← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المر، يكفي أن ندرك معنيي الحلو والمر فنرى فورًا عدم الملاءمة بينهما دون التجاء إلى المبدأ القائل: "يمتنع أن يكون شيء غير نفسه". كذلك ليست المبادئ العملية غريزية, إن هذه المبادئ، من أخلاقية وقانونية، تختلف من شعب إلى شعب ومن دين إلى دين؛ وإجماع فريق كبير من الناس على مبدأ ما دليل على أن المبدأ المقابل له ليس غريزيا، وما الضمير إلا "رأينا فيما نفعل" ولو كان الضمير دليلًا على وجود مبادئ غريزية لكانت هناك مبادئ غريزية مختلفة متعارضة من حيث إن كلا يصدر في فعله عن مبدأ. أليس المتوحشون يقترفون الكبائر ولا يبكتهم ضميرهم؟ وليس يعني هذا أن المبادئ الأخلاقية عرفية، كلا، إنها طبيعية، ولكنها مكتسبة، نتقبلها من بيئتنا ونألفها فتبدو غريزية "م ١ ف ٢ ". ويقول أصحاب المذهب الغريزي، ردا على الاعتراض بأن الأطفال والبله وجمهرة الأميين يجهلون هذه المبادئ جهلًا تامًّا: إن من الممكن أن تكون المعاني والمبادئ في النفس دون أن تكون مدركة, ولكن كيف تكون هذه المعاني والمبادئ غير مدركة؟ إن وجود المعنى في النفس هو إدراكه؛ فقولهم يرجع إلى أن المعاني موجودة في النفس وغير موجودة فيها، كأنهم يقولون: إن الإنسان جائع دائمًا ولكنه لا يحس الجوع دائمًا. فواضح من هذا أن لوك لا يريد أن يعترف بالوجود بالقوة وباللاشعور، مع أن الذاكرة دليل ساطع عليهما. ج- متى بطل المذهب الغريزي وجب تفسير آخر للمعرفة. والحق عند لوك أن النفس في الأصل كلوح مصقول لم ينقش فيه شيء، وأن التجربة هي التي تنقش فيها المعاني والمبادئ جميعًا. والتجربة نوعان: تجربة ظاهرة واقعة على الأشياء الخارجية، أي: إحساس؛ وتجربة باطنة واقعة على أحوالنا النفسية، أي: تفكير "ولوك يفضل لفظ تفكير على لفظ شعور". وليس هناك مصدر آخر لمعانٍ أخرى "م ٢ ف ١ ". ودراسة اللغة تؤيد هذا الرأي؛ فإن الألفاظ في الأصل تدل على جزئيات مادية، ثم نقلت بالتدريج على ضربين: أحدهما من الجزئيات إلى الكليات بملاحظة التشابه وإسقاط الأعراض الذاتية، والضرب الآخر من الماديات إلى الروحيات بالتشبيه والمجاز. فألفاظ التخيل والإحاطة والتعلق والتصور والاضطراب والهدوء وما إليها، أخذت أولًا من الماديات، ولفظ

стр. 142

النفس معناه الأصلي النفس، وهكذا، بحيث "لا يوجد في العقل شيء إلا وقد سبق وجوده في الحس" "م ٢ ف ٢ ". وإن لوك لعلى حق في قوله هذا، وليس في وسع الغريزيين أن يدلونا على معنى واحد من معاني المجردات والروحيات مطابق لموضوعه, ومسمى رأسًا من موضوعه. وإذا أضفنا إلى هذه العبارة المشهورة ما أضافه ليبنتز بقوله: "إلا العقل نفسه" أصبنا الحقيقة الكاملة في المعرفة الإنسانية, ولكن لوك لا يقبل هذه الإضافة, ويزعم أن المعرفة كلها تفسر بالحس وحده على النحو الآتي: د- معانينا طائفتان: معانٍ بسيطة مكتسبة بالتجربتين الظاهرة والباطنة، ومعانٍ مركبة ترجع إلى التفكير, أما المعاني البسيطة فطوائف ثلاث: أولاها المعاني المحسوسة بالحواس الظاهرة، مثل قولنا: بارد صلب أملس خشن مر امتداد شكل حركة؛ والطائفة الثانية المعاني المدركة باطنًا، وهي التي ترجع إلى الذاكرة والانتباه والإرادة؛ والطائفة الثالثة المعاني المحسوسة والمعاني المدركة باطنًا معًا، مثل معاني الوجود والوحدة والدوام والعدد واللذة والألم والقدرة "م ٢ ف ٧ ". اللذة والألم يصاحبان جميع معانينا الظاهرة والباطنة تقريبًا؛ والوجود والوحدة معنيان يمكن أن يثيرهما فينا كل إحساس خارجي وكل فكرة نفسية؛ والدوام معنى ينشأ من ملاحظة الزمن الذي يقضي بين معانينا في تعاقبها؛ وينشأ معنى العدد من تكرار الوحدة؛ ونشعر بالقدرة حين نفعل، وما الفعل الحر إلا الفعل نفسه، فإذا لم نقدر على الفعل لم نكن أحرارًا، إذ لا معنى للاعتقاد بالقدرة دون الفعل، وما اعتقادنا بالحرية إلا اعتقاد بإمكان تكرار فعل سابق لمجرد كون هذا الفعل قد سبق. وهكذا تفسر جميع المعاني التي من هذا القبيل، فإن النفس في إدراكها منفعلة تسجل الواقع. هـ- أما المعاني المركبة فالنفس فيها فاعلة؛ إذ إنها هي التي تصنعها. وهذه المعاني طائفتان: طائفة تؤلف فيها النفس المعاني البسيطة في معنى شيء واحد، مثل معنى الذهب أو معنى الإنسان، وطائفة تؤلف فيها النفس المعاني البسيطة بحيث تمثل مع ذلك أشياء متمايزة، مثل معاني الإضافة بالإجمال، كمعنى البنوة يجمع بين معنى الابن ومعنى الأب؛ وكمعنى العلة يجمع بين معنى شيء موجد ومعنى شيء موجد منه، والأصل في هذا أن تعاقب الظواهر يخلق بينها علاقات

стр. 143

في الذهن تحملنا على اعتقاد أنه إذا وضعت ظواهر معينة وقعت ظواهر معينة، ولكن هذا الاعتقاد ذاتي بحت، وليس للعلية من معنى سوى هذا التوقع الذتي، وكمعنى اللامتناهي، سواء أضيف لله أو للزمان أو للمكان، فقد ظنه ديكارت بسيطًا وهو مركب مكتسب بإضافة الكمية المحدودة المعلومة بالتجربة إلى مثلها وهكذا إلى غير نهاية؛ وكمعنى التشابه، ومعنى التغاير ... إلخ "م ٢ ف ١٢ ". والطائفة الأولى تنقسم بدورها إلى قسمين: قسم يشمل معاني الأعراض, وهي معاني الأشياء لا تتقوم بأنفسها, كالمثلث أو العدد, وقسم يشمل معاني الجوهر، وهي معاني أشياء تتقوم بأنفسها، كالإنسان. وتنقسم الأعراض إلى أعراض بسيطة، وهي المركبة من معنى بسيط واحد مع نفسه، كالعدد المركب من تكرار الوحدة، والمكان والزمان المركبين من أجزاء متجانسة؛ وإلى أعراض مختلطة، وهي المركبة من معان بسيطة متنوعة, مثل معنى الجمال المركب من لون وشكل يحدثان سرورًا في الرائى، ومعاني القتل والواجب والصداقة والكذب والرياء. ووللتركيب ثلاث طرائق: المضاهاة والجمع والتجريد. أما المضاهاة فتكون المعاني المندرجة تحت اسم الإضافة, وأما الجمع فهو التأليف بين المعاني البسيطة, وأخيرًا التجريد وهو الانتباه إلى الخصائص المشتركة بين الجزئيات وفصلها عن الخصائص الذاتية لكل جزئي، فنحصل على معانٍ كلية ندل على كل منها بلفظ واحد يغنينا عن ألفاظ لا تحصى للدلالة على كل جزئي، كما يغنينا عن حفظ صور الجزئيات وهي لا تحصى كذلك "م ٣ ف ٦ و ٧ ". فالمعنى الكلي معنى ناقص يحتوي على بعض خصائص الشيء دون بعض، وكلما كان أكثر كلية كان أكثر نقصًا. فمعنى الجنس جزء من معنى النوع، ومعنى النوع جزء من معنى الفرد, فالمعنى الكلي من صنع الفكر لا يقابله في الخارج "صورة" ثابتة كما يظن المدرسيون "م ٣ ف ١١ ". أجل, إن الطبيعة تحدث أشياء متشابهة، والفكر يكون معانيه الكلية بمناسبة المشابهات، ولكن المعاني الكلية خلاصات لما نعرف من كيفيات الأشياء، فكلما تغيرت المعرفة تغيرت الأنواع "م ٣ ف ٦ " والأشياء خاضعة للتغير، فكلما تغيرت الأنواع تغيرت المعرفة.

стр. 144

٦٠ - الفكر والوجود: أ- بعد هذا التحليل تأتي مسألة قيمة المعرفة: هل لمعانينا مقابل في الوجود؟ وهل توجد جواهر مقابلة للظواهر؟ يقول لوك: "من البين أن الفكر لا يدرك الأشياء مباشرة، بل بوساطة ما لديه عنها من معانٍ, فكيف يعلم الفكر أن معانيه مطابقة للأشياء؟ " "م ٤ ف ٤ ". ونقول: بل كيف يعلم أن هناك أشياء؟ هذا موقف ورثه لوك عن ديكارت، ولكنه لم يقدر المسألة حق قدرها ولم يشك قط في وجود عالم خارجي، وبعد أن وضع الحقيقة في صحة لزوم العلاقات بين المعاني بالاستدلال، عاد فجعل الحقيقة في المطابقة بين المعاني والأشياء. والمراد المعاني البسيطة؛ لأن المعاني المركبة عبارة عن نماذج يصنعها الفكر ويتأملها كما تقدم. وبعد أن نقد معنى الجوهر عاد فقال بوجود جواهر غير مدركة في أنفسها هي: النفس والله والمادة. ونقده للجوهر يرجع إلى أنه معنى مركب؛ ذلك أن الفكر يلاحظ تلازم معان بسيطة مكتسبة بحواس مختلفة، فيعتاد اعتبار هذا المجموع شيئًا واحدًا، ويطلق عليه اسمًا واحدًا كالإنسان والفرس والشجرة، ويتوهم أن هناك أصلا تقوم فيه الكيفيات؛ لأنه لا يدرك كيف يمكن لهذه المعاني البسيطة أو الكيفيات أن تقوم بأنفسها "م ٢ ف ٢٣ ". وهذا يعني أن لوك يظن القائلين بالجوهر يريدون به موضوعًا عاطلًا من الكيفيات مخفيًّا تحتها، والواقع أن الكيفيات عندهم كيفيات الموضوع وأن التمييز بينه وبينها تمييز ذهني له أصل في حقيقة الأشياء هو أن الأشياء تتقلد كيفيات مختلفة مع بقائها هي هي بالماهية. على أن لوك يعتقد بوجود الجوهر كما ذكرنا، ويقول: لو استطعنا إدراكها لأدركنا ائتلاف الكيفيات، ولكننا لا نستطيع لأن معرفتنا مقصورة على الإحساس والتفكير. ب- فالنفس مجموع معانٍ بسيطة مدركة بالتفكير، والأنا هو هذا الشيء المفكر المدرك لأفعاله، ووجوده موضوع حدس باطن لا يتطرق إليه شك ولا يحتاج إلى دليل, وجهلنا بجوهر النفس لا يخولنا الحق في إنكار وجودها. بيد أن لوك لا يريد أن يقول: إن "الذاتية الشخصية" تقوم في ذاتية النفس أي: بقائها هي هي، ولكنه يردها إلى ذاتية الشعور بالأنا الذي يتذكر

стр. 145

الآن فعلًا ماضيًا "م ٢ ف ٢٧ ". غير أن هذا وصف لشعورنا بالشخصية، وليس تفسيرًا لإمكان الذاكرة والشخصية. أليس التذكر يستلزم بقاء الأنا الذي يتذكر هو هو؟ هذه مسألة يراها لوك مجاوزة لدائرة التجربة البحتة, فلا يريد أن يعرض لها. كذلك يفعل في مسألة ما إذا كان الأنا روحيًّا أو ماديًّا، بسيطًا أو مركبًا، وهذه مسألة تقتضي حل مسألة أخرى هي ما إذا كانت المادة تستطيع أن تفكر أو لا تستطيع، ولا سبيل إلى حلها لأننا نجهل جوهر المادة كما نجهل جوهر النفس. فليس بوسعنا أن نتأكد إن كانت قوة التفكير تلائم طبيعة المادة أو لا تلائمها، وقد يكون الله كون جسمًا ما بحيث يقدر أن يفكر ونحن لا ندري. ج- والله موجود، ولكن ماهيته مجهولة لا يستطيع عقلنا أن يعينها. ولسنا نؤمن بوجود الله بناء على معنى غريزي، بل بناء على برهان. إن المعنى الغريزي معدوم بالمرة عند الذين يقولون: إنهم ملحدون، وعند بعض القبائل المتوحشة وهو إن وجد عند العامة, فإنه مشبع بالتشبيه ولا يطابق حقيقة الله. فلو كان في النفس معنى غريزي عن الله لآمن بالله جميع الناس وتعقلوه كما هو, وليس بصحيح أن معنى اللانهاية سابق على معنى النهاية كما يدعي ديكارت، وإنما اللانهاية معنى معدول، ونحن نتصور لانهاية الله عددًا غير محدود من أفعال الله بالإضافة إلى العالم، ونتصور سرمدية الله زمانًا غير محدود، أي: إن تصورنا اللانهاية ليس تصور لانهاية متحققة بالفعل، وإنما هو تصور تدرج لانهاية له، وإن كانت اللانهاية الإلهية في ذاتها شيئًا آخر يفوق تصورنا وكفايتنا المحدودة. أما البرهان على وجود الله فهو أن الموجود الحادث الذي هو أنا يستلزم موجودًا سرمديًّا كلي القدرة، وعاقلًا أيضًا من حيث إنه خلق في العقل، وخالق المادة من حيث إنه خلق نفسي، وإن خلق المادة أيسر من خلق النفس. وهذا البرهان برهان على وجود الله وعلى ماهيته في آن واحد دون حاجة إلى معنى غريزي. ولكن لوك يعول على مبدأ العلية، وهو عنده مركب بفعل النفس غير موضوعي، ويتحدث عن العقل والمادة والنفس والسرمدية كما لو كان يدرك كنهها، وقد قرر أن عقلنا يجهل الكنه ولا يدرك سوى الظواهر, فهو يعود إلى فطرة العقل برغمه ودون أن يشعر.

стр. 146

د- والأجسام موجودة، وعلمنا بوجودها محقق عمليًّا وإن لم يكن في مثل يقين علمنا بذاتنا وبالله. يدل على وجودها أولًا أن الذهن لا يستطيع إحداث صورها من تلقاء نفسه، وكل فاقد حاسة فهو عاطل من المعاني المتعلقة بتلك الحاسة، كالأكمه فإنه عاطل من معاني الألوان ولا يتصورها إن أمكن وصفها له. ثانيًا أننا نميز المعنى الآتي من الحس والمعنى الآتي من الذاكرة، فالأول مفروض علينا والثاني تابع للإرادة تذكره أو لا تذكره، وإن ما يصاحب الأول من لذة أو ألم لا يصاحب الثاني. ثالثًا أن الحواس يؤيد بعضها بعضًا، فالذي يرى النار يستطيع أن يمسها إن شك في وجودها، وحينئذ يحس ألمًا لا يمكن أن يحس مثله لو كان إدراكه مجرد تصور "م ٤ ف ١١ ". على أن معانينا ليست صور الأشياء أو أشباهها، وإنما هي علامات دالة عليها، كما أن الألفاظ لا تشبه المعاني التي تقوم في النفس حال سماعها, ولكنها تدل عليها. إن جواهر الأجسام خافية علينا كل الخفاء، ولكنها بقوة أو كيفية فيها تثير فينا معاني هي عبارة عن انفعالنا بتأثيرها. والكيفيات: أولية وثانوية, الكيفيات الأولية هي الامتداد والشكل والصلابة والحركة, وهي واقعية موضوعية ملازمة للأشياء في جميع الأحوال وإن كانت لا تمثلها حق التمثيل، فإن فكرة الامتداد غامضة لا تفسر وحدة الجسم أو تماسك أجزائه، وهي متناقضة لتناقض الانقسام إلى غير نهاية. والكيفيات الثانوية هي اللون والصوت والطعم والرائحة والحرارة والبرودة وهي ليست للأجسام في أنفسها، وإنما هي انفعالاتها بتأثير الكيفيات الأولية في الحواس بحسب حجمها وشكلها وحركتها. فعلى كل حال نحن لا ندرك سوى انفعالنا بالأشياء، والجسم عبارة عن كيفيات مؤتلفة في تجربتنا. هـ- والخلاصة أن معرفتنا مقصورة على التجربة الظاهرة والباطنة، فيتعين على الفلسفة أن تقنع بما يدرك بالملاحظة والاستقراء فحسب، وأن تعدل عن المسائل الميتافيزيقية وعن المناهج العقلية. وتلك نتيجة المذهب الحسي الذي بعثه روسلان وجدده أوكام وهوبس وبيكون. وسيكون لهذه النتيجة ما بعدها؛ فإن لوك ما يزال يعتقد بفاعلية الذهن، ولكن سيأتي فلاسفة من الإنجليز بنوع خاص ينكرون هذه الفاعلية, ويفسرون الفكر كله بتداعي المعاني تداعيًا آليًّا، فيضمون المذهب الحسي إلى صورته القصوى.

стр. 147

٦١ - السياسة: أ- يعتبر لوك أحد مؤسسي المذهب الحري الجديد, فهو يعارض هوبس في تصويره الإنسان قوة غاشمة، وتصوره حال الطبيعة حال توحش يسود فيها قانون الأقوى، ويذهب إلى أن للإنسان حقوقًا مطلقة لا يخلقها المجتمع، وأن حال الطبيعة تقوم في الحرية، أي: إن العلاقة الطبيعية بين الناس علاقة كائن حر بكائن حر تؤدي إلى المساواة. العلاقات الطبيعية باقية بغض النظر عن العرف الاجتماعي، وهي تقيم بين الناس مجتمعًا طبيعيًّا سابقًا على المجتمع المدني، وقانونًا طبيعيًّا سابقًا على القانون المدني. وعلى ذلك ليس للناس بالطبع حق في كل شيء كما يزعم هوبس، ولكن حقهم ينحصر في تنمية حريتهم والدفاع عنها وعن كل ما يلزم منها من حقوق، مثل حق الملكية وحق الحرية الشخصية وحق الدفاع عنهما. ب- أما حق الملكية فإنه حق طبيعي يقوم على العمل ومقدار العمل, لا على الحيازة أو القانون الوضعي، وليس لأحد حق فيما يكسبه المرء بتعبه ومهارته, ولا تصير الحيازة حقا إلا إذا استلزمت العمل. على أن حق الملكية خاضع لشرطين؛ الأول أن الملك لا يدع ملكيته تتلف أو تهلك؛ والثاني أن يدع للآخرين ما يكفيهم فإن هذا حق لهم. فحرية العمل هي المبدأ الذي يسوغ الملكية والمبدأ الذي يحدها، إذ يجب أن تبقى حرية العمل مكفولة دائمًا للجميع. ج- وأما الحرية الشخصية فمعناها أن ليس هناك سيادة طبيعية لأحد على آخر. إن سلطة الأب أعطيت له لكي يربي الابن ويجعل منه إنسانا أي كائنًا حرًّا، فهي واجب طبيعي أكثر منها سلطة، وهي مؤقتة ولا تشبه في شيء سلطة السيد على العبد، وتفقد بسوء الاستعمال والتقصير. والسلطة السياسية تراض مشترك وعقد إرادي؛ وذلك لأن أعضاء المجتمع متساوون عقلا وحرية, بخلاف الحال في علاقة الآباء والأبناء. فأساس الاجتماع الحرية، والغرض من العقد الاجتماعي صيانة الحقوق الطبيعية، لا محوها لمصلحة الحاكم كما يزعم هوبس؛ فلا يستطيع الأعضاء أن ينزلوا إلا عما يتنافر من حقوقهم مع حال الاجتماع، وذلك هو حق الاقتصاص. فالسلطة المدنية قضائية في جوهرها؛

стр. 148

لذا لم تكن السلطة المطلقة الغاشمة مشروعة، خلافًا لما يدعي هوبس؛ الحق أنها ليست شكلًا من أشكال الحكومة المدنية، وإنما هي محض استعباد, والملك المستبد خائن للعهد، والشعب في حل من خلع نيره. د- ويجب الفصل بين الدولة والكنيسة. إن هدف الدولة الحياة الأرضية، وهدف الكنيسة الحياة السماوية. نحن إذ نولد ملك الوطن لا ملك الكنيسة ولا ندخل فيها إلا طوعًا. ولما كان المجتمع المدني غير قائم على مصالح الكنيسة فليس للدولة أن تراعي العقيدة الدينية في التشريع، ولا محل للقول بدولة مسيحية. مبدأ الدولة أن لكل أن يستمتع بجميع ما يعترف به للغير من حقوق، فيجب على الدولة أن تجيز جميع أنواع العبادة الخارجية، وتدع الكنيسة تحكم نفسها بنفسها فيما يتعلق بالعقيدة والعبادة وفقًا للقوانين العامة، فتسود الحرية جميع نواحي المجتمع المدني. هـ- تلك هي الآراء البارزة في كتب لوك السياسية, وسيكون لها ولآرائه في المعرفة أكبر الأثر على القرن الثامن عشر في إنجلترا وفرنسا، فيشيع المذهب الحسي ويشيع المذهب الحري في الدين والسياسة والتربية.

стр. 149

الباب الثالث: تحليل ونقد القرن السامن عشر مدخل ... الباب الثالث: تحليل ونقد "القرن الثامن عشر" ٦٢ - تمهيد: أ- أظهر ما يبدو للناظر في فلاسفة القرن الثامن عشر اشتراكهم في التحليل والنقد؛ تحليل المعرفة ونقد العقل والدين والنظم الاجتماعية والسياسية. فأما نقد العقل فيستند إلى المذهب التصوري من جهة، وإلى المذهب الحسي من جهة أخرى. مبدأ المذهب التصوري أننا لا ندرك سوى أفكارنا، فيبقى كل ما عدا الأفكار موضع بحث كما كان عند ديكارت والذين جاءوا بعده. ومبدأ المذهب الحسي أن لا قيمة للمعاني المجردة، فينتج أن لا قيمة لما بعد الطبيعة. وكان نيوتن قد عرض علمًا خالصًا من الميتافيزيقا, فأعجب به كثيرون واتخذوا منه ومن الحسية دعامتين أقاموا عليهما المادية، وصنعوا بديكارت مثل ما صنع هو بأرسطو فبددوا آراءه الفلسفية والعلمية جميعًا. وأما نقد الدين فيصدر عن المواقف السابقة، وقد كثرت الكتب الباحثة في الدين الطبيعي خلال القرن. وأما نقد النظم الاجتماعية والسياسية فتابع للمواقف السابقة كذلك, وللنزوع العام إلى الحرية. ب- والفلاسفة كثيرون في هذا القرن؛ لذا رأينا أن نقسم هذا الباب إلى ثلاث مقالات: تتناول المقالة الأولى الفلسفة في إنجلترا، وتتناول الثانية الفلسفة في فرنسا, وتعرض الثالثة مذهب كانت وهو فيلسوف ألمانيا الأكبر، وهو وحده في عصره يضارع كبار فلاسفة القرن السابق؛ أما سائر معاصريه فنلاحظ فيهم انحطاطًا فلسفيًّا واضحًا. نلاحظ أفكارًا ساذجة في أسلوب سهل قليل الاصطلاحات, أقرب إلى الأدب منه إلى الفلسفة.

стр. 150

المقالة الأولى: الفلسفة في إنجلترا الفصل الأول: الفلسفة الطبيعية ٦٣ - إيزاك نيوتن " ١٦٤٢ - ١٧٢٧ ": أ- هو العالم الشهير خريج جامعة كمبردج والأستاذ بها. أهم كتبه: المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية " ١٦٨٧ " والبصريات " ١٧٠٤ ". كان لمنهجه العلمي ولمكتشفاته أثر في الفلسفة, وكانت له فلسفة خاصة تركت هي أيضًا أثرًا. جاء اكتشافه للجاذبية مؤيدًا للمذهب الآلي وموطدًا للثقة في المنهج الرياضي، فقد دل على مبدأ يفسر تماسك أجزاء الطبيعة، ووضع قانونا كليا استخرج منه بالقياس نتائج متفقة مع التجربة. على أنه إذ يقول بالجاذبية يعلن أنه لا يزعم بهذه التسمية تعيين طبيعة القوة التي تقرب جسمًا من جسم أكبر؛ وهذه نقطة جديرة بالملاحظة، فإنها تعني أن العلم الآلي يلتقي مع الظواهر ولكنه لا يدعي تفسيرها. ب- ومنهجه الرياضي يحدوه إلى القول بمكان مطلق, وزمان مطلق كاللذين تتخيلهما المخيلة وتعول عليهما الرياضيات. والإطلاق صفة من صفات الله، فالمكان المطلق هو الواسطة التي يتجلى بها حضور الله في كل مكان ويعلم أحوال الموجودات، والزمان المطلق هو أبدية الله؛ وبذا يجعل نيوتن من المكان والزمان شيئين ثابتين. وهو يبرهن على وجود الله من ناحية أخرى هي الغائية البادية في نظام العالم وجماله، فيلاحظ أن الطبيعة لا تفعل شيئًا عبثًا، وأنها تتخذ دائمًا أبسط الطرق، وأن نظامنا الشمسي لا يفسر بقوانين آلية، بل بقوة فائقة للطبيعة رتبت لكل جرم سماوي حجمه وثقله وسرعته، ورتبت المسافات بين مختلف الأجرام، وجعلت السيارات تدور بدل أن تخضع

стр. 151

للثقل وتسقط على الشمس. يضاف إلى ذلك ما يشاهد من نظام عجيب في الكائنات الحية وأعضائها، وغرائز الحيوان الأعجم منها. فلم يكن نيوتن ماديا ولم يستخدم الآلية إلا لربط الظواهر في نظام علمي. ٦٤ - جون تولاند " ١٦٧٠ - ١٧٢١ ": أ- هو من أوائل دعاة المادية في إنجلترا في هذا القرن، ومن "أحرار الفكر" المتحمسين. نشر آراءه في "رسائل إلى سرينا" "يريد الملكة صوفيا شارلوت البروسية، وكان قد أقام لديها في سنتي ١٧٠١ و ١٧٠٢، وتعرف هناك إلى ليبنتز" وقد ألحق بهذه الرسائل "ردا على سبينوزا" ومقالا في "الحركة باعتبارها خاصية جوهرية للمادة" " ١٧٠٤ "؛ ثم في كتابه "وحدة الوجود" " ١٧١٠ ". ب- وهو يذهب إلى أن المادة جوهر فاعل حي، وليست جوهرًا ساكنًا قابلًا للحركة من خارج كما تصورها ديكارت، وأن السكون لا يوجد إلا بالإضافة إلى الحواس، فلا حاجة لافتراض النفس، سواء أكانت كلية أم جزئية, وبذلك يسقط المذهب الثنائي. والفكر وظيفة من وظائف المادة تقوم بها متى توفر لها التركيب المطلوب, مثل تركيب المخ؛ فالفكر وظيفة المخ كما أن الذوق وظيفة اللسان. وقد خلق الله المادة فاعلة، وهو يدبر حركات الطبيعة فيتحقق ما في الجمادات والأحياء من نظام. ومعنى هذه العبارة الأخيرة أن تولاند كان واحدًا من "الطبيعيين" المؤمنين بالله كصانع للعالم، المنكرين لعنايته وللوحي وللنفس وللآخرة! وكانوا كثيرين دعوا ١ deists. ٦٥ - ديفيد هارتلي " ١٧٠٤ - ١٧٥٧ ": أ- طبيب وعالم طبيعي, ويصرح في كتابه "ملاحظات على الإنسان" " ١٧٤٩ " أنه متأثر بنيوتن ولوك. ويذهب إلى مثل مذهب تولاند، مع فارق بسيط هو أنه يضع في الإنسان "نفسًا" هي جوهر جسمي متمايز من الدماغ

стр. 152

وهي التي تفكر بوساطة الدماغ؛ وما أهمية هذا التمييز ولم نخرج من دائرة المادة؟ ويرى هارتلي أن تأثير الدماغ في الفكر هو من الوضوح بحيث يدل دلالة قاطعة على أن الفرق بين المادة والفكر فرق بالدرجة لا بالطبيعة، وأنهما لو كانا متباينين، لما أمكن أن يتفاعلا. ويفسر الإحساس بأنه حركة المادة العصبية، أو اهتزاز أثيري من العضو إلى المركز المخي بوساطة الأعصاب الحاسة ويفسر الفكر بأنه حركة نفسية مقابلة للحركة العصبية، وإذا ما تكرر الاهتزاز الأثيري ترك أثرًا هو المعنى. وتقوم حياتنا الفكرية في تداعي المعاني، ويقوم هذا التداعي في ترابط الحركات العصبية أو الاهتزازات الأثيرية، ويرجع إلى قانوني التعاقب والتقارن فحسب، وليس التداعي بالتشابه قانونًا أصيلًا. وتفسر العواطف العليا بتداعي العواطف الدنيا, مثال ذلك: محبة الله، فإنها تنشأ جزئيا من دواعٍ أنانية، ولكن لما كان الله يعتبر علة الأشياء جميعا فإن تداعيات لا تحصى تجتمع في فكرة الله فتعظمها حتى تمحى بإزائها سائر الأفكار. فهذه النظرية تجعل من هارتلي أحد مؤسسي مذهب التداعي. ٦٦ - جوزيف بريستلي " ١٧٣٣ - ١٨٠٤ ": أ- هو مكتشف غاز الأكسجين، وكان لاهوتيًّا مؤمنًا بالله وبالمسيحية ولو أنه عارض عقيدة الثالوث، ومع ذلك انحاز إلى نظرية هارتلي, ولم يكن هذا الجمع بين الإيمان وبين المادية شاذا عند الماديين الإنجليز. وقد حشد بريستلي في كتابه "بحوث في المادة والروح" " ١٧٧٧ " أدلة الماديين المتقدمين والمتأخرين، وأضاف إليها أخرى من عنده، نذكر أهمها فيما يلي: ب- يقول: ١ - لو كانت النفس بسيطة لما كانت في الجسم الممتد في المكان. ٢ - إن نمو النفس مساوق لنمو الجسم تمام المساوقة، فهي تابعة له. ٣ - ليس لدينا معنى واحد إلا وقد جاء عن طريق الإحساس أي: عن طريق الجسم. ٤ - إن معاني الماديات كمعنى شجرة تنحل إلى أجزاء كالماديات أنفسها، فكيف يمكن أن توجد هذه المعاني في نفس غير منقسمة؟ ٥ - ما فائدة النفس من الجسم, ولم توجد فيه إذا كانت تستطيع أن تحس وتعقل, وتعمل مستقلة عنه؟

стр. 153

ومن هذه الاعتراضات وأمثالها ندرك أن بريستلي لم يفهم معنى النفس المتحدة بالجسم لكي تمنحه الوحدة وتعمل بوساطته. ج- على أنه يقر باستحالة تفسير شعورنا بالشخصية مع القول بالمادية، إذ إن هذا الشعور يعني الشعور بجملة الأجزاء مع قيام كل جزء برأسه، ويسلم بأن هذه الحجة أقوى حجج الروحيين. ولكنه يعود فيسألهم: كيف تؤلف كثرة المعاني والعواطف والإرادات وحدة الشخصية؟ ويزعم أن المادية والروحية سواء في هذه النقطة، أي: إن كلتيهما تركب الوحدة بالكثرة. لم يدرك الفارق العظيم بين كثرة مادية آحادها متخارجة، وكثرة معنوية آحادها أعراض أو أفعال لجوهر بسيط يستطيع لبساطته أن ينعكس على نفسه ويدرك وحدته. د- وبريستلي يسمي مذهبه بالمادية، ولكنه يعتقد أن ماهية المادة القوة، قوة جاذبة ودافعة، وأنه يجب تصور الذرات بمثابة "نقط قوة"، وأن الصلابة كيفية محسوسة لا تعبر عن ماهية المادة بل عن فعل هذه المادة في الحس. ٦٧ - إراسم دروين " ١٧٣١ - ١٨٠٢ ": طبيب وعالم طبيعي وشاعر وفيلسوف. اصطنع نظرية هارتلي، وذهب في كتابه "قوانين الحياة العضوية" " ١٧٩٤ " إلى أن الغرائز تتكون بالتجربة والتداعي بتأثير غريزة حب البقاء والملاءمة مع البيئة. ثم ذهب إلى أبعد من هارتلي فأكد أن الصفات المكتسبة بالطريقة المذكورة تنتقل بالوراثة.

стр. 154

الفصل الثاني: الفلسفة الخلقية والاجتماعية ٦٨ - لورد شفتسبري " ١٦٧١ - ١٧١٣ ": أ- المذاهب التي نجملها في هذا الفصل تؤلف موقفًا وسطًا بين مذهب الأنانية الذي يمثله هوبس، وبين المذهب العقلي الذي يريد أن يرجع الأخلاق إلى قواعد ثابتة، فإن أصحاب هذا الموقف الوسط يستهجنون الأنانية ويرون بينها وبين الأخلاق الصحيحة مسافة كبيرة، ولكن المذهب الحسي أضعف ثقتهم بالعقل، فلجئوا إلى العاطفة وطلبوا إليها أن تمدهم بأسس الأخلاق، وأولهم شفتسبري حفيد اللورد الذي عرفه لوك. ب- يذهب شفتسبري في كتابه "بحوث في الفضيلة" إلى أن ليس بصحيح أن الميل الأساسي في الإنسان هو محبة الذات؛ إن في الإنسان ميولا اجتماعية طبيعية، بل إن في الحيوان مثل هذه الميول، وهي في كل نوع موجهة لخير النوع، وهي صنع غاية تحقق بها النظام الكلي. لقد بدد هوبس معنى الأخلاق، وهدم لوك أساس الأخلاق بنقده للمعاني الغريزية واستبعاده كل غريزة طبيعية. ليس يمكن الادعاء أن معنى المحبة والعدالة مستمدان من التجربة وحدها أو من الدين وحده. إن هناك غريزة تربط الفرد بالنوع، فلم يعش الإنسان قط, ولا يستطيع أن يعيش متوحدًا. من الخطأ المعارضة بين حال الطبيعة وحال اجتماع, وإذا ما عدنا إلى أنفسنا وجدنا فينا عواطف لاإرادية، هي الإعجاب بالنبل والخير، واحتقار الخسة والخبث. وذلك هو الحس الخلقي, لدينا حس باطن قوامه محبة النظام والجمال، وهذا الحس يدرك الخير والشر في الأفعال إدراكًا بديهيًّا مما يدرك البصر الألوان في الأشياء. فإذا طاوعناه وجدنا الإيثار يحدث في النفس اغتباطًا لطيفًا بما نهيئه للغير من سعادة، فيتفق الإيثار والأثرة ولكنها أثرة يفوق الاغتباط بها الاغتباط باللذات الحسية العنيفة, ويكفل الأخذ بها النظام والتناسق في الحياة الفردية والحياة الاجتماعية في الوقت نفسه.

стр. 155

٦٩ - فرنسيس هاتشيسون " ١٦٩٤ - ١٧٤٧ ": نشر عدة كتب في الأخلاق، أهمها كتاب "الفحص عن أصل معنى الجمال والفضيلة" " ١٧٢٥ " وعين أستاذًا بجامعة جلاسكو في سنة ١٧٢٩. ويقتصر عمله على ترتيب آراء شفتسبري والتوسع في شرحها والتدليل عليها. وهو يذهب إلى أن لنا حسًّا للخير الخلقي، وأنه مع ذلك لا يغني عن العقل وعن التجربة؛ فالعقل يستنبط الوسائل لتحقيق غايات ذلك الحس، والتجربة تظهرنا على معلولات الأفعال وتعلمنا أن خير الأفعال ما عاد بأكبر سعادة على أكبر عدد من الناس. والحس الخلقي منحة من الله ودليل على حكمته السامية من حيث إن هذا الحس لا يقر إلا الأفعال النافعة للغير أو العائدة علينا بخير شخصي يتفق مع خير الغير, وهو حس أصيل لا يرجع إلى الدين ولا إلى النفع الاجتماعي؛ أما أنه لا يرجع إلى الدين، فالشاهد عليه ما نراه من بعض الناس الذين لا يعرفون الله ولا ينتظرون منه ثوابًا وهم حاصلون مع ذلك على معنى رفيع للشرف؛ وإذا استبعدنا الحس الخلقي ولم نعتبر سوى الجزاء الإلهي، كانت أفعالنا صادرة عن إغراء الثواب أو خوف العقاب لا عن الشعور بالواجب، وأما أن الحس الخلقي لا يرجع إلى اعتبار النفع الاجتماعي، فدليله أننا لا نقدر سوى الأفعال النزيهة، فنحتقر الخائن لوطنه ولو كان نافعًا لوطننا، ونكبر العدو الكريم. فالأخلاق قائمة بذاتها, مستقلة عن الدين والتجربة. ٧٠ - آدم سميث " ١٧٢٣ - ١٧٩٠ ": أ- أخذ عن هاتشيسون بجامعة جلاسكو، ثم قصد إلى أكسفورد، وفي سنة ١٧٥١ صار أستاذًا بجامعة جلاسكو. وكان تدريسه مؤلفًا من أربعة أقسام: اللاهوت الطبيعي، الأخلاق، الحق الطبيعي، الاقتصاد السياسي. وله كتابان مهمان: الأول "نظرية العواطف الأخلاقية" " ١٧٥٩ " والثاني "بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها" " ١٧٧٦ " كان بمثابة "شهادة ميلاد" علم الاقتصاد السياسي, باعتباره علمًا قائمًا برأسه مبنيًّا على التجربة، وعد سميث مؤسسه. وفيما يلي كلمة عن كل كتاب.

стр. 156

ب- في "نظرية العواطف الأخلاقية" يرى آدم سميث هو أيضًا استحالة تعيين الفضيلة في كل حالة جزئية بناء على قوانين ثابتة، ويرجع هذا التعيين إلى "العطف" أو التعاطف أي: انفعالنا بعواطف الغير، ويستخرج قانون السيرة من قوانين العطف، فيلاحظ أن انفعالات الغير تنتقل إلينا بالعدوى، فلا نراهم يألمون أو يضحكون أو يغضبون إلا ونشاطرهم شعورهم, ذلك ميل طبيعي غير إرادي يحسه أشد الناس أنانية. وهكذا تجعلنا الطبيعة متضامنين جميعًا، نسر أو نحزن لما يصيب الغير. وقد ربطت الطبيعة بالعطف لذة كي يطلب لذاته, وهذا يكفي أساسًا للأخلاق؛ لأن العطف يتجه بالطبع إلى الخير. مثال ذلك: أن غضب الرجل العنيف أقل تأثيرًا فينا من حلم خصمه، وأننا نتأثر بالغضب للحق والعدل أكثر من تأثرنا باستكانة المسيء. فقوانين العطف وقوانين الأخلاق متطابقة، بحيث نستطيع أن نضع هذه القاعدة: "لا تفعل إلا ما شأنه أن يحوز رضا إخوانك في الإنسانية ويكسبك عطفهم" إذ إن خيرية الفعل تقاس بما يثيره من عطف خالص شامل في الحاضر والمستقبل. ومن هذه القاعدة تنشأ جميع المعاني الأخلاقية من مدح وذم وندم وواجب؛ فكما أننا نحكم على الآخرين، يحكم الآخرون علينا، فنعتاد النظر إلى أفعالنا مما ينظرون إليها أي: بدون تحيز، حتى إننا قد نخالف قومنا ونخرج على بعض التقاليد المرعية بينهم فنتعرض للوم والمذمة، ونحن واثقون أن الخلف ينصفنا، وأن قاعدة العطف تتحقق هنا أيضًا من حيث إننا شهود أفعالنا نغتبط بها أو نألم لها تمشيًا مع تلك العاطفة الباطنة. وعلى ذلك ليس الحس الخلقي غريزة كاملة منذ البداية، ولكنه يتكون ويترقى بالعقل والتجربة؛ وما يسمى بالواجب صادر عن العطف وراجع إليه، بمعنى أن العمل بمقتضى الواجب يقوم في أن ينصب كل منا نفسه شاهدًا عدلًا على نفسه فيقدر أفعاله بما يشعر به من عطف نزيه كالذي يشعر به الآخرون لو علموا بها. ج- وفي كتاب "ثروة الأمم" يقصد إلى أن يكفى الناس شر تدخل الحكومة وتعسفها، فيبين أن للثروة مصدرين هما العمل والادخار، وأنهما لا ينموان إلا حيث يترك "روح الصناعة" حرا من كل قيد، وأن قانون المنفعة كفيل بتنظيم الشئون الاجتماعية، بحيث إذا كفت الحكومة عن التدخل وتركت

стр. 157

قانون تقسيم العمل بحسب الكفايات وقانون العرض والطلب يفعلان فعلهما، رأينا منفعة المنتج ومنفعة المستهلك تتطابقان. فيضع سميث هذه القاعدة: "كل إنسان، طالما لم يخالف قانون العدالة، فهو حر كل الحرية في اتباع الطريق الذي تدله عليه منفعة". ولكنه يعني بالعدالة معنًى غريبًا، فيحلل المنافسة التجارية بجميع وسائلها، ولا يقر للعامل بحد أدنى من الأجر بل يدعه تحت رحمة صاحب العمل, كأنه لم يشد بالعطف، وكأن ليس من شأن العطف التخفيف من وطأة قانون العرض والطلب. ولا يريد سميث أن تتدخل الحكومة لحماية الضعفاء أو لصيانة الأخلاق العامة، بل يقصر وظيفتها على منع العنف وإقرار الأمن. وقد ظن أن ليس يوجد وسط بين ما يخافه من استبداد الحكومة وبين ما يراه من إطلاق الحرية، هو تدخل الحكومة في حدود معقولة. وقد ساد العمل بهذا المذهب الحري زمنًا طويلًا فأدى إلى استبداد أقلية من الماليين بجمهور العمال، وإلى نشأة الأحزاب الاشتراكية تدافع عن العمال وتحاول تحقيق العدالة الاجتماعية، ثم إلى الشيوعية التي تقيم نظام الثروة العامة على تدخل الحكومة ولا تدع للأفراد شيئًا من الحرية. ونحن نشهد الآن إفلاس المذهب الحري، وميل الحكومات جميعًا إلى تنظيم الإنتاج والاستهلاك لضمان حياة محتملة للسواد الأعظم.

стр. 158

الفصل الثالث: جورج باركلي " ١٦٨٥ - ١٧٥٣ " ٧١ - حياته ومصنفاته: أ- هو في الفلسفة الإنجليزية بمثابة مالبرانش في الفلسفة الفرنسية. كلاهما رجل دين، وكلاهما يجد في المبدأ التصوري وسيلة لإنكار المادة والرد على الماديين، وكلاهما يجعل من الله محور مذهبه في الوجود والمعرفة واليقين. يصدر باركلي عن لوك, ولكنه يعارضه ويزعم أنه يصحح موقفه في غيرما موضع. أنكر لوك موضوعية الكيفيات الثانوية، وآمن بالكيفيات الأولية المترجمة عن الامتداد أو المادة، فقال باركلي: وما الذي يخولنا الحق في الإيمان بوجودها؟ وما الفائدة في استبقاء المادة مع الإقرار بأننا نجهل ماهيتها؟ ليس يوجد سوى الأرواح، فاللامادية هي الحق وأنكر لوك موضوعية الأنواع والأجناس، وآمن بالمعاني المجردة في الذهن فحسب، فقال باركلي: بل ليس يوجد في الذهن معانٍ مجردة، وجميع معارفنا جزئية، وكل ما هنالك أن اسمًا بعينه ينطبق على جزئيات عدة. فالمذهب كله يرجع إلى هاتين النقطتين: الاسمية واللامادية. ب- ولد جورج باركلي في أيرلندا من أسرة إنجليزية الأصل بروتستانتية المذهب. ولما بلغ السادسة عشرة دخل جامعة دبلين حيث كان لمؤلفات ديكارت ولوك ونيوتن الحظ الأكبر في برنامج الدراسة. وبعد سبع سنين حصل على الأستاذية في الفنون، ونشر رسالتين صغيرتين، إحداهما في الحساب، والأخرى في "بحوث رياضية متفرقة". وعين مدرسًا بالجامعة " ١٧٠٧ " لليونانية والعبرية ثم للاهوت, وبعد سنتين صار قسيسًا. ونشر "محاولة في نظرية جديدة للرؤية" " ١٧٠٩ " تعتبر تمهيدًا لكتاب آخر أخرجه في السنة التالية عنوانه "مبادئ

стр. 159

المعرفة الإنسانية، حيث يفحص عن أهم أسباب الخطأ والصعوبة في العلوم، وأسس الشك والكفر بالله والإلحاد" وهو الكتاب المشتمل على مذهبه اللامادي، وكان باركلي قد اكتشف هذا المذهب وهو في العشرين، فهو يعد من أكثر الفلاسفة تبكيرًا في بناء مذهبهم. وقد سجل مرحل تفكيره في "مذكرات" دونها بين سنتي ١٧٠٢ و ١٧١٠، وذكر فيها مشروع المقدمة والمقالة الأولى "وهما ما نشر" ومشروع مقالة ثانية في تطبيق المذهب على علمي الهندسة والطبيعة، ومشروع مقالة ثالثة في الأخلاق. فأثار كتاب "المبادئ" دهشة شديدة لإنكاره وجود الأجسام، حتى ظن بعضهم بالمؤلف مسًّا في عقله. وفي سنة ١٧١٣ قصد المؤلف إلى لندن داعيًا إلى مذهبه، وتعرف إلى مشاهير الكتاب، ونشر "ثلاث محاورات بين هيلاس وفيلونوس" هي عرض أدبي للامادية؛ أما هيلاس فهو الفيلسوف المادي كما يدل عليه اسمه المشتق من هيلي أي: هيولي، وأما فيلونوس فهو "صديق العقل" الناطق بلسان المؤلف، وينتهي الحوار بإقناع هيلاس باللامادية طبعًا! ج- وعرض له ما دفعه إلى السفر، فقضى عشرة أشهر في فرنسا وإيطاليا " ١٧١٣ , ١٧١٤ " ثم عاد إلى إنجلترا. وبعد سنتين رحل إلى إيطاليا وأقام فيها خمس سنين كان أكثر اهتمامه أثناءها بالجيولوجيا والجغرافيا والآثار. وفي عودته " ١٧٢١ " توقف بمدينة ليون ليكتب في "علة الحركة" وهو موضوع اقترحته أكاديمية العلوم بباريس، فوضع رسالة "في الحركة" هاجم فيها طبيعيات نيوتن، ونشرها بلندن حال عودته إليها " ١٧٢١ " وهي بمثابة المقالة الثانية من كتاب المبادئ. ولكن سفرًا طويلًا كان ينتظر باركلي, ذلك أن إرثًا آل إليه سنة ١٧٢٣ فخطر له على الفور أن ينفقه في نشر المسيحية في الممتلكات الإنجليزية بأمريكا، واعتزم أن يؤسس لهذا الغرض في جزر برمودا معهدا لتخريج مبشرين يضطلعون بهذه المهمة, بل يصلحون العالم أجمع! ووعده رئيس الوزارة بمعونة مالية، فتزوج وأبحر سنة ١٧٢٨ حاملًا معه عشرين ألف مجلد. ونزل "رود أيلاند" ومكث بها سنتين ينتظر المال، وفترت حماسته للمشروع، وأبلغ أن رئيس الوزارة يرى أن يعود إلى وطنه, ففعل سنة ١٧٣٢. على أنه لم يضيع وقته هناك، فقد درس أفلاطون وأفلوطين

стр. 160

وأبروقلوس وبعض رجال الفيثاغورية الجديدة دراسة دقيقة لأول مرة. وهناك أيضًا حرر كتاب "السيفرون أو الفيلسوف الصغير" يتابع فيه حملته على "أحرار الفكر" ونشره حال رجوعه إلى إنجلترا؛ والكتاب بمثابة المقالة الثالثة من كتاب المبادئ. وأعاد طبع كتبه السابقة، وبهذه المناسبة رد على الانتقادات في "دفاع عن نظرية الرؤية وشرح لها" " ١٧٣٣ " وفي "التحليل" " ١٧٣٤ " وهو خطاب موجه إلى رياضي ملحد, وفيه نقد لمبادئ الرياضيات من الوجهة الاسمية. د- وفي ١٧٣٤ عين أسقفًا على كلوين بأيرلندا الجنوبية حيث كانت الغالبية من الكاثوليك، فأبدى نحوهم كثيرًا من التسامح، بل أبدى كثيرًا من العطف على ما كانوا فيه من بؤس، فأنشأ جمعيات خيرية ومدارس، وفكر في "مصرف وطني أيرلندي" ونشر رسالة في هذا الموضوع " ١٧٣٧ " وعني بالإصلاح الأخلاقي ودون فيه رسائل. ومنيت أيرلندا بمجاعة عقبها وباء سنة ١٧٤٠، فجرب في علاجه دواء كان عرفه من هنود رود أيلاند، هو ماء القطران، فحصل على نتائج باهرة. فظن أنه وفق إلى الدواء الكلي، وشرع في وضع كتابه الأخير "سيريس" أي: سلسلة باليونانية, وهو يفسر هذا العنوان بقوله: "سيريس" أي: سلسلة الاعتبارات والبحوث الفلسفية في مفاعيل ماء القطران، وفي موضوعات أخرى متنوعة مترابطة متولد بعضها من بعض " ١٧٤٤ " وهذا الكتاب مرآة لدراسته للأفلاطونية والفيثاغورية في رود أيلاند. وفي ١٧٥١ فقد ابنًا له وجزع جزعًا شديدًا وكانت صحته آخذة في الاعتلال، فعول على الاعتزال بمدينة أكسفورد، وبعد بضعة أشهر من حلوله بها أصيب بشلل كلي أودى به. ٢٢ - الاسمية: أ- مبدأ المذهب الحسي أن المعرفة الحقة هي المقصورة على ما يبدو للشعور بأعراض محسوسة، وأن ما لا يبدو محسوسًا وهم محض. ولكن الفلاسفة الحسيين تفاوتوا في تطبيق هذا المبدأ، وكان باركلي أكثر دقة من لوك في هذا التطبيق. سلم لوك بأن الاسم يثير في النفس معنًى مؤلفًا من الخصائص المشتركة بين أفراد النوع أو الجنس الواحد، فقال باركلي: "لست أدري إن كان لغيري تلك القوة العجيبة، قوة تجريد المعاني. أما أنا فأجد أن لي قوة تخيل

стр. 161

معاني الجزئيات التي أدركتها، وتركيبها وتفصيلها على أنحاء مختلفة, ولكن يجب على كل حال أن يكون لها شكل ولون. وكذلك معنى الإنسان عندي يجب أن يكون معنى إنسان أبيض أو أسود أو أسمر، مقوم أو معوج، طويل أو قصير أو متوسط. ومهما أحاول فلست أستطيع تصور المعنى المجرد. ومن الممتنع عليّ أيضًا أن أتصور المعنى المجرد لحركة متمايزة من الجسم المتحرك، لا هي بالسريعة ولا بالبطيئة، ولا بالمنحنية ولا بالمستقيمة, وقس على ذلك سائر المعاني الكلية المجردة" ١. والوجدان يشهد بأن "اللامعين ممتنع التصور" وهنا خطأ باركلي والحسيين جميعًا. إن هذا الخطأ قائم في الظن بأن "عدم التعيين" من جهة الأعراض المحسوسة المتخيلة لا يدع مجالًا لتعيين من جهة العناصر المعقولة المقومة للماهية. أجل لا يمكن أن تكون الصورة الخيالية غير معينة من جهة الأعراض؛ لأن الأعراض موضوعات الحس والخيال! أما المعنى المجرد فغير معين من جهة الأعراض، ومعين من جهة الخصائص الذاتية، وهذه الخضائص هي المدركة به وفيه. إن العقل يدرك أن الشكل واللون يختلفان في أفراد الإسان، وأن السرعة والاتجاه يختلفان في الحركات، فيحكم بأن هذه الأعراض غير لازمة بالتعيين، وأنه يجب صرف النظر عنها وتصور الإنسان حيوانًا ناطقًا، وتصور الحركة مجرد نقلة من مكان إلى آخر. ب- غير أن باركلي يضطر إلى التلطيف من تطرف موقفه في ثلاث نقط حيث يعترف بالكلية، وبالفرق بين الحد أو التعريف وبين المعنى مما يتصوره هو، وبأن لنا دراية ما بالنفس وبالروحيات التي هي غير محسوسة ولا متخيلة. أما الكلية فيفسرها بأن معنى جزئيا يؤخذ ليمثل سائر المعاني الجزئية التي من جنسه أو من نوعه، ولكن الجنس أو النوع لا ينشأ من إدراك شيء هو هو، بل من الإحساس بالتشابه. مثال ذلك أن المعنى المجرد للمثلث الذي لا يمثل نوعا من أنواع المثلثات هو معنى متناقض، ولا يستطيع أحد أن يكونه، وليس في ذهن الرياضي سوى معنى جزئي، بيد أن هذا المعنى يمكن أن يكون "كليا من حيث دلالته" أي: يمكن أن يمثل "أي مثلث كان" ٢. ولولا

стр. 162

تشبع باركلي بالاسمية لرأى غريبًا أن يكون المعنى الجزئي "كليا من حيث دلالته" ولساءل نفسه: أليست هذه الدلالة عين المعنى المجرد الكلي؟ وإذا كانت هناك أنواع يضم كل منها أفرادًا فكيف لا تقابلها معان مطابقة لها؟ إن تفسيره يرجع إلى القول بأننا لا نعقل النوع، ولكننا مع ذلك نضع اسمًا يدل على النوع. أما الحد المستعمل في العلوم فإن باركلي يقبله، ثم ينكر أن يكون له معنى مقابل في الذهن، ويقول: إن أصحاب المعاني المجردة يخلطون بين المعنى الذي يتصور "وهو جزئي" وبين الحد الذي لا يمكن أن يتصور. والحال هنا كالحال في النقطة السابقة, فلو أن باركلي ساءل نفسه: كيف يمكن أن يوجد الحد دون إدراك مقابل؛ لرأى نقص المذهب الحسي. وأخيرًا اضطر باركلي ابتداء من سنة ١٧٣٤ إلى أن يدل بلفظ notion على معرفة الروح والروحيات والعلاقات بين المعاني، وهي أمور لا تتخيل كالمحسوسات، وهذا إقرار منه بأن لدينا معارف مغايرة للمعارف المتخيلة والتي يدل عليها بلفظ ١ ided. يضاف إلى ذلك أنه في الطبعة الثالثة لكتاب السيفرون المنشورة قبل وفاته بسنة، حذف الفقرات الثلاث التي كان لخص فيها نقده لمذهب المعاني المجردة. ج- ولكنه كان قد ناقش أصول الرياضيات والعلم الطبيعي بناء على الاسمية فوصل إلى أقوال نجد مثلها شائعًا الآن على أقلام كثير من الفلاسفة والعلماء ٢. أهم هذه الأقوال أن الحساب والجبر علمان اسميان, فإننا لا نعتبر فيهما الأشياء بل العلامات, ولا نعتبر هذه لذاتها بل لأنها توجهنا في استخدامنا للأشياء. إن معنيي العدد والمقدار إذا أخذا بغض النظر عن المحسوسات كانا معنيين مجردين ومن ثمة كاذبين. ومعنى اللامتناهي باطل، فمن المحال أن يوجد معنى مكان لامتناه من حيث إن كل معنى فهو متناه؛ ومن المحال أن يوجد خط لامتناهي الصغر من حيث إن كل خط فهو قابل للقسمة، ومن المحال قسمة المقدار إلى ما لانهاية من حيث إن المكان المدرك بالحس متناه دائمًا، وإن هناك حدا أدنى ملموسا أو مبصرا لا يدرك وراءه شيء، ومن ثمة لا يوجد دونه شيء. وما معنى الزمان إلا معنى تعاقب المعاني في الذهن, وأما المكان

стр. 163

فإن اللامادية تبين بطلانه "على ما سنرى". فمتى لم تكن المبادئ الرياضية معقولة لم تكن الرياضيات علومًا، وإنما هي فنون أو صناعات مفيدة في العمل. وأما العلم الطبيعي فموضوعه قوانين الحركة وتفاعل الأجسام، ولكن اللامادية تبين أن الطبيعة جملة معانٍ، فليس لنا أن نضيف للأجسام قوة وفاعلية، وليس يوجد رباط ذاتي بين ما يسمى علة وما يسمى معلولا، وما نظام العالم إلا نتيجة الإرادة الإلهية، وإنما يريد الله النظام محبة بنا؛ لكي نستمد من التجربة توقعا مفيدا في أفعالنا المستقبلة. إذا كان هذا هكذا كانت المعجزات معقولة، وفهمنا كونها استثنائية. د- هذا الشك في قيمة العلم من الوجهة النظرية مبني على الشك في قيمة المعاني المجردة، أي: على الخلط يبن تخيلنا للشيء وتعقلنا له أو حكمنا عليه بكذا وكذا. وكان هذا الشك عزيزًا على باركلي، فقد أفاد منه سلاحًا يطعن به الملحدين ويؤيد الدين, إذا كان العلماء يقبلون المبادئ النظرية وهي غير معقولة, فبأي حق يهاجمون العقائد الدينية؟ وإذا كانوا يقبلون المبادئ النظرية لمرماها العملي، فلم لا يقبلون العقائد الدينية التي تولد في النفس الإيمان والمحبة؟ فالاعتقاد بالمعاني المجردة سبب قوي للإلحاد, وهو سبب قوي للاعتقاد بالمادة الذي هو سبب آخر للإلحاد. وهكذا يرى باركلي في الاسمية تأييدًا للإيمان، وتجيء الاسمية على يده ضربا من الفلسفة المسيحية. ولكنه يمحو اللاهوت النظري بأكمله، فيتفق مع النزعة البروتستانتية التي ترمي إلى مجرد الإيمان في حين أن الاتجاه العام في المسيحية كان إلى التعقل بقدر المستطاع، على ما حاوله آباء الكنيسة والمدرسيون من بعدهم. ٧٣ - اللامادية: أ- إنكار المادة لازم من المبدأ التصوري القائل: إن الموضوعات المباشرة للفكر هي المعاني دون الأشياء. وباركلي يأخذ على ديكارت ولوك اعتقادهما بوجود المادة بعد قولهما: إن المعاني أحوال للنفس، ويقرر أن "وجود الموجود هو أن يدرِك أو أن يدرَك" وهذه عبارة مأثورة عنه. والمدرك معنى، وغير المدرك لا وجود له. إن الفلاسفة القائلين بالمادة يعترفون بأنهم لا يدركونها

стр. 164

في ذاتها, فما الفائدة من وضعها؟ وماذا عسى أن تكون؟ إنها معنى مجرد يمتنع تصوره بمعزل عن الكيفيات، فهي معنى باطل. وعلى هذا المعنى الباطل تقوم وحدة الوجود عند سبينوزا وأضرابه، فإنهم يجمعون فيه جملة الأشياء، وعليه تقوم المادية، فإنها ترد إليه جملة الوجود، وما الأجسام في الحقيقة إلا تصورات الروح, فالاعتقاد بالمادة عديم الجدوى وفيه خطر كبير. ب- وإلى التدليل على أننا لا ندرك المادة قصد باركلي في رسالته "نظرية جديدة للرؤية" فيبين أن البصر لا يدرك بذاته مقادير الأشياء وأوضاعها ومسافاتها، إذ إن المسافة أية كانت ما هي إلا خط أفقي يقع على نقطة واحدة من الشبكية. وكل ما يدركه البصر إن هو إلا علامات أو دلائل على المسافات والأوضاع والمقادير؛ ذلك بأن إدراك الكيفيات الأولية يرجع في الأصل إلى اللمس وحده، وبتكرار التجربة ينشأ تقارن بين مدركات اللمس وبين بعض الإحساسات البصرية، هي اختلافات الأضواء والألون، أو بعض الإحساسات العضلية الناجمة من حركات العينين، فتصير هذه كافية لتقدير مسافات الأشياء وأوضاعها ومقاديرها ولا تدعنا العادة نشعر بذلك، بل نعتقد أننا نبصر الكيفيات الملموسة ونحن نستنتجها استنتاجًا من الكيفيات المبصرة التي هي علامات عليها. وإذا افترضنا أنفسنا خلوا من هذه التجربة أشبهنا الأكمه الذي يستعيد البصر فلا يستطيع التمييز بين مكعب وكرة بالبصر وحده وقبل لمسهما، إذ لا "تبدو له المبصرات إلا كسلسلة جديدة من المعاني أو الإحساسات, كلها قريب إليه قرب إحساسات الألم أو اللذة" أي: كلها ذاتي داخلي. تظن العامة أن هناك نسبة بين الامتداد المبصر والامتداد الملموس لشيء بعينه، والحقيقة أن "معاني اللمس والبصر نوعان متمايزان متغايران" وليس بينهما ارتباط ضروري، بل كل ما بينهما تقارن تجريبي: "إن معاني البصر، حين نعرف بها المسافة والأشياء القائمة على مسافة, لا تدلنا على أشياء موجودة على تلك المسافة, وإنما هي تنبهنا فقط إلى ما سوف ينطبع في ذهننا من معاني اللمس "أي: الإحساسات اللمسية" تبعًا لأفعال معينة". أما المعاني اللمسية فهي وسائر المعاني سواء في كونها ذاتية. وقد سلم لوك بأن الكيفيات الثانوية لا توجد إلا بما هي مدركة فيجب أن ينسحب هذا على الكيفيات الأولية أيضًا.

стр. 165

ج- على أن إنكار المادة لا يعني إنكار الأشياء. إننا ندرك المحسوسات ولا نستطيع الشك في وجودها، وندركها في الأماكن التي تبدو فيها. "إن من عبث الأطفال أن يعتبر الفيلسوف وجود المحسوسات موضع شك, ريثما يبرهن عليه بالصدق الإلهي ... لو قبلت هذه المقدمة لشككت للحال في وجودي الخاص كما أشك في وجود الأشياء التي أبصرها, وألمسها الآن". إننا نرى الفرس نفسه، ونرى الكنيسة نفسها ونرى الحائط أبيض، ونحس النار حارة، ونعلم أن الأشجار هي في الحديقة، وأن الكتب هي على المنضدة. وهكذا "لا تقولن: إن اللامادية تحيل الأشياء معاني، وإنما هي تحيل المعاني أشياء". والواقع أننا نميز الإحساس من الصورة، والموجود من المتخيل، وهناك علامتان تسمحان بهذا التميز: الأولى قوة الإحساس وتميزه بالنسبة إلى الصورة، فإن هذه تبدو أثرًا ضعيفًا لذاك؛ والعلامة الثانية أن الإحساسات أشد تماسكًا وأكثر انتظامًا من الصور، تتسلسل بنظام فنشعر أنها ليست من صنعنا، ونعتقد بالخارجية، فإن الشيء الخارجي مجموع من الإحساسات تعرضها علينا التجربة مؤتلفة دائمًا، كما تعرض علينا علاقات بين مختلف المجموعات أو الأشياء، وبتكرار إحساسنا بالعلاقات تنشأ فينا عادة توقع إحساسات معينة بعد إحساسات معينة, وينشأ لدينا الاعتقاد بدوام الأشياء ولو لم ندركها دائمًا. وهذا يكفي لقيام العلم الطبيعي، فإنه عبارة عن تفسير ظواهر تسمى معلولات بظواهر أخرى تسمى عللا. د- كيف نفسر ائتلاف الإحساسات في مجاميع، واطراد العلاقات بين هذه المجاميع؟ لا نلتمس التفسير في المحسوسات أنفسها باعتبارها أشياء قائمة خارج الذهن، ونحن لا ندرك شيئًا خارج الذهن، ولا نستطيع أن نتصور تفاعلًا بين جوهر مادي هو الشي وآخر روحي هو النفس. إذن يجب أن تكون العلة المطلوبة روحية, ولكنها ليست روحنا، فإن ذهننا لا يحتوي على جميع المعاني؛ ثم إنه منفعل بالإضافة إليها وقابل لها، وإن جميع الأذهان تدركها في نفس الوقت ونفس الظروف فيبقى أن العلة المطلوبة روح خارجية, وماذا عساها أن تكون إلا الله؟ "لا أقول: إني أرى الأشياء بإدراك ما يمثلها في الذات الإلهية المعقولة كما يقول مالبرانش، بل إن الأشياء المدركة مني هي

стр. 166

معلومة من عقل لامتناهٍ ومحدثة بإرادته". العقل الإلهي هو الذي يعرض علينا المعاني ونظامها, ودوام الله هو الذي يؤيد اعتقادنا بدوام الأشياء، والإرادة الإلهية هي التي وضعت العلاقات بينها "فكون الغذاء يغذي، والنوم يريح، ووجوب أن نزرع لكي نحصد، وبالإجمال وجوب استخدام وسائل معينة للوصول إلى غاية معينة، هذه أمور نعرفها، لا باستكشاف ترابط ضروري بين معانينا، بل فقط بملاحظة القوانين الموضوعة في الطبيعة". وعلى ذلك ليست الطبيعة ما يعتقد الفلاسفة الوثنيون من أنها علة مغايرة لله, إنها اللغة التي يخاطبنا بها الله. هـ- ذلك مذهب باركلي يدور كله على المبدأ الذي وضعه ديكارت حين قال: إن الذهن لا يعرف الأشياء مباشرة, بل يعرفها بوساطة ما لديه عنها من معانٍ، فيصل إلى مثل آراء الديكارتيين. وهو مذهب مسيحي أو لون من ألوان الأفلاطونية المسيحية التي صادفناها في فلسفة العصر الوسيط، والتي تريد أن ترى في الله الفاعل الأوحد، وفي العالم تجليًا ورمزًا ولغة. نقول "تريد" لأن المبدأ الديكارتي يحتمل بل يحتم نتيجة أخرى هي عزل الفكر في نفسه, واعتباره الكل في الكل. وباركلي لا يتفادى هذه النتيجة إلا بمناقضة بعض آرائه، فإنه يعتمد على مبدأ العلية للقول بوجود الله وليست تسمح التصورية الاسمية بقبول هذا المبدأ؛ وهو يقبل الجوهر الروحي مع اعترافه بأن هذا الجوهر ليس معنًى ولا مدركًا بمعنى، ومع أن التصورية لا تسمح بقبول الجوهر أيا كان. وسنرى هيوم يلح في إبطال مبدأ العلية، ويستبعد الجوهر الروحي بنفس الدليل الذي اعتمد عليه باركلي لاستبعاد الجوهر المادي. وولا غرابة أن نرى باركلي، وقد فرغ من بيان مذهبه وتأييده على النحو المتقدم، يجد في الأفلاطونية والفيثاغورية مزيدًا من البيان والتأييد، فينقل عنهما نصوصا مطولة يحشو بها كتابه العجيب "سيريس" وينسج فيه على منوالهما. فقد كان يرمي إلى معرفة الله وتفسير صدور الموجودات "أو المعاني" عن الله. والمعرفة الحسية لا تنبئنا بشيء عن ماهية الله الروحية. فلما قرأ الكتب الأفلاطونية والفيثاغورية أدرك أن المعرفة الحسية ناقصة سطحية, ورأى أن "التطهير الأفلاطوني" يرتفع بنا إلى إدراك المُثُل التي هي الله نفسه, والتي هي

стр. 167

قوانين الوجود، دون أن يتصورها "معاني مجردة"، ودون أن يعدل عن رفضه للمعاني المجردة، وإنما تصورها موجودات عقلية غير مخلوقة، مع علمه بأن "أدق عقل إنساني إذا بذل أقصى جهده لم يدرك من هذه المثل الإلهية إلا وميضًا خاطفًا؛ لعلوها فوق جميع الجسميات محسوسة أو متخيلة". هذه المثل يحقق الله أشباهًا لها تعلنها إلينا بأن يجعل من العالم موجودًا حيًّا تعمل فيه نار لطيفة للغاية هي نفسه، وهي الأداة المباشرة التي يستخدمها الله في تنظيم الحركات الكونية، فإنها مشبعة بالحكمة الإلهية تنفذ إلى جميع الأشياء, وتكون الكيفيات المختلفة أو المعاني المحسوسة، وتؤلف بينها في كل منظم متماسك. ولوفرة هذه النار في ماء القطران كان هذا الماء دواء عجيبًا وآلة العناية الإلهية لنشر الخير بين الناس؛ وينتهي باركلي بنظرية الأفلاطونية الجديدة في الأقانيم الثلاثة باعتبارها وسيلة إلى تصور عقيدة الثالوث, فاتجاهه لم يتغير وآراؤه الرئيسية لم تختلف.

стр. 168

الفصل الرابع: ديفيد هيوم " ١٧١١ - ١٧٧٦ " ٧٤ - حياته ومصنفاته: أ- شغف بالفلسفة منذ صباه حتى ضحّى في سبيلها بدراسة القانون التي أرادته أسرته عليها، ثم ضحى بالتجارة. كان يطمح إلى أن يقيم مذهبًا يضارع العلوم الطبيعية دقة وإحكامًا بفضل تطبيق "منهج الاستدلال التجريبي" فسافر إلى فرنسا وهو في الثالثة والعشرين ومكث بها ثلاث سنين يفكر ويحرر وعاد إلى إنجلترا؛ وبعد سنتين " ١٧٣٩ " نشر مجلدين من "كتاب في الطبيعة الإنسانية" الأول في المعرفة، والثاني في الانفعالات. وفي السنة التالية نشر المجلد الثالث والأخير في الأخلاق؛ فأشبه باركلي في التبكير العقلي. وكتابه هذا يطرق الموضوعات التي طرقها لوك، ولكنه جاء معقد الأسلوب عسير الفهم، فلقي إعراضًا عامًّا تأثر له هيوم تأثرًا عميقًا، فتحول إلى تحرير المقالات القصيرة الواضحة ونشرها في ثلاثة مجلدات بعنوان "محاولات أخلاقية وسياسية" " ١٧٤١ , ١٧٤٢، ١٧٤٨ " فأصابت نجاحًا. وكان قد عاد إلى "كتاب الطبيعة الإنسانية" فخففه ويسره، فأخرج كتاب "محاولات فلسفية في الفهم الإنساني" " ١٧٤٨ "، وضحت فيه آراؤه عن ذي قبل، ثم عدل عنوانه هكذا: "فحص عن الفهم الإنساني". واستأنف الكتابة في الأخلاق السياسية فنشر " ١٧٥١ " كتابًا بعنوان "فحص عن مبادئ الأخلاق" هو موجز القسم الثالث من "كتاب الطبيعة الإنسانية" ونشر " ١٧٥٢ " كتابًا آخر بعنوان "مقالات سياسية". ثم توفر على تدوين "تاريخ بريطانيا العظمى" فأظهره في ثلاثة مجلدات " ١٧٥٤، ١٧٥٦، ١٧٥٩ " نالت إعجابًا كبيرًا. وكان في تلك الأثناء يعالج مسألة الدين، فصنف حوالي ١٧٤٩ "محاورات في الدين الطبيعي" لم يشأ أن تنشر

стр. 169

في حياته، فنشرت بعد وفاته بثلاث سنين؛ ولكنه نشر " ١٧٥٧ " كتابًا أسماه "التاريخ الطبيعي للدين". ب- وبعد ذلك شغل منصب كاتب السفارة البريطانية بباريس " ١٧٦٣ - ١٧٦٥ " فكان موضع حفاوة الأوساط الفلسفية والأدبية. وعاد إلى وطنه " ١٧٦٦ " وبصحبته روسو الذي كان يطلب ملجأ في إنجلترا، وأنزله ضيفًا في بيت له. ثم عين وزيرًا لأسكتلندا " ١٧٦٨ " ولكنه اعتزل الوزارة في السنة التالية، وأقام بمدينة أدنبرة مسقط رأسه، وتوفي بها. ٧٥ - تحليل المعرفة: أ- يدور تفكير هيوم على تحليل المعرفة كما تبدو للوجدان خالصة من كل إضافة عقلية، وفقًا للمبدأ الحسي، وعلى تقدير قيمة المعرفة تبعًا لهذا التحليل ومن جهة صلاحيتها لإدراك الوجود مع العلم "بأن شيئًا لا يحضر في الذهن إلا أن يكون صورة أو إدراكًا" على ما يقضي به المبدأ التصوري. فمذهبه يرجع إلى نقطتين: حسية وتصورية، كمذهب لوك ومذهب باركلي، إلا أنه أدق تطبيقًا للمبدأين وأكثر جرأة في مواجهة نتائجهما الشكية، حتى أعلن الشك صراحة. ب- المعرفة في جملتها مجموع إدراكات perceptions أي: أفكار بلغة ديكارت, أو معانٍ بلغة لوك وباركلي. والإدراكات منها انفعالات impressions ومنها أفكار أو معان thoughts or ideas ومنها علاقات relations بين المعاني بعضها والبعض، وبينها وبين الانفعالات. فالانفعالات هي الظواهر الوجدانية الأولية، أو هي إدراكاتنا القوية البارزة، مثل انفعالات الحواس الظاهرة، واللذة والألم و"انفعالات التفكير" التي تحدث تبعًا للذة والألم، كالمحبة والكراهية، والرجاء والخوف. والمعاني صور الانفعالات؛ لذا كانت أضعف منها. والقاعدة فيما يخصها هي أن ليس من قيمة إلا أن يكون صورة انفعال أو جملة انفعالات؛ فإذا لم يكن كذلك كان مركبًا صناعيًّا يجب الفحص عن أصله ويجب تبديده. ومن هذا القبيل المعاني المجردة، وهيوم يرفضها رفضًا باتًّا ويصطنع الاسمية مثل باركلي، فيتحدث نفس حديثه ويسوق نفس الأمثلة.

стр. 170

يقول: "إن معانينا الكلية جميعًا هي في الحقيقة معانٍ جزئية مرتبطة باسم كلي يذكر اتفاقًا بمعانٍ أخرى جزئية تشبه في بعض النقط المعنى الماثل في الذهن". فاسم فرس مثلًا "يطلق عادة على أفراد مختلفة اللون والشكل والمقدار، فبمناسبته تتذكر هذه المعاني "أو الأفراد" بسهولة". ج- والعلاقات تنشأ بفعل قوانين تداعي المعاني، أي: قوانين التشابه، والتقارن في المكان والزمان، والعلية. هذه القوانين هي القوانين الأولية للذهن، تعمل فيه دون تدخل منه، وهي بالإضافة إليه كقانون الجاذبية بالإضافة إلى الطبيعة. فهيوم يزيد على لوك أن ليس للذهن فعل خاص في المضاهاة والتركيب والتجريد التي هي وسائل تكوين المعاني، ويقصر وظيفة الذهن على مجرد قبول الانفعالات فتحصل منها المعاني حصولًا آليًّا بموجب قوانين التداعي؛ والعلاقات التي تؤلف العلوم نوعان: علاقات بين انفعالات قائمة في أن بعض الانفعالات علل والبعض الآخر معلولات، كما هو الحال في العلوم الطبيعية، وعلاقات بين معانٍ، وهي التي تتألف منها الرياضيات, فيتعين النظر في كل من هذين النوعين. د- أما العلوم الطبيعية فقيمتها تابعة لقيمة علاقة العلية، وهذه العلاقة هي التي تسمح لنا بالاستدلال بالمعلول الحاضر على العلة الماضية، وبالعلة الحاضرة على المعلول المستقبل. ولكنها عديمة القيمة؛ فإنها ليست غريزية وليست مكتسبة بالحس الظاهر، أو الحس الباطن، أو بالاستدلال. لقد بين لوك أن ليس في الذهن شيء غريزي, والحواس تظهرنا على تعاقب الظواهر الخارجية، ولا تظهرنا على قوة في الشيء الذي يسمى علة يحدث بها الشيء الذي يسمى معلولا؛ فأنا أرى كرة البلياردو تتحرك، فتصادف كرة أخرى، فتتحرك هذه، وليس في حركة الأولى ما يظهرني على ضرورة تحرك الثانية. والحس الباطن يدلني على أن حركة الأعضاء في تعقب أمر الإرادة، ولكني لا أدرك به إدراكًا مباشرًا علاقة ضرورية بين الحركة والأمر، ولا أدري كيف يمكن لفعل ذهني أن يحرك عضوًا ماديًّا. وأخيرًا ليس يمكن القول بأن رابطة العلية مكتسبة بالاستدلال. إن الفلاسفة الذين يدعون أن للشيء الذي يظهر للوجود علة بالضرورة وإلا كان علة نفسه أو كان معلولا للعدم، يفترضون

стр. 171

المطلوب، أعني: استحالة استبعاد البحث عن العلة. يجب البرهنة على ضرورة العلة قبل الاحتجاج ببطلان وضع هذه العلة في الشيء الذي يظهر للوجود أو في العدم. وعلى هذا فمبدأ العلية لا يلزم من مبدأ عدم التناقض، ولا تناقض في تصور بداية شيء دون رده إلى علة. إن معنى العلة معنى البداية، وليس متضمنًا فيه، ومن الممكن للمخيلة أن تفصل بين معنى العلة ومعنى ابتداء الوجود. ثم إن معنى العلة ومعنى المعلول متغايران، ويستحيل علينا أن نعلم مبدئيا معنى المعلول من معنى العلة: "إن آدم، قبل الخطيئة، مهما افترضنا لعقله من كمال، ما كان يستطيع أبدًا أن يستنتج مبدئيا من ليونة الماء وشفافيته أنه يخنقه ويستحيل على العقل، مهما دقت ملاحظته، أن يجد المعلول في العلة المفترضة؛ لأن المعلول مختلف بالكلية عن العلة، فلا يمكن استكشافه فيها". بل إن الاستدلال لا يخولنا الحق في توقع نفس المعلولات بعد نفس العلل، إذ ليس في وسع العقل أن يبرهن على "أن الحالات غير الواقعة في تجربتنا يجب أن تشابه الحالات التي جربناها" كما أنه ليس في وسع التجربة أن تبرهن على وجوب التشابه بين المستقبل والماضي، من حيث إن التجربة نفسها قائمة على هذا الافتراض. وكل ما هنالك "أن العلة شيء كثر بعده تكرار شيء آخر, حتى إن حضور الأول يجعلنا دائمًا نفكر في الثاني". وعلى ذلك تعود علاقة العلية إلى علاقتي التشابه والتقارن، فهاتان العلاقتان هما الأصليتان، وعلاقة العلية مجرد عادة فكرية من نوعهما، وما يزعم لها من ضرورة ناشئ من أن العادة تجعل الفكر غير قادر على عدم تصور اللاحق وتوقعه إذا ما تصور السابق. والنتيجة أن ليس يوجد حقائق ضرورية ومبادئ بمعنى الكلمة, وأن العلوم الطبيعية نسبية ترجع إلى تصديقات ذاتية يولدها تكرار التجربة. هـ- وأما العلاقات التي بين المعاني, فتتجلى في الرياضيات. ويميز هيوم بين الحساب والجبر من ناحية والهندسة من ناحية أخرى. فيقول: إن الحساب والجبر علمان مضبوطان يقينيان؛ لأنهما قائمان على معنى الوحدة، وهو معنى ثابت يسمح بتأليف مقادير والمعادلة بينها بما يطابق الواقع، في حين أن الوحدات المكانية في الهندسة "كالخط والسطح" ليس لها في الواقع مثل ذلك الثبات، وإنما هي مقاربة له، وليس يستنبط منها من نتائج سوى الاحتمال القوي.

стр. 172

وهذا ما وصل إليه هيوم في تحليل المعرفة ونقد العلوم. وأول ما يسترعي النظر قصره وظيفة الذهن على القبول، وتفسير محتوياته تفسيرًا آليًّا بقوة الانفعالات وضعفها وفعل قوانين التداعي. على أنه يعترف بأنه إذا كان التمييز بين الانفعالات والمعاني ميسورًا عادة, فقد يحدث أن تكون المعاني قوية والانفعالات ضعيفة، كما يشاهد في حالة التخييل وبعض الأمراض النفسية وحينئذ فإما ألا يبقى لنا سبيل للتمييز بين الحقيقة والخيال، أو أن يقوم الذهن بهذا التمييز بناء على علامات مكتسبة من التجربة، فيبين عن فاعليته. وهيوم يعترف أيضًا بأنه قد يحدث أن نحصل على معنى دون انفعال مقابل، كما إذا افترضنا عدة ألوان متضائلة بالتدريج، وافتقدنا لونًا من بينها، فإننا نحس هذه الثغرة ونحصل على معنى هذا اللون ولو لم نره قط، ثم إن طائفتي الانفعالات والمعاني تختلف ليس فقط بالقوة بل بالطبيعة أيضًا؛ ذلك بأن معنى لذة ماضية أو ألم ماضٍ لا يشبه تلك اللذة أو ذلك الألم كما تشبه الصورة الأصل، أو ليس المعنى من نوع اللذة أو من نوع الألم في الوجدان، ولكنه تذكر أو تصور اللذة أو الألم، أي: إن اللذة أو الألم موضوع المعنى. فالمعنى فعل مخصوص يقتضي قوة مخصوصة. ولا بد من الاعتراف أيضًا بقوة مخصوصة تدرك التشابه والتقارن اللذين يجعل هيوم منهما قانوني الفكر، إذ ليس هناك انفعالان يقابلانهما ويعتبران أصلا لهما. كذلك لا بد من القول بقوة مخصوصة لتفسير الاسم الكلي، إذ كيف يطلق على كثيرين إذا لم يكن فينا قوة تنتقل من جزئي إلى آخر؟ ولم يطلق على كثيرين إلا إذا كانوا يتفقون في النوع أو في "بعض النقط" كما يقول هيوم؟ إذا كان هناك نوع، ولو مؤقت على رأي لوك، كانت له خصائص متضامنة تؤلف ماهية معقولة. وأخيرًا ليست الاعتراضات التي يوجهها هيوم إلى مبدأ العلية حاسمة, فإذا سلمنا له أن الإدراك الظاهري لا يظهرنا على القوة التي تفعل، وإذا سلمنا جدلا أن الإدراك الباطني لا يظهرنا على علاقة ضرورية تربط حركات الأعضاء بأمر الإرادة، فإننا ندعي أن العقل يدرك هذه العلاقة وضرورتها. أجل, إن معنى العلة ومعنى المعلول متغايران، ولكن المعلول موجود يظهر للوجود، وبهذا الاعتبار هو لا يظهر بنفسه ولا بفعل العدم، وإنما يظهر بفعل موجود آخر هو علته. وإذا

стр. 173

كان مبدأ العلية لا يلزم من مبدأ عدم التناقض، بمعنى أنه لا يستنبط منه استنباطًا مستقيمًا، فإنه يستند إليه من جهة أن منكره يقع في التناقص, إذ إنه يزعم أن ما يوجد ليس له ما به يوجد، وهذا خلف. والواقع أن مبدأ العلية أولى في العقل، وأن الاعتقاد به واحد عند جميع الناس وفي جميع الأعمار، مع أن المذهب الحسي يقضي بأن تكون قوة العادة معادلة لعدد التجارب وأن يتفاوت الاعتقاد بتفاوت التجربة. فالفلسفة الحسية تنتهي إلى إلغاء العقل وإلغاء العلم الطبيعي؛ لأنها لا تعتقد بضرورة القانون وترد الشعور بالضرورة إلى أثر العادة. وإذا كان هيوم اعتقد بقيمة مطلقة للحساب بحجة أنه قائم على علاقات بين معانٍ لا بين انفعالات، فقد نسي أن المعاني عنده ترجع إلى انفعالات، وأن العلاقات تابعة كلها للتكرار والتداعي. ولقد كان الواجب عليه حين بدا له يقين القضايا الرياضية، أن يعود إلى مبدئه الحسي ويكمله بالعقلي, ولكنه لم يفعل. ٧٦ - الفكر والوجود: أ- الناحية الأخرى من مذهب هيوم الفحص عما للمعرفة من قيمة موضوعية، وماذا عسى أن يكون لها من هذه القيمة، وإدراكنا مقصور على الظواهر؟ "لا يمكن أن يحضر في الذهن سوى إدراكات, فيلزم أنه من الممتنع علينا أن نتصور أو أن نكون معنى شيء يختلف بالنوع عن المعاني والانفعالات. فلنوجه انتباهنا إلى الخارج ما استطعنا، ولتثب مخيلتنا إلى السموات أو إلى أقاصي الكون، فلن نخطو أبدًا خطوة إلى ما بعد أنفسنا" ١. وفكرة الوجود لا يقابلها أي انفعال، ولا فارق بين التفكير في شيء والتفكير في نفس الشيء موجود، ونحن حين نتصوره موجودًا لا نمنحه صفة جديدة. وتبعًا لهذا الموقف لا يبقى محل للحديث عن وجود الماديات والنفس والله، إذ إن كل ما عدا الفكر مغيب عنا. ولكن هيوم ينظر في هذه الأمور ليبين تهافت الأدلة التي تقدم على وجودها، ولتفسير اعتقادنا بهذا الوجود. ب- "بأي حجة ندلل على أن إدراكات الذهن يجب أن تكون حادثة عن أشياء خارجية, وأنه لا يمكن أن تحدث عن قوة الذهن نفسه؟ إن

стр. 174

الذهن لا يجد في نفسه سوى إدراكات، فلا يستطيع أن يتحقق من ارتباط هذه الإدراكات بأشياء لا يبلغ إليها. وهل هناك شيء أكثر استعصاء على التفسير من النحو الذي قد يؤثر به جسم في روح بحيث يحدث صورة في جوهر مفروض فيه أنه من طبيعة جد مغايرة بل معارضة؟ " ١. ولما كان مبدأ العلية نسبيًّا فلا نستطيع الاعتماد عليه للتدليل على وجود علل لانفعالاتنا؛ وإذا كنا نعتقد أن في الخارج أشياء مستقلة عن إدراكنا، وأننا في كل صباح نرى الشمس عينها التي سبق لنا رؤيتها، فهذا وهم سببه افتراضنا أن الإدراكات المتشابهة هي هي بعينها. واعتقادنا بوجود الأشياء شعور يصاحب الانفعال ولا يصاحب الخيال؛ هذا الشعور تصور للشيء أقوى وأدوم من تصور الخيال! وهو لا يتعلق بإرادتنا، ولكن طبيعتنا تثيره فينا. ونحن نجهل القوى التي يتعلق بها التعاقب المطرد للظواهر، ونجهل السبب الذي يجعلنا نتوقع نفس اللاحق بعد نفس السابق ٢. ج- كذلك ليس لدينا انفعال مقابل للنفس أو للجوهر بالإجمال. إن الاعتقاد بالجوهر تابع للاعتقاد بالعلية؛ فإننا نرى جملة من الكيفيات مؤتلفة ونتعلم من التجربة أن هذا المجموع يتكرر، فنتوهم الجوهر كعلة ائتلاف الكيفيات، وعلة بقاء هذا الائتلاف أو تكراره في ذهننا. فما النفس إلا جملة الظواهر الباطنة وعلاقاتها؛ ولا يمكن إثبات الأنا بالشعور، فإني "حين أنفذ إلى صميم ما أسميه أنا أقع دائمًا على إدراك جزئي" أي: على ظاهرة. بيد أن هيوم يعود فيقر ٣ بأنه لا يدري كيف تتحد في الذهن الإدراكات المتعاقبة، أي: كيف تفسر الذاكرة وانفعالاتنا ظواهر منفصلة، وينتهي بالتصريح بأن هذه المسألة عسيرة جدا على عقله! د- وينقد هيوم الأدلة على وجود الله، فيقول: إن دليل الغائية المشهور قائم على تمثيل الكون بآلة صناعية وتمثيل الله بالصانع الإنساني، ولكن الصانع الإنساني علة محدودة تعمل في جزء محدود، فبأي حق نمد التشبيه إلى هذا الكل

стр. 175

العظيم الذي هو الكون، ونحن لا ندري إن كان متجانسًا في جميع أنحائه؟ ولو سلمنا بهذه المماثلة لما انتهينا حتمًا إلى الإله الذي يقصده أصحاب الدليل، إذ يمكن أن نستدل بما في الكون من نقص على أن الإله متناهٍ كالصانع الإنساني، وأنه ناقص يصادف مقاومة، أو أنه جسمي وأنه يعمل بيديه, أو يمكن أن نفترض أن الكون نتيجة تعاون جماعة من الآلهة. وإذا شبهنا الكون بالجسم الحي، أمكن تصور الله نفسًا كلية، أو قوة نامية كالقوة التي تحدث النظام في النبات دون قصد ولا شعور. أما دليل المحرك الأول, فليس هناك ما يحتم تسليمه ونبذ المذهب المادي، إذ قد يمكن أن تبدأ الحركة بالثقل أو بالكهرباء مثلا دون فاعل مريد. وأما دليل الموجود الضروري، فلا يستند إلى أصل في تجربتنا من حيث إن التجربة لا تعرض علينا انفعالًا ضروريًّا، وإن المخيلة تستطيع دائما أن تسلب الوجود عن أي موجود كان. إن معنى الموجود الضروري ثمرة وهم المخيلة التي تمد موضوع تجاربنا إلى غير نهاية، فلم لا نمد المادة نفسها إلى غير نهاية فنعتبرها الله؟ وبأي حق نفترض الكون كلا محدودا حتى نبحث له عن علة مفارقة؟ وأخيرًا, إن وجود الشر يعارض القول بعناية الإلهية, وليس وجود الشر محتومًا كما يقولون؛ إذ من الميسور جدا تصور عالم بريء من أسباب الشر التي نشاهدها في عالمنا. هـ- بمثل هذه السفسطة يتذرع هيوم لإقصاء الحقائق والجواهر من الفلسفة, بعد أن سلم بالمبدأ الحسي وذهب إلى نتيجته المنطقية فبلغ إلى "الظاهرية" المطلقة التي ترد المعرفة إلى ظواهر لا يربط بينها سوى علاقات تجريبية, وهذه الظاهرية هي الصورة التي يتخذها الشك في العصر الحديث. وقد كان هيوم معجبًا بقدماء الشكاك، وكان ينعت نفسه بالشاك, ويرى أن الفلسفة هي هذا الشك، وأن الحياة العملية يكفي فيها وحي الغريزة، فلا صلة بين الحياة والفلسفة، حتى لقد قال: "ما من طريقة استدلالية أكثر شيوعًا، ومع ذلك ما من طريقة أجدر باللوم، من إدحاض فرض ما بعواقبه الخطرة على الدين والأخلاق. إن الرأي الذي يؤدي إلى خلف هو رأي كاذب من غير شك؛ ولكن ليس من المحقق أن الرأي كاذب لكونه يستتبع عاقبة خطرة". وفإذا بحث في الأخلاق نقد المذهب العقلي, وأسلم نفسه لوحي القلب

стр. 176

والعاطفة كما يقول. فعنده أن الحكم الخلقي ينشأ حين نتصور فعلًا ما بجميع علاقاته, فتقوم فينا عاطفة إقرار أو إنكار. فنقول عن الفعل: إنه خير أو شر لا لكونه كذلك في ذاته بل لنوع تأثرنا به. وليس يصدر الإقرار أو الإنكار عن الأنانية، بدليل أننا نقر أفعالًا لا تفيدنا شخصيا، أو ننكر أفعالا مفيدة لشخصنا. الواقع أن الذي يصدر أحكامًا أخلاقية ينزل عن وجهته الخاصة ويتخذ وجهة مشتركة بينه وبين الآخرين، فتجيء أحكامه كلية. فأساس الأخلاق التعاطف، أو عاطفة الزمالة، أو "الإنسانية" التي تحملنا على محبة الخير للناس جميعًا. وإذا كانت الميول الغيرية أرفع من الميول الأنانية، وكانت هذه مذمومة وتلك ممدوحة، فليس يرجع ذلك إلى طبيعتها، بل إلى عموم منفعتها. ولما كانت الأخلاق صادرة عن الغريزة، كانت أصولها واحدة عند الجميع، ورجعت الاختلافات إلى اختلاف الظروف. فالمحبة الأبوية مثلًا غريزة عامة، وقتل الأطفال مظهر من مظاهرها في بلد جد فقير.

стр. 177

الفصل الخامس: توماس ريد " ١٧١٠ - ١٧٩٦ " ٧٧ - حياته ومصنفاته: نبغ في هذا القرن لفيف من المفكرين الأسكتلنديين, أخذوا على أنفسهم الدفاع عن الأخلاق والدين بالرجوع إلى الضمير وعواطفه الطبيعية، فتألف منهم ما يسمى الأسكتلندية. ذكرنا بعضهم في الفصل الثاني من هذه المقالة, وتوماس ريد أهمهم؛ لأنه عرض للفلسفة في جملتها, وعالج مسألة المعرفة وهي المسألة الأساسية فيها. تخرج في جامعة أبردين, وعين قسيسًا ثم عين أستاذًا بتلك الجامعة، فأستاذًا بجامعة جلاسكو. كان على مذهب لوك وباركلي، فلما قرأ كتاب هيوم في الطبيعة الإنسانية هالته النتائج التي انتهى إليها، وعول على معارضة الشك بيقين "الذوق العام" Commou Sense. له ثلاثة كتب مذكورة: الأول "بحث في الفكر الإنساني على مبادئ الذوق العام" " ١٧٦٣ "والثاني "محاولات في القوى العقلية" " ١٧٨٥ " والثالث "محاولات في القوى الفاعلية" " ١٧٨٨ "؛ وهذان الكتابان تفصيل للكتاب الأول. ٧٨ - مذهبه: أ- "محال أن نفسر السبب الذي من أجله نوقن بمدركات حواسنا وشعورنا وسائر قوانا. إن هذا اليقين قاهر؛ إنه صوت الطبيعة، وعبثًا نحاول معارضته. وإذا أردنا أن ننفذ إلى أبعد منه ونطلب إلى كل قوة من قوانا السبب الذي يبرر ثقتنا بها، وأن نعلق هذه الثقة إلى أن تبديه، فيخشى أن تسوقنا هذه الحكمة المسرفة إلى الجنون, وأن نعدم بالمرة ضوء الذوق العام لأننا لم نرد الخضوع للحال المشترك بين بني الإنسان". الذوق العام منحة خالصة من الله

стр. 178

لا يكتسب بالتربية، فإنه قوة إدراك البديهيات، وبه نتعلم الاستدلال وقواعده أي: استنباط النتائج الصحيحة من البديهيات. ب- يتشكك لوك وباركلي وهيوم في وجود أشياء خارجية، وما ذلك إلا لأنهم اعتقدوا أننا حين نعرف إنما نعرف معنى أو صورة، فوضعوا واسطة بين العارف والمعروف، ووجدوا أنفسهم مضطرين لإقامة البرهان على وجود شيء مقابل للصورة أو المعنى, وهذا موقف ينطوي على جرثومة الشك. ويرد عليه أولا بنتائجه السيئة، ثم بالرجوع إلى الذوق العام، فما من أحد يعتقد أنه يرى صور الأشياء ولكن يعتقدون أنهم يرون الأشياء أنفسها. وفينا ميل طبيعي للاعتقاد بأن الروابط بين الظواهر المدركة ستظل هي هي في المستقبل، وعلى هذا الأساس تقوم العلوم، وكل ذي عقل سليم يقبله، وإن وجد من لا يقبله فهو جدير أن يدخل البيمارستان. إن تعاقب الليل والنهار قديم في تجربتنا, وما من أحد يعتبر الليل معلول النهار أو النهار معلول الليل. الحقائق التجريبية هي التي يحتمل يقيننا بها الزيادة والنقصان، فالطبيب مثلًا يزداد اقتناعًا بفاعلية دوائه كلما ازداد نجاحه حتى يتحول تخمينه الأول إلى يقين؛ أما المبادئ العقلية فاليقين بها ثابت منذ الأصل لا تزيد فيه التجربة ولا تنقص منه؛ وعلى ذلك ليست هذه المبادئ آتية من التجربة. ج- وتشكك هيوم في وجود الأنا وقصر معرفتنا على الظواهر الباطنة, ولكننا ننتقل من الظواهر الباطنة إلى موجود نسميه أنا بموجب مبدأ عقلي غريزي. الذاكرة تدلنا على بقاء الأنا هو هو، ويدلنا الذوق العام على أن هذه الذاكرة تقتضي وجودًا متصلًا. "ليست شكلا ولا فعلا ولا عاطفة، ولكني موجود يحس ويعمل ويفكر". "أحوالي الباطنة تتغير في كل لحظة، ولكن الأنا متصل الوجود، وهو المحل المشترك للأحوال المتعاقبة". وقال هيوم أن ليس أغمض من فكرة القوة, ولكنها تدرك ضرورة من شعورنا بأنفسنا، فإننا نجد في أنفسنا قدرة فاعلية هي الإرادة، وإذا كنا لا نشعر بقوانا أنفسها فإننا نشعر بالأفعال التي تنم عنها، وكل فعل فهو يفترض قدرة في الفاعل، وافتراض شيء يفعل دون أن يكون حاصلا على قدرة الفعل خلف ظاهر. د- على أن ريد يقف عند حد النقد، ويعرض معتقداتنا على أنها

стр. 179

بديهية طبيعية دون محاولة تفسيرها. فهو يسلم بلا مناقشة جميع المبادئ المقبولة عند جميع الناس "مبادئ العلم الرياضي, والعلم الطبيعي، والأخلاق، وما بعد الطبيعة" "لأنها من الضرورة للسيرة بحيث لا يمكن النزول عنها إلا ونقع في أباطيل لا تحصى نظرية وعملية" ولكنه لا يصنف هذه المبادئ ولا يعقلها بمبدأ أعلى. بل إنه يقع في شرك المبدأ التصوري، فما الإدراك الظاهري المباشر عنده إلا "إيحاء ضروري" أو "إشارة طبيعية" إلى الشيء الخارجي، لا صورته. وهو يسائل نفسه قائلًا: "كيف يجعلنا الإحساس نتصور وجود شيء خارجي لا يشبهه بحال، ويضطرنا للاعتقاد به؟ " ويجيب بقوله: لا أزعم العلم بذلك، وحين أقول: إن الإحساس يوحي بالصورة وبالاعتقاد، لا أقصد إلى تفسير طبيعة ارتباط هذه الحدود، بل إلى التعبير عن واقعة يستطيع الجميع شهودها في الوجدان. وعنده أن كل الفرق بين الكيفيات الأولية والثانوية هو "أن حواسنا تعطينا فكرة مباشرة متميزة عن الأولى، في حين أن طبيعة الثانية غامضة نسبية". وعلى ذلك لا يمحو ريد الواسطة بين العارف والمعروف، بل يقبلها صراحة وهي الإحساس كإشارة؛ ويذهب إلى أن ماهيات الأجسام وماهية النفس محجوبة عنا، فيصل إلى النتيجة التي وصل إليها لوك وهيوم وهي استبعاد الميتافيزيقا بحجة أنها تثير مسائل غير قابلة للحل. فجملة القول: أنه نظر إلى المسائل من الوجهة النفسية دون الوجهة الميتافيزيقية, فظن أن إثبات الواقع يكفي، ورد الفلسفة إلى علم النفس الوصفي، وقال: إن هذا العلم في غنى عن الآراء الميتافيزيقية في طبيعة الجسم والنفس أسوة بالعلوم الطبيعية, وكان له أتباع حذوا حذوه, فجعلوا علم النفس مستقلا عن الفلسفة، وهذا أهم أثر للمدرسة الأسكتلندية.

стр. 180

المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا الفصل الأول: كوندياك " ١٧١٥ - ١٧٨٠ " ٧٩ - حياته ومصنفاته: قسيس لم يزاول مهام الكهنوت قط، وإنما قرأ الفلاسفة المحدثين، وخالط معاصريه منهم، واعتنق مذهب لوك، فكان زعيم الحسية في وطنه. عرض هذه الحسية في كتابه "محاولة في أصل المعارف الإنسانية" " ١٧٤٦ " وأتبعه بآخر عنوانه "كتاب المذاهب" " ١٧٤٩ " نقد فيه مذاهب ديكارت ومالبرانش وسبينوزا وليبنتز وغيرهم من المعتمدين على العقل وحده، فلا يهتدون إلى الحق، بل لا يتفقون فيما بينهم، فالامتداد عند ديكارت جوهر، وعند سبينوزا عرض، وعند ليبنتز معنى متناقض، ثم نشر كتابه المعروف "في الإحساسات" " ١٧٥٤ " يفصل فيه الكتاب الأول. وألحق به كتاب "الحيوان" " ١٧٥٥ " يبين فيه نشوء قوى الحيوان والفرق بينه وبين الإنسان. وفي ١٧٦٨ انتخب عضوًا بالأكاديمية الفرنسية خلفًا لقسيس آخر، والواقع أن أسلوبه رشيق واضح. وبعد وفاته نشر له كتاب في "المنطق" لا على الطريقة المدرسية، ولكنه عبارة عن ملاحظات ونصائح في تدبير الفكر، وكتاب في "لغة الحساب" لم يتمكن من إتمامه، وكان يقصد به إلى بيان الطريقة التي يمكن بها صوغ جميع العلوم، ومنها الأخلاق والميتافيزيقا، بمثل ما للرياضيات من دقة. ٨٠ - مذهبه: أ- يذهب كوندياك في الحسية إلى أبعد من لوك، فإنه يقصر التجربة
следующие страницы →