← Общие книги

Общие книги · id 8645

بين العقيدة والقيادة

محمود شيت خطاب

Полный текст (561 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بَيْنَ العَقِيدَة والقِيَادَة تَأليف اللواء الرّكن محمود شيت خطابْ دار القلم دمشق الدار الشامية بيروت

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الطّبعَة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م

стр. 4

الإهْدَاء إلى القائد: الذي يرفع راية الإسلام فوق المسجد الأقصى. ويستعيد الأرض المقدسة للعرب، من إسرائيل. محمود شيت خطابْ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللََّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللََّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج ٢٢: ٤٠ - ٤١]

стр. 6

هذا الكتاب هذا الكتاب بين العقيدة والقيادة، يدل بلفظه على موضوعه، فالعنوان يدل على ما حواه الكتاب، وهو الصلة الوثيقة بين عقيدة القائد، وقيادته؛ وأن القيادة الرشيدة لا بدَّ أن تدفعها عقيدة مؤمنة وقلب لم يركس في المعاصي، ونفس لم تُدنَّس بالفسوق والانحراف، وإرادة حازمة قوية ضابطة غير خاضعة لهوى يهوِي بها؛ بل هي سيدة على النفس، حاكمة لها. والكتاب دعوة للقادة، إلى أن يؤمنوا بالله تعالى، ورسله الأكرمين، وأن يكون لهم إيمان بالله، يعقدون العزم على الاستمساك بأمر الله تعالى ونهيه، وأن يكون للقائد مَثَلٌ ديني عالٍ يسمُو إليه، ويتبعه جنده في إيمانه، كما يتبعون قيادته، وإنهم في هذه الحال يتبعونه رَغَباً لا رَهَباً، وتكون طاعتهم له نابعة من إيمان، ليكون لجهادهم معنى سام عالٍ، ولا يكون قسراً وكرهاً، لمجرَّد النظام العسكري الملزم. وأن القلوب المؤمنة هي التي تبتغي النصر، وتصل إليه؛ والله يؤيد بنصره من يشاء. فكل القادة الذين قادوا معارك الفتح كانوا من المؤمنين، كذلك الذين صدُّوا غارات المعتدين .. من هؤلاء القادة: أسد بن الفرات فاتح جزيرة صقلية، وصلاح الدين الأيوبي محرر القدس وقاهر الصليبيين، وقطز قاهر التتار، ومحمدٌ الفاتح فاتح القسطنطينية. ***

стр. 7

تقديم للأستَاذ الجَليل العَلاّمَة محمّد أبو زَهرَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وخلق الجانَّ من مارجٍ من نار، وطرد إبليس من رحمته، فكانت العداوة بينه وبين آدم وبنيه، قال سبحانه: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، فكانت العداوة المستمرة بين الخير والشر؛ وجعل على أهل الخير أن يدفعوا الشر، ولا يستسلموا؛ وجعل الأرض يرثها عباد الله الصالحون: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. والصلاة والسلام على محمد، الذي قاد جيش الخير، وحارب الشر، وعلّم بقيادته في الحرب الفاضلة التي تقطر فيها الدماء، ولا ينحل فيها رباط الفضيلة المقدس: ما يجب أن يكون عليه القائد؛ وحمل اللواء من بعده حواريوه الأمجاد، الذين حاربوا بالعقيدة أولاً وبالسيف ثانياً؛ والخُلق الكريم هو الذي ساد وحكم في الحرب والسلم على سواء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 8

١ - أما بعد، فقد أطلعني صديقي الكريم اللواء الركن محمود شيت خطاب على كتابه القيم "بين العقيدة والقيادة"، واستمعت إلى بعض قليل منه في مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية. وإن الكتاب يكون صورة من كاتبه في تفكيره في المعقول، ومظهراً لذوقه وإدراكه في المنقول؛ ولا ينفصل الكتاب الذي يكون ثمرة لجهود كاتبه، عن صاحبه؛ كما لا ينفصل السبب عن المسبب واللازم عن الملزوم لأنه صورة منه، وصورة طور من أطوار نفسه. ولا يمكن أن يتبين الأثر إلا إذا تعرضنا بالبيان لمن أوجده. ولذا كان لا بد أن نتعرض بكلمة للكاتب، قبل أن نتصدى للمكتوب، كما لا نعرف النتائج من غير معرفة مقدماتها. ٢ - وإن صديقي الكريم اللواء الركن محمود شيت خطاب، القائد العظيم المدرك، والوزير المخلص - وقليل ما هم - سعدْتُ بمعرفته من نحو أربع سنين أو أقل، والمدة في الحالين لا تزيد؛ ولكني بمجرد أن التقيت به أحسست بأني أعرفه منذ سنين تعد بالعشرات، لا بالآحاد، وكأن الأرواح قد تعارفت قبل أن تتلاقى الأشباح، وكأن الصورة قد رأيتها، وما لقيتها؛ لأن الأرواح تتألف وتسبق الائتلاف، وتتقارب وتسبق الاقتراب؛ ولذلك سرعان ما تصادقنا عندما التقيت به، وكأن صداقتنا ترجع بالماضي إلى آماد، لا إلى وقت قريب. إذا اجتمعنا منفردَيْن أو في جمع، وتبادلنا الأفكار، أحسست بأني لا أنوي فكرة إلا سبقني إليها، وقد أُسارع إلى القول بما في خاطره، قبل أن يبديه؛ وكان ذلك لامتزاج نفوسنا، وصفاء ما في نفسه،

стр. 9

وابتعاده عن الالتواء في القول أو الفكر أو الاتجاه، فهو يسير بفكره وقوله وعمله في خط مستقيم، كاستقامة قامته؛ والخط المستقيم يعرف ابتداؤه، كما يُعرَف وسطه وانتهاؤه. وكانت مجالس نتبادل فيها الحديث على نور من الله، وروحانية نفوس، واستقامة قلوب بيننا؛ فكنت أتذكر في هذه الصحبة قول النبي ﷺ : "إن لله ناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانهم من الله"، قيل: "ومن هم يا رسول الله"؟ قال: "قوم تحابُّوا بروح من الله على غير أرحام تربطهم، ولا أموال يتعاطونها؛ والله إنهم لنور، وإنهم لعلى نور؛ لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس"، ثم تلا قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. تذكرت هذا الأثر النبوي إذ اكتمل بالعمل جمعنا، لكني ولست ممن يتسامى إلى هذه المكانة، وأحسب أن صاحبي يتسامى إليها، أو إني أرجو ذلك له. ٣ - وقد جمع الله تعالى لصديقنا اللواء خطاب من الصفات ما تسمو به واحدة منها عن سفساف الأمور، وتتجه به إلى معاليها. أولها: الإخلاص في القول والعمل؛ والإخلاص إذا كان في قلب أشرق، وقذف الله تعالى فيه بنور الحكمة، وكان تفكيره مستقيماً، ولسانه قويماً، وعمله حكيماً، فلا يكون التواء، ولا عوج. وثانيها: الإدراك الواسع، والعلم بما حوله، وتعرف الأمور من وجوهها، وإداركها من مصادرها؛ فقلمه نقي، وله فكر ألمعي.

стр. 10

قائد يعرف خصمه، ويدرك مراميه، حتى أنه ليتوقع الحرب أو الهجوم من عدوه في ميقاتها قبل أن يعلنها، وقبل أن يفكر فيها من سيكونون حطبها؛ لأنه يعلم الخصم، ومآربه، وحاله، ويتعرف من ذلك مآله .. علم بهجوم اليهود سنة ١٩٦٧ قبل أن يعلنوه، وقبل أن يقدره الذين كانوا في زعمهم يدبرون الأمور، ويلبسون لكلٍّ لبوسها. وثالثها: إيمان صادق بالله، ورسوله النبي الأمين؛ ولذلك يتتبع سيرة السالفين، ويجعل منهم نوراً يهتدي به، ويعلم منه أعلام الهداية. ويكمل هذه الصفات التي هي منه بمنزلة السجايا والملكات؛ همة عالية، وتجربة ماضية، وخبرة بالعلم والحروب، وخصوصاً ما كان بين العرب واليهود. وهو عالم في العربية، وملم إلماماً عظيماً بشؤون الدين، وقارئ يتقصَّى الحقائق فيما يقرأ؛ يتعرف ما تسطره الأقلام، وما وراء ما تسطره؛ ينفر من تقليد الفرنجة ويُؤْثِر ما في القرآن والسنة وما كان عليه السلف الصالح؛ وهو ممن يُؤْثِرون الاتباع، ولا يرضَوْن عن الابتداع؛ سلفي في إيمانه وعمله، قوي في تفكيره، يهضم ما جدّ في العصر، بما في قلبه من إيمان راسخ، واتباع مستقيم .. وله مع كل هذا قلم بارع مصور، وكتابته من قبيل السهل الممتنع؛ وفقه الله تعالى وهداه. ٤ - هذه إشارة تعريف بالكاتب؛ فلننظر إلى الكتاب، ونتجه إليه بدراسة موجزة موضوعية، وليست شخصية؛ فننظر إلى المكتوب من غير أن نكون متأثرين بشخصية الكاتب إلا بمقدار أن الأثر من نوع

стр. 11

المؤثر، وأنه جاء نموذجاً من صورته وفكره. والكتاب "بين العقيدة والقيادة" يدل بلفظه على موضوعه، فالعنوان يدل على ما حواه الكتاب؛ وهو الصلة الوثيقة بين عقيدة القائد، وقيادته، وأن القيادة الرشيدة لا بد أن تدفعها عقيدة مؤمنة وقلب لم يركس في المعاصي، ونفس لم تُدنَّس بالفسوق والانحراف، وإرادة حازمة قوية ضابطة غير خاضعة لهوى يهوي بها؛ بل هي سيدة على النفس، حاكمة لها. والكتاب دعوة إيجابية، ومرد حاسم على سلبية سادت في الجند العربي. أما الإيجابية في الكتاب، فهو دعوة للقادة العرب، إلى أن يؤمنوا بالله تعالى، ورسله الأكرمين؛ وأن يكون لهم إيمان بالله، يعقدون العزم على الاستمساك بأمر الله تعالى ونهيه؛ وأن يكون للقائد مثل ديني عالٍ يسمو إليه، ويتبعه جنده في إيمانه كما يتبعون قيادته؛ وإنهم في هذه الحال يتبعونه رَغَباً لا رَهَباً، وتكون طاعتهم له من إيمان؛ ليكون لجهادهم معنى سام عالٍ، ولا يكون قسراً وكرهاً، لمجرد النظام العسكري الملزم. أما الرد على السلبية السائدة في الجيوش العربية، فمن المقرر عند بعض القادة، أنه لا صلة بين العقيدة والنصر؛ ولذلك لم يكونوا مستشعرين بشعار الإيمان، وربما كان منهم من يجاهد بالفسوق والعصيان، ولا يرعى مركزاً تقتضيه قيادته من أخلاق فاضلة، وقيم إنسانية عالية؛ بل يحسبون أن النصر للآلة الفاتكة، ومن يحرك الآلة، ولا يحسبون أن القلوب المؤمنة هي التي تبتغي النصر، وتصل إليه، والله يؤيد بنصره من يشاء.

стр. 12

ولقد رأينا رجال حرب في أيامنا يدخلون الحرب، ولا يذكرون الله في كلامهم، ولا طلب النصر من الله؛ والله يؤيد بنصره من يشاء، وهو العزيز الحكيم. ولقد منُوا بالهزيمة النكراء، ولم يرعووا عن غيّهم، واستمروا على عصيانهم؛ والشعوب تكتوي بنارهم. ٥ - وإنه في سبيل الدعوة الإيجابية إلى الإيمان، والرد على الدعوة السلبية التي تبرر عصيان القادة وفسوقهم عن أمر ربهم - استعان المؤلف بآراء قواد البلاد الأوروبية المشهورين الذين نادَوْا بضرورة إيمان القائد بعقيدة، يتبعه على إيمانه بها جنده طوعاً واختياراً، لا قسراً وإجباراً. ولقد أكثر من ذكر كلام مونتكومري كبير قواد الحرب العالمية الثانية، وهو الذي كان على مقربة من أرض العرب؛ الذي انتصر في الصحراء الغربية بمصر. فقد كان ذلك القائد العظيم مؤمناً بدينه المسيحي أشد الإيمان، مستمسكاً بعقيدته أشد الاستمساك، ويرى أن سر النصر في هذه القيادة المؤمنة. ولقد قيل، ويقال: كيف يدعي مونتكومري أو غيره أنه مؤمن، وهو يعتقد التثليث، وهذا اعتقاد باطل؛ لقد قيل ذلك، وهذا خطأ في الفهم. إن الأمر في الاعتقاد ليس في كونه صحيحاً، إنما هو في قوة الإذعان بعد الجزم والتصديق اليقيني. فمن يعتقد بدين اعتقاداً جازماً

стр. 13

مستيقناً مذعناً لاعتقاده، فهو حامل عقيدة، وإن كانت مخطئة؛ نعم إنه يجب عليه أن يطلب الحق ويهتدي بهديه، وإنه مؤاخذ فيما إذا قصر في طلب الحق، أو وصل إليه ولم يؤمن به جهلاً أو عصبية، أو قال: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾. ولكنه ما دام معتقداً عقيدة تدفعه وتبعده عن الشهوات، فعنده عقيدة، وهو خير ممن لا اعتقاد له، ولقد قرر الفقهاء أن من له دين خير ممن لا دين له. ولقد التقى الإمام محمد عبده في أثناء رحلاته بعابدة زاهدة، فاسترعاها سمت الإمام ﵁ ونور إيمانه، فقالت: "ما كنت أظن في غير الكاثوليكية تديناً". فهذه وأشباهها لها عقيدة، وإن كانت غير صحيحة. وأبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال لقائده الذي أرسله إلى الشام، قال له: "إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعهم وما زعموا". وإن هذا يدل على أن الاعتقاد له أثر في توجيه النفس سواء أكان صحيحاً سليماً، كالعقيدة الإسلامية الطاهرة المستقيمة، أم كانت غيرها؛ فإنها باعثة على العمل مانعة للشهوات، إن كان فيها زهاوة؛ فلا ضير على الكاتب أن يستشهد على قوة العقيدة وأثرها في القيادة بكلام القواد الغربيين وعلى رأسهم مونتكومري، لأنه انتصر في أقرب معركة إلينا، ولأنه لا يزال حياً يُرجَع إليه فيما يقول. وقد علل الكاتب الكبير إيثاره الابتداء بالقواد الغربيين،

стр. 14

وخصوصاً مونتكومري؛ بأن كثيرين من الشرقيين أو البارزين منهم يفصلون العقيدة عن القيادة، والأخلاق الفاضلة عن الجندية المجاهدة، ويحسبون أنهما لا يتلازمان؛ وأن القائد المنتصر قد يكون غير متدين، وسكيراً، يعربد، ولا يؤمن، ولكنه يجيد فنون الحرب، وإلى سير قواد الغرب يرددون ذلك. وإذا كان بعض القواد انتصر في بعض المواقع مع أنه منحرف في دينه وخلقه، فإن ذلك لا يعد نظاماً مطرداً؛ بل هو نتيجة خطأ العدو، وليس ثمرة قيادة حكيم. وضرب الكاتب الكبير بسيف الفضيلة، تلك الترهات الباطلة. وفوق ذلك فإن ما ذكره من سيرة القواد العظام، وخصوصاً مونتكومري وديجول، من أخبار، وما نقله من أقوال لهما ولغيرهما: يدل على أن الأخلاق الفاضلة للقائد والجند -بل للشعب نفسه- هي أساس النجاح في الحروب؛ فلا نجاح لقائد لا أخلاق له. ٦ - وإن الاستمساك بالفضائل في القائد قد وضحه مونتكومري في عبارات نيّرة واضحة يدركها المؤمنون مثال كاتبنا الكبير اللواء الركن خطاب. وخلاصة ما يدعو إليه مونتكومري كما يتبيّن من كتابه: أولاً- أن العقيدة في القائد المؤمن بعقيدته هي سر نجاحه، وهي التي تدفعه إلى الجهاد؛ لأن المحارب يتقدم بنفسه لحماية مجتمعه، فلا بد أن تكون له قوة تحمله على تقديم نفسه في سبيل مثل عالية تجعله يقدم نفسه راضياً مطمئناً. وثانياً- بأن العقيدة تدفع إلى العدل، ولا يدفع الجندي إلى

стр. 15

الرضا إلا أن يحس بأنه يعمل في ظل عدالة لا تحابي ولا تماري، ولا تضنّ على أن يُعطى كل ذي حق حقه. ثالثاً- أن العقيدة وإخلاص المؤمن لها، وإذعانه لما تتقاضاه منه؛ تجعله حريصاً على جنده، يحنو عليهم ويقرب منهم؛ والقائد يقود نفوساً، ولا يرصّ بنياناً؛ ومن يقود النفوس عليه أن يدنو منها ويحنو عليها. ورابعاً- أن العقيدة تجعل القائد كالكاهن لا يفكر في نفسه ولا في ماله، ولا في أي مأرب من أمور الدنيا، غير أن ينتصر في ميدان يحسب أنه فيه يحمي الفضيلة؛ وبذلك يعلو في نفسه ويسمو. ولقد نقل اللواء الركن محمود شيت خطاب أن مونتكومري قال في وصف نفس القائد المؤمن: "يجب أن يكون خادماً للحقيقة، وأن تكون هذه الحقيقة لغرض عام يقصد به النفع العام، ويروض نفسه على ذلك، حتى يكون له ملكة نفسية، من شأنها أن توحي إلى الآخرين بأن يتبعوه". ذلك أن النواحي المعنوية أو النفسية، تسري إلى النفوس كما يسري الماء الطاهر من المكان العالي إلى ما دونه، فيتقدم الجند طائعين واثقين مطمئنين، لأن وجدانهم يتبع وجدانه، فهم خاضعون لنفسه ونزوعه إلى الخير والفضيلة الإنسانية قبل أن يخضعوا لما يأمر وينهى. وإن القائد يجب أن يكون ضابطاً لنفسه صبوراً، وإن الجنود من ورائه يضبطون نفوسهم بضابط الصبر، وإن المحاربة تكون بالمصابرة، كما تكون بالمقاتلة؛ بل إن أساس القوة في المقاتلة هو المصابرة. هكذا

стр. 16

يقرر مونتكومري .. وقد نادى من قبله القرآن الكريم بالصبر، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وإن تربية النفس مع الصبر، وتربية القائد أو الجندي مع ضبطها أمران متلازمان؛ وضبط النفس ألا تفزع ولا تطمع، وأن تقمع شهواتها وملاذَّها، وألاّ تيأس في هزيمة، ولا تأشر وتبطر وتزدهي في نصر؛ وأن تتلقى السراء بثباتِ جأش، والضراء بعزيمة تعلو، ولا تهبط؛ ولقد قال تعالى في وصف الإنسان الذي لا ينال سجية ضبط النفس: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. وإن الصبر وضبط النفس لا يظهران إلا عند الصدمات، كما قال ﷺ : "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". ٧ - ومونتكومري يرى أن العقيدة يجب أن تكون العنصر الأساسي في تربية الشعب، وخصوصاً صغاره؛ ويرى أن تربية العقيدة يجب أن تبدأ من قبل السادسة من عمره؛ وأنه يجب أن يُربَّى على الجلاد، وعلى الضبط، وألا تمتاع نفسه بالملاهي انمياعاً. ويستفاد من كلامه أن اللهو في ذاته باطل، إلا أن يكون في ظل الإيمان، والاعتقاد؛ وأن تكون للنفس إرادة تسيطر على اللهو والملاهي. ويذكر أنه يجب أن تُربَّى البنات على الاحتشام والتمسك بالاعتقاد، والإيمان؛ ويقول في ذلك عن بنات جيله مادحاً لهن: "إن

стр. 17

البنات لم يكنَّ ليسمح لهن بالخروج من البيت وحدهن والذهاب مع الأولاد إلى المراقص وغيرها". وهكذا تجد كثيراً من المناهج التي يرسمها للجيش وللناس؛ ليكون منهم القواد الأقوياء في حربهم وأخلاقهم وعقائدهم التي ينالون بها النصر للفضيلة، ولقومهم ولعقيدتهم معاً. وإنا ونحن نقرأ ما كتبه اللواء الركن محمود شيت خطاب عن مونتكومري نحس بأننا نقرأ في كتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي، أو "إحياء علوم الدين" للغزالي، أو كتاب "موعظة المؤمنين"، أو كتاب "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" لابن مسكويه، ولكن الحق في الأخلاق والفضيلة واحد يظهر بعلم المؤمن بدينه المذعن لعقيدته. وإن الكاتب المؤمن اللواء الركن محمود شيت خطاب ينقل ذلك لكي يُفقِّه قومنا ما يجب أن يكون، ما يجب أن يتبع لقوم يريدون أن يكونوا مجاهدين؛ والعدو جاثم في أرضهم، وبلادهم محتلة، ويسوم العدو أهل البلاد الخسف والهوان؛ ومنا من ينظر ويسترجع، ومنا من لا يعتبر، ومنا من يعادي، ومنا من يقاتل المجاهدين، ومنا من يقتل المؤمنين فرادى وجماعات، ومنا من يلهو ويلعب؛ ويجمع أهل اللهو من شرق البلاد وغربها، ليستمتع بلهوهم، ويشتهر بين الناس ما يلهو به ويلعب، والطامة أنه بعد أن نكس العرب والإسلام نجد الإذاعات المرئية وغير المرئية لا عمل لها إلا قصص الحب الماجن، وإلا الأغاني المثيرة للغريزة الجنسية، والتي تكون بنغمات نسائية لا تكون إلا في المخادع بين الرجال والنساء.

стр. 18

والإذاعات المرئية فيها الأجسام العارية، والرقصات الكاشفة المغرية، فإذا نبَّهنا إلى ما في ذلك من دعوات صارخة ضد الفضيلة، قال المهيمنون الذين يقودون هذا المجون ويشجعونه: إنه يشتمنا. إذا كان ذلك التنبيه الرقيق أو العنيف شتماً، فنحن نرضى بذلك؛ وخير لنا أن نقوم بالكلام -اللائم أياً كان وصفه- من أن نرى الشر ولا نستنكره، ونستمع إلى الدعوات لظهور البنات والنساء عارية أرجلهن إلى أنصاف أفخاذهن، وبين ما يقرره مونتكومري .. نجد إلى أي حد انحدرنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكل ذلك، وأرضنا محتلة، وعدونا يساورنا بالقوة؛ ونحن لاهون. إن كتابة مونتكومري، وغيره من القواد العظام، وطريق نصرهم، وما يجب أن تتحلى به الشعوب التي تعرضت للغزو: درس للذين يقودون البلاد ليعرفوا ما يجب التخلي عنه، وما يجب التحلي به؛ إن النصر لا يكون بالرقص والغناء الذي يغري بالأهواء والشهوات، ويثير الغرائز، ويخدر النفس، فلا تتجه إلى الواجب. إن المقاييس قد اضطربت، وميزان الرجال هو الذي يدل على مقدار إدراك الآفة ومقدار حدها، وتحرير إرادتها. إن الرجل من أهل المجون يموت، فتقوم الصحف والمحافل وتُعقَد الندوات في ذكر مناقبه؛ ويموت العالم الجليل الذي يدين له الجيل، فلا يظفر من الصحافة التي تتبع الحكومة إلا بخبر عارض، أو لمحة خاطفة، وهو يسجل للأمة مجدها؛ فمجد الأمم ليس بالغناء

стр. 19

والرقص والتهريج، إنما مجد الأمم بعلمائها، وهم قمة الإنسانية، وهداتها. ولكن عمّ سيل المجون حتى طمّ؛ ولذلك تخلفنا، وانهوينا إلى منهوى سحيق. من أجل ذلك كتب اللواء الركن محمود شيت خطاب، ونقل ما نقل عن قادة الحرب وقادة الفكر من أوروبا وغيرها؛ وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. ٨ - وإن اللواء الركن محمود شيت خطاب لا يكتفي بما ذكر من قادة الغرب، وإن كان لذلك مكانه، وفيه عبرته لمن يعتبر. بل اتجه من بعد إلى القادة من المسلمين، وذكر مقدار العقيدة في نصرهم. وقد وجد أمامه دعوة النبي ﷺ إلى الجهاد الذي لا يقصد به إلا وجه الله، فقد ذكر ﷺ في محاورة بينه وبين أصحابه يفصِّل حال المحاربين، ومقامهم في الجهاد عند الله؛ وسئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً؛ أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله". يروى أن رجلاً أراد الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو يبتغي عرضاً من أعراض الدنيا، فقال ﵇: "لا أجر له"، فأعادها عليه ثلاثاً؛ كل ذلك، وهو يقول: "لا أجر له".

стр. 20

إنها ليست العقيدة في أولى درجاتها، إنما العقيدة في أعلى سماتها، إنها التجرد لله ، وإنها أعلى من الحقيقة، التي يدعو إليها مونتكومري؛ وإن ذلك مؤداه أن يخرج المجاهد قائداً أو مقوداً لا يجعل لشخصه مكاناً في مقصده، بل تفنى نفسه في الجهاد. وإذا كان بعض القواد يقول: إن القائد يجب أن يكون في نيته كالكاهن لا يعرف إلا العبادة لله تعالى في جهاده؛ فإن النبي ﷺ قد قال ما هو أعلى من هذا، فقد عدّ ﷺ الجهاد أفضل العبادات. وعدّ ﵇ المستشهد في سبيل الله تعالى قد فاز بالجنة، وكان المجاهدون من أصحابه إذا أوشكوا على الشهادة نادى أحدهم: فزت ورب الكعبة. فالعقيدة لم تكن صفة القائد وحده، بل صفة كل جندي يحارب في سبيل الله، ولقد قال ﷺ : "لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي في الجهاد". وإن المجاهد المخلص المؤمن المتقد الذهن، يتفق مع الراهب في ناحية، ويختلف عنه في ناحيتين: أما ناحية الاتفاق فهي أن كل واحد منهما يتجه إلى عبادة مخلصة لا يبتغي عرضاً من أعراض الدنيا، ولا مأرباً شخصياً فيها، ولكن رضا الله على اتجاه مستقيم في جانب المجاهد، وعلى انحراف في جانب الراهب، لأن الرهبانية ابتدعها الذين أخذوها جزءاً من دينهم، كما قال تعالى في أتباع المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾.

стр. 21

والناحيتان اللتان يفترق فيهما المجاهد عن الراهب، فهما: أولاً أن الراهب عبادته لنفع نفسه ولشخصه، وهي أقرب إلى أن تكون سلبية؛ أما المجاهد فعبادته في جهاده في نفع أمته، ورفع الحق وخفض الباطل؛ فعبادته إيجابية، تدافع عن حياة غيره، وهي إيثار لا أثرة فيها ولا ما يشبه الأثرة، والذاتية؛ بل فيها تقديم النفس للنفع العام، ولله وللحق، احتساباً، وبيعاً لها بأن له الجنة. والناحية الثانية المفرقة بين الرهبنة والجهاد: أن الرهبنة فناء، ولذلك تسمى موتاً حكمياً؛ أما الجهاد فقوة في الحياة، وطلب لحياة الآخرين، وإن كان فيه موت حقيقي، فهو موت لينال المجاهد أعلى درجات الحياة، وليكوّن من موته حياة عزيزة كريمة لأهل دينه، وتكون كلمة الله تعالى هي العليا. ٩ - ولقد تكلم اللواء الركن محمود شيت خطاب في قيادة النبي ﷺ وهو أفضل قائد رآه الوجود الإنساني، وتكلم في قيادة السلف الصالح أبي بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الأبدال الذين شروا أنفسهم لله تعالى بما عنده. وقد كانت عدة النصر عندهم ليست السيوف البتارة وحدها، ولا النبال التي تقطع الأفئدة؛ إنما كانت العدة الإيمان والصبر، كما قال فارس المسلمين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. ولنقل كلامه في هذا كاملاً، والمناسبة التي قاله فيها هي أنه تكاثر الفرس على المؤمنين، فخشي عمر على أهل الإيمان، فأراد أن يخرج معهم إلى الميدان، فاستشار أصحاب رسول الله، فمنهم من وافق على

стр. 22

خروجه، ومنهم من خالفه الخروج، وعلى رأسهم علي -كرم الله وجهه- قال له: "إن هذا الأمر لم يكن عنصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيثما طلع؛ ونحن على موعد من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده؛ ومكان القيِّم من الأمر مكان النظام من الخرز، بجمعه وبضمه، فإذا انقطع النظام تفرق الخرز، ثم لم يجتمع بحذافيره. والعرب وإن كانوا قليلاً هم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع؛ فكن قطباً، واستدر الرحى بالعرب، وأَصْلِهم دونك نار الحرب؛ فإنك إن شخصت من هذه الأرض انقضّت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العَورات، أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا: "هذه أصل العرب، فإن قطعتموه استرحتم. فيكون ذلك أشد لكَلَبِهِم عليك وطمعهم فيك؛ فأما ما ذكرت من سير القوم إلى قتال المسلمين، فإن الله تعالى أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره؛ وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نقاتل بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة". ولسنا نذكر ما في الخِطاب من حكمة السياسة والقيادة، وإنما ننظر إلى ما تبين عنه كل كلمة من كلماته: من أن قوة الإيمان والصبر، والاعتقاد الجازم، كل هذا يرد الكثرة، والاعتبار ليس للقوة والكثرة، إنما الأمر لله والاعتقاد والصبر، وأخذ الأهبة، والله يحب الصابرين وينصرهم، لأنه اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بقوة إيمانهم بأن لهم الجنة.

стр. 23

١٠ - ولقد أشار اللواء الركن الكاتب العظيم العبقري في إيمانه وجهاده وقلمه إلى ما كان من القواد المسلمين، الذين شقوا بنور السيف والعقيدة والكتاب المبين نورَ الظلام المتكاثف، وانسابوا في الأرض بقوة الاعتقاد ونور الهداية أولاً، وبالإقدام على الموت طلباً للحياة العزيزة الكريمة ثانياً، وإزالة لطغيان الأكاسرة والقياصرة ليغزوا الشعوب التي مُنِيت بحكمهم ثالثاً؛ فكانت العقيدة ونور الحق مع الاستعداد هي التي تأتي لهم بنصر الله العزيز الحكيم. وإن العقيدة وحدها هي التي دفعت قتيبة بن مسلم لأن ينساب بجيوشه المؤمنة من أرض العرب إلى أن يصل إلى الصين، ويجتاز بلاد ما وراء النهر والهند هادياً مؤمناً مجاهداً يحمل في قلبه إيماناً، وفي يده سيفاً بتاراً يشق ظلام الشرك والجهالة. وهذا موسى بن نصير، ورئيس أركان حربه طارق بن زياد المؤمن، يسير قاطعاً شمال إفريقية حتى يصل طارق إلى المغرب، ويجتاز البحر بجيشه، حتى يصل إلى ساحل الأندلس، فيحرق سفنه، ولم يبق له ولجنده إلا العقيدة المؤمنة الدافعة، والسيوف المشهورة المحاربة؛ ويقول في قوة إيمان، وسر الحقيقة ينطقه: "العدو أمامكم، والبحر وراءكم". وهو بهذا يبث فيهم روح الإيمان والفداء والإقدام. فيتقدمون بقوة الإيمان والعقيدة، وقوة القيادة في أرض الأندلس فتحاً وعمارة ورفعاً للواء الحق والإيمان، ويسير من ورائه رئيسه موسى بن نصير، مجانباً طريقه؛ ولكنّ الطمع في الغنائم ممن وراء هذا الجيش الفاتح العظيم، يسحب الجندي المؤمن والقائد المجرب،

стр. 24

ويذهب هذه الجولة التي أدخلت الإسلام في غصنه الرطيب الأندلسي، وتجيء من بعد ذلك جولات بقيادات معتقدة مؤمنة، حتى يصل عبد الرحمن الغافقي بجند الإسلام إلى جنوب فرنسا ويصاقب وسطها؛ ولكن يجيء الجزر بعد المد، ويقف الغزو، لأن النفوس قد عراها التردد، بعد الاعتقاد، والطمع بعد الإيمان، والانغماس في الشهوات، بعد العزيمة القوية، والضبط الكامل، والصبر الناصر. ١١ - عندما خلت نفوس القواد من العقيدة، وصار الذي يحرك القائد حب الغلب وحب السلطان، وتنازعوا أمرهم، وصار بأسهم بينهم شديداً، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، وظهرت النزعات الإقليمية؛ عندما كان ذلك، صار المسلمون يُغزَون، ولا يفتحون، وصاروا يُرامون ممن كانوا هم يفتحون بلادهم. كانت الحروب الصليبية في الشرق، وأخذوا بيت المقدس، فعندئذ تحركت همم بعض القواد، وتقدم جند مؤمنون بقيادة قواد يؤمنون ويعتقدون ويذعنون لأمر الله ونهيه. تقدم محمود نور الدين الزنكي، وكان مؤمناً، كثير الركوع قانتاً عابداً ضارعاً، فأخذ وجه الحرب يتغير، وتكاتفت جنود أوروبا بملوكها. وحمل الراية معه ومن بعده يوسف صلاح الدين الأيوبي، وبقوة إيمانه وإخلاصه جمع العرب، وقادهم بقوة العقيدة، وحكمة القيادة والشرف العسكري، حتى استرد بيت المقدس من غاصبيه؛ وقد ذكر كل ذلك القائد المؤمن اللواء الركن محمود شيت خطاب في بيان رائع،

стр. 25

وأسلوب حكيم، وكأنه يقول للناس اليوم: "مَن لنا بقائد معتقد مؤمن يصنع ما صنع صلاح الدين. وقد كان أمام صلاح الدين جند صليبي، وملوك أقوياء؛ ونحن الآن أمامنا من لُعِنوا في الدنيا والآخرة، ومَن ضربت عليهم الذلة أينما ثُقفوا، فمن لنا بمن يجمع بين العقيدة والقيادة؟ اللهم هيىء لنا من أمرنا رشداً". ١٢ - ولقد كانت والصليبية تضرب، وإن تكسرت رماحها، غزوة التتار الذين انحطوا كالصخرة من الصين إلى أرض الإسلام، لا يلوون على شيء إلا حطموه، ولا على صالح إلا أفسدوه، ولا على أرض طيبة إلا جعلوا عاليها سافلها. انسابوا في البلاد الإسلامية، وأزالوا الخلافة من بغداد. ولكن (قطز) بالعقيدة والإيمان، والقيادة الحكيمة: حَطَّم صخرتهم في (عين جالوت)، وجعل السيوف تعمل في أقفيتهم، لأول مرة من اندفاعهم المنتصر السريع. وتوالت هجماتهم، ولكن توالى مع ذلك في دفعهم القواد المؤمنون، ومن أعظمهم إيماناً السلطان الناصر قلاوون الذي كان يحمل السيف في أحد أجنحة الحرب مع اللواء شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، الفقيه السلفي، الذي ينير قلوب الجند في الميدان. ١٣ - وإن القائد المؤمن اللواء الركن محمود شيت خطاب يبين أنه في وسط الجو الذي كما وقف فيه المسلمون وقفة المدافعين عن أرضهم ودينهم، بزغ نجم قوي يهاجم، ولا ينتظر حتى يدافع، لأنه قال علي كرم الله وجهه: خير الدفاع ما كان هجوماً.

стр. 26

ذلكم النجم الذي سطع في هذا الديجور هو (محمد الفاتح)، الذي فتح القسطنطينية، وقد رامها من قبل معاوية بن أبي سفيان وملوك بني أمية من بعده، ورامها العباسيون في صدر دولتهم. جاء محمد الفاتح فافتتحها، ودخل الإسلام في ربوع أوروبا من الشرق، كما دخلها في الأندلس من الغرب، وما كان ذلك إلا بقوة إيمانه؛ وكان يدفع قيادته عقيدة قوية جعلته يذعن لما أمر الله تعالى به فيأتمر، وينهاه عنه فينتهي. وجاء من بعد ذلك دخول الإسلام شرق أوروبا في بلاد البلقان. ولما تخلى القواد الأتراك عن الاعتقاد، وعن تسربلهم سربال التقوى في حروبهم، وصار مقصدهم أن تزداد رقعة سلطانهم؛ تخلى عنهم النصر جزاء بما كسبوا. أما بعد، فكتاب صديقنا العظيم اللواء الركن محمود شيت خطاب، كتاب حق وصدق؛ يرشد القواد، ويعلِّم الجند، ويهدي إلى الرشاد. وما أحوج المسلمين والعرب إلى أن يدرسوا ما فيه ويغترفوا مغازيه. وقد ضرب الأمثال الرائعة وجمع الأدلة المقنعة من هنا وهناك في كتابه القيم ليدركه كل معتبِر، ويستبصر به كل مستبصِر؛ والقيادات في أشد الحاجة للأخذ بتعليمه، والسير على نهجه. اللهم احفظ للمسلمين وللعرب ذلك القائد هادياً ومعلماً، وأمدّ في أجله .. والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل. محَمّد أبو زَهرَة

стр. 27

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقَدمَة المؤلفْ (١) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول القائد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. تتابعت أسئلة قائد السرية التي انتسبت إليها، في أول لقاء به، وأول يوم رأيته وتعرفت إليه: "هل تعاقر الخمر؟ هل تلعب الميسر؟ هل تغازل الغيد الحسان"؟. وتكرر جوابي على أسئلته المتعاقبة بالنفي، فظهرت على وجهه بوادر خيبة الأمل، وندب حظه العاثر لالتحاقي بسريته، ثم عبس وتولىّ وهو يقول: "لماذا أصبحتَ ضابطاً؟! ولماذا اخترت سلاح الفرسان؟! ولماذا تعيش؟! الأفضل لك أن تموت". كان ذلك أول درس عملي تلقيته من قائد سريتي، في أول يوم من حياتي العسكرية العملية في الوحدات العاملة، ثم توالت عليّ الدروس المماثلة كاللحن المكرر يعاد على مسامعي صباح مساء. ولم أباغت بما سمعته من قائد السرية، فقد تكاثرت عليّ نصائح

стр. 28

المجربين منذ اعتزمت الالتحاق بالكلية العسكرية: أن أبتعد عن تعاليم الدين الحنيف، وأكيِّف نفسي لتلائم مناخ العسكريين. وبعد تخرجي ضابطاً في الكلية العسكرية سنة ١٩٣٨، التحقت بمدرسة الخيالة في بغداد، فانهالت عليّ الدعوات الشخصية الرسمية التي يسيل الخمر فيها أنهاراً، وانهالت معها عَلَيَّ النصائح والانتقادات؛ وكان اعتذاري عن حضور تلك الحفلات يقابَل بالنقد اللاذع والسخط المرير. ولكنني كنت أتلقى النصح تارة والنقد تارة أخرى، من لِداتي الذين لم يتجاوزوا العشرين وهم شباب في عمر الورد، لا ينقصهم المال والفراغ؛ ولم كن أتوقع أبداً أن أسمع نفس النصح أو النقد من قائد سرية تجاوز الأربعين من عمره، وأمضى في الخدمة العسكرية ما يزيد على العشرين عاماً!!. وشاء القدر ألا يطول استغرابي من تصرف قائد السرية، لأنني وجدت تصرَّف قائد الكتيبة نحوي، وهو الذي تجاوز الخمسين من عمره، وكان ضابطاً مخضرماً قضى شطراً من خدمته العسكرية في الجيش العثماني وشهد الحرب العالمية الأولى، لا يختلف في شيء عن تصرف قائد السرية نحوي، كلاهما يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. وكان من تقاليد الجيش أن تولم الوحدات لضباطها الجدد وليمة، تطلق عليها اسم: "وليمة التعارف والاستقبال"، تقدم فيها الخمر مع ما لذَّ وطاب من الأطعمة الشهية، وقد يصاحب ذلك أنغام الموسيقى والرقص زيادة في الحفاوة والتكريم!.

стр. 29

واستدعاني قائد السرية قبيل انتهاء الدوام الرسمي، وبلّغني بأن الكتيبة ستقيم وليمة التعارف والاستقبال في دار الضباط مساء؛ فلم أستطع التخلف عن حضورها، لأنها أقيمت من أجلي وأجل خمسة ضباط آخرين جدد، هم زملاء دورتي في الكلية العسكرية ومدرسة الخيالة. وقبل أن يسمح لي قائد السرية بالانصراف، غمز عينيه وهو يبتسم ابتسامة الواثق بنفسه ويقول: "لعلك تراجع فكرك اليوم، ولعلني أهديك إلى سر الحياة". وشهدتُ الحفلة مع زملائي في الوقت الموعود، وقَدِمَ قائد الكتيبة يتبختر، فاستقبله الضباط وقوفاً، ثم قَدّم إليه قادة السرايا ضباطهم الجدد، وقدَّمني قائد سريتي قائلاً: "الملازم ضابط خام، يدعي أنه لم يذق طعم الخمر في حياته". وقال قائد الكتيبة: "كيف يكون في سلاح الفرسان ولا يعاقر الخمر؟! هذا غير معقول". وتحرَّج موقفي، وتجمّع الضباط من حولي يرجونني ويطالبونني، ثم يلحون ويلحون، وجاء قائد الكتيبة وقد ملأ كاساً بالخمر، وأمر أن أبدأ صفحة جديدة من حياتي العسكرية بشرب المدام، وأن أتخلى عن تزمُّتي لأصبح ضابطاً حقاً ... ثم أقسم بشرفه العسكري أن أفعل، وأقسم قائد سريتي ألا أرد يد القائد الهمام!. وكان الليل البهيم قد أرخى سدوله، وكانت السماء صافية تتلألأ على صفحاتها النجوم، وكانت مياه (دجلة) تعكس النجوم فتزيدها بهاءً ورونقاً.

стр. 30

وكان قائد الكتيبة برتبة (عقيد)، يحمل على كتفيه رتبته العسكرية، وهي بحساب النجوم اثنتا عشرة نجمة، على كل كتف تاج يعادل أربع نجوم، ونجمتان مع التاج، فيكون مجموع النجوم على الكتفين اثنتي عشرة نجمة. ويومها قلت له: "إنني أطيعك في تنفيذ أوامرك العسكرية، وأطيع الله في أوامره، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ إنك تحمل على كتفيك اثنتي عشرة نجمة، فانظر إلى سماء الله لترى كم تحمل من نجوم". وبهت القائد، وردد: السماء ... ! السماء ... ! نجوم السماء ... وأشاح قائد الكتيبة بوجهه عني، ومضى غضبان آسفاً وهو يقول: "هذا الضابط لا يفيدنا ... لا يفيدنا أبداً". ويومئذ شعرت بأن موقفي ليس مصاولة بيني وبين القائد، ولكنها مبارزة بين إرادته بشراً وإرادة الله خالق البشر. وجلست وح ﷺ السماء. ... (٢) كان الاعتقاد السائد بين أكثر الضباط أن التدين تخلّف وجمود، وأن التقوى بلادة وتواكل. وصمّمت أن أُثبت أن تلك المفاهيم خاطئة، وأن الضابط المتدين حريّ بالتفوق، وأن الدين يستثير الهمم والعزائم، فعزمت ألا أرضى

стр. 31

بالنجاح وحده بل بالتفوق في النجاح؛ وكان سبيلي إلى ذلك العمل الدائب وإتقانه، والحرص الشديد على أداء الواجب وإحسانه، واستيعاب العلوم العسكرية بدقائقها، والسهر على تدريب الجنود وحل مشاكلهم، حتى أصبح رعيلي (١) نموذجياً، يقصده الزائرون من الوحدات الأخرى والأجانب، ويحوز قصب السبق تدريباً وتهذيباً وتنظيماً وضبطاً على رعائل الكتيبة. كنت أحضر الثكنة قبل شروق الشمس، وكنت أغادرها في الهزيع الأول من الليل، وكنت أقضي وقتي كله متعلماً ومعلِّماً ومتدرباً ومدرّباً، وكان من الأمور الاعتيادية أن يصدح بوق النهوض وأنا في الثكنة، فيجدني جنودي منتصب القامة في قاعة نومهم؛ فشاع بين الضباط أنني أصلي الفجر في الثكنة ولا أغادرها إلا بعد صلاة العشاء. كانوا يرددون ذلك بشكل نكتة تستدر الابتسام، ولو أنها كانت تقريراً للواقع. وبهذا الجهد الجهيد، استطعت تكذيب ما أُلصق بالمتدينين ظلماً وعدواناً، واستطعت الاستحواذ على ثقة قادتي وجنودي، وتسنُّم مناصب عسكرية لا يحلم بها زملائي في الرتبة والقِدَم. ونُقلت من كتيبتي إلى منصب ضابط ركن مقر لواء الخيالة في بغداد، وكان قائد اللواء قليل الاختلاط بالضباط، يعرفهم بأعمالهم لا باتصاله الشخصي بهم.

стр. 32

وجاء موسم كتابة التقارير السرية السنوية، والقادة يكتبون كل عام تقريراً سرياً عن ضباطهم، يقوّمون خطياً أعمالهم وسلوكهم، واستناداً على تلك التقارير يُرفَّع الضباط أو يحرمون من الترفيع. وجاءني مقَدّم اللواء ضاحكاً وبيده تقريري السري السنوي بخط قائد اللواء، فإذا به قد سجل إزاء فقرة: "هل يشرب الخمر"؟ في التقرير: "نعم يشربها بالمناسبات". وأخبرت القائد بأنني لم أذق طعم الخمر أبداً، فقال: "كيف لا تشربها وأنت من خيرة الضباط"؟. ودار الزمن دورته، وتخرجت من كلية الأركان، وشهدت عشرات الدورات العسكرية، فرشحت نفسي معتمداً لدار الضباط في الموصل الحدباء. ونجحت قائمتي في الانتخابات، فتنكرتُ لمقصف الدار، وأهملتُه إهمالاً شديداً، وأقمت مسجداً للصلاة؛ وكان في الدار سجل للمقترحات، يتقدم مَن يشاء من الضباط بمقترحاته حين يشاء. وفي يوم من الأيام كتب ضابط من الضباط في سجل المقترحات: "ينقص الدار مقرئ للقرآن الكريم"، وقد أراد بهذا الاقتراح الاحتجاج على إهمال المقصف والاهتمام بالمسجد. وأخيراً أُقيلت لجنة إدارة الضباط التي كانت برياستي قبل انتهاء مدتها، وعينت لجنة جديدة، فعاد الكاس والوتر إلى الدار، وعادت إلى المقصف أيامه السعيدة. ***

стр. 33

(٣) لست بصدد سرد ما عانيته من عنت شديد في حياتي العسكرية لتمسكي بتعاليم الدين الحنيف. ولكنني بصدد إبراز أمثلة حيّة ملموسة، تكشف عن واقع مرير. والذي عانيته عاناه غيري في الجيوش العربية والإسلامية، فثبت قسم على مبادئه، وانهار قسم آخر أمام التيار الجارف العتيد. إن الضابط المتدين لا يجد الطريق أمامه ممهَّداً للنجاح في حياته العسكرية، أما الضابط غير المتدين فالطريق أمامه ممهد مفتوح. والضابط المتدين عليه أن يبهر الآخرين بعلمه وجهده، ويحاسب نفسه حساباً عسيراً عن كل عمل يعمله، حتى لا تؤخذ عليه (هفوة) عابرة صغيرة، فتضخم عليه وتصبح وصمة في سجله. والضابط غير المتدين يحاسب غيره على هفوات مزعومة، لأن المجتمع العسكري يتغاضى عن سيئاته وقد يعتبرها حسنات. والهدف من هذا البحث، تصحيح خطأ شائع بين العسكريين العرب والمسلمين: هو أن العسكرية تتناقض مع التدين، وأن العسكري المتميز لا يكون متديناً. فالقاعدة عند هؤلاء أن يكون الضابط سكيراً عربيداً زير نساء، يرتاد الملاهي ويغشى نوادي الميسر؛ والاستثناء عندهم أن يكون الضابط تقياً نقياً، حمامة المسجد، يعف عن الحرمات، ويبتعد عن

стр. 34

الشبهات. وذلك هو الخطأ الشائع بين العسكريين العرب والمسلمين؛ وما أجسمه من خطأ، وما أخطر نتائجه على العرب والمسلمين!!. والواقع أن التخلي عن العقيدة والتنكر للقيم الدينية، لم يقتصر على الضباط وحدهم، بل شمل أكثر الموظفين ومعظم الناس، وصدق الله العظيم: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ٣٤: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٢: ١٠٣]. ولكنّ نسبة المقبلين على المحرمات المدبرين عن الوازع الديني من الضباط، أكثر من نسبتهم في الموظفين المدنيين وأصناف الناس الآخرين. كما أن أهمية الضباط باعتبارهم قادة الحاضر والمستقبل، خاصة في الأيام الحاسمة المصيرية وهي أيام الحروب، أكثر من أهمية غيرهم من الناس. فما علاقة العقيدة بالقيادة؟ وهل العقيدة من صفات القائد المنتصر؟. ذلك ما سأعالجه بهذا البحث، لعله يعيد الأمور إلى نصابها، ويبدل بالخطأ الشائع الصواب النافع، وحسبنا الله ونعم الوكيل. أما بعد؛ فأعمق الشكر وأعظم التقدير لفضيلة أستاذنا الجليل الشيخ محمد أبو زهرة شيخ العلماء وعالم الشيوخ على مقدمته الضافية، وقد حرصت على إثباتها في الكتاب تقديراً لفضله وعلمه وشجاعته في الدفاع عن الإسلام، ثم هي رأي الدين الحنيف باعتباره من أكبر علماء

стр. 35

المسلمين في العصر الحديث في تقرير العلاقة الوثيقة بين العقيدة والقيادة. والله كبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. وصلى الله على سيدي ومولاي رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. محمود شيت خطاب

стр. 36

العقيدة

стр. 37

العقيدة والقيَادة (١) العقيدة: هي مُثُلٌ عليا يؤمن بها الإنسان، فيضحي من أجلها بالأموال والنفس، لأنها أغلى من الأموال والنفس. وهناك تعاريف كثيرة للعقيدة مسطَّرة في كتب العقائد الإسلامية، وتعاريف أخرى في المصادر القديمة والحديثة، وضعها الفقهاء والفلاسفة والمفكرون والعلماء. ولكن يمكن الاكتفاء بهذا التعريف، لأنه يحدد حوافز التضحية والبذل والفداء في المجال العسكري. إن الطائرات والدبَّابات والأسلحة المختلفة والصواريخ والذخيرة والعتاد، كتل من الحديد صنعها البشر لاستخدامها في الحروب. ولا يزال الإنسان هو المسيطر على كل سلاح وعتاد، وبدونه لا قيمة لكل سلاح وعتاد. ولكن الإنسان لا قيمة له من الناحية العسكرية بدون عقيدة تجمع شمله وتوحِّد صفوفه وتشيع فيه الإنسجام الفكري الذي بدونه لا يتم تعاون ولا اتحاد.

стр. 38

وروح الإنسان أغلى ما يملكه الإنسان، فمن المستحيل أن يضحي بها مقبلاً غير مدبر إلا إذا كانت لديه عقيدة راسخة وأهداف سامية. وكتل الحديد هي السلاح والعتاد، لا جدوى منها ولا فائدة فيها، إذا لم يستعملها إنسان ذو عقيدة راسخة ومُثُل عليا. وكل جيش في العالم مؤلف من عنصرين: عنصر مادي، وعنصر معنوي. وقد كان نابليون بونابارت يقول: "قيمة المعنويات بالنسبة للقوى المادية، تساوي ثلاثة على واحد" أي أن الجيش تكون قيمته ٧٥% من الناحية المعنوية و ٢٥% من الناحية المادية. وقد أيَّد نابليون كثير من العسكريين في الماضي والحاضر، ولكن اللواء (فولر) في كتابه: "الأسلحة والتاريخ" يخالف رأي نابليون في التفاصيل ويتفق معه في المبدأ، وذلك لاختراع القنابل النووية والهيدروجينية والصواريخ عابرة القارات والأجهزة الإلكترونية، وللتحسينات الهائلة التي طرأت على وسائط قذف الأسلحة غير التقليدية وعلى أساليب استعمالها التعبوية والسوقية. وليس هناك شك في أن الأسلحة الحديثة ذات تأثير في الناحية المادية للجيوش الحديثة، إذ جعلت نسبة هذه الناحية - كما يرى فولر - بالنسبة إلى الناحية المعنوية ٥٠% لكل منهما. أي أن الناحية المعنوية لا تزال ذات قيمة عظيمة، حتى بعد ظهور الأسلحة الحديثة، وأن المعنويات كانت ولا تزال وستبقى عاملاً حاسماً في إحراز النصر.

стр. 39

والمعنويات هي العقيدة، وقد أثبت تاريخ الأمم أن الجيوش لا تهزم لقلة موادها بل لضعف عقيدتها. والقيادة: هي الأعمال التي يضطلع بها القائد في قيادة الجنود. وخير تعريف للقيادة قول النبي ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". والقائد: من كان على رأس الجماعة، وكان للجماعة رأساً (١). والقيادة: هي أن يسير القائد بمجموعة من الجند، خاضعين لنظام معيَّن، نحو غرض معين (٢). والقائد: هو ذلك الذي يجعل الناس يتبعونه (٣). فما علاقة القيادة بالعقيدة؟ هل يمكن أن يكون القائد بدون عقيدة؟ هل الوازع النابع من الضمير الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ضروري للقائد ليكون قائداً حقاً، يتبعه رجاله إلى الموت وينفذون أوامره عن طيب خاطر، ويكون موضع ثقتهم في السراء والضراء؟ هل العقيدة الراسخة المنشئة البناءة من صفات القائد المنتصر؟ وللإجابة على ذلك - بشكل موضوعي بعيد عن العاطفة - لا بد من مراجعة تراثنا العربي الإسلامي أولاً، والمصادر العسكرية الحديثة

стр. 40

ثانياً؛ ليعلم الذين لا يزالون في ريب من أثر العقيدة في القيادة، وعلاقة العقيدة بالقيادة، أن القائد الذي لا عقيدة له، لا يمكن أن ينتصر في الحرب، ولا يمكن أن ينجح في السلام؛ وليعرف الذين يظنون أن القائد ينبغي أن يكون منحلاًّ متفسخاً مقدار بعدهم عن الحقيقة، وميلهم مع الهوى، وانحرافهم عن الطريق السوي. ***
следующие страницы →