← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8643

الوقف القرآني وأثره في الترجيح عند الحنفية

عزت شحاتة كرار

Полный текст (83 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٤ - نكاح أم الزوجة والربيبة «١» يقول تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ. [النساء: ٢٣] تتحدث هذه الآية عن حكم نكاح أو الزوجة ونكاح الربيبة وهو من باب التحريم بالمصاهرة وقد اختلف الفقهاء فى نكاح أم الزوجة بمجرد العقد على بنتها إلى فريقين: الأول: وهو قول جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية القائل بأن أم الزوجة تحرم بمجرد العقد على بنتها دون الدخول بها. «٢»

стр. 37

قال الشافعى: «من تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى ماتت أو طلقها فأبانها فلا بأس أن يتزوج ابنتها ولا يجوز له عقد نكاح أمها لأن الله قال: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ «١». الثانى: وهو قول على رضى الله عنهنّ وابن عباس وجابر وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد حيث قالوا: إن أم الزوجة لا تحرم إلا بالدخول بابنتها كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول «٢»، قال القرطبى (وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح بنتها) «٣». وسبب الخلاف بين الفقهاء هو الوقف الوارد فى الآية حيث يرى الحنفية ومن وافقهم أن الكلام تم عند قوله: «أمهات نسائكم» فهى جملة مستقلة قائمة بذاتها تتعلق بما قبلها ولا تتعلق بما بعدها ثم استأنف بقوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ «٤». وفى ذلك يقول القرطبى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ هذا مستقل بنفسه، ولا يرجع قوله: مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ إلى الفريق الأول بل هو راجع إلى الربائب، إذ هو أقرب مذكور كما تقدم «٥». ويزيد الكاسانى الأمر وضوحا بقوله: ولنا تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ كلام تام

стр. 38

بنفسه منفصل عن المذكور بعده لأنه مبتدأ وخبر إذ هو معطوف على ما تقدم ذكره من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ، إلى قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ والمعطوف يشارك المعطوف عليه فى خبره، ويكون خبر الأول خبر للثانى كقوله: جاءنى زيد وعمرو «معناه: جاءنى زيد وجاءنى عمرو» فكان معنى قوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أى: وحرمت عليكم أمهات نسائكم «١». واستدل الحنفية ومن وافقهم على قولهم هذا وإبرازا لدور الوقف فى الفقه بمجموعة من الأدلة منها: ١ - قال رسول الله ﷺ : «من تزوج امرأة حرمت عليه أمها دخل بها أو لم يدخل وحرمت عليه بنتها إذا دخل بها» «٢» فهذا نص فى الباب لا يحتمل التأويل، ولأن هذا النكاح- نكاح أم زوجة- يفضى إلى قطع الرحم لأنه إذا طلق بنتها وتزوج بأمها حملها ذلك على الضغينة التى هى سبب القطيعة فيما بينهما وقطع الرحم حرام فما أفضى إلى الحرام يكون حراما. وقد عضد ابن العربى أدلة الذين استدلوا بالوقف فى ترجيح مذهبهم بأدلة نذكر منها: ١ - إذا كان قوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يحتمل الرجوع إلى الربائب أو الربائب والأمهات معا فيرد إلى أقرب مذكور تغليبا للتحريم على التحليل فى الفروج وهكذا هو مقطوع السلف فيها عند تعارض الأدلة بالتحريم والتحليل عليها. ٢ - إذا قيل بأن المراد بالدخول هاهنا النكاح فعلى هذا الربائب والأمهات سواء لكن الإجماع غلب على الربائب باشتراط الوطء فى أمهاتهن لتحريمهن. ٣ - أن كل واحد من الموصوفين قد انقطع عن صاحبه وخرج منه بوصفه فإنه قال: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ثم قال بعده: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ فوصف وكرر، وذلك الوصف لا يصح أن يرجع إلى الأمهات، وهو قوله: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فالوصف الذى يتلوه يتبعه ولا يرجع إلى الأول لبعده منه وانقطاعه عنه «٣». أما القائلون بأن لا تحرم أم الزوجة إلا بالدخول بابنتها كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول

стр. 39

فهم لم يعملوا الوقف فى الآية وجعلوا: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ متعلقة بقوله: «فإذا لم تكونوا دخلتم بهن». وقد انقسم علماء النحو إلى قسمين يؤيد كل قسم منهما فريق من الفقهاء: فذهب علماء البصرة إلى أن: «اللاتى دخلتم بهن» عائد على الربائب خاصة وجعلوا رجوع الوصف إلى الموصفين المختلفى العامل ممنوعا كالعطف عن عاملين. أما أهل الكوفة فقد جوزوا ذلك كله ورأوا أن عامل الإضافة غير عامل الخفض بحرف الجر لذا أرجعوا قوله تعالى: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ على الربائب والأمهات «١». الرأى الراجح: بعد عرض أقوال العلماء فى أن الأم تحرم بالعقد على البنت أم لا؟ تبين لنا رجحان قول الحنفية ومن وافقهم القائل بأن الأم تحرم بالعقد على بنتها وهذا ما بينه الوقف الوارد فى الآية على قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ والاستئناف بقوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ وجواز الاستئناف (بالواو) وارد فى آيات كثيرة فى القرآن منها قوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ [الحج: ٥] «٢» وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢]. وقد رجح الطبرى هذا القول: «والقول الأول أولى بالصواب أعنى قول من قال: الأم من المبهمات لأن الله لم يشرط معهن الدخول ببناتهن كما شرط ذلك مع أمهات الربائب مع أن ذلك أيضا إجماع من الحجة التى لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه وقد روى بذلك أيضا عن النبى ﷺ خبر غير أن فى أسناده نظر.

стр. 40

٥ - فرضية العمرة يقول تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. [البقرة: ١٩٦] تتحدث هذه الآية الكريمة عن فرضية الحج والعمرة ولا خلاف بين العلماء فى أن الحج فرض على كل مسلم متى تحققت شروط الاستطاعة فقد حكى ابن قدامة الإجماع فى هذا «١» أما العمرة فقد اختلف الفقهاء فى فرضيتها وقبل الحديث عن هذا الخلاف أود أن أذكر القراءات التى وردت فى هذه الآية وكان من بينها وقف كان له أبرز الأثر فى اختلاف الفقهاء وهذه القراءات هى: ١ - القراءة الواردة فى الآية وهى بالنصب فى قوله تعالى (والعمرة) وهى القراءة المتواترة. ٢ - قرأ نافع وابن عمر والكسائى وأبو جعفر (والعمرة) بالرفع. ٣ - قرأ ابن مسعود: وأتموا الحج والعمرة إلى بيت الله. ٤ - قرأ علقمة: وأقيموا الحج والعمرة لله. ٥ - قرأ على: وأقيموا الحج والعمرة للبيت «٢». ولعل سبب الاختلاف الوارد فى هذه القراءات هى قراءة (والعمرة) بالضم حيث يقتضى هذا أن يكون الكلام مكتفى بنفسه عند قوله (واتموا الحج) ثم الاستئناف بقوله (والعمرة) لله فمن قراءة الآية بالقراءة المتواترة لم يقف إلا على قوله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ومن قرأ بالقراءة الشاذة أخذ بالوقف الذى ذكرنا وقد أيد كل فريق رأيه بأدلة أخرى غير الوقف تؤيد ما ذهب إليه، وإليك بيانها.

стр. 41

أولا: أدلة القائلين بفرضية العمرة: وهو قول جمهور العلماء وبه قال زيد بن ثابت وهو أحد قولى الشافعى وهو المعتمد عندهم فى المذهب وهو الراجح عند الحنابلة وقول عمر وعلى بن أبى طالب وغيرهم «١». حيث استدلوا بأدلة من المنقول والمعقول. أولا: الأدلة من المنقول: أ- الكتاب ١ - قال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ قالوا: بأن الآية قرأت بنصب (والعمرة) مفعول به ل (أتموا): يأمر الله الناس باتمام الحج والعمرة والأمر الوارد فى الآية يفيد الوجوب وقد عطف على الحج العمرة والأصل التساوى بين المعطوف والمعطوف عليه «٢». يقول القرطبى: فى هذه الآية دليل على وجوب العمرة، لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بتمام الحج «٣». ويقول أبو حيان: الإتمام ضد النقص والمعنى افعلوهما كاملين ولا تأتوا بهما ناقصين شيئا من شروطهما وأفعالهما «٤». ويقول الشافعى فى ذلك: «والذى هو أشبه بظاهر القرآن وأولى بأهل العلم عندى وأسأل الله التوفيق أن تكون العمرة واجبة فإن الله قرنها مع الحج فقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦] وأن رسول الله اعتمر قبل أن يحج وأن رسول الله سن إحرامها والخروج منها بطواف وحلاق وميقات وفى الحج زيادة عمل على العمرة فظاهر القرآن أولى إذا لم يكن دلالة على أنه باطن دون ظاهر «٥». ٢ - يقول تعالى فى سورة التوبة: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [التوبة: ٣] فهذا يدل على أن هناك حج أصغر وليس ذلك إلا العمرة.

стр. 42

(ب) السنة والآثار: ١ - قال الصبى بن معبد: أتيت عمر رضى الله عنه فقلت إنى كنت نصرانيا فأسلمت وإنى وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علىّ وإنى أهللت بهما جميعا فقال له عمر هديت لسنة نبيك «١». قال ابن المنذر: ولم ينكر عليه قوله (وجدت الحج والعمرة مكتوبتين على). ٢ - كان يقول ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع «٢». ٣ - قال ابن عباس: العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا «٣». ٤ - عن أبى رزين أنه سأل النبى ﷺ فقال: إن أبى شيخ أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن فقال ﷺ حج عن أبيك واعتمر. فأمر بهما والأمر للوجوب «٤». والحديث جوده الشافعى وأحمد، قال الإمام أحمد: لا أعلم فى إيجاب العمرة حديثا أجود من هذا ولا أصح منه، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح «٥». وهناك أحاديث وآثار كثيرة صحيحة لم اذكرها واكتفيت بذكر أصحها «٦». [ثانيا الادلة] من المعقول: ١ - هو أن قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦] وسن رسول الله ﷺ فى قران العمرة مع الحج هديا، ولو كان أصل العمرة تطوعا أشبه ألا يكون لأحد أن يقرن العمرة مع الحج، لأن أحدا لا يدخل فى نافلة فرضا حتى يخرج من أحدهما قبل الدخول فى الآخر، وقد يدخل فى أربع ركعات وأكثر نافلة قبل

стр. 43

أن يفصل بينهما بسلام، وليس ذلك فى مكتوبة فأشبه ألا يلزمه بالتمتع أو القران هدى إذا كان أصل العمرة تطوعا بكل حال، لأن حكم ما لا يكون تطوعا بحال غير حكم ما يكون فرضا فى الحال. ٢ - قالوا بأن عماد الحج الوقوف بعرفة وليس فى العمرة وقوف فلو كانت لسنة الحج لوجب أن تساويها فى أفعاله كما أن سنة الصلاة تساوى فرضيتها فى أفعالها «١». [ثانيا] أدلة القائلين بعدم وجوب العمرة: وهم الحنفية والمالكية وهى الرواية الثانية للحنابلة غير أنهم اختلفوا هل هى واجبة أم سنة مؤكدة فذهب جمهور الحنفية إلى أنها سنة مؤكدة وهو الرأى المعتمد فى المذهب وهو قول مالك «٢». وذهب بعض الحنفية إلى أن العمرة واجبة وقد رجح الكاسانى القول بالوجوب فى المذهب فيقول: «ومنهم من أطلق السنة وهذا الإطلاق لا ينافى الواجب» «٣» والواجب كما نعرف هو أقل درجة من الفرض ولم يقل به غير الحنفية أما الجمهور فينظرون إلى الحكم على أنه فرض أم سنة «٤». وقد استدل أصحاب هذا الرأى بأدلة من الكتاب ومن السنة: (أ) الكتاب: ١ - قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ حيث ورد فى هذه الآية وقف على قوله (الحج) والاستئناف بقوله (والعمرة لله) فهى سنة وكان مالك يقول: العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص فى تركها «٥».

стр. 44

٢ - قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] وقال وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فلم يقرن العمرة بالحج فدل على عدم وجوب العمرة. يقول الكاسانى: ولنا على الشافعى قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ولم يذكر العمرة لأن مطلق اسم الحج لا يقع على العمرة فمن قال: إنها فريضة فقد زاد النص فلا يجوز إلا بدليل «١». (ب) السنة: ١ - عن جابر قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن الصلاة والزكاة والحج: أواجب هو؟ قال: نعم. فسأله عن العمرة: أواجبة هى؟ قال: لا وأن تعتمر خير لك «٢». ٢ - قال رسول الله ﷺ : بنى الإسلام على خمس شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا «٣». ووجه الاستدلال بالحديث أنه لم يذكر العمرة مع الحج ولو كانت واجبة لذكرها. ٣ - عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله يقول: الحج جهاد والعمرة تطوع «٤». ٤ - قال رسول الله ﷺ : «الحج مكتوب والعمرة تطوع» «٥». ٥ - قال رسول الله ﷺ : «العمرة هى الحجة الصغرى» «٦». ٦ - قال رسول الله ﷺ : «الحج جهاد والعمرة تطوع» «٧».

стр. 45

من المعقول: أن للحج وقت محدد فلو كانت العمرة كالحج فرض لكان لزاما أن يحدد لها وقت. مناقشة الأدلة والترجيح: أما استدلال الفريق الأول القائل بوجوب العمرة لأن القراءة متصلة وقد وردت بصيغة الأمر والأمر يفيد الوجوب أجيب بأن هذا ليس بحجة لهم فى وجوب العمرة لأن الله سبحانه إنما قرنها فى وجوب الاتمام لا فى الابتداء، فإنه ابتداء الصلاة والزكاة فقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [المزمل: ٢٠]. وابتدأ بإيجاب الحج فقال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧]. ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها فلو حج عشر حجج أو اعتمر عشر عمر لزم الإتمام فى جميعها فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء «١». ويقول الكاسانى: «أما على قراءة العامة: فلا حجة له فيها أيضا- يعنى الشافعى- لأن فيها أمر بإتمام العمرة وإتمام الشيء يكون بعد الشرع فيه وبه نقول: إنها بالشروع تكون فريضة» «٢». يضاف إلى ذلك أن الله عطف العمرة على الحج والشيء لا يعطف على نفسه فى الأصل «٣». وأما استدلال الفريق الثانى بالآية فهو أيضا محل نظر لأن الوقف الذى ذكروه فى آية ويؤيد مذهبهم فى أن العمرة ليست بواجبة قراءة شاذة والقراءة الشاذة لا يمكن بحال أن تعارض قراءة صحيحة متواترة. أما استدلالهم ببعض الآيات والأحاديث فى أن كلمة العمرة لم تذكر مقرونة بالحج كما فى اقتران الصلاة والزكاة فهذا أيضا ليس بحجة لأن عدم ذكر الشيء ليس دليلا على إسقاط الحكم عنه بل يمكن أن تحمل هذه الأحاديث على الأحاديث المذكور بها لفظ العمرة فتكون مفسرة لها.

стр. 46

أضف إلى ذلك أن الأحاديث المذكورة عند القائلين بعدم وجوب العمرة لا تقوم بها الحجة لأنها ضعيفة وواهية ولا تقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة التى ذكرها أصحاب الفريق الأول. أما حديث جابر الأول الذى حكم عليه الترمذى بالصحة فقد ضعفه القرطبى وقال موقوف «١» بل أنكر النووى على الترمذى تصحيحه لهذا الحديث لأن الحفاظ قد اتفقوا على تضعيفه. ورغم أن ابن عبد البر حكم بضعف طرقه إلا أنه حمل الحديث على المعهود وهى العمرة التى قضوها حين أحصروا فى الحديبية أو على العمرة التى اعتمروها فى حجتهم مع النبى ﷺ فإنها لم تكن واجبة على من اعتمر أو نحمله على ما زاد على العمرة الواحدة «٢». هذا بخلاف أحاديث القائلين بأن العمرة واجبة فهى أحاديث صحيحة «٣». الرأى الراجح: بعد ذكر هذه المذاهب الفقهية وأدلتها ومناقشتها يتبين لنا أن أدلة القائلين بفرضية العمرة هى الأرجح ورغم أن القراءة المتواترة بنصب (العمرة) أفادت مجرد الأمر بإتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما لله تعالى إلا أن قراءة الوقف التى وردت برفع (والعمرة) أفادت الأمر بإتمام الحج ثم استئناف كلام جديد يخبر الله تعالى بأن العمرة لله وهو خبر بمعنى الأمر ليفيد مزيد الاهتمام بالعمرة فلا تصرف إلا لله لأن بعض المشركين كان يحج لله ويعتمر للصنم. لذلك يقول الماتريدى: إنما قال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ لأن الكفرة كانوا يفعلون الحج لله والعمرة للصنم «٤». فهنا كان للوقف دور فى توسعة الحكم الفقهى ففي الوصل دلت الآية على فرضية العمرة وفى الوقف دلت على أن العمرة لله وليست للأصنام كما كان يفعل المشركون.

стр. 47

٦ - من محظورات الإحرام يقول تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]. تتحدث الآية عن بعض محظورات الحج وهى الرفث والفسوق والجدال. أما الرفث: فهو كل قول يتعلق بذكر النساء يقال: رفث يرفث بكسر الفاء وضمها وقد يطلق على الفعل من الجماع والمباشرة، قال الأزهرى: الرفث اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة ويطلق الرفث على التعريض به وعلى الفحش من القول «١». والفسوق: هو السباب عرفه ابن عمر «٢»، وذكر ابن العربى له ثلاثة معان. الأول: جميع المعاصى، قال النبى ﷺ سباب المسلم فسوق وقتاله كفر «٣». الثانى: أنه قتل الصيد. والثالث: أنه الذبح لغير الله تعالى لأن الحج لا يخلو عن ذبح، وكان أهل الجاهلية يذبحون لغير الله فسقا فشرعه الله تعالى لوجهه نسكا «٤». والجدال هو أن يجادل صاحبه حتى يغضبه «٥» يقول الجصاص فى معنى وَلا جِدالَ قد تضمن النهى عن مماراة صاحبه ورفيقه وإغضابه «٦». ويقول الزمخشرى فى وَلا جِدالَ لا مراء من الرفقاء والخدم والمكارين «٧».

стр. 48

وقد ورد فى الآية عدة قراءات منها الوقف الذى كان له أكبر الأثر فى توسيع المراد من قوله تعالى وَلا جِدالَ كما سنرى بإذن الله تعالى. أما القراءات التى وردت فبيانها وتوجيهها النحوى كما يلى: ١ - قرأ أبو جعفر بالرفع والتنوين فى الثلاثة فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ وروى المفضل أن عاصم قرأ بالرفع فيها «١». ووجه القراءة أن (لا) غير عاملة ورفع ما بعدها بالابتداء والخبر فى الجميع قوله فِي الْحَجِّ كما جوز بعض علماء النحو أن يكون فِي الْحَجِّ خبر الرفث وهو المبتدأ الأول وحذف خبر الثانى والثالث لدلالته عليه، وقيل: إن (لا) هنا يجوز أن تكون العاملة عمل ليس فرفعت اسمها «٢». ٢ - وقرأ أبو رجاء العطاردى بالنصب والتنوين فى الثلاثة. والتوجيه النحوى لهذه القراءة أنها منصوبة على المصدر والعامل فيها أفعال من لفظها، والتقدير فلا يرفث رفثا ولا يفسق فسقا ولا يجادل جدالا وقوله فِي الْحَجِّ متعلق بأى فعل من الأفعال السابقة «٣». ٣ - وقرأ الكوفيون ونافع بفتح الثلاثة من غير تنوين «٤». وقال علماء النحاة: إنها حركة بناء و (لا) هنا لها عملين. أحدهما: أن (لا) مع اسمها فى موضع رفع على الابتداء وبه قال سيبويه. وثانيهما: أن (لا) عاملة فى الاسم النصب وخبرها فِي الْحَجِّ وذلك باجرائها مجرى (إن) فى نصب الاسم ورفع الخبر وهو مذهب الأخفش «٥». ٤ - قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر برفع فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وتنوين وفتح وَلا جِدالَ من غير تنوين «٦».

стр. 49

ووجه القراءة أن قوله تعالى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ. مرفوعين بالابتداء و (لا) غير عاملة. وأما (لا) فى قوله تعالى وَلا جِدالَ فهى عاملة وجدال اسمها وَلا جِدالَ بالفتح فى موضع رفع بالابتداء وقوله فِي الْحَجِّ خبر عن الجميع «١»، قال الزمخشرى (وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع والآخر بالنصب لأنهما حملا الأولين على معنى النهى كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف فى الحج «٢». وهذه القراءة الأخيرة هى المعنية بالوقف ويظهر ذلك جليا عند ما يقف القارئ على قوله فُسُوقَ بالضم والتنوين ثم يستأنف بقوله تعالى وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ بفتح جدال. والذى يترتب على هذا الوقف أنه وسع المعنى الفقهى المفهوم من الآية ففي القراءات الأولى لم تؤثر فى المعنى المفهوم من الآية حيث أن هذه القراءات لم تغير معنى الرفث والفسوق والجدال الذى ذكرناه فى أول الكلام عن الآية. أما قراءة الوقف على فُسُوقَ والبدء وَلا جِدالَ فإن معنى الآية يصير كما يلى: يقول تعالى من قصد الحج فى هذه الأشهر فلا رفث ولا فسوق فيه ولا جدال فى وقت الحج الزمانى والمكانى. وذلك أن قريشا كانت تخالف العرب فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله تعالى بأن الخلاف قد رفع فى الحج «٣». وقد فهم العلماء هذه الزيادة المقصودة من قراءة الوقف فيقول مجاهد فى قوله تعالى وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ قال: قد أعلم الله تعالى أشهر الحج فليس فيها شك ولا خلاف «٤»، وقال الحسن: الجدال: الاختلاف فى الحج «٥». ويقول الجصاص الحنفى (وحظر الجدال فى وقت الحج على ما كان عليه أمر الجاهلية لأنه قد استقر على وقت واحد وأبطل به النسيء الذى كان أهل الجاهلية عليه وهو معنى

стр. 50

قوله ﵇: (ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض) يعنى عود الحج إلى الوقت الذى جعله الله له واتفق ذلك فى حجة النبى ﷺ «١». فالحنفية هنا استفادوا بالوقف فى توسيع معنى الآية. ويزيد ابن العربى الأمر وضوحا بقوله (أراد لا جدال فى وقته فإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض فعاد بذلك إلى يومه ووقته وقيل: لا جدال فى موضعه فإن الوقوف بعرفة لكل واحد من الناس كان فى الحمس أو من غيرهم. وكلا القولين صحيح وقد رفع الله تعالى الجدال فى الوجهين بين الخلق فلا يكون إلى القيامة ولهذا قرأه العامة وحده بنصب اللام على التبرئة دون الكلمتين اللتين قبله «٢». ويؤيدنا فى هذا المعنى المراد ما رواه الطبرى فى تفسيره عن القاسم بن محمد قال: الجدال فى الحج أن يقول بعضهم الحج اليوم ويقول بعضهم الحج غدا وقال آخرون بل اختلافهم ذلك فى أمر مواقف الحج أيهم المصيب موقف إبراهيم «٣». فنلاحظ من هذه النصوص أن فقهاء الحنفية وغيرهم فهموا هذا المعنى الفقهى الجديد وإن لم يصرحوا بالوقف على قوله وَلا فُسُوقَ وإن كان ابن العربى ذكر أنها قراءة لبعض القراء فى آخر كلامه كما ذكرنا. ويؤيدنا فى قولنا بأن كلمة جدال تحمل معنى رفع الخلاف الزمانى والمكانى فى الحج ما رواه البخارى مسنده أن رسول الله ﷺ قال: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» «٤». فهذا الحديث لم يذكر كلمة الجدال المذكورة فى الآية مما يدل على أن الكلمة لها معنى آخر يضاف إلى المعنى المعروف فى الجدل وهو أن الله اختص برفع هذا الجدال المتعلق بمكان الحج وزمانه. نخلص من هذا كله أن قراءة وَلا جِدالَ فى حالة الوصل تدخل فى محظورات الحج فيكون المعنى من أراد قبول حجه فلا رفث ولا فسوق ولا جدال.

стр. 51

أما الوقوف على وَلا فُسُوقَ والبدء وَلا جِدالَ إضافة معنى فقهى جديد وهو خاص بتحديد مواقيت الحج الزمانية والمكانية حيث أن الجدال فيها قد انتهى لأن الله تولى تحديد الميقات فيها. فهنا نرى أن الوقف أثر فى توسعة الجانب الفقهى للآية عند الحنفية وغيرهم.

стр. 52

٧ - جزاء قتل الصيد فى الحرم يقول تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥]. تتحدث هذه الآية عن جزاء ما قتل من النعم والخلاف قائم بين الفقهاء فى قيمة الجزاء هل يقتضى المماثلة أم لا؟ فى الحقيقة وردت مجموعة من القراءات فى هذه الآية نذكرها ثم نبين تأثير الوقف فى الحكم الفقهى. ١ - ورد قراءة فَجَزاءٌ مِثْلُ برفع جزاء وتنوينه ومِثْلُ على الصفة والخبر مضمر والتقدير فعلية جزء مماثل واجب أو لازم من النعم. وهذه القراءة تقتضى أن يكون المثل هو الجزاء بعينه. ٢ - جزاء بالرفع غير منون ومِثْلُ بالإضافة أى فعلية جزاء مثل ما قتل ومِثْلُ مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك وأنت تقصد أنا أكرمك ونظير هذا قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: ١٢٢]. التقدير كمن هو فى الظلمات وقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أى ليس كهو شىء وهذه القراءة تقتضى أن يكون الجزاء غير المثل إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. وقوله: مِنَ النَّعَمِ صفة لجزاء على القراءتين جميعا. ٣ - قرأ الحسن مِنَ النَّعَمِ باسكان العين وهى لغة. ٤ - وقرأ عبد الرحمن فَجَزاءٌ مِثْلُ بالرفع والتنوين ومِثْلُ بالنصب والمعنى أن يجزئ مثل ما قتل. ٥ - وقرأ ابن مسعود والأعمش فَجَزاءٌ مِثْلُ بإظهار (هاء) ويحتمل أن يعود على الصيد أو على الصائد القاتل «١».

стр. 53

فهذه القراءات وردت فى هذه الآية وجميعها لم تتحدث عن الوقف غير أن الجصاص الحنفى وكعادة الحنفية كما تبين لنا فى الآيات السابقة أنهم يلجئون إلى الاستدلال بالوقف لترجيح مذهبهم حيث قال الوقف على قوله تعالى: مِثْلُ ما قَتَلَ والاستئناف بقوله: مِنَ النَّعَمِ. فى ذلك يقول الجصاص: كما أن قوله: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى تضمينه بغيره، وقوله: مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يمكن استعماله على غير وجه التفسير لأن قوله مِنَ النَّعَمِ معلوم أن فيه ضمير أراده المحرم، فمعناه: (من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا إن أراد الهدى، والطعام إن أراد الطعام، فليس هو إذا تفسيرا للمثل كما أن الطعام والصيام ليسا تفسيرا للمثل المذكور) «١». إذا قراءة الوقف هنا أيدها المذهب الحنفى القائل بأن الجزاء لا يقتضى المماثلة بل إن الجصاص أيد قوله هذا بدليل لغوى؛ المتمثل فى حرف (أو) الذى هو للتخيير فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من النعم هديا. ويقول أبو حنيفة: «المثل هو القيمة ويشترى بالقيمة هديا إن شاء وإن شاء اشترى طعاما أو أعطى كل مسكين صاع» «٢». واحتج الحنفية بما يلى: ١ - لو كان الشبه فى طريق الخلقة معتبرا فى النعامة بدنة، وفى الحمار بقرة، وفى الظبى شاة لما أوقفه على عدلين يحكمان به لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه ويضطرب وجه النظر عليه «٣». ٢ - أنه قد ثبت أن المثل اسم للقيمة فى الشرع ولم يثبت أنه اسم للنظير من النعم فوجب حمله على ما قد ثبت اسما له ولم يجز؟ ٣ - ما دمنا قد اتفقنا على أن القيمة مرادة لهذا المثل فيما لا نظير له من النعم فوجب ان تكون هى المرادة من وجهين:

стр. 54

أحدهما: أنه قد ثبت أن القيمة مرادة فهو بمنزلته لو نص عليها فلا ينتظم النظير من النعم. والثانى: أنه لما ثبت أن القيمة مراده انتفى النظير من النعم لاستحالة إرادتهما جميعا فى لفظ لاتفاقنا معكم على أن المراد أحدهما من قيمة أو نظير من النعم، ومتى ثبت أن القيمة مرادة انتفى غيرها «١». أما فى حالة الوصل فإن القراءة بها تؤيد رأى جمهور الشافعية القائل بأن الجزاء من النعم لأن قوله مِنَ النَّعَمِ صفة للجزاء. واستدل الجمهور بأن قوله تعالى: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ فبين جنس المثل، ثم قال: يحكم به ذوا عدل منكم وهذا ضمير راجع إلى مثل من النعم لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه. وأجابوا على قول الحنفية بأنه لو كان الشبه معتبرا لما أوقفه على عدلين فقالوا: إن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر فى حال الصيد من صغر وكبر وما لا جنس له مما له جنس وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص «٢». تعقيب وترجيح: بعد هذا العرض يتبين لنا أن الحنفية قد رجحت مذهبها على مذهب الجمهور بقراءة الوقف وخاصة أن حرف (أو) الوارد فى الآية يفيد التخيير فإن شاء أهدى وإن شاء قوم له الهدى أو أطعم بدله أو صياما. وأنا أرى أنه توفيقا بين رأى الحنفية والجمهور بأنه إن كان يوجد نظير من النعم أخذ به وإلا عدل إلى قول الحنفية من باب التخفيف والتيسير على العباد ورفع الحرج. بقى أن أشير إلى أن العلماء اختلفوا فيمن قتل الصيد ناسيا وبيان آرائهم كالتالى: ١ - ذهب الجمهور إلى أن عليه الجزاء سواء قتله عمدا أو خطأ فعليه الجزاء وجعلوا فائدة تخصيص العمد بالذكر فى نسق التلاوة من قوله تعالى: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ

стр. 55

وذلك يختص بالعمد دون الخطأ، والنسيان لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد فخص العمد بالذكر، وإن كان خطأ، والنسيان مثله لا يصح رجوع الوعيد إليه وهو قول عمر وعثمان وابن عباس فى رواية. ٢ - ذهب آخرون إلى أنه لا يرى فى الخطأ شيئا وهو قول طاوس وعطاء وسالم والقاسم والقول الثانى لابن عباس وأحد قولى مجاهد. ٣ - ذهب مجاهد فى القول الثانى له إلى أنه إذا كان عامدا لقتله ناسيا لإحرامه فعليه الجزاء وإذا كان ذاكرا لإحرامه عامدا لقتله فلا جزاء عليه وفى بعض الروايات عنه أنه فسد حجه وعليه الهدى «١». وقد رجح الجصاص القول الأول لأنه قد ثبت أن جنايات الإحرام لا يختلف فيها المعذور وغير المعذور فى باب وجوب الفدية فقد عذر الله تعالى المريض ومن به أذى من رأسه ولم يخلهما من إيجاب الكفارة فكون الخطأ عذرا لم يكن مسقطا للجزاء «٢».

стр. 56

٨ - حكم الخوض فى المتشابه من الآى يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧]. قيل إن هذه الآية نزلت فى الذين جادلوا رسول الله ﷺ فى أمر عيسى وقيل فى أمر مدة هذه الأمة «١». وقد رجح الطبرى السبب الثانى لأن أمر عيسى ﵇ قد بينه الله لنبيه فهو معلوم لأمته بخلاف أمر هذه الأمة فإن علمه خفى عن العباد «٢». واختلف العلماء فى المحكمات والمتشابهات على أقوال عدة نحو العشرة «٣» نذكر منها ما يلى: ١ - قال جابر بن عبد الله وبه قال الشعبى والثورى: المحكمات من آى القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه وذلك مثل قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى. وهذا ما رجحه القرطبى وابن حجر والمتقدمين «٤». ٢ - قال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب التى لا تجزئ الصلاة إلا بها. ٣ - قال محمد بن الفضل: سورة الإخلاص لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط.

стр. 57

٤ - وقد قيل: القرآن كله محكم لقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود: ١]. وقيل كل متشابه. لقوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً [الزمر: ٢٣]. وقد رد القرطبى هذين القولين بقوله (وليس هذا من معنى الآية فى شىء. فإن قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أى فى النظم والوصف وأنه حق من عند الله. ومعنى كِتاباً مُتَشابِهاً أى يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا. وليس المراد بقوله آياتٌ مُحْكَماتٌ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ هذا المعنى وإنما التشابه فى هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه من قوله: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [البقرة: ٧٠]. أى التبس علينا أن يحتمل أنواعا كثيرة غير البقر، والمراد بالمحكم ما فى مقابلة هذا وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا «١»). وقد اختلف العلماء فى استنباط حكم الخوض فى تفسير المتشابه من الآيات إلى فريقين وسبب الخلاف يرجع إلى الوقف الوارد فى الآية فقد روى ابن عباس أن النبى ﷺ وقف على قوله إِلَّا اللَّهُ ثم استأنف وَالرَّاسِخُونَ. وعلى هذا الوقف قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ابتداء كلام مقطوع عما قبله وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم وهو مذهب الكسائى والأخفش والفراء وأبى عبيد وغيرهم «٢». لذلك يقول الجصاص: فمن قال بالقول الأول- يعنى الوصل- جعل الراسخين فى العلم عالمين ببعض المتشابه وغير عالمين بجميعه «٣». [الفريق الأول] قال ابن نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة. وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قوله آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس «٤» وهذا هو الفريق الأول. وقد رجح أبو حيان هذا الرأى حيث ذكر إن الدليل إذا دل على غير الظاهر علم أن المراد بعض المجازات وليس الترجيح لبعض إلا بالأدلة وقد رجح هذا الرأى أيضا بعض العلماء بأن الظن لا يكفى فى القطعيات ولأن ما قبل الآية يدل على ذم طلب المشابهة، ولو كان جائزا لما ذم بأن طلب وقت الساعة تخصيص بعض المتشابهات وهو ترك للظاهر، ولا

стр. 58

يجوز أيضا لأنه مدح الراسخين فى العلم بأنهم قالوا آمنا به، ولو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان فى الإيمان به مدح لأن من علم شيئا على التفصيل لا بدّ أن يؤمن به، وإنما الراسخون يعلمون بالدليل العقلى أن المراد غير الظاهر ويفوضون تعيين المراد إلى علمه تعالى، وقطعوا أنه الحق ولم يحملهم عدم التعيين على ترك الإيمان «١». وقد بين ابن قدامة أن فى الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية لا عاطفة فقال فى روضة الناظر: فى الآية قرائن تدل على أن الله سبحانه منفرد بعلم تأويل المتشابه وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ لفظا ومعنى. أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ بالواو، وأما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل ولو كان ذلك للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما. ولأن قوله: آمَنَّا بِهِ يدل على نوع تفويض وتسليم لشىء لم يقفوا على معناه لا سيما إذا اتبعوه بقوله: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فذكرهم ربهم هاهنا يعطى الثقة به والتسليم لأمره وأنه صدر منه وجاء من عنده كما جاء من عنده المحكم. ولأن لفظة (أما) لتفصيل الجمل، فذكره لها فى الذين فى قلوبهم زيغ مع وصف إياهم بابتغاء المتشابه وابتغاء تأويله يدل على قسم آخر يخالفهم فى هذه الصفة وهم: وَالرَّاسِخُونَ ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول فى ابتغاء التأويل «٢». ويؤيد هذا الرأى القائل بوجوب الوقف والبدء بقوله وَالرَّاسِخُونَ التحذير الوارد فى الحديث بعد ما تلا رسول الله هذه الآية فقال: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم «٣». وبناء على هذا الوقف يكون وَالرَّاسِخُونَ مبتدأ (يقولون) خبرها. الفريق الثانى: أما الذى وصل الآية بعضها ببعض هو قول مجاهد ورواية ثانية عن ابن عباس «٤» واحتج

стр. 59

لهم بعض أهل اللغة فقال: معناه والراسخون فى العلم يعلمونه قائلين آمنا، وزعم أن موضع (يقولون) نصب على الحال وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكبا، بمعنى أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله عبد الله يتكلم يصلح بين الناس فكان «يصلح: حالا له «١»، وقد رجح هذا الرأى الزمخشرى حيث يقول فى قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أى لا يهتدى إلى تأويله الحق الذى يجب أن يحمل عليه إلا الله وعباده الذين رسخوا فى العلم أى ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع، ومنهم من يقف على قوله إِلَّا اللَّهُ ويبتدئ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ويفسرون المتشابه بما استأثر الله بعلمه وبمعرفة الحكمة فيه من آيات كعدد الزبانية ونحوه والأول هو الوجه «٢». وقد أيده الجصاص الحنفى فى أن قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ غير مناف لوقوع العلم ببعض المتشابه فمما لا يجوز وقوع علم لنا به وقت الساعة «٣». بل يؤكد الجصاص جواز اشتراك العلماء فى معرفة بعض المتشابه فيقول: ومن الناس من يظن أنه لا يجوز إلا أن يكون منتهى الكلام وتمامه عن قوله تعالى إِلَّا اللَّهُ وأن (الواو) للاستقبال دون الجمع لأنها لو كانت للجمع لقال: ويقولون آمنا به ويستأنف ذكر الواو لاستئناف الخبر، وقال من ذهب إلى القول الأول: هذا سائغ فى اللغة وقد وجد مثله فى القرآن وهو قوله تعالى فى بيان قسم الفيء: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [الحشر: ٧] إلى قوله: شَدِيدُ الْعِقابِ ثم تلا بالتفصيل وتسمية من يستحق هذا الفيء فقال: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ. ومن جهة أخرى أن (الواو) لما كانت حقيقتها الجمع فالواجب حملها على حقيقتها ومقتضاها ولا يجوز حملها على الابتداء إلا بدلالة ولا دلالة معنا توجب صرفها عن الحقيقة. فوجب استعمالها على الجمع «٤». وأجيب على هذا الرأى أيضا بأنه لا يجوز أن ينفى الله سبحانه شيئا عن الخلق وثبته

стр. 60

لنفسه. ثم يكون له فى ذلك شريك ألا ترى قوله : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]. وقوله: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [الأعراف: ١٨٧]. ولو كانت الواو فى قوله وَالرَّاسِخُونَ للنسق لم يكن قوله كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فائدة «١». كما أن هناك قراءة لابن عباس أنه كان يقرأ: [وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون فى العلم آمنا به] «٢». فهذه القراءة تدل على أن الواو للاستئناف وليست للنسق كما ذهب مجاهد، ولعل هذه القراءة تضعيف نسبه قول ابن عباس الثانى بجواز معرفة المتشابه إليه. ويقول ابن حجر معلقا على هذه القراءة: وإن لم تثبت بها القراءة لكن أقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه فى ذلك على من دونه ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متبعى التشابه لوصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة وحكى الفراء أن فى قراءة أبى بن كعب مثل ذلك «٣». وتزيد قراءة ابن مسعود الشاذة وجوب الوقف على قوله إِلَّا اللَّهُ لأنها مفسرة للمعنى حيث قرأ: إن تأويله إلا عند الله والراسخون فى العلم يقولون «٤». تعقيب: بعد هذا العرض يتبين لنا صحة قول الجمهور بوجوب الوقف على قوله إِلَّا اللَّهُ والاستئناف بقوله وَالرَّاسِخُونَ والواو هنا ليست للعطف ومما يؤيد أن الواو للاستئناف لا العطف: أن المولى ﵎ إذا نفى عن الخلق شىء وأثبته لنفسه فلا يثبت له فى هذا الإثبات شريك كقوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥]. وقوله: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [الأعراف: ١٨٧]. وقوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فتمشيا مع هذا النسق القرآنى أن يكون: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ معناه: أنه لا يعمله إلا هو وحده. فهنا نرى أن الوقف أثر فى عدم خوض العلماء فى كل المتشابه من القرآن لأن الله اختص به لنفسه وإلا لما كان هناك فائدة من

стр. 61

قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ بعد قوله وَالرَّاسِخُونَ وما كان لمدح الراسخين فائدة إذا كان إيمانهم بالمتشابه نتيجة لعلمهم بتفسيره وهذا لا ينافى المتشابه الذى يمكن أن يحمل على المحكم وحمله على معناه دون حمله على ما يخالفه. فائدة: فى حكم من يخوض فى المتشابه: متبعو المتشابه لا يخلون من ثلاث: الأول: أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك فى القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون فى القرآن. حكمهم: لا شك فى كفرهم، وإن حكم الله فيهم القتل من غير استتابه. الثانى: أن يتبعوه طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما فى الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وإصبع تعالى الله عن ذلك. حكمهم: الصحيح القول بتكفيرهم. إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد. الثالث: أن يتبعوه على وجه إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها. حكمهم: اختلف العلماء فى جواز ذلك بناء على الخلاف فى جواز تأويلها، وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها فيقولون أمروها كما جاءت. وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله فى اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها. الرابع: كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فى السؤال. فقد كان الأئمة يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات فى القرآن لأن السائل إن كان يبغى بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم للتعزير. وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب، إذا أوجد للمنافقين الملحدين فى ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ضعفه المسلمين بالتشكيك والتضليل فى تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل ومن هذا النوع ما روى عن صبيغ بن عسل عند ما قدم المدينة

стр. 62

فجعل يسأل عن متشابه القرآن فبلغ ذلك عمر رضى الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل، فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيع، فقال عمر رضى الله عنه: وأنا عبد الله عمر، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه. فقال: حسبك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب ما كنت أجد فى رأسى. ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها فى قلبه فتاب وحسنت توبته «١».

стр. 63

٩ - التسمية عند الذبح قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١]. اختلف الفقهاء فى حكم ترك التسمية عند الذبح: ١ - فذهب الشافعية والحسن البصرى إلى أن التسمية مستحبة ومن تركها عامدا أو ناسيا فلا شىء عليه «١» وهى رواية عن الإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد وهو قول عطاء وابن عباس وأبى هريرة «٢» وروى عن الشافعى أنه يكره فى التارك عمدا «٣». ٢ - وذهب أبو حنيفة وأصبغ والرواية الثانية للإمام مالك والرواية الثانية للإمام أحمد وقول ابن سيرين وبه قال ابن القاسم حيث قالوا: «التسمية واجبة فمن تركها عمدا لم تؤكل ومن تركها سهوا أكلت «٤» غير أن أحمد وابن سيرين ذهبا إلى أن تارك التسمية ناسيا يحرم أكلها» «٥». وقد ذكر ابن العربى أن العلماء اختلفوا فى متروك التسمية على ستة أقوال «٦» ولكن هذه الأقوال الستة ترد جميعها إلى القولين المذكورين.

стр. 64

وقد لعب الوقف على قوله (عليه) والبدء (وإنه لفسق) دورا بارزا فى ترجيح مذهب على آخر كما سنرى عند ذكر أدلة كل فريق. [أدلة القائلين بجواز الترك] أدلة القائلين بجواز الترك وهم الشافعية ومن وافقهم. فقد استدلوا على أن متروك التسمية عامدا أو ناسيا يؤكل لحمه بأدلة من الكتاب والسنة. أولا: الكتاب: ١ - يقول تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ بأن الكلام متصل والواو فى قوله (وإنه لفسق) للحال: والجملة فى محل نصب حال، والمعنى لا تأكلوا من الذى لم يذكر اسم الله عليه والحال أنه لفسق، والحال مقيدة لعاملها ومن ثم جاء النهى عن الأكل مقيدا بحالة الفسق للمأكول والفسق إنما يكون بذكر غير الله عليه كقوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: ١٤٥]. ٢ - قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وجه الاستدلال أن الترك لا يكون فسقا بل الفسق الذبح لغير الله. ٣ - أن سبب نزول الآية جاء فى ذكر ذبائح المشركين «١». ثانيا: السنة: ١ - قال رسول الله ﷺ : ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر «٢». ٢ - عن عائشة قالت للنبى ﷺ : إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندرى أذكرا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا أنتم وكلوا «٣». ٤ - إن تركها متعمدا كره أكلها ولم تحرم، قاله القاضى أبو الحسن والشيخ أبو بكر من أصحابنا وهو ظاهر قول الشافعى. ٥ - قال أحمد بن حنبل: التسمية شرط فى إرسال الكلب دون السهم فى إحدى روايتيه. ٦ - قاله القاضى أبو بكر يجب أن تعلق هذه الأحكام بالقرآن والسنة والدلائل المعنوية التى أسستها الشريعة.

стр. 65

الرد عليهم: أما قولهم بأن الكلام متصل لا وقف فيه فهذا غير مسلم به لأنه يجوز الوقف على قوله (عليه) والبدء بقوله (وإنه لفسق) والمعنى على ذلك يكون بالنهى عن الأكل مطلقا عن متروك التسمية. وأما تخصيصهم للآية بأنه للمذبوح وذكر اسم غير الله فهو تخصيص بغير مخصص فلو قالوا بأنه مخصص بحديث (ذبيحة المسلم) قلنا بأن الحديث مرسل وليس فى المرسل ما يصلح لتخصيص الآية. وأما استدلالهم بقوله (وإنه لفسق) أن الترك لا يكون فسقا، بل الفسق الذبح لغير الله فإن ظاهر قوله (وإنه لفسق) عائد على الجميع من المسلمين وغيرهم وقيام الدلالة على خصوص بعضهم غير مانع بقاء حكم الآية فى إيجاب التسمية على المسلم فى الذبيحة «١». أما ذكرهم لسبب نزول الآية وأنه خاص بذبائح المشركين فإن اللفظ الوارد على السبب لا نخرج السبب عنه بل نقره فيه ونعطف به عليه ولا يمتنع أن يضاف غيره إليه إذا احتمله اللفظ أو قام عليه الدليل فقوله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ظاهر فى تناول الميتة بعموم اللفظ وكونها سببا لوروده ويدخل فيه ما ذكر اسم الله عليه اسم غير الله من الآلهة المبطلة «٢». وفى ذلك يقول الجصاص: نزول الآية على سبب لا يوجب الاقتصار بحكمها عليه بل الحكم للعموم إذا كان أعم من السبب فلو كان المراد ذبائح المشركين لذكرها ولم يقتصر على ذكر ترك التسمية، وقد علمنا أن المشكرين وإن سموا على ذبائحهم لم تؤكل مثل ذلك على أنه لم يرد ذبائح المشركين إذا كانت ذبائحهم غير مأكولة سموا الله عليها أو لم يسموا، وقد نص الله تعالى على تحريم ذبائح المشركين فى غير هذه الآية وهو قوله تعالى: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ «٣». أدلة القائلين بالمنع: وهم الحنفية ومن وافقهم: فقد استدلوا على أن متروك التسمية عامدا لا يؤكل لحمه بأدلة من الكتاب والسنة.

стр. 66

أولا: الكتاب: ١ - قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١] حيث إنه يجوز الوقف على قوله (عليه) والمعنى على ذلك يكون بالنهى عن الأكل مطلقا عن متروك التسمية والبدء بقوله (وإنه لفسق) للتعليل على النهى السابق عن أكل متروك التسمية «١». ثانيا: السنة: ١ - قال رسول الله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» «٢». قال ﷺ : «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» «٣». ٢ - وقال أيضا: «وإن وجدت مع كلبك كلبا آخر فلا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر» «٤». أما الذين أخرجوا الناسى عن تحريم ذبيحته فقد استدلوا بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة: ٢٨٦]. وفى الحديث: «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان ... » «٥». وحديث: «المسلم إن نسى أن يسمى حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله» «٦». لذلك يقول ابن العربى: وأما الناسى للتسمية على الذبيحة فإنها لم تحرم عليه لأن الله تعالى قال: (وإنه لفسق) وليس الناسى فاسقا بإجماع فلا تحرم عليه، والذى نعتمد عليه فى صورة الناسى أن الخطاب لا يتوجه إليه لاستحالة خطاب الناسى فالشرط ليس بواجب عليه» «٧».

стр. 67

تعقيب وترجيح: هكذا استدل كل فريق على دعواه بيد أننا إذا أمعنا النظر فى هذه الأدلة نلاحظ أن أدلة الشافعية ومن وافقهم ضعيفة لذا أمكن الرد عليها. أما أدلة الحنفية ومن وافقهم فى أن متروك التسمية إن كان عامدا فيحرم ذبحه فهى أدلة ظاهرة غالبة عالية كما أن استدلال الحنفية بالوقف رجح رأيهم وخاصة أن الاستئناف بالواو جائز من الوجهة النحوية وأن الجملة مؤكدة بالحرف الناسخ واللام المؤكدة الداخلة على الخبر «١» وقد ذكر أبو السعود أن الجمل تحتمل الاستئناف والحال وخاصة أن تارك التسمية عامدا عاص لله بالإجماع فهو بخلاف الناسى لأن القلم قد رفع عنه «٢».

стр. 68

١٠ - شهادة المحدود فى القذف يقول تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٤، ٥]. هاتان الآيتان تتحدثان عن أن القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه به فإن جزاؤه ثلاثة أحكام أحدها: جلد ثمانين الثانى: بطلان الشهادة والثالث: الحكم بتفسيقه إلى أن يتوب فإن عجز عن الإتيان بالشهداء فقد أجمع الفقهاء على وجوب إقامة الحد عليه على خلاف بينهم فى حالة عفو المقذوف على اعتبار أن حد القذف هل حق لله أم للمقذوف؟ «١». كما أن الفقهاء قد اختلفوا فى لزومه للأحكام قبل إقامة الحد على النحو التالى: ١ - قال الليث بن سعد والشافعى: قد بطلت شهادته ولزمته سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه. ٢ - قال أبو حنيفة وصاحباه وزفر ومالك: شهادته مقبولة ما لم يحد وهذا يقتضى من قولهم أنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذا كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها إذا كان فسقه من طريق الفعل لا من جهة التدين والاعتقاد «٢».

стр. 69

ولكن يا ترى ما موقف الفقهاء من قبول شهادة المقذوف بعد إقامة الحد عليه وظهور توبته؟ فى الحقيقة اختلف الفقهاء فى ذلك وسبب الخلاف يرجع إلى أن فى الآية ثلاث جمل متعاقبة أعقبها استثناء وقد اتفق العلماء على أن الاستثناء لا يرجع إلى الجملة الأولى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً لأن حد القذف لا يسقط بالتوبة ولكن منهم من قال أن الاستثناء يرجع إلى الجملتين المتبقيتين وهما الخاصتان بقبول الشهادة ورفع الفسق وأما الفريق الثانى فقال بأن الاستثناء لا يعود إلا إلى الجملة الأخيرة الخاصة برفع الفسق أما قبول الشهادة فلا وقد استدلوا بوقف فى الآية كان له أكبر الأثر فى التمسك بمذهبهم وإليك بيان رأى كل فريق وأدلته. الفريق الأول: قال الحنفية والثورى والحسن بن صالح: لا تقبل شهادته إذا تاب وتقبل شهادة المحدود من غير القذف إذا تاب «١». وقد استدل هؤلاء بأدلة من الكتاب والسنة والمعقول منها: أولا: الكتاب: ١ - قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ... فقالوا بأن هذه الآية وقف على قوله تعالى: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً واستئناف بقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فالاستثناء يعود على الجملة الأخيرة وهى نفى الفسق. يقول الجصاص: (الواو) قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد تكون للاستئناف وهى فى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ للاستئناف لأنها إنما تكون للجمع فيما لا يختلف معناه وينتظمه لهذه الأوامر وأما آية القذف فإن ابتدائها أمر وآخرها خبر، ولا يجوز أن ينتظمها جملة واحدة، فلذلك كانت (الواو) للاستئناف إذ غير جائز دخول معنى الخبر فى لفظ الأمر «٢».

стр. 70

وقد أكد السرخسى جعل (الواو) للاستئناف بقوله: الشافعى يجعل هذه الواو للعطف والواو التى فى قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ للنظم حتى يكون الاستثناء منصرفا إليهما دون الجلد فلا يسقط الجلد بالتوبة والصحيح ما قلناه فإنه من حيث الصيغة معنى العطف يتحقق فى قوله تعالى وَلا تَقْبَلُوا ولا يتحقق فى قوله تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ لأن قول القائل: اجلس ولا تتكلم يكون عطفا صحيحا، فكذلك قوله تعالى فَاجْلِدُوا، وَلا تَقْبَلُوا لأن كل واحد منهما خطاب للأمة فأما قوله تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ليس بخطاب للأمة، ولكن إخبار عن وصف القاذفين فلا يصلح معطوفا على ما هو خطاب فجعلناه للنظم «١». وواو النظم عند السرخسى يعنى بها (واو) الاستئناف فهى تدخل بين جملتين كل واحدة منهما تامة بنفسها مستغنية عن خبر الأخرى «٢». أدلة السنة: ١ - قال ﷺ : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا فى قذف «٣». قال الجصاص: ولم يستثن وجوب التوبة منه «٤». ٢ - قال رسول الله ﷺ : لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود فى الإسلام «٥». قال الجصاص: فالحديث ظاهر فى إبطال جميع المحدودين إلا أن الأدلة قد قامت على جواز قبول شهادة المحدود فى غير القذف إذا تاب مما حد فيه ولم تقم الدلالة على المحدود فى القذف فهو على عموم لفظة تاب أو لم يتب «٦». المعقول: ١ - جملة وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ جملة خبرية والاستثناء داخل عليها فوجب أن

стр. 71

يكون موقوفا عليها دون غيرها لأن الجملتين السابقتين أمر وهما قوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً إذ غير جائز أن ينتظم لفظ واحد الأمر والخبر ألا ترى أنه لا يصح جمعهما فى كناية واحدة ولا فى لفظ واحد؟ ومثاله فى اللغة لو قلنا: أعط زيدا درهما ولا تدخل الدار وفلان خارج إن شاء الله. إن مفهوم هذا الكلام رجوع الاستثناء إلى الخروج دون ما تقدم من ذكر الأمر كذلك يجب أن يكون حكم الاستثناء فى الآية لا فرق بينهما. ويدل عليه أيضا أن قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فى معنى الاستثناء وهو راجع إلى الربائب دون أمهات النساء لأنه يليهن. ٢ - اتفق العلماء على أن التوبة لا تسقط الحد ولم يرجع الاستثناء إليه فوجب أن يكون بطلان الشهادة مثله لأنهما جميعا أمران قد تعلقا بالقذف فمن حيث لم يرجع الاستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع إلى الشهادة وأما التفسيق فهو خبر ليس بأمر فلا يلزم «١». ٣ - أن الاستثناء إذا تعقب جملا يصلح أن يتخصص كل واحد منها بالاستثناء أن يجعل تخصيصا فى الجملة الأخيرة «٢». الفريق الثانى: وهو قول المالكية والشافعية وعثمان البتى والليث حيث قالوا بأن المحدود فى القذف تقبل شهادته بعد التوبة واستدلوا على ذلك بأدلة وبيانها كالتالى «٣»: (أ) الكتاب: ١ - قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ إلى قوله: وَلا تَقْبَلُوا فالآية متصلة ليس بها وقف لأن (الواو) للعطف ومعناها الجمع فيكون المعنى: ولا تقبلوا لهم شهادتهم وفسوقهم فلما جاء الاستثناء بعدهما كان مسلطا عليهما. لذلك يقول الشافعى: من قذف مسلما حددناه أو لم نحده لم تقبل شهادته حتى يتوب فإن تاب قبلنا شهادته «٤».

стр. 72

(ب) السنة: ١ - روى أن عمر بن الخطاب جلد أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعا بقذف المغيرة ابن شعبة ثم استتابهم وقال من تاب قبلت شهادته «١». ٢ - أن الاستثناء الوارد فى آية المحارب: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ بعد قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ [المائدة: ٣٣] فالاستثناء راجع إلى جميع المذكورين بالاتفاق لكونه معطوفا بعضه على بعض. تعقيب: بعد عرض أدلة كل فريق تبين لنا ما يلى: ١ - أن كل فريق استدل بالآية على صحة ما يقول حيث ذهب الجمهور إلى أنه لا يوجد وقف بالآية وبالتالى يعود الاستثناء على الجميع أما الحنفية فقالوا بأن الوقف الوارد بالآية أثر على عدم رجوع الاستثناء إلا على الفسق لأنه كلام مستأنف مكتفى بذاته. ٢ - أن (الواو) الداخلة على قوله تعالى: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً هل هى عاطفة أم استئنافية فمن جعلها عاطفة قال بعدم الوقف ومن قال بأنها استئنافية جعل للوقف منها تأثيرا فقهيا. ٣ - أن كل مذهب تمسك بالقاعدة النحوية الخاصة بعودة الاستثناء على ما قبله هل يعود على جميع الجمل التى قبله أم على الجملة التى تسبقه مباشرة وهذه النقطة خلافية أيضا بين النحاة غير أن الرأى الراجح عندهم أن الاستثناء يعود إلى جميع الجمل المتقدمة إلا ما قام الدليل على عدم شموله. ترجيح: الرأى الراجح فى هذه المسألة هو أن الاستثناء يعود على جميع الجمل التى تسبقه ترجيحا للقاعدة النحوية كما أن الأثر الوارد عن سيدنا عمر الذى استدل به الجمهور رواه البخارى مما يجعلنا نطمئن إلى هذا الرأى وخاصة أن القول بخلافه وهى عدم قبول شهادة

стр. 73

المحدود فى القذف بعد التوبة قد يؤدى إلى مساعدة الشيطان على أخينا مما يلحقه هذا الأمر- رد شهادته- إلى أثر معنوى فى فقد عنصر الإرادة والعودة مرة أخرى إلى المجتمع الإسلامى. وفى الختام بقى أن أشير إلى شيئين: أولهما: أن الأوزاعى ذهب إلى أنه لا تقبل شهادة محدود فى الإسلام «١». ثانيهما: أن ابن عباس روى عنه عند تفسيره لهذه الآية رأيان يخالف بعضهما بعضا: أولهما: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فتاب عليهم من الفسق وأما الشهادة فلا تجوز. ثانيهما: فمن تاب وأصلح فشهادته فى كتاب الله مقبولة. وقد وفق الجصاص بين الروايتين بقوله: ويحتمل أن لا يكون ذلك مخالفا لما روى عنه فى الحديث الأول بأن يكون أراد به شهادته مقبولة إذا لم يجلد وتاب والأول على أنه جلد فلا تقبل شهادته وإن تاب «٢».

стр. 74

الخاتمة وفى هذه الخاتمة أود أن أذكر أهم النتائج التى توصلت إليها وهى: ١ - أوضحت الدراسة أن الوقف كان له دور بارز فى الفقه الإسلامى. ٢ - كشفت الدراسة عن أن الحنفية من أكثر المذاهب استدلالا بالوقف فى ترجيح مذهبهم. ٣ - رجحت الدراسة أن الوقف غير توفيقى إلا فيما ورد فيه حديث صحيح عن النبى ﷺ فيكون الوقف فى هذه الحالة توفيقى. ٤ - ورود الوقف فى قراءة شاذة كما ورد فى فرضية العمرة لا يقوى فى الترجيح أمام القراءة الصحيحة. ٥ - أضاف الوقف حكما فقهيا جديدا كما حدث فى آية وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ حيث جعل العمرة لله وليست للأصنام، وآية وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ أى رفع الجدال فى ميقات الحج المكانى والزمانى. ٦ - كان للوقف دور بارز فى تحريم أم الزوجة بمجرد العقد على بنتها ولا تحرم البنت إلا بالدخول. ٧ - كان للوقف دور بارز فى جعل الحكم الوارد فى آية وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ يفيد الأمر ويجب اتباعه بدلا من إفادته الإخبار عن شرع من قبلنا. ٨ - كان للوقف دور بارز فى إظهار جواز القيمة فيمن قتل صيدا وهو محرم. ٩ - كان للوقف دور بارز فى وجوب التسمية عند الذبح وإلا حرم أكل ذبيحته بخلاف ذبيحة الناسى يجوز أكلها. ١٠ - أثبتت الدراسة قبول شهادة المقذوف إذا حد وتاب وذلك للمصلحة حتى لا يترك الفرد فريسة لوساوس الشيطان.

стр. 75

المصادر والمراجع أولا: التفسير وعلوم القرآن: ١ - الاتقان فى علوم القرآن: جلال الدين السيوطى، دار الندوة الجديدة- بيروت. ٢ - الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها: حسن ضياء الدين عتر- دار البشائر الإسلامية- الطبعة الأولى سنة ١٤٠٩ هـ. ٣ - أحكام القرآن للجصاص (ت: ٢٧٠ هـ): لأبى بكر أحمد الرازى الجصاص مراجعة صدقى محمد جميل- دار الفكر- بيروت سنة ١٩٩٣ م. ٤ - أحكام القرآن للشافعى: جمعه النيسابورى، دار الكتب العلمية، ١٩٨٠. ٥ - أحكام القرآن لابن العربى (ت: ٥٤٣ هـ): لأبى بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربى- عليه تعليق محمد عبد القادر عطا- دار الفكر- بيروت. ٦ - الإرشادات الجليلة فى القراءات السبع عن طريق الشاطبية: د. محمد سالم محيسن- مكتبة الكليات الأزهرية- القاهرة. ٧ - إعراب القراءات السبع وعللها: لأبى عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (ت. ٣٧٠ هـ) مكتبة الخانجى- القاهرة- الطبعة الأولى سنة ١٩٩٢ م. ٨ - البحر المحيط: لمحمد بن يوسف الشهير بأبى حيان الأندلسى (ت ٧٥٤ هـ) دار الفكر- بيروت- الطبعة الثانية سنة ١٩٨٣ م. ٩ - تأويل مشكل القرآن: لأبى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المروزي الدينورى (ت ٢٧٦ هـ) شرحه السيد أحمد صقر- المكتبة العلمية- بيروت الطبعة الثالثة سنة ١٩٨١ م. ١٠ - تحبير التيسير فى قراءات الأئمة العشر: لابن الجزرى- دار الوعى بحلب- الطبعة الأولى سنة ١٩٧٢ م.
следующие страницы →