العقيدة والقيَادة
(١)
العقيدة: هي مُثُلٌ عليا يؤمن بها الإنسان، فيضحي من أجلها بالأموال والنفس، لأنها أغلى من الأموال والنفس.
وهناك تعاريف كثيرة للعقيدة مسطَّرة في كتب العقائد الإسلامية، وتعاريف أخرى في المصادر القديمة والحديثة، وضعها الفقهاء والفلاسفة والمفكرون والعلماء.
ولكن يمكن الاكتفاء بهذا التعريف، لأنه يحدد حوافز التضحية والبذل والفداء في المجال العسكري.
إن الطائرات والدبَّابات والأسلحة المختلفة والصواريخ والذخيرة والعتاد، كتل من الحديد صنعها البشر لاستخدامها في الحروب.
ولا يزال الإنسان هو المسيطر على كل سلاح وعتاد، وبدونه لا قيمة لكل سلاح وعتاد.
ولكن الإنسان لا قيمة له من الناحية العسكرية بدون عقيدة تجمع شمله وتوحِّد صفوفه وتشيع فيه الإنسجام الفكري الذي بدونه لا يتم تعاون ولا اتحاد.
стр. 38
وروح الإنسان أغلى ما يملكه الإنسان، فمن المستحيل أن يضحي بها مقبلاً غير مدبر إلا إذا كانت لديه عقيدة راسخة وأهداف سامية.
وكتل الحديد هي السلاح والعتاد، لا جدوى منها ولا فائدة
فيها، إذا لم يستعملها إنسان ذو عقيدة راسخة ومُثُل عليا.
وكل جيش في العالم مؤلف من عنصرين: عنصر مادي، وعنصر معنوي. وقد كان نابليون بونابارت يقول: "قيمة المعنويات بالنسبة للقوى المادية، تساوي ثلاثة على واحد" أي أن الجيش تكون قيمته ٧٥% من الناحية المعنوية و ٢٥% من الناحية المادية.
وقد أيَّد نابليون كثير من العسكريين في الماضي والحاضر، ولكن اللواء (فولر) في كتابه: "الأسلحة والتاريخ" يخالف رأي نابليون في التفاصيل ويتفق معه في المبدأ، وذلك لاختراع القنابل النووية والهيدروجينية والصواريخ عابرة القارات والأجهزة الإلكترونية، وللتحسينات الهائلة التي طرأت على وسائط قذف الأسلحة غير التقليدية وعلى أساليب استعمالها التعبوية والسوقية.
وليس هناك شك في أن الأسلحة الحديثة ذات تأثير في الناحية المادية للجيوش الحديثة، إذ جعلت نسبة هذه الناحية - كما يرى فولر - بالنسبة إلى الناحية المعنوية ٥٠% لكل منهما. أي أن الناحية المعنوية لا تزال ذات قيمة عظيمة، حتى بعد ظهور الأسلحة الحديثة، وأن المعنويات كانت ولا تزال وستبقى عاملاً حاسماً في إحراز النصر.
стр. 39
والمعنويات هي العقيدة، وقد أثبت تاريخ الأمم أن الجيوش لا تهزم لقلة موادها بل لضعف عقيدتها.
والقيادة: هي الأعمال التي يضطلع بها القائد في قيادة الجنود.
وخير تعريف للقيادة قول النبي ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".
والقائد: من كان على رأس الجماعة، وكان للجماعة رأساً (١).
والقيادة: هي أن يسير القائد بمجموعة من الجند، خاضعين لنظام معيَّن، نحو غرض معين (٢).
والقائد: هو ذلك الذي يجعل الناس يتبعونه (٣).
فما علاقة القيادة بالعقيدة؟ هل يمكن أن يكون القائد بدون عقيدة؟ هل الوازع النابع من الضمير الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ضروري للقائد ليكون قائداً حقاً، يتبعه رجاله إلى الموت وينفذون أوامره عن طيب خاطر، ويكون موضع ثقتهم في السراء والضراء؟ هل العقيدة الراسخة المنشئة البناءة من صفات القائد المنتصر؟ وللإجابة على ذلك - بشكل موضوعي بعيد عن العاطفة - لا بد من مراجعة تراثنا العربي الإسلامي أولاً، والمصادر العسكرية الحديثة
стр. 40
ثانياً؛ ليعلم الذين لا يزالون في ريب من أثر العقيدة في القيادة، وعلاقة العقيدة بالقيادة، أن القائد الذي لا عقيدة له، لا يمكن أن ينتصر في الحرب، ولا يمكن أن ينجح في السلام؛ وليعرف الذين يظنون أن القائد ينبغي أن يكون منحلاًّ متفسخاً مقدار بعدهم عن الحقيقة، وميلهم مع الهوى، وانحرافهم عن الطريق السوي.
***
стр. 41
مَع التراث العَرَبي الإسْلاَمي
(١)
إن تراثنا العربي الإسلامي، عريق جداً في ذكر صفات القائد بكل دقة وشمول، بحيث يَعجب المتتبع لهذا التراث بأصالة بحوثه العسكرية ودقتها وشمولها، وحتى ليخيل إليه أن صفات القائد في تراثنا أكثر دقة وأعمق تفصيلاً وأشمل بحثاً مما هي عليه في الكتب الأجنبية الصادرة في القرن العشرين.
إن العرب قادوا الحضارة العالمية قروناً طويلة، وحين كان العرب في المشرق والمغرب يعيشون بنور العلم والمعرفة، كان الغرب في ظلام الجهل والتخلّف.
وقد كانت آثار العرب العلمية التي انبعثت من الأندلس إلى أوروبا، وآثارهم التي اقتبسها الصليبيون من المشرق العربي في أيام الحروب الصليبية ويمَّموا بها شطر بلادهم، هي الأسس الرصينة لحضارة أوروبا منذ عصر النهضة حتى اليوم.
ومن هذه الحضارة العربية الإسلامية العريقة: العلوم العسكرية، فقد اقتبسها الأوروبيون من العرب ثم طوّروها، فأصبحت شاهقة البنيان على أسس عربية إسلامية متينة.
стр. 42
والتراث العربي الإسلامي في الناحية العسكرية، يملأ مكتبات أوروبا ومتاحفها، وتزخر به مكتبات المخطوطات العربية في شتى أصقاع الدنيا. وحسبنا أن نذكر كتاب: (فهرست ابن النديم)، الذي عدَّد فيه: "الكتب المؤلفة في الفروسية وحمل السلاح، وآلات الحرب والتدبير والعمل بذلك لجميع الأمم"، لنلمس بوضوح أي تراث عسكري أصيل كان للعرب والمسلمين منذ أقدم العصور.
ومن موازنة ما جاء في: (فهرست ابن النديم) عن الكتب العسكرية التي اطّلع عليها هو في عصره، بالكتب العسكرية العربية الإسلامية المعروفة في الوقت الحاضر، يتبين لنا أن كثيراً من التراث العربي الإسلامي في العلوم العسكرية لا يزال مفقوداً (١).
ولكن ما وصل إلينا من المخطوطات العسكرية العربية، يدل على أن العرب المسلمين بلغوا شأواً بعيداً في العلوم العسكرية، وأنهم لم يقتصروا على الفلسفة والعلوم العقلية والنقلية والتاريخ وعلوم القرآن والحديث والأدب، بل كان لهم في العلوم العسكرية الفنية باع طويل وقدم راسخة.
وإذا كانت العلوم والآداب والفنون التي أتقنها العرب والمسلمون مهمة إلى أبعد الحدود لمسيرة الحضارة العالمية، فإن العلوم العسكرية لا تقل أهمية في حال من الأحوال عن العلوم والآداب والفنون الأخرى، لأنه بتطبيق هذه العلوم عملياً صان العرب حضارتهم ونشروا معارفهم وحموها من الغزو الخارجي.
стр. 43
وحين كان العرب يطبقون تلك العلوم العسكرية نصاً وروحاً في الإعداد العسكري وفي ميادين القتال، أصبحت لهم قوة ضاربة صانت كرامتهم ورفعت شأنهم؛ وحين تركوا تطبيقها عملياً، ذلوا واستكانوا وتداعت عليهم الأمم.
إن علوم العرب والمسلمين العسكرية في ميدان البحث النظري وفي ميدان التطبيق العملي، دليل قاطع على سعة اطلاعهم ومهارتهم في العلوم العسكرية. وهذه العلوم تعطي الجواب المقنع للمتسائلين: كيف بلغ العرب والمسلمون ما بلغوا في إعداد قواتهم العسكرية للحرب؟ وكيف استطاعوا الانتصار على أعدائهم في ميادين القتال؟
...
(٢)
والتراث العربي الإسلامي زاخر بالحديث عن: صفات القائد، وهي مُسَطَّرة في بعض الكتب العسكرية الفنية وكتب الفقه الإسلامي أيضاً.
ومصادر التراث العربي الإسلامي كثيرة جداً، لذلك سأقتصر على ما ورد في بعض الكتب المطبوعة والمخطوطة، كما سأقتصر على ما ورد فيها عن صفة: "العقيدة" من بين صفات القائد الأخرى.
وقد اخترت خمسة كتب، وهي على حسب تاريخ تأليفها: "مختصر سياسة الحروب" للهرثمي صاحب المأمون، و: "الأحكام السلطانية" للماوردي، و: "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى. و: "السياسة الشرعية"
стр. 44
لابن تيمية، و: "الأدلة الرسمية في التعابي الحربية" لمحمد بن منكلي.
جاء في كتاب: "مختصر سياسة الحروب" (١) للهرثمي الذي عاش إلى ما بعد سنة (٢٤٣هـ) (٢) في الباب الأول: "في أن نظام الأمر تقوى الله والعمل بطاعته" ما نصه: "فينبغي لصاحب الحرب أن يجعل رأس سلاحه في حربه تقوى الله وحده وكثرة ذكره، والاستعانة به، والتوكل عليه، والفزع إليه، مسألته التأييد والنصر، والسلامة والظفر؛ وأن يعلم أن ذلك إنما هو من الله جلّ ثناؤه لمن شاء من خلقه كيف شاء، لا بالأرَب (٣) منه والحيلة، والاقتدار والكثرة؛ وأن يبرأ إليه جلّ وعزّ من الحول والقوة، في كل أمرٍ ونهي ووقت وحال، وألا يدعَ الاستخارة لله في كل ما يعمل به، وأن يترك البغي والحقد، وينوي العفو، ويترك الانتقام عند الظَّفر، إلا ما كان لله فيه رضا، وأن يستعمل العدل وحسن السيرة، والتفقد للصغير والكبير بما فيه مصلحة رعيته، وأن يعتمد في كل ما يعمل به في حربه طلب ما عند ربه ، ليجتمع له به خير الدنيا والآخرة. . .
"فليتَّقِ ربَّه، وليصدُقْ يقينُه، ويتجنَّب الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة، مع ما ينال صاحبه من عاجل عقوبات الدنيا، ولا يعمل بشيء من كتابنا هذا ولا بغيره إلا بما كان لله فيه رضى، وبالله العصمة ومنه النصر (٤).
وجاء في الباب الثالث من هذا الكتاب: "في ذكر فضائل الرئيس
стр. 45
وأصحابه" ما نصه: "أن يكون حسن السيرة، عفيفاً، صارماً، حذراً، متيقظاً، شجاعاً" (١).
...
(٣)
وجاء في كتاب: "الأحكام السلطانية" (٢) لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي المتوفى سنة (٤٥٠هـ) (٣) - الباب الرابع، "في تقليد الإمارة على الجهاد" ما نصه: "ولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب ولا في غيرها ما لم يقاتلوا، لنهي رسول الله ﷺ عن قتلهم. ونهى النبي ﷺ عن قتل العسفاء والوصفاء. والعسفاء: المستخدمون، والوصفاء: المماليك" (٤). وقال: "أن يَعِدَ -يقصد القائد- أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله لو كانوا من أهل الآخرة، وبالجزاء والنفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران ٣: ١٤٥]، وثواب الدنيا الغنيمة، وثواب الآخرة الجنة" (١). وقال: "أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تعالى من حقوقه، وأمر به من حدوده، حتى لا يكون بينهم تجوّر في دين ولا تحيُّف في حق؛ فإنّ مَنْ جاهد عن الدين كان أحق الناس بالتزام أحكامه، والفصل بين حلاله وحرامه. وقد روى حارث بن نبهان عن أبان بن عثمان عن النبي ﷺ أنه قال: "انهَوا جيوشكم عن الفساد، فإنه
стр. 46
ما فسد جيش قط إلا قذف الله في قلوبهم الرعب، وانهوا جيوشكم عن الغلول (١)، فإنه ما غلّ جيش قط إلا سلط عليه الله الرَّجْلة (٢)، وانهوا جيوشكم عن الزنا؛ فإنه ما زنا جيش قط إلا سلط الله عليهم الموتان" (٣). وقال أبو الدرداء: "أيها الناس! اعملوا صالحاً قبل الغزو، فإنما تقاتلون بأعمالكم" (٤). وقال: "وأن يقصد بقتاله نصرة دين الله تعالى وإبطال ما خالفه من الأديان، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٩: ٣٣]، فيكون بهذا الاعتقاد حائزاً لثواب الله تعالى، ومطيعاً له في أوامره ونصرة دينه، ومستنصراً به على عدوه، ليستسهل ما لاقى، فيكون أكثر ثباتاً وأبلغ نكاية. ولا يقصد بجهاده استفادة المغنم، فيصير من المتكسبين لا من المجاهدين" (٥).
وقال: "من أحكام هذه الإمارة مصابرة الأمير قتال العدو ما صابر، وإن تطاولت به المدة، ولا يولِّي عنه وفيه قوَّة" (٦).
وجاء في كتاب "الأحكام السلطانية" (٧) للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي المتوفى سنة (٤٥٨هـ) (٨) في باب: "تقليد الإمارة
стр. 47
على الجهاد" ما نصه: "ألا يُمَالِىء من ناسبه، أو وافق رأيه ومذهبه، على من باينه في نسب، أو خالفه في رأي ومذهب، فيظهر من أحوال المباينة ما تفترق به الكلمة الجامعة، تشاغلاً بالتقاطع والاختلاف" (١). وقال: "أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تعالى من حقوقه، حتى لا يكون بينهم تَجَوُّرٌ في الدين" (٢).
وقال: "أن يقصد بقتاله نصرة دين الله تعالى، وإبطال ما خالفه من الأديان، فيكون مطيعاً لله في أوامره، ولا يقصد في جهاده استفادة المغنم، فيصير من المتكسبين لا من المجاهدين. وأن يؤدي الأمانة فيما حازه من المغانم، ولا يَغُل أحد منهم شيئاً حتى تُقْسَمَ بين جميع الغانمين ممن شهد الوقعة، وكانوا على العدو يداً واحدة، لأن لكل واحد منهم فيها حقاً" (٣). وقال: "مصابرة الأمير قتال العدو، وأن يطاول به المدة، ولا يولِّي عنهم وفيه قوّة" (٤).
...
стр. 48
(٤)
وجاء في كتاب "السياسة الشرعية" (١) لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨هـ) (٢) في الفصل الأول من الباب الأول: "استعمال الأصلح" ما نصه: "فيجب على كل من ولِّي شيئاً من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع، أصلح من يقدر عليه، ولا يقدِّم الرجل لكونه طلب الولاية أو سبق في الطلب، بل ذلك سبب المنع، فإن في الصحيحين عن النبي ﷺ : (أن قوماً دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال: (إنا لا نولِّي أمرنا هذا من طلبه). وقال لعبد الرحمن بن سُمرة: (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعْطِيتها من غير مسألة أُعِنتَ عليها، وإن أُعطيتها عن مسألة وُكلتَ إليها). أخرجاه في الصحيحين ... فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو وَلاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب. أو لضغن (٣) في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ... ".
"فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات،
стр. 49
أو يعطيه ما لا يستحق، فيكون قد خان أمانته. وكذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه، بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه (١) في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته. ثم إن المؤدِّي للأمانة مع مخالفة هواه، يثبِّته الله فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده؛ فيذل أهله ويذهب ماله. وفي ذلك
الحكاية المشهورة، أن بعض خلفاء بني العباس، سأل بعض العلماء أن يحدِّثه عما أدرك فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أَقْفَرْتَ أفواه بنيك (٢) من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم. وكان في مرض موته فقال: أدخلوهم عليّ؛ فأدخلوهم، وهم بضعة عشر ذكراً، ليس فيهم بالغ. فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بَنيّ! والله ما منعتكم حقاً هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله ... قوموا عني. قال: فلقد رأيت بعض ولده، حمل على مئة فرس في سبيل الله، يعني: أعطاها لمن يغزو عليها ... ".
"قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين، من أقصى المشرق - بلاد الترك - إلى أقصى المغرب - بلاد الأندلس وغيرها - ومن جزائر (قبرص) (٣) وثغور الشام والعواصم كطرسوس (٤) ونحوها، إلى أقصى اليمن.
стр. 50
وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئاً يسيراً، يقال أقل من عشرين درهماً! ... ".
"قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمئة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس - أي يسألهم بكفِّه" (١).
وقال: "فالقوّة في إمارة الحرب، ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال، من رمي وطعن وضرب، وركوب وكرٍ وفرٍ، ونحو ذلك" (٢).
وقال: "والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً، وترك خشية الناس" (٣).
ويقول في الفصل الثامن وهو: "جهاد الكفار" من الباب الأول من القسم الثاني، في سياق واجبات ولي الأمر بالأمر بالصلاة ما نصه: " ... يجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في المعاملات وغير ذلك.
"فمن كان لا يصلي من جميع الناس رجالهم ونسائهم، فإنه يؤمر بالصلاة، فإن امتنع عوقب حتى يصلي بإجماع العلماء. ثم إن أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصلِّ، فيُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل. هل يُقتل كافراً أو مرتداً أو فاسقاً؟.
стр. 51
على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره. والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره، وهكذا مع الإقرار بالوجوب".
"فأما من جحد الوجوب، فهو كافر بالاتفاق. بل يجب على الأولياء (١) أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعاً، ويضربوه عليها لعشر، كما أمر النبي ﷺ حيث قال: (مروهم لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع).
"وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارة الواجبة ونحوها، ومن تمام ذلك تعاهد (٢) مساجد المسلمين وأئمتهم، وأمرهم بأن يصلوا بها صلاة النبي ﷺ حيث قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر فقال: (إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي).
"وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم، فلا يفوتهم ما يتعلّق بفعله من كمال دينهم، بل على إمام الصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة، ولا يقتصر على ما يجوز للمنفرد الاقتصار عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر، وكذلك على إمامهم في الحج، وأميرهم في الحرب.
ألا ترى أن الوكيل والوليَّ في البيع والشراء، أن يتصرف لموكله ولمولِّيه على الوجه الأصح في ماله، وهو في مال نفسه يفوت نفسه ما شاء؟ فأمرُ الدين أهم، وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى".
"ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس، صلح للطائفتين دينهم
стр. 52
ودنياهم، وإلا اضطربت الأمور عليهم. وملاك ذلك كله، حسن النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه، فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ١ - ٥]، فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما يجمعان معاني الكتب المنزَّلة من السماء ...
"وأعظم عون لولي الأمر خاصة، ولغيره عامة، ثلاثة أمور، أحدها: الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره، وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن. والثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة. والثالث: الصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب. ولهذا جمع الله بين الصلاة والصبر كقوله تعالى في موضعين: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ١١٤ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) [هود ١١: ١١٤ - ١١٥]. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه ٢٠: ١٣٠]. وكذلك في سورة ق: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [سورة ق ٥٠: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر ١٥: ٩٧ - ٩٨].
"وأما قرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جداً، فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر، يصلح حال الراعي والرعية، إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة: يدخل في الصلاة من ذكر الله ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه، وفي الزكاة
стр. 53
بالإحسان إلى الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج" (١). وجاء في كتاب: "الأدلة الرسمية في التعابي الحربية" (٢) لمحمد بن منكلي نقيب الجيش في سلطنة الأشرف شعبان على مصر (٧٦٤ - ٧٧٨هـ)، وقد ألف هذا الكتاب في سنة (٧٧٠هـ) (٣) ما نصه: "إن تقوى الله هي العمدة العظمى والفوز الأكبر الأعلى".
وقال: "ويلزم أمير الجيش أن يؤلِّف بين قلوب رفقائه، وأن يراعي في جيشه ما أوجبه الله من حقوقه". وقال في صفات أصحاب المشورة الذين نطلق عليهم في المصطلحات العسكرية الحديثة تعبير "ضباط الركن" ما نصه: "أن يكون متقياً لله ، وأن تكون محبته خالصة لله صادقة"، ثم قال (٤): " ... وهو البغية العزيزة الغريبة التي لا تكاد توجد إلا في بعض الأعصار (٥)، وسبب ذكري لها لأنه ممكن وجودها في الأنفس المتجوهرة بنور الله . وصاحب هذه الطريقة إذا استشير فيما يعلمه ربما استمع هاتفاً إما من داخل صنعاء باطنه النزيه أو من خارج من أحد الجهات من يرشده لوجه الصواب في المسألة، أو يرى مناماً يدل على مقصوده".
وألمح من بعيد علامات الاستغراب التي يبديها قراء هذا الذي ذكره محمد بن منكلي ﵀، وألمح تلك العلامات يظهرها السامعون.
стр. 54
ولكن الذي آمله ألا يطول استغرابهم، فسأذكر ما قاله المشير مونتكومري في كتاب: "السبيل إلى القيادة" وشيكاً، فقد ذهب إلى مدى أبعد مما ذهب إليه ابن منكلي، فربما يطربهم ما يقوله المشير البريطاني ولا يطربهم مُغنِّي الحي، وقد يداوي تراب (البعيد) رمد عيونهم ولا يداويها تراب (القريب).
إن القضايا المعنوية كثيرة جداً، والكثير منها يعجز العقل والمنطق عن تعليله، ولكنها موجودة على كل حال - وخاصة في النفوس التقية النقية الورعة التي تستمد نورها من نور الله -.
وكل واحد من البشر، لمس في نفسه بعض القضايا المعنوية التي لا يستطيع لها تعليلاً.
فإذا شك فيما يرويه له غيره، فهل يشك فيما يلمسه في نفسه بنفسه؟!.
***
стр. 55
مَع المشير مونتكومري
(١)
تعمَّدتُ إيراد صفة: "العقيدة" التي هي من أهم صفات القائد المنتصر كما وردت ببعض مصادر التراث العربي الإسلامي الفقهية والعسكرية لأسباب ثلاثة: الأول: لموازنة ما ورد عن صفة العقيدة في تراثنا بما ورد عنها في المصادر العسكرية الحديثة، لطرد الاستعمار الفكري البغيض الذي غزا عقول العرب والمسلمين في العصر الحديث، فجعلهم يستهينون بتراثهم الحضاري العريق بلا مسوِّغ؛ إذ ستُبرز هذه الموازنة أصالة تراثنا وعمقه وشموله.
الثاني: إثبات أن صفة: "العقيدة" تعتبر من أهم صفات القائد المنتصر ليس في تراثنا فقط، بل في المصادر العسكرية الحديثة المعتمدة أيضاً.
الثالث: استخلاص صفة: "العقيدة" استناداً إلى التراث التليد والفن العسكري الجديد، حتى نتبين وجه الحق بشكل قاطع سليم، وحتى لا يبقى شك في أهمية العقيدة للقائد المنتصر.
стр. 56
وتعمَّدتُ إيراد صفة: "العقيدة" التي هي من أهم صفات القائد المنتصر كما وَرَدَت في أهم المصادر العسكرية الحديثة، لأسباب ثلاثة أيضاً: الأول: إقناع من لا يقنع إلا بما يقوله الأجانب - وما أكثرهم بين ظهرانينا، ومن هؤلاء من يقنع بأقوال العسكريين في المعسكر الشرقي، ومنهم من يقنع بأقوال العسكريين في المعسكر الغربي، لذلك؛ حرصت على إيراد أقوال بعض الشرقيين والغربيين.
الثاني: تصحيح ما علق بأذهان العسكريين العرب والمسلمين وغير العسكريين أيضاً، بأن العرب والمسلمين القدماء يهتمون بالعقيدة وحدهم، وأن العسكريين المحدثين في الغرب والشرق لا يهتمون بالعقيدة والمثل العليا.
الثالث: إعادة العسكريين الذين يحبون بكل جوارحهم أن يستعيدوا حقوق العرب في الأرض المقدسة، إلى طريق الحق والصواب، وقطع دابر الانحلال الخلقي والميوعة والضياع الذي يعانيه العسكريون قسم من العرب والمسلمين في هذه الظروف التي يجتازها العرب والمسلمون وهم في حرب مصيرية أصابت شرفهم وبلادهم بأفدح الخسائر والأضرار، وذلك بالعودة إلى عقيدتهم ومُثُلهم العليا، إذ لم يغلبوا من قلة أشيائهم، ولكن من ضعف عقيدتهم كما ذكرت سابقاً.
***
стр. 57
(٢)
سأسلط الأضواء على ما جاء عن صفة: "العقيدة" في القائد العسكري مقتبسة من كتاب المشير مونتكومري (لورد) العَلَمَيْن وعنوانه: "السبيل إلى القيادة" الذي صدر في لندن سنة ١٩٦٢، ويعتبر هذا الكتاب من آخر الكتب العسكرية المعتمدة التي صدرت أخيراً، ومن أهمها أيضاً.
وهذا الكتاب مبني على تجارب عملية استغرقت خمسين سنة في الخدمة العسكرية، تَدَرَّج خلالها مؤلفه من الرتب العسكرية الصغيرة إلى أعلى الرتب العسكرية، وشغل المناصب القيادية وواجبات الأركان في الحرب العالمية الثانية وبعدها في بريطانيا، وأصبح رئيساً لأركان حرب إنكلترا ونائباً للقائد الأعلى لحلف الأطلسي، كما أصبحت له شهرة عالمية بعد انتصاره في معركة (العَلَمَين) على قوات المحور التي كانت بقيادة المشير رومل، وفي الإنزال في نورماندي، حتى وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.
يصف مونتكومري المسيح ﵇، بأنه أعظم زعيم عرفه التاريخ (١)، ولا غرابة في ذلك، لأنه مسيحي شديد التدين.
ويقول عن القائد: "يجب أن يكون القائد خادماً للحقيقة، وأن يجعل هذه الحقيقة لغرض عام. ثم يجب أن تكون لدى القائد قوة
стр. 58
(السجية) التي من شأنها أن توحي إلى الآخرين بأن يتبعوه عن ثقة. إن كلاً من الحقيقة والسجية ضروري للقائد، ويجب أن تشتمل السجية على قوة الإرادة.
"ولكن ما هي السجية؟ إذا أريد التعبير عنها بإيجاز فهي: أن تعرف ما تريده، وأن تملك العزم على عمله، وأن تعمله بطريقة توحي بالثقة إلى الناس الذين حواليك أو الذين أنت مسؤول عنهم.
"ويجب أن يكون القائد متفائلاً تفاؤلاً يسري تأثيره في مرؤوسيه، وأن يكون لديه العزم على الثبات في وجه المصاعب؛ ويجب أن يبعث الثقة في النفوس، معتمداً على المبادئ والموارد المعنوية في إنجاز عمله بصورة صحيحة، حتى عندما لا يكون هو نفسه واثقاً وثوقاً تاماً بالنتيجة المادية" (١).
ويقول: "إن العناصر الأساسية للقيادة توجد في الإنسان نفسه، في إخلاصه، وفي إيثاره، وفيما إذا كان لديه الحل الصحيح" (٢).
ويتساءل: "هل من علاقة للدين بالقيادة"؟ ثم يجيب على تساؤله: "لا يستهوي القائد الكثيرين من الناس إن لم يتحلَّ بالفضائل الدينية" (٣).
ومجمل الفضائل الدينية التي يراها مونتكومري هي (٤):
стр. 59
"الهدى:
وهي عادة إرجاع جميع الأمور إلى الإرشاد الإلهي (١) وإلى هذه الفضيلة تستند الحكمة والإنصاف وحسن التصرف".
"العدالة:
وهي عادة إعطاء كل فرد حقه، حق الله والإنسان نفسه، وإلى هذه الفضيلة تستند الواجبات الدينية والطاعة والشكران، وكذلك النزاهة والاستقامة وحسن النية نحو الآخرين".
"الانضباط:
وهي السيطرة على النفس لغرض تطوير الطبيعة البشرية إلى أرفع المستويات، وللأغراض الشخصية والاجتماعية أيضاً، وإلى هذه الفضيلة يستند الطهر والتواضع والصبر".
"الجلادة:
وهي الروح التي تقاوم وتتحمل وتتغلب على محن الحياة وإغراءاتها، وإلى هذه الفضيلة تستند الشجاعة الأدبية والمثابرة وضبط النفس".
ثم يقول: "اجعل غرضك الأكبر واضحاً، ودع عنك كل ما يعرقل بلوغ هذا الغرض، وتمسَّك بقوة بكل ما يساعدك على بلوغه، ومن ثم تقدم نحو إدراكه بضمير حي نقي وبشجاعة وإخلاص، وبروح مجردة عن الأنانية" (٢).
стр. 60
ثم يذكر أن محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام، كان من أعظم القادة في كل الأزمان (١).
...
(٣)
ويمضي مونتكومري فيتساءل: "هل الحياة الخاصة للقائد إحدى
أسباب نفوذه ونجاحه"؟ ويرد على تساؤله: "في رأيي الخاص في هذه القضية بعينها، بل جميع القضايا الأخرى، أن العامل الأكبر هو إخلاص المرء ونفوذه وكونه قدوة، وخاصة فيما يتعلق بالفضائل الدينية، ولا يهم أن يكون من الطبقة العليا أو السفلى في مجتمعنا. .
إنني لا أدري كيف يستطيع امرؤ أن يكون قائداً، إن لم تكن حياته الخاصة فوق الشبهات؛ فإن لم تكن حياته الخاصة فوق الشبهات، فلا يحترمه الذين يقودهم، ويسحبون ثقتهم منه. وإذا ما حدث ذلك، فستفقد قيادته تأثيرها" (٢).
ويقول: "على أنني أعتقد بأن الاستقامة في القضايا المعنوية الكبرى (٣) وفي الفضائل الدينية، أمر ضروري لنجاح القائد" (٤).
ويقول: "إن الميزة الأولى للقائد الذي ننشده، هي أن يكون
стр. 61
مخلصاً إخلاصاً عميقاً وعظيماً وحقيقياً. والإخلاص الذي أعنيه، هو النوع الذي ينبعث من القائد دون تكلف، فهو فيه بالطبيعة، وهو لا يملك إلا أن يكون مخلصاً.
"ويضاف إلى الإخلاص نكران الذات، وأعني بذلك الولاء التام للقضية التي يخدمها من غير أن يفكر في جزاء أو شكور" (١).
ويقول: "لقد اقتضت القيادة العسكرية دوماً مهارة فنية، وقوة وخصالاً روحية، وكلا هذين ضروري للقائد" (٢).
ويقول في معرض انتقاد سلوك نابليون: "ولكن يجب أن نسجل هنا أنه كان مدفوعاً بتأثير طمع أناني شرير، وليس بحثاً عن المُثُل العليا" (٣).
وفجأة يحذر الغربيين من جيوش تغزوهم من الشرق، كما غزاهم العرب المسلمون وجنكيز خان فيقول: "لا شك أنه يجب ألا نستهين بالقوات الآسيوية، فمن مناطق آسيا الشاسعة قد تأتي مرة أخرى قوة غازية يجب أن يستعدّ العالم الغربي لمجابهتها" (٤)، وبذلك يكشف عن نعرته الصليبية الاستعمارية، كأن أوروبا يجب أن تَحْكُمَ أبداً، وكأن آسيا يجب أن تُحكَم أبداً!!! ويقول في معرض الثناء على المشير (هيغ) القائد البريطاني في الحرب العالمية الأولى: "ولكنه كان رجلاً ذا خلق متين، شجاعاً وذا عزم عظيم" (٥).
стр. 62
كما يقول عن المشير (غورت) القائد البريطاني في الحرب العالمية الثانية: "فقد كان مستقيماً وذا خلق متين، متصفاً بصفات ممتازة كالشجاعة والنزاهة" (١).
كما يقول عن المشير (ويفل) القائد البريطاني في الحرب العالمية الثانية: "لم أنفك عن الإعجاب بشجاعته ونزاهته في يوم من الأيام" (٢).
ويقول: "يجب أن يكون القائد مستقيماً كل الاستقامة" (٣).
ويلخص رأيه في القائد المنتصر فيقول: "ما من قائد عام عصري يستطيع النجاح في قيادته إذا أخفق في فهم العوامل البشرية في الحرب، فينبغي أن يكون دارساً للطبيعة البشرية، مدركاً حق الإدراك الحقيقة القائلة: إن المعارك تكسب في قلوب الرجال أولاً، وإن التزام جانب العدل أمر حيوي عند إدارة الرجال والنساء أيضاً.
وإني أعتقد أنه يجب أن يكون لدى القائد العام للجيوش الكبيرة في الميدان، يقين باطني مبني على العقل، ولكنه يعلو مع ذلك فوق العقل. إن هذا الحس هو الذي يمكنه في كل لحظة معينة من المعركة - وهي اللحظة المناسبة - من اختصار الطريق إلى هدفه، فيبلغه في وقت أسرع وأضمن من القادة الآخرين، الذين لا يقلُّون عنه حرصاً ولكنهم دونه إلهاماً" (٤).
стр. 63
وهو يرى أن القادة العظام يجب ألا تعوزهم القدرة اللامتناهية للاهتمام والتهيؤ للأحداث المتوقعة، ويملكون الإيمان والإلهام واليقين (١).
ثم يقول: "وأخيراً في وسعنا أن نلخص ذلك بأن القائد العام إذا أراد النجاح في ممارسة القيادة العليا في الحرب، وجب أن يكون ذا مقدرة لامتناهية لبذل الجهد والتهيؤ المتقن، ويجب أن يكون ذا يقين باطني يسمو أحياناً فوق العقل" (٢).
وهنا ألمح من بعيد أيضاً علامات (الاستغراب) التي أبداها قراء ما سطَّره محمد بن منكلي وسامعوه، تنقلب فجأة إلى علامات (استحسان) عند قراءتهم أو سماعهم ما سطَّره مونتكومري عن: أهمية اليقين الباطني والإلهام للقائد، ذاهباً إلى مدى أبعد مما ذهب إليه محمد بن منكلي، مع اختلاف المكان والزمان الذي عاش فيه القائدان! هل لأن ابن منكلي عربي مسلم من الشرق، ومونتكومري بريطاني مسيحي من الغرب؟! إني أطالب منتقدي محمد بن منكلي أن يوجهوا نقدهم إلى مونتكومري، إذا استطاعوا! ولكنهم لن يستطيعوا ... ولن يفعلوا ...
...
стр. 64
(٤)
ويتابع مونتكومري كلامه عن أهمية العقيدة للقائد، فيحث القادة بصفته مسيحياً على الاقتداء بالسيد المسيح ﵇ فيقول: " ... فالمسيح قد قَدَّم إلى أتباعه مجموعة من المبادئ، ومثالاً من نفسه لا يُنسى. وهذا ما يجب أن يفعله القادة الوطنيون في يومنا هذا، وهو ما ينقصهم على ما يظهر! وعلى القادة الوطنيين في العالم الحر، أن ينظروا إلى التناقض بين السلطة والعقيدة الدينية بمنظار أحسن" (١).
ويمتدح الملك (أَلفْرِدْ) العظيم أحد ملوك بريطانيا الذي تَسَنَّم المُلْكَ سنة (٨٧٢ م)، فيقول عنه: "أخذه أبوه الملك (إثلوف Ethelwulf) في رحلة إلى الحج في روما، وربما كان تأثير تلك الرحلة في أوروبا ومناظر مدينة روما العظيمة وخرائبها هي التي ولَّدت فيه الإلهام الذي بعثه في الأخير على تعليم نفسه وشعبه فنون المعرفة والنظام" (٢)، ثم يقول واصفاً حربه على الدانماركيين (٣) الذين لم يكونوا وقتئذ قد اعتنقوا المسيحية، وكان السبب الأول لهجماتهم على بريطانيا القضاء على المسيحية فيها، وكان الملك (ألفرد) يدافع عن المسيحية ضد الغزاة: " ... وفي السنوات الخمس الأولى من حكمه، قاد شعبه التعس في معارك
стр. 65
مستمرة على الدانماركيين رافضاً الاستسلام إلى الأعداء الكافرين" (١). ثم أثنى عليه ثناء عاطراً، لأنه أظهر جميع الفضائل المسيحية التي بنيت عليها حياته (٢)، ومن الواضح أن مونتكومري أعجب بهذا الملك لأنه كان متديناً، ولأنه دافع عن الدين: "وهكذا أنقذ (ألفرد) انكلترا بحكمته ومهارته العسكرية، وأعطى المسيحية أملاً جديداً" (٣). ولأنه: "تعلم القراءة، ثم ترجم بنفسه إلى لغة بلاده الديانة المسيحية للأديرة والمعلومات التي تزوِّد شعبه بالمعرفة والحكمة ... ما كان أعظمه رجلاً! كان على العموم مسيحياً صادقاً، يمارس كل الفضائل المسيحية" (٤).
ويبدي مونتكومري إعجابه به (أوليفر كرومول) لأنه كان متديناً أيضاً: "وهنا لا بد من ذكر صفة أخرى من صفاته. لقد كان (أوليفر) حاد المزاج سريع الغضب، يثور فجأة وقد يسوقه ذلك في كثير من الأحيان إلى الخشونة والعنف، ولكن تديُّنه كان يساعده في هذه
стр. 66
الأحوال، فيندم على أخطائه بسرعة" (١). ثم يقول عنه: "وكان ذا إيمان ديني عاطفي" (٢). ويقول أيضاً عنه: "كان يوفّق بين كل عمل من أعماله وفقرات من الإنجيل" (٣).
ويقول عن (ابراهام لنكولن): "كان كثير الأمانة والإخلاص" (٤) و: "إن الإنجيل كان موجوداً في بيته ولا شك، بل ربما كان الإنجيل هو الكتاب الوحيد فيه، على أننا نلحظ قراءته للإنجيل من خطبه وكتاباته الأخيرة" (٥).
و: "كان سلوكه من حيث الأساس مسيحي الأصول دائماً، ويبدو أنه كان يتبع طبيعياً التعاليم التي ذكرها المسيح في الخطبة التي ألقاها في الجبل (٦)، ولم يكن ذلك تظاهراً منه بالتقوى، بل لأنه كان يعتقد بأن الفضائل الدينية هي فضائل ديمقراطية أيضاً، فهي تهدي الناس إلى أن يعيشوا حياة كريمة محترمة" (٧).
...
стр. 67
(٥)
ولا يكتفي مونتكومري بالإعجاب الشديد بالمتدينين من أهل دينه، بل يحاول أن ينعت المتمسكين بالمثل العليا من غير أهل دينه، بأنهم متمسكون بالفضائل المسيحية.
يقول عن (نهرو) زعيم الهند، وهو هندوكي العقيدة: "ومع أنه هندوكي الدين، فإن حياته مبنية على الفضائل المسيحية" (١).
ويقول عن (المهاتما غاندي) زعيم الهند الأكبر: "فكان يقنع الجماهير بأمانته وإخلاصه الواضحين" (٢).
ويعود إلى (نهرو) فيقول: "وسألت (نهرو) ذات صباح، ونحن نمشي في الحديقة، عن رأيه في ضرورة (الإيثار) للقائد سواء كان زعيماً وطنياً أو قائداً عسكرياً، فكان جوابه ممتعاً، فقد أيد أن (الإيثار) أمر أساسي في كل قائد، فالقائد الحق هو الذي لا يفكر في كسب شخصي أو تعظيم" (٣).
ويقول عن (ديغول) رئيس جمهورية فرنسا السابق في معرض الكلام على أيامه الأولى: "تثقَّف الصبي (ديغول) في مدرسة يسوعية قبل أن يذهب إلى الكلية العسكرية في (سنت سير ST.syr) ، ففي وسعنا إذاً أن نتصور أنه كاثوليكي قح وكثير التدين" (٤). ويقول عنه:
стр. 68
"ولدى ديغول بعض الصفات التي تدل على عظمته، أبرزها إخلاصه واستقامته اللذان لا يختلف فيهما حتى خصومه" (١). ويقول عنه: "وهو يملك جميع الصفات التي هي جوهرية للزعامة الناجحة في البلاد الغربية، وهي اليقين والأمانة الواضحة والإخلاص والصلابة والشجاعة السياسية" (٢). ويقول عنه: "وهو جندي لا يضحي بمبادئه في سبيل منصب أو سلطة، كما يفعل غيره من السياسيين" (٣).
ويصف السير (جيمس كريك) وزير الحربية البريطاني في أيام الحرب العالمية الثانية: "وهو لا يمكن أن يغتفر للناس خطأين: الأول عدم الإخلاص والغش أياً كان نوعه، بما في ذلك الدس ... والثاني الميل إلى الفساد الخلقي على اختلاف أنواعه؛ فإن من يخطئ في هاتين الناحيتين فهو في حكم المنتهي في عرف (كريك) ". ويقول عنه: "هو مخلص جداً، ولا يضحي بمبادئه في سبيل المنصب الوزاري أو الحصول على أصوات الناس" (٤).
...
(٦)
ويتحدث مونتكومري عن نفسه، فيبدي آراء تربوية قيمة جداً، ولكنها لو عرضت في البلاد العربية والإسلامية لاتُّهِمَ صاحبها بالرجعية والتخلف ... إلخ. من شريط الاتهامات التي أصبحت
стр. 69
معروفة (جداً)، في تلك البلاد.
يقول عن بنات جيله مادحاً: "إن البنات لم يكن يُسمح لهن بالخروج من البيت وحدهن والذهاب مع الأولاد إلى المراقص وغيرها " (١).
ويقول عن تربية الأطفال وتنشئتهم ليكونوا عناصر مفيدة للمجتمع: "إن ولد اليوم، وهو رجل المستقبل، يجب أن يكون الغرض من تدريبه بناء سجيته، ليتسنى له عندما يحين الوقت المناسب، أن يؤثر في الآخرين إلى ما فيه الخير. وهناك أمر يجب ألا نخطئ فيه، وهو أن أسس السجية يجب أن توضع في البيت، بل إن التدريب الأساسي يجب أن يبدأ هناك. فهذا التدريب هو الذي يؤثر في الولد ويوجهه طيلة حياته، إما إلى الخير أو إلى الشر. وعلى أسس الخير القويمة التي تقام في البيت، سيبني المعلم سجية الولد عندما يأتي إلى المدرسة، فإن لم تكن الأسس قد أقيمت، فلا يستطيع المعلم أو أي شخص آخر أن يفعل شيئاً في هذا الصدد. وإننا نسمع اليوم الكثير عن: "آثام الأحداث" التي لا شك أن السبب الرئيس لأغلبها هو إهمال الآباء".
"إن تجربتي الشخصية تحملني على الاعتقاد بأن الأسس لبناء السجية يجب أن تُغرس في الولد عندما يصبح في السادسة من عمره، وأهم هذه الأسس هو التمييز بين الخطأ والصواب والتحلي بالصدق والمروءة" (٢).
стр. 70
ويرثي لحال البشرية التي تلهث وراء (المادة) وتبتعد عن (الروح) فيقول: "ألسنا نعيش جميعاً في ضباب من خداع النفس في عالم تستحوذ عليه (المادة) وتنبذ فيه القيم الروحية؟! فلنفكر مثلاً في نماذج الإعلانات الكثيرة التي تواجهنا أنَّى ذهبنا، والتي تؤثر في كثير من الناس، فهي توحي إلينا أن حل كل مشكلة يمكن أن يشترى بالمال. إنها تقول مثلاً: أتنشد السعادة في بيتك؟ إذن فاشتر هذه المكنسة الكهربية، أو ذلك النوع من طعام الفطور، أو هذا الصابون، أو اشرب تلك الجعة! ولا شك أن الناس جميعاً لا ينخدعون بهذه الإعلانات، ولكن الولد المراهق يتعرض للخطر وهو يعيش في هذا الضباب من خداع النفس. (ماذا ينفع الإنسان، لو حصل على الدنيا كلها وأضاع روحه) (١) ... " (٢). هكذا يستشهد بآيات من الإنجيل لتأييد رأيه، ثم يقول: "إذا أردنا أن يجتاز العالم بسلام وتعقُّل حالة الهياج والاضطراب التي تسوده اليوم، فينبغي أن نحيا الحياة الحقة وأن نقتدي بالمسيح ﵇، بدلاً من الخبط في دياجير الظلام ... "، ويقول: "وهكذا نرى مدى الصعوبة التي يجابهها أولاد اليوم، وجسامة الواجب الذي يجابهه الآباء ومعلمو المدارس في تفسير كل ذلك لهم وتوجيههم نحو الصراط المستقيم. وقد زادت المهمة صعوبة زيادة كبيرة من جراء أحوال الحياة العصرية - الحياة التي يواجه فيها الأولاد مغريات ومشاكل أعظم من
стр. 71
تلك التي واجهها أي واحد منا عندما كنا شباباً. فالأشياء المثيرة، وأفلام العصابات (١)، والبيوت المخربة من جراء التهاون في الواجبات الزوجية، ونشر القضايا الجنسية في بعض الصحف (٢)، كل هذه تفرض على الولد المراهق ضغطاً شديداً، وليس من السهل أن ننمي فيه السجية في ظروف كهذه" (٣).
ويمضي بالحث على تلقين الأطفال تعاليم الدين فيقول: "لقد سبق أن ذكرت كلمة (الضبط). إن لهذه الكلمة صدى غير حسن عند فريق من الناس، وربما كان السبب هو لأنها غير مفهومة فهماً صحيحاً. إن الأساس الحقيقي للضبط، هو ضبط النفس، وهو ينطوي على فكرة السيطرة على النفس وكبح جماحها، وأن يعيش الإنسان حياة منظمة ومقيدة بقيود اختيارية يفرضها على نفسه، وقد تُعَدّ هذه القيود بمثابة (واجبات) يجب أن نشعر بضرورة القيام بها.
إن مفهوم (الواجب) هذا يؤكد أهمية التعاليم الدينية الخاصة بالسيرة الشخصية للإنسان، ويجب أن يُوحَى بهذه التعاليم إلى كل طفل حالما يبدأ بالذهاب إلى الروضة، وينبغي أن يتم ذلك حتماً قبل بلوغه السادسة من عمره" (٤).
ويتساءل مونتكومري: "فما هو غرضنا"؟ ويجيب: "إن الغرض هو أن نبثّ في نفوس الشبيبة الاستقامة والشجاعة الأدبية والحمية،
стр. 72
بغية إقامة حصن يتحدى المؤثرات المخربة التي تسعى إلى تحطيم أخلاق أولادنا. وينبغي تدريب هؤلاء على أن يكونوا (نقاطاً قوية) في الأمة، تدافع عن (الأمانة) وسط مغريات تحرض على (الخيانة)، وتدافع عن العمل الجماعي والإخلاص، وعن الجهد الصادق وشعور الواجب الرفيع، بل عن كل شيء فيه خير للبلاد". ثم يقول: "أين يجب أن يبدأ التعليم؟ في البيت طبعاً، ذلك هو المكان الذي يجب أن يبدأ فيه تكوين (السَجِيّه).
وينبغي أن يتعلم الولد في البيت أموراً معينة تعد (خطأً) وأخرى تعد (صواباً)، ويجب أن يتعلم أسس الأمانة والإخلاص والصدق والثبات على ما يعتقده صواباً وحقاً، ثباتاً راسخاً برغم ما يواجهه من إغراء. ويجب أن تبدأ أسس هذا التعليم في وقت مبكر، وأن ترسخ في ذهن الطفل عندما يبلغ السادسة من عمره، حتى إذا ما بدأ في الذهاب إلى المدرسة لا يكون فريسة لأية تأثيرات شريرة قد يواجهها" (١).
ثم ينعي على العالم تخليه عن المثل العليا، ويتوجه إلى قومه برأيه صريحاً واضحاً: "لكي نخدم بريطانيا ونفتخر بأننا إنكليز، ليس من الضروري أن نملك قنابل ذرية بقدر أمريكا، أو علماء بقدر روسيا، فليست البلاد التي تنقصها القنابل الذرية أو القوات الكبرى هي التي يجب أن تُدعى دولاً من الدرجة الثانية، بل ينبغي أن يطلق ذلك على البلاد التي تعوزها المثل العليا، وهذه المثل تبقى وغيرها يفنى". وقال: "إن أول ما نحتاج إليه هو معالجة الجهل المتفشي بيننا عن الحقائق الأولية للدين" (٢).
стр. 73
ثم وصف آراءه التربوية لإعداد قادة المستقبل بقوله: "وقد لا تكون آرائي مقبولة على العموم، لكنها بسيطة على الأقل، وقد بُنِيَتْ على (مثل عليا) وحقائق أزلية لن تتغير مهما كان العصر الذي نعيش فيه" (١).
ويقول: "إني من المؤمنين إيماناً راسخاً بوجوب توجيه الشباب نحو (العُلا) ويجب أن نوضِّح لهم ما ينبغي أن يفعلوه لبلوغ ذلك، وأن نبين لهم السبب. إن ذلك أمر مهم، لأن المستقبل هو للشباب، فهم الذين يجب أن يستلموا المشعل منا. إن مهمتنا أن نوحي إلى الشباب أن يستهدفوا غرضاً أخلاقياً عاماً مبنياً على إيمان واع قوي بالدين. فإذا استطعنا بعدها أن نوحِّد شبابنا وراء قادة يهتمون بهذا الدين كما يهتم الشيوعيون بعقيدتهم، فما من شيء نخشاه؛ لا الأعداء ولا المشكلات الاقتصادية، إذ يمكن التغلب عليهما معاً.
إن أهم ما في التربية - وفي الحياة كذلك - هو أن يكون لدى الولد أو الشاب إحساس بالغرض، قوي إلى درجة تمكنه من مواجهة الصعاب والتغلب عليها. إن غرضاً كهذا لا يبنى إلا على عقيدة، ولا يمكن تنمية هذه العقيدة إلا في زمن الصبا. لكنه يجب أن تكون هذه العقيدة حسنة، فالعقيدة السيئة هي السبب في معظم ما نعانيه اليوم من اضطرابات" (٢).
وهو يعتبر أن تضليل الولد أو الطفل أخلاقياً من أكبر الجرائم
стр. 74
فيقول: "سئلت ذات مرة عن رأيي في أسوأ جريمة يمكن أن يرتكبها أي رجل؟ فأجبت من غير تردد: تضليل ولد أو طفل أخلاقياً". وأضفت إلى ذلك أقول: "ما من عقوبة تعد قاسية بحق رجل كهذا" (١).
وهو يعتبر المثال الشخصي من أهم عوامل التربية فيقول: "سألت صديقاً شاباً في الآونة الأخيرة، وهو تلميذ مدرسة في السادسة عشرة من عمره: ما هو الأمر الهام الذي يعتقد أنه يؤثر في الشباب؟ فأجاب بغير تردُّد: المثال الشخصي، وربما كان جديراً بنا أن نتذكر جميعاً هذا الأمر وأن نعمل به" (٢).
...
(٧)
ويعود مونتوكومري إلى تلخيص آرائه في التربية فيقول ما ملخصه: "ما هي النصيحة التي أقدمها إلى الشباب؟ كيف يمكنهم أن ينالوا مجد الفتوة"؟ إنني أقدم لهم الوصايا الأربع التالية: "أولاً: ليكن لديك شيء من رزانة الفكر! إن ذلك لا يعني أن الولد أو الشاب لا يجب أن يكون سعيداً نبيهاً، بل بالعكس، ولكن أَنبهُ الناس هو من كان ذا بصيرة وقلب بسيط وضمير طاهر، ومن يحاول متواضعاً وقلبياً التمسك الشديد بقاعدة النبي داود ﵇
стр. 75
الذهبية: (كن حسن النية، وافعل الشيء الصحيح دائماً، فذلك هو الذي يُدخِل الراحة في قلب الإنسان دائماً) (١). إن الملذات التي لا نهاية لها، والفرص الضائعة والامتيازات التي يساء الاستفادة منها، كل هذه الأمور لا تُعَوِّض عن ضياع الفضيلة وفقدان الرجولة وعدم احترام النفس.
ثانياً: أوصي بالطاعة، تلك الفضيلة التي يُبنى عليها السلطان، وهي تعني قبول قانون (الواجب) عن رضا قانوناً للحياة. إن الله يفوض شيئاً من سلطته إلى البشر منذ السنين الأولى من حياتنا: يفوضه أولاً إلى أبوينا، ومن ثم إلى الذين يُولُّون علينا؛ فاحترام السلطة إذن واجب مقدس كما هو أمر إلهي، وما من عصر انتهكت فيه حرمة هذا الأمر إلا وساد فيه الفساد. إن آمال الأمم تتعلق بإخلاص أبنائها وتواضعهم، وفي طاعة شبيبتها واحترامهم لمن هم أكبر منهم سناً.
ثالثاً: أوصي بالجد والمثابرة، فالوقت المتيسر للعمل والدراسة قصير، وسن الصبا سرعان ما يمر من غير أن نشعر به، إلى دور الشباب، فدور الرجولة.
رابعاً: لقد تعلمت في حياتي الخاصة، أن صفات ثلاثاً ضرورية للنجاح: العمل الشاق، والاستقامة المطلقة، والشجاعة الأدبية؛ وهي تعني عدم خوف الإنسان من قول ما يعتقده صواباً والثبات على هذا الاعتقاد" (٢).