← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة: خصائص العصر الحديث ١ - تطور عميق: أ- إذا كان المؤرخون يعتبرون فتح الترك للقسطنطينية سنة ١٤٥٣، وما تبعه من انهيار الإمبراطورية البيزنطية وهجرة علمائها إلى إيطاليا، نقطة التحول من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، فما ذلك إلا لظهور هذه الأحداث وآثارها في جملة الأحداث التي كونت نسيج التطور الجديد. إن التدرج قانون التحول الاجتماعي؛ تعمل على هذا التحول أسباب لطيفة عملًا متصلًا، حتى يجيء يوم وإذا به قد تم وبرز للعيان. وقد بينا في "تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط" أن الانتقاض على القديم بدأ بابتداء القرن الرابع عشر، فما كاد ينصرم ذلك القرن حتى كانت الفلسفة الاسمية قد نضجت في إنجلترا وفرنسا، وقضت في بعض الأذهان على جهود المدرسين في سبيل إقامة فلسفة تتفق مع الدين، وحطمت العلم الطبيعي الأرسطوطالي في جامعة باريس، وظاهرت الأمراء في تمردهم على السلطة البابوية. وكانت بين إيطاليا وبيزنطة علاقات ثقافية ترجع إلى القرن الثالث عشر، إذ كانت إيطاليا منقسمة إلى جمهوريات وكان أمراؤها يستقدمون الأدباء والعلماء من البيزنطيين. وتوثقت هذه العلاقات في القرن التالي من جراء نشاط التجارة بين البلدين ومحاولات التقريب بين الكنيسة اللاتينية والكنيسة اليونانية. فنشط تعلم اليونانية والنقل منها إلى اللاتينية, وتكاثر في إيطاليا عدد الأدباء والعلماء البيزنطيين بعد ضياع ملكهم، حتى صار الشغف بالأدب القديم عامًّا في القرن الخامس عشر، وكان الإيطاليون كأنهم يعودون إلى أدبهم السالف، الأدب اللاتيني الملقح باليونانية. ومن إيطاليا انتشر الأدبان إلى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وهولندا، وأسرع انتشارهما بفضل اختراع الطباعة في منتصف القرن. فكانت "نهضة" حقيقتها أنها عودة إلى الثقافة القديمة، وثورة على ما استحدث العصر

стр. 2

الوسيط من أدب وفلسفة وفن وعلم ودين، وأسباب الحياة السياسية والاقتصادية. ب- هذه الثقافة القديمة تنضح بالوثنية من كل جانب، فانتشرت الوثنية في الأفكار والأخلاق. رأى فيها فريق كبير من الغربيين صورة إنسان الفطرة والطبيعة, واعتبروا دراسة القدماء كفيلة وحدها بتكوين الإنسان بمعنى الكلمة، فسميت هذه النزعة بالإنسانية أي: المذهب الإنساني، وسميت الآداب القديمة بالإنسانيات. وجاءت كشوف كولومبوس وفاسكو دي جاما وماجلان ودريك في أواخر القرن, بمعلومات كثيرة عن شعوب كانت بمعزل عن المسيحية, وكان لها أديان وأخلاق, فظهرت فكرة الدين الطبيعي والأخلاق الطبيعية. وهكذا تكونت في الغرب المسيحي نظرية جديدة في الإنسان تقنع بما يسمى بالطبيعة وتستغني عما فوق الطبيعة، كأنها تقول لله: نشكرك اللهم على نعمتك، ولكنا بغير حاجة إليها! ولسنا نرى إلا أن هذه النظرية تعتمد على إحدى وجهتين للثقافة القديمة، وتغفل عن الوجهة الأخرى؛ فقد كانت المدنية اليونانية والرومانية تقوم على علاقة وثيقة بين المواطنين والآلهة، وكانت العقول مشغولة بالقدر والغيب، وبقيت "الأسرار" ناشطة طول عهد الفلسفة، وتأثر بها أعاظم الفلاسفة، حتى تحسر أفلاطون على أن وحيًا إلهيًّا لم ينزل بخلود النفس فيقطع التردد والقلق، وحتى رأى رجال الأفلاطونية الجديدة أن كمال الفلسفة في كمال الدين والتصوف، ويقال مثل هذا في جميع الشعوب القديمة: كان الدين أظهر مظاهر حياتهم، يتناولها في جميع نواحيها وينظمها أدق تنظيم. وإذن فقد أخطأ الإنسانيون إدراك روح اليونان والرومان وغيرهم من الأمم, وخدعهم عن هذه الروح بعض الشعراء الماجنين والفلاسفة الماديين, ولكن هكذا كان، فنجمت نتائج خطيرة. ج- كان من آثار المذهب الإنساني العمل على سلخ الفلسفة عن الدين، أو بعبارة أدق: العمل على إقامة الفلسفة خصيمة للدين، والحملة على الفلسفة المدرسية بالتهكم على لغتها وبحوثها وطريقة استدلالها؛ بل الحملة على العصر الوسيط بجميع مظاهره، ورميه بالجهل والغباوة والبربرية. وكان ما هو أخطر من هذا: كان أن تسرب المذهب الإنساني إلى المسيحية نفسها، وأخذ يعمل على تقويضها من الداخل. فما كانت البروتستانتية في البدء إلا "احتجاجًا على الغفرانات" ودعوى إصلاح في الإدارة الكنسية والعبادة، ثم زعمت أن الدين يقوم على "الفحص

стр. 3

الحر" أي: الفهم الخاص للكتاب المقدس، وعلى التجربة الشخصية، بغير حاجة إلى سلطة تحدد معاني الكتاب، ثم تناولت العقائد بالفحص الحر فذهبت فيها كل مذهب، وبددت علم اللاهوت غير محتفظة إلا بعاطفة دينية عاطلة من كل موضوع. قام لوثير " ١٤٨٣ - ١٥٤٦ " وزفنجل " ١٤٨٤ - ١٥٣١ " وكلفان " ١٥٠٩ - ١٥٦٤ " يزعزعون العقيدة السلفية, وينشئون الكنائس المستقلة وقام هنري الثامن " ١٥٠٩ - ١٥٤٧ " يقهر الإنجليز على إنكار الكثلكة، وقام غيره من الملوك والأمراء يناصرون المبتدعة قضاء لمآربهم الخاصة، فكان القرن السادس عشر من أشد القرون اضطرابًا وفوضًى، انحلت فيه الروابط الدينية والعائلية والاجتماعية، وعنفت الأهواء القومية، فنشبت الحروب من أجل الدين والسياسة جميعًا، واستُبيح فيها كل محرم بحجة سلامة الأمير أو الدولة. د- وكان الأمراء الإيطاليون يطلبون أسباب القوة والترف, فشجعوا الفنون والصناعات، فاندفع الأهلون إلى الابتكار والإتقان، وتنافست المدن في هذا المضمار، حتى غالت في الاستئثار بالمخترعات والآلات الجديدة. وكان من استخدام القوى الطبيعية أن زاد في معرفة أفاعيلها، وحفز الهمم إلى البحث عن قوانينها، فخرج العلم الآلي من ازدهار الصناعات، ونبغ علماء وفنانون من الطراز الأول، ومن المعلوم أن العمل الساذج يسبق النظر، أو أن الفن يسبق العلم، ثم يخرج من النظر عمل جديد، ومن العلم فن جديد أغنى وأكثر إحكامًا. وكان العلم بأرشميدس في القرن السادس عشر، ذلك العالم الذي طبق النظر على العمل خير معوان على إقامة ميكانيكا جديدة أرضية وسماوية. فازداد سلطان الإنسان على الأرض، واتسعت السماء أمام ناظريه بفضل اختراع التلسكوب، فأحس من الكبرياء والطموح ما لم يحسه من قبل، والتقى هذا الإحساس في نفسه بما أوحى به المذهب الإنساني في الأدب والدين، وبما نفخ فيه النضال السياسي من إحساس قوي بالاستقلال، فشعر كأنه رب نفسه ليس فوقه رب. هـ- تلك خصائص عصر النهضة، وهي هي خصائص العصر الحديث إلى أيامنا, نستطيع أن نردها إلى اثنتين: الفردية العنيفة في الأدب والدين والسياسة, والعناية البالغة بالعلم الآلي وتطبيقاته العلمية الرامية إلى توسيع سلطان الإنسان على الطبيعة والزيادة في رخائه. وسيكون لكل هذا صدى قوي في الفلسفة: ستستقل

стр. 4

الفلسفة عن الدين، فتكون هناك فلسفة إلحادية، وتكون فلسفة تتحدث عن الروحانية والمسيحية ولا تعني سوى مجرد عاطفة دينية، وتكون فلسفة تشيد بالعلم الآلي وتحصر مجالها على قدر مجاله؛ أو تجتمع هذه الوجهات المختلفة في بعض المذاهب مع تفاوت بينها؛ وتظل الأجيال إلى الآن حائرة مترددة، تعتنق المذاهب وتخلعها الواحد بعد الآخر، وتستبدل نظامًا من الحياة بنظام. ٢ - أدوار الفلسفة الحديثة: هذه المذاهب من الكثرة والتشعُّب بحيث يتعذر التمهيد لها والإشارة إليها بشيء من الدقة في مقدمة عامة. فنقتصر هنا على تعريف مجمل بأبواب الكتاب وهي ستة, يدور الباب الأول على عصر النهضة، أي: القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو عصر جديد، ولكن فيه شيئًا غير قليل من القديم: فيه أتباع لأفلاطون يستمدون منه أسباب دين طبيعي؛ وفيه رشديون يذيعون الإلحاد تحت ستار دراسة أرسطو وابن رشد؛ وفيه علماء يحاولون استكناه أسرار الطبيعة بالسحر والتنجيم؛ وآخرون يضعون أسس العلم الحديث في الرياضيات والفلك والطبيعيات؛ وفيه نقاد يتشككون في أصول الأخلاق ومبادئ المعرفة؛ وفيه فلاسفة تضطرب في عقولهم جميع هاته الميول، فيخرجون مذاهب غامضة مختلطة. ولكن ما إن يجيء القرن السابع عشر، وهو موضوع الباب الثاني، حتى تهدأ الثورة، ويبدو ميل إلى الإنشاء بعد الهدم، فتزدهر نهضة دينية، وبخاصة في فرنسا، وتظهر أمهات المذاهب الحديثة، في مقدمتها مذهب ديكارت الذي يزعم إقامة فلسفة مسيحية ويستمد عناصرها من القديس أوغسطين والقديس أنسلم ودونس سكوت، ولكنه يبث فيها روحًا مغايرة للدين؛ ويتفلسف على أثره مالبرانش وبسكال وسبينوزا وليبنتز, فيبين كل منهم على وجهة ستتكرر في الأجيال التالية، بينما يضع هوبس وفرنسيس بيكون ولوك فلسفة واقعية تنكر الميتافيزيقا وتستمسك بالتجربة. فيكون لهذه الفلسفة الإنجليزية تأثير كبير على القرن الثامن عشر، موضوع الباب الثالث، يلح فيها الإنجليز، وأشهرهم هيوم؛ ويصطنعها الفرنسيون، فيرد كوندياك المعرفة بأسرها إلى الإحساس، وينقد فولتير وروسو وأضراب لهما كثيرون أصول الدين والاجتماع ويبددون

стр. 5

فلسفة ديكارت؛ ويجمع كانت بين المذهبين الحسي والعقلي في محاولة قوية لتفسير العلم والوجود تجعل منه فيلسوف ألمانيا الأكبر، وتسيطر على العقول إلى أيامنا. وبينا يبدو القرن الثامن عشر عصر تحليل دقيق ونقد عنيف، إذا بالنصف الأول من القرن التاسع عشر، موضوع الباب الرابع، يعمل على التركيب والبناء في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا على السواء: تظهر في ألمانيا فلسفات ضخمة صاخبة تحمل أسماء فختي وشلنج وهجل وشوبنهور، ويتعمق الفرنسيون في دراسة الحياة النفسية وشرائطها بحيث يترتب على هذه الدراسة حلول في سائر النواحي، كما فعل مين دي بيران، أو يستوعب أوجست كونت جميع النواحي في مذهب واحد يصدر عن الواقعية؛ ويحاول نفر من الإنجليز، أبرزهم هاملتون تصحيح المذهب الحسي بالفلسفة الألمانية. ثم ينقلب الحال في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، موضوع الباب الخامس، فينشب صراع بين المادية وقد وجدت أسلحة جديدة في نظرية تطور الأحياء، وأنصارًا عديدين في ألمانيا وإنجلترا، أشهرهم دروين وسبنسر، وبين الروحية يؤيدها فلاسفة فرنسيون. ويستمر هذا الصراع في النصف الأول من القرن العشرين, موضوع الباب السادس والأخير، ويمكن القول: إنه لن ينتهي, ولكن الروحية العصرية عرجاء ناقصة، فإن الفلسفة الحديثة في جملتها لا تؤمن بالعقل ومعانيه ومبادئه، ولا تؤمن بجواهر ثابتة حتى تقول بنفس خالدة, وإله شخصي مفارق للطبيعة. فالروحانية مفتقرة في الواقع إلى فلسفة وجودية موضوعية كفلسفة أرسطو، ولا ندري ما إذا كانت العقول العصرية تأخذ أنفسها بمثل هذه الفلسفة، أو تمضي في محاولاتها العقيمة.

стр. 6

الباب الأول: بين القديم والجديد القرن الخامس عشر والسادس عشر الفصل الأول: أفلاطونيون ... الباب الأول: بين القديم والجديد القرنان الخامس عشر والسادس عشر الفصل الأول: أفلاطونيون ٣ - نقولا دي كوسا " ١٤٠١ - ١٤٦٤ ": أ- أديب كما يهواه الإنسانيون، ورياضي وفيلسوف وصوفي. ولد بمدينة كوسا من أعمال ألمانيا، ونشأ عند "إخوان العيشة المشتركة" وكانوا متأثرين للغاية بالتصوف الألماني في العصر الوسيط، فانطبع هو بهذا الطابع. وفي الخامسة عشرة أخذ يدرس الفلسفة بجامعة هيدلبرج، وكان أساتذتها أوكاميين، فحفظ شيئًا من تعليمهم. وفي السنة التالية انتقل إلى جامعة بادوفا بإيطاليا، وكانت معقل الرشديين، فدرس فيها القانون والرياضيات والفلسفة، دون أن يأخذ بشيء من الرشدية. ثم اشتغل بالمحاماة، ولكنه عدل عنها إلى الكهنوت, فترقى في مراتبه, فصار أسقفا فكردينالا, وكان موضع إعجاب وإجلال في مختلف المناصب التي تولاها؛ لما كان متحليًا به من التقوى والعلم وحسن تصريف الأمور، حتى مع البروتستانت، إذ أظهر نحوهم الشيء الكثير من التؤدة والتسامح. ب- كان "موسوعة" حية, له رسائل فلكية ورياضية يبدو فيها ممهدًا لكوبرنك ولإصلاح التقويم. وله كتاب فلسفي اسمه "الجهل الحكيم" " ١٤٤٠ " وهذا لفظ وارد عن القديس بونا فنتورا، وسنوضح المقصود منه فيما بعد. والكتاب مقسم إلى ثلاث مقالات: في الله، في العالم والإنسان، في العودة إلى الله بالفداء؛ ومذهبه فيه يرجع إلى ديونيسيوس وأبروقلوس وجون سكوت أريجنا ومن لفّ لفهم من فلاسفة العصر الوسيط. ذلك أن الأفلاطونية بانت له الوسيلة الوحيدة لتخليص الميتافيزيقا من الدمار الذي انتهت إليه على أيدي الاسميين، ولم تكن الأرسطوطالية في عهده توفر له هذا الغرض، ولكنها كانت رشدية ملحدة، فعارضها وبعث

стр. 7

الصرخة التي لن تلبث أن تدوي في أرجاء أوروبا: "لتسقط شيعة الأرسطوطاليين! ". ج- يصل الكردينال دي كوسا إلى الله والتصوف بتحليل المعرفة على طريقة الأفلاطونيين, المعرفة بالإجمال ورد الكثرة إلى الوحدة، أو هي تركيب وتوحيد. ففي المعرفة الحسية، التوحيد في غاية النقص، إذ إن الحواس تقبل الإحساس متفرقة، وتدرك الأجسام إدراكًا غامضًا. ثم يزيد التوحيد بتكوين معاني الأنواع والأجناس، أي: بردّ الجزئيات إلى ماهيات، ونظمها في قضايا وفقًا لمبدأ عدم التناقض, وهذا عمل العقل الاستدلالي، يعطينا علمًا محدودًا نسبيًّا مؤلفًا من احتمالات؛ لأنه ليس في العالم شيئان متشابهان تمام التشابه، وإنما هناك جزئيات منفصلة مستقلة لا يقاس بعضها على بعض. وهذه هي الاسمية التي أخذها عن أساتذة هيدلبرج، ثم يبلغ التوحيد أقصاه في الحدس، فتبطل عنده قيمة مبدأ عدم التناقض، وتدرك النفس توافق الأضداد التي يعرضها العقل الاستدلالي منفصلة متقابلة. وليس هذا الحدس معرفة، إذ إن المعرفة لا تحصل بغير كثرة واختلاف, فكمال التفكير في وقوف التفكير. فالجهل الحكيم معرفة الفكر لحدوده، واعتقاده بالوحدة المطلقة وراء هذه الحدود، وبأن ليس مبدأ عدم التناقض المبدأ الأعلى، وليس الجدل العلم الأعلى الذي يخضع له العقل والإيمان، على ما يريد الاسميون. إن النقائض والأضداد ملازمة لعلمنا بالمتناهي، ولكنها تمحى في اللانهاية؛ فالخط المنحني إذا صححنا انحناءه إلى ما لانهاية، جعلناه كالخط المستقيم، وإذا فرجنا الزاوية القائمة في المثلث إلى ما لانهاية، اختلط وترها بالضلعين الآخرين؛ ومتى اعتبرنا الحركة كأنها سكونات متتالية، اتفقت مع السكون؛ وهكذا في جميع الأضداد. د- فالله الموجود الأعظم اللامتناهي الحاوي كل وجود، حتى النقائض: "هو الأشياء جميعًا في حال الوحدة أو الانطواء، والعالم الأشياء جميعًا في حال الكثرة أو الانتشار. الله الموجود المطلق الذي بلغت فيه كل قوة إلى الفعل, والعالم الموجود المتشخص المركب المنتقل من القوة إلى الفعل". وجود العالم لا وجود بالقياس إلى الوجود الإلهي؛ لذا يجب أن ننفي عن الله كل تعيين، فلا يبقى لنا شيء نسميه؛ لأن كل اسم فهو ناشئ عن تفريق وتمييز, وهذا هو اللاهوت السالب كما صادفناه عند ديونيسيوس وسكوت أريجنا؛ وإذا أطلقنا على الله أسماء

стр. 8

فإنما ندل فقط على أنه نموذج الموجودات ومصدرها, وهذا هو اللاهوت الموجب؛ أما العالم فيرجع كله إلى الله، إذ إن كل موجود فهو يرمي إلى استكمال ماهيته, ويرجع الإنسان إلى الله بالمعرفة، فإن طبيعته العقلية تسمح له باتحاد بالله أوثق, وكل هذا نعرفه عن الفلاسفة الذين ذكرناهم. وقد اتهم الكردينال دي كوسا بوحدة الوجود، فأنكر التهمة, وهو يفسر معنى توافق الأضداد والانطواء الإلهي بما لا يدع مجالًا للشك في مقاصده، فيقول: إن الله أوجد العالم "عن قصد" لا ضرورة، وهذا ينفي كل اشتراك في الوجود بين الخالق والمخلوق. ٤ - مرسيليو فتشينو " ١٤٣٣ - ١٤٩٩ ": أ- في هذا الوقت الذي نؤرخه، لم يكن جميع الأفلاطونيين مؤمنين بالوحي المسيحي مثل الكردينال دي كوسا، بل كانوا في معظمهم أصحاب دين طبيعي قائم على الله والنفس والخلود والحرية، يستمدون الأدلة المؤيدة له من كتب أفلاطون، ويقنعون بهذه الأركان الأربعة لكي يصفوا الفلسفة بأنها مسيحية، معارضين رشديي بادوفا الذين كانوا يعتقدون بالمنافاة بين الطرفين. وأول من افتتح النزاع بين الأفلاطونيين والأرسطوطاليين، العالم اليوناني بليثون plethon، فقد أسس بفلورنسا أكاديمية أفلاطونية كسبت عددًا كبيرًا من الإيطاليين إلى جانب أفلاطون، ونشر سنة ١٤٤٠ رسالة ضد أرسطو، وخلفه على المدرسة مواطنه الكردينال بساريون. ب- وأشهر أتباعهما مرسيليو فتشينو, نقل إلى اللاتينية تساعيات أفلوطين " ١٤٩٢ " وشرح أفلاطون في كتاب أسماه "الإلهيات الأفلاطونية في خلود النفس" وقال في مقدمته: إن الحاجة ماسة إلى دين فلسفي يستمع إليه الفلاسفة بقبول، وقد يقتنعون به. على أن أهمية فتشينو قائمة في تعريف الغربيين بكتب أفلاطون وأفلوطين، وقد طبعت كتبه مرارًا بباريس خلال القرن السادس عشر، وكانت مصدر العلم بالفيلسوفين. ٥ - جان بيك دي لاميراندول " ١٤٦٣ - ١٤٩٤ ": أ- وتلاقت في تلك البيئة المضطربة، الأفلاطونية والفيثاغورية والكابال اليهودية والمذاهب السرية ١ , فنشأت مذاهب غريبة تشترك في الاعتقاد

стр. 9

بالروحانيات وفي معالجة العلم الطبيعي، فتتّخذ من الناحية الأولى وجه الدين، ولكنه دين غامض مريب، ومن الناحية الثانية وجه الفلسفة، ولكنها فلسفة مشوبة بالسحر والتنجيم والطلسمات، فقد كان أصحابها يزعمون معرفة الطبيعة بمذهب سري، وإخضاعها بفن سري، تبعًا لما جاء عند أفلوطين من أن العالم جملة قوى مترتبة, وأن من الممكن التأثير فيما تحت فلك القمر بوساطة القوى العليا. ب- إلى هذه النزعة ينتمي جان بيك دي لاميراندول, كان متضلعًا من اليونانية والعبرية، وكان يعتقد أن في الكابال حكمة لا تقل شأنًا عن حكمة أفلاطون وحكمة التوراة. وهو أحد الأفلاطونيين الذين حاولوا التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، فصنف في ذلك كتابًا تركه غير تام. وقد شرح سفر التكوين شرحًا رمزيًّا بعد كثيرين سبقوه، فاستخرج منه بالتأويل الفلسفة الباهرة المعقدة الموجودة في الكابال. ٦ - براسلس " ١٤٩٣ - ١٥٤١ ": هو تيوفانت هوهنهيم المعروف ببراسلس. عالم وطبيب ألماني, كتب بالألمانية. يرجع إلى النزعة المتقدمة، فيؤمن بنور باطن أعلى من "العقل الحيواني" ويحب الكابال ويمزج بينها وبين المسيحية، فيذهب إلى أن النفس الكلية والأرواح التي تليها صدرت عن المسيح، وأن من يطيع الإرادة الإلهية طاعة مطلقة يتحد بالمسيح وبالعقول المفارقة. ويزعم أنه خير الأطباء، الحاصل على الدواء الكلي أو حجر الفلاسفة. ويعارض العلم الطبيعي الأرسطوطالي في عدة نقط، وبالأخص نظرية العناصر الأربعة، وقسمة العالم إلى منطقة عليا وأخرى سفلى، فيقول: إن الموجودات الطبيعية جميعًا مركبة من عين المواد، خاضعة لعين القوانين. والعلم الطبيعي عنده قائم على أن كل شيء في العالم فهو رمز، وأن كل شيء فهو في كل شيء، وأن العلم تعيين درجات الصلة والألفة بين الأشياء، وأننا بمعرفة هذه الدرجات نعرف كيف تتفاعل الأشياء، وكيف نؤثر فيها. وكتبه كلها عبارة عن تعيين مقابلات من هذا القبيل, وقد كان لها تأثير كبير في الجمعيات الصوفية الألمانية, ولكن العلم الحديث اتخذ طريقًا بعيدًا كل البعد عن هذا الخيال.

стр. 10

الفصل الثاني: رشديون ٧ - بونبوناتزي " ١٤٦٢ - ١٥٢٥ ": أ- هو أشهر أساتذة بادوفا في ذلك العصر. وكانت جامعتها أرسطوطالية رشدية تتشبث بتأويل ابن رشد لأرسطو، ليس فقط في العقليات، بل أيضًا في الطبيعيات، فتعارض الميكانيكا الجديدة التي بدأت في جامعة باريس في القرن الرابع عشر، بنظرية أرسطو في حركة المقذوفات، وتصر على قسمة العالم إلى الرشديين اللاتين في قولهم: إن القضية الواحدة قد تكون صادقة عند اللاهوتي دون أن تكون كذلك عند الفيلسوف، وإن باستطاعتنا أن نؤمن بالإرادة بما لا نجد له مبررًا في العقل، فنخضع للدين مع علمنا ببطلان عقائده. ونشر كتابًا في "خلود النفس" أنكر فيه الخلود، ثم أعلن خضوعه لتعليم الدين بالخلود كحل نهائي للمسألة، ولكن محكمة التفتيش أمرت بإحراق الكتاب، ونجا هو من الأذى بفضل حماية أحد الكرادلة. ب- في كتاب "خلود النفس" " ١٥١٦ " يذهب إلى أن الخلود ليس لازمًا من مبادئ أرسطو، فكأنه يرد على القديس توما الإكويني الذي قال بعكس ذلك، بل كأنه يقيم الحجة على الكنيسة بالفيلسوف الذي أعلنته حجتها. وفي معالجته للمسألة ينحرف عن قول ابن رشد وأتباعه: إن العقل المنفعل مفارق كالعقل الفعال، وإن للنفس الإنسانية بما هي مشاركة في المعرفة العقلية خلودًا لاشخصيًّا، ويتابع إسكندر الأفروديسي في أن العقل المنفعل في النفس، وأنه "هيولاني" أي: إنه مجرد استعداد جسماني لقبول تأثير العقل الفعال المفارق، وإن النفس الإنسانية فانية كالجسم. وكان هذا الموقف الثاني يعد أكثر خطرًا من الأول، وكانت هناك مناقشات بين أتباع إسكندر وأتباع ابن رشد، فلا نعجب أن يشجع البابا أحد الرشديين "واسمه نيفو Nifo" على معارضة بونبوناتزي، فيدون كتابًا "في الخلوط" لهذا الغرض " ١٥١٨ " وبعض الشر أهون من

стр. 11

بعض! ثم يرد بونبوناتزي على الحجة التي تستنتج ضرورة الثواب والعقاب, فيقول: إنها قائمة على تصور خاطئ، أو على الأقل ناقص، للفضيلة والرذيلة والثواب والعقاب. إن الفضيلة التي تصنع بغية ثواب مغاير لها، ليست فضيلة، يشهد بذلك أننا جميعًا نعتبر الفعل النزيه أجمل من الفعل النفعي, والثواب الحق هو الفضيلة نفسها وما يلحقها من اغتباط؛ أما الأجر المغاير للفضيلة، فثواب عرضي لا يمتّ إلى الفضيلة بسبب. وكذلك الحال في الرذيلة، فإنها تنطوي على عقابها، حتى ولو لم يلحقها ألم خارجي. إن الغاية الطبيعية للإنسان هي طبيعته الإنسانية، وإن في كرامة الفضيلة وعار الرذيلة لسببًا كافيًا لمحبة الأولى والترفع عن الثانية, فليس يسوغ للإنسان، سواء أكان فانيًا أم خالدًا، أن يحيد عن طريق الخبر. أما أن الشعب يصنع الخير ابتغاء ثواب أخروي، ويجتنب الشر خشية جهنم، فهذا يدل على أن أفكاره الأخلاقية ما تزال في الطفولة، وأنه بحاجة إلى الوعد والوعيد حيث يصدر الفيلسوف عن المبادئ ليس غير. المشرعون هم الذين ابتكروا الاعتقاد بالخلود، لا عناية منهم بالحقيقة، بل حرصًا على الخير العام. وبونبوناتزي على حق فيما يثبت من أن الطبيعة الإنسانية مقياس الخير والشر، وأنه يجب إتيان الفضيلة لذات الفضيلة، واجتناب الرذيلة لذات الرذيلة, ولكنه على باطل فيما يريد أن ينفي, فليست الفضيلة غاية في ذاتها, وإنما غاية الإنسان وسعادته نظرية، والمسيحية تعلم أن مثل هذه السعادة تتحقق بمعاينة الله، وأن عقاب الرذيلة الحرمان من الله، فإذا كان الثواب والعقاب الأخرويان مغايرين للفضيلة والرذيلة بما هما كذلك، فإن الثواب الأخروي ذاتي للإنسان الفاضل الذي يتوجه إلى الفضيلة لكونه إنسانًا ويتخذ منها وسيلة لتغليب الإنسانية على البهيمية، والعقاب الأخروي ذاتي للإنسان الرذيل الذي يتحول عن إنسانيته. وبونبوناتزي بعد لا يستطيع أن يعين أساسًا للواجب ومبدأ ملزمًا به, فيدعه لمحض مشيئة الشخص. وتعد محاولته هذه نموذجًا للأخلاق الطبيعية المستقلة عن الفلسفة والدين. ج- وله كتاب "في القدر والحرية وانتخاب الله للمخلوقات" " ١٥٢٥ " يذهب فيه إلى أن الحرية الإنسانية ثابتة بالتجربة، وأن العناية الإلهية ترجع إلى الإيمان، ولا يمكن التوفيق بينهما؛ لأن في وضع الواحدة رفعًا للأخرى. ويعرض لمسألة الشر، فيبرره بأنه داخل في نظام العالم، وأنه شرط الخير، كما يفعل

стр. 12

أفلاطون والرواقيون وأفلوطين. وبعد وفاته نُشر له كتاب "في علل الظواهر الطبيعية العجيبة أو كتاب التعازيم" " ١٥٥٦ " يقول فيه: إن المعجزات أحداث استثنائية تصاحب نشوء الأديان، وهي مع ذلك أحداث طبيعية، إلا أن تفسيرها يتطلب تعمقًا في معرفة الطبيعة لا يبلغ إليه الإنسان عادة؛ فهو يتطلب مثلًا معرفة ما للأعشاب والأحجار والمعادن من قوى خفية، وما بين الإنسان وسائر أجزاء العالم، ومنها النجوم بنوع خاص، من علاقات مختلفة، وما للمخيلة من قوة قد تحدث الشفاء بالإيحاء، وأمورًا أخرى من هذا القبيل. وكان أفلوطين قد قال بمثل ذلك "في الرسالة الرابعة من التساعية الرابعة، ف ٣٦ - ٤٢ " فهؤلاء الرشديون أو الأرسطوطاليون يستمدون أسلحتهم من كل موضع. ٨ - جيرولامو كردانو " ١٥٠١ - ١٥٧٦ ": خريج جامعة بادوفا أيضًا، اشتهر بالطب، وله اسم مذكور في الرياضيات بوضعه قاعدة لحل معادلات الدرجة الثالثة في كتاب نشر سنة ١٥٤٣. وهو صنو براسلس، ذهب إلى مزيج غريب من السحر والتنجيم، ومن الآراء الحرة. نظر في قيام الأديان وانحطاطها، وفي توزعها في مناطق الأرض، فأرجعها إلى تأثير اقتران النجوم، واستخرج طالع المسيح المولود في اقتران المشتري والشمس، وأضاف الشريعة اليهودية إلى تأثير زحل!! وللعالم عنده نفس واحدة آلتها الحرارة، فجميع الموجودات الطبيعية حية ولو لم تظهر الحياة فيها جميعًا. ويروى أنه بعد استكشاف أقمار المشتري أبى أن ينظر في التلسكوب وأصر على إبائه لمخالفة هذا الكشف لمذهب أرسطو! ٩ - تشيزاري كريمونيني " ١٥٥٠ - ١٦٣١ ": من أساتذة بادوفا وآخر ممثلي مدرستها في الوقت الذي كان العالم من حولها قد تحول أيما تحول. له كتاب "في السماء" يردد فيه الآراء المميزة لمدرسة قدم العالم وضرورته: إنكار الخلق، اتحاد وثيق بين النفس والجسم يقضي على الروحانية، إنكار الخلود، إنكار العناية الإلهية، واعتبار الله علة غائية فحسب.

стр. 13

الفصل الثالث: علماء ١٠ - ليوناردو دافنتشي " ١٤٥٢ - ١٥١٩ ": ثمرة من خير ثمار عصر النهضة. اشتغل بالتصوير والنحت والموسيقى فكان فنانًا عظيمًا، وتبحر في التشريع والمعمار والميكانيكا فكان عالمًا مبرزًا، واستخلص من أبحاثه أصول المنهج العلمي، ومن مشاهداته للناس عوامل سيرتهم فكان فيلسوفًا مذكورًا. تناول علم الميكانيكا حيث تركه أرشميدس، ونهج فيه نهجه، فوصل إلى نتائج تختلف عما كان وصل إليه الإسميون الباريسيون في القرن السابق. وكان مقتنعًا بأن العلم ابن التجربة، وأن النظريات التي لا تلقى تأييدًا من التجربة نظريات باطلة, فكان يرمي الكيميائيين والمنجمين بأنهم دجالون أو مجانين. وليست التجربة عنده مجرد الإدراك الحسي، بل البحث عن العلاقات الضرورية بين الأشياء، ووضع هذه العلاقات في صيغ رياضية تخلع على نتائج التجربة يقينًا كاملًا، وتسمح باستنتاج الظواهر المستقبلة من الظواهر الراهنة. ١١ - نقولا كوبرنك " ١٤٧٣ - ١٥٤٣ ": أ- ولد بمدينة ثورن Thorn من أعمال بروسيا، ولكن البولنديين يدعونه, والمرجح أنه من أسرة ألمانية استوطنت بولندا. درس الآداب والرياضيات والفلك بجامعة كراكوفيا, وقضى عشر سنين بإيطاليا "بمدن بولونيا وروما وبادوفا" ويلوح أن أستاذه ببولونيا كان يشك في الفلك القديم. وتكونت عنده هو أصول مذهبه فيما بين الثالثة والثلاثين والسادسة والثلاثين، وقضى زمنًا طويلًا يعالجه وينقحه، ثم وضع كتابه "في الحركات السماوية" ولكنه لم ير نشره إلا في آخر حياته، فجاءته نسخة مطبوعة منه, وهو على فراش الموت فاقد الوعي. ب- أراد أن يتصور السماء على نحو أبسط من تصور أرسطو وبطليموس، ورائده أن دأب الطبيعة إدراك غاياتها بأبسط الوسائل، فرأى أن بقاء أكبر الأجرام ثابتًا على حين تتحرك من حوله الأجرام الصغرى، أكثر تحقيقًا لهذا المبدأ من

стр. 14

دوران الأجرام جميعًا حول الأرض. وأضاف إلى مبدأ البساطة مبدأ النسبية حيث قال: إن الإدراك الحسي لا ينبئنا بداهة، حين تحدث حركة في الفضاء، إن كان المتحرك هو الشيء المحسوس، أو الشخص الحاس، أو إن الاثنين يتحركان بسرعة مختلفة، أو في اتجاه مختلف؛ فإذا افترضنا الأرض متحركة، وهي المكان الذي نشاهد منه الحركات السماوية، حصلنا على صورة للعالم أبسط من الصورة المبنية على افتراض الأجرام السماوية هي المتحركة. وينحصر جهد كوبرنك في التدليل الرياضي على أن الفرض الأول يدع الظواهر كما تبدو للإدراك الحسي. فالنظرية الجديدة معروضة هنا كمجرد فرض، وقد عني الناشر بالتنبيه على ذلك في المقدمة، فلم يثر الكتاب اعتراضًا. وهذه النظرية قال بها أرسطرخس الفيثاغوري، وذكرها شيشرون في أحد كتبه، وقرأها كوبرنك، فعمل على تأييدها، أو بعبارة أصح، على بيان إمكانها. ١٢ - لويس فيفيس " ١٤٩٢ - ١٥٤٠ ": ولد في بلنسية من أعمال أسبانيا. درس في باريس, وقضى باقي حياته في بلجيكا. كان من القائلين بوجوب اتخاذ التجربة أساسًا للمعرفة, وقد طبق هذا القول في كتاب له "في النفس والحياة" " ١٥٣٨ " جمع فيه مواد كثيرة مستمدة من القدماء، وملاحظات شخصية كثيرة، وتحليلات دقيقة للظواهر النفسية. فهو يصرح بأن صعوبات جمة تعترض الفحص عن ماهية النفس، وأن العلم بما ليست النفس أيسر من العلم بما هي، وأن لا فائدة من معرفة ماهيتها، بل الفائدة في معرفة وظائفها, فعلم النفس عنده فسيولوجي وصفي. وهو يتصور النفس مبدأ للحياة بجميع مظاهرها، وليس فقط للحياة الفكرية, ويجعل من الدماغ مركز المعرفة؛ خلافًا للأرسطوطاليين الذين كانوا يضعونها في القلب. على أنه يضع في القلب القوة الحيوية، بحجة أن القلب موضع أول مظهر وآخر مظهر للحياة، وموضع الانفعالات. وهو مع ذلك روحي، يقول: إن النفس الإنسانية مخلوقة من الله مباشرة، وإن النفسين النامية والحاسة متولدتان بقوة المادة. ودليله على روحية نفس الإنسان أنها لا تقنع بالمحسوس المتناهي، ولكنها تواقة إلى اللانهاية. وقد كان له أثر قوي للغاية على النظريات النفسية في القرنين

стр. 15

السادس عشر والسابع عشر؛ وديكارت يدين له بالشيء الكثير، ويذكره في غيرما موضع, وله آراء قيمة في التربية والتعليم. ١٣ - كبلر " ١٥٧١ - ١٦٣٠ ": ولد في إحدى مدن ورتمبرج. درس الآداب والفلسفة واللاهوت والرياضيات والفلك في المدرسة الأكليريكية بتوبنجن. ثم انصرف عن اللاهوت إلى تدريس الرياضيات, وكان يرى فيها أكمل العلوم، ويرى وجوب اتباع منهجها في كل علم؛ لأن الروح الإلهي يتجلى بالنظام والقانون، ولأن العقل الإنساني يدرك النسب الكمية بأوضح مما يدرك أي شيء آخر، ولا يصل إلى اليقين التام إلا باعتبار الوجهة الكمية. وكان أول اتجاه كبلر إلى وضع نظرية جديدة توفق بين نظرية كوبرنك ونظرية العقول المحركة للكواكب، ولكنه عاد فآثر أن يفترض عللا "طبيعية" واستعاض بالقوة عن العقل المحرك. وبعد بحوث طويلة استعاض بالإهليلج عن الدائرة التي كانت معتبرة أكمل الأشكال, وأيد نظرية كوبرنك بأن اكتشف مدارات السيارات وقانون حركتها. وفي أول كتاب له خصص فصلًا للتوفيق بين نظرية كوبرنك والتوراة؛ وكان بروتستانتيًّا، فلما راجع المخطوط أساتذة اللاهوت بجامعة توبنجن البروتستانتية، حذفوا منه ذلك الفصل، فلم يظهر في الكتاب المطبوع " ١٥٩٦ ". وفي سنة ١٦٠٨ أراد أن ينشر في ليبزيك تقريرًا مفصلًا عن النجم المذنب الذي ظهر في السنة السابقة، فأصرّ لاهوتيو المدينة البروتستانت على أن يمتنع من النشر. ١٤ - جليليو " ١٥٦٤ - ١٦٤٢ ": أ- ولد بمدينة بيزا من أعمال إيطاليا. وفي السابعة عشرة دخل جامعتها لدراسة الطب نزولًا على رغبة والده، ولكنه كان يتلقى في الوقت نفسه الفلسفة والرياضيات والفلك، مع شغف كبير باليونانية واللاتينية والشعر والموسيقى والرسم، وإيثار لأفلاطون وأرشميدس على أرسطو. وبعد ثماني سنين صار أستاذًا بالجامعة فمكث بها ثلاث سنين " ١٥٨٩ - ١٥٩٢ " ثم انتقل إلى جامعة بادوفا، فقضى بها سبع عشرة سنة " ١٥٩٣ - ١٦١٠ " وكان يعرض الفلك القديم مع اعتقاده

стр. 16

بنظرية كوبرنك، شأن غير واحد من أساتذة العصر، وفي سنة ١٦٠٩ صنع التلسكوب، فرأى جبال القمر ووديانه، وأقمار المشتري الأربعة, وعين قانون حركتها. وفي مارس من السنة نفسها نشر كتابًا بعنوان "رسول من النجوم" عرض فيه كشوفه، وأعلن انحيازه لنظرية كوبرنك؛ فلقي هذا الكتاب نجاحًا عظيمًا, وغادر جليليو بادوفا إلى فلورنسا إجابة لدعوة الغراندوق. وفي أواخر السنة اكتشف كلف الشمس، فاستنتج من حركة الكلف على قرص الشمس دوران الشمس نفسها، وفساد الرأي القديم الذي يقسم العالم إلى منطقة سفلية هي محل الكون والفساد، وأخرى علوية بريئة منهما. ودعا أتباع أرسطو إلى النظر بالتلسكوب، ويذكر أن ملانكتون، الزعيم البروتستانتي، وكريمونيني، أستاذ بادوفا، رفضا هذه الدعوة غيرة منهما على مذهب أرسطو، وفي سنة ١٦١١ ذهب جليليو إلى روما، فأحسن البابا بولس الخامس وفادته، واحتفى به فلكيو المعهد الروماني؛ ثم عاد إلى فلورنسا. ب- وما كاد يستقر فيها حتى صدر كتاب لأحد علمائها "في الفلك والبصريات والطبيعيات" " ١٦١١ " يتهمه بمخالفة التأويل السلفي للكتب المقدسة, فرد عليه جليليو في ٢١ ديسمبر ١٦١٢ برسالة موجهة إلى الراهب البندكتي كاستلي، أستاذ الرياضيات بجامعة بيزا الذي كان يقول بدوران الأرض، ودفع التهمة بتأويل النصوص الكتابية المعترض عليها طبقًا لنظريته, ثم عاد فأسهب في هذا الموضوع في رسائل أخرى. وفي ٥ فبراير ١٦١٥ أحال أحد الرهبان الدومنيكان إلى ديوان الفهرست، وهو الديوان المكلف بمراقبة الكتب ووضع الخطر منها في ثبت الكتب المحرفة، ورسالة جليليو إلى كاستل. فقام الديوان بالتحقيق مع جليليو، ونصحه الكرادلة دلمونتي، الذي كان رشحه للأستاذية بجامعة بيزا، وبلارمينو، من كبار رجال الكنيسة، وباربريني، الذي صار فيما بعد البابا أوربان الثامن، بأن يقتصر على التدليل العلمي، ويعرض نظريته على أنها فرض أبسط من النظرية القديمة، ويدع تفسير الآيات الكتابية إلى اللاهوتيين ولكنه لم يستمع إلى هذه النصيحة. ونشر تفسيرًا جديدًا لبعض الآيات, فأعلن إليه ديوان التفتيش في ٢٥ فبراير ١٦١٦ أن يمتنع من الجهر برأيه، فوعد بالامتناع. وفي ٥ مارس قرر ديوان الفهرست تحريم كتاب كوبرنك "ما لم يصحح" وأغفل

стр. 17

ذكر كتاب جليليو مراعاة له. ومعنى قول الديوان: "ما لم يصحح" أنه يأذن بطبع الكتاب نظرًا لفائدته بشرط تصحيح المواضع التي يتحدث فيها المؤلف عن حركة الأرض ومكانها من العالم "لا كمجرد فرض بل كحقيقة" كما جاء في تفسيره لقراره بتاريخ ١٥ مايو ١٦٢٠. ج- وفي ١٦١٨ ظهر نجم مذنب، فنشر جليليو "أو أحد تلاميذه فيما يقال" "مقالًا في المذنبات". فرد عليه أحد اليسوعيين من أساتذة المعهد الروماني فصنف جليليو كتابًا في شكل رسالة موجهة إلى أحد رجال الدين المعروفين، أسماه "المحاول" " ١٦٢٣ " أي: محاولة في المنهج التجريبي، وحمل فيه حملة عنيفة على الفلك القديم, فأخلف وعده مرتين. على أن البابا "أوربان الثامن" استقبله بروما في السنة التالية ست مرات، وشمله بعطف كثير. وبعد ثماني سنين " ١٦٣٢ " أذاع جليليو كتابه المشهور "حوار يناقش فيه أربعة أيام متوالية أهم نظريتين في العالم" يقتصر فيه ظاهرًا على سرد الحجج في جانب كل نظرية، وينم أسلوبه عن الجانب الذي يميل إليه. فعهد البابا إلى لجنة بفحص الكتاب، وأعلن ديوان التفتيش إلى جليليو بالمثول أمامه، فاعتذر باعتلال صحته، وبعد خمسة أشهر " ١٣ فبراير ١٦٣٣ " وصل إلى روما، فلم يحبس كما كان مألوفًا. ولما سئل أجاب أنه ما زال منذ قرار ديوان الفهرست يعتبر رأي بطليموس حقًّا لا يتطرق إليه الشك، وكرر هذا الجواب، فكان كاذبًا مرتين. فطلب إليه التوقيع على جوابه وصرف, وفي اليوم التالي قرئ عليه الحكم، فإذا بالحكم يعلن أن شبهة قوية قائمة على جليليو بالخروج على الدين لقوله بمذهب كاذب منافٍ للكتاب المقدس، ويطلب إليه أن ينكره، وأن يقسم بأن لا يقول أو يكتب شيئًا يمكن أن يستنتج منه هذا المذهب. فأنكر وأقسم وهو راكع على ركبتيه، ثم وقع بإمضائه على صيغة الإنكار والقسم. ويروى أنه بعد التوقيع ضرب الأرض برجله وقال: "ومع ذلك فهي تدور" ولكن هذه الرواية لم تذكر لأول مرة إلا سنة ١٧٦١، وهي إن صحت كانت شاهدًا ناطقًا بريائه أو كذبه مرة ثالثة. د- وكان الحكم يقضي عليه بالحبس، ولكن البابا عين إقامته في قصر سفير توسكانا صديق جليليو. وبعد بضعة أيام تركه يذهب إلى مدينة سيين حيث نزل عند أحد الكرادلة من أصدقائه أيضًا. وبعد خمسة أشهر طلب الإذن

стр. 18

بالذهاب إلى فلورنسا، فأجابه البابا إلى طلبه. فعاش هناك "سجينًا بالشرف" فكان يواصل بحوثه الرياضية، ويستقبل من يقصد إليه من العلماء والكبراء. وفي سنة ١٦٣٨ نشر كتابًا بعنوان "مقالات في علمين جديدين" يحوي أصول العلم الحديث في الميكانيكا والطبيعة، ولكنه طبع في هولندا هربًا من المراقبة قبل الطبع. وفي أوائل تلك السنة فقد جليليو بصره, وكانت وفاته بالحمى؛ وفي أثناء مرضه أبدى عواطف تقوى حارة، وأرسل إليه البابا بركته. هـ- والحق أن "المجمع المقدس" أخطأ في الحكم بأن مذهب كوبرنك باطل منافٍ للكتب المقدسة. ولكن هذا لا ينال من الكنيسة بالقدر الذي يزعم الكثيرون؛ ذلك بأن الكنيسة تعلم أن عصمتها في العقائد والأخلاق قائمة في المجمع الكنسي العام، أي: الممثل للكثلكة جمعاء، متحدًا مع البابا وفي البابا نفسه, ناطقًا باسم الكنيسة وفارضًا نطقه صراحة على جميع المؤمنين. والحكم هنا صادر عن هيئة خاصة؛ وهذه الهيئة إن كانت أنكرت النظرية الجديدة، فهي لم تمانع في إذاعتها كمجرد فرض علمي. فلم يكن رائدها التعصب ضد العلم، بل صيانة الكتب المقدسة لصيانة الدين والأخلاق، وكل ما يمكن أن يقال هو أن غيرة رجالها على الدين أربت على فطنتهم, ولكن يجب أن نذكر أن النظرية القديمة كان يؤيدها البروتستانت أيضًا، وقد مر بنا موقف لاهوتييهم من كبلر؛ كما كان يؤيدها جميع الأرسطوطاليين من مؤمنين وملحدين. ثم إن أدلة جليليو لم تكن برهانية، وهذه نقطة جديرة بالتنويه، فكان خصوم نظريته يناقشونها وينقدونها، وقد قال الكردينال بلارمينو، في رسالة ترجع إلى سنة ١٦١٥ موجهة إلى أحد الرهبان المناصرين لمذهب كوبرنك: "لو كان هناك برهان حق على دوران الأرض وثبات الشمس، إذن لتعين الحذر الشديد في تفسير آيات الكتاب المقدس، ولكان أحرى بنا أن نقول: إننا لا ندرك معناها، من أن نكذب ما قام عليه البرهان، ولكني لن أعتقد بقيام هذا البرهان قبل أن يبين لي". وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد، إذ لم تعد الكنيسة تحرم الاعتقاد بمذهب كوبرنك، بل صارت تحمل الآيات على محمل التعبير بالظاهر، كما نقول نحن الآن: طلعت الشمس وغربت, وماذا يقول الشانئون لمن يذهب من علمائنا المعاصرين إلى أن نظرية كوبرنك مجرد فرض، وأن ميزتها على النظرية الأخرى تنحصر في

стр. 19

بساطتها ليس غير؟ فيصرح أحدهم، هنري بوانكاري، بأن هاتين القضيتين: "الأرض تدور" و"افترض دوران الأرض أكثر نفعًا في العلم" هما معنى واحد بعينه، وليس يوجد في إحداهما أكثر مما يوجد في الأخرى ١. ووبعد, فأهمية جليليو في تاريخ الفلسفة ترجع إلى نقطتين: إحداهما المنهج العلمي، والأخرى بناء النظرية الآلية. فمن الناحية الأولى نجده يقول عن المنطق الصوري: إنه مفيد في تنظيم التفكير وتصحيحه، ولكنه قاصر عن استكشاف حقائق جديدة وليس يحصل الاستكشاف باستقراء جميع الحالات الممكنة، فإن مثل هذا الاستقراء مستحيل، وإنما يحصل الاستكشاف باستخلاص فرض من تجارب معدودة "وهذه مرحلة تحليلية" ومحاولة تركيب قياس يبين أن ذلك الفرض مطابق لتجارب أخرى "وهذه مرحلة تركيبية" بحيث يتكامل التحليل والتركيب ويتساندان. وهذا يعني أن المنهج العلمي هو الاستقراء الناقص مؤيدًا بالقياس, والاستقراء ممكن حتى ولو لم نستطع أن نجد أو نوجد في الطبيعة الفرض الذي نستخلصه. مثال ذلك، نفترض أن الأجسام تسقط في الخلاء بنفس السرعة، ولكننا لا نستطيع تحقيق الخلاء المطلق، فنستعيض عنه بالنظر إلى ما يحدث في أوساط يتفاوت هواؤها كثافة، فإذا رأينا السرعات تتقارب كلما تخلخل الهواء، حكمنا بأن الدليل قد قام على صحة الفرض. ز- ومن ناحية النظرية الآلية, يقول جليليو: إن هذه النظرية أقرب إلى مبدأ البساطة الذي قال به كوبرنك. فالعلم مادة وحركة, أما الحركة فخاضعة لقانون القصور الذاتي، وكان كبلر قال: إن الجسم لا ينتقل بذاته من السكون إلى الحركة، وقال جليليو: إن الجسم لا يغير اتجاه حركته بذاته، أو ينتقل بذاته من الحركة إلى السكون, وبين بالتجربة أن الحركة تستمر بنفس السرعة كلما أزلنا العوائق الخارجية، فمتى وجدت الحركة استمرت دون افتقار إلى علة. وأما المادة فمجرد امتداد، ويقول جليليو: إنه لم يستطع قط أن يفهم إمكان تحول الجواهر بعضها إلى بعض، أو طروء كيفيات عليها، كما يذهب إليه أرسطو؛ ويرتئي أن كل تحول فهو نتيجة تغير في ترتيب أجزاء الجسم بعضها بالنسبة إلى بعض، وهكذا لا يخلق شيء ولا يندثر شيء، فالتغيرات الكيفية عبارة عن تغيرات كمية

стр. 20

أو حركات. وينقلب العلم الطبيعي علمًا رياضيًّا ينزل من المبادئ إلى النتائج, ويسمح بتوقع الظواهر المستقبلة؛ لذا كان مبدؤه قياس ما يقبل القياس، ومعالجة ما لا يقبله مباشرة حتى يصير قابلًا له بصفة غير مباشرة. ويصرح جليليو أن الأعراض التي يصح إضافتها للأجسام هي: الشكل والمقدار والحركة والسكون ليس غير، ويسميها لذلك بالأعراض الأولية أو العينية الملازمة للأجسام بالضرورة؛ أما الضوء واللون والصوت والطعم والرائحة والحرارة والبرودة، فما هي إلا انفعالاتنا بتأثير الأجسام الخارجية، وهي كيفيات ثانوية. وهذا يعني أن ما لا يقاس "كما هو حال الإحساسات بالكيفيات الثانوية" فهو غير عيني أو موضوعي، وكان المنطق يقضي على جليليو بأن يقتصر على القول بأن ما لا يقاس فهو خارج عن العلم الطبيعي الرياضي، لا أن يقول: إنه غير موجود. وقد كان هذا الاعتقاد بذاتية الكيفيات المحسوسة مدعاة للشك في المعرفة، ومزلقة إلى التصورية التي تدعي أننا لا ندرك سوى تصوراتنا. وبكلمة واحدة: إن جليليو يبعث مذهب ديموقريطس، ويظنه صورة للوجود، وسيمضي في إثره العلماء المحدثون.

стр. 21

الفصل الرابع: نقاد ١٥ - نقولا ماكيافلي " ١٤٦٩ - ١٥٢٧ ": أ- أشهر أشياع الوثنية في عصره. ولد بفلورنسا في أسرة شريفة, وفي سن مبكرة انتظم في السلك السياسي, وكانت الجمهوريات الإيطالية متنابذة أشد التنابذ، تستبيح في حروبها كل صنوف الدسيسة والغدر والقسوة. فشهد كل ذلك، وقرأ مثله في كتب التاريخ، فاعتقد أن هذه هي الطبيعة الإنسانية، وانتهى إلى "سياسة واقعية" قوامها أن الحذر والقوة هما الخصلتان الضروريتان للحاكم، كما قال سوفسطائيو اليونان. وعرض مذهبه في كتب، أشهرها كتاب "الأمير" " ١٥١٣ " و"مقالات على المقالات العشر الأولى في تاريخ تيتو ليفيو" ١٥١٣ - ١٥٢١ " وهي خير ما كتب. ب- في كتبه جميعًا يقارن بين الأخلاق القديمة والأخلاق المسيحية؛ فيرى أن القدماء كانوا يحبون الجاه والصحة والقوة البدنية، وكانت ديانتهم تخلع هيبة إلهية على القواد والأبطال والمشرعين. أما المسيحية فإنها على العكس ترجئ غاية الإنسان إلى الآخرة، وتحث على الإعراض عن الجاه الدنيوي، وتمجد التواضع والنزاهة، وتضع الحياة النظرية الباطنة فوق الحياة العملية الظاهرة. فأوهنت عزيمة الإنسان، وأسلمت الدنيا لأهل الجرأة والعنف. فهي نافعة وضرورية للجمهور, فقط المطلوب منه الطاعة، ويجب على الحاكم أن يحميها ويؤيدها حتى ولو اعتقد بطلانها. ج- غاية الأمير القوة والأمن في الداخل، وبسطه السلطان في الخارج. فإذا أراد صيانة سلطانه وجب عليه المران على عدم التقيد بالفضيلة، وعلى استخدام الخير والشر تبعًا للحاجة. أما الذي يريد أن يسير سيرة فاضلة في كل ظرف، فعليه أن يحيا حياة خاصة ولا يعرض للحكم، وإلا هلك حتمًا وسط كثرة الأشرار. وليس الأمير مشرعًا ولكنه حربي، والحرب صناعته الأولى؛ لذا هو لا يبالي أن يُرمى بالقسوة حين يريد الرعية على طاعته, أليست الرحمة الحقة في

стр. 22

إعطاء بعض الأمثلة الصارمة الرادعة، بدل ترك الاضطراب يتفاقم ويقلب المجتمع؟ وهكذا كان مكيافلي نصير الاستبداد، وبقي اسمه عنوانًا على سياسة الختل والغدر, وحسب المسيحية منه هذا الانتقام! ١٦ - بيير دي لارامي " ١٥١٥ - ١٥٧٢ ": أ- هذا اسمه الفرنسي، ويعرف أيضًا باسمه اللاتيني "بتروس راموس". هو من أوائل الذين حملوا على منطق أرسطو، وقالوا بالاكتفاء بالمنطق الفطري، فعملوا على زعزعة الفلسفة المدرسية. كان أول أمره خادمًا عند طالب موسر بباريس، وكان يحس رغبة شديدة في العلم، فكان يدرس ليلًا. مال أولًا إلى المنطق المدرسي، ولكنه ما لبث أن رغب عنه، وأقبل بشغف على محاورات أفلاطون. وفي الحادية والعشرين حصل على درجة الماجستير في الفنون برسالة لاتينية عنوانها "في أن كل ما قاله أرسطو فهو وهم" " ١٥٣٦ ". وبعد سبع سنين نشر كتابًا باللاتينية "في الأخطاء الأرسطوطالية" وهو نقد مفصل للمنطق القديم فطلبت الجامعة إلى البرلمان إعدام الكتابين، متهمة المؤلف بأنه عدو الدين والأمن العام، وأنه يبث بين الشباب شغفًا خطرًا بالجديد. وعرض الأمر على الملك فرنسوا الأول، فأصدر مرسومًا بتحريم الكتابين، وكفه عن التعليم والنشر؛ لأنه "إذ ينقد أرسطو يعلن عن جهله هو". على أن هنري الثاني ألغى المرسوم سنة ١٥٥١ , فعلم راموس عشر سنين في الكوليج دي فرانس، وهو معهد أنشأه فرنسوا الأول للعلماء الإخصائيين. علم المجموعتين الثلاثية والرباعية على منهج العصر الوسيط, فصادف إقبالًا هائلًا لم يعرف له نظير منذ تدريس أبيلار، إذ كان يحتشد لاستماعه نحو ألفي شخص. وفي هذه الأثناء نشر بالفرنسية كتابًا في الجدل " ١٥٥٥ " وآخر بعنوان "تنبيهات مقدمة إلى الملك على إصلاح جامعة باريس" " ١٥٦٢ " وفي تلك السنة اعتنق البروتستانتية على مذهب كلفان. ولما نشبت الحرب الأهلية غادر باريس وفرنسا، فلقي استقبالا شائقا في ألمانيا وسويسرا حيث علم من ١٥٦٨ إلى ١٥٧٠ , ثم عاد إلى باريس. وفي ٢٦ أغسطس ١٥٧٢ قتل فيمن قتلوا من البروتستانت. ب- فكرته الأساسية أن المنطق فن عملي يزاول بالطبع، وأن القواعد عقيمة

стр. 23

مرهقة للعقل. وهذه فكرة قديمة ترجع إلى نفر من الرواقيين والأفلاطونيين، احتجاجًا منهم على الإغراق في التمرينات المنطقية، وقد عرضها أفلوطين في الرسالة الثالثة من التساعية الأولى، حيث يعارض المنطق بالجدل الأفلاطوني. ويستشهد راموس بمن سبق المنطق الصناعي من فلاسفة وسياسيين وخطباء وشعراء ورياضيين. هؤلاء جميعًا استخدموا العقل دون قصد، وطبقوا القواعد دون شعور بها. فالمهارة في الجدل تكتسب، لا بترديد القواعد النظرية، بل بمخالطة "الشعراء والخطباء والفلاسفة، وبالجملة خيار الناس" مخالطة متصلة. وكان هو يستعين بقدماء الكتاب في دراسة المنطق وتدريسه، فيجد عندهم غذاء لذوقه الأدبي. وهو يقسم المنطق إلى قسمين: أحدهما في اختراع الحجج، والآخر في تركيبها، أما اختراع الحجج فهو عبارة عن كتاب أرسطو في الجدل؛ وأما تركيبها فقد اشتغل به راموس بنوع خاص وفصل نظرية الاستدلال، والأمر الغريب أنه في الواقع لم يحد عن منطق أرسطو؛ وقد هاجم أرسطو من ناحية أخرى، فاتهمه بإنكار العناية والخلق، وبوضع أخلاق مستقلة عن الدين. فانبرى له "المفكرون والأحرار" يردّون عليه, وانتشرت آراؤه في ألمانيا وأسكتلندا وسويسرا، فكان له في هذه البلدان أشياع وخصوم. وهو وإن لم ينل من أرسطو ولم يأت في المنطق بشيء جديد، فقد كان في طليعة الحاملين على المعلم الأول، الشانئين للمنطق الصوري, وسيردد مثل أقواله جميع فلاسفة القرن السابع عشر. ١٧ - ميشيل دي مونتني " ١٥٣٢ - ١٥٩٢ ": أ- من بين المذاهب القديمة كان الشك معروفًا من كتب شيشرون وسكستوسن أمبير يقوس. وقد وجد له أنصارًا طوال القرن السادس عشر, اصطنعه بعضهم للإلحاد والاستهتار، وبعض آخر لكي يخلصوا إلى أن الدين وحده يوفر لنا اليقين، ويرشدنا إلى طريق السعادة. أشهرهم إطلاقًا ميشيل دي مونتني، شريف من أشراف فرنسا, تفقه في الأدب القديم وبخاصة الأدب اللاتيني, فعرف الشيء الكثير عن الإنسان وأحواله؛ ثم نظر إلى الناس في بلده وفي ألمانيا وسويسرا وإيطاليا، فزاد معرفة بالإنسان؛ وأخيرًا آوى إلى أملاكه، بعيدًا عن الخصومات السياسية والدينية، متوفرًا على الدرس والتأليف وتعرف الإنسان في

стр. 24

نفسه هو, دوّن "محاولات" Essais أي: مقالات في شتى الموضوعات، ونشرها فيما بين سنتي ١٥٨٠ و ١٥٨٨ وهو يكثر فيها من الحديث عن نفسه -وهذه إحدى خصائص المحدثين- فيذكر أخباره وعاداته وأذواقه ودراساته، ويقول: "أدرس نفسي أكثر من أي شيء آخر، وهذا عندي ما بعد الطبيعة والطبيعة". ب- نقل من اللاتينية إلى الفرنسية كتابًا في "اللاهوت الطبيعي" لأحد أساتذة جامعة تولوز في الثلث الأول من القرن الخامس عشر، يدعى ريمون دي سبوند، توخى فيه التدليل على العقائد بقوة العقل فحسب، بما لا يخرج عن مذهب القديس توما الأكويني. فأثار نقدًا من جانب الملحدين, فأخذ القلم وكتب مقالًا في "الدفاع عن ريمون دي سبوند" عرض فيه مذهب الشك, يقول لهم: تزعمون أن سبوند لم يثبت ما قصد إلى إثباته, أجل ليست أدلته حاسمة ولكن هاتوا أنتم دليلًا حاسمًا له أو عليه، برهنوا أنتم على آرائكم؛ لا تتهموه بالعجز بل اتهموا بالعجز العقل الإنساني نفسه. ألا إن الإنسان متكبر مغرور بالطبع، إنه أكبر المتكبرين، مع أنه أضعف المخلوقات. يتعالى على الحيوان، ويلقب نفسه ملك الخليقة، وليست المسافة بينه وبين الحيوان على ما يظن. إنه لا يمتاز بالحس، فإن الحيوان يحس؛ ولا بالعقل, فإن الحيوان يستدل على قدر حاجاته استدلالًا معقدًا صائبًا؛ ولا بالاجتماع، فإن من الحيوان ما يجتمع ويتعاون؛ ولا بالكلام، فإن الحيوان يتفاهم. وما من فضيلة من الفضائل التي يفخر بها الإنسان، وما من رذيلة, إلا ولها مقابل في الحيوان: الحلم والعدالة والإحسان والحب والصداقة والغيرة والمكر والادخار والشجاعة والأمانة وعرفان الجميل. وهنا يروي مونتني, عن ذكاء الحيوان في أفعاله ومصنوعاته، حكايات لطيفة ملفقة، أخذ معظمها من أفلوطرخس، ولم يكن يصدقها من غير شك. ثم يقول: إنما يمتاز الإنسان بأنه حيوان مرن غير محدود، بينما سائر الحيوان محدود في نطاق طبيعته، مقصور على حاجاته البدنية. ج- هل يقال: إن هناك شيئًا جوهريًّا يرفعنا فوق الحيوان، هو العلم؟ ولكن ما هذا العلم؟ إذا استثنينا المعارف النازلة بالوحي، لم نجد أنفسنا نعرف شيئًا. ماذا نعرف عن الله؟ لكل فيلسوف جواب، والأجوبة بعضها أغرب من بعض. حين نقول: إن العصور الماضية والمستقبلة ما هي إلا بمثابة اللحظة بالإضافة إلى الله

стр. 25

وإن خيرية الله وعلمه وقدرته غير ماهيته، نقوله باللسان ولا يتعقله العقل. وماذا نعرف عن النفس؟ إن النفس أقرب الأشياء إلينا، ومع ذلك نجد آراء الفلاسفة فيها أكثر تضاربًا وغرابة. وماذا نعرف عن جسمنا؟ ما أعضاؤه وما أجزاؤها؟ وكيف تتصل وتتلاءم فيما بينها؟ وكيف ولم تفعل أفعالها؟ وما المرض؟ ولم ينجع بعض الأدوية دون بعض؟ لا جواب إلا جواب لفظي لا أكثر. وماذا نعرف عن الطبيعة؟ وهل نعرف حقيقة الأجرام السماوية، وحقيقة حركاتها؟ يعارض كوبرنك بطليموس، ولكن "من يدري؟ لعل رأيًا ثالثًا يظهر في مدى ألف عام فيقلب الرأيين". وإن جغرافيي العصر لمخطئون في توكيدهم أن كل شيء قد اكتشف. سقط العلم القديم، فلِمَ لا يسقط العلم الجديد بدوره؟ نحن نتوهم أننا نعلم حين نستخرج نتائج من مبادئ, ولكن ما قيمة المبادئ؟ إن كل قضية نؤيد بها رأيًا، مفتقرة هي أيضًا إلى تأييد، ويتسلسل الأمر إلى غير نهاية, فتبقى المبادئ غير مثبتة. كثير أن نقول: "لا أدري" وأحرى بنا أن نقول: "ما أدراني" فنعين بذلك مبلغ العلم الإنساني. وإن أكثر الناس علمًا ليعلمون أننا لا نعلم شيئًا. فإذا كان الجهل المطبق بداية العلم، كان جهل العالم نهايته. لقد حدث للعلماء الحقيقيين بهذا الاسم مثل ما يحدث لسنابل القمح التي تصعد في الفضاء رافعة الرأس ما دامت خاوية، حتى إذا ما امتلأت حبًّا أخذت تتضع وتدلي القرون. د- ولكن قد يقال: إذا كان علمنا على مثل هذا النقص، أفليس لنا أن نأمل علمًا أضبط في المستقبل؟ كلا، فإن آلات العلم عاجزة عن توفير اليقين, وسنظل كذلك. كيف نطمئن إلى شهادة الحواس بوجود أشياء، ونحن نعتقد في المنام بوجود ما يتراءى لنا؟ من يدرينا لعل اليقظة ضرب من المنام؟ وكيف نطمئن إلى الحواس في شهادتها بكيفيات الأشياء وعلاقاتها، وهي إنما تدرك انفعالاتها، لا الأشياء نفسها؟ ثم إن حواس الحيوان مختلفة عن حواسنا، فالحيوان لا يدرك الأشياء كما ندركها نحن. ويقال مثل ذلك عن أفراد الناس, بل إن الفرد منا يتغير باستمرار وتتغير إحساساته. ثم إن من الحيوان ما يحيا حياة كاملة وهو عاطل من البصر أو من السمع, فمن يدرينا لعلنا عاطلون من حاسة أو اثنتين أو ثلاث أو أكثر؟ أما العقل فليس يوثق به كذلك. إن

стр. 26

صاحب الرأي الخاطئ يعتقده صوابًا, فمن يضمن لنا أننا لسنا على خطأ حين نعتقد أننا على صواب؟ ولو كان للعقل ما يزعم له من حكم صائب لما اختلفت العقول. ولا سبيل إلى علامة لتمييز الحق من الباطل "لكي نحكم على الظواهر الواردة من الأشياء، يلزمنا أداة للحكم، ولكي نتحقق من هذه الأداة، يلزمنا برهان؛ ولكي نتحقق من هذا البرهان، يلزمنا أداة؛ ويدور الدولاب". بل نحن لا نستطيع أن نثبت أن قضية ما أرجح من أخرى؛ فإن مثل هذا الإثبات يستلزم أولًا معرفة الحق الذي يقترب منه الرجحان. هـ- ولما كانت القوانين من صنع الناس، فقد جاءت ناقصة متباينة بتباين البلدان، مختلفة في البلد الواحد باختلاف الأزمان. يقول البعض: إن الضمير يعلن إلينا "قوانين غير مكتوبة" أزلية ثابتة. كلا، فإن الضمير وليد البيئة والعادة لا وليد الطبيعة؛ لذا نراه يختلف باختلاف البلدان والأزمان. فالملحدون الذين يتمردون على الله، والبروتستانت الذين ينازعون الكنيسة سلطاتها, والثائرون الذين يريدون إبدال النظام القائم بنظام أصلح في رأيهم, كل أولئك يصدرون عن الكبرياء والغرور. إن الحكمة تقضي بأن نحكم على الأشياء، لا بحقيقتها وليس لنا إلى الحقيقة من سبيل، بل بفائدتها للحياة، وفي هذا نجد اتفاقًا عامًّا بين الجماعات الإنسانية. فلنستمسك بالعادات والتقاليد. فمونتني يجدد حجج قدماء الشكاك بأسلوبه الحي الملون، ولا يزيد عليها شيئًا؛ ويصل إلى عين النتيجة التي وقفوا عندها, وهي الاستسلام للطبيعة والعادة كأن ليست لنا عقول. ولكنه كان عاملًا قويًّا في إذاعة الشك، وقد أثر تأثيرًا كبيرًا في ديكارت وبسكال.

стр. 27

الفصل الخامس: فلاسفة مستقلون ١٨ - برنردينو تليزيو " ١٥٠٨ - ١٥٨٨ ": أ- ثلاثة فلاسفة إيطاليين من أهل الجنوب يظنون أنفسهم رجال العلم الحديث والفلسفة الحديثة، فيؤلفون فريقًا على حدة، ويختلفون عن فلاسفة شمال إيطاليا الذين كانوا أفلاطونيين أو أرسطوطاليين رشديين. وفيلسوف ألماني يحاول أن يحل مسألة صدور الكثير عن الواحد، فيضع مذهبًا من الغرابة بمكان. ب- أول الفلاسفة الإيطاليين برنردينو تليزيو. ولد بالقرب من نابولي, وتلقى العلم في ميلانو، ثم قصد إلى روما فإلى بادوفا. وبعد أن أقام مدة في بلاط البابا بولس الرابع، الذي كان يقدره تقديرًا كبيرًا حتى أراد أن يعينه رئيس أساقفة، عاد إلى نابولي، وعلم فيها، وأسس أكاديمية لتقدم العلوم الطبيعية عرفت باسمه "أكاديميا تليزيانا". وفي سنة ١٥٦٥ ظهر القسم الأول من كتابه "في طبيعة الأشياء" وبعد اثنتين وعشرين سنة " ١٥٨٧ " ظهر القسم الخاص بالإنسان من الوجهتين النفسية والخلقية. ج- كان من أشد معارضي العلم الطبيعي الأرسطوطالي، ولكن علمه هو كان ساذجًا, بعث النظرية الرواقية فذهب إلى أن العالم حي، وأنه عبارة عن مبدأين جسميين خلقهما الله: مادة منفعلة فيها مبدأ فاعل, والمبدأ الفاعل مزدوج: قوة تخلخل أو حرارة، وقوة تكاثف أو برودة. فيقسم العالم إلى مركز حرارة هو السماء، ومركز برودة هو الأرض، دونما اختلاف بين المادة السماوية والمادة الأرضية. والسماء تتحرك حركة دائرية بالطبع، لا بمبادئ مغايرة لها كالعقول المحركة عند أفلاطون وأرسطو؛ وذلك لأنها مركز الحرارة وأن الحرارة تحدث الحركة, والأرض ساكنة لأن طبيعتها باردة مظلمة. "ولكن تليزيو يقول: "إن الأرض تحدث حرارة بتأثير الشمس، فلِمَ لا تتحرك هي أيضًا؟ "". د- الحرارة والبرودة تؤثران في المادة، فتتشكل أشكالًا وتتكيف كيفيات مختلفة تبعًا لنسبة التخلخل أو التكاثف، أو أن الأشياء الطبيعية تولد من تماس

стр. 28

الحرارة السماوية وسطح الأرض البارد. والموجودات جميعًا حاسة؛ لأن كل موجود فهو حاصل على الميل لاستبقاء كيانه، فيتعين أن يحس اقتراب ضده منه لكي يقاومه، وإلا لم يستطع البقاء؛ فالغائية التي يجعلها أرسطو طبيعية في الموجودات غير العارفة، ومعلومة مرادة في الموجودات العارفة، يجعلها تليزيو كلها معلومة، فينتج له أن العالم حي عارف، وهذه القضية تقضي من جهتها بأن تكون الغائية معلومة مرادة. ونفس الحي جزء من المبدأ الفاعل، فهي جسمية مثله، لا صورة جوهرية للجسم كما يقول الأرسطوطاليون، وإلا لما أمكن للمادة أن تؤثر فيها، ولما أدركت هي التكاثف والتخلخل، من حيث إن هذا الإدراك يستلزم أن تتكاثف وتتخلخل. فالنفس نفس حار منتشر في الأعصاب وتجاويف الدماغ، وهذا سيدعى فيما بعد بالأرواح الحيوانية. على أن تليزيو يقول: إن الله يضع في الإنسان، إلى جانب النفس المادية، نفسًا روحية خالدة هي التي لا تقنع بالحياة الأرضية وتدرك الله, وقد يكون تليزيو أراد بهذا القول مجاراة الدين. هـ- الإحساس إدراك التأثيرات الخارجية والتغييرات الداخلية، بل هو إدراك التغييرات الداخلية؛ لأننا إنما نعلم التأثيرات الخارجية بوساطتها, وكل معرفة فهي إحساس, والإحساس حركة مخية, ومتى تكررت في غيبة المحسوس، كانت تخيلًا وتذكرًا. أما المعرفة العقلية، فإدراك علاقات التشابه والتباين بين الإحساسات. وأما الأفعال الخلقية، فترجع إلى غريزة حب البقاء، فيتضح مما تقدم أنه يمكن اعتبار تليزيو ممثلًا للفلسفة القائمة على التجربة قبل تأسيس العلم الطبيعي الحديث. وما هي إلا الفلسفة المادية في جميع العصور، لا يغير فيها تقدم العلم إلا الاصطلاحات والتطبيقات. ١٩ - جوردانو برونو " ١٥٤٨ - ١٦٠٠ ": أ- هو أبرز ممثلي روح "النهضة" في الفلسفة، روح التمرد وروح النشوة بالكون الجديد المتسع إلى غير حد. وُلد بالقرب من نابولي, وفي السادسة عشرة دخل ديرًا للدومنيكان بالمدينة, ولكنه كان حاد المزاج قوي الشهوة، كثير التقلب حتى بدرت منه آراء أثارت الريبة في عقيدته، ففر إلى روما، فكان فيها موضع ريبة أيضًا، فخلع ثوب الرهبنة في الثامنة والعشرين " ١٥٧٦ " وشرع يطوف في

стр. 29

شمال إيطاليا يعطي دروسًا في الفلك لبعض الشبان الموسرين. ثم قصد إلى جنيف " ١٥٧٩ " وانتسب إلى جامعتها، ولم يكن الانتساب إليها مباحًا لغير البروتستانت إذ كانت المدينة بروتستانتية، فظن أنه من أتباع الكنيسة الجديدة. وما لبث أن أعلن رأيًا عدته السلطة الدينية منافيًا للمسيحية وأوقعت عليه جرمًا، فعمل على رفع الجرم عنه وأظهر الندم على ما فرط منه. ثم رحل إلى جنوب فرنسا، فعلم سنتين بجامعة تولوز ولقي إقبالًا شديدًا؛ علم الفلك وفلسفة أرسطو، وكانت له مشادات مع العلماء. وفي ذلك الوقت أراد أن يعود إلى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية فاشترط عليه قبل كل شيء العودة إلى ديره، فأبى. وشبت في المدينة حرب أهلية، فرحل إلى باريس " ١٥٨١ " وعلم بها, فصادف من الإقبال مثل ما صادف في تولوز. وبعد سنتين ذهب إلى إنجلترا، فكتب إلى جامعة أوكسفورد يخبرها بمقدمه، ويعلمها بأنه أستاذ الحكمة الخالصة، وفيلسوف مشهور في جامعات أوروبا، لا يجهله إلا البرابرة والأجلاف, إلى غير ذلك من الدعاوى. ففتحت له الجامعة بابها، فعرض فيها آراءه الفلسفية والفلكية، فأثار مناقشات عنيفة، واضطر إلى وقف دروسه، ورجع إلى باريس بعد غيبة سنتين، وهناك أعاد الكرة على الكنيسة الكاثوليكية، فكان ما كان في المرة الأولى من اشتراط فإباء. وفي مناقشة علنية بالجامعة هاجم مذهب أرسطو ودافع عن الفلك الجديد وعن حرية الفكر، وكان دائم الحملة على أرسطو "الشتام الطماع، الذي أراد أن ينتقص آراء جميع الفلاسفة". وبعد فترة قصيرة غادر باريس إلى ألمانيا، فأبت عليه جامعة ماربورج التعليم بها، وأجازته له جامعة فتنبرج, فمكث بها سنتين هادئتين. وفي خطاب الوداع أشاد بالعلم الألماني يمثله نقولا دي كوسا وبراسلس وكوبرنك، وأكبر لوثير لمناهضته الكنيسة الكاثوليكية. فذهب إلى براج, فإلى فرانكفورت حيث قضى سنة، وقد يكون طرد منها, فقصد إلى زوريخ، ثم إلى البندقية " ١٥٩١ ". ب- وفيما هو بهذه المدينة شكاه أحد تلاميذه إلى مجلس التفتيش، فأمر باعتقاله " ١٥٩٢ " فأنكر برونو بعض ما نسب إليه من أقوال، وصرح بأنه كان دائمًا حريصًا على العقيدة الكاثوليكية في أعماق نفسه، وركع وطلب العفو عما بدر منه من أضاليل. ونمى خبر هذه المحاكمة إلى ديوان التفتيش بروما، فطلبه

стр. 30

من حكومة البندقية، فبعثت به, فظل معتقلًا ست سنين ونيفًا، وكان من عادة مجالس التفتيش مطاولة المتهمين علهم يرعوون عن غيهم. أخذ عليه الديوان ثماني قضايا، منها التهكم على تجسد المسيح وعلى القربان الأقدس, فأصدر البابا أمره بأن يطلب منه إنكار القضايا المخالفة للعقائد المقررة، دون القضايا المتعلقة بمذهب كوبرنك. فكان هذا التمييز من جانب البابا دليلًا على استعداد الكنيسة لقبول العلم الجديد، قبل تحريم كتاب كوبرنك وإنذار جليليو بثماني عشرة سنة، وقبل الحكم الأخير على جليليو بخمس وثلاثين سنة. ولكن برونو رفض الطلب وقال: إنه لم يخالف الإيمان، وإن رجال الديوان يؤولون أقواله, فحكم عليه بالجرم, وبتسليمه إلى السلطة المدنية "كي يعاقب برفق ودون سفك دم". فأعدم حرقًا بعد أسبوع " ١٧ فبراير ١٦٠٠ " وكان إلى النفس الأخير رابط الجأش مصرًّا على عناده، حتى إن كاهنًا مد إليه صليبًا فرده. ومهما يكن من أمر إحراقه -وكان منهاج العصر يحتمل هذا الضرب من الإعدام- فلا شك في أنه خرج على الدين خروجًا خطيرًا، كما أشرنا إليه وكما سيتضح من بيان مذهبه أنه كان راهبًا معيبًا وفيلسوفًا مفتونًا، جواب آفاق، مشاكسًا مهاترًا. ج- وقد جاءت كتبه كثيرة بالرغم من شدة قلقه وكثرة ترحاله, وجاءت صورة لشخصيته الكدرة الغامضة، أي: قليلة الوضوح, عديمة المنهج، طنانة رنانة, أهمها: كتاب "في العلة والمبدأ الواحد" " ١٥٨٤ " وهو خيرها جميعًا؛ وكتاب "في العالم اللامتناهي وفي العوالم" " ١٥٧٤ "؛ وكتاب "في المونادا والعدد والشكل" " ١٥٩١ "؛ وكتاب "في الكون اللامتناهي وفي العوالم" " ١٥٩١ "، وكتاب "في طرد البهيمة الظافرة" في الفلسفة الخلقية. ومن هذه العناوين نعلم أن مذهبه وحدة الوجود على الطريقة الرواقية. د- كانت مرحلته الأولى إلى هذا المذهب الأفلاطونية الجديدة بأقانيمها الأربعة: الله، والعقل الكلي، والنفس الكلية، والمادة؛ وبقولها: إن الله فوق متناول فكرنا الذي يعمل بالتمييز والاستدلال؛ ثم قال: ولكن الله يصير موضوع تعقل أو فلسفة من جهة كونه باديًا في الطبيعة أو نفسًا كلية تربط بين أجزاء العالم ربطًا محكمًا؛ ولما كان الله لامتناهيًا، كان العالم لامتناهيًا كذلك؛ لأن العلة اللامتناهية تحدث معلولًا لامتناهيًا؛ ولما كان من الممتنع أن يوجد لامتناهيان،

стр. 31

كان الله والعالم موجودًا واحدًا. فلانهائية العالم تلزم إذن من اعتبار الله؛ فإن الله مبدأ الخير، فهو يمنح كل ما في قدرته أن يمنح، دون حسد ولا بخل؛ فالكمال اللامتناهي يتجلى بالضرورة في عدد لامتناهٍ من الموجودات، إذ إن التقابل بين القدرة والوجود لا يصح إلا بالإضافة إلى الموجود المتناهي، لا بالإضافة إلى اللامتناهي حيث تتفق القدرة والإيجاد. هـ- وتلزم لانهائية العالم أيضًا من اعتبار العالم نفسه؛ فنحن نلاحظ أن الأفق ينتقل بانتقالنا في المكان، فالإدراك الحسي لا يدل على مركز مطلق للعالم أو على حد مطلق كما اعتقد القدماء، بل العكس يدل على إمكان اعتبار أي مكان نوجد فيه بالفعل أو بالخيال مركزًا للعالم، وعلى إمكان تكبير حدود العالم إلى ما لانهاية. ويتفق مع شهادة الحس هذه ما لخيالنا وعقلنا من قوة إضافة العدد إلى العدد والمقدار إلى المقدار، دون وقوف عند حد؛ كما يتفق معها شعورنا بعدم الرضا كلما بلغنا إلى غاية توخيناها. فمن غير المعقول أن لا يكون الوجود بحيث يطابق مقدرة خيالنا وعقلنا وإرادتنا على مجاوزة كل حدّ. وويلزم مما تقدم نسبية المكان والحركة والزمان. أما نسبية المكان، فتتضح من كون الأفق يستدير دائمًا حول النقطة التي نوجد فيها، فيصبح تعيين المكان نسبيًّا، ويختلف شكل العالم في نظرنا باختلاف النقطة التي نتمثله منها، فيبدو من القمر غيره من الأرض، ويبدو من الزهرة أو من الشمس غيره كذلك وتصير نقطة واحدة بعينها مركزًا أو قطبًا أو سمتًا. لذا كانت ألفاظ "فوق وتحت ويمين ويسار" لا تدل في الحقيقة على شيء مطلق. وأما نسبية الحركة، فتتضح من أن ليس في العالم نقطة ثابتة كما تقدم، فالحركة الواحدة بعينها تتخذ شكلًا خاصًّا حسبما تصورتها من الأرض أو من الشمس؛ وأي نقطة أفترض نفسي موجودًا فيها تبدو دائمًا غير متحركة؛ فليس يمكن الحصول على يقين مطلق بالفرق بين الساكن والمتحرك، والمذهب القديم يفترض ما يلزم التدليل عليه، أعني أن الأرض هي النقطة الثابتة التي تقاس إليها كل حركة. وأخيرًا من نسبية الحركة تلزم نسبية الزمان، ذلك بأنه لما كان الزمان مقياس الحركة، وكانت الحركة تبدو مختلفة باختلاف الكواكب التي ننظر منها إليها، كان في العالم من الأزمنة بقدر ما فيه من كواكب. والنتيجة أن العالم لامتناهٍ، يشتمل على نظم

стр. 32

شمسية لا تحصى، شبيهة بنظامنا الشمسي، أي: إن النجوم شموس تحيط بها سيارات لها أقمار. فيجاوز برونو موقف كوبرنك الذي كان يتابع القدماء في تصور العالم محدودًا. ز- إذا كان الوجود واحدًا لزم أن تتفق فيه جميع الأشياء, وهذا ما يذهب إليه برونو ببيان أن الأشياء مرتبطة أوثق ارتباط، وأن الأضداد التي تبدو للفكر المنطقي منفصلة متعارضة، هي في الحقيقة ملتصقة متدرجة بعضها إلى بعض تدرجًا غير محسوس، فتنم عن مبدأ مشترك تتحد فيه، غير أنه يميز في هذا الواحد بين العلة والمعلول: العلة هي الله أو الطبيعة الطابعة أو نفس العالم، هي المبدأ الذي يترجم عن نفسه في مختلف الموجودات دون أن يبلغ إلى كمال تحققه في صورة جزئية معينة؛ والمعلول هو العالم أو الطبيعة المطبوعة. وليس التوحيد بين الله والعالم إنكارًا لله، ولكنه تمجيد له، إذ إنه يوسع فكرة الله إلى أبعد من الحدود التي يحصرها فيها الذين يجعلون من الله موجودًا قائمًا "بجانب" الموجودات، أي: موجودا متناهيا، إن الله موجود كله في كل شيء، بل هو أكثر حضورًا في الأشياء منها في أنفسها؛ وكل شيء في الطبيعة حي، وما الموت إلا تحول الحياة. إن فساد شيء كون شيء آخر، والعكس بالعكس. فكل موجود نفس وجسم معًا؛ النفس "مونادا" حية "من اللفظ اليوناني "موناس" أي: الوحدة، وكان برونو أول من اصطنع هذا الاصطلاح، فأخذه عنه ليبنتز". وكل موجود صورة جزئية لله المونادا العظمى، أو مونادا المونادات، أو العنصر أو الحد الأدنى لأن كل شيء منتشر عنه، أو الحد الأقصى لأن كل شيء قائم فيه. والجسم أثر ما للمونادا من حركة انتشار, والفكر عودة المونادا إلى ذاتها. في هاتين الحركتين تقوم الحياة، فتدوم ما دامتا، وتنطفئ بسكونهما، لتظهر في صورة جديدة, ونفس الإنسان أعلى مظاهر الحركة الكونية. غير أن برونو عاد فأخذ بنظرية الجوهر الفرد في تفسير كون الموجودات وفسادها، فكانت هذه مرحلة ثالثة وأخيرة، لا تمحو نظرية وحدة الوجود بل تدخل فيها. فهو لم يأت بشيء جديد، اللهم إلا تلك المطابقة بين لانهائية الله ولانهائية العالم، ولو أنه رجع إلى أرسطو يتعلم منه بدل أن يتهجم عليه، وحكم العقل بدل أن ينقاد إلى الخيال، لعلم أن المادة لا يمكن أن توجد بالفعل إلى غير حد.

стр. 33

٢٠ - تومازو كمبانيلا " ١٥٦٨ - ١٦٣٩ ": أ- راهب آخر من الدومنيكان أثار الريبة ضده لانتقاضه على أرسطو بحجة استحالة التوفيق بين فلسفته وبين المسيحية واعتناقه آراء تليزيو الطبيعية، وميله إلى العلوم الخفية. وسئل في ذلك أمام مجلس التفتيش، فاستطاع الخروج بسلام من هذا الامتحان, غير أن فتنًا نشبت في كلابريا "مسقط رأسه" ضد الحكم الإسباني، وكان هو قد لفت إليه الأنظار بأفكاره الاشتراكية وإعلانه أنه استدل بالتنجيم على أن ثورات ستقع سنة ١٦٠٠، فاتهم بالائتمار بالدولة والمروق من الدين، وعذب عذابًا شديدًا، وظل سجينا بنابولي سبعًا وعشرين سنة, ولكنه كان في سجنه يقرأ ويكتب نثرًا وشعرًا، وكان نفر من أصدقائه يزورونه فيه, فيأخذون ما يكتب ويقدمونه للطبع. ثم أفرج عنه وأرسل إلى روما، فأخذه البابا تحت حمايته، ويسر له سبيل الفرار إلى فرنسا، فقضى فيها سنيه الأخيرة وحكومتها تجري عليه معاشًا. ب- عرض آراء تليزيو في كتاب أسماه "دلالة الأشياء والسحر" دوّن سنة ١٦٠٤ ونشر سنة ١٦٢٠. يعرف فيه السحر بأنه فن استخدام قوى النجوم وتأثير الإرادة الإنسانية في الطبيعة، فهو من هذه الناحية بعيد كل البعد من العلم الحديث الذي كان يمثله معاصراه ديكارت وجليليو. وفي سنة ١٦٢٢ طبع له بفرانكفورت "دفاع عن جليليو" دعا فيه الكنيسة إلى ترك الحرية للبحث القائم على التجربة؛ لأن كتاب الطبيعة إذا درس درسًا عميقًا بان متفقًا مع الكتاب المقدس، وكان اعتقاده أن الكنيسة ترحب بالعلم الجديد، وأن برونو لم يحرق بسبب آرائه العلمية, ولكنه هو لم يكن يتصور التجربة مثل تصور جليليو. ولما صدر الحكم على جليليو أذعن له نزولًا على إيمانه, على أن أهم كتبه اثنان: الواحد "في الفلسفة العامة أو الميتافيزيقا" حرر القسم الأكبر منه في سجنه، ونشره سنة ١٦٣٨، وفيه يلتقي مع ديكارت في المنهج إلى حد غريب، ويقيم آراءه "أو آراء تليزيو" الطبيعية على أساس عقلي؛ والكتاب الآخر "مدينة الشمس" يعرض فيه أفكاره الاجتماعية ناحيًا منحى أفلاطون في "الجمهورية" وتوماس مور في "يوتوبيا". ج- في الفلسفة العامة يعنى أولًا بمسألة المعرفة، ثم ينتقل إلى مسائل

стр. 34

الوجود. تنقسم معارفنا إلى حسية وعقلية، فلمعرفتنا مصدران هما التجربة والاستدلال. وقد ارتاب معظم القدماء في صدق إدراك الحواس، وقال الشكاك: إن الموضوع المدرك بالحس ما هو إلا انفعال الحس، فكيف يسوغ إضافته إلى شيء خارجي، وقد تكون الذات المفكرة علة له وهي لا تدري؟ الجواب: أن الحس الباطن يظهرني على وجودي بصفة مباشرة لا تحتمل الشك. وهنا يستشهد كمبانيلا بالقديس أوغسطين، وكانت فكرة إقامة العلم على الشعور المباشر موجودة عند نقولا دي كوسا ومونتني وغيرهما من رجال عصر النهضة، وأعلن عنها ديكارت في كتابه "مقال في المنهج" المنشور سنة ١٦٣٧. والحس الباطن يظهرني على نفسي أني قادر عارف مريد، وأني محدود المعرفة والقدرة، فأستنتج أن هناك وجودًا يحدني أي: عالمًا مغايرًا لذاتي، ويصح عندي هكذا بالاستدلال ما يصدر عني طبعًا قبل أي تفكير, أعني الاعتقاد بعالم خارجي هو علة إدراكي الحسي. والمطابقة بين الإدراك الحسي وذات الشيء لازمة من كونهما صادرين "وكون الأشياء جميعًا صادرة" عن أصل واحد. د- تلك الأمور الثلاثة التي يظهرني عليها الشعور، وهي القدرة والعلم والإرادة، هي المبادئ الكلية أو الشروط الأولية للوجود، ويستدل عليها بالعقل فإنه لكي يحصل الموجود على الوجود، يلزم أن يكون ممكن الوجود أو أن تكون له القدرة على أن يوجد، وأن يكون هناك مثال يتحقق الموجود بحسبه من حيث إنه بغير العلم لا يفعل فاعل، وأن يكون هناك إرادة تحققه. فالنظر في الموجود المدرك يؤدي بنا إلى موجد هو الموجود الأعظم أو الله، حاصل على غاية القدرة والعلم والإرادة، بينما سائر الموجودات، الملائكة والنفس الكلية والنفوس الإنسانية والأجسام، تشارك فيها على حسب مكانها من كمال الله؛ لأنها جميعًا فاعلة، بحيث يلزم أن الوجود كله حي، أي: إن في كل موجود قدرة أولية هي القدرة على تحريك الذات أو الحياة، وهذه القدرة مفروضة في القدرة على تحريك أي شيء, ويلزم أن في كل موجود علمًا أوليًّا هو علمه بذاته؛ ولكن هذا العلم كامن متفاوت؛ ونحن مشغولون عنه بالمؤثرات الخارجية التي ترد علينا باستمرار والتي لا محيص لنا عن الالتفات إليها لصيانة حياتنا. فليس هذا العلم الأولي شعورًا بالفعل، وإنما هو إمكان شعور؛ لذا كنا لا ندرك أنفسنا إدراكًا مباشرًا، وإنما

стр. 35

ندركها خلال أفعالنا, على أن هذا العلم الأولي شرط العلم بالأشياء، فإن إدراكي الحرارة معناه أني أشعر بنفسي حارًّا, فكل معرفة عبارة عن تغير وتعيين لشعوري فهي تفترض الشعور قبلها. ثم يلزم أن في كل موجود إرادة أولية تظهر في حبه للبقاء؛ بل إن النبات والحيوان يرمي بالتوليد إلى بقاء أبعد من بقاء الفرد؛ بل إن ما في الضوء والحرارة من حاجة إلى الانتشار والفيض، يترجم عن ذلك الميل الأزلي أو المحبة الأزلية الفعالة. وكما أن العلم بالذات مفروض في كل علم، فكذلك محبة الذات مفروضة في محبة أي شيء، فإن الغرض من كل محبة حفظ الوجود وفيه سعادة الموجود. وأعلى مظهر لحفظ الوجود المشاركة الأبدية في الوجود الإلهي فإن كل موجود، كما أنه صادر عن الله، ينزع إلى أن يرجع إلى الله وأن يشارك في الحياة اللامتناهية. فالموجودات جميعًا متدينة؛ لأنها جميعًا تنفر من العدم، ولما كانت تحمل في أنفسها العدم إلى جانب الوجود، كانت تحب الله أكثر مما تحب أنفسها. وهكذا نصل إلى الأخلاق والدين من طريق محبة الذات التي تبدو في حقيقتها أنها محبة الله فعالة في كل موجود. ففي الإنسان دين كامل متحد بالعلم الكامن والميل الكامن؛ وهذا الدين الأولي مفروض قبل الأديان الوضعية, وإنما لزم الوحي لاختلاف الأديان الوضعية وأضاليلها, واللاهوت أعلى من الفلسفة بقدر علو الله على الإنسان. وهكذا يؤلف كمبانيلا مذهبًا شاملًا قائمًا على معانٍ ثلاثة, وتعد محاولته هذه أولى المحاولات الحديثة التي ترتب الفلسفة كلها تبعًا لوجهة واحدة تعتبر بمثابة نقطة المركز. هـ- أما السياسة فيجب أن تخضع للأخلاق والدين وتصدر عنهما. فهي ليست علمًا أو فنًّا مستقلًّا كما يريد ماكيافلي "ممثل مبدأ الشر" بمذهبه السمج, السياسة قائمة على محبة الإنسان لنفسه بالمعنى المتقدم، ومحبته للمجتمع الذي هو شرط وجوده. ويا حبذا لو ألفت الإنسانية جمعاء إمبراطورية كبرى يديرها مجلس الملوك بإرشاد البابا, بل يا حبذا "كما جاء في "مدينة الشمس"" لو ينظم المجتمع وفقًا لأصول العلم، أي: العلم الطبيعي والفلسفة، فيتولى فيه الحكم خير الذين مهروا في العلم النظري والعلم العملي معًا؛ وتزول سلطة الإكليروس والأشراف؛ وتحظر الملكية الخاصة والمعيشة المنعزلة في دائرة الأسرة؛ لأن الاختصاص والانعزال ينميان الأثرة ويوهنان الوطنية؛ وتنظم العلاقات الجنسية بناء على الاعتبارات

стр. 36

الفسيولوجية لكي تحصل الدولة على مواطنين أصحاء موهوبين؛ ويكلف كل مواطن بما يناسب استعداده من عمل، وترد إلى العمل حقوقه وكرامته فلا يعتبر مهينًا؛ ويعطى المواطن من نتاج العمل على قدر حاجته وفضله، فينتفي الظلم والفقر؛ ومتى كان العمل مفروضًا على كل مواطن وموزعًا تبعًا للكفاية، فيكاد المواطن لا يعمل أربع ساعات في اليوم، فينفق باقي وقته في تحصيل المعارف والحديث والرياضة, يا حبذا! ٢١ - جاكوب بوهمي " ١٥٧٥ - ١٦٢٤ ": أ- إسكاف لم يختلف إلى المدارس، ولكنه كان تقيًّا كثير التفكير، قرأ الكتب المقدسة وكتبًا في الفلسفة والطبيعيات والفلك الجديد والتصوف، وعاشر جماعة من الأشراف المثقفين ومن الأطباء الآخذين بمذهب براسلس. وشغلته مسألة وجود الشر في العالم وفي الإنسان، وكيف يتفق وجود الشر مع وجود الله. وشرع يفكر وعدته تلك المصادر من الكتب وآراء أهل العلم، وكان يكثر من الصلاة يستمد العون الإلهي، حتى إذا ما لاح له حل المسألة اعتقد أن الله كشف له عنه على ثلاث مرات متواليات. وكان حينذاك في الخامسة والعشرين, فواظب على التفكير والتدوين "بالألمانية" اثنتي عشرة سنة، ثم نشر كتابه الأول "الفجر" " ١٦١٢ " وبعد سبع سنين نشر كتابًا آخر اسمه "وصف المبادئ الثلاثة للماهية الإلهية" ثم توالت كتبه. ب- يعرض أفكاره في أسلوب ميتولوجي رمزي "بسبب قلة فهم القارئ" فيأخذ أشياء من الكتب المقدسة ومن الكيمياء والفلسفة، ويؤلف مزيجًا غريبًا تلتقي فيه أقانيم الثالوث الأقدس والملائكة وأرواح مختلفة وكيفيات مشخصة. وما يرجع إلى الفلسفة من هذا المزيج بضعة أقوال تذكر بمذهب أنبا دوقليس في محاولته تفسير خروج الكثرة بالكراهية من الكرة الأصلية، وتعتبر لب الفلسفة الألمانية من ديكارت إلى شلنج وهجل وشوبنهور، تلك الفلسفة التي تتصور الوجود حياة متطورة، وتؤثر الحدس على الاستدلال، أو تستخدم الاستدلال في الإبانة عن الحدس.

стр. 37

ج- يقول بوهمي: حيث لا يوجد شيء لا يولد شيء؛ فلا بد أن يكون لكل شيء حتى للشر، أصل أزلي في الله خالق الأشياء، وأن يكون الله منطويًا على كثرة هي الينبوع الخفي للحياة الكلية، إذ كيف يمكن تفسير الكثرة بالوحدة المطلقة، وليس في الوحدة المطلقة شيء تريده ما دامت وحدة. فالله "نعم ولا، نور وظلمة" أي محبة هي أصل الخير والنعيم، وغضب هو أصل الشر والجحيم. هذا الازدواج شرط كل حياة لكي تتطور ويتميز أحد الضدين بالآخر، وفي جميع الموجودات بلا استثناء صراع بين مبدأين متضادين, والله في ذاته آب وابن وروح قدس: الآب إرادة وقدرة، والابن موضوع قدرة الآب؛ فالآب بدون الابن إرادة بدون موضوع، هاوية وموت ولا وجود. فالله الابن هو الإرادة الإلهية ولها موضوع سرمدي لامتناهٍ، هو النور الذي ينير الوجود الإلهي. وأخيرًا الإشعاع المتصل للنور، وتعبير الإرادة عن الحكمة، ذلك هو الروح القدس. د- والإرادة الإلهية، إذ تتأمل كمالها، تحس شوقًا شديدًا إليه، فينشأ التقابل بين الإرادة والكمال، بين النور والظلمة، بين الخير والشر، أي: الإرادة والشوق منفصلين عن الحكمة والمحبة. ثم تنقسم كل من هاتين الوجهتين من الله، ويتولد عن هذا الانقسام سبع ماهيات هي الأصل المشترك للكون، وتجري المادة في الفضاء، ويتكون العالم على ما نشاهده، ويوجد فيه الصراع والقلق فما الطبيعة إلا مظهر الله، أو ما الله بالإضافة إلى الطبيعة إلا بمثابة النفس بالإضافة إلى الجسم. ماهية الله وقدرته تبدوان في كل شيء وفينا نحن, إنا نحيا في الله ويحيا الله فينا، ومتى كنا أطهارًا كنا الله, وبين الطبيعة المنظورة والله، طبيعة غير منظورة صادرة عن الله مباشرة، وحاوية جميع الماهيات والكيفيات الأساسية، هي الابن موضوع قدرة الآب، وعنها تصدر الطبيعة المنظورة، فتصير الماهيات والمثل موجودات وظواهر. هـ- وإذن فقد كان الشر قبل الإنسان، وانحدر إلى طبيعته، ولكن لله قلبًا يعمل باتصال على دفع الشر، وما علينا إلا أن نشق طريقنا "ونخترق الغضب" لنبلغ إلى المحبة، فإن الشر فينا إرادة الانفصال من تناسق الكل، وإرادة أن نصير كلا ونحن في الحقيقة جزء، وهكذا تحل المشكلة بالكشف عن

стр. 38

أصل الوجود وبيان إمكان التغلب على الشر والاتحاد بالله. وفي هذا الحل يستخدم بوهمي الاستدلال العقلي من ناحية، والتجربة الباطنة من ناحية أخرى، تلك التجربة التي تظهرنا على أن الشعور لا يصير ممكنًا بغير التنوع والتضاد، وأنه تطور الفوارق أو نموها نموًّا تدريجيًّا. وكثيرًا ما سيتخذ الفلاسفة من التجربة الباطنة أصلًا وأساسًا، ثم يتصورون العالم كأنه نفس كبرى ويعممون ملاحظاتهم.

стр. 39

الباب الثاني: أمهات المذاهب الحديثة القرن السابع عشر مدخل ... الباب الثاني: أمهات المذاهب الحديثة "القرن السابع عشر" ٢٢ - تمهيد: بينما الجامعات والمعاهد الدينية تستمر على مدرسة تراث العصر الوسيط, تشتد من حولها الحركة العلمية والفكرية التي بدأت في عصر النهضة، فنرى رجالًا مستقلين يعملون على تنمية العلم الجديد، الرياضي منه والطبيعي، فيؤلفون الجمعيات أو الأكاديميات، وينشئون المجلات لإذاعة بحوثهم والمناقشة فيها؛ ونرى رجالًا آخرين يستحدثون مذاهب فلسفية كانت الأصول التي نسج عليها الفكر الحديث. ففي إنجلترا يتوطد المذهب الحسي بفضل فرنسيس بيكون وتوماس هوبس وجون لوك. وفي فرنسا يبرز ديكارت بفلسفة عقلية روحية نستطيع أن ننعتها بالجديدة، ولو أن عناصرها ترجع إلى المدرسين، فينتشر أثرها إلى جميع المفكرين، يصطنعها فريق منهم، ويعارضها فريق آخر، ويعدل فيها فريق ثالث, وأشهرهم جميعًا بسكال ومالبرانش وسبينوزا وليبنتز, وستظل الفلسفة إلى أيامنا تابعة لهؤلاء.

стр. 40

الفصل الأول: فرنسيس بيكون " ١٥٦١ - ١٦٢٦ " ٢٣ - حياته ومصنفاته: أ- ولد بلندن، وكان أبوه السر نقولا بيكون حامل الخاتم الأكبر في خدمة الملكة إليزابث. دخل جامعة كمبردج في الثالثة عشرة " ١٥٧٣ " وخرج منها بعد ثلاث سنين دون أن يحصل على إجازة علمية، وفي نفسه ازدراء لما كان يدرس فيها من علوم على مذهب أرسطو والمدرسيين. رحل إلى فرنسا واشتغل مدة في السفارة الإنجليزية بباريس, وتوفي أبوه سنة ١٥٧٩ فعاد إلى وطنه. ولما لم يكن هو الابن الأكبر لم يرث إلا شيئًا ضئيلًا، وأقبل على دراسة القانون، وانتظم في سلك المحاماة سنة ١٥٨٢. وبعد سنتين انتخب عضوًا بمجلس النواب، فكانت خطبه فيه موضع إعجاب عام, وبعد خمس سنين أخذ يعلم بمدرسة الحقوق. ثم عينته الملكة مستشارًا فوق العادة للتاج، فتفانى في مرضاتها حتى لقد غدر غدرًا دنيئًا برجل أحسن إليه ووهبه أرضًا، هو الكونت إسكس، إذ تغيرت عليه الملكة واتهم بالتآمر عليها، فترافع بيكون ضده طالبًا توقيع الحكم الصارم عليه، ولما آل العرش إلى جاك الأول، اصطنع بيكون الملق والدسيسة، ومالأ الملك في استبداده وقضاء مصالحه ومصالح الأسرة المالكة، فبلغ إلى أرقى المناصب القضائية، حتى صار الوزير الأول سنة ١٦١٨، وبارون أوف فيرولام، وفيكونت أوف سانت ألبان سنة ١٦٢١. وفي تلك السنة اتهمه مجلس النواب بالرشوة واختلاس مال الدولة، فاعترف للحال بما عُزي إليه، فحكم عليه مجلس اللوردة بغرامة قدرها أربعون ألف جنيه، وبحرمانه من ولاية الوظائف العامة، ومن عضوية البرلمان، ومن الإقامة بالقرب من البلاط. وبفضل رعاية الملك لم يقض في السجن سوى بضعة أيام, ولم يؤد الغرامة، ولكنه حاول عبثًا استرداد الاعتبار. ب- إلى جانب شواغله الدنيوية كان يعالج فكرة عرضت له في الخامسة
следующие страницы →