← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والعاطفة كما يقول. فعنده أن الحكم الخلقي ينشأ حين نتصور فعلًا ما بجميع علاقاته, فتقوم فينا عاطفة إقرار أو إنكار. فنقول عن الفعل: إنه خير أو شر لا لكونه كذلك في ذاته بل لنوع تأثرنا به. وليس يصدر الإقرار أو الإنكار عن الأنانية، بدليل أننا نقر أفعالًا لا تفيدنا شخصيا، أو ننكر أفعالا مفيدة لشخصنا. الواقع أن الذي يصدر أحكامًا أخلاقية ينزل عن وجهته الخاصة ويتخذ وجهة مشتركة بينه وبين الآخرين، فتجيء أحكامه كلية. فأساس الأخلاق التعاطف، أو عاطفة الزمالة، أو "الإنسانية" التي تحملنا على محبة الخير للناس جميعًا. وإذا كانت الميول الغيرية أرفع من الميول الأنانية، وكانت هذه مذمومة وتلك ممدوحة، فليس يرجع ذلك إلى طبيعتها، بل إلى عموم منفعتها. ولما كانت الأخلاق صادرة عن الغريزة، كانت أصولها واحدة عند الجميع، ورجعت الاختلافات إلى اختلاف الظروف. فالمحبة الأبوية مثلًا غريزة عامة، وقتل الأطفال مظهر من مظاهرها في بلد جد فقير.

стр. 177

الفصل الخامس: توماس ريد " ١٧١٠ - ١٧٩٦ " ٧٧ - حياته ومصنفاته: نبغ في هذا القرن لفيف من المفكرين الأسكتلنديين, أخذوا على أنفسهم الدفاع عن الأخلاق والدين بالرجوع إلى الضمير وعواطفه الطبيعية، فتألف منهم ما يسمى الأسكتلندية. ذكرنا بعضهم في الفصل الثاني من هذه المقالة, وتوماس ريد أهمهم؛ لأنه عرض للفلسفة في جملتها, وعالج مسألة المعرفة وهي المسألة الأساسية فيها. تخرج في جامعة أبردين, وعين قسيسًا ثم عين أستاذًا بتلك الجامعة، فأستاذًا بجامعة جلاسكو. كان على مذهب لوك وباركلي، فلما قرأ كتاب هيوم في الطبيعة الإنسانية هالته النتائج التي انتهى إليها، وعول على معارضة الشك بيقين "الذوق العام" Commou Sense. له ثلاثة كتب مذكورة: الأول "بحث في الفكر الإنساني على مبادئ الذوق العام" " ١٧٦٣ "والثاني "محاولات في القوى العقلية" " ١٧٨٥ " والثالث "محاولات في القوى الفاعلية" " ١٧٨٨ "؛ وهذان الكتابان تفصيل للكتاب الأول. ٧٨ - مذهبه: أ- "محال أن نفسر السبب الذي من أجله نوقن بمدركات حواسنا وشعورنا وسائر قوانا. إن هذا اليقين قاهر؛ إنه صوت الطبيعة، وعبثًا نحاول معارضته. وإذا أردنا أن ننفذ إلى أبعد منه ونطلب إلى كل قوة من قوانا السبب الذي يبرر ثقتنا بها، وأن نعلق هذه الثقة إلى أن تبديه، فيخشى أن تسوقنا هذه الحكمة المسرفة إلى الجنون, وأن نعدم بالمرة ضوء الذوق العام لأننا لم نرد الخضوع للحال المشترك بين بني الإنسان". الذوق العام منحة خالصة من الله

стр. 178

لا يكتسب بالتربية، فإنه قوة إدراك البديهيات، وبه نتعلم الاستدلال وقواعده أي: استنباط النتائج الصحيحة من البديهيات. ب- يتشكك لوك وباركلي وهيوم في وجود أشياء خارجية، وما ذلك إلا لأنهم اعتقدوا أننا حين نعرف إنما نعرف معنى أو صورة، فوضعوا واسطة بين العارف والمعروف، ووجدوا أنفسهم مضطرين لإقامة البرهان على وجود شيء مقابل للصورة أو المعنى, وهذا موقف ينطوي على جرثومة الشك. ويرد عليه أولا بنتائجه السيئة، ثم بالرجوع إلى الذوق العام، فما من أحد يعتقد أنه يرى صور الأشياء ولكن يعتقدون أنهم يرون الأشياء أنفسها. وفينا ميل طبيعي للاعتقاد بأن الروابط بين الظواهر المدركة ستظل هي هي في المستقبل، وعلى هذا الأساس تقوم العلوم، وكل ذي عقل سليم يقبله، وإن وجد من لا يقبله فهو جدير أن يدخل البيمارستان. إن تعاقب الليل والنهار قديم في تجربتنا, وما من أحد يعتبر الليل معلول النهار أو النهار معلول الليل. الحقائق التجريبية هي التي يحتمل يقيننا بها الزيادة والنقصان، فالطبيب مثلًا يزداد اقتناعًا بفاعلية دوائه كلما ازداد نجاحه حتى يتحول تخمينه الأول إلى يقين؛ أما المبادئ العقلية فاليقين بها ثابت منذ الأصل لا تزيد فيه التجربة ولا تنقص منه؛ وعلى ذلك ليست هذه المبادئ آتية من التجربة. ج- وتشكك هيوم في وجود الأنا وقصر معرفتنا على الظواهر الباطنة, ولكننا ننتقل من الظواهر الباطنة إلى موجود نسميه أنا بموجب مبدأ عقلي غريزي. الذاكرة تدلنا على بقاء الأنا هو هو، ويدلنا الذوق العام على أن هذه الذاكرة تقتضي وجودًا متصلًا. "ليست شكلا ولا فعلا ولا عاطفة، ولكني موجود يحس ويعمل ويفكر". "أحوالي الباطنة تتغير في كل لحظة، ولكن الأنا متصل الوجود، وهو المحل المشترك للأحوال المتعاقبة". وقال هيوم أن ليس أغمض من فكرة القوة, ولكنها تدرك ضرورة من شعورنا بأنفسنا، فإننا نجد في أنفسنا قدرة فاعلية هي الإرادة، وإذا كنا لا نشعر بقوانا أنفسها فإننا نشعر بالأفعال التي تنم عنها، وكل فعل فهو يفترض قدرة في الفاعل، وافتراض شيء يفعل دون أن يكون حاصلا على قدرة الفعل خلف ظاهر. د- على أن ريد يقف عند حد النقد، ويعرض معتقداتنا على أنها

стр. 179

بديهية طبيعية دون محاولة تفسيرها. فهو يسلم بلا مناقشة جميع المبادئ المقبولة عند جميع الناس "مبادئ العلم الرياضي, والعلم الطبيعي، والأخلاق، وما بعد الطبيعة" "لأنها من الضرورة للسيرة بحيث لا يمكن النزول عنها إلا ونقع في أباطيل لا تحصى نظرية وعملية" ولكنه لا يصنف هذه المبادئ ولا يعقلها بمبدأ أعلى. بل إنه يقع في شرك المبدأ التصوري، فما الإدراك الظاهري المباشر عنده إلا "إيحاء ضروري" أو "إشارة طبيعية" إلى الشيء الخارجي، لا صورته. وهو يسائل نفسه قائلًا: "كيف يجعلنا الإحساس نتصور وجود شيء خارجي لا يشبهه بحال، ويضطرنا للاعتقاد به؟ " ويجيب بقوله: لا أزعم العلم بذلك، وحين أقول: إن الإحساس يوحي بالصورة وبالاعتقاد، لا أقصد إلى تفسير طبيعة ارتباط هذه الحدود، بل إلى التعبير عن واقعة يستطيع الجميع شهودها في الوجدان. وعنده أن كل الفرق بين الكيفيات الأولية والثانوية هو "أن حواسنا تعطينا فكرة مباشرة متميزة عن الأولى، في حين أن طبيعة الثانية غامضة نسبية". وعلى ذلك لا يمحو ريد الواسطة بين العارف والمعروف، بل يقبلها صراحة وهي الإحساس كإشارة؛ ويذهب إلى أن ماهيات الأجسام وماهية النفس محجوبة عنا، فيصل إلى النتيجة التي وصل إليها لوك وهيوم وهي استبعاد الميتافيزيقا بحجة أنها تثير مسائل غير قابلة للحل. فجملة القول: أنه نظر إلى المسائل من الوجهة النفسية دون الوجهة الميتافيزيقية, فظن أن إثبات الواقع يكفي، ورد الفلسفة إلى علم النفس الوصفي، وقال: إن هذا العلم في غنى عن الآراء الميتافيزيقية في طبيعة الجسم والنفس أسوة بالعلوم الطبيعية, وكان له أتباع حذوا حذوه, فجعلوا علم النفس مستقلا عن الفلسفة، وهذا أهم أثر للمدرسة الأسكتلندية.

стр. 180

المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا الفصل الأول: كوندياك " ١٧١٥ - ١٧٨٠ " ٧٩ - حياته ومصنفاته: قسيس لم يزاول مهام الكهنوت قط، وإنما قرأ الفلاسفة المحدثين، وخالط معاصريه منهم، واعتنق مذهب لوك، فكان زعيم الحسية في وطنه. عرض هذه الحسية في كتابه "محاولة في أصل المعارف الإنسانية" " ١٧٤٦ " وأتبعه بآخر عنوانه "كتاب المذاهب" " ١٧٤٩ " نقد فيه مذاهب ديكارت ومالبرانش وسبينوزا وليبنتز وغيرهم من المعتمدين على العقل وحده، فلا يهتدون إلى الحق، بل لا يتفقون فيما بينهم، فالامتداد عند ديكارت جوهر، وعند سبينوزا عرض، وعند ليبنتز معنى متناقض، ثم نشر كتابه المعروف "في الإحساسات" " ١٧٥٤ " يفصل فيه الكتاب الأول. وألحق به كتاب "الحيوان" " ١٧٥٥ " يبين فيه نشوء قوى الحيوان والفرق بينه وبين الإنسان. وفي ١٧٦٨ انتخب عضوًا بالأكاديمية الفرنسية خلفًا لقسيس آخر، والواقع أن أسلوبه رشيق واضح. وبعد وفاته نشر له كتاب في "المنطق" لا على الطريقة المدرسية، ولكنه عبارة عن ملاحظات ونصائح في تدبير الفكر، وكتاب في "لغة الحساب" لم يتمكن من إتمامه، وكان يقصد به إلى بيان الطريقة التي يمكن بها صوغ جميع العلوم، ومنها الأخلاق والميتافيزيقا، بمثل ما للرياضيات من دقة. ٨٠ - مذهبه: أ- يذهب كوندياك في الحسية إلى أبعد من لوك، فإنه يقصر التجربة

стр. 181

على الإحساس الظاهري، ويستغني عن "التفكير" كمصدر أصيل للمعرفة، فيدعي أن أي إحساس ظاهري يكفي لتوليد جميع القوى النفسية. ولبيان ذلك يفترض "في كتاب الإحساس" تمثالًا حيًّا داخل تمثال من رخام، ويقول: إذا كسرنا الرخام في موضع الأنف أتحنا للتمثال الحي القدرة على استخدام حاسة الشم، وهي الحاسة المعتبرة أدنى الحواس، فعند أول إحساس يوجد شيء واحد في شعور التمثال، هو رائحة وردة مثلًا، ويكون شعوره كله هذه الرائحة، أو أية رائحة أخرى تعرض له. ومتى كان له إحساس واحد ليس غير، كان هذا هو الانتباه. ولا ينقطع الإحساس بالرائحة بانقطاع التأثير، ولكنه يبقى, وبقاؤه هذا مع حدوث رائحة جديدة هو الذاكرة. وإذا وجه التمثال انتباهه إلى الإحساس الحاضر والإحساس الماضي جميعًا، كان هذا الانتباه المزدوج المقارنة أو المضاهاة. وإذا أدرك بهذه المضاهاة المشابهات والفوارق، كان الحكم الموجب والحكم السالب. وإذا تكررت المضاهاة وتكرر الحكم، كان الاستدلال. وإذا أحس التمثال إحساسًا مؤلمًا فتذكر إحساسًا لاذًّا، كان لهذه الذكرى قوة أعظم وكانت المخيلة, وتلك هي القوى العقلية. أما القوى الإرادية فتتولد من الإحساس باللذة والألم, ذلك بأنه إذا تذكر التمثال رائحة لذيذة وهو منفعل بإحساس مؤلم، كان هذا التذكر حاجة، ونشأ عنه ميل هو الاشتهاء, وإذا تسلط الاشتهاء كان الهوى. وهكذا يتولد الحب والبغض والرجاء والخوف, ومتى حصل التمثال على موضوع شهوته كان الرضا. وإذا ما ولدت فيه تجربة الرضا عادة الحكم بأنه لن يصادف عقبة في سبيل شهوته تولدت الإرادة، فما الإرادة إلا شهوة مصحوبة بفكرة أن الموضوع المشتهى هو في مقدورنا. ب- على أن التمثال، وقد حصل على جميع قواه، لا يعلم أن العالم الخارجي موجود، بل لا يعلم أن جسمه موجود، من حيث إن إحساساته انفعالات ذاتية ليس غير. فكيف يصل إلى إدراك المقادير والمسافات؟ وكيف يدرك أن شيئًا موجودًا خارج عنه؟ هاتان مسألتان يجب التمييز بينهما، والفحص عن كل واحدة على حدة، وهما موضوع القسم الثاني والقسم الثالث من كتاب الإحساسات. فعن المسألة الأولى يقر كوندياك رأي لوك أن الأكمه الذي

стр. 182

يستعيد البصر لا يميز لفوره بين كرة وبين مكعب كان يعرفهما باللمس، إذ إن اللمس هو الذي يدرك الأشكال أولًا، ويدركها البصر بفضل علاقاته باللمس، ثم لا تعود به حاجة إلى تذكر الإحساسات اللمسية التي كانت مساعدة له، خلافًا لما يذهب إليه باركلي. وعن المسألة الثانية قال كوندياك في الطبعة الأولى لكتاب الإحساسات: إن معرفة "الخارجية" ترجع إلى تقارن الإحساسات اللمسية، مثل أن يحس التمثال في آن واحد حرارة في إحدى الذراعين وبرودة في الأخرى وألمًا في الرأس. وعاد فقال في الطبعة الثانية " ١٧٧٨ ": إن إحساسات لمسية بمثل هذا الغموض يمكن أن تتقارن دون أن تتخارج، وإن فكرة الخارجية تنشأ من المقاومة التي نصادفها في حركتنا, وبذلك نضيف جسمنا إلى أنفسنا ونميز بينه وبين سائر الأجسام. ولما كان اللمس يدرك القرب والبعد، فإن اختلاف إحساسات الروائح والأصوات والألوان في القوة يوحي إلى التمثال بأن هذه الإحساسات ليست مجرد أحوال باطنة، ولكنها صادرة عن أشياء خارجية؛ وبذلك نرجع أحكام الخارجية إلى إحساسات ليس غير. ج- وللتمثال المقصور على الشم -كما تقدم- القدرة على تجريد المعاني وتعميمها؛ فإنه إذ يميز بين الحالات التي يمر بها يحصل على معنى العدد؛ وإذ يعلم أنه يستطيع ألا يبقي الرائحة التي هو إياها وأن يعود ما كان، يحصل على معنى الممكن؛ وإذ يدرك تعاقب الإحساسات يحصل على معنى الزمان؛ وإذ يتذكر جملة الإحساسات التي ينفعل بها يحصل على معنى الشخصية, وأما المعنى الكلي فهو جزء من المعنى الجزئي، ولا حقيقة له إلا في الذهن، وما هذه الحقيقة إلا لفظ أو اسم. ليس في الطبيعة ماهيات وأنواع وأجناس، وإنما تعبر الألفاظ الكلية عن وجهات نظر الذهن حين يدرك ما بين الأشياء من مشابهات وفوارق. ومتى لم يكن في الطبيعة ماهيات كان الحد لغوًا ووجب الاستعاضة عنه بالتحليل: "معانينا إما بسيطة أو مركبة؛ البسيطة لا تحد ولكن التحليل يكشف لنا عن أصلها وطريقة اكتسابها. والمعاني المركبة لا تعلم إلا بالتحليل؛ لأنه هو وحده الذي يبين لنا عناصرها". ومتى لم تكن المعاني المجردة إلا ألفاظًا, لم يكن هناك سوى وسيلة واحدة لتخيلها. تلك هي إجادة وضع اللغة؛ فإنه إذا لم يكن لدينا أسماء لم يكن لدينا معانٍ مجردة، فلم يكن

стр. 183

لدينا معاني أجناس وأنواع، فلم نستطع الاستدلال. ففن الاستدلال يرجع كله إلى أحكام الكلام, وليس الاستدلال تأديًا من الكلي إلى الجزئي ولكنه "حساب" يتأدى من الشيء إلى الشيء نفسه بتغير الإشارات الدالة, ومثله الأعلى استدلال الجبر الذي ترجع إليه سائر أنواع الاستدلال. "وهذا معناه رد القضية إلى معادلة، وتتصل هذه المحاولة بمحاولات ريمون لول وليبنتز وأصحاب المنطق الرياضي فيما بعد". د- وهكذا بدل أن يفسر كوندياك الأفعال بالقوى والانفعالات بالميول، يجعل الميول تصدر عن الانفعالات، ويجعل القوى عادات الأفعال، وما يسمى غريزة ثمرة التجربة الشخصية، أو عادة ولدها التفكير، أو "عادة خلت من التفكير الذي ولدها". ولما كان أفراد النوع الواحد تحس نفس الحاجة فتعمل لنفس الغاية بنفس الأعضاء، كانت للنوع نفس العادات أو الغرائز، وكانت جميع المعاني وجميع قوى النفس "إحساسات محولة". هـ- بيد أن كوندياك لم يكن ماديًّا، فإنه إذ يعتبر الإحساس ظاهرة أصيلة, يرى في الظواهر الجسمية التي يجعلها الماديون علة له مجرد "مناسبات" لظهوره. وهو يعارض لوك معارضة صريحة في افتراضه أن مادة معينة قد تكون حاصلة على قوة التفكير، فيقول: إن المفكر يجب أن يكون واحدًا، وليس للمادة وحدة ولكنها كثرة. ويعترف للإنسان بنفس روحية عاقلة خالدة، ويضعه فوق الحيوان لأنه يميز الحق، ويحس الجمال، ويخلق الفنون والعلوم، ويدرك مبادئ الأخلاق، ويصعد إلى الله. ولكن كوندياك يذهب مذهب بعض مفكري العصر الوسيط ويقول: إن الحسية حال الإنسان بعد خطيئة آدم، وإن آدم كان قبل خطيئته يعقل بدون وساطة الحواس؛ لأن النفس الإنسانية عاقلة بذاتها، وستعود إلى التعقل في الحياة الآجلة. وهو يدلل على خلود النفس بأنها خلقية, وأنها لا تلقى في الحياة العاجلة ما يناسب أفعالها من ثواب وعقاب. ويدلل على وجود الله بدليل العلة الفاعلية، ودليل العلة الغائية. وسواء أكان مخلصًا في هذا القسم من أقواله أم لم يكن، فقد كان أثره الخاص إذاعة المذهب الحسي في وقت اشتدت فيه الحملة على الدين والفلسفة السلفية، كما سنرى فيما يلي.

стр. 184

الفصل الثاني: الفلسفة الطبيعية ٨١ - فولتير " ١٦٩٤ - ١٧٧٨ ": أ- هو الكاتب الشهير الذي سما بالنثر الفرنسي إلى أوجه، وكأن هذا السمو أنهك سائر قواه فتركه في الشعر نظامًا، وفي الفلسفة وقد عرض لها، تلميذًا متواضعًا للوك ونيوتن. درس كتبهما في إنجلترا حيث أقام ثلاث سنين " ١٧٢٦ - ١٧٢٩ " وكتب فيهما "رسائل فلسفية" أذاعها أحد الناشرين من غير إذنه " ١٧٣٤ " فأنكرتها السلطة وصدر الأمر بإحراقها. وكتبه التي تعد فلسفية: ما بعد الطبيعة، ومبادئ فلسفة نيوتن، والفيلسوف الجاهل، وكتاب النفس ومحاورات أفيمير، والقاموس الفلسفي وهو أشهرها. ب- اقتنع بالمذهب التجريبي الذي اتفق عليه بيكون ولوك ونيوتن، فكان معارضًا لديكارت؛ عارض فلسفته بفلسفة لوك، وعارض علمه بعلم نيوتن. كان بيكون أبا المنهج التجريبي؛ ونقل لوك هذا المنهج إلى الميتافيزيقا ففسر العقل الإنساني كما يفسر الفسيولوجي أعضاء الجسم، ودون "تاريخ" النفس، بينما كتب ديكارت ومالبرانش "قصتها"؛ وكان نيوتن العالم الذي لا يثبت قولًا إلا بالتجربة والحساب، ولئن كان ديكارت سبقه إلى بعض المسائل فقد تفوق هو عليه وقوّض أركان مذهبه. هكذا يناصر فولتير مذهب التجربة على الميتافيزيقا. ج- وهو يعارض بسكال الداعي إلى المسيحية، وقد خصص له الرسالة الأخيرة من "الرسائل الفلسفية" وكان يرغب "منذ زمن طويل في منازلة هذا العملاق". يقول: حتى لو سلمنا بوجود المتناقضات التي يدل عليها بسكال في الإنسان، لم يكف هذا التدليل على حقيقة المسيحية، إذ إننا نجد في الديانات الوثنية أيضًا أساطير تكون طبيعتنا من عناصر متعارضة، ثم إن حجة بسكال ترجع إلى اعتبار المسيحية مذهبًا ميتافيزيقيًّا متفوقًا على سائر المذاهب،

стр. 185

ولا تبرهن على أن المسيحية الدين الحق. وما المتناقضات في الإنسان إلا العناصر الضرورية المركبة له، من خير وشر، ولذة وألم، وهوى وعقل. وهذا يعني أن فولتير يريد أن يمحو من نفس الإنسان آثار القلق الذي يدفع به صوب الدين، وهو يتبع في جدله منهجه المألوف فيبسط المسائل, ويهون من شأنها حتى يفوت جوهرها ولبها. وماذا يعنيه من اللب والجوهر وقد آمن مع لوك بأن العقل محدود, فكفى نفسه مئونة البحث في الميتافيزيقا بل راح يتهكم عليها بكل قول ظريف؟ د- بيد أنه كان يؤمن بالله, والدليل الأقوى عنده "على الأقل في وقت ما" هو هذا: "إذا وجد شيء منذ الأزل، وأنا موجود، ولست موجودًا بذاتي، فهناك موجود بالذات هو الله". وكثيرًا ما كان يردد دليل العلل الغائية الذي "كان يعتبره نيوتن أقوى الأدلة" "حين أرى ساعة يدل عقربها عن الزمن أستنتج أن موجودًا عاقلًا رتب لوالبها لهذه الغاية. وكذلك حين أرى لوالب الجسم الإنساني أستنتج أن موجودًا عاقلًا رتب هذه الأعضاء، وأن العينين أعطيتا للرؤية، واليدين للقبض ... إلخ". ويقول في موضع آخر شعرًا: "إن الكون يحيرني، ولا يسعني أن أعتقد أن توجد هذه الساعة ولا يكون لها صانع" وهو يبين أن العلامة على العلة الغائية الحقة المميزة لها من العلة الغائية المظنونة هي "أن يكون للشيء دائمًا نفس الأثر، وألا يكون له إلا هذا الأثر، وأن يكون مركبًا من أعضاء متعاونة على إحداث نفس المعلول". غير أنه كان يظن أن هذا الدليل لا يؤدي إلى إثبات إله لامتناهٍ خالق، بل فقط إلى إثبات موجود أكبر عقلًا وأقوى من الإنسان، ثم كان إيمانه بقوة الدليل يزداد باعتبار أن القول بضرورة العالم ينطوي على صعوبات ومتناقضات لا ينطوي على مثلها القول بوجود الله. لذا كان يعارض الماديين في تفسيرهم للكون بقوانين المادة, وتفسيرهم للأنواع الحية بالتولد الذاتي وبالتطور على ما تشاء الصدفة، وقد كان يعتبر الكون أثرًا معقولًا، ويذهب في رفض التطور إلى حد التشكك في أن تكون الأجناس البشرية أنفسها وليدة تطور أصل واحد. هـ- والقول بالغائية يستتبع القول بالعناية، ولكنها عند فولتير عناية كلية لا تتناول الجزئيات، أي: إن تدبير الكون لا يرجع إلا للقوانين العامة التي

стр. 186

وضعها الله أو "أن الله صانع الساعة لا مخلص الإنسان" على حد تعبير أحد المؤلفين، وهذا هو المذهب الطبيعي يتخذ له سندًا من فيزيقا نيوتن. لذا نرى فولتير يذهب إلى التفاؤل أول الأمر, نقول للملحد: "إن ما هو شر بالإضافة إليك هو خير في النظام العام"؛ ثم حدث زلزال بلشبونة أودى بكثيرين، فثارت ثائرة فولتير في قصيدة معروفة، ورأى أن وجود الشر اعتراض هائل في أيدي الملحدين. وكذلك هو يتردد في مسألة الخلود، مع أنه كان يقول بضرورة إله يثيب ويعاقب، وبضرورة الدين للشعب الذي لا يأتي الفضيلة عن عقل ونزاهة كالفلاسفة "! " ولكنه مفتقر إلى حافز ورادع. فهو لا يرى رابطة ضرورية بين روحانية النفس وخلودها، فقد تكون النفس روحية ثم لا تكون خالدة؛ وهو يبين أن القول بنفس متمايزة من الجسم "على طريقة ديكارت" يثير إشكالات عاتية، ويعارض ما نحسه من علاقة مطردة بين قوانا الفكرية وتركيبنا الجسمي. على أنه لا يعتقد أن الفكر صادر عن المادة، إلا أن يكون الله قد منح المادة قدرة على التفكير كما قال لوك. وهو يتردد في مسألة الحرية, فقد أعلن "أن خير المجتمع يقتضي أن يعتقد الإنسان بحريته" ثم مال إلى الجبرية بحجة أننا لا نريد دون سبب, وتابع لوك في أن الحرية ليست حرية الإرادة بل حرية تنفيذ الفعل المراد، فقال: "إن حريتي تقوم في أن أمشي حين أريد أن أمشي, ولا أكون مصابًا بالنقرس" أما المصاب بالنقرس فلا حرية له. ز- وهكذا نرى فولتير يعالج مسائل معروفة بأساليب معروفة، ولا يفلح في إقامة مذهب متسق. وهو يمثل روح عصره خير تمثيل، ذلك الروح الخفيف الهازل الذي يقنع بالآراء الجزئية، ويتعمد الانتقادات، ويتخذ من النكتة حجة ومن السخرية دليلًا. وقد كان فولتير أكبر عامل على نشر هذا الروح, واستطالة أثره إلى أيامنا. ٨٢ - ديدرو " ١٧١٣ - ١٧٨٤ ": أ- بدأ حياته القلمية بالترجمة عن الإنجليزية، وكان مما ترجمه

стр. 187

كتاب شفتسبري "محاولة في الاستحقاق والفضيلة" " ١٧٤٥ ". ونشر "خواطر فلسفية" أعرب فيها عن آراء مخالفة للدين، فحبس بسببها ستة أشهر " ١٧٤٩ ". ونشر كتبًا أخرى تدرج فيها من المذهب الطبيعي القائل بوجود الله والمنكر للعناية الإلهية، إلى الأحادية المادية الزاعمة أن المادة حية بذاتها، وأن الأحياء تتطور ابتداء من خلية تحدثها المادة الحية بحيث "تحدث الأعضاء الحاجات، وتحدث الحاجات الأعضاء". وهو ينقل هذه النظرية القديمة نقلًا، ولا يدعمها بحجج علمية جديدة. ب- وفي ١٧٤٦ طلب إليه مدير إحدى المكتبات أن يترجم "موسوعة في الفنون والعلوم" كانت ظهرت بإنجلترا سنة ١٧٢٨ ولقيت إقبالًا شديدًا، فرأى هو أن يصدر موسوعة على غرارها، وأشرك معه صديقه العالم الرياضي دالاميير " ١٧١٧ - ١٧٨٣ " عضو أكاديمية العلوم، فألفيا حولهما طائفة من المعاونين، أدباء وعلماء وفلاسفة، من بينهم فولتير وروسو، وأخرجوا المجلد الأول سنة ١٧٥١ مفتتحًا بمقدمة من قلم دالاميير في أصل العلوم وتصنيفها، وعدم فائدة المذاهب الميتافيزيقية والدينية، فكان هذا المجلد الأول مثارًا لحملات عنيفة من جانب المتدينين، فآثر دالاميير الراحة والسلامة وترك شريكه، فثبت ديدرو على رأس المشروع يخرج مجلداته فيتجدد حول كل مجلد النقاش الشديد، حتى اكتمل عددها سبعة عشر " ١٧٧٢ ". فكانت هذه الموسوعة بؤرة الزندقة والإلحاد، نشر فيها ديدرو مقالات عديدة حملت إلى القراء أفكارًا كثيرة في جميع العلوم، ولكنها أفكار فطيرة خلع عليها بأسلوبه شيئًا من القوة الظاهرة. ٨٣ - دي لامتري " ١٧٠٩ - ١٧٥١ ": مادي مذكور. نشر أصول مذهبه في كتاب أسماه "التاريخ الطبيعي للنفس" " ١٧٤٥ " وتوسع في شرح هذه الأصول في كتاب عنوانه "الإنسان آلة" " ١٧٤٨ " فكان للكتابين دوي كبير. وعنوان الثاني يدل على أن صاحبه يستعين بديكارت الفيزيقي على ديكارت الميتافيزيقي. فقد زعم ديكارت في كتاب الانفعالات أن جميع الأعضاء يمكن أن تتحرك بموضوعات

стр. 188

الحواس وبالأرواح الحيوانية بدون معونة النفس، وأن الذاكرة تعتمد على آثار في المخ، وأن الحيوان آلة يمكن, بل يجب أن نفسر ما نشاهده فيه من ظواهر تبدو فكرية تفسيرًا آليًّا. فقال دي لامتري: إذا كان الحيوان يحس ويدرك ويذكر ويضاهي ويحكم ويريد بفضل تركيبه المادي فحسب، فما الداعي لوضع نفس روحية في الإنسان وهو يأتي عين تلك الأفعال، ولا تختلف أفعاله عن أفعال الحيوان إلا بالدرجة؟ وهكذا يبدو لنا بوضوح أن فلسفة ديكارت الثنائية ثوب ملفق من رقعتين، يختار منهما دي لامتري الرقعة المادية، ويستغني عن نفس متمايزة من الجسم متحيزة في نقطة منه أو فيه كله, فيرد الحياة النفسية إلى الحياة الجسمية بحيث يكفي تركيب الأعضاء للإدراك، وتؤثر البيئة والغذاء والتربية في المزاج، ويؤثر المزاج في الخلق. ٨٤ - هلفسيوس " ١٧١٥ - ١٧٧١ ": داعٍ آخر من دعاة المادية، معروف بمحاولة للانتقال من الأنانية إلى الغيرية في الأخلاق. إنه يسلم بأن الأصل طلب المنفعة الحاصة، ولكنه يقول: إن الإنسان الحقيق بهذا الاسم يجد لذته أي: منفعته, في سعادة الآخرين، فلا يطيق رؤية الشقاء، فيعمل جهده على تخفيفه أو محوه تفاديا من مشهده المؤلم. بيد أن هذا الصنف من الناس قليل, فواجب المصلحين أن يحملوا كل شخص على أن يرى منفعته الذاتية في منفعة الغير. وذاك بترتيب مكافآت وعقوبات قانونية تجعل المنفعة في رعاية الغيرية أعظم منها في رعاية الأنانية. ٨٥ - دولباك " ١٧٢٣ - ١٧٨٩ ": ألماني عاش في باريس. اصطنع المادية المطلقة وكان له تأثير كبير. ذهب إلى أن المادة متحركة بذاتها، وأن كل شيء يفسر بالمادة والحركة, وأنهما أزليتان أبديتان, خاضعتان لقوانين ضرورية هي خصائصهما. فليس العالم متروكًا للصدفة، ولا مدبرًا بإله، وكل الأدلة على وجود الله منقوضة, ولا غائية في الطبيعة. ليست العين مصنوعة للرؤية، ولا القدم للمشي, ولكن المشي والرؤية نتيجتان لاجتماع أجزاء المادة. ولا نفس في الإنسان، ولكن الفكر

стр. 189

وظيفة الدماغ، والفرق بين العقول نتيجة الفرق بين الأدمغة. ولا حرية، فإن القول بها إنكار للنظام الكوني. ٨٦ - كابانيس " ١٧٥٧ - ١٨٠٨: طبيب مادي أرجع جميع الظواهر النفسية إلى العوامل المادية، عوامل البيئة والغذاء ومزاج الجسم، وجمع شواهد كثيرة لتأييد رأيه. وله عبارة مأثورة، هي قوله: إن الدماغ يفكر كما تهضم المعدة, وكما تفرز الكبد الصفراء. ويرى القارئ كم كانت الفلسفة الفرنسية في هذا القرن هزيلة, وقد كانت مع ذلك صاخبة أشد الصخب. ولعله يجد شيئًا من الجدة في الفلسفة الاجتماعية التي يمثلها مونتسكيو وروسو.

стр. 190

الفصل الثالث: مونتسكيو " ١٦٨٩ - ١٧٥٥ " ٨٧ - حياته ومصنفاته: هو ناقد اجتماعي ومفكر سياسي, أدرك ما في بيئته من نقائص فعمل على التنبيه إليها، فكان قدوة طيبة لأهل طبقته من الأشراف. نشر "رسائل فارسية" " ١٧٢١ " تخيل فيها اثنين من أبناء فارس يزوران أوروبا وبخاصة فرنسا ويبعثان بخواطرهما إلى أصدقائهما في وطنهما؛ وهذه الخواطر عبارة عن نقد المجتمع الفرنسي في أخلاقه وعاداته وحكومته وديانته, في تهكم تارة وفي جد أخرى. ثم بدا له أن يضع كتابًا شاملًا في "روح القوانين" فشرع يعد له العدة ويجمع موادّه، أي: يدرس القوانين والمؤلفين في إيطاليا وسويسرا والنمسا والمجر وهولندا وإنجلترا "وقد أقام بلندن سنتين" حتى نشره بجنيف ١٧٤٨. وكان قد نشر قبل ذلك قسما منه وسماه بعنوان "اعتبارات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم" " ١٧٣٤ ". ٨٨ - تعريف القانون: أ- "روح القوانين" لفظ مبهم يتحدد معناه بالملاحظات الآتية: يكاد يكون مونتسكيو الوحيد بين مفكري عصره الذي ينظر إلى أمور السياسة في أنفسها دون صلة برأي صريح في العقل والطبيعة. وهو يقصر عنايته على القوانين الوضعية, فلا يعرض للبحث في القانون الطبيعي وأصل الاجتماع. وهو يريد أن يستكشف الأسباب الطبيعية للقوانين الوضعية، أو "قوانين وضع القوانين" فإنه لا يعتقد أن المشرع يصدر عن محض إرادته، ولكنه يخضع لأسباب خارجة عنها. هذه الأسباب هي من الجهة الواحدة طبيعة الحكومات القائمة أو التي يراد إقامتها، ومن جهة أخرى طبيعة الأرض والمناخ

стр. 191

والموقع الجغرافي ومساحة البلد ونوع العمل وطريقة المعيشة والديانة والعادات ومبلغ الثروة وعدد السكان. فموضوع الكتاب الفحص عن علاقة القوانين بهذه الأسباب المختلفة. "وجملة العلاقات تؤلف ما يسمى روح القوانين" أي: طبيعتها "م ١ ف ٣ ". وعلى ذلك لم يقصد مونتسكيو إلى أن يضع فلسفة القانون، أي: فلسفة ترد أسباب القوانين إلى مبادئ عقلية كلية، وإنما قصد إلى تفسير القوانين بظروف طبيعية تعلم بالملاحظة والتاريخ، لكن لا على مذهب "المادية التاريخية" فإنه يصرح بأن للأسباب المعنوية ومنها القوانين أنفسها، التقدم على الأسباب الطبيعية والاقتصادية، وبأن المشرع يستطيع أن يناهض ما يدفع إليه المناخ والمزاج من ميول وأخلاق، فيقوّم اعوجاج الشعب ويوجّهه إلى الصلاح. ب- ينتج من هذا التحديد أن "القوانين بأوسع المعاني، هي العلاقات الضرورية اللازمة من طبيعة الأشياء؛ وبهذا المعنى للموجودات جميعًا قوانينها. فهناك إذن عقل أول، والقوانين هي العلاقات القائمة بينه وبين مختلف الموجودات، وعلاقات هذه الموجودات فيما بينها". "فالقول بأن ليس هناك من عدل أو ظلم إلا ما تأمر به أو تنهى عنه القوانين الوضعية، يعدل القول بأنه قبل أن ترسم دائرة لم تكن جميع الأوتار متساوية" "م ١ ف ١ ". ج- الداعي للقانون الوضعي هو الرغبة في أخذ الناس بما ينبغي أن يكونوا عليه, وما ينبغي أن يعملوا في المجتمع؛ إذ إنهم عرضة للخطأ وحاصلون على حرية العمل. ويعيش الناس في المجتمع بناء على استعداد طبعي لا بناء على عرف وتعاقد. وأول مسألة تصادف الباحث مسألة أشكال الحكم، إذ إن القوانين تصدر عن شكل الحكومة كما يصدر الماء عن العين. وثمة مسألة أخرى هي مسألة مبادئ الحكم أو الدوافع التي تحرك الحكومة, فلننظر في القوانين من هاتين الوجهتين. ٨٩ - أشكال الحكم: أ- هي ثلاثة: جمهورية، وملكية، وطغيان. وتنقسم الجمهورية إلى ديمقراطية وأرستقراطية بحسب ما يكون الحكم للشعب برمته، أو لفريق منه

стр. 192

هم الأشراف. طبيعة الديمقراطية أن الشعب فيها ملك ورعية في آن واحد. هو ملك باقتراعه، ورعية بطاعته لولاة الأمر المعينين منه لتنفيذ قوانينه وتدبير الشئون العامة، وفي مثل هذه الحكومة ينص على حق الاقتراع وطريقته في القوانين الأساسية؛ ويزاول الشعب بنفسه حق التشريع، ولا ينزل عن هذا الحق لممثلين أو وكلاء، وإلا تغيرت طبيعة الحكومة؛ ووظيفة الوكلاء تنفيذية وإدارية ليس غير. في هذا التصور يصدر مونتسكيو عن اليونان، فلا يتمثل الديمقراطية إلا في بلد ضيق المساحة قليل السكان بحيث يستطيع جميع المواطنين أن يقترعوا في نطاق مجلس واحد. وبهذا المعنى يرى أن الشعب "عجيب في اختيار الذين يريد أن يعهد إليهم بقسط من سلطانه" لأن أقدار الرجال في مختلف الأعمال معلومة للجميع. ب- وطبيعة الأرستقراطية أن الشعب فيها رعية والأشراف حكام. ومتى كان الأشراف قليلي العدد كانوا حكامًا جميعًا! ومتى كانوا كثيرين انتخبوا مجلسًا من بينهم، فيكون المجلس أرستقراطية، وجمهرة الأشراف ديمقراطية، والشعب كمًّا مهملًا. على أن الأرستقراطية الحكيمة تعمل على انتشال الشعب من هذا العدم وتوفير مهمة له في الدولة، فإن خير أرستقراطية هي التي تقترب من الديمقراطية، وشر أرستقراطية هي التي تقترب من الملكية. ج- وطبيعة الملكية أنها حكم الفرد بموجب قوانين ثابتة أي: دستور، وبوساطة هيئات منظمة كالأشراف والإكليروس والمدن تقيد إرادة الملك غير الدستورية. ولكي تكون الدولة ملكية حقا يجب فوق ذلك أن توجد فيها هيئة مكلفة بتسجيل القوانين ومراجعتها والتذكير بها إن نسيت. بهذه الهيئة يقصد مونتسكيو البرلمان ولو أنه لا يسميه صراحة. د- وطبيعة الطغيان أنه حكم الفرد لا يتقيد بدستور, ولا يعبأ بهيئات إن وجدت. فالطاغية يحكم لمصلحته الخاصة ويضحي في سبيلها بمصلحة الشعب, مثله مثل المتوحش الذي يقطع الشجرة ليقطف الثمرة. وهو لجهله وكسله وميله للذة يولي الحكم وزيرًا يقوم عنه بجميع المهام ويتحمل التبعات. تلك طبائع الحكومات, فما مبادئها؟

стр. 193

٩٠ - مبادئ الحكم: أ- مبدأ الديمقراطية الفضيلة, أي فضيلة؟ لقد عرفها مونتسكيو تعريفات مختلفة، فقال في التنبيه الذي قدم به للكتاب: إنها "حب الوطن، أعني: حب المساواة. إنها ليست فضيلة أخلاقية ولا فضيلة مسيحية، ولكنها فضيلة سياسية". وقال في موضع آخر: "هي حب القوانين والوطن، هي الإيثار المتصل للمنفعة العامة على المنفعة الخاصة" "م ٤ ف ٥ ". ويقترب بها من الفضيلة الأخلاقية حيث يقول "م ٥ ف ٣ ": إن حب الديمقراطية هو أيضًا حب العفة، إذ بدون عفة عامة تحد إلى الضروري حق استعمال الثروة تنعدم المساواة, يريد أن المواطن في الديمقراطية مطالب بالخضوع للقوانين من تلقاء نفسه ما دام هو الحاكم وهو الرعية في آن واحد، وما دام هذا الخضوع الضروري لبقاء الديمقراطية لا يتسنى إلا برضاه. ب- وفي الأرستقراطية الفضيلة لازمة أيضًا، ولكن بقدر أقل، أي: إنها لازمة للحكام يأخذون أنفسهم بالاعتدال والنظام بحيث يتساوون فيما بينهم؛ غير لازمة للمحكومين لأنهم يخضعون للقوانين بقوة الحكومة القائمة. ج- وفي الملكية تقوم الحكومة بغير حاجة ماسة للفضيلة، فإن مبدأها الكرامة أو الشرف أعني: حرص هيئاتها على امتيازاتها, والدفاع عنها كي تحول دون انقلاب الملكية إلى طغيان، وبذلك تؤدي وظيفتها. فإذا اعتبرت كل هيئة أن كرامتها تقوم في صيانة حقوقها "ومضى كل إلى الخير العام وهو يعتقد أنه يمضي إلى مصالحه الخاصة" فللملكية ميزة، إن جاز هذا القول، هي أنها تقوم بدون الفضيلة الضرورية للديمقراطية والأرستقراطية، وهذه الفضيلة عسيرة نادرة. د- ومبدأ حكومة الطغيان خوف الشعب من السلطان، وفي هذا الخوف كبح للشعب وحماية له في نفس الوقت، حماية من تفاقم عبث المقربين من السلطان وهم الذين يفرضون القوانين على الشعب، فإنهم هم أيضا تابعون لهوى السلطان. فانتفاء القوانين، وانتفاء الطبقات، وتساوي الجميع في العبودية, تلك أظهر خصائص الحكم الاستبدادي، ولا محل فيه للفضيلة والكرامة، لا عند

стр. 194

السلطان، ولا في الطاعة التي يقتضيها. هـ- وكل من هذه الحكومات يفسد بفساد مبدئه؛ فتذهب الديمقراطية إما بذهاب روح المساواة فتنقلب إلى أرستقراطية وإلى حكومة فردية، وإما بالمغالاة في هذا الروح فتنقلب إلى استبداد الكل وتنتهي إلى استبداد الفرد. وتذهب الأرستقراطية حين يمضي الأشراف مع الهوى في استخدام سلطتهم، ويطلبون مزايا الحكم دون متاعبه ومخاطره. وتذهب الملكية حين ينزل الأشراف عن كرامتهم حبًّا بالألقاب والمناصب فيستعبدون، أو حين يتحول الملك من العدالة إلى القسوة فيعمل على محو الهيئات ليستأثر بالأمر. أما الطغيان فليس له أن يفسد من حيث إنه فاسد بالطبع. ووالهدف الذي يصبو إليه مونتسكيو، والذي يبين خلال تعليقاته على الحكومات، هو أن تكفل الحكومة الحرية في أوسع مدى، وعلى خير وجه مستطاع، فإنه يمقت الاستبداد ويؤيد الحرية الشخصية. وليست تقوم الحرية عنده في أن يعمل المرء ما يريد، بل في "أن يقدر المرء أن يعمل ما ينبغي عليه أن يريد، وألا يكره على عمل ما لا ينبغي أن يريد. هي الحق في أن يعمل المرء كل ما تجيزه القوانين "العادلة", وإذا كان لمواطن أن يعمل ما ينهى عنه كان لغيره نفس هذا الحق، فتلاشت الحرية" "م ١١ ف ٣ ". وخير ما يكفل الحرية استقلال السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن السلطة المعتدية تلقى حينئذ سلطة تقف في وجهها، بينما اجتماع السلطات الثلاث في يد حاكم واحد أو هيئة واحدة من الحكام، سواء أكانت ديمقراطية أم أرستقراطية، يسوق إلى الطغيان "م ١١ ف ٦ ". ولما كان الحكم يقتضي السرعة والدقة والكتمان، كانت الملكية خير الحكومات، والملك كما سبق تعريفه حاكم مقيد بدستور وبهيئات قوية محترمة ولكنه مستقل في إصدار القرارات المطابقة للقانون. أما الشعب فغير كفء لأن يحكم بنفسه، ولكنه يشارك في الحياة السياسية على صورتين: إحداهما أن يكون له مجلس ممثلين يتقدمون برغبات، والأخرى أن ينتخب "محلفين" يساهمون في تطبيق القوانين. وأما وضع القوانين فيعهد به إلى مجلسين يختلف أعضاؤهما في ميولهم فيعدل بعضهم بعضًا, على مثال المجلسين الإنجليزيين. ومونتسكيو يعطينا

стр. 195

تحليلًا دقيقًا للدستور الإنجليزي، ويرى فيه خير ضمان للحرية السياسية. بيد أنه لا يمكن أن يقال: إنه كان يود لو ينقل إلى فرنسا، وهو القائل في بدء كتابه: "يجب أن تكون القوانين خاصة بالشعب الموضوعة له حتى ليكون من قبيل الصدفة النادرة أن تلائم قوانين أمة, أمة أخرى" "م ١ ف ٣ " إلا أنه يجب أن يقال: إن القصد الأول الذي رمى إليه مونتسكيو هو الإصلاح السياسي والاجتماعي، وإنه إنما اتخذ من التحليل العلمي وسيلة أمينة فعالة لتحقيق هذا الإصلاح. ولا شك أنه كان عاملًا قويًّا في تهيئة الجو للثورة الفرنسية, ولكن فيلسوف الثورة كان في الواقع روسو.

стр. 196

الفصل الرابع: جان جاك روسو " ١٧١٢ - ١٧٧٨ " ٩١ - حياته ومصنفاته: ولد بجنيف من أسرة فرنسية الأصل بروتستانتية المذهب. وعهد به والده إلى أحد الحفارين كي يعلمه صناعته، وكان هذا الرجل فظًّا قاسيًا، فغادر روسو المدينة هربًا منه وهو في السادسة عشرة، وهام على وجهه يحترف شتى الحرف في سويسرا وإيطاليا. وبعد ثماني سنوات لقي في سافوي سيدة يسَّرت له شيئًا من الاستقرار، فاستطاع أن يكون نفسه إذ تعلم الموسيقى واللاتينية وقرأ الفلاسفة. وبعد خمس سنين قصد إلى باريس، ثم غادرها إلى البندقية، فكان كاتبًا لسفير فرنسا فيها. وعاد إلى باريس وهو في الثالثة والثلاثين، وأخذ يتردد على الفلاسفة وبخاصة ديدرو. وفي صيف ١٧٤٩ قرأ في إحدى الصحف أن أكاديمية ديجون تعرض للمسابقة هذه المسألة: "هل عاونت الفنون والعلوم على تصفية الأخلاق؟ " فاهتزت نفسه وجاشت فيها الأفكار، وخطر له الجواب بالسلب، وشرع يكتب وقدم للأكاديمية ما كتب وأحرز الجائزة. وهذا أصل كتابه الأول "مقال في العلوم والفنون" " ١٧٥٠ " الذي طير صيته في أرجاء أوروبا، حتى لقد كتب إليه ملك بولندا. ثم أعلنت تلك الأكاديمية أنها تضع للمسابقة هذا الموضوع: "ما منبع تفاوت المراتب بين الناس؟ وهل يقره القانون الطبيعي؟ " فعقد العزم على الكتابة وأخرج كتابه الثاني "مقال في أصل التفاوت بين الناس" ولكن الأكاديمية لم تمنحه الجائزة. فنشر الكتاب " ١٧٥٤ " ومضى يعمل على استكمال مذهبه، وبعد ثماني سنين " ١٧٦٢ " نشر كتابين: أحدهما "العقد الاجتماعي" والآخر "إميل أو في التربية" ١. فأنكرت السلطة الباريسية الكتاب الأخير

стр. 197

وهمَّت باعتقال المؤلف، ففر إلى سويسرا، ولكن السلطة بها كانت أنكرت الكتاب أيضًا فطردته، فلجأ إلى إنجلترا بصحبة هيوم ونزل ضيفًا عليه، ولكنه لم يلبث أن خاصمه وعاد إلى باريس، فسمح له بالإقامة في فرنسا، فقضى بقية أيامه في حالة مضطربة. ٩٢ - الاجتماع مفسدة: أ- كتبه التي ذكرناها "ولم نذكر كتبه الأدبية" تفصِّل مذهبه تفصيلًا منطقيًّا بحسب ترتيب صدورها. ففي مقاله الأول يزعم أن العلوم والآداب والفنون تكمل ظاهر الإنسان فقط ولا تكمل باطنه، بل إنها كلما تقدمت أمعنت في إفساده. ويستشهد على ذلك بما توفره للرذيلة من فرص، وبما كان من مصر وأثينا وبيزنطة والصين، إذ مالت إلى الانحطاط أو غاصت في الرذيلة حالما ساد فيها حب العلوم والفنون، بينما الشعوب التي ظلت بعيدة عن عدوى المعارف الباطلة كانت فاضلة وسعدت بفضائلها، مثل الفرس الأقدمين والإسبرطيين والجرمان والسويسريين. هذا فضلًا عن أن الحكماء الحقيقين بهذا الاسم أبانوا سوء أثر الآداب والفنون. إنها تولد الرذيلة لأنها تطيل الفراغ، وتدفع إلى الترف وتنميه، ولا يتسنى الترف بغير الثراء المفرط عند بعض يقابله الفقر المدقع عند بعض. إن لدينا علماء وفنانين من كل نوع، ولم يبق لدينا مواطنون؛ وإذا كان لا يزال منهم بقية فهم في الريف فقراء محتقرون. الفضيلة ممتهنة، والمواهب الفنية معتبرة، فكان من جراء ذلك تفاوت مشئوم بين الناس. "أيتها الفضيلة! أنت العلم السامي للنفوس الساذجة, أهنالك حاجة لكل هذا العناء وهذه الأدوات لكي نعرفك؟ أليست مبادئك مطبوعة في جميع القلوب؟ أوليس يكفي لتعلم قوانينك أن نخلو إلى أنفسنا ونستمع إلى صوت الضمير في صمت الأهواء؟ تلك هي الفلسفة الحقة، فلنتعلم أن نقنع بها". ب- هذا المقال ينطوي في الواقع على مذهب تام في الإنسان والاجتماع. وما إن شرع روسو يكتب مقاله الثاني "في أصل التفاوت بين الناس" حتى وضع شرطًا لحل المسألة "التمييز بين الأصيل والصناعي في الطبيعة الراهنة

стр. 198

للإنسان، وتعرف حالة تلاشت، حالة قد لا تكون وجدت، وقد لا توجد أبدًا، مثلها مثل النظريات التي يفترضها العلماء كل يوم لتفسير تكوين العالم". ولئن كان روسو يعرض نظريته بمثابة فرض، فكثيرًا ما يعتبرها واقعة تاريخية، وهو على كل حال يبني عليها جميع آرائه. هذه النظرية هي أن الأصيل في الإنسان، أو حال الطبيعة كما يقول، أن الإنسان كان متوحدًا في الغاب, لا يعرف أهله، ولعله لم يكن يعرف أولاده، لا لغة له ولا صناعة، ولا فضيلة ولا رذيلة من حيث إنه لم يكن له مع أفراد أنواعه أية علاقة يمكن أن تصير علاقة خلقية. كان حاصلا بسهولة على وسائل إرضائه حاجاته الطبيعية؛ ولئن لم يكن له غرائز معينة كغرائز العجماوات، فقد كانت له القدرة على محاكاة الغرائز والتفوق على العجماوات في تحصيل مثل ما توفره لها غرائزها المعينة، كان يعتاد الآفات الجوية وتشتد بنيته بمقاومتها، ولم يكن يصاب إلا بالقليل من الأمراض، فقلما كان يحتاج إلى الأدوية، وكانت حاجته إلى الأطباء أقل. وإنما تعتل الصحة بالإسراف في المعيشة، وبالميول المصطنعة وما ينتج عنها من إجهاد جسمي وعقلي. "إذا كانت الطبيعة أعدتنا لنكون أصحاء، فإني أكاد أجرؤ على التاكيد بأن حالة التفكير مضادة للطبيعة، وأن الإنسان الذي يتأمل هو حيوان فاسد". الحرية هي التي تميز الإنسان أكثر من الفهم "الموجود في الحيوان إلى حد ما". إن الحيوان ينقاد لدافع الطبيعة، ولكن الإنسان يرى نفسه حرًّا في الانقياد له أو مقاومته. وإنما تبين روحانية نفسه من شعور بهذه الحرية. وكان الإنسان المتوحد طيبًا تأخذه الشفقه من رؤية الموجود الحاس يهلك أو يتألم، وبالأخص إخوانه في الإنسانية. ولقد أخطأ هوبس في قوله: إن حالة الطبيعة تتميز بالطمع والكبرياء، فإن هاتين العاطفتين لا تنشآن إلا في حال الاجتماع. فالإنسان المتوحد كان كاملًا سعيدًا؛ لأن حاجاته قليلة، وإرضاءها سريع, ولأنه كان حرا مستقلا، فكان كل إنسان مساويًا لكل إنسان. ج- كيف خرج الإنسان من هذه الحالة الأولى؟ خرج منها اتفاقًا بأن عرضت له أولًا أسباب طبيعية، كالجدب والبرد القارس والقيظ المحرق، اضطرته إلى التعاون مع غيره من أبناء نوعه تعاونًا مؤقتًا كان الغرض منه الصيد

стр. 199

برًّا وبحرًا وتربية الحيوان لتوفير القوت. ثم اضطرتهم الفيضانات والزلازل إلى الاجتماع بصفة مستديمة، فاخترعت اللغة، وتغير السلوك، وبرز الحسد، ونشبت الخصومة. هذا الاجتماع بنوعيه، المؤقت منه والمستديم، يمثل حالة التوحش، وهي ليست بعد الحالة المدنية؛ لأنها خلوّ من القوانين، وليس فيها من ردع سوى خوف الانتقام. وحدث اتفاقًا أيضًا أن استكشف الإنسان استعمال الحديد، وهو شرط الزراعة، والصناعتان شرط الحالة المدنية بما تقتضيان من تقسيم العمل والتعاون، إذ يستمد المزارعون الآلات الحديدية من صناعها ويعطونهم قوتهم. وتستتبع الزراعة تقسيم الأراضي، فيزداد التفاوت ويتفاقم الخصام. ويتفق الأقوياء الأغنياء على تدعيم مكانتهم فيضعون أنظمة عامة تصون لكل ملكه وتوطد السلام؛ ويذعن الفقراء الضعفاء لهذه القوانين كي يدفعوا الشر عن أنفسهم. هنا تبدأ الحالة المدنية المنظمة بالقوانين، وتثبت الملكية، ويتوطد التفاوت. وهكذا صار الإنسان الطيب بالطبع شريرًا بالاجتماع, وبما أتاحه له الاجتماع من تقدم عقلي وصناعي. وإن قيام دولة يستتبع قيام دول أخرى، فتنشب بينهما الحروب. ٩٣ - إصلاح مفاسد الاجتماع: أ- على أن الاجتماع قد أضحى ضروريًّا، ومن العبث محاولة فضه والعودة إلى حال الطبيعة. وكل ما نستطيع صنعه هو أن نصلح مفاسده بأن نقيم الحكومة الصالحة ونهيئ لها بالتربية المواطنين الصالحين. فمن الوجهة الأولى تعود المسألة إلى "إيجاد ضرب من الاتحاد يحمي بقوة المجتمع شخص كل عضو وحقوقه، ويسمح لكل وهو متحد مع الكل بألا يخضع إلا لنفسه, وبأن تبقى له الحرية التي كان يتمتع بها من قبل". هذه المسألة هي التي يعالجها كتاب "العقد الاجتماعي" فيذهب إلى أن هذا الفرض ممكن التحقيق بأن تجمع الكثرة المفككة على أن تؤلف شعبًا واحدًا، وأن تحل القانون محل الإرادة الفردية، وما تولده من أهواء وتجره من خصومات، أي: أن يعدل كل فرد عن أنانيته، وينزل عن نفسه وعن حقوقه للمجتمع بأكمله، وهذا هو البند الوحيد للعقد الاجتماعي. ولا إجحاف فيه، إذ بمقتضاه يصبح الكل متساوين في ظل

стр. 200

القانون، والقانون إرادة الكل تقر الكلي أي: المنفعة العامة، إذ إن الشعب لا يريد إلا المنفعة العامة، فالإرادة الكلية مستقيمة دائمًا. ومن يأبَ الخضوع لها يرغمه المجتمع بأكمله، إذ إنه "حين يغلب الرأي المعارض لرأيي فهذا دليل على أني كنت مخطئًا, وأن ما كنت أعتبره الإرادة الكلية لم يكن إياها". والمجتمع القائم على العقد يؤلف هيئة معنوية أو "شخصًا عامًّا" تبدأ فيه الخليقة ويقوم الحق، بعد أن كان كل فرد يتبع إرادته الخاصة. ولهذا المجتمع "دين مدني" "م ٤ ف ٨ " لا يدع للفرد ناحية من الحياة مستقلة عن الحياة المدنية. ويتعين على الدولة أن تنكر دينًا كالمسيحية يفصل بين الروحي والسياسي, وألا تطيق إلى جانبها سلطة كنسية إذ "لا قيمة لما يفصم الوحدة الاجتماعية" وإنما لزم الدين لأنه ما من دولة قامت إلا وكان الدين أساسها. على أن يكون هذا الدين مقصورًا على العقائد الضرورية للحياة، تفرض كقوانين حتى لينفى أو يعدم كل من لا يؤمن بها "لا باعتباره كافرًا, بل باعتباره غير صالح للحياة الاجتماعية". هذه العقائد هي عقائد القانون الطبيعي: وجود الله، والعناية الإلهية، والثواب والعقاب في حياة آجلة، وقداسة العقد الاجتماعي والقوانين, ولكل أن يضيف إليها ما يشاء من الآراء في ضميره. ب- كذلك الرجوع إلى الطبيعة في التربية، فيترك الطفل يربي نفسه بنفسه، وبذلك ينشأ حرًّا جديرًا بأن يكون عضوًا في دولة حرة، إذ ما من وسيلة لتربية الطفل لأجل الحرية إلا تربيته بالحرية. وهذا يعني أن التربية يجب أن تكون سلبية ما أمكن، فتقتصر على معاونة الطفل في تربيته نفسه بنفسه، وتجتنب كل ما يضيق عليه ويقيده. وإن قيل لنا: إننا بهذا نعرضه لأن يجرح نفسه ويتألم، كان الجواب: فليكن "إن الألم أول ما ينبغي أن يتعلمه, وهو بأكبر حاجة لأن يتعلمه". على أن المربي لا يقف متفرجًا إذا رآه يعرض حياته للخطر بقلة تجربته، بل ينبهه وينهاه بقوة. ولكن هذه الحالة نادرة؛ فبرنامج التربية يشتمل على أربع مراحل هي: حياة الطبيعة، الحياة العقلية، الحياة الخلقية، الحياة الدينية. في المرحلة الأولى، وهي التي تمتد من الطفولة الأولى إلى الثانية عشرة، يوجه المربي جهده إلى تكوين الجسم، ولا يعرض للنفس بحال احترامًا لحقوق الطبيعة الطيبة أصلًا، فيحذر أن يريد

стр. 201

إصلاحها أو تكميلها بالعادات، فإن العادة الوحيدة التي ينبغي أن يتخذها الطفل هي ألا يتخذ عادة ما. ويجتهد المربي في أن يقصي عن الطفل جميع المؤثرات المصطنعة، مؤثرات الأسرة والمجتمع والدين، ريثما يكون نفسه ويختار له دينًا حين يبلغ سن الاختيار، وإلا لم تكن تربيته طبيعية، ولم يكن عمله الخاص؛ ومن الثانية عشرة إلى الخامسة عشرة يتثقف الفتى بالمعارف الطبيعية، وذلك بأن يتصل بالأشياء مباشرة، وأن يصل بالملاحظة الشخصية إلى استكشاف الضروري له في العلم والفن فيعلم أشياء من الفلك والجغرافيا والطبيعة والكيمياء. فلا يلقن دروسًا شفوية، ولا يسمح له بمطالعة الكتب، فإنها جميعًا لا تعلمه إلا ألفاظًا، اللهم إلا كتابًا واحدًا هو قصة روبنسون كروزي حيث يتعلم كيف يمكن الاستغناء عن الكتب! ثم يعلم حرفة يدوية. وابتداء من الخامسة عشرة يعلم الأخلاق، فتنمي فيه الشفقة وعرفان الجميل ومحبة الإنسانية وضبط أهواء النفس؛ ويعلم أن له نفسًا وأن الله موجود. وفي الثانية والعشرين يمهد للزواج بالخطوبة، ثم بأسفار يفيد منها معرفة المجتمع وعاداته ورذائله ومخاطره والحرف النافعة. وفي المرحلة الأخيرة يتخذ إميل دينًا يعرضه عليه قسيس يلقاه في سفره ويستشيره هو في الأمر, وعقائد هذا الدين هي التي ذكرناها، وهي عقائد طبيعية بحتة، لا تستند إلى وحي من حيث إن في الوحي افتئاتًا على حقوق الشخصية. ج- هكذا يزعم روسو, وكأن مذهبه بأكمله عبارة عن "تمدين المسيحية" أي: نقل لعقائدها إلى مستوى مدني. فالمسيحية تقول بحالة برارة أولى، وبسقوط بالخطيئة, وبنجاة من السقوط، ويقول روسو بحالة برارة أولى أفسدها الاجتماع ويمكن إصلاحها بالعقد الاجتماعي والتربية الملائمة. وقد ظن أن الحالة الأولى يجب أن تكون من البساطة والسذاجة بحيث تعتبر "لوحًا مصقولًا" غفلًا من العلم والفن والأخلاق، بل معارضة لها؛ وقدم هذه الحالة أولًا على أنها مجرد فرض، ثم رآها فرضًا لازمًا لتفسير الإنسان، ثم اعتبرها واقعة تاريخية كما لاحظنا، وهذا تدرج في الإبهام أو التوهم تعوزه الدقة المنطقية. وقديمًا نقد أفلاطون الفن، ونعته بأنه معلم وهم، ولكنه عرف له قيمة إصلاحية متى كان مطابقًا للأخلاق القويمة. فالمسألة تنحصر في حسن استعمال الفن أو

стр. 202

سواء استعماله، أي: إنها تعود إلى الإرادة والأخلاق، لا إلى الفن نفسه. كذلك يقال في العلوم، فلا شك أنها مطلب العقل الذي هو من طبيعة الإنسان، وأنها في أنفسها أدوات تحت تصرف الإرادة. فكان يكفي أن يتصور حال الطبيعة حال إرادة مستقيمة مستعدة لأن تحسن استعمال العلوم والفنون، أو أن تهن فتسيء استعمالها. ولكن وراء نظريته مغزًى مستورًا هو أن العقل أناني بالطبع لأنه يحسب ويرجع كل شيء للأنا، فهو أصل الشقاء، وأن العاطفة هي المرشد الأمين الكافي لتحقيق السعادة؛ فيقول روسو: "كل ما أحسه شرا فهو شر، الضمير خير الفقهاء" ويصيح قائلا في صفحة مشهورة: "أيها الضمير! أيها الضمير! الغريزة الإلهية، الصوت الخالد السماوي، الدليل المحقق لموجود جاهل محدود ... " فكل ما يسمى الآن حقوقًا وأخلاقًا ويستمد له سندًا من العقل، هو صناعي ناشئ من الحياة الاجتماعية التي هي صناعية كذلك، وليس في حال الطبيعة أخلاق وحقوق ما دام الإنسان في تلك الحال مستغنيًا عن الإنسان مقطوع الصلة به. وإنما وقف روسو عند هذا الرأي لأنه تصور العقل آلة في خدمة الأنانية، على حين أن العقل يستكشف لنفسه قيمة خاصة، ويدرك في نفسه قانونًا خاصًّا هو القانون الخلقي الذي هو في الواقع غيري لا أناني. د- وأي علاج وصف روسو لأمراض الاجتماع؟ إنه علق النجاة على الديمقراطية ذات الإرادة الكلية المستقيمة دائمًا، الحاكمة بأمرها في كل شيء حتى في المعتقد الديني؛ أي: إنه رأى علاج الاجتماع بضرب من الاجتماع فقدس العقد الاجتماعي، على حين أن النتيجة المنطقية لمبدئه هي الانتفاض على الاجتماع والعمل على العودة إلى حال الحرية والبرارة والسذاجة، أي: المذهب الفوضوي؛ والواقع أن تحقيق الإجماع محال، وأن الأمر يعود دائما إلى الأغلبية، وأن ليس هناك ما يضمن أن تلتزم الأغلبية النفع العام والعدالة بين الجميع، وكم رأينا الأغلبية تخطئ وتستبد أشنع استبداد، حتى في أقدس الأمور وهي العقيدة الدينية، فتنكر تلك العقائد المتواضعة التي اعتبرها روسو أساسية. فهو إذ يستبعد من حال الطبيعة الخير والشر والحق والواجب, ويقدس إرادة الأغلبية ويطالبنا بالإذعان لها كأنها الإرادة الإلهية, يقيم ضربًا من الاستبداد هو

стр. 203

شر ألف مرة من استبداد الفرد الذي لا يعتمد على حق. ومن المضحك, بل من المؤسف أشد الأسف، أن نرى هذا الرجل يتحدث عن التربية وعن الشفقة، وهو الذي عهد بأولاده إلى أحد الملاجئ، فلم يحبهم ولم يعن بهم؛ وأن نرى هذا العصامي يفلسف ببضع أفكار التقطها في مطالعاته، فيذيع كثيرًا من الأفكار الفطيرة في حلة من البلاغة خلابة، وإن لم تخلُ من كثير من التعمل، تصرف السواد عما يعوز مقاله من دقة ويعتوره من بطلان. وما على الثورة الفرنسية إلا أن تشب وقد أعلن إنجيلها ورسمت مبادئها وصِيغت عبارات خطبائها!

стр. 204

المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا إمانويل كنط " ١٧٢٤ - ١٨٠٤ " الفصل الأول: حياته ومصنفاته ٩٤ - من ليبنتز إلى هيوم: أ- قيل عن سقراط: إنه يشطر الفلسفة اليونانية شطرين: ما قبله وما بعده, ودعا ديكارت أبا الفلسفة الحديثة, واعتبر الحد الفاصل بين القديم والجديد في تطور الفكر الأوروبي. كذلك نقول عن كنط: إنه يشطر الفلسفة الحديثة نفسها شطرين. أجل لقد أخذ الشيء الكثير عمن سبقوه، من ديكارت إلى هيوم وروسو، وجرى في تيارهم، ولكن تفكيره أدى به إلى وجهة جديدة سيطرت على القرن التاسع عشر، ولم تبدأ العقول في التحرر منها إلا منذ عهد قريب. وسنحاول أولًا أن نبين تدرج هذا التفكير, فنترجم لحياة كنط العقلية، وهي تكاد تكون كل حياته، فقد تقضت حياته الخارجية في مدينة واحدة أو منطقة واحدة، وكانت منظمة تنظيمًا دقيقًا تسير كالآلة في العمل والراحة والنوم، ولا يتخللها من حوادث سوى الحوادث العلمية. ب- ولد كنط بكونجسبرج من أبوين فقيرين على جانب عظيم من التقوى والفضيلة، ينتميان إلى شيعة بروتستانتية تدعى الشيعة التقوية PIETISME تستمسك بالعقيدة اللوثرية الأساسية القائلة: إن الإيمان يبرر المؤمن، وترى أن محل الدين الإرادة لا العقل، وتعلي من شأن القلب والحياة الباطنة، ومن ثمة تقول: إن الإيمان الحق هو الذي تؤيده الأعمال، وتعتبر المسيحية في جوهرها تقوى

стр. 205

ومحبة الله، وتعتبر اللاهوت تفسيرًا مصطنعًا أقحم عليها إقحامًا. نشأ كنط على هذا المذهب وتشبع به في المنزل والمدرسة والجامعة؛ فكان لذلك أثره في توجيه فكره حتى كوّن فلسفة تميز تمييزًا باتًّا بين صورة خالصة ومادة، وحتى قال في وصف هذه الفلسفة:"أردت أن أهدم العلم "بما بعد الطبيعة" لأقيم الإيمان". ج- دخل في الثامنة إحدى المدارس التابعة للشيعة التقوية، وأتم برنامجها في السادسة عشرة. وكان أظهر ما أفاده فيها شيئين: إعجابًا باللغة اللاتينية وما تنطوي عليه قواعدها وتراكيبها من روح الجد والنظام، حتى كان مطمحه حين ذاك أن يتوفر على فقه اللغة؛ وإعجابًا بالرواقية الرومانية وما تتحلى به من نبل وشجاعة. وسيبقى هذان الأثران في نفسه، ويدخلان في فلسفته. وبعد المدرسة اتجه إلى كلية الفلسفة بجامعة مدينته يقصد إلى دراسة اللاهوت ليصير قسيسًا، ولكنه عدل عن هذا القصد فيما بعد. تتلمذ لأستاذ بالكلية للرياضيات والفلسفة من أتباع التقوية ومن أتباع فولف ١ ناشر فلسفة ليبنتز الموسومة بالعقلية؛ فعرف بواسطته مؤلفات نيوتن، فكانت عنصرًا آخر مهمًّا من عناصر فكره؛ ولكنه حار بين التقوية والعقلية، الأولى تشيد بالإرادة والعاطفة كما ذكرنا، والثانية تشيد بالعقل والعلم القياسي وتؤلف التقوى الحقة من "نور وفضيلة" وتعلن أن من الخطأ على السواء "الاعتقاد بأن المرء يستطيع أن يحب أخاه الإنسان دون أن يخدمه، وبأنه يستطيع أن يحب الله دون أن يعرفه". وفي ١٧٤٦ تقدم برسالة جامعية حاول فيها التوفيق بين ديكارت وليبنتز في مسألة قياس قوة جسم المتحرك. د- توفي والده، فرأى أن يكسب رزقه بالتعليم في أسرة غنية، وزاول هذا العمل في ثلاث أسر على التوالي من أهل المنطقة. قضى في ذلك تسع سنين لم ينقطع أثناءها عن التحصيل والتفكير، ونشر في نهايتها " ١٧٥٥ " كتابًا في "التاريخ العام للطبيعة ونظرية السماء" غفلًا من اسمه، طبق فيه على أصل العالم القوانين التي فسر بها نيوتن النظام الراهن للعالم، وعرض في تفسير تكوين العالم نظرية آلية كثيرة الشبه بالنظرية التي سيعرضها لابلاس بعد أربعين سنة. وفي تلك

стр. 206

السنة استطاع أن يستقر بكونجسبرج، وحصل على درجتين جامعيتين: أولاهما برسالة "في النار" والثانية برسالة "في المبادئ الأولى للمعرفة الميتافيزيقية" يقبل فيها دليل العلل الغائية على وجود الله بدون تحفظ, ثم عين أستاذًا خاصًّا بالجامعة. هـ- إلى ذلك الوقت كان تحت تأثير فولف ونيوتن ميتافيزيقيًّا وعالمًا طبيعيًّا. ففي رسالة نشرها سنة ١٧٥٥ دافع عن تصور ليبنتز للحرية وقال: إن الإرادة لا تشذ عن مبدأ السبب الكافي، وفي سنة ١٧٥٨ نشر رسالة أيد فيها تفاؤل ليبنتز القائل: إن الله لكماله خلق بالضرورة خير العوالم الممكنة، وحاول الرد على القائلين: إن فكرة خير العوالم الممكنة فكرة جوفاء غير ذات موضوع. ثم قرأ شفتسبري وهاتشيسون وهيوم، وقرأ روسو، فتغير تفكيره تغيرًا عميقًا. ووجد عند الثلاثة الأول القول بحس خلقي يدرك المعاني الخلقية بداهة، ويقرر الخير والشر دون حاجة إلى تدليل؛ وبعبارة أخرى: وجد عندهم فلسفة خلقية مستقلة عن العقل، ومستقلة عن الدين. ووجد عندهم أيضًا منهجًا قائمًا على التحليل النفسي، وأكبر منهم منهجهم هذا في الملاحظة الباطنة، واكتشافهم أن قوة الشعور بالخير غير قوة تصور الحق، وأن الشعور دون العقل هو الذي يقدم للعمل الخلقي موضوعات محققة وبواعث فاعلية. وأرجع "الخلقية" في صميمها إلى الشعور بالجمال وبكرامة الطبيعة الإنسانية, ورأى أن هذا الشعور غير مرتبط بموضوع جزئي, وأنه من الممكن لذلك أن يصير باعثًا كليًّا للعمل. ز- وكان تأثير هيوم أبعد مدى، وقد قال كنط فيما بعد: إن هيوم أيقظه من سباته الاعتقادي، وكان ذلك برأيه في مبدأ العلية بنوع خاص، إذ كان قد قال: إن مبدأ العلية ليس قضية تحليلية، أي: إن المعلول ليس متضمنًا في العلة أو مرتبطًا بها ارتباطًا ضروريًّا، وإن الضرورة التي تبين له ما هي إلا وليدة عادة تتكون بتكرار التجربة. سلم كنط بالملاحظة الأولى، ولكنه فطن إلى أن التجربة لا تولد ضرورة بمعنى الكلمة، وأن العلم قائم على مثل هذه الضرورة، وأن قيام العلم أمر واقع يمنع من قبول الشك ومن الاكتفاء بالتجربة فحسب, فيجب أن يكون مبدأ العلية مبدأ أوليا في العقل، وبفضله تتحول القضية التجريبية إلى قضية أولية كلية ضرورية, ويجب إذن الفحص عن سائر المبادئ المطوية في العقل

стр. 207

وتعيين وظائفها في المعرفة العلمية. وتلك هي الفكرة النقدية التي بنى عليها كنط فلسفته، ولكنها لن تنضج عنده إلا بعد زمن غير قصير. ح- أما روسو فكان يدعو إلى الرجوع للطبيعة أي: للفطرة خالصة مما غشاها به المجتمع من عرف وتقليد. وقد قال كنط: إنه كان يعتقد أن العلم أكبر عنوان للمجد، والغاية القصوى للإنسانية، حتى احتقر الشعب الجاهل، فرفع روسو الغشاوة عن بصيرته وعلمه أن حال الطبيعة أسمى من حال المدنية، وأن التربية يجب أن تكون سلبية في الأكثر, فتقتصر على ضمان حرية الميول الطبيعية، وتنبذ إكراه العرف المصطنع. إن روسو عالم الأخلاق، فكما أن نيوتن وجد المبدأ الذي يربط ما بين قوانين الطبيعة المادية، كذلك استكشف روسو الحقيقة البسيطة التي تضيء الطبيعة الإنسانية إلى أعماقها، وهي الخلقية الصافية المستصفاة من كل إضافة زائفة. ٩٥ - نقد الميتافيزيقا: أ- نأتي الآن إلى مرحلة ثانية من ١٧٦٠ إلى ١٧٧٠ شرع فيها كنط ينقد الفلسفة العقلية في النظريات والخلقيات قبل أن يستبين مذهبه. ففي رسالة بعنوان "الأساس الممكن الوحيد للبرهنة على وجود الله" " ١٧٦٣ " يذكر أربعة أدلة على وجود الله، فينقد الدليل الوجودي الذي يستخرج الوجود كمحمول من فكرة الله كموضوع، ويقول: ليس الوجود "العيني" محمولًا متضمنًا في فكرة؛ ثم ينقد الدليل الطبيعي الذي ينتقل من وجود حادث إلى وجود ضروري كامل، فيحتج بأن هذا الدليل يذهب من الضروري إلى الكامل كأنهما متساوقان فيعود إلى الدليل الوجودي؛ وينقد دليل العلل الغائية بحجة أن كمال العالم نسبي, فلا يدل بذاته على موجود كلي الكمال، وأن هذا الدليل أيضًا يعود إلى الدليل الوجودي. يبقى دليل يذهب من الممكن إلى المطلق، فيراه صحيحًا لأن الممكن لا يعقل بما هو كذلك إلا بالإضافة إلى موجود عيني ضروري لولاه لكان الممكن ممتنعًا، وهذا خلف؛ ويرى كنط أن الأدلة الثلاثة السالفة إذا بنيت على هذا الدليل صارت صحيحة. ب- وفي "دراسة في وضوح مبادئ العلم الإلهي النظري والأخلاق"

стр. 208

" ١٧٦٤ " يذهب إلى أن العقل المنطقي لا يجد في ذاته حقائق معينة، وإنما يجد مبادئ عامة جوفاء، كمبدأ الذاتية الذي لا يعطينا بنفسه موضوعًا للعلم. ومن هذا القبيل فكرتا الواجب والكمال، وهما في الفلسفة العقلية الفكرتان الأساسيتان للأخلاق. ففكرة الكمال لا تعرفنا بالكامل الذي يجب طلبه وما فكرة الواجب إلا فكرة الضرورة القانونية الخالية من كل تعيين. ج- وفي "أحلام واهم معبرة بأحلام الميتافيزيقا" " ١٧٦٦ " ينطق العنوان بقصد المؤلف إلى التهكم والنقد. الواهم أو الإشراقي هو الذي يدعي الاتصال بموجودات روحية عليا، مثل سويدنبورج السويدي معاصر كنط, والميتافيزيقي أيضًا يتحدث عن مثل هذه الموجودات، ولكنه يزدري الإشراقي. فهو يعتقد إذن أن ليس لها تجربة مباشرة، وهو مضطر إلى الإقرار بأنه لا يدركها في أنفسها، وأنه إنما يعرفها بضرب من المعرفة السلبية، وفي هذه الحالة تكون الميتافيزيقا علم حدود العقل الإنساني، ولا تستطيع مجاوزة التجربة التي هي المعرفة الحقة. ولا بأس في ذلك؛ لأن هذا الذي يفوت علمنا ويعتبر ضروريا لتنظيم حياتنا الخلقية، وهو عالم الأرواح، هو موضوع إيمان لا موضوع برهان. على أن تصور مثل هذا العالم قد تصبح له قيمة لو جاءت وقائع تثبت أن ثمة وحدة أو مشاركة روحية بين الموجودات العاقلة، وقد يكون الضمير الخلقي إحدى هذه الوقائع لما ينطوي عليه من الواجب، أي: تقرير ما يجب أن يكون بغض النظر عن التجربة، ولما تفترض صفته الكلية من الارتباط بين جميع الضمائر؛ وقد يمكن تأويله بأنه وحي بعالم معقول تخضع فيه الإرادات الجزئية لقوانين خاصة, أو لإرادة كلية. د- وكانت نقطة التحول إلى فلسفته رسالة باللاتينية في "صورة ومبادئ العالم المحسوس والعالم المعقول" " ١٧٧٠ " خولته الحق في اعتلاء كرسي المنطق وما بعد الطبيعة. يذهب فيها إلى أن المعرفتين الحسية والعقلية تختلفان، ليس فقط بدرجة التمييز كما يقول العقليون، بل كل الاختلاف: المعرفة الحسية تؤدي إلينا كيفيات، وهذه الكيفيات تبدو في المكان والزمان، والمكان والزمان معنيان كليان، فهما إذن من مصدر آخر غير التجربة، هما صورتان يفرضهما الفكر على الكيفيات المحسوسة، فالمعرفة الحسية مجموعة ظواهر. أما المعرفة العقلية فتلوح

стр. 209

كأنها تظهرنا على الأشياء كما هي في نفسها، إذ تمدنا بمبادئ ومعانٍ مطلقة لا تمتّ إلى المحسوس بسبب، بل إنها تقع في التناقض إذا أرادت تطبيقها عليه. فمثلًا: المبدأ القائل: إن المركب يفترض البسيط، اعتمد عليه ليبنتز فوصل إلى أن العالم مركب من بسائط، ولكننا لا نصل أبدًا إلى البسيط بسبب القسمة إلى ما لانهاية؛ ثم إن المعاني المنطوية في ذلك المبدأ، وهي معاني الكل والبسيط والمركب، وأيضًا المعاني التي يستخدمها ليبنتز في المونادولوجيا، وهي معاني الإمكان والوجود والضرورة والجوهر والعلة، لا تدخل كأجزاء في أي تصور حسي، وليست مستخرجة من التصور الحسي, فالمحسوس والمعقول متخارجان متغايران. ٩٦ - وضع الفلسفة النقدية: أ- عكف كنط على النتائج التي بلغ إليها يعيد فيها النظر ويلائم بينها، وبعد عشر سنين " ١٧٨١ " أخرج كتابه الأكبر "نقد العقل الخالص النظري" يبين فيه كيف, وإلى أي حد تتطابق معاني العقل ومدركات الحس. فقرر أن المعاني لا تستفاد من الأشياء على ما يزعم الحسيون، وأن الأشياء لا تستفاد من المعاني على ما يزعم العقليون، ولكن المعاني هي الشروط الأولية المتعلقة بها المعرفة الحسية. فمعنيا المكان والزمان يطبقان على الكيفيات المحسوسة فيجعلان منها ظواهر، وليس المكان والزمان شيئين محسوسين. ومعانٍ أخرى أو مقولات اثنتا عشرة تطبق على الظواهر فتجعل منها قضايا علمية أي: معارف كلية ضرورية، وليس في التجربة كلية وضرورة. ومعان أخرى ثلاثة، هي معاني النفس والعالم والله، ليس لها في التجربة موضوع تنطبق عليه، وكل ما يدعي العقل إثباته بشأنها غلط. ففي هذا الكتاب تلقى الرسائل النظرية التي لخصناها في العدد السابق، ومحصله أن الفكر حاصل بذاته على شرائط المعرفة، وأن الأشياء تدور حوله لكي تصير موضوع إدراك وعلم، ولا يدور هو حولها كما كان المعتقد من قبل. وهذه هي الثورة التي أحدثها كنط في عالم الفكر، وشبهها بالثورة التي أحدثها كوبرنك في عالم الفلك. ولكي يقرب هذا المذهب إلى الأذهان ويصحح ما جرى من الأخطاء في فهمه، وضع رسالة أسماها "مقدمة لكل ميتافيزيقا مستقبلة تريد أن تعتبر علمًا" " ١٧٨٣ ".

стр. 210

ب- ثم تحول إلى فلسفة الأخلاق، فصنف فيها كتابين: الأول: "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق" " ١٧٨٥ " والثاني "نقد العقل العملي" " ١٧٨٨ " يكمل به الكتاب السالف. وخلاصة موقفه فيهما أنه لما كان العلم كليًّا ضروريًّا أي: صادرًا عن العقل، فيلزم أن الفلسفة الخلقية لا تقوم على التجربة الظاهرة، ولا على حس باطن "كما كان اعتقد هو تحت تأثير الفلاسفة الإنجليز وروسو" بل على العقل وحده، فإن العقل هو الذي يمدنا بمعنى الواجب الذي هو الركن الركين في الأخلاق. أما معاني الله والنفس والحرية والخلود، التي كانت الفلسفة السلفية تقيم الأخلاق عليها، فلا سبيل إلى اعتبارها أساسا لها بعد أن بين "نقد العقل النظري" استحالة العلم بها؛ على أنه يمكن الإيمان بها إذا أدى بنا إليها تحليل المعاني الأخلاقية أنفسها، فتبنى الميتافيزيقا على الأخلاق بدل أن تبنى الأخلاق على الميتافيزيقا. ج- ورأى كنط ضرورة الوصل بين العقلين النظري والعملي، فدوَّن كتابه "نقد الحكم" " ١٧٩٠ " أو فلسفة الجمال والغائية. ذلك أن موضوع العقل هو الحق الذي مظهره الضرورة والآلية في الطبيعة؛ وموضوع الإرادة الخير بواسطة الحرية، ولدينا قوة أخرى حاكمة بالجمال وبالغائية، أي: واضعة نسبة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بين الضرورة الطبيعية والحرية، باعتبار الجمال والغائية معلولين للحرية تعمل في مادة خاضعة لقوانين الآلية. فموضوع هذه القوة متوسط بين الحق والخير، فالقوة نفسها متوسطة بين العقل والإرادة. وتسميتها بالحكم آتية من المماثلة بين مظاهرها وبين الحكم المنطقي، فإنها كالحكم "عند كنط كما سنرى" توقع نسبة بين شيئين متغايرين, الحكم بالجمال آني تلقائي، والحكم بالغائية وليد التجربة والاستدلال. والحكمان ذاتيان، ليس لهما قيمة موضوعية، ولكنهما صادران بموجب تركيب الفكر، وبخاصة حين ننظر إلى عالم الأحياء. الغائية تكمل الآلية، وهي الواسطة بين العلم الآلي والإيمان بالإله الخالق الذي هدتنا إليه الأخلاق، وأداة الوصل بين الطبيعة والحرية. د- وكان الجدل حول الدين شديدًا، فضلًا عما للدين في ذاته من أهمية لدى الفيلسوف، فحرر كنط كتابًا بعنوان "الدين في حدود العقل الخالص" " ١٧٩٣ " يرجع فيه الدين إلى مجرد عاطفة، ويؤَوّل العقائد تأويلًا رمزيًّا، كما

стр. 211

يريد المذهب التقوي الذي نشأ عليه، وكان هو انقطع منذ زمن طويل عن الاختلاف إلى الكنائس وعن كل عبادة خارجية. فلما ظهر الكتاب وجهت إلى المؤلف رسالة ملكية تعرب عن عدم رضا الملك لرؤيته يشوه في ذلك الكتاب, وفي رسائل أخرى بعض العقائد الجوهرية في المسيحية أو يحط من قدرها، وتطلب منه الكفّ عن نشر مثل هذه الأضاليل أو عرض نفسه لإجراءات صارمة. فأجاب بأن موقفه الفلسفي يحترم المسيحية، وتعهد بعدم الكتابة أو التعليم في الدين بصفته "تابعًا جد أمين لجلالة الملك". وقال فيما بعد: إنه تعمد وضع هذا التحفظ؛ لأنه أراد أن يؤقت تعهده بحياة الملك. وبالفعل عاد إلى الكتابة في المسائل الدينية بعد وفاة الملك. هـ- ورأى كنط أن يدل على كيفية تنظيم العلم والعمل، أي: أن يكمل فلسفته النقدية بميتافيزيقا، إذ إن النقد لا يعني إلغاء الميتافيزيقا, بل التمهيد لها باعتبارها علمًا كليًّا للتجربة, لا كالميتافيزيقا القديمة التي تدور على معانٍ جوفاء مقطوعة الصلة بالتجربة. ولما كان العقل مشرعًا على نحوين: أحدهما بالفهم في ميدان الطبيعة، والآخر بالإرادة في ميدان الحرية، كانت الميتافيزيقا على نوعين: ميتافيزيقا الطبيعة أو فلسفة العلوم الطبيعية, وميتافيزيقا الأخلاق العملية. فمن الوجهة الأولى وضع "المبادئ الميتافيزيقية للعلم الطبيعي" أي: خصائص المادة وقوانين الحركة، و"الانتقال من المبادئ الميتافيزيقية للعلم الطبيعي إلى الفيزيقا" أي: إلى الظواهر الطبيعية. ومن الوجهة الثانية نشر "رسالة في السلام الدائم" " ١٧٩٥ " ثم "ميتافيزيقا الأخلاق" " ١٧٩٧ " في جزأين: الأول عنوانه "المبادئ الميتافيزيقية الأولى لمذهب الحق" وعنوان الثاني "المبادئ الميتافيزيقية الأولى لمذهب الفضيلة" وهما يتناولان تطبيق الكليات في الجزئيات وليس فيهما شيء يعتبر جديدًا، بل هما ينمان عن ضعف الشيخوخة. ووفي الواقع شعر كنط في السنة التي ظهر فيها كتابه الأخير بانحطاط قواه العقلية، فاعتزل التعليم بالجامعة بعد أن زاوله نيفًا وأربعين سنة، محاضرًا أثناءها في شتى العلوم، فضلًا عن علوم الفلسفة، مثل القانون والتربية وعلم الإنسان والجغرافيا الطبيعية والميكانيكا والرياضيات والمعادن, مؤلفًا في كل ذلك كتبًا ومقالات. فقد كان متوفرًا بكليته على العلم؛ لم يتزوج، ولم يكن له مع أقرب

стр. 212

أقربائه سوى علاقات متباعدة، وإن كان يحلو له الاجتماع بالأصدقاء حول مائدة الطعام، وبغير الجامعيين منهم على الخصوص، والتبسط معهم في أحاديث الأسفار والأدب والاقتصاد، فيفيد منهم معارف لم يكن يصادفها بنفسه. وأخذت حالته الجسمية والعقلية تسوء بمر الزمن, حتى فقد البصر والذاكرة. ولما حضرته الوفاة كانت كلمته الأخيرة قوله: "حسنًا".

стр. 213

الفصل الثاني: نقد العقل النظري ٩٧ - المسألة النقدية: أ- ما قيمة معارفنا؟ أو ما النسبة بين معارفنا وبين الوجود؟ تلك هي المسألة المركزية في الفلسفة، والتي يتعين حلها بادئ ذي بدء. لا يرى كنط أن نقد المعرفة يبدأ بالشك المطلق كما هو الحال عند ديكارت. فإن لدينا علمين قائمين لا تختلف فيهما العقول هما: الرياضي والطبيعي، على حين أن ثالث العلوم النظرية، وهو ما بعد الطبيعة، موضع خلاف متصل ولو أن في العقل استعدادًا طبيعيًّا له يدفعه إليه دفعًا. وعلى ذلك يكفي أن نتبين السبب في إمكان العلم الرياضي والعلم الطبيعي، أو شرائط العلم الحق، فيبين لنا في نفس الوقت سبب استحالة الحصول على معرفة ميتافيزيقية، ولعلنا نجد بعد ذلك تفسيرًا للاستعداد الطبيعي للميتافيزيقا في غير الناحية النظرية، أي: في الناحية الخلقية. ولما كانت المعرفة الحقة تقوم في الحكم، وهو الفعل العقلي الذي يحتمل الصدق أو الكذب, بينما المفردات ليست معرفة بمعنى الكلمة ولا تحتمل صدقًا أو كذبًا، كان الواجب علينا أن نستعرض مختلف أحكامنا لنتبين نوع الحكم الذي يعتمد عليه العلم، وننظر في خاصيته وطريقة تأليفه؛ وبذا نكون قد حللنا المسألة. ب- الأحكام نوعان: أحكام تحليلية وأحكام تركيبية. الأحكام التحليلية هي التي محمولها مستخرج من مفهوم موضوعها، كقولنا: الجسم ممتد، أو: الكل أعظم من الجزء، أي: إنها التي تحلل مفهوم الموضوع إلى العناصر المتضمنة فيه, ثم ترد إليه هذه العناصر بالإضافة. لذا كانت أحكامًا أولية أو قبلية a priori مركبة بدون معونة التجربة، وكانت كلية ضرورية كمبدأ الذاتية الذي تعتمد عليه، وهو المبدأ القائل: إن كل ماهية فهي ما هي. ولكن هذه الأحكام تفسيرية بحتة، لا يزيدنا محمولها معرفة بالموضوع، فلا جدوى منها ولا فائدة لها في إقامة العلم. والأحكام التركيبية هي التي يزيد محمولها شيئًا جديدًا على الموضوع، فتوسع

стр. 214

معرفتنا بالموضوع. وهي نوعان: أحدهما أحكام تركيبية ذاتية، أو أحكام إحساس مثل قولي: الشمس تسطع وهذا الحجر يسخن، أو: السكر حلو "أعني: في مذاقي"، أو: أحمل جسمًا وأحس ثقلًا؛ هذه أحكام تعبر عن حالة شعورية. فقيمتها ذاتية لا تضطرني إلى اصطناعها دائمًا، ولا تضطر غيري إلى تصديقها؛ لأن الحكم هنا عبارة عن وضع نسبة بين إحساسين في الحال الراهن. والنوع الآخر أحكام موضوعية أو أحكام تجربة، وهي تعبر عن علاقة ضرورية كلية بين الموضوع والمحمول، فلها قيمة بالنسبة إليهما معتبرين في نفسهما مستقلين عن الشخص الذي يحسهما، أي: إن لها قيمة موضوعية، ولفظ "موضوعي" يعني في لغة كنط ما كان له قيمة كلية مستقلة عن الشخص بما هو شخص، مثل قولي: ضوء الشمس يسخن الحجر، أو: الجسم ثقيل, فإن قصدي هنا أن ضوء الشمس علة سخونة الحجر، وأن هذا حق ولو لم أحس هاتين الظاهرتين ولم أوقع النسبة بينهما. وجميع أحكامنا ذاتية أولًا تترجم عن شعورنا وتخضع لقانون التداعي، ثم يصير بعضها موضوعيا. والأحكام التي من هذا النوع الأخير أولية كالأحكام التحليلية مع كونها تركيبية، فإنها صادقة دائمًا بالنسبة إليَّ وإلى أي شخص آخر، ولا تتوقف على عدد التجارب ولا على حالة الشخص الذاتية؛ وهذه الأحكام هي التي تتألف منها العلوم. فالمسألة النقدية تعود إلى هذا: ما السبب في إمكان الأحكام التركيبية الأولية، مع العلم بأن الموضوع والمحمول مستفادان من التجربة، وأن التجربة جزئية متغيرة، وأننا بالرغم من هذا نعتقد بضرورة الحكم وكليته. أجل, إننا حاصلون على هذا الاعتقاد، وليس يكفي لتفسيره قول لوك وهيوم: إن الرباط بين الظواهر ذهني فحسب، وإن العادة التي تتكون بتكرار التجربة هي التي تجعلنا ننقل الضرورة الذاتية إلى ضرورة موضوعية؛ ليس يكفي هذا القول لأن شأنه، وقد كشف لنا عن أصل هذا الرباط، أن يبدد اعتقادنا بموضوعيته، وهو لا يبدده. فالمطلوب وضع نظرية جديدة في الموضوعية باعتبارها رباطًا كليًّا ضروريًّا بين محمول وموضوع متباينين مستفادين من التجربة, وكان هيوم قد قال: إن مثل هذا الرباط أمر غير معقول. ج- لنبين قبل ذلك أن العلوم تتألف من أحكام تركيبية أولية. وليكن الحكم الآتي مثالا على أحكام الهندسة: "الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين".

стр. 215

فالمحمول هنا "وهو "أقرب مسافة"" ليس متضمنًا في الموضوع "الذي هو "الخط المستقيم"" ولكنهما متخارجان, يرجع الموضوع إلى الكيفية، فإن الاستقامة صفة للخط، ويرجع المحمول إلى الكمية والإضافة؛ ومع ذلك فالنسبة بينهما ضرورية كلية، أي: إن هذا الحكم تركيبي أولي. وليكن الحكم الآتي مثالا على أحكام الحساب: ٧ + ٥ = ١٢ , فلا فكرة ٧ ولا فكرة ٥ تتضمنان فكرة ١٢. وليكن الحكمان الآتيان مثالين على أحكام العلم الطبيعي: أحدهما أنه في جميع تغيرات العالم المادي تظل كمية المادة بدون تغير, فإن معنى المادة لا يتضمن معنى عدم تغير الكمية، والحكم الآخر أنه في كل حركة الفعل والانفعال متساويان, فليس يتضمن معنى الحركة معنى المساوة بين الفعل والانفعال. د- كيف نحصل على مثل هذه الأحكام؟ أما الأحكام الرياضية فإن خاصيتها التركيبية آتية من تصوير حدودها في المخيلة، فإني أحصل على الخط المستقيم وعلى النقطتين بفعل الخيال، وأحصل على عدد ١٢ بإضافة الواحد خمس مرات إلى عدد ٧. وأما الأحكام الطبيعية فإن خاصيتها التركيبية آتية من كون حدودها ظواهر مدركة بالحس. أما صفة الأولية في هذين النوعين من الأحكام فآتية من كون الفكر حاصلًا على معانٍ رابطة يطبقها على الحدود. فإذا نظرنا في الأحكام الميتافيزيقية وجدنا حدودها، وهي: العالم في جملته والنفس والله، غير محسوسة ولا متخيلة كما هو معلوم، ولا معقولة كما سيتضح فيما بعد؛ فهي أحكام تركيبية أولية، ولكن التركيب فيها ظاهري فقط، هو تركيب معانٍ صِرْفة لا تعتمد على مادة في الحس أو في الخيال, فهي لذلك لا تتصف بالموضوعية ولا تستحق أن تدعى علمًا. هـ- فالمعرفة بمعنى الكلمة تتألف من عنصرين: مادة وصورة، بحيث لا توجد المادة في الفكر بدون صورة، وبحيث لا يكون للصورة في نفسها أي معنى؛ لأن وظيفتها الاتحاد بالمادة. المادة موضوع الحدس الحسي، وليس لنا من حدس سواه؛ والصورة رابطة في الفكر تسمح بتركيب حكم كلي ضروري؛ لأنها هي أولية. هناك إذن مادة للفكر أو وجود خارجي, وكنط لا يتابع التصورية المطلقة في إنكار هذا الوجود أو التشكك فيه، وإن يكن مذهبه يمنع من القول به كما سنرى. كان بعضهم قد عزا إليه أنه تصوري مطلق بعد ظهور الطبعة الأولى
следующие страницы →