← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفسيولوجية لكي تحصل الدولة على مواطنين أصحاء موهوبين؛ ويكلف كل مواطن بما يناسب استعداده من عمل، وترد إلى العمل حقوقه وكرامته فلا يعتبر مهينًا؛ ويعطى المواطن من نتاج العمل على قدر حاجته وفضله، فينتفي الظلم والفقر؛ ومتى كان العمل مفروضًا على كل مواطن وموزعًا تبعًا للكفاية، فيكاد المواطن لا يعمل أربع ساعات في اليوم، فينفق باقي وقته في تحصيل المعارف والحديث والرياضة, يا حبذا! ٢١ - جاكوب بوهمي " ١٥٧٥ - ١٦٢٤ ": أ- إسكاف لم يختلف إلى المدارس، ولكنه كان تقيًّا كثير التفكير، قرأ الكتب المقدسة وكتبًا في الفلسفة والطبيعيات والفلك الجديد والتصوف، وعاشر جماعة من الأشراف المثقفين ومن الأطباء الآخذين بمذهب براسلس. وشغلته مسألة وجود الشر في العالم وفي الإنسان، وكيف يتفق وجود الشر مع وجود الله. وشرع يفكر وعدته تلك المصادر من الكتب وآراء أهل العلم، وكان يكثر من الصلاة يستمد العون الإلهي، حتى إذا ما لاح له حل المسألة اعتقد أن الله كشف له عنه على ثلاث مرات متواليات. وكان حينذاك في الخامسة والعشرين, فواظب على التفكير والتدوين "بالألمانية" اثنتي عشرة سنة، ثم نشر كتابه الأول "الفجر" " ١٦١٢ " وبعد سبع سنين نشر كتابًا آخر اسمه "وصف المبادئ الثلاثة للماهية الإلهية" ثم توالت كتبه. ب- يعرض أفكاره في أسلوب ميتولوجي رمزي "بسبب قلة فهم القارئ" فيأخذ أشياء من الكتب المقدسة ومن الكيمياء والفلسفة، ويؤلف مزيجًا غريبًا تلتقي فيه أقانيم الثالوث الأقدس والملائكة وأرواح مختلفة وكيفيات مشخصة. وما يرجع إلى الفلسفة من هذا المزيج بضعة أقوال تذكر بمذهب أنبا دوقليس في محاولته تفسير خروج الكثرة بالكراهية من الكرة الأصلية، وتعتبر لب الفلسفة الألمانية من ديكارت إلى شلنج وهجل وشوبنهور، تلك الفلسفة التي تتصور الوجود حياة متطورة، وتؤثر الحدس على الاستدلال، أو تستخدم الاستدلال في الإبانة عن الحدس.

стр. 37

ج- يقول بوهمي: حيث لا يوجد شيء لا يولد شيء؛ فلا بد أن يكون لكل شيء حتى للشر، أصل أزلي في الله خالق الأشياء، وأن يكون الله منطويًا على كثرة هي الينبوع الخفي للحياة الكلية، إذ كيف يمكن تفسير الكثرة بالوحدة المطلقة، وليس في الوحدة المطلقة شيء تريده ما دامت وحدة. فالله "نعم ولا، نور وظلمة" أي محبة هي أصل الخير والنعيم، وغضب هو أصل الشر والجحيم. هذا الازدواج شرط كل حياة لكي تتطور ويتميز أحد الضدين بالآخر، وفي جميع الموجودات بلا استثناء صراع بين مبدأين متضادين, والله في ذاته آب وابن وروح قدس: الآب إرادة وقدرة، والابن موضوع قدرة الآب؛ فالآب بدون الابن إرادة بدون موضوع، هاوية وموت ولا وجود. فالله الابن هو الإرادة الإلهية ولها موضوع سرمدي لامتناهٍ، هو النور الذي ينير الوجود الإلهي. وأخيرًا الإشعاع المتصل للنور، وتعبير الإرادة عن الحكمة، ذلك هو الروح القدس. د- والإرادة الإلهية، إذ تتأمل كمالها، تحس شوقًا شديدًا إليه، فينشأ التقابل بين الإرادة والكمال، بين النور والظلمة، بين الخير والشر، أي: الإرادة والشوق منفصلين عن الحكمة والمحبة. ثم تنقسم كل من هاتين الوجهتين من الله، ويتولد عن هذا الانقسام سبع ماهيات هي الأصل المشترك للكون، وتجري المادة في الفضاء، ويتكون العالم على ما نشاهده، ويوجد فيه الصراع والقلق فما الطبيعة إلا مظهر الله، أو ما الله بالإضافة إلى الطبيعة إلا بمثابة النفس بالإضافة إلى الجسم. ماهية الله وقدرته تبدوان في كل شيء وفينا نحن, إنا نحيا في الله ويحيا الله فينا، ومتى كنا أطهارًا كنا الله, وبين الطبيعة المنظورة والله، طبيعة غير منظورة صادرة عن الله مباشرة، وحاوية جميع الماهيات والكيفيات الأساسية، هي الابن موضوع قدرة الآب، وعنها تصدر الطبيعة المنظورة، فتصير الماهيات والمثل موجودات وظواهر. هـ- وإذن فقد كان الشر قبل الإنسان، وانحدر إلى طبيعته، ولكن لله قلبًا يعمل باتصال على دفع الشر، وما علينا إلا أن نشق طريقنا "ونخترق الغضب" لنبلغ إلى المحبة، فإن الشر فينا إرادة الانفصال من تناسق الكل، وإرادة أن نصير كلا ونحن في الحقيقة جزء، وهكذا تحل المشكلة بالكشف عن

стр. 38

أصل الوجود وبيان إمكان التغلب على الشر والاتحاد بالله. وفي هذا الحل يستخدم بوهمي الاستدلال العقلي من ناحية، والتجربة الباطنة من ناحية أخرى، تلك التجربة التي تظهرنا على أن الشعور لا يصير ممكنًا بغير التنوع والتضاد، وأنه تطور الفوارق أو نموها نموًّا تدريجيًّا. وكثيرًا ما سيتخذ الفلاسفة من التجربة الباطنة أصلًا وأساسًا، ثم يتصورون العالم كأنه نفس كبرى ويعممون ملاحظاتهم.

стр. 39

الباب الثاني: أمهات المذاهب الحديثة القرن السابع عشر مدخل ... الباب الثاني: أمهات المذاهب الحديثة "القرن السابع عشر" ٢٢ - تمهيد: بينما الجامعات والمعاهد الدينية تستمر على مدرسة تراث العصر الوسيط, تشتد من حولها الحركة العلمية والفكرية التي بدأت في عصر النهضة، فنرى رجالًا مستقلين يعملون على تنمية العلم الجديد، الرياضي منه والطبيعي، فيؤلفون الجمعيات أو الأكاديميات، وينشئون المجلات لإذاعة بحوثهم والمناقشة فيها؛ ونرى رجالًا آخرين يستحدثون مذاهب فلسفية كانت الأصول التي نسج عليها الفكر الحديث. ففي إنجلترا يتوطد المذهب الحسي بفضل فرنسيس بيكون وتوماس هوبس وجون لوك. وفي فرنسا يبرز ديكارت بفلسفة عقلية روحية نستطيع أن ننعتها بالجديدة، ولو أن عناصرها ترجع إلى المدرسين، فينتشر أثرها إلى جميع المفكرين، يصطنعها فريق منهم، ويعارضها فريق آخر، ويعدل فيها فريق ثالث, وأشهرهم جميعًا بسكال ومالبرانش وسبينوزا وليبنتز, وستظل الفلسفة إلى أيامنا تابعة لهؤلاء.

стр. 40

الفصل الأول: فرنسيس بيكون " ١٥٦١ - ١٦٢٦ " ٢٣ - حياته ومصنفاته: أ- ولد بلندن، وكان أبوه السر نقولا بيكون حامل الخاتم الأكبر في خدمة الملكة إليزابث. دخل جامعة كمبردج في الثالثة عشرة " ١٥٧٣ " وخرج منها بعد ثلاث سنين دون أن يحصل على إجازة علمية، وفي نفسه ازدراء لما كان يدرس فيها من علوم على مذهب أرسطو والمدرسيين. رحل إلى فرنسا واشتغل مدة في السفارة الإنجليزية بباريس, وتوفي أبوه سنة ١٥٧٩ فعاد إلى وطنه. ولما لم يكن هو الابن الأكبر لم يرث إلا شيئًا ضئيلًا، وأقبل على دراسة القانون، وانتظم في سلك المحاماة سنة ١٥٨٢. وبعد سنتين انتخب عضوًا بمجلس النواب، فكانت خطبه فيه موضع إعجاب عام, وبعد خمس سنين أخذ يعلم بمدرسة الحقوق. ثم عينته الملكة مستشارًا فوق العادة للتاج، فتفانى في مرضاتها حتى لقد غدر غدرًا دنيئًا برجل أحسن إليه ووهبه أرضًا، هو الكونت إسكس، إذ تغيرت عليه الملكة واتهم بالتآمر عليها، فترافع بيكون ضده طالبًا توقيع الحكم الصارم عليه، ولما آل العرش إلى جاك الأول، اصطنع بيكون الملق والدسيسة، ومالأ الملك في استبداده وقضاء مصالحه ومصالح الأسرة المالكة، فبلغ إلى أرقى المناصب القضائية، حتى صار الوزير الأول سنة ١٦١٨، وبارون أوف فيرولام، وفيكونت أوف سانت ألبان سنة ١٦٢١. وفي تلك السنة اتهمه مجلس النواب بالرشوة واختلاس مال الدولة، فاعترف للحال بما عُزي إليه، فحكم عليه مجلس اللوردة بغرامة قدرها أربعون ألف جنيه، وبحرمانه من ولاية الوظائف العامة، ومن عضوية البرلمان، ومن الإقامة بالقرب من البلاط. وبفضل رعاية الملك لم يقض في السجن سوى بضعة أيام, ولم يؤد الغرامة، ولكنه حاول عبثًا استرداد الاعتبار. ب- إلى جانب شواغله الدنيوية كان يعالج فكرة عرضت له في الخامسة

стр. 41

والعشرين، هي إصلاح العلوم أو إحياؤها بالتعويل على الطريقة الاستقرائية دون الطريقة القياسية. والغريب في أمره أنه كان يتصور العلوم على ما رأى بالجامعة, وظل طوال حياته قليل الإلمام بمكتشفات القرن الرابع عشر وعصر النهضة، جاهلا بالرياضيات وبما اتخذت من شأن في تكوين العلم الطبيعي، بل إنه رمى كوبرنك بالدجل، ولم يدرك أهمية قوانين كبلر وبحوث جليليو. فهو لم يشتغل بالعلم؛ وإن كان أجرى بعض التجارب فهي لا تذكر، وقد وثق بأمور وجاء بتعليلات غاية في الغرابة، فاعتقد بالسحر الطبيعي، وبالكيمياء القديمة، وبالتنجيم, فلم يكن أكثر تقدما من سميه روجر بيكون في القرن الثالث عشر، وإنما كانت أفكاره في جملتها أفكار العصر الوسيط المنقولة عن الرواقية والأفلاطونية الجديدة؛ لذا نراه يرمي علم عصره بالجمود والغرور، ويتنبأ له بالاضمحلال، ويعتبر نفسه داعية لعلم جديد يزيد في سلطان الإنسان على الطبيعة. والحق أنه نفذ إلى ماهية العلم الاستقرائي، وفطن إلى أغراضه ووسائله، ثم حاول أن يرسم بناءه، فوضع تصنيفًا للعلوم، وفصل القول في الطرق التجريبية حتى لم يدع مزيدًا لمستزيد. ج- صنع ذلك أولًا في رسالة بالإنجليزية نشرها سنة ١٦٠٥ بعنوان "في تقدم العلم" ثم وضع باللاتينية كتابًا أسماه "الأورغانون الجديد أو العلامات الصادقة لتأويل الطبيعة" نشره سنة ١٦٢٠؛ ثم عاد إلى الرسالة الأولى فنقلها إلى اللاتينية وفصلها بعنوان "في كرامة العلوم ونموها" ونشر الكتاب سنة ١٦٢٣، وهو موسوعة علمية تحتوي على طائفة كبيرة من الملاحظات القيمة. ووضع كتابًا في السياسة دعاه "أتلنتس الجديدة" وجعله على نسق "يوتوبيا" و"مدينة الشمس" " ٢٠ ب". وله كتب أخرى في هذه الأغراض فقدت كل أهمية بتقدم العلوم؛ وكتب أدبية وتاريخية وقانونية، ومن هذه الأخيرة كتاب "أحكام القانون" Maxims of the law وضعه سنة ١٥٩٩ تمهيدًا لتنظيم القوانين الإنجليزية. ٢٤ - تصنيف العلوم: أ- الغرض منه ترتيب العلوم القائمة، وبالأخص الدلالة على العلوم التي لم توجد بعد. وهو يرتبها بحسب قوانا الداركة، ويحصر هذه القوى في ثلاث: الذاكرة وموضوعها التاريخ، والمخيلة وموضوعها الشعر، والعقل وموضوعه الفلسفة.

стр. 42

ب- التاريخ قسمان: تاريخ مدني أي: خاص بالإنسان، وتاريخ طبيعي أي: خاص بالطبيعة. فالتاريخ المدني ينقسم إلى قسمين: تاريخ كنسي، وتاريخ مدني بمعنى الكلمة ينقسم بحسب الوثائق التي نستخدمها، من مذكرات وعاديات وتراجم وتواريخ سياسية وأدبية وعلمية وفنية. والتاريخ الطبيعي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وصف الظواهر السماوية والأرضية؛ ووصف المسوخ فإنها تكشف عن القوى الخفية في الحالات العادية؛ ووصف الفنون فإنها وسائل الإنسان لتغيير مجرى الطبيعة، وهي تستخدم القوى الطبيعية, ويقول بيكون: إن القسمين الثاني والثالث لم يوجدا بعد. ج- أما الشعر فقصصي ووصفي وتمثيلي ورمزي؛ فإنه عبارة عن تأويل القصص والأساطير، واستخلاص ما تنطوي عليه صورها ورموزها من معانٍ علمية؛ ومثل هذا التأويل قديم، وكان شائعًا في عصر النهضة. د- وأما الفلسفة فتتناول ثلاثة موضوعات: الطبيعة والإنسان والله. وتنقسم الفلسفة الطبيعية إلى ما بعد الطبيعة أو علم العلل الصورية والغائية؛ وإلى الطبيعة أو علم العلل الفاعلية والمادية، وهي تنقسم إلى الميكانيكا والسحر. وتنقسم الفلسفة الخاصة بالإنسان إلى ما يتناول الجسم، وما يتناول النفس؛ علم العقل أو المنطق وعلم الإرادة أو الأخلاق؛ وما يتناول العلاقات الاجتماعية والسياسية. وأخيرًا الفلسفة الإلهية أو اللاهوت الطبيعي، يمهد له بعلم الفلسفة الأولى أو علم المبادئ الأولية، مثل أن الكميات المتساوية إذا أضيفت إلى كميات غير متساوية نتجت كميات غير متساوية، وأن الحدين المتفقين مع حد ثالث فهما متفقان، وأن كل شيء يتغير ولكن لا شيء يفنى. وما إلى ذلك؛ وهذا العلم هو الجذع المشترك بين علوم العقل. هـ- والتاريخ والشعر والفلسفة ثلاث مراحل متتالية يجتازها العقل في تكوين العلوم. التاريخ تجميع المواد، والشعر تنظيم أول للمواد، أو هو تنظيم خيالي وقف عنده القدماء، والفلسفة تركيب عقلي. وفالمبدأ العام لهذا التصنيف ذاتي أي: مأخوذ من تعدد قوانا المدركة، فإن بيكون يظن الواحدة من قوى المعرفة تكفي لعلم واحد، على حين أن العلم الواحد تتضافر في إقامته القوى جميعًا مع تفاوت؛ ثم إنه يضع القوى في مرتبة

стр. 43

واحدة، على حين أن العقل أرقى من الاثنتين الأخريين, وأنه يستخدمهما كآلتين وهو يجمع في طائفة واحدة بين التاريخ الطبيعي والتاريخ المدني، وليس بينهما اشتراك إلا في اسم التاريخ، وأصل تسمية التاريخ الطبيعي نقل حرفي لكلمة "إستوريا" اليونانية, ومعناها "مجموعة مشاهدات" في عنوان كتاب أرسطو "تاريخ الحيوان". على أن بيكون عرف التصنيف الموضوعي، فإن القسم الثالث من تصنيفه يميز بين العلوم بحسب موضوعاتها. ٢٥ - نقد العقل: أ- لأجل تكوين العقل الجديد لا بد من منطق جديد يضع أصول الاستكشاف, فقد كانت الكشوف العلمية وليدة الاتفاق، وكان المعول على النظر العقلي؛ فلم يتقدم العلم. إن العقل أداة تجريد وتصنيف ومساواة ومماثلة، إذا ترك يجري على سليقته انقاد لأوهام طبيعية فيه، ومضى في جدل عقيم يقوم في تمييزات لا طائل تحتها. ويتعين حصر هذه الأوهام الطبيعية للاحتراز منها؛ ويسميها بيكون "أصنام العقل" idola mentis وهي أربعة أنواع: ب- النوع الأول: "أوهام القبيلة" itrlbus وهي ناشئة من طبيعة الإنسان؛ لذا كانت مشتركة بين جميع أفراده. فنحن ميالون بالطبع إلى تعميم بعض الحالات دون التفات إلى الحالات المعارضة لها، وإلى تحويل المماثلة إلى تشابه وتواطؤ، وإلى أن نفرض في الطبيعة من النظام والاطراد أكثر مما هو متحقق فيها، وإلى أن نتصور فعل الطبيعة على مثال الفعل الإنساني، فنتوهم لها غايات وعللًا غائية. ج- النوع الثاني: "أوهام الكهف" sbecus وهي ناشئة من الطبيعة الفردية لكل منا، فإن الفردية بمثابة الكهف الأفلاطوني، منه ننظر إلى العالم, وعليه ينعكس نور الطبيعة فيتخذ لونًا خاصًّا. هذه الأوهام صادرة إذن عن الاستعدادات الأصلية وعن التربية والعلاقات الاجتماعية والمطالعات, فمثلًا: من الناس من هم أكثر ميلًا إلى الانتباه إلى ما بين الأشياء من تنوع، بينما آخرون أكثر ميلًا إلى البحث عن وجوه الشبه، إلى غير ذلك من الاتجاهات. د- النوع الثالث: "أوهام السوق" fori وهي الناشئة من الألفاظ، فإن

стр. 44

الألفاظ تتكون طبقًا للحاجات العملية والتصورات العامية، فتسيطر على تصورنا للأشياء، فتوضع ألفاظ لأشياء غير موجودة، أو الأشياء غامضة أو متناقضة. وهذا أصل كثير من المناقشات، تدور كلها على مجرد ألفاظ. هـ- النوع الرابع "أوهام المسرح" theatri وهي الآتية مما تتخذه النظريات المتوارثة من مقام ونفوذ. وهنا يحمل بيكون على أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الذين يفسرون الأشياء بألفاظ مجردة كما يقول، ولكن يصعب تمييز هذه الطائفة الرابعة من الطائفة الثالثة، فإن بيكون يذكر من بين أسبابها تكوين الطبيعة الفردية والمطالعة والعرف والسلطة. وفليست "الأصنام" أغاليط استدلالية كالتي يذكرها أرسطو، ولكنها عيوب في تركيب العقل تجعلنا نخطئ فهم الحقيقة، ويجب التحرر منها لكي يعود العقل "لوحًا مصقولًا" تنطبع عليه الأشياء دون تشويه من جانبنا. وهذه محاولة ضعيفة من بيكون في نقد العقل والتمييز بين ما له وما للأشياء؛ وهي تمهيد سلبي للمنطق الفطري الذي يصبح في غنى عن المنطق الصناعي ما دامت أسباب الخطأ قد استبعدت. وهكذا سيصنع ديكارت ومالبرانش وسبينوزا للاستغناء عن المنطق القديم. ٢٦ - المنهج الاستقرائي: أ- هذا المنهج هو القسم الإيجابي من المنطق الجديد، والحاجة إليه ماسة لأن تصور العلم قد تغير. كان العلم القديم يرمي إلى ترتيب الموجودات في أنواع وأجناس، فكان نظريًّا بحتًا؛ أما العلم الجديد فيرمي إلى أن يتبين في الظواهر المعقدة عناصرها البسيطة وقوانين تركيبها؛ بغية أن يوجدها بالإرادة، أي: أن يؤلف فنونًا عملية. وكان العلم القديم يحاول استكناه "الصورة" أي: ماهية الموجود مثل صورة الأسد أو السنديان أو الذهب أو الماء أو الهواء، فكان مجهوده ضائعًا؛ أما العلم الجديد فيبحث عن "صورة" الكيفية أو ماهيتها، أي: عن صور الطبائع المدلول عليها بهذه الألفاظ: كثيف، مخلخل، حار، بارد، ثقيل، خفيف, وما أشبهها من حالات الموجود، سواء أكانت تغيرات في المادة أم حركات. فبيكون يحتفظ بلفظ الصورة الوارد عند أرسطو، ولكنه يعني به شرط وجود

стр. 45

كيفية ما, أو هو يعدل عن الصورة الجوهرية إلى شروط وجود الصور العرضية، وكان ذلك شأن قدماء الكيميائيين إذ كانوا يعتقدون إمكان تحويل المعادن بالتأثير في كيفياتها. وبالفعل كان بيكون يأمل أن يتسع نطاق سلطاننا على الطبيعة باستكشاف صور الكيفيات، إذ إننا حينئذ نستطيع أن نولد كيفية أو أكثر في جسم غير حاصل عليها, فنحوله من الحرارة مثلًا إلى البرودة أو بالعكس, وأن نركب الكيفيات بعضها مع بعض، فنوجد الأشياء أنفسها: نوجد الذهب مثلًا أو أي معدن آخر, فلا يعد بيكون مبتكرًا لهذا العلم الذي ينعته بالجديد. ب- ولا سبيل إلى استكشاف الصور سوى التجربة، أي: التوجه إلى الطبيعة نفسها، إذ ليس يتسنى التحكم في الطبيعة واستخدامها في منافعنا إلا بالخضوع لها أولًا. إن الملاحظة تعرض علينا الكيفية التي نبحث عن صورتها مختلطة بكيفيات أخرى؛ فمهمة الاستقراء استخلاصها باستبعاد أو إسقاط كل ما عداها. وآفة الاستقراء ما ذكر بين "أوهام القبيلة" من الاكتفاء بالحالات التي تلاحظ فيها ظاهرة ما، والاعتقاد بأنها تكفي للعلم بطبيعتها, هذا النوع من الاستقراء يسمى استقراء بمجرد التعداد. ونتفادى هذه الآفة، ونصل إلى العلم بالصور، إذا اتبعنا الطرق الآتية: ج- ١ - تنويع التجربة بتغيير المواد وكمياتها وخصائصها، وتغيير العلل الفاعلية. ٢ - "تكرار التجربة" مثل تقطير الكحول الناتج من تقطير أول. ٣ - "مد التجربة" أي: إجراء تجربة على مثال تجربة أخرى مع تعديل في المواد. ٤ - "نقل التجربة" من الطبيعة إلى الفن، كإيجاد قوس قزح في مسقط ماء؛ أو من فن إلى آخر، أو من جزء فن إلى جزء آخر. ٥ - "قلب التجربة" مثل الفحص عما إذا كانت البرودة تنتشر من أعلى إلى أسفل بعد أن نكون عرفنا أن الحرارة تنتشر من أسفل إلى أعلى. ٦ - "إلغاء التجربة" أي: طرد الكيفية المراد دراستها؛ مثال ذلك وقد لاحظنا أن المغناطيس يجذب الحديد خلال أوساط معينة، أن ننوع هذه الأوساط إلى أن نقع على وسط أو أوساط تلغي الجاذبية. ٧ - "تطبيق التجربة" أي: استخدام التجارب لاستكشاف خاصية نافعة، مثل تعيين مبلغ نقاء الهواء وسلامته في أمكنة مختلفة أو فصول مختلفة بتفاوت سرعة التنفس. ٨ - "جمع التجارب" أي: الزيادة في فاعلية مادة

стр. 46

ما بالجمع بينها وبين فاعلية مادة أخرى، مثل خفض درجة تجميد الماء بالجمع بين الثلج والنطرون "ملح البارود". ٩ - "صدف التجربة" أي: أن تجرى التجربة لا لتحقيق فكرة معينة، بل لكونها لم تجر بعد، ثم ينظر في النتيجة ماذا تكون؟ مثل أن نحدث في إناء مغلق الاحتراق الذي يحدث عادة في الهواء. د- وبعد إجراء التجارب يجب توزيعها في جداول ثلاثة: جدول الحضور, وجدول الغياب، وجدول الدرجات. ١ - ففي جدول الحضور تسجل التجارب التي تبدو فيها الكيفية المطلوبة، فتستبعد الظواهر التي لا توجد في تجارب هذا الجدول. ٢ - وفي جدول الغياب تسجل التجارب التي لا تبدو فيها الكيفية، والتي تكون أشبه ما يمكن بتجارب جدول الحضور، فتستبعد الظواهر الماثلة في هذا الجدول. ٣ - وفي جدول الدرجات أو المقارنة تسجل التجارب التي تتغير فيها الكيفية، فتستبعد الظواهر غير المتغيرة، فتكون الصورة المنشودة في الباقي. هـ- هذا الوصف المفصل للمنهج الاستقرائي كان تقدمًا حقيقيًّا بالنسبة للعصر. ولكن بيكون لم يفهم الاستقراء الفهم الحديث، أي: على أنه منهج "القانون الطبيعي" أو تعلق ظاهرة بأخرى، بل على أنه منهج يبين "صور" الكيفيات، فيفترق أيضًا عن أفلاطون وأرسطو والمدرسيين، ويقف في مرحلة انتقال بين الفلسفة القديمة والفلسفة الجديدة.

стр. 47

الفصل الثاني: توماس هوبس " ١٥٨٨ - ١٦٧٩ " ٢٧ - حياته ومصنفاته: أ- هو أول الماديين المحدثين، وأكبر أنصار الحكم المطلق قبيل تقويضه. دخل جامعة أكسفورد في الخامسة عشرة ومكث بها خمس سنين يتلقى المنطق المدرسي والطبيعيات دون كبير اهتمام. ثم جعل يطالع الآداب القديمة, وخاصة المؤرخين والشعراء. وعمل في خدمة بيكون كاتبًا لسره ومعاونًا له في نقل مؤلفاته إلى اللاتينية. وفي سنة ١٦٢٩ نشر ترجمة لتاريخ توكيديد "حيث تبدو الديمقراطية سخيفة أشد السخف" على حد قوله, فإلى سن الأربعين لم يكن كتب شيئًا في الفلسفة. ب- وحدث أنه سافر إلى فرنسا وأقام بها سنتين " ١٦٢٩ - ١٦٣١ " فعرف فيها "مبادئ أقليدس" ولم يكن درس الرياضيات من قبل، وأعجب بالمنهج القياسي، وعول على اصطناعه. وعاد إلى القارة سنة ١٦٣٤، فقُوبل في الأوساط العلمية الباريسية باعتباره فيلسوفًا مذكورًا، وكان واحدًا من الذين عرضت عليهم "تأملات ديكارت" " ٣١ ج" فكتب عليها اعتراضات تتبين منها فلسفته قبل أن يعرضها عرضًا مرتبًا. وقد رد ديكارت على هذه الاعتراضات، وقال: إنه لو أسهب في رده لأعطاها أكثر مما تستحق من قيمة. ج- وجاءت الصورة الأولى لفلسفته في كتاب "مبادئ القانون الطبيعي والسياسي" دوّنه سنة ١٦٤٠ وقسمه إلى ثلاثة أقسام: الأول "في الطبيعة الإنسانية أو المبادئ الأساسية للسياسة" والثاني "في الهيئة الاجتماعية" والثالث "في المواطن". وبعد عشر سنين نشر كتاب "لاوياثان أو في المجتمع الكنسي والمدني مادة وصورة وسلطة "ولاوياثان هو التنين الهائل المذكور في سفر أيوب "فصل ٣ آية ٨، وفصل ٤٠ آية ٢٠ " ويقصد به هوبس الحكم المطلق. ثم نشر كتابه "في الجسم" " ١٦٥٥ " وهو يحتوي على المنطق، والمبادئ الأساسية أو الفلسفة

стр. 48

الأولى، ونظرية الحركات والمقادير، ونظرية الظواهر الطبيعية؛ وقد وردت في الكتاب أخطاء رياضية أخذها عليه الرياضي واليس Walls. وأخيرًا نشر كتابه "في الإنسان" " ١٦٥٨ " القسم الأكبر منه في البصريات لتوضيح طبيعة حاسة البصر، والباقي بيان موجز في اللغة من الوجهة النفسية وفي الانفعالات, فتم بهذا الكتاب مذهبه. ٢٨ - العلم ومنهجه: أ- العلم معرفة العلة، أو هو معرفة المعلولات بعللها، والعلل بمعلولاتها. والعلم قياسي لأن القياس برهان النتيجة, وموضوع العلم الأجسام لأن كل موجود فهو جسمي. ولما كان الجسم إما طبيعيًّا أو صناعيًّا أي: اجتماعيًّا، انقسم العلم إلى طبيعي يشتمل على المنطق والمبادئ الأولى والرياضيات والطبيعيات؛ وإلى مدني يشتمل على الأخلاق والسياسة, وكلاهما علم تجريبي موضوعه أجسام، أو أن الموضوع الإحساس الظاهر والباطن, وللظواهر جميعًا علة واحدة هي الحركة. هذا مبدأ عام لا يحتاج إلى برهان؛ فالهندسة تفحص عن القوانين الرياضية للحركة، وتفحص الميكانيكا عن مفاعيل حركة جسم في آخر، ويفحص علم الطبيعة عن مفاعيل الحركات الحادثة في ذرات الأجسام، ويفحص علم الإنسان والسياسة عن الحركات الحادثة في نفوس الناس, والباعثة على أفعالهم. ب- غير أن هوبس يعترف بأن الصلة القياسية منقطعة في نقطتين: الأولى نقطة الانتقال من الميكانيكا إلى علم الطبيعة حيث نضطر إلى وقف القياس؛ لنرى أي الظواهر هي الواقعة بالفعل من بين الظواهر الممكنة، فنكون مبادئ علم الطبيعة بتحليل تلك الظواهر، والنقطة الثانية نقطة الانتقال من علم الطبيعة إلى علم الإنسان والسياسة، فإن المبادئ ههنا هي الميول والانفعالات، وهي لا تستنبط مما سبق، بل تدرك في النفس وتوضع كمقدمات جديدة للقياس. وبالفعل كتب هوبس في الإنسان والسياسة قبل أن يكتب في القسمين الأولين من فلسفته كما ذكرنا، ونبه على أن لا بأس في ذلك؛ لأن القسم الثالث يقوم على مبادئه الخاصة فلا يحتاج إلى القسمين الآخرين. وهذا يعني في الحقيقة استحالة معالجة الظواهر جميعًا بمنهج واحد يتقدم من البسيط إلى المركب، أي: استحالة رد الظواهر جميعًا إلى الحركة وقوانينها, وفي هذا نقض مبدئي للمذهب المادي.

стр. 49

٢٩ - الإنسان: أ- ولكن هوبس لا يعدل عن المادية، فما أن يتخذ الإحساس مبدأ حتى يحاول أن يرجع إليه أفعالنا العقلية, يقول: إن كل علم فهو آتٍ من الإحساس، ويعرف الإحساس بأنه حركة في ذرات الجسم الحاسّ صادرة عن حركة في الجسم المحسوس, تنتقل الحركة الخارجية إلى الدماغ ومنه إلى القلب بوساطة أعضاء الحواسّ والأعضاء، فتصادف مقاومة وصدى لأن الأعضاء الباطنة هي أيضًا في حركة متصلة. هذا الصدى بمثابة ميل إلى الخارج يجعلنا نقذف بموضوع الإحساس إلى الخارج. فهوبس يتابع العلم القديم في اعتبار القلب مركز الإحساس، وكذلك الوجدان أو الروح حركة؛ فاللذة مثلًا ما هي إلا حركة في القلب. ولكن ما تعليل الظاهرة الشعورية الناشئة مع الحركة الجسمية؟ إنها لمعجزة بالقياس إليها، وإن المذهب المادي لعاجز عن تعليلها، وهوبس يذهب إلى أن للأجسام خاصتين ليس غير، هما الامتداد والحركة، وإن سائر الكيفيات المحسوسة ذاتية، حتى الزمان والمكان فإنهما صورتان من نوع الصور التي يحدثها فينا الامتداد والحركة، وباستطاعتنا الاحتفاظ بهما مع افتراض زوال الأجسام جميعًا؛ وذاتية الكيفيات المحسوسة قضية لازمة من قوله: إن ما يحدث في العالم هو حركة فحسب، فكل ما يبدو في الشعور مغايرًا للحركة, يكون ذاتيًّا؛ ويؤيد هوبس هذه القضية بما هو معروف من خداع الحواس والأحلام واختلاف الإحساس باللون باختلاف الأشخاص والإحساس بالضوء عند ضرب العين أو إثارة العصب البصري, فكيف نفسر هذه الذاتية إذا لم تكن النفس جوهرًا مغايرًا للجسم، ولم يكن فعلها مغايرًا للحركة الجسمية؟ ب- وحركات الدماغ مرتبط بعضها ببعض بحيث إذا تكررت حركة لحقتها أخرى؛ لذا تتعاقب الصور بنفس ترتيب الإحساسات لتعاقب حركات الدماغ بهذا الترتيب. بيد أن هوبس يلاحظ أن مجرى الأفكار تابع ليس فقط لقانون اقتران الإحساسات في المكان والزمان، بل أيضًا لقانون الاهتمام أي: لتأثير الميل والعاطفة. وهذا هو السبب في أن ترتيب الصور يتعدل في الأحلام وفي خواطر اليقظة وفي الأفعال المروية، فإن إرادة الغاية تولد فكرة الوسيلة الكفيلة

стр. 50

بتحقيقها أي: التي رأيناها في الماضي تحقق معلولًا شبيهًا بالذي ننشده. والعلاقات التي تسيطر على الترابط ههنا هي علاقات التشابه والعلة والمعلول والمبدأ والنتيجة والغاية والوسيلة والدالّ والمدلول, فلا يستطيع هوبس أن يفسر الحياة الفكرية تفسيرًا آليًّا. ج- على أننا نجد عنده تفسيرًا آليًّا للإرادة. ذلك أنه يقول: إن الحركة الدماغية التي هي التصور إذا ما بلغت إلى القلب نشطت الحركة الحيوية أو عاقتها، ففي حال التنشيط تكوّن اللذة وتسمى خيرًا، وتكون محبة الشيء اللاذ؛ وفي حال العوق يكوّن الألم ويسمى شرًّا، وتكون كراهية الشيء المؤلم. وحركة اللذة تدفع إلى اشتهاء الشيء، وحركة الألم تدفع إلى خوفه؛ فالاشتهاء والخوف هما الباعثان على جميع أفعالنا؛ وما الرواية أو المشورة إلا تردد هذين الباعثين إلى أن يحدث الفعل أو نمتنع منه. فالاشتهاء الأخير والخوف الأخير يسميان إرادة, والأوامر والنواهي إنما تؤثر بالترغيب والترهيب. د- ولما كان المذهب المادي يستتبع الاسمية، فقد أنكر هوبس المعاني المجردة وقال: إن كل ما هنالك أسماء تقوم مقام الصور الجزئية. وفسر الحكم بأنه تركيب ألفاظ بحيث تعني القضية الموجبة أن الموضوع والمحمول اسمان لشيء واحد، وتعني القضية السالبة أن الاسمين يختلفان في الدلالة؛ وفسر الاستدلال بأنه تركيب قضايا، وقال: إن نتائجه ليست منصبّة على الأشياء بل على أسمائها، أي: إننا بالاستدلال نرى إن كنا نحسن أو نسيء تركيب أسماء الأشياء طبقًا للعرف الموضوع في تسميتها. وفي هذا يقول ديكارت في ردوده: "من ذا يشك في أن الفرنسي والألماني يتصوران نفس المعاني أو الاستدلالات بصدد نفس الأشياء مع تصورهما ألفاظًا مختلفة كل الاختلاف؟ إذا كان هذا الفيلسوف يسلم بأن الألفاظ تدل على شيء، فلِمَ لا يريد أن تكون ألفاظنا واستدلالاتنا متجهة إلى الشيء المدلول عليه, لا إلى الكلام نفسه؟ ". هـ- ومتى كان الإحساس المصدر الوحيد للمعرفة، كانت معرفتنا مقصورة على ما تتناوله بالفعل من الماديات المحدودة، فامتنع علينا العلم بالعالم في جملته، مقداره ومدته وأصله، وامتنع علينا من باب أولى العلم باللامتناهي. وهوبس ينكر إمكان التدليل على وجود الله بالوقوف عند حد في سلسلة العلل، ويزعم أن كل علة فهي متحركة بالضرورة؛ لأن شيئًا لا يتحرك بفعل شيء لا يكون هو نفسه

стр. 51

متحركًا، وهكذا نتداعى إلى غير نهاية. وهو لا يرى أنه بهذا القول يسقط مبدأ العلة الذي يستند إليه، إذ إنه يجعل من جميع العلل معلولات فلا يصل إلى علة بمعنى الكلمة، ويخلط بين سلسلة العلل المتعاقبة بالعرض، وفيها يمكن التداعي إلى غير نهاية، وبين سلسلة العلل المترتبة بالذات، وفيها يجب الوقوف عند حد. وهو يقول ضد ديكارت: إن اللامتناهي يجب أن يؤخذ بمعنى معدول، أي: بمعنى ما لا نبلغ إلى نهايته، وإن لفظ اللامتناهي لا يدل من ثمة على موجود حقيقي أو خاصية محصلة لموجود ما، بل على قصور عقولنا وانحصار طبيعتنا، فيخلط بين الموجود في نفسه وبين طريقة تخيلنا إياه. على أنه يصرح في مؤلفاته السياسية بأننا إذا ارتقينا في سلسلة العلل انتهينا إلى علة سرمدية لا علة لها؛ وذلك لأنه يعترف بالدين لأسباب عملية لا نظرية كما سنرى, ويقرر أنه لا يجوز أن نطلق على الله الألفاظ المقولة علينا وعلى الموجودات المتناهية، كالألم والاحتياج والعقل والإرادة، وأن الألفاظ المعدولة وأسماء التفضيل مقبولة وحدها في حق الله؛ لأنها تدل على إعجابنا وخضوعنا لا على ماهية الله؛ بل إن لفظ اللاجسمي إذ نطلقه على الله ما هو إلا صفة تشريفية ليس غير؛ لأن كل موجود فهو جسمي. ٣٠ - الأخلاق والسياسة: أ- إذا كان الإنسان على ما قلنا، كانت سيرته كلها قائمة على غريزة حب البقاء، وكانت هذه الغريزة بالإضافة إلى الحياة الإنسانية كالحركة بالإضافة إلى الطبيعة, فمن الخطأ الاعتقاد بغريزة اجتماعية تحمل الإنسان على الاجتماع والتعاون، وإنما الأصل أو "حال الطبيعة" أن الإنسان ذئب للإنسان، وأن الكل في حرب ضد الكل، وأن الحاجة واستشعار القوة يحملان الفرد على الاستئثار بأكثر ما يستطيع الظفر به من خيرات الأرض، وإن أعوزته القوة لجأ إلى الحيلة. يشهد بذلك ما نعلمه عن أجدادنا البرابرة وعن المتوحشين، وما نتخذه جميعًا من تدابير الحيطة وأساليب العدوان، وما نراه في علاقات الدول بعضها ببعض؛ وغاية ما تصنعه الحضارة أن تحجب العدوان بستار "الأدب" وأن تستبدل بالعنف المادي النميمة والافتراء والانتقام في حدود القانون. ب- بيد أن الطبيعة الإنسانية تشتمل على العقل إلى جانب الهوى؛ والعقل

стр. 52

المستقيم يحمل الناس على التماس وسائل لحفظ بقائهم أفعل من التي يتوسل بها الفرد يجاهد وحده. هم يستكشفون أن البلية عامة، وأنه يمكن ملافاتها بوسائل عامة، فتنبت أول وأهم قاعدة خلقية، وهي يجب طلب السلم، فإن لم نفلح في تحقيقه وجب التوسل للحرب. وشرط السلم أن ينزل كل فرد عن حقه المطلق في حال الطبيعة، فينزل الأفراد عنه صراحة أو ضمنًا إلى سلطة مركزية، قد تكون فردًا وقد تكون هيئة تجمع بين يديها جميع الحقوق، وتعمل لخير الشعب، فتحل الحياة السياسية محل حال الطبيعة. ج- من هذا التعاقد يلزم وجوب الصدق والأمانة وعرفان الجميل والتسامح والإنصاف، والشركة فيما يتعذر اقتسامه، وفض الخلافات بالتحكيم؛ وبالجملة تلزم قواعد تلخص في العبارة المأثورة: "لا تصنع بالغير ما لا تريد أن يصنع الغير بك" لذا كان القانون الخلقي الطبيعي إرادة الله الذي وهبنا العقل المستقيم. وليس يكفي طاعة القواعد ظاهرًا, بل يجب أيضًا طاعتها لذاتها والتشبع بها، فإن القانون الخلقي يقيد الإنسان أمام ضميره. وكل هذا معقول، ولكن هوبس لا يصل إليه إلا بالعدول عن الطبيعة الحسية إلى العقل المستقيم، وليس العقل مما يعترف به المذهب المادي كقوة خاصة لها قيمة خاصة. د- ويجب أن تكون السلطة العامة مطلقة قوية إلى أبعد حد، بحيث لا يعود الفرد بإزائها شيئًا مذكورًا، ويكون واجبه الخضوع المطلق، وإلا عدنا إلى التخاصم والتنابذ. وفي الواقع يمتنع حد السلطة السياسية فإن مثل هذا الحد يعني الاعتراف بالسلطة المطلقة للفرد أو الأفراد المخول إليهم حق مؤاخذة الحكومة أو خلعها. والملكية خير أشكال الحكومة؛ من مزاياها أن واحدًا فقط قد يجاوز العدل ويسيء الحكم، وأنها تغني عن المنازعات الحزبية، وتصون أسرار الدولة, أما الديمقراطية فما هي إلا أرستقراطية خطباء. ويذهب حق السلطة إلى حد تقرير المعتقدات الدينية والقواعد الأخلاقية، وحسم الخلافات فيها لإقرار النظام. فالدين مخافة القوات غير المنظورة التي تعترف بها الدولة؛ والخرافة مخافة القوات غير المنظورة التي لا تعترف بها الدولة. ودين الدولة واجب محتوم على كل مواطن، والدين بالإجمال ظاهرة طبيعية أصلها الشعور بالضعف, وليس الدين فلسفة ولكنه شريعة، لا تتحمل المناقشة بل تقتضي الطاعة، إلى هذا الحد من

стр. 53

الاستبداد يذهب هوبس، وكأنه أراد أن يدعم الحكم المطلق بأن يجعل منه حكم القانون الطبيعي، وهو لم يفعل إلا أنه أحال ما كان واقعًا في بلاده نظرية فلسفية. ولكن الإنجليز لن يتابعوه، ومن إنجلترا ستعبر الديمقراطية البحر إلى القارة الأوروبية. أما فلسفته فما هي إلا المادية بكل سذاجتها كما عرفناها من عهد ديمقريطس وأبيقور.

стр. 54

الفصل الثالث: رني ديكارت ١ " ١٥٩٦ - ١٦٥٠ " ٣١ - حياته ومصنفاته: أ- ولد بلاهي من أعمال مقاطعة تورين بفرنسا. ولما بلغ الثامنة أدخل مدرسة "لافليش" للآباء اليسوعيين، وكانت من أشهر المدارس في أوروبا، فمكث بها ثماني سنين حتى أتم برنامج الدراسة فيها. وكانت الفلسفة تحتل في هذا البرنامج مكانًا فسيحًا، فتمتد على الثلاث السنوات الأخيرة، وكان تدريسها عبارة عن شرح كتب أرسطو موزعة إلى مجموعات ثلاث, لكل سنة مجموعة: كتب المنطق، فكتب الطبيعيات "وإلى جانبها الرياضيات"، فكتاب النفس وكتاب ما بعد الطبيعة. وأعجب ديكارت بوضوح الرياضيات ودقتها وإحكام براهينها؛ أما الفلسفة فتركت في نفسه أثرًا سيئًا لكثرة ما فيها من أخذ ورد، واعتقد أن اختلاف الفلاسفة مدعاة للشك في الفلسفة وفي باقي العلوم التي إنما تقوم على الفلسفة وتستمد منها مبادئها. هذا ما نقرأ في "المقال في المنهج" ولعل ديكارت يضيف إلى عهد الصبا حكمًا نضج عنده فيما بعد. على أن من المحقق أنه تعلق بالرياضيات وانصرف عن الفلسفة إلى زمن، ولم يكن يخصص لها سوى "ساعات في العام". ب- غادر إذن المدرسة في السادسة عشرة. وبعد أربع سنين " ١٦١٦ " تقدم لامتحان القانون في بواتيني ونال الإجازة. وبعد سنتين تطوع للخدمة في جيش الأمير موريس دي ناسو بهولندا، وكانت حينذاك حليفة فرنسا على أسبانيا، وعرف هناك طبيبًا شابًّا يدعى إسحاق بكمان "أيقظه من سباته" على حد قوله، إذ عرض عليه عددًا وفيرًا من المسائل الرياضية والطبيعية وكانا يعالجانها معًا؛

стр. 55

وهذه مرحلة مهمة في حياة ديكارت، فإن فكره تكون في الوقت الذي كان العلم الطبيعي الحديث يتكون فيه بتطبيق المنهج التجريبي, والاستدلال الرياضي على الظواهر الطبيعية. ج- وفي السنة التالية " ١٦١٩ " ترك جيش الأمير إلى جيش آخر فآخر من جيوش الأمراء الألمان. وحل الشتاء، وخلا ديكارت إلى نفسه في حجرة دافئة في قرية مجاورة لمدينة أولم، وإذا بنشوة علمية غريبة تغمره وتبلغ أقصاها في العاشر من نوفمبر، وإذا به يستكشف في حلم "أسس علم عجيب" بل ثلاثة أحلام تتابعت في تلك الليلة حتى اعتقد أنها آتية من عل, هذا الحلم يدلنا على شدة استغراق ديكارت في تفكيره. أما العلم العجيب فقد تضاربت فيه الآراء، وأغلب الظن أن المقصود به "منهج كلي" يرد العلوم جميعًا إلى الوحدة، ذلك المنهج الذي سيعلنه في "المقال". د- وعدل ديكارت عن المهنة العسكرية، وراح يطوف في أنحاء أوروبا تسع سنين حتى هبط باريس سنة ١٦٢٨. تسع سنين لم ينقطع في أثنائها عن معالجة المسائل الطبيعية بالطريقة الرياضية، أي: بتجريدها من المبادئ الفلسفية التي كانت لاصقة بها عند أرسطو والمدرسيين، وردها إلى مسائل رياضية. وإلى هذا الدور يرجع استكشافه للهندسة التحليلية، أي: تطبيق الجبر على الهندسة. أجل كان نفر من العلماء القدماء والمعاصرين قد سبقوه في هذا المضمار فعرضوا أمثلة على تطبيق هذا المنهج؛ بيد أن هذه الأمثلة كانت عندهم مجرد طرائق عملية لا يجمعها تصور كلي، فرأى ديكارت "السبب" الذي من أجله تفلح هذه الطرائق الجزئية، وهذا السبب أدى به إلى منهج كلي يطبق على جميع الحالات بغض النظر عن طبائعها الخاصة، إذ إنه نظر إلى العلم بعين الفيلسوف، فبلغ إلى كلياته، ووسع مدى تطبيقه, ولعل الهندسة التحليلية ذلك العلم العجيب. كانت الهندسة مقصورة على النظر في الأشكال، وكان الجبر كثير الصيغ معقدها، ولم يكن بين العلمين اتصال. فبدا لديكارت أن الهندسة والحساب يقومان في الترتيب والقياس, وأن المطلوب من الجبر التعبير عن أعم قوانين الترتيب والقياس، وأنه من الممكن وضع علم تكون صيغه أبسط من صيغ الحساب وأكثر تجريدًا من أشكال الهندسة، فتطبق على الأعداد والأشكال جميعًا، أي: على

стр. 56

كل ما هو مرتب وقابل للقياس. فرمز بأحرف لخطوط الشكل الهندسي وعلاقات الخطوط، ومثل الشكل بمعادلة جبرية تعبر عن خصائصه الأساسية، حتى إذا ما وضعت هذه المعادلة كان استخراج نتائجها بالجبر كافيًا لاستكشاف جميع الخصائص. وإلى هذا الدور أيضًا يرجع كتابه "قواعد تدبير العقل" وهو بمثابة منطق جديد مستمد من مناهج الرياضيين, ولكن ديكارت لم يتمه، فبقي مطويًّا إلى أن طُبع بعد وفاته بنصف قرن " ١٧٠١ ". هـ- انقضت التسع السنين ولَمَّا يشرع ديكارت في البحث عن أسس فلسفة أوكد من الفلسفة الدارجة كما يقول. على أنه كان قد حصل من الآراء الجزئية قدرًا يذكر، حتى جرؤ على عرضها في نوفمبر ١٦٢٨ في مجلس خاص كان أهم أعضائه الكردينال دي بيريل. عرض هذه الآراء على أنها تؤلف فلسفة مسيحية منافية لفلسفة أرسطو "والقديس توما الأكويني بالطبع"؛ فأعجب به الكردينال وكان أوغسطينيًّا، وشجعه تشجيعًا حارًّا على مواصلة بحثه وإتمام فلسفته، خدمة للدين وصدًّا لهجمات الزنادقة. وهذه واقعة لها خطرها، ندرك منها أن العلم الطبيعي الرياضي أو الآلي صرفه عن أرسطو إلى أفلاطون، وأنه تأثر "ولو بالواسطة" بالأفلاطونيين المسيحيين. فلن نعجب إذا وجدنا عنده شيئًا من القديس أوغسطين وشيئًا من القديس أنسلم، وشيئًا من دونس سكوت، وشيئًا من أوكام وغيره من الإسميين. ولم ترقه الحياة في باريس، وأراد أن يفرغ لوضع فلسفته، فقصد إلى هولندا في أواخر تلك السنة. وهناك دون رسالة قصيرة في "وجود الله ووجود النفس" يرمي بها إلى إقامة أسس علمه الطبيعي. ثم عاد إلى الاشتغال بالطبيعيات وشرع في تحرير كتابه "العالم" وواصل العمل فيه إلى سنة ١٦٣٣، وإذا بالمجمع المقدس يدين جليليو لقوله بدوران الأرض، وكان ديكارت قد اصطنع من جهته هذا القول، فعدل عن مشروعه وطوى كتابه "وكان شديد الحرص على هدوئه, وعلى احترام الكنيسة" فلم تنشر أجزاء الكتاب إلا بعد وفاته بسبع وعشرين سنة " ١٦٧٧ " على أن ديكارت سيلخصه في القسم الخامس من "المقال" وفي "مبادئ الفلسفة"؛ وقد كان صديقه الأب مرسين أجرأ منه, إذ نشر سنة ١٦٣٥ مؤلفات جليليو ودافع عنه.

стр. 57

ز- ورأى ديكارت أن يمهد الطريق لمذهبه ويجسّ النبض حوله، فأذاع سنة ١٦٣٧ شيئًا من علمه الطبيعي في ثلاث رسائل قدم لها برسالة يقص فيها تطور فكره، ويجمل مذهبه في الفلسفة والعلم. وكان العنوان الأصلي للكتاب برمته "مشروع علم كلي يرفع طبيعتنا إلى أعلى كمالها، يليه البصريات والآثار العلوية والهندسة، حيث يفسر المؤلف أغرب ما استطاع اختياره من موضوعات تفسيرًا يسهل فهمه حتى على الذين لم يتعلموا". فاستبدل به هذا العنوان "مقال في المنهج لإجادة قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم، يليه البصريات والآثار العلوية والهندسة، وهي التطبيقات لهذا المنهج". ويبين لنا من هذا أن الوحدة قد تمت في فكر ديكارت بين الفلسفة والعلم الطبيعي الرياضي والغاية المرجوة منه, وهي "رفع طبيعتنا إلى أعلى كمالها". ج- وأراد أن يعرض مذهبه على اللاهوتيين باللاتينية بعد أن عرضه على عامة المثقفين بالفرنسية "آملًا أن الذين لا يستخدمون سوى عقلهم الطبيعي خالصًا يقدرون آراءه خيرًا من الذين لا يؤمنون إلا بالكتب القديمة". فعاد إلى ما في "المقال" من آراء فلسفية؛ فتوسع في شرحها وتأييدها، فكان له من ذلك كتاب أسماه "تأملات في الفلسفة الأولى، وفيها البرهان على وجود الله وخلود النفس". وقبل تقديمها للطبع استطلع فيها رأي نفر من الفلاسفة واللاهوتيين ليستدرك ما قد يأخذونه عليه، فيهيئ للكتاب قبولًا حسنًا وينال رضا لاهوتيي السوربون فدونوا اعتراضات كثيرة ألحقها بالتأملات وعقب عليها بردوده، ونشر الكل سنة ١٦٤١. وفي الطبعة الثانية " ١٦٤٢ " قال في العنوان "تمايز النفس من الجسم" بدل "خلود النفس" على اعتبار أن النفس متى كانت متمايزة من الجسم كانت خالدة. ونشرت للكتاب ترجمة فرنسية سنة ١٦٤٧ بقلم الدوق دي لوين. ط- وخطر لديكارت أن أنجع وسيلة لإذاعة فلسفته وعلمه الطبيعي ربما كانت تلخيصهما في كتاب مدرسي سهل التناول. فنشر سنة ١٦٤٤ باللاتينية "وكانت لغة العلم والتعليم في أوروبا" كتاب "مبادئ الفلسفة" مع إهداء إلى السوربون، وحاول أن يحمل معلميه السابقين على تقريره في مدارسهم فيحل هو محل أرسطو، فلم يجيبوه إلى رغبته. ونشرت للكتاب ترجمة فرنسية سنة ١٦٤٧ مع

стр. 58

إهداء إلى الأميرة إليزابث، ورسالة إلى المترجم عرض فيها فلسفته عرضًا عامًّا، وبَيَّن ما بينها وبين الفلسفة القديمة من تعارض. ي- ومن ذلك الحين مال إلى الأخلاق، وكتب فيها رسائل إلى الأميرة إليزابث ابنة فردريك ملك بوهيميا المخلوع واللاجئ إلى هولندا, هذه الرسائل يظهر فيها تأثير الرواقيين وبخاصة سنيكا. ثم وضع "رسالة في انفعالات النفس" وهي آخر مؤلفاته، نشرت سنة ١٦٤٩ , وتخللت إقامته الطويلة في هولندا ثلاث رحلات قصيرة إلى فرنسا " ١٦٤٤، ١٦٤٧، ١٦٤٨ " ومناقشات حادة بينه وبين بعض العلماء واللاهوتيين، ونزاع عنيف بين أنصاره وخصومه. وفي سنة ١٦٤٩ قصد إلى أستكهولم تلبية لدعوة كريستين ملكة السويد، فتأثر بالبرد وساءت صحته, وقضي في ١١ فبراير ١٦٥٠. ٣٢ - الفلسفة ومنهجها: أ- يعرف ديكارت الفلسفة بقوله: "إن كلمة فلسفة تعني دراسة الحكمة ولسنا نقصد بالحكمة مجرد الفطنة في الأعمال، بل معرفة كاملة بكل ما في وسع الإنسان معرفته بالإضافة إلى تدبير حياته وصيانة صحته واستكشاف الفنون. ولكي تكون هذه المعرفة كما وصفنا، فمن الضروري أن تكون مستنبطة من العلل الأولى". ثم يقول في تقسيمها: "إن قسمها الأول الميتافيزيقا، وهي تشتمل على مبادئ المعرفة التي منها تفسير أهم صفات الله وروحانية نفوسنا وجميع المعاني الواضحة المتميزة الموجودة فينا. والقسم الثاني العلم الطبيعي، وفيه -بعد أن نكون وجدنا المبادئ الحقة للماديات- نفحص عن تركيب العالم على العموم، ثم على الخصوص عن طبيعة هذه الأرض وجميع الأجسام, وبالأخص عن طبيعة الإنسان، حتى يتسنى لنا استكشاف سائر العلوم النافعة له. وعلى ذلك فالفلسفة كلها بمثابة شجرة, جذورها الميتافيزيقا، وجذعها العلم الطبيعي، وأغصانها باقي العلوم، وهذه ترجع إلى ثلاثة كبرى، أعني: الطب والميكانيكا والأخلاق، أي: أعلى وأكمل الأخلاق التي تفترض معرفة تامة بالعلوم الأخرى، والتي هي آخر درجات الحكمة. كما أنه لا يجنى الثمر من جذور الأشجار ولا من الجذع بل من أطراف الأغصان، فكذلك تتعلق المنفعة الرئيسية للفلسفة

стр. 59

بمنافع أقسامها التي لا تتعلم إلا أخيرًا" "مقدمة "مبادئ الفلسفة"". في نظر ديكارت إذن الفلسفة هي العلم الكلي كما كانت عند القدماء، وهي كذلك لأنها علم المبادئ أي: أعلى ما في العلوم من حقائق، وهي نظرية وعملية كما كانت عند القدماء، والنظر فيها يوفر للعمل مبادئه؛ غير أن العمل عند ديكارت هو المقصد الأسمى، ولو أن العقل أهم جزء في الإنسان، والحكمة خيره الأعظم. والغرض من العمل ضمان رفاهية الإنسان وسعادته في هذه الحياة الدنيا بمد سلطانه على الطبيعة, واستخدام قواها في صالحه. ب- ومنهج الفلسفة حدس المبادئ البسيطة، واستنباط قضايا جديدة من المبادئ لكي تكون الفلسفة جملة واحدة. أما الاستقراء المعروف فلا يصل إلا إلى معارف متفرقة إن جمعت بعضها إلى بعض ألفت علمًا مهلهلًا ملفقًا لا ندري من أين نلتمس له اليقين، وعلامة اليقين وضوح المعاني وتسلسلها على ما نرى في الرياضيات التي تمضي من البسيط الواضح إلى المركب الغامض بنظام محكم. فهذا المنهج هو المنهج الوحيد المشروع؛ لأن العقل واحد، ويسير على نحو واحد في جميع الموضوعات، ويؤلف علمًا واحدًا هو العلم الكلي، فليست تتمايز العلوم فيما بينها بموضوعاتها ومناهجها، ولكنها وجهات مختلفة لعقل واحد يطبق منهجًا واحدًا وليس الاستنباط القياس الأرسطوطالي, فلا خير يرجى من هذا القياس "وديكارت يردد بهذا الصدد الانتقادات المتداولة"؛ ولكنه سلسلة من الحدوس تتقدم من حد إلى حد بحركة متصلة، فيربط العقل بين حدود لم تكن علاقاتها واضحة أول الأمر، حتى إذا ما انتهى في الاستنباط إلى غايته، رد المجهول إلى المعلوم، أو المركب إلى البسيط، أو الغامض إلى الواضح، والحركة العقلية هنا ثانوية، فإن مبدأها حدس ومنتهاها حدس "كتاب "قواعد تدبير العقل"". ج- وللمنهج أربع قواعد عملية، والقاعدة الأولى "أن لا أسلم شيئًا إلا أن أعلم أنه حق". ولهذه القاعدة معنى خبيء غير المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، فإن ديكارت يريدنا على ألا نسلم شيئًا إلا أن نعلم أنه حق بالعلم الذي يعنيه، وهو الإدراك بالحدس المباشر وبالحدس غير المباشر أو الاستنباط، وهذا يقضي بأن نقصى من دائرة العلم، ليس فقط جميع الوقائع

стр. 60

التاريخية، بل أيضًا كل معنى يستلزمه تفسير الظواهر الطبيعية ولا نتمثله أو نتخيله، كمعنى القوة التي ندرك ضرورتها لتفسير التغير والحركة. وقد استبعد ديكارت بالفعل معنى القوة، فنتجت له نتائج سنذكرها فيما بعد. وقد تذرع الكثيرون بهذه القاعدة لنبذ الدين لما يعول عليه من أحداث تاريخية تتعلق بنزول الوحي، وما يتضمن من عقائد تفوق إدراك العقل، وقالوا: إن هذه القاعدة عبارة عن إعلان حرية الفكر وإسقاط كل سلطة. د- القاعدة الثانية "أن أقسم كل مشكلة تصادفني ما وسعني التقسيم, وما لزم لحلها على خير وجه". ذلك بأننا لما كنا نطلب الوضوح فيجب علينا أن نذهب من المركب إلى بسائطه، ومن الكل إلى أجزائه، أي: مما هو تابع لغيره ومعقول بهذا الغير إلى ما هو مستقل بنفسه ومعقول بذاته. وهذا هو التحليل؛ والغرض منه الحدس الذي هو المعرفة الحقة. هـ- القاعدة الثالثة "أن أسير بأفكاري بنظام، فأبدأ بأبسط الموضوعات وأسهلها معرفة، وأرتقي بالتدريج إلى معرفة أكثر الموضوعات تركيبًا، فارضًا النظام حتى بين الموضوعات التي لا تتتالى بالطبع". وهذه قاعدة التركيب بعد قاعدة التحليل، ولها فرعان: الأول التدرج من المبادئ إلى النتائج، وذلك بأن ننظر أولًا في حد من حدود المسألة، ثم في حد آخر، ثم في النسبة بينهما، ثم في حد ثالث، وهكذا حتى نأتي على جميع الحدود ونسبها؛ والفرع الثاني هو افتراض النظام حين لا يتبين نظام الحدود، ثم استخراج النتائج بالطريقة التركيبية المذكورة، والمقصود بالنظام "نظام الأسباب" الذي بموجبه تلزم معرفة حد من معرفة حد سابق لزومًا ضروريًّا؛ وإذا لم ينتج النظام المفروض افترضنا نظامًا آخر، إلى أن نصل إلى النظام الملائم, فهنا يتدخل العقل إذ لا يقوم العلم إلا بالنظام. والقاعدة الرابعة "أن أقوم في كل مسألة بإحصاءات شاملة، سواء في الفحص على الحدود الوسطى أو في استعراض عناصر المسألة، بحيث أتحقق أني لم أغفل شيئًا". هذه القاعدة تمكن من تحقيق القاعدة السابقة؛ فإنها ترمي إلى استيعاب كل ما يتصل بمسألة معينة، وترتيب العناصر التي يتوصل إليها. وهي تفيد في التحقق من صدق النتائج التي لا تستنبط رأسًا من المبادئ البينية بذاتها،

стр. 61

أو ما يبعد عن هذه المبادئ بعدًا كبيرًا يصعب علينا معه أن نتذكر الطريق الذي سلكناه؛ فإذا رتبنا الحدود وانتقلنا بنظام من حد إلى آخر، قام هذا الانتقال مقام حدس العلاقة بين نتيجة ومبدئها؛ وتقترب من هذا الحدس بمحاولة تذكر الحدود بأسرع ما يمكن. ويختلف هذا الإحصاء، أو الاستقراء كما يسميه أيضًا ديكارت، عن الاستقراء الأرسطوطالي، في أن الغرض منه ليس الوصول إلى نتيجة كلية من أجل ما شُوهد في الجزئيات، بل الوصول إلى حدود تتصل بذاتها بعضها ببعض. وأحيانًا يمكن الاكتفاء بعدد محدود من الحدود، مثلما إذا أردت أن أبين أن النفس الناطقة ليست جسمية، فإني أكتفي بأن أجمع الأجسام في بضع طوائف، وأدلل على أن النفس الناطقة لا يمكن أن ترجع إلى واحدة منها، بعكس ما إذا أردت أن أبين عدد الموجودات الجسمية, أو كيف تقع هذه الموجودات تحت الحواس، فيجب أن يكون الإحصاء تامًّا. ز- فالمنهج عند ديكارت يبين القواعد العملية التي يجب اتباعها لإقامة العلم, ولا يحلل أفعال العقل ولا يدل على صدقها ومواطن الخطأ فيها كما يبين المنطق، فإن هذا التحليل عديم الفائدة في رأي ديكارت وبيكون وأضرابهما, وإن المنطق الطبيعي يغني عن المنطق الصناعي. وبينما المنطق علم وفن معًا، نجد المنهج عند هؤلاء الفلاسفة فنًّا فحسب، وإن يكن منطويًا على نظرية في العقل والعلم كما سنرى في عرض فلسفة ديكارت، فإن هذه النظرية متمشية على هذا المنهج ومؤسسة له. والعلم إذن عند ديكارت استنباطي يضع المبادئ البسيطة الواضحة ويتدرج منها إلى النتائج؛ أو هذا ما يدعيه ديكارت؛ ومع أنه كان يجمع المعلومات ويجري التجارب بهمة لا تني، فقد كانت أهمية التجربة مقصورة في منهجه ومذهبه على إثارة الفكر وتعريفنا أي نتائج الاستنباط هي المحققة بالفعل من بين النتائج المختلفة التي يستطيع العقل أن يستنبطها من المبادئ. ٣٣ - الشك واليقين: أ- بعد المنهج المذهب، وهو تطبيق قواعد المنهج. لكل علم مبدأ، فأين نلتمس المبدأ الذي نقيم عليه العلم؟ إن عقلنا مشحون بأحكام ألفناها في عهد الطفولة أو قبلناها من المعلمين قبل تمام النضج والرشد. وإذا نظرنا في العلوم

стр. 62

ألفيناها تكونت وتضخمت شيئًا فشيئًا بتعاون رجال مختلفين، فجاءت كالثوب الملفق أو البناء المرمم. فإذا أردنا أن نقرر شيئًا محققًا في العلوم، كان من الضروري أن نشرع في العمل من جديد، فنطرح كل ما دخل عقلنا من معارف، ونشك في جميع طرق العلم وأساليبه، مثلنا مثل البناء يرفع الأنقاض ويحفر الأرض حتى يصل إلى الصخر الذي يقيم عليه بناءه، والأساس الذي نريد الوصول إليه هو العقل مجردًا خالصًا، فإن العقل واحد في جميع الناس، إذ إنه الشيء الوحيد الذي يجعلنا أناسيّ ويميزنا من العجماوات، فهو متحقق بتمامه في كل إنسان. وما منشأ تباين الآراء سوى تباين الطرق في استخدام العقل. ولسنا بحاجة إلى التدليل على كذب آرائنا السابقة ليسوغ لنا اطّراحها على هذا النحو، بل يكفي أن نجد فيها أي سبب للشك، إذ ليس الشك مقصودًا هنا لنفسه، بل لامتحان معارفنا وقوانا العارفة. ولسنا بحاجة كذلك إلى استعراض تلك الآراء رأيًا رأيًا، بل يكفي أن نستعرص المبادئ، فإن هدم الأساس يجر وراءه كل البناء. ب- إذن فأنا أشك في الحواس؛ لأنها خدعتني أحيانًا، ولعلها تخدعني دائمًا، وليس من الحكمة الاطمئنان إلى من خدعنا ولو مرة واحدة. وأنا أشك في استدلال العقل؛ لأن الناس يخطئون في استدلالاتهم، ومنهم من يخطئ في أبسط موضوعات الهندسة. فلعلي أخطئ دائمًا في الاستدلال، ومن دواعي الشك أيضًا أن نفس الأفكار تخطر لي في النوم واليقظة على السواء، ولست أجد علامة محققة للتمييز بين الحالتين، فلعل حياتي حلم متصل، أي: لعل اليقظة حلم منسق. ومما يزيد في ميلي إلى الشك أني أجد في نفسي فكرة إله قدير يقال: إنه كلي الجودة, وهو مع ذلك يسمح أن أخطئ أحيانًا، فإذا كان سماحه هذا لا يتعارض مع جودته، فقد لا يتعارض معها أن أخطئ دائمًا، ولكن ما لي ولله، فقد يكون هناك روح خبيث قدير يبذل قدرته ومهارته في خداعي، فأخطئ في كل شيء، حتى في أبسط الأمور وأبينها، مثل أن أضلاع المربع أربعة، وأن اثنين وثلاثة تساوي خمسة. ح- ولكني في هذه الحالة من الشك المطلق أجد شيئًا يقاوم الشك، ذلك أني أشك، فأنا أستطيع الشك في كل شيء ما خلا شكي، ولما كان الشك

стр. 63

تفكيرًا فأنا أفكر، ولما كان التفكير وجودًا فأنا موجود: "أنا أفكر وإذن فأنا موجود". تلك حقيقة مؤكدة واضحة متميزة خرجت لي من ذات الفكر. لها ميزة نادرة هي أني أدرك فيها الوجود والفكر متحدين اتحادًا لا ينفصم. ومهما يفعل الروح الخبيث فلن يستطيع أن يخدعني فيها؛ لأنه لا يستطيع أن يخدعني إلا أن يدعني أفكر, وإذن فأنا أتخذ هذه الحقيقة مبدأ أول للفلسفة. الفكر مبدأ لأنه وجود معلوم قبل كل وجود، وعلمه أوضح من علم كل وجود. هو معلوم بداهة، ومهما نعلم فنحن بفكرنا أعلم، فمثلًا لو اعتقدت أن هناك أرضًا بسبب أني ألمسها وأبصرها، فيجب أن أعتقد من باب أولى أن فكري موجود، إذ قد أفكر أني ألمس الأرض دون أن يكون هناك أرض، ولكن ليس من الممكن ألا أكون في الوقت الذي أفكر فيه. ثم أنا أتخذ هذه الحقيقة الأولى معيارًا لكل حقيقة؛ فكل فكرة تعرض لي بمثل هذا الوضوح أعتبرها صادقة. وتعريف الفكر بالإجمال أنه "كل ما يحدث فينا بحيث ندركه حالًا بأنفسنا" فحين أقول: إني شيء مفكر، أقصد "أني شيء يشك ويثبت وينفي، ويعلم قليلًا من الأشياء ويجهل الكثير، ويحب ويبغض، ويريد ويأبى، ويتخيل أيضًا ويحس"، والفكر صادر عن النفس أو هو النفس أو الروح, خالص ثابت عندي مهما أشك في وجود جسمي وسائر الأجسام. د- على أن اطمئناني إلى الوضوح ما يزال مفتقرًا إلى التثبيت، فقد يكون خالقي صنعني بحيث أخطئ في كل ما يبدو لي بينًا، أو قد يكون سمح للروح الخبيث أن يخدعني على الدوام. الحق أنه بدون معرفة وجود الله وصدقه، فلست أرى أن باستطاعتي التحقق من شيء البتة. أعود إذن إلى فكرة الله التي كانت سببًا من أسباب الشك، فأجد أنها فكرة موجود كامل، والكامل صادق لا يخدع إذ إن الخداع نقص لا يتفق مع الكمال. وعلى ذلك فأنا واثق بأن الله صنع عقلي كفئًا لإدراك الحق، وما عليَّ إلا أن أتبين الأفكار الواضحة, وصدق الله ضامن لوضوحها. هـ- سنعرض بعد هنيهة أدلة ديكارت على وجود الله، ونقدر قيمتها، أما الآن فنقف عند هذه المراحل الثلاث الأولى من مراحل المنهج، وهي الشك المطلق، فوضوح الفكر، فالضمان الإلهي، ونسأل: هل هذا المنهج سائغ؟ أما الشك فلسنا نوافق على أنه فرضي منهجي كما يقول ديكارت، إذ لكي يكون

стр. 64

الشك كذلك يجب أن يكون صوريًّا جزئيًّا، وديكارت يشك حقًّا في كل شيء، وهو يشك في كل شيء فيصبح شكه حقيقيا بالضرورة. إنه يصرح بأن "ليس هناك شيء إلا ويستطيع أن يشك فيه على نحو ما" فإذا ما أحس أن مثل هذا الشك الكلي معارض لطبيعة العقل، استعان بالإرادة وقال: "أريد أن أعتبر كل ما في فكري وهمًا وكذبًا" وافترض الروح الخادع وألح على فكره إلحاحًا عنيفًا لكي يحقق في نفسه حالة الشك الصحيح. فلو أنه قصر الشك على الأمور غير البينية المفتقرة إلى برهان، واستثنى المبادئ الأولية البينة بذاتها، لأمكنه الاستناد على هذه المبادئ للخروج إلى اليقين. ولكنه يشك في العقل ذاته، فشكه كلي حقيقي يمتنع الخروج منه. يذهب بعض المؤلفين إلى أن الشك الديكارتي ليس كليا مثل شك الشكاك، وذلك لسببين: الأول أن الفيلسوف يقصد إلى تبرير اليقين بعد المضي في الشك إلى أقصى حدوده، والثاني أنه يستثني بالفعل العقائد الدينية والقواعد الأخلاقية والتقاليد الاجتماعية. ولكن إرادة تبرير اليقين ترجع إلى نية الفيلسوف, وليست النية بمغيرة شيئًا من الموضوع. واستثناء العقائد والأخلاق والتقاليد لا يعني أن الفيلسوف موقن بها ذلك اليقين الذي ينشده، فإن العقائد أسرار تفوق العقل، والأخلاق والتقاليد من الضروري التزامها قبل الشك وأثناءه "لأن أفعال الحياة غالبًا ما لا تحتمل الإرجاء" كما يقول ديكارت نفسه، وأن "ليس من الفطنة التردد في العمل بينما يضطرنا العقل إلى التردد في الأحكام" ١. كذلك يذكرون قوله: "إذا اعتبرنا المعاني في أنفسها دون نسبتها إلى شيء آخر، فلا يمكن أن تكون كاذبة" "التأمل الثالث". ولكن لسنا هنا بإزاء يقين مستثنى من الشك، بل بإزاء تعليق للتصديق من حيث إن الصدق والكذب يقومان في الحكم, لا في تصور المعاني. وأما مبدؤه "أنا أفكر وإذن فأنا موجود" فيثير مسألتين: إحداهما تاريخية، والأخرى فلسفية. مدار المسألة التاريخية على مبلغ أصالة ديكارت في هذه المرحلة من منهجه. فقد استخدم القديس أوغسطين الشعور بالفكر كشاهد من شواهد اليقين، ويوجد شبه قوي بين ألفاظه وألفاظ ديكارت، لحظه العارفون من أول الأمر ونبهوا عليه، فنفى ديكارت عن نفسه شبهة الأخذ عن أوغسطين،

стр. 65

وقال: إنه ذهب إلى مكتبة "ليدن" في اليوم نفسه وقرأ النص فوجد أن أوغسطين يستخدم الفكر للتدليل على الوجود الذاتي، وعلى أن فينا صورة ما للثالوث من جهة أننا موجودون، ونعلم أننا موجودون، ونحب ما فينا من وجود وعلم، بينما هو يستخدمه ليدلل على أن الأنا المفكر جوهري لا مادي، وأن الغرضين مختلفان جد الاختلاف، وأن استنتاج الوجود الذاتي من الشك أمر من البساطة بحيث كان يمكن أن يهتدي إليه أي كان. نقول أولًا: إنه كان شديد الاعتداد بنفسه، قوي الإيمان بجدة مذهبه، حتى ادعى أنه لا يدين بشيء لأحد من المتقدمين، وأن الآراء المشتركة بينه وبينهم مؤسسة عنده على نحو مغاير بالمرة لما عندهم. وهو يذكر أفلاطون وأرسطو وأبيقور وتليزيو وكامبانيلا وبرونو، ويصرح بأنه يعرفهم ولكنه لم يتعلم منهم شيئًا من حيث إن مبادئه غير مبادئهم، اللهم إلا كبلر. ويصعب علينا تصديق دعوى ديكارت أنه لم يكن يعرف نصوص أوغسطين، ولعله أراد أنه لم يقرأها في كتبه، ولكنه عرفها بالواسطة بلا ريب، فإنها مشهورة وكانت كتب أوغسطين متداولة، وكان مذهبه شائعًا، وكان أول عرض قام به ديكارت لمذهبه بحضرة الكردينال دي بيريل الأوغسطيني. أما أن الغرضين يختلفان، فهذا ما لا يمكن ادعاؤه إطلاقًا، فإن أوغسطين هو أيضًا يستخدم وجود الفكر للتدليل على روحانية النفس، ولرفع الشك، ويمضي من الفكر إلى وجود الله كما يفعل ديكارت. فوجود الفكر مبدأ المذهبين، وقد غلط بسكال حين قال: إن أوغسطين كتب تلك الكلمة عفوًا دون أن يطيل التفكير فيها, ودون أن يتوسع فيها، على حين أن ديكارت أدرك في هذه الكلمة سلسلة بديعة من النتائج تبرهن على تمايز الطبيعتين المادية والروحية, وجعل منها مبدأ وطيدا مطردا لعلم طبيعي بأكمله ١. وكيف يكون أوغسطين قال هذه الكلمة عفوًا واتفاقًا، وهو يذكرها ست مرات؟ وكيف يقال: إنه لم يطل فيها التفكير ولم يتوسع فيها، وقد قصد بها إلى إدحاض الشك، والتدليل على وجود النفس وروحانيتها، وعلى وجود الله كما تقدم؟ بيد أنه يبقى أن وجود الفكر هو عند ديكارت حالة فذة يتجلى فيها اليقين، ومبدأ للفلسفة سيخرج منه كل يقين؛ وأنه عند أوغسطين حالة جزئية من حالات اليقين، ربما كانت

стр. 66

أوضحها عند مناقشة الشكاك، إلا أنها لا تخرج عن كونها واحدة منها، وهذا فرق في مصلحة أوغسطين؛ إذ إنه لا يستهدف للدور الذي وقع فيه ديكارت حين نظر إلى الفكر كأنه مجرد شعور فلم يستردّ اليقين بموضوعات الفكر إلا بالالتجاء إلى صدق الله، وفكرة الله نفسها أحد هذه الموضوعات. ز- ومدار المسألة الفلسفية على جواز اتخاذ الفكر الخالص مبدأ أول والذهاب منه إلى موضوعات مغايرة له. إن هذا لا يجوز، فقد نستوثق من فكرنا "وأي شاك شك في فكره؟ " ثم لا نستوثق من شيء آخر على الإطلاق. والأمر واضح عند ديكارت كل الوضوح، فإن الروح الخبيث ما يزال ظله محلقًا فوق أفكارنا مهما تكن جلية متميزة، وإن فاته خداعنا في وجود الفكر، بقي سلطانه كاملًا على موضوعات الفكر، فيمتنع التقدم خطوة واحدة. وليس صدق الله بمجدٍ شيئًا في طرد الروح الخبيث؛ لأن فرض هذا الروح سابق على معرفتنا بالله، فيجب الشك في هذه المعرفة ذاتها، وديكارت لا يخرج من شكه إلا بدور ظاهر. فمن جهة يجب للبرهنة على وجود الله الاعتماد على العقل والأفكار الواضحة كوسائل لا تخدع، ومن جهة أخرى لأجل التحقق من أن العقل والأفكار الواضحة لا تخدع, يجب العلم أولًا بوجود الله وصدقه. فالواقع أن المنطق كان يقضي على ديكارت أن يظل على شكه يردد طول حياته قوله: "أنا أفكر وأنا موجود" مثله مثل ذلك الشاك اليوناني الذي عدل عن الكلام مخافة الاضطرار إلى الإيجاب والسلب. ولكن ديكارت لم يكن ليرضى بهذا الموقف، وكما "أراد" الشك كليًّا، فقد "أراد" الوصول إلى اليقين وضمان العلم مهما يكن من أمر المنطق. ٣٤ - التصور والوجود: أ- قبل أن نتابع ديكارت في سيره نحو اليقين والعلم، نريد أن نلفت النظر إلى أن شكه المطلق ينطوي على تصورية مطلقة هي روح المذهب ونقطته المركزية. التصور عند ديكارت تصور بحت لا إدراك شيء واقعي، والفكر عنده لا يدرك إدراكًا مباشرًا غير نفسه، وإلا لما أمكن الشك في موضوعاته.

стр. 67

فديكارت إذ يأبى في مرحلته الأولى أن يقبل شيئًا من دون الفكر، فيؤمن بتفكيره في السماء والأرض ويشك في وجودهما، يفصل بين ما لأفكارنا من وجه ذاتي وما لها من وجه موضوعي، ومن ثم يفصل فصلًا تامًّا بين الفكر والوجود، ليس فقط الوجود الخارجي، بل أيضًا وجود المفكر نفسه. وقد أنكر بعضهم على ديكارت اتخاذه عبارة "أنا أفكر وإذن فأنا موجود" مبدأ أول, وقال: إن هذه العبارة قياس إضماري حذفت منه المقدمة الكبرى وهي "ما يفكر فهو موجود" وإن الأولى وضع هذه المقدمة موضع المبدأ الأول. فرد ديكارت أن هذه العبارة ليست قياسًا، ولكنها حدس يدرك وجود المفكر في الفكر. ونحن نرى أنها كذلك إذا اعتبرنا الفكر قوة مدركة للوجود، أما إذا اعتبرناه إدراك أفكار أو ظواهر، تعين علينا أن ندلل على وجود المفكر؛ وسنرى لوك وهيوم وكانت ينازعون في صحة هذا التدليل. ب- أما الأشياء الخارجية، فإذا سألنا ديكارت عن علة الأفكار التي نمثلها، أجاب قائلًا: قد أكون أنا تلك العلة؛ إذ ليس من الضروري أن تصدر الأفكار عن أشياء شبيهة بها، بل قد تصدر عن علة حاصلة بالذات على الكمال الممثل فيها، أو عن علة حاصلة عليه على نحو أسمى، وأنا حاصل على الفكر بالذات، فأستطيع أن أؤلف فكرة الملاك، وأنا حاصل على حقائق الأجسام على نحو أسمى لأن الجسم دون الفكر، فأستطيع أن أؤلف أفكار الأجسام. ومع ذلك سيطلب ديكارت أصولًا خارجية لأفكار الأجسام يجعلها موضوع العلم الطبيعي، وسيتخذ سبيلًا إلى ذلك وجود الله وصدقه. فأمامنا إذن مسألتان، الواحدة هي: هل أفكارنا صادقة؟ والأخرى هي: هل لأفكارنا موضوعات في الخارج؟ وديكارت يقدم الأولى على الثانية كما يقتضي مبدؤه التصوري. يقول: "قبل أن أفحص عما إذا كان هناك أشياء خارجية، يجب أن أنظر في أفكاري من حيث هي كذلك، وأن أتبين أيها واضح وأيها غامض". فالفكرة الواضحة صادقة ويقابلها موضوع؛ أما الفكرة الغامضة فانفعال ذاتي. وهذا يعني أن العالم الخارجي لا يعلم إلا بعد أفكاري وعلى مثالها، وأن الحقيقة "أي الوضوح" سابقة في علمي على الوجود، وأنها عبارة عن جسر بين الفكر المعلوم أولًا والأشياء المعلومة بعده وتبعًا له. وهذا هو المذهب التصوري

стр. 68

"إيديالزم" ١ ابتدعه ديكارت وتابعه فيه الفلاسفة المحدثون، فوقعوا في إشكالات لا تحصى. وظن ديكارت أن صدق الله يحل المسألتين ويرد إلى المعرفة قيمتها والواقع أنه يهدمها هدمًا، إذ لو كان لدينا وسيلة طبيعية للمعرفة الحقة، لما افتقرنا إلى الضمان الإلهي، ولو كانت قوانا العارفة تؤدي وظيفتها كالواجب، وتمضي بالطبع إلى الحقيقة، لحملت في نفسها علامة صدقها، ولعلمنا ذلك قبل الالتجاء إلى الضمان الإلهي؛ أما افتقارنا إلى ضمان خارج عن العقل والحواس، فأدعى إلى التشكك في الله وحكمته وجودته. ح- وللتمييز بين الصادق والكاذب من الأفكار، تمهيدًا للخروج من التصور إلى الوجود، يرتب ديكارت الأفكار في طوائف ثلاث: الأولى أفكار حادثة أو اتفاقية، وهي التي يلوح لنا أنها آتية من خارج، أي: التي تقوم في الفكر بمناسبة حركات واردة على الحواس من الخارج، كاللون والصوت والطعم والرائحة والحرارة، وهي غامضة مختلطة. الطائفة الثانية أفكار مصطنعة، وهي التي نركبها من أفكار الطائفة الأولى، كصورة فرس ذي جناحين، أو صورة حيوان نصفه إنسان ونصفه فرس، وما شاكل ذلك. والطائفة الثالثة أفكار غريزية أو فطرية، ليست مستفادة من الأشياء ولا مركبة بالإرادة، ولكن النفس تستنبطها من ذاتها؛ وتمتاز هذه الأفكار بأنها واضحة جلية بسيطة أولية، وهي التي تؤلف الحياة العقلية بمعناها الصحيح، كفكرة الله والنفس والامتداد وأشكاله والحركة وأنواعها والعدد والزمان وغيرها. وقد سئل ديكارت في هذه الأفكار، فقال: إنه يقصد بكونها غريزية أن فينا قوة تحدثها، وبكونها طبيعية أنها في النفس على نحو ما نقول: إن السخاء أو إن مرضًا ما طبيعي في بعض الأسر، وقال: إنها ليست مرتسمة في العقل كأبيات الشعر في الديوان، ولكنها فيه بالقوة كالأشكال في الشمع، وإنها في عقل الطفل على نحو ما هي في عقل الراشد حين لا يفكر فيها. ويعود إلى علة الأفكار، فيقول: إن أفكار الطائفة الأولى

стр. 69

والثانية لا تتطلب علة غير النفس، فإنها عبارة عن انفعال النفس بالمؤثرات الخارجية وتركيب الانفعالات بعضها مع بعض. أما الأفكار الفطرية فإنما تمثل "طبائع بسيطة وحقائق موضوعية" فمن الخطأ الظن أن العقل علتها الكافية. إن العقل علة كافية للفكرة من حيث هي فعل نفسي، لا من حيث موضوعها. وعلى ذلك يجب استعراض الأفكار الفطرية والنظر فيما إذا كانت تفسر بالفكر وحده أو تقتضي علة خارجية. ذلك سبيلنا للتخطي من التصور إلى الوجود. ٣٥ - الله والحقيقة: أ- أجل؛ إذا عثرت على فكرة تفوق حقيقتها الموضوعية كل ما فيّ بحيث لا أكون علة هذه الفكرة، علمت أني لست وحيدًا في العالم. والواقع أني أجد بين أفكاري فكرة الله، أعني فكرة موجود كامل لامتناهٍ. وهذه الفكرة واضحة متميزة، فإنها تحوي كل ما أتصور من كمال. من أين جاءتني؟ هل أقول: إني استنبطتها من نفسي؟ ولكني موجود يشك ويتردد كما رأينا، والشك علامة النقص, إذ من البين أن العلم خير منه، فكيف أستطيع استحداث فكرة الكامل وأنا ناقص؟ هل أقول: إنها جاءت من الأشياء الخارجية؟ ولكنها لا تخطر لي أبدًا على غرة مثل أفكار المحسوسات، والعالم الخارجي ناقص مؤلف من أشياء كل منها محدود، ومهما أجمع أشياء أو أفكارًا ناقصة بعضها إلى بعض، فلن أبلغ إلى تأليف فكرة الكامل اللامتناهي. هذا إلى أن هذه الفكرة بسيطة لا مجال فيها لتأليف وتركيب، من حيث إنها تمثل موجودًا واحدًا حاصلًا على جميع الكمالات, وإني لا أستطيع أن أنقص منها أو أزيد فيها شيئًا. ولا يمكن أن يقال: إني لا أتصور الكامل اللامتناهي بفكرة محصلة، بل بإدخال السلب على فكرة النقص والتناهي التي أجدها في نفسي، إذ ليست فكرة الكامل اللامتناهي معدولة تمثل عدمًا وسلبًا، ولكنها محصلة تمثل موجودًا هو أكمل موجود، بل الواجب أن يقال على العكس: إني إنما أتصور النقص والتناهي بالحد من الكمال واللاتناهي، ولو لم تسبق لي فكرة موجود كامل لا نقص فيه، لما استطعت أن أعتبر نفسي ناقصًا. وإذن فليست هذه الفكرة حادثة ولا مصطنعة، ولا يبقى إلا أنها فطرية بسيطة أولية.

стр. 70

ب- إذا تقرر هذا قلت: إن كل ما أتصور بوضوح حصوله لماهية ما فهو حاصل لها، أو كل محمول متضمن في فكرة شيء فهو صادق على هذا الشيء؛ فمثلًا حين أتصور المثلث، أتصور ماهية ثابتة لم أخترعها وليست متعلقة بفكري, فلا أستطيع أن أعدل فيها زيادة أو نقصانًا، وأنا أتصور في ماهية المثلث أن زواياه الثلاث تساوي قائمتين، وهذا صحيح عن المثلث, وهكذا في كل ماهية. فإذا عدت إلى فكرة الكامل وجدتها تتضمن الوجود بالضرورة؛ لأن الوجود كمال ولو كان الكامل غير موجود لكان ناقصًا مفتقرًا لموجد، وهذا خلف. فوجود الله لازم من ذات فكرة الله، أي: من مجرد تعريفه. وقد يبدو هذا القول مغالطة، ولكن ذلك وهم، سببه أننا نميز بين الوجود والماهية في سائر الأشياء، فتحملنا العادة على اعتقاد إمكان فصل الوجود عن ماهية الله. أما إذا تدبرنا الأمر، وجدنا ماهية الله تقوم في حصول جميع الكمالات، وأن فكرة الله هي الفكرة الوحيدة التي تتضمن الوجود كمحمول ذاتي، فلا يمكن فصله عن الماهية، كما لا يمكن فصل فكرة الوادي عن فكرة الجبل. وهذا دليل أول على وجود الله، وهو دليل القديس أنسلم, مهد له ديكارت ودعمه ببيان أصالة فكرة الله، ويعد هذا البيان نصيبه الخاص في إقامة الدليل. ح- إذا انتقلت من النظر في مفهوم فكرة الله إلى الفحص عن علتها، كان لي دليل ثانٍ على وجود الله. قد سبق القول أن لها من الحقيقة الموضوعية أو الكمال ما يفوقني إلى غير حد، فلا يمكن إلا أن تكون صدرت إلا عن علة كفء لها، أي: عن موجود حاصل بالفعل على الكمال الممثل فيها. ورب قائل يقول: لعلي أعظم مما أظن، ولعلي حاصل بالقوة على الكمالات التي أضيفها إلى الله، ولعل هذه القوة على اكتساب الكمالات بالتدريج كافية لتوليد تصور هذه الكمالات في نفسي. ولكن لا، فمن الجهة الواحدة الله موجود كله بالفعل، وفكرة موجود كامل بالفعل تفوق كل اكتساب الكمال بالتدريج, ومن جهة ثانية ليس يمكن تحقيق اللامتناهي بزيادات متتالية، إذ إن كل ما هو متناهٍ فهو قابل للزيادة دائمًا، فالظن بأن موجودًا متناهيًا يستطيع الوصول بالتدريج إلى اللامتناهي ظن متناقض، وأخيرًا العلة التي بالقوة ليست شيئًا وليست علة،

стр. 71

والحقيقة الموضوعية لفكرة ما تتطلب علة بالفعل. إذن فالله موجود، وهو نموذج فكرة الكامل اللامتناهي وعلتها. د- وإذا فحصت عن علة وجودي بصفتي حاصلًا على فكرة الكامل، كان لي دليل ثالث على وجود الله. ذلك بأنني لو كنت خالق نفسي، لكنت منحت نفسي الكمال الممثل لي في هذه الفكرة، من حيث إن الإرادة تتجه إلى الخير دائمًا، وما الكمال إلا صفة للموجود وحال له، فخلقه أيسر من خلق الوجود ذاته، فلو كنت أوجدت نفسي لكنت أردت لها كمال الوجود، ولكني ناقص، فذلك دليل على أني لست خالق نفسي. ولا يمكن القول: إني وجدت دائمًا على ما أنا الآن، فإن أجزاء الزمان منفصلة بعضها عن بعض بحيث لا يتعلق الزمان الحاضر بالزمان الذي سبقه، فالموجود لكي يدوم في كل آن مفتقر لنفس الفعل اللازم لخلقه، فلا أستطيع الدوام زمنًا ما إلا إذا كنت أخلق خلقًا جديدًا في كل آن، وليس لدي مثل هذه القوة لحفظ نفسي في الوجود, ولو كانت لي لعلمت ذلك علمًا يقينيًّا, فإن قوة ما لا توجد في بما أنا موجود مفكر دون أن أعلمها؛ وإذن فلست خالق نفسي. ثم لا يمكن أن يقال: إن وجودي مستمد من توالدي أو من علة أخرى دون الله كمالًا؛ لأنه مهما تكن تلك العلة فلا بد أن تكون حاصلة على فكرة الكمال، وحينئذ فإما أن تكون أوجدت نفسها، وأوجدت نفسها كاملة، فتكون الله، أو أن تكون صدرت عن علة أخرى، فتعود المسألة، ويمتنع التسلسل إلى غير نهاية؛ لأن المطلوب هنا ليس العلة التي أوجدتني في الماضي, بل التي تحفظ وجودي في الحاضر، فلا بد من الوقوف عند علة هي الله. وهكذا كما أدركت النفس دون أن أخرج من الفكر، فقد أدركت الله إدراكًا مباشرًا في علاقتي بفكري ووجودي، وبلغت إلى موجود محقق مع بقائي مستمسكًا بالفكر. إن فكرة الله محدثة في منذ خلقت، وهي طابع الله في خليقته. هـ- ونحن نتغاضى هنا عما في هذه الأدلة من مسائل فرعية تغنينا غرابتها عن الإسهاب في نقدها, مثل احتمال إحداث الموجود ذاته, وتصور الدوام خلقًا متكررًا لا ندري كيف يبقى معه الموجود هو هو، واعتقاد ديكارت أن المفكر يدرك كل ما في نفسه، مما يرجع إلى إنكار القوة واللاشعور, نتغاضى عن هذا

стр. 72

وعن غيره، ونحصر النظر في فكرة الله التي يبني عليها ديكارت أدلته الثلاثة. هل صحيح أنها محصلة جلية متميزة؟ الواقع أنها مكتسبة بالاستدلال، فالأصل فيها ضرورة تفسير الموجود المتغير بإسناده إلى علة، وضرورة الوقوف عند علة أولى في سلسلة العلل، وإلا بقي الموجود المتغير بدون تفسير، وضرورة إيجاب الوجود لهذه العلة الأولى، إلا لم تكن أولى. فديكارت يتناول هذه الفكرة كما كونها الفلاسفة واللاهوتيون المدرسيون ويعتبرها أولية، فيبدأ من حيث انتهوا، ويعتبرها محصلة، ولو كانت كذلك لاستوى فيها كل الناس، ولأظهرتنا على ماهية الله كما هي، والواقع يرد هاتين النتيجتين، وديكارت نفسه يقر بهذا الواقع فيقول "في التأمل الثالث": "أجل, إني لا أفهم اللامتناهي، وإني أجهل أمورًا كثيرة فيه، ولكني متى علمت أنه حاصل على جميع الكمالات التي أتصورها، وفهمت حق الفهم أن تمام الإحاطة باللامتناهي ممتنع على موجود متناهٍ مثلي، فقد حصلت على فكرة عنه جلية جدًّا ولو أنها ناقصة جدًّا". نقول: إذا كانت الفكرة ناقصة إلى هذا الحد، فليست صورة حقه للامتناهي تفيدنا معرفته كما هو, وإنما هي فكرتنا نحن عنه، أو بعبارة أدق هي جملة أحكامنا بأن الله موجود, وبأن له كذا وكذا من الصفات، أي: إن تلك الفكرة فعل عقل متناهٍ ناقص يتعقل الكامل اللامتناهي كما يستطيع. فديكارت إذ يقول: إنها محصلة، يخلط بينها وبين موضوعها، فإن هذا الموضوع الذي هو الله موجود حق، أما فكرتنا عنه فليست صورة أو معنى شبيهًا به، وإلا كانت تظهرنا على حقيقة اللامتناهي إظهارًا كليًّا كما قلنا، وهذا غير صحيح. ولكن ديكارت، وقد قطع الصلة بين الفكر والوجود، اضطر لوضع الأفكار موضع الموجودات واعتبارها أشياء قائمة بأنفسها. وهو بقوله: إن فكرة الله محصلة، وبفصله بينها وبين الاستدلال الذي ينتجها ويسوغها، يمهد السبيل لاعتبارها مجرد صورة فكرية أو وهمًا ضروريًّا كما يقول كانت، أو تشخيصًا للمجتمع كما يقول الاجتماعيون، أو ما إلى ذلك من أقاويل. ووما دامت هذه الفكرة دعامة الأدلة الثلاثة, فقد انهارت هذه الأدلة بانهيارها. ذلك بأن الوجود المتضمن في فكرة الله محمول من جنس الفكرة، أي: محمول متصور فحسب, وليست الفكرة صورة حقة لموضوعها, فقد زال عنها امتيازها وأضحت, فإذا بينها وبينه مثل ما بين سائر الأفكار وبين موضوعاتها من

стр. 73

مسافة، وتعين البحث فيما إذا كان يقابلها موضوع حقًّا، أو كانت مجرد تصور، فإذا ثبت لها موضوع، قيل حينئذ: إن الوجود محمول ذاتي له كما قدمنا. وبعبارة أخرى: إذا ثبت وجود الله، فقد ثبت أن الوجود واجب له؛ أما الانتقال من الوجود المتصور إلى الوجود الواقعي، فغلط أو مغالطة، وقد نبه على ذلك القديس توما الإكويني في رده على دليل القديس أنسلم. أما عن الدليل الثاني، فما دامت فكرتنا عن الله ناقصة ومكتسبة بالاستدلال، فليست تتطلب علة لامتناهية، وليس ما يمنع أن تصدر عن الموجود المتناهي الذي يتصورها، وهو إنما يتصورها بحكم ينفي الحد ويطلق الموجود من كل قيد. وأما عن الدليل الثالث، فلا مسوغ للانتقال من وجودي المتناهي إلى الموجود اللامتناهي، إذ إن هذا الانتقال لا يتم عند ديكارت بتطبيق مبدأ العلية على وجودي، بل بواسطة حصول فكرة اللامتناهي في فكر متناهٍ لو كان خلق نفسه لكان خلقها كاملة لامتناهية؛ فإذا كانت فكرتي عن اللامتناهي ليست لامتناهية، فقد بطل الاستدلال، ولم يبق منه إلا أني قد أكون خالق نفسي، أي: قد أكون، وأنا موجود متناهٍ حاصل على أفكار متناهية، خلقت نفسي متناهيًا! إلى مثل هذا التناقض يرجع دليل ديكارت متى أبطلنا الواسطة المبني عليها, أي: كون فكرة اللامتناهي محصلة بسيطة أولية. وقد استعاض ديكارت بفكرة انقسام الزمان إلى غير نهاية، عن فكرة الإمكان التي استخدمها السلف، أو أنه نقل الإمكان إلى اللحظة الآتية التي لا يستطيع فيها المخلوق استبقاء وجوده، فيجدد الله خلقه. فدليله لا يرمي إلى إثبات بداية للمخلوق، بل إلى تفسير دوامه وحفظه في الوجود, وهذا تصور غريب لدوام المخلوق ولحفظ الله له. ز- وغريب كذلك تصور ديكارت لماهية الله, فإن الله عنده حر قدير حتى ليعتبر "بالإضافة إلى ذاته بمثابة العلة الفاعلية بالإضافة إلى معلولها" بل حتى إنه "لو لم يكن إعدام الذات نقصًا، لأمكن إضافة تلك القوة إليه"، وتتناول حرية الله كل شيء، ليس فقط ما نراه ممكنًا، بل أيضًا "الحقائق الدائمة" رياضية وفلسفية، وماهيات المخلوقات. فإن الله صانع الأشياء جميعًا، وهذه الحقائق والماهيات أشياء، فهو إذن صانعها. أجل إنها تبدو لنا ضرورية، ولكن الله هو الذي أراد أن تكون كذلك، وفرضها على عقلنا. لقد كان الله حرًّا

стр. 74

في أن يجعل الخطوط الممتدة من المركز إلى المحيط متساوية، وزوايا المثلث الثلاث مساوية قائمتين، مثلما كان حرا في ألا يخلق العالم، فلما اختار، غدا اختياره حقًّا؛ ولما كان الله ثابتًا، فلا خوف أن يتغير الحق. والنصوص الواردة بهذا المعنى كثيرة صريحة، تدل على شدة تعلق ديكارت بنظريته هذه؛ وهي واردة في رسائله الخاصة منذ سنة ١٦٢٩، وفي ردوده على الاعتراضات، دون الكتب التي أعلن فيها مذهبه كاملًا منظمًا، وقبل نشره للكتاب الأول من هذه الكتب "وهو "المقال"" بثماني سنين. وفي سنة ١٦٣٠ ظهر كتاب يدور على هذه المسألة لقسيس صديق لديكارت من قساوسة "الأوراتوار" هو الأب Gibicof. والنظرية على كل حال قديمة، نجدها بارزة في القرن الرابع عشر عند دونس سكوت ونقولا دوتركور، ونجدها تولد الشك. وديكارت نفسه يدلنا على أثرها في المعرفة حيث يقول "في التأمل الثالث": "إذا كنت حكمت أن بالاستطاعة الشك في هذه الأشياء، فما كان ذلك لسبب غير أنه كان يخطر ببالي أن إلهًا قد يكون أعطاني طبيعة هي بحيث أخطئ حتى فيما يبدو لي أوضح ما يكون. وكلما عرض لفكري هذا الرأي المتصور آنفًا في إله كلي القدرة, رأيتني مرغمًا على الاعتراف بأن من الميسور له، إن شاء، أن يجعلني أخطئ حتى فيما أعتقد أني أدركه ببيان عظيم جدا؛ وعلى العكس كلما توجهت صوب الأشياء التي أعتقد أني أتصورها بغاية الوضوح، رأيتها تقنعني ... ". ح- وعلى ذلك نرى أن لهذه النظرية أثرًا كبيرًا في تركيب المذهب, إذا كانت الحقيقة خلقًا حرًّا، فلم يعد لها قيمة بالذات، وإنما قيمتها آتية من أمر الله، وقد كان في مقدور الله أن يقرر نقيضها كما يقول ديكارت ويكرر القول، وإذن فباستطاعتنا أن نشك فيها مهما بدت ضرورية؛ لأنها ضرورية بالإضافة إلينا، ولكنها ممكنة في نفسها وبالإضافة إلى الله. فالشك الكلي المؤيد بفرض الروح الخبيث يتناول ماهية الحقيقة وصدق الفكر، وليس يشك ديكارت في صدق الفكر إلا لأنه يشك في الحقيقة. فكان محتومًا عليه أن يستبعد كل حقيقة حتى يبلغ إلى الفكر الخالص، لكي يقف نفس موقف الله وهو يقرر الحقيقة. هذا من جهة, ومن جهة أخرى، إذا كانت الحقيقة وضعية، فليس يعتبر الوضوح علامة حاسمة لتصديقها، ولكنه شعور ذاتي يميل بنا إلى التصديق،

стр. 75

فقبل أن نميل معه يتعين علينا أن نتيقن أنه غير خادع، إذ كما أن الحقيقة محدثة فإن مصاحبة الوضوح لها محدثة كذلك، فالثقة بها تقتضي معرفة واضعها وكونه كاملًا صادقًا، وإلا امتنع لدينا كل سند للحقيقة. فصدق الله ضمان الوضوح، ومعنى الاثنين جميعًا أن بين العقل وبين الحقيقة مناسبة وملاءمة؛ لأنهما من صنع الله. ٣٦ - العالم وقوانينه: أ- بعد أن يطمئن ديكارت إلى وجود الله وصدقه، ينتقل إلى وجود العالم ويسأل نفسه: هل الماديات موجودة؟ فيجيب بالإيجاب، ويقدم الأسباب. فأولا هذه الأشياء ممكنة، والله يستطيع إحداث الممكنات. ثم إن في قوة حاسة هي قوة انفعالية تتطلب قوة فعلية تثير فيها أفكار المحسوسات؛ وهذه القوة الفعلية ليست فيَّ، فإني جوهر مفكر، وليست هذه القوة مفكرة، وإذن فهي خارجة عني. على أنها قد تكون إما جسمًا حاصلًا بالذات على ما أتصوره في المحسوسات، أو تكون الله الحاصل عليه على نحو أسمى, فما هي؟ إني أحس في نفسي ميلا طبيعيا إلى الاعتقاد بأشياء جسمية، وما دام هذا الميل طبيعيا فهو صادر عن الله، والله صادق فلا بد أن يكون خلق أشياء مقابلة لأفكاري. إن طبيعتي تعلمني أن لي جسمًا، وأن أجسامًا أخرى تحيط بي، وأن هذه الأجسام مختلفة فيما بينها تحدث فيّ إدراكات مختلفة ولذات وآلامًا، فلن أكترث بعد الآن لأخطاء الحواس وخيالات الأحلام، فإن مراجعة الحواس بعضها ببعض، ومراجعتها بالذاكرة والعقل، تبدد الخوف من الخطأ في الإدراك الحسي. وكذلك تتميز اليقظة باتساق الإحساسات فيما بينها، ويتميز المنام باضطراب التصورات. هذه قرائن لا يمكن أن أخطئ فيها وقد علمت أن ليس الله خادعًا. ب- الماديات موجودة إذن, ولكن على أي نحو؟ هنا يجب أن أراجع أفكاري بكل حذر حتى يقتصر تصديقي على ما أراه واضحًا متميزًا، فإن أفكاري إنما تصدر عن الله من حيث ما فيها من وضوح، والله إنما يحدث من موضوعات الأفكار ما يتصور بوضوح ليس غير. وما أتصوره واضحًا في الأشياء يرجع إلى أنها امتداد فحسب، وباقي ما يبدو في الإحساس فهو صادر عن
следующие страницы →