقهاء كما يفعله ابن حزم من الاستدلال بالقياس للرد على معارضيه رغم أنه لا يعترف به.
стр. 24
٢ - القصاص
يقول تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. [البقرة: ١٧٨]
تتحدث هذه الآية الكريمة عن حكم القصاص فى القتل العمد وما دلت عليه من وجوب المساواة فى الحكم.
وقد ورد عدة أسباب لورود هذه الآية نذكر منها:
١ - روى الشعبى وقتادة من التابعين: إنها نزلت فيمن كان من العرب لا يرضى أن يأخذ بعبد إلا حرا، وبوضيع إلا شريفا وبامرأة إلا رجلا ذكرا، ويقولون القتل أنفى للقتل فردهم الله عن ذلك إلى القصاص وهو المساواة مع استيفاء الحق «١».
٢ - قال السدى: اقتتل أهل ملتين من العرب- أحدهما مسلم والآخر معاهد- فى بعض ما يكون بين العرب من الأمر فأصلح بينهم النبى ﷺ وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء- على أن يؤدى الحر دية الحر والعبد دية العبد والأنثى دية الأنثى فقاصهم بعضهم من بعض «٢».
ولا خلاف بين العلماء فى أن الحر المسلم يقاد به قاتله وإن كان مجدع الأطراف معدوم الحواس والقاتل صحيح سوى الخلق أو كان بالعكس وكذلك إذا تفاوتا فى العلم والشرف والغنى والفقر والصحة والضعف والكبر والصغر والسلطان والسوقة ونحو هذا من الصفات لم يمنع القصاص بالاتفاق «٣».
стр. 25
كما أجمعوا على أن القود لا يجب إلا بالعمد وذلك لعموم حديث رسول الله ﷺ :
«المؤمنون تتكافأ دماؤهم» «١».
وأجمعوا على أن العبد يقتل بالحر وأنه لا يقطع طرف الحر بطرف العبد «٢».
غير أن الخلاف يقع بين الفقهاء فيما عدا ذلك من قتل الحر بالعبد والأنثى بالرجل والمسلم بالكافر.
فالذين قالوا بعدم قتل الحر بالعبد والرجل بالأنثى والمسلم بالكافر قالوا بأن الآية متصلة فالكلام عندهم ينتهى عند قوله تعالى: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى.
أما الذين قالوا بقتل الحر بالعبد والرجل بالأنثى والمسلم بالكافر فقد أعملوا الوقف فى الآية فقالوا بأن قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى. كلام تام قائم بذاته غير مفتقر إلى غيره.
وإليك بيان ذلك:-
أولا: الحنفية:
وهم الذين أخذوا بالوقف فى هذه الآية قال الجصاص: [قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى هذا كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى ما بعده ألا ترى أنه لو اقتصر عليه لكان معناه مفهوما من لفظه واقتضى ظاهره وجوب القصاص على المؤمنين فى جميع القتلى؟] «٣» وهذا هو قول النخعى وسعيد بن المسيب والشعبى «٤» غير أن النخعى جعل السيد يقتل بعبده بخلاف الحنفية الذين قالوا بأن السيد لا يقتل بعبده لأنه بعض ماله.
وهو قول سفيان الثورى «٥».
وقد استدل فقهاء الحنفية بأدلة تؤيد ما ذهبوا إليه منها.
стр. 26
أولا: الكتاب:
يقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى. فهذه الآية عامة فى كل قتيل ولأنها كما قال الجصاص وغيره مكتفية بنفسها عن غيرها غير مفتقرة إلى ما بعدها «١».
ثانيا: السنة:
استدل الحنفية ومن وافقهم بمجموعة من الأحاديث نذكر منها:
١ - قال رسول الله ﷺ : «من أصيب بدم أو خبل- الخبل الجراح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاثة: أما أن يقتص، وأما أن يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه» «٢».
٢ - وقال رسول الله ﷺ : «العمد قود إلا أن يعفو ولى المقتول» «٣».
٣ - وبما روى عن ابن البيلمانى أن النبى ﷺ أقاد مسلما بذمى وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» «٤».
وقال الحنفية أن هذا الحديث مخصص لعموم قوله ﵇: «لا يقتل مؤمن بكافر» أى أنه أريد به الكافر الحربى دون الكافر المعاهد «٥».
٤ - عن سمرة قال قال النبى ﷺ : «من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه» «٦».
стр. 27
ثالثا: المعقول:
١ - أن المسلم والكافر متساويان فى الحرمة التى تكفى فى القصاص وهى حرمة الدم الثابتة على التأبيد فإن الذمى محقون الدم على التأبيد والمسلم محقون الدم على التأبيد وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام والذى يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمى. وهذا يدل على أن مال الذمى قد ساوى مال المسلم فدل على مساواته لذمته إذا المال إنما يحرمه بحرمة مالكه «١».
وقد حكى ابن رشد: الإجماع فى أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمى «٢».
٢ - أن التفاضل غير معتبر فى الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحد قتلوا به «٣».
وقد ذكر ابن العربى مناظرة شيقة بين الزوزنى «٤» وعطاء المقدسى «٥» فى كتابه «نزهة الناظر» ثم ذكر جزءا منها فى أحكامه «٦».
الرد عليهم:
أما دليلهم من الكتاب بجواز الوقف على قوله (فى القتلى) وأنه كلام مكتفى بنفسه غير مفتقر إلى ما بعده ولو اقتصر عليه لكان معناه مفهوما من لفظه فهذا الكلام لم يسلم به جمهور الفقهاء لأنهم قالوا بأن الآية ليس بها وقف إلا على قوله (والأنثى بالأنثى).
كما أن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها وجعل بيانها عند تمامها فقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. [البقرة: ١٧٨]
فإذا نقص العبد عن الحر بالرق وهو من آثار الكفر فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر «٧».
стр. 28
أما ما استدل به الحنفية من أحاديث بالإضافة إلى ما ذكرنا من ضعفها فى التخريج فهى من باب العمومات وقد خصصها الجمهور بأحاديث ستذكر فى حينها.
أما الدليل العقلى بأن المسلم يتساوى مع الذمى فى حرمة المال والنفس فهذا كلام لا يستقيم مع ما جاء فى آخر الآية لقوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ. ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر فدل على عدم دخوله فى هذا القول «١».
ثانيا الجمهور:
وهو قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وهو مروى عن أبى بكر وعمر وعلى رضى الله عنهنّ «٢» حيث ذهبوا إلى أنه لا يقاد بالحر للعبد ولا للأنثى بالذكر ولا للكافر بالمسلم.
يقول الشافعى كون المقتول مثل القاتل فى شرف الإسلام والحرية شرط وجوب القصاص ونقصان الكفر والرق يمنع من الوجوب فلا يقتل المسلم بالذمى ولا الحر بالعبد «٣» وهو قول الحنابلة «٤».
واستدلوا بأدلة من المنقول ومن المعقول:
أولا من المنقول:
١ - الكتاب:
١ - استدلوا بأن الآية الكريمة فى القراءة المتواترة ليس بها وقف على قوله (فى القتلى) وإنما الوقف على قوله (الأنثى بالأنثى).
كما أن الله ﵎ نوع وقسم فى الآية فجعل الحر لا يقتل بالعبد لأن الله ﵎ بين نظير الحر ومساويه وهو الحر وبين العبد ومساويه وهو العبد «٥».
стр. 29
كما أن الله ﵎ ربط آخر الآية بأولها وجعل بيانها عند تمامها فقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى [البقرة: ١٧٨].
فإذا انقص العبد عن الحر بالرق وهو من آثار الكفر فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر «١».
كما أن الله تعالى ذكر بعد ذلك قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ. ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر فدل على عدم دخوله فى هذا القول «٢».
٢ - قال تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء: ٣٣] فإن قيل: جعله إلى الإمام.
قيل: إنما يكون للإمام إذا ثبت للمسلمين ميراثا فيأخذه الإمام نيابة عنهم لأنه وكيلهم ونيابته هاهنا عن السيد محال فلا يقاد به «٣».
٣ - يقول تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١]. وحيث كان القصاص سبيلا من السبل يكون داخلا فى عموم النفى فينفى ثم لا يمكن حمل السبيل على معنى الحجة والبرهان للكافر على المسلم لأن هذا الحمل خاص فلا يناسب عموم اللفظ ولأن هذا معلوم من غير الآية فلا يجوز حملها على ما هو معروف من غيرها.
٢ - السنة:
١ - قال رسول الله ﷺ : [المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده] «٤».
٢ - قال رسول الله ﷺ : لا يقتل مسلم بكافر «٥».
٣ - عن عمر رضى الله عنه أنه قال: لو لم أسمع رسول الله ﷺ يقول: لا يقاد المملوك من مولاه والولد من والده لأقدته منك «٦».
стр. 30
٤ - وعن على رضى الله عنه قال: فى السنة ألا يقتل مسلم بكافر «١».
[ثانيا] دليلهم من المعقول:
أن الله سبحانه قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ. فشرط المساواة فى المجازاة ولا مساواة بين المسلم والكافر فإن الكفر حط منزلته ووضع مرتبته ويعضدنا فى ذلك ما ناقض فيه أبو حنيفة من أنه لا مساواة بين طرف العبد وطرف الحر ولا يجرى القصاص منهما فى الأطراف فكذلك لا يجب أن يجرى فى الأنفس «٢».
الرد عليهم:
أما الآية فقد سبق وأن قال الفريق الأول بوجوب الوقف فى الآية وقولهم بأن الله ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم عندهم فإن أول الآية عام وآخرها خاص وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها بل يجرى كل على حكمه من عموم أو خصوص «٣».
فإن كان أول الخطاب قد شمل الجميع فما عطف عليه بلفظ الخصوص لا يوجب تخصيص عموم اللفظ وذلك نحو قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] وهو عموم فى المطلقة ثلاثا وما دونها ثم عطف قوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق: ٢] وقوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ [البقرة: ٢٢٨] وهذا حكم خاص فى المطلق لما دون الثلاث ولم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ فى إيجاب الثلاثة قروء من العدة على جميعهن «٤».
كما أن قولهم بعدم المماثلة اقتضى عندهم بأن الأمة لا تقتل بالحرة وهذا خلاف الآية حيث يقول تعالى: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى «٥».
أما قولهم بأن الكافر ليس أخا للمسلم فبه قال الفريق الأول غير أن هذا خاص بالعفو
стр. 31
فلا يمنع من عموم ورود القصاص فإنهما قضيتان متباينتان فعموم احداهما لا يمنع من خصوص الأخرى ولا خصوص هذه يناقض عموم تلك «١».
كما يمكن أن تكون الأخوة من طريق النسب لا من جهة الدين «٢».
أما تأويلهم بالسبيل يكون عن طريق القصاص فإنهم لم يسلموا به بل قالوا بأن للآية تأويلات كلها محتملة فيجب التحاكم إلى قواعد الشريعة لمعرفة ما هو أولى بالقبول فحيث نفى الله السبيل فى الآية وكان محتملا أن يكون فى الآخرة فقط أو بعدم تمكين الكافر فى الدنيا من استئصال المؤمنين.
أما دليلهم العقلى القائل بأن الله شرط المساواة فى المجازاة فكذلك قال الخصوم والمساواة عندهم فى الدين ليس بشرط ألا ترى أن الذمى إذا قتل ذميا ثم أسلم القاتل يقتل به قصاص ولا مساواة بينهما فى الدين لكن القصاص محنة امتحنوا بها الخلق بذلك فكان من كان أقبل بحق الله تعالى وأشكر لنعمه كان أولى بهذه المحنة لأن العذر له فى ارتكاب المحذور أقل وهو بالوفاء بعهد الله تعالى أولى ونعم الله تعالى فى حقه أكمل فكانت جناية عظيمة «٣».
وقولهم بأن الحر أفضل من العبد فنعم ولكن التفاوت فى الشرف والفضيلة لا يمنع وجوب القصاص ألا ترى أن العبد لو قتل عبدا ثم أعتق القاتل يقتل به قصاص وإن استفاد فضل الحرية «٤».
تعقيب وترجيح:
بعد عرض أدلة كل فريق ومناقشتها يتبين لنا أن الوقف قد أثر فى الحكم الفقهى عند الحنفية ومن وافقهم فى أن الحر يقتل بالعبد والمسلم بالكافر والأنثى بالرجل أما باقى الأدلة التى اعتمد عليها الحنفية والجمهور فقد تم الرد عليها من الطرف الآخر إما بالتضعيف أو بحمل الخاص على العموم.
стр. 32
والرأى الراجح فى نظرى أن الحر يقتل بالعبد ما لم يكن الحر سيدا لهذا العبد وأن الأنثى تقتل بالرجل والمسلم يقتل بالكافر لما فى ذلك من تيسير على العباد لأن الأخذ بالرأى القائل بعدم المساواة يفتح الباب على مصراعيه لارتكاب الكثير من الجرائم بين الرجال والنساء وبين المسلمين والكافرين الذين يعيشون فى مجتمعات إسلامية مما يؤدى إلى حدوث فتنة طائفية فى هذه المجتمعات أما قتل العبد بسيده والعكس فغير موجود الآن ولا يمنع هذا من وجوده مستقبلا لذا نرى أن المشروع المصرى لم يتحدث عن أحكام الرق لا بالنفى أو الإثبات.
بقى أن أشير إلى أن الإمام مالك والليث بن سعد ذهبا إلى القول بوجوب القصاص فى حالة خاصة هى ما إذا قتل المسلم الكافر غيلة أى يأخذه إلى مكان مخصوص فيضجعه ويذبحه ليأخذ ما معه من المال وفى غير ذلك الحالة لا يقتص منه «١».
واستدل مالك بحديث قتل الرسول ﷺ : يوم حنين مسلما بكافر فقتله غيلة وقال أنا أولى أو أحق من وفى بذمته «٢».
بقى أن أشير إلى أن هناك رأيا ثالثا قال: بأن الآية محكمة وفيها إجمال لأنها جاءت لبيان حكم النوع إذا قتل نوعه فبينت حكم الحر إذا قتل حرا والعبد إذا قتل عبدا والأنثى إذا قتلت أنثى ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر فالآية إذا محكمة وفيها إجمال بينته آية المائدة؛ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥].
وسنتعرض لهذه الآية بعد قليل.
فائدة:
إن أبا يوسف القاضى الحنفى وصاحب أبى حنيفة رفعت إليه قضية تتلخص فى أن مسلما قتل ذميا كافر فحكم عليه أبو يوسف بالقصاص فبينما هو جالس ذات يوم إذ جاءه رجل برقعة فألقاها إليه ثم خرج فإذا فيها هذه الأبيات:
стр. 33
يا قاتل المسلم بالكافر ... جرت وما العادل كالجائر
يأمن ببغداد وأطرافها ... من علماء الناس أو شاعر
استرجعوا وابكوا على دينكم ... واصطبروا فالأجر للصابر
جار على الدين أبو يوسف ... بقتله المؤمن بالكافر
فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره وأقرأه الرقعة فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر لئلا تكون فتنة فدعا أبو يوسف أولياء القتيل وطالبهم بالبينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يستطيعوا أن يثبتوا فأسقط القود وأمر بدفع الدية «١».
стр. 34
٣ - قتل المسلم بالذمى
يقول تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ. [المائدة: ٤٥]
قيل أن سبب نزول الآية أن الله سوى بين النفس والنقس فى التوراة فخالفوا ذلك فضلوا فكانت دية النضرى أكثر، وكان النضيرى لا يقتل بالقرظى، ويقتل به القرظى فلما جاء الإسلام راجع بنوا قريظة رسول الله ﷺ فيه فحكم بالاستواء، فقال بنو النضير: قد حططت منا فنزلت هذه الآية «١».
وقد اختلف الفقهاء فى قتل المسلم بالكافر فتمسك الحنفية بهذه الآية لأنه نفس بنفس وذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية ومن وافقهم إلى عدم قتل المسلم بالكافر واحتجوا بأن هذا خبر عن شرع من قبلنا وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا «٢».
وقد سبق أن ذكرنا قتل المسلم بالكافر عند حديثنا عن حكم القصاص «٣» ولكن هنا نود أن نذكر القراءات التى ذكرت فى هذه الآية وما فيها من وقف لننظر إلى أى مدى تأثير الوقف فى الحكم الفقهى المتعلق بالآية فالقراءات التى ورد بيانها كالتالى:
١ - قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب فى جميعها على العطف ويجوز تخفيف (أن) ورفع الكل بالابتداء والعطف.
٢ - قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح.
٣ - وكان الكسائى وأبو عبيد يقرءان بالرفع فيها كلها. وقد روى أبو عبيد بسنده أن النبى ﷺ قرأ بهذا الرفع «٤».
стр. 35
وتوجيه قراءة الرفع هذه كما ذكرها القرطبى على ثلاث جهات وهى:
١ - بالابتداء والخبر.
٢ - على المعنى على موضع «أن النفس» لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس.
٣ - قال الزجاج: يكون عطفا على المضمر فى النفس لأن الضمير فى النفس فى موضع رفع لأن التقدير أن النفس هى مأخوذة بالنفس «١».
تعقيب:
ومن خلال هذه القراءات يتبين لنا أن هناك وقفان:
أولهما: على قوله (أن النفس بالنفس) وهذا كلام تام بنفس والاستئناف بقوله (والعين بالعين) وهذه هى قراءة الرسول ﷺ وبها قرأ أبو عبيد والكسائى.
ثانيهما: الوقف على قوله تعالى (والسن بالسن) والاستئناف بقوله (والجروح قصاص) وهى قراءة ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر.
فنلاحظ هنا أن الوقف والابتداء فى أحد الوقفين المذكورين يجعل هذا الخطاب موجه للأمة المؤمنة المأمورة باتباع ما تؤمر به ويخرج الخطاب عن كونه إخبارا بما كان فى شرع من قبلنا.
وقد فقه ابن المنذر هذا الحكم فقال مرجحا قراءة الرفع: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام، حكم فى المسلمين، وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول الله صلى
الله عليه وسلم «والعين بالعين» - برفع العين- وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين أمروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به «٢».
فالوقف هنا كما قلنا أثر فى الحكم الفقهى فجعل الحكم يفيد الأمر وهذا موافق لقول الحنفية ويجب اتباعه بدلا من إفادته الإخبار عن شرع من قبلنا.
стр. 36
٤ - نكاح أم الزوجة والربيبة «١»
يقول تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ. [النساء: ٢٣]
تتحدث هذه الآية عن حكم نكاح أو الزوجة ونكاح الربيبة وهو من باب التحريم بالمصاهرة وقد اختلف الفقهاء فى نكاح أم الزوجة بمجرد العقد على بنتها إلى فريقين:
الأول: وهو قول جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية القائل بأن أم الزوجة تحرم بمجرد العقد على بنتها دون الدخول بها. «٢»
стр. 37
قال الشافعى: «من تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى ماتت أو طلقها فأبانها فلا بأس أن يتزوج ابنتها ولا يجوز له عقد نكاح أمها لأن الله قال: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ «١».
الثانى: وهو قول على رضى الله عنهنّ وابن عباس وجابر وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد حيث قالوا: إن أم الزوجة لا تحرم إلا بالدخول بابنتها كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول «٢»، قال القرطبى (وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح بنتها) «٣».
وسبب الخلاف بين الفقهاء هو الوقف الوارد فى الآية حيث يرى الحنفية ومن وافقهم أن الكلام تم عند قوله: «أمهات نسائكم» فهى جملة مستقلة قائمة بذاتها تتعلق بما قبلها ولا تتعلق بما بعدها ثم استأنف بقوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ «٤».
وفى ذلك يقول القرطبى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ هذا مستقل بنفسه، ولا يرجع قوله: مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ إلى الفريق الأول بل هو راجع إلى الربائب، إذ هو أقرب مذكور كما تقدم «٥».
ويزيد الكاسانى الأمر وضوحا بقوله: ولنا تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ كلام تام
стр. 38
بنفسه منفصل عن المذكور بعده لأنه مبتدأ وخبر إذ هو معطوف على ما تقدم ذكره من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ، إلى قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ والمعطوف يشارك المعطوف عليه فى خبره، ويكون خبر الأول خبر للثانى كقوله: جاءنى زيد وعمرو «معناه: جاءنى زيد وجاءنى عمرو» فكان معنى قوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أى:
وحرمت عليكم أمهات نسائكم «١».
واستدل الحنفية ومن وافقهم على قولهم هذا وإبرازا لدور الوقف فى الفقه بمجموعة من الأدلة منها:
١ - قال رسول الله ﷺ : «من تزوج امرأة حرمت عليه أمها دخل بها أو لم يدخل وحرمت عليه بنتها إذا دخل بها» «٢» فهذا نص فى الباب لا يحتمل التأويل، ولأن هذا النكاح- نكاح أم زوجة- يفضى إلى قطع الرحم لأنه إذا طلق بنتها وتزوج بأمها حملها ذلك على الضغينة التى هى سبب القطيعة فيما بينهما وقطع الرحم حرام فما أفضى إلى الحرام يكون حراما.
وقد عضد ابن العربى أدلة الذين استدلوا بالوقف فى ترجيح مذهبهم بأدلة نذكر منها:
١ - إذا كان قوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يحتمل الرجوع إلى الربائب أو الربائب والأمهات معا فيرد إلى أقرب مذكور تغليبا للتحريم على التحليل فى الفروج وهكذا هو مقطوع السلف فيها عند تعارض الأدلة بالتحريم والتحليل عليها.
٢ - إذا قيل بأن المراد بالدخول هاهنا النكاح فعلى هذا الربائب والأمهات سواء لكن الإجماع غلب على الربائب باشتراط الوطء فى أمهاتهن لتحريمهن.
٣ - أن كل واحد من الموصوفين قد انقطع عن صاحبه وخرج منه بوصفه فإنه قال: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ثم قال بعده: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ فوصف وكرر، وذلك الوصف لا يصح أن يرجع إلى الأمهات، وهو قوله: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فالوصف الذى يتلوه يتبعه ولا يرجع إلى الأول لبعده منه وانقطاعه عنه «٣».
أما القائلون بأن لا تحرم أم الزوجة إلا بالدخول بابنتها كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول
стр. 39
فهم لم يعملوا الوقف فى الآية وجعلوا: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ متعلقة بقوله: «فإذا لم تكونوا دخلتم بهن».
وقد انقسم علماء النحو إلى قسمين يؤيد كل قسم منهما فريق من الفقهاء: فذهب علماء البصرة إلى أن: «اللاتى دخلتم بهن» عائد على الربائب خاصة وجعلوا رجوع الوصف إلى الموصفين المختلفى العامل ممنوعا كالعطف عن عاملين.
أما أهل الكوفة فقد جوزوا ذلك كله ورأوا أن عامل الإضافة غير عامل الخفض بحرف الجر لذا أرجعوا قوله تعالى: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ على الربائب والأمهات «١».
الرأى الراجح:
بعد عرض أقوال العلماء فى أن الأم تحرم بالعقد على البنت أم لا؟ تبين لنا رجحان قول الحنفية ومن وافقهم القائل بأن الأم تحرم بالعقد على بنتها وهذا ما بينه الوقف الوارد فى الآية على قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ والاستئناف بقوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ وجواز الاستئناف (بالواو) وارد فى آيات كثيرة فى القرآن منها قوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ [الحج: ٥] «٢» وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢].
وقد رجح الطبرى هذا القول: «والقول الأول أولى بالصواب أعنى قول من قال: الأم من المبهمات لأن الله لم يشرط معهن الدخول ببناتهن كما شرط ذلك مع أمهات الربائب مع أن ذلك أيضا إجماع من الحجة التى لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه وقد روى بذلك أيضا عن النبى ﷺ خبر غير أن فى أسناده نظر.
стр. 40
٥ - فرضية العمرة
يقول تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. [البقرة: ١٩٦]
تتحدث هذه الآية الكريمة عن فرضية الحج والعمرة ولا خلاف بين العلماء فى أن الحج فرض على كل مسلم متى تحققت شروط الاستطاعة فقد حكى ابن قدامة الإجماع فى هذا «١» أما العمرة فقد اختلف الفقهاء فى فرضيتها وقبل الحديث عن هذا الخلاف أود أن أذكر القراءات التى وردت فى هذه الآية وكان من بينها وقف كان له أبرز الأثر فى اختلاف الفقهاء وهذه القراءات هى:
١ - القراءة الواردة فى الآية وهى بالنصب فى قوله تعالى (والعمرة) وهى القراءة المتواترة.
٢ - قرأ نافع وابن عمر والكسائى وأبو جعفر (والعمرة) بالرفع.
٣ - قرأ ابن مسعود: وأتموا الحج والعمرة إلى بيت الله.
٤ - قرأ علقمة: وأقيموا الحج والعمرة لله.
٥ - قرأ على: وأقيموا الحج والعمرة للبيت «٢».
ولعل سبب الاختلاف الوارد فى هذه القراءات هى قراءة (والعمرة) بالضم حيث يقتضى هذا أن يكون الكلام مكتفى بنفسه عند قوله (واتموا الحج) ثم الاستئناف بقوله (والعمرة) لله فمن قراءة الآية بالقراءة المتواترة لم يقف إلا على قوله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ومن قرأ بالقراءة الشاذة أخذ بالوقف الذى ذكرنا وقد أيد كل فريق رأيه بأدلة أخرى غير الوقف تؤيد ما ذهب إليه، وإليك بيانها.