← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وهكذا يكون الاحترام منبعثًا عن العقل وحده، عن قوة أخرى، ولا لغرض آخر غير القانون. ١٠٦ - الواجب أو الأمر المطلق: أ- إن التحليل السابق لا يكفي لإقامة فلسفة الأخلاق, يجب تكميله وتأييده بمنهج آخر هو منهج الاستنباط الفرضي المستخدم في العلوم لاستكشاف القوانين, وهو يقوم في افتراض مبدأ واستخراج نتائجه ومضاهاة هذه النتائج بالواقع، وبذا نقف على خصائص القانون الخلقي ومضمونه ومبدئه العقلي. فأما أن هناك قانونًا، فهذا ما يحتمله المبدأ القائل: إن كل شيء في الطبيعة يفعل بموجب قانون؛ وأما أن هناك قانونا عمليا إراديا، فهذا لازم مما للموجودات العاقلة، ولهم وحدهم، من عقل عملي أو إرادة أو قوة الفعل بناء على تصور قانون. ويختلف موقف الإرادة من القانون؛ فقد نفترض موجودًا تتطابق الإرادة فيه مع العقل دائمًا, فلا تشتهي إلا ما يعتبره العقل الخالص خيرًا، وتلك حال إرادة قديسة كالإرادة الإلهية. وليست هذه حال الإرادة الإنسانية، إذ إنها خاضعة لدوافع حسية معارضة للقانون؛ فبالإضافة إليها تنقلب ضرورة القانون إكراهًا ويسمى تصورها أمرًا، فإن الأمر يترجم عن علاقة بين قانون وإرادة ناقصة. وهذا الأمر مطلق لأنه يقرر أن الفعل ضروري في ذاته دون أية علاقة بشرط أو غاية، فيقيد الإرادة مباشرة ولا يعترف بإمكان مخالفته، بعكس الأمر الشرطي الذي يرتب ما يأمر به لغاية معتبرة شرطًا, فلا يفترض سوى أن من يريد الغاية يريد الوسيلة إليها، ولا يقيد الإرادة لأن الغاية التي هي شرطه متروكة للاختيار. ب- كيف نعرف الأمر المطلق؟ إن خاصية القانون هي الكلية، فالأمر المطلق لا يعرف إلا بكلية القانون الواجب على حكم الإرادة أن يطابقه، فنقول في تعريفه: "اعمل فقط حسب الحكم الذي تستطيع أن تريد في الوقت نفسه أن يصير قانونًا كليًّا". هذا التعريف صوري بحت، لا يشتمل على غايات أو دواعٍ مستمدة من التجربة، وأمثال هذه الغايات والدواعي ذاتية حتمًا وليست كلية. غير أن هذا التعريف عام بعيد عن التطبيق العملي، فيتعين علينا أن نتدرج منه إلى ما هو أخص. فإذا لاحظنا أن تصور قانون كلي يصاحبه طبيعة، من حيث

стр. 247

إن المعنى الصوري للفظ طبيعة يدل على أشياء خاضعة لقوانين، استطعنا أن نصوغ الأمر المطلق في صيغة جديدة هي: "اعمل كما لو كنت تريد أن تقيم الحكم الصادر عن فعلك قانونًا كليًّا للطبيعة". وما علينا إلا أن نراجع هذه الصيغة ببعض الأمثلة لنرى كيف تطبق. مثال أول: هل يجوز للذي يضيق بالحياة أن ينتحر؟ إن هذا الإنسان يصدر عن حب الذات ويرتب عليه هذا الحكم، وهو أنه يستطيع اختصار حياته إذا خشي أن تربي آلامها على لذاتها. ولكن الطبيعة التي يكون قانونها القضاء على الحياة بموجب النزعة التي وظيفتها الدفع إلى تنمية الحياة واستطالتها، تكون طبيعة مناقضة لنفسها, ولا يقوم لها كيان كطبيعة. فلا يمكن أن يصير مثل هذا التطبيق لحب الذات قانونًا كليًّا للطبيعة. مثال ثانٍ: هل يجوز اقتراض المال والوعد برده مع العلم بعدم القدرة على رده؟ كلا، إذ إن المفروض في الموعد هو الصدق، فكيف يمكن أن يصير الوعد الكاذب قانونًا كليًّا؟ هذا أيضا تناقض، ونتيجته المحتومة ألا يصدق أحد مثل هذا الوعد، فيصبح الوعد نفسه مستحيلًا، ويستحيل نوال القرض الموجو منه. مثال ثالث: هل يجوز إيثار لذات الحياة على تثقيف النفس وتنمية الشخصية؟ إن هذا الحكم يمكن أن يصير قانونا كليا من وجه؛ لأنه لا يلاشي الطبيعة، فلا ينطوي على تناقض؛ ومع ذلك لا يمكن في واقع الأمر أن يصير قانونًا كليًّا؛ لأن الإنسان بصفته موجودا عاقلا يريد بالضرورة أن تبلغ قواه تمام النماء، من حيث إنها حينئذ تسعفه في تحقيق غايات مختلفة، وإنها وهبت له لهذا الغرض. مثال رابع وأخير: هل يجوز للغني أن يقول: ماذا يعنيني من أمر الغير؟ إن هذا الحكم أيضا يمكن أن يتصور قانونًا كليًّا من وجه، لأن النوع الإنساني يمكن أن يبقى معه، ولكن الإرادة التي تأخذ به تناقض نفسها؛ لأنها بموجبه تقطع كل أمل وتفقد كل حق في الحصول على العون عند الحاجة. ففي المثالين الأولين الحكم مناقض لنفسه، فلا يمكن إطلاقًا تصوره على نحو كلي، وفي المثالين الأخيرين الإرادة هي التي تناقض نفسها في ماهيتها، فلا يمكن بهذا الاعتبار تصور حكمها على نحو كلي, وقس على ذلك سائر الأحكام. ج- هذا من جهة أن الإرادة قوة العمل بناء على تصور قانون، ولكنها أيضًا قوة العمل لغاية. ومن الغايات ما هو متروك للاختيار فلا يدخل إلا في أوامر

стр. 248

شرطية. أما الأمر المطلق فيجب أن يكون له غاية من نوع آخر، غاية بالذات يضعها العقل وحده فتفرض على كل موجود عاقل. هذه الغاية لا نجدها إلا في الموجود العاقل نفسه، فإن في الواقع نفس العقل، فيجب عليه ألا يدع نفسه يرجع إلى شيء خارجي، أسوة بالعقل الذي لا يرجع إلى شيء خارجي "في مذهب كنط". ولما كانت الصورة التي تبدو لنا فيها الطبيعة العاقلة هي الإنسانية، كانت الإنسانية غاية بالذات و"مادة" الإرادة الصالحة. فتخرج لنا صيغة جديدة للأمر المطلق، هي: "اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك, وفي أي شخص آخر كغاية لا كوسيلة". وإذا طبقنا هذه الصيغة الجديدة على الأمثلة المذكورة آنفًا، تبين لنا أن الذي ينتحر يتصرف بالإنسانية في شخصه كما لو كانت وسيلة ليس غير لحياة هنيئة أو محتملة؛ وأن الذي يبذل وعدًا كاذبًا يتصرف بالغير كما لو لم يكن الغير غاية بالذات بل كان مجرد أداة لرغباته؛ وأن الذي يهمل تثقيف نفسه فلا يساهم في كمال الإنسانية يعتقد أنه يستطيع استخدام الإنسانية في شخصه طبقًا لذوقه الخاص؛ وأن الذي يمسك معونته عن الغير، وإن كان لا يمنع الإنسانية من أن تكون غاية بالذات، فإنه لا يريدها كذلك ولا يعمل على ذلك. د- وبالجمع بين الصيغتين المتقدمتين نحصل على صيغة ثالثة هي: "اعمل كما لو كنت مشرع القانون" ذلك بأنه إذا كان واجب الموجود العاقل أن يعمل بمقتضى القانون، وأن يعامل نفسه كغاية بالذات، فواضح أنه لا يمكن الاقتصار على اعتباره خاضعًا للقانون، وإلا كان مجرد أداة ووسيلة بالإضافة إلى قانون يفرض عليه من خارج أو من عل، وإنما يجب أن يكون أيضًا صانع القانون. وهكذا نصل إلى فكرة إرادة مشرعة كلية، وهي فكرة أساسية مستخرجة من مجرد تحليل الأمر المطلق، وكافية لتوفير منفعة "عقلية" للإرادة تحملها على الطاعة له، إذ كان من الحق أن ليس يمكن إرادة شيء دون تصور منفعة ما. فيكون موقفنا أننا -باعتبارنا موجودات عاقلة- مشرعو القانون الذي نحن خاضعون له باعتبارنا موجودات عاقلة وحاسة معًا. فالمبدأ الأساسي والمبدأ الأعلى للخليقة هو "استقلال الإرادة" لأنه مبدأ كرامة الطبيعة الإنسانية وكل طبيعة عاقلة. ومتى كان القانون صادرًا عن العقل كان واحدًا عند جميع الموجودات العاقلة، وكانت هذه الموجودات بمثابة عالم معقول أو مملكة الغايات، أي: اتحاد منظم خاضع لقوانين مشتركة،

стр. 249

رئيسه الموجود العاقل البريء من الحساسية الكامل الإرادة, يقرر القوانين ولا ينفعل بقوتها إلا كراهية. وهكذا تعينت الصيغة الأصلية للأمر المطلق بثلاث صيغ أخرى تتفق معنى ولا تتمايز إلا بأن الأولى خاصة بصورة الأحكام الأخلاقية "وهي القانون الكلي للطبيعة" والثانية خاصة بالمادة "وهي الموجودات العاقلة الغايات بالذات" والثالثة تعينها تمام التعيين "وهي الاستقلال بالتشريع في مملكة الغايات". وهذه الصيغ الثلاث تتدرج بالأمر المطلق حتى تقربه إلى نفوسنا. ١٠٧ - من الواجب إلى الميتافيزيقا والدين: أ- قلنا: إن الواجب أمر مطلق صادر عن إرادة خالصة إلى إرادة منفعلة بميول حسية, فكيف يمكن أن تتطابق هذه مع تلك؟ لا بد من واسطة تصل بينهما, هذه الواسطة هي الحرية. نعم ليس الواجب ممكنًا إلا بالحرية، ووجوده يدل على وجودها، وهما معنيان متضايفان، فإنه إذا كان على الإنسان واجب، كانت له القدرة على أدائه، وكان فيه، إلى جانب العلية الظاهرية، علية معقولة مفارقة للزمان تضع القانون وتفرضه على نفسها. فالحرية خاصية الموجودات العاقلة بالإجمال، فإن هذه الموجودات لا تعمل إلا مع فكرة الحرية، وهي إذن, من الوجهة الخلقية, حرة حقا. وبعبارة أخرى: إن للقوانين الواجبة نفس القيمة بالإضافة إلى موجود حر, وبالإضافة إلى موجود لا يستطيع أن يعمل إلا مع تصور حريته، وذلك هو المعنى الذي يحق لنا به إضافة إرادة حرة لكل موجود عاقل. فالحرية والقانون يؤكدان العالم المعقول، والإنسان عضو فيه من حيث خضوعه لقوانين عقلية بحتة، وهذا ظاهر في نفس كل إنسان، حتى المجرم، فإنه يقر بسموّ الفضيلة التي يخالفها، فهو بإقراره هذا يلاحظ العالم المعقول. فالقانون علة علمنا بالحرية، والحرية علة وجود القانون. والقانون يبرهن على الحرية، والحرية تفسر القانون. وفكرة العالم المعقول واسطة التركيب بين الإرادة المنفعلة بالميول وبين الإرادة المشرعة الكلية. على أن هذا العالم المعقول ليس موضوع علم أصلًا، ولكنه "وجهة نظر" يجد العقل نفسه مضطرا للارتفاع إليها لكي يتصور نفسه موجودًا خلقيًّا. فليس للعقل أن يحاول تفسير إمكان الحرية؛ فإن مثل هذه المحاولة معارضة لطبيعة العقل من حيث إن علمنا محصور في نطاق العالم المحسوس, وإن الشعور

стр. 250

الباطن لا يدرك سوى ظواهر معينة بسوابقها، وهذه المحاولة معارضة لطبيعة الحرية نفسها من حيث إن تفسيرها يعني ردها إلى شروط وهي علية غير مشروطة. فيكفي أن يستطيع العقل استبعاد المذاهب التي تعتبر الإنسان شيئًا من أشياء الطبيعة فحسب، وأن يفهم وجوب استعصاء هذه المسألة عليه لما يعلم من قصوره. ب- بعد مسألة: ماذا يجب أن أعمل؟ تأتي مسألة: ما مصيري؟ ولكي نحل هذه المسألة ما علينا إلا أن نمضي مع العقل إلى هدفه الأسمى، وهو المطلق. لكن لا العقل النظري الذي موضوعه العلم، ولا العقل العملي الذي موضوعه الخير الخلقي، بل العقل بالذات الذي يظهر في العقلين ويجمع بينهما. ما حكمه في معنى الخير وهو المعنى الذي يتعين علينا أن نتصوره هنا على وجه الإطلاق؟ إذا اتخذنا هذا الموقف وجدنا أن معنى الخير مشترك بين الخير الخلقي والخير الطبيعي المحسوس. وإذن فليس الخير الخلقي هو الخير الأوحد أو الكامل والتام، وإن كان هو الخير الأعلى؛ بل هناك أيضا الخير الذي هو موضوع ميولنا الحسية. فالخير المطلق مركب من هذين الخيرين، وهذا التركيب نتصوره في معنى الخير الأعظم، وهذا المعنى هو المبدأ الموحد بين ميول الطبيعة والإرادة الخالصة. هو الفضيلة من جهة، والسعادة بنسبة الفضيلة من جهة أخرى. الفضيلة هي الشرط من حيث إنها خير بذاتها, بينما السعادة متوقفة عليها فهي خير من وجه فقط، ولا يبررها إلا السيرة الفاضلة, وبكلمة واحدة الفضيلة تجعلنا أهلًا لأن نكون سعداء. ج- ما شروط تحقيق الخير الأعظم الذي يقضي به العقل؟ أو كيف نتصور اجتماع الفضيلة والسعادة؟ هذه صعوبة رأى الرواقيون والأبيقوريون أن يحلوها بوضع نسبة تحليلية بين الحدين، بحيث تكون الفضيلة شرطًا للسعادة، أو تكون السعادة شرطًا للفضيلة, ولكن هذا محال. قال الرواقيون: إن الفضيلة تتضمن السعادة، وإن الإنسان الفاضل سعيد بالفضيلة تمام السعادة. والتجربة تدحض هذه القضية، وما ذلك إلا لأن الحدين متغايران تمام التغاير: السعادة معنى حسي والفضيلة معنى عقلي؛ وهما يرجعان إلى قانونين متغايرين تمام التغاير, ترجع الفضيلة إلى القانون الخلقي أي: إلى الكلي بالذات، وتتوقف السعادة على القوانين الجزئية للطبيعة، وليست تعني الطبيعة بالخلقية، وليست تراعي الصلاح والطلاح فيما تقضي به من لذات أو آلام لبني الإنسان. وقال الأبيقوريون:

стр. 251

إن السعادة المعينة بالعقل تتضمن الفضيلة، فما الفضيلة إلا الاسم الكلي الذي تندرج تحته الوسائل إلى السعادة. والعقل ينكر هذه القضية، إذ لا فضل ولا فضيلة في طلب السعادة، بل إن طلبها يفسد الفعل الخلقي. د- الحق أن النسبة بين الحدين تركيبية. إذا كان هناك عالم أعلى مطابق بذاته لشروط الخلقية، وأمكن التسليم بتأثير هذا العالم الأعلى في عالمنا المادي، فحينئذ يمكن قبول القضية الرواقية، ويمكن تصور الفضيلة علة للسعادة بصفة غير مباشرة بفضل ذلك التأثير، بحيث يكون العالم المعقول هنا أيضًا واسطة التركيب بين الحدين. فلكي يمكن أن يتحقق الخير الأعظم، يجب أولًا أن تكون الفضيلة الكاملة أو القداسة ممكنة. ولكن الإنسان المركب من طبيعتين متباينتين قاصر كل القصور عن البلوغ إلى القداسة، فإن معنى القداسة بالإضافة إليه قهر الحساسية قهرًا تامًّا, من حيث إنها أنانية في صميمها معارضة للخلقية بذاتها. على أن الإنسان، إذا لم يكن في طاقته أن يصير قديسًا بالإطلاق، فهو يستطيع أن يترقى إلى غير نهاية نحو القداسة بإضعاف ميوله الحسية إضعافًا مطردًا. ولكي يكون هذا الترقي اللامتناهي ممكنًا، يجب أن تدوم شخصيتنا، وذلك هو خلود النفس، أي: إمكان تحقيق شخصيتنا في سلسلة غير متناهية من الحيوات المحسوسة تقربها من القداسة إلى غير حد. هـ- ويجب ثانيًا لكي يتحقق الخير الأعظم أن يؤثر في الطبيعة فاعل تتحد فيه القداسة والسعادة اتحادًا تامًّا, هذا الفاعل هو الذي يدعى الله. ويكفي أن نعلم بالضبط النسبة بين الإنسان من جهة والطبيعة والخلقية من جهة أخرى حتى ندرك ضرورة الله. ذلك بأن السعادة حالة الشخص الذي تجري كل الأمور على ما يشتهي، فهي تتضمن توافقًا بين الطبيعة والغايات التي يسعى إليها الشخص. فإذا كان لا بد من وجود سعادة مرتبطة بالفضيلة وعلى قدرها، فلا يمكن أن تحقق هذه السعادة إلا بوجود علة للطبيعة مفارقة لها حاصلة على مبدأ هذا الجمع, أو التركيب بين الحدين والمناسبة بينهما. هذه العلة هي الخير الأعظم الأصلي الذي يجعل الخير الأعظم الإضافي ممكنًا، أي: الذي يحقق عالمًا يكون خير العوالم. "إن الحالة إلى السعادة، واستحقاق السعادة بالفضيلة, وعدم المشاركة فيها مع ذلك، هذا ما لا يتفق أصلا مع الإرادة الكاملة للموجود "الأعلى" العاقل الحاصل على

стр. 252

القدرة الكلية، حالما نحاول فقط أن نتصور مثل هذا الموجود". وفالحرية والخلود والله أمور يؤدي إليها العقل العملي, وإن عجز العقل النظري عن البرهنة عليها. هي "مسلمات العقل العملي" وهي عقائد، لا عقائد شخصية ذاتية، بل موضوعية كلية؛ لأن العقل نفسه هو الذي يفرضها، فهي عقائد مشروعة. وإن التسليم بها إقرار بتقدم العقل العملي على العقل النظري. غير أن هذا التقدم لا يعني العلم بوساطة العقل العملي بما لا يستطيع العقل النظري العلم به، بل يعني فقط أننا نثبت باسم العمل ما يقتضيه العمل، فنؤمن به إيمانًا خلقيًّا أو عمليًّا قائمًا على "حاجة للعقل العملي" هي من ثمة حاجة كلية. ولا بأس في ذلك، بل على العكس, إن هذا الإيمان موافق لنا كل الموافقة, فلو كان لنا بالله وبالخلود علم نظري كامل، لكان يكون من المستحيل استحالة أدبية ألا يضغط هذا العلم على إرادتنا ويجبرها، ولكانت خليقتنا آلية فكنا أشبه بالدمى يحركها الخوف أو الشهوة، في حين أن الإيمان يدع مجالًا لحرية الإرادة, وللفضل في الفضيلة. ز- ونتيجة هذه النظرية أن يحق لنا أن نتصور واجباتنا أوامر صادرة ليس فقط عن العقل بل أيضًا عن الله، فننتهي إلى الدين، لا الدين الموضوع قبل الأخلاق والمعين لها، بل على العكس الدين القائم على الأخلاق القائمة على العقل. نعم إن الأخلاق تنتهي إلى الدين ولا تقوم عليه. هي تنتهي إلى الدين لأن الإنسان، وهو حاس عاقل معًا، لا يستطيع بقوته الذاتية البقاء إلى غير حد على الإرادة الصالحة ومقاومة مطالب الحساسية، وأن يحدث بأداء الواجب ما تقتضيه هذه الحساسية بحق من سعادة. والأخلاق لا تقوم على الدين؛ لأن في طاعة القانون الخلقي أصل الحاجة التي يرضيها الدين. ولهذا العكس أثر بالغ، فإن سلمنا به لم يبق الدين عقيدة نظرية، ومثل هذه العقيدة تفترض معارف ممتنعة علينا، ولم يبق الدين عبادات نرمي بممارستها إلى إحداث القداسة فينا، والعبادات أشياء حسية. ولئن كنا سلمنا بتأثير من العالم المعقول على العالم المحسوس، فلا يسعنا التسليم بتأثير من المحسوسات على المعقولات. وإذن فالدين قائم كله على الفعل الخلقي الباطن ١.

стр. 253

١٠٨ - تعقيب: أ- هذا مذهب سامٍ بلا ريب، وقد طالما أثار الإعجاب. وإن القارئ لكنط في الأخلاق ليحمد له سمو روحه وشدة غيرته على الفضيلة، وهو القائل: "شيئان يملآنني إعجابًا: السماء ذات النجوم فوق رأسي، والقانون الخلقي في نفسي" ولكن المقصد شيء وتبريره شيء آخر، وقد أخفقت محاولة كنط فيما نرى لإقامة الأخلاق على أسس وطيدة، ولا بد من بيان ذلك ههنا بكلمات موجزات ليتم إلمامنا بحقيقة المذهب, فنقول: أولًا: إنه لا يمكن أن يكون الواجب صورة بحتة. أجل، إن مطابقة الفعل للواجب قد تكون خارجية فقط ويكون القصد اللذة أو المنفعة، وإن هذا يبين الفرق بين الصورة والمادة في الأخلاق، وبين الفضيلة والرذيلة. ولكن هذا يبين أيضًا أن الواجب هو عمل موضوع ما لذات الموضوع، أي: لحكم العقل بأنه هو الملائم اللائق. فمنشأ صلاح الإرادة هو توجيهها إلى الخير الحق، بحيث تكون الصيغة الحقة للواجب: "افعل الخير واجتنب الشر". وماذا يفيد المرء من مجرد القصد الحسن؟ إن الغرض من العمل تكميل النفس، والنفس جملة قوى تتطلب التحقق بالفعل الملائم. فهل تتكمل بالباطل وإن اعتقدته حقًّا؟ أو هل تتكمل بإرضاء شهوات الجسم بحجة أن التوجه إلى الله هو المقصود, وأن الجسم عديم القيمة، كما يزعم بعض المتصوفين أو بالأحرى المتصاوفين؟ وليست الرغبة في الموضوع الملائم مخالفة للواجب أو مغايرة له، ولكنها متضمنة فيه، من حيث إن الواجب هو فعله، وإن إدراكنا للخير الملائم لا بد أن يثير فينا ميلًا إليه. ولولا ذلك لما فعلنا شيئًا، ولما فهمنا أن موجودًا عاقلًا يفعل شيئًا، فيرتفع الواجب مادة وصورة. ب- ثانيًا: إن الواجب كما يضعه كنط هو أمر مطلق بالإضافة إلى العقل، لكن لا بالإضافة إلى الإرادة. ذلك بأن الواجب يعبر عن نسبة ضرورية بين الفعل

стр. 254

والطبيعة الإنسانية العاقلة، وأن العقل يدرك هذه النسبة وضرورتها، ولكن للإنسان طبيعة حسية، والخير عنده مشترك بين الخير الحسي والخير العقلي، وقد تأبى الإرادة أن تسير سيرة عقلية وتؤثر عليها اللذة والمنفعة، فتكون صيغة القانون الخلقي في الحقيقة هكذا: "إذا أردت أن تسير بموجب العقل فافعل كذا" بأي سلطة نواجه الإرادة؟ إذا كان الإنسان هو المشرع لنفسه، فلا يمكن أن يلزم نفسه. ومن البديهي أن القانون الخلقي لا يلزم الإرادة إلا إذا كان صادرا عن سلطة عليا. وقد زعم كنط أن فلسفة الأخلاق يجب أن تقوم بذاتها، فكانت النتيجة أنه ترك الواجب أمرًا شرطيًّا غير موجب. وقد خشي أن تهدر الكرامة الإنسانية، ولكن القانون الإلهي هو في الوقت نفسه قانون الطبيعة الإنسانية يدركه العقل فيها, ويدركه أمرًا إلهيًّا حالما يعتبرها مخلوقة, وهل يمكن أن يكون المخلوق مستقلًّا كل الاستقلال، أي: غير مخلوق؟ ج- ثالثًا: إن الكلية وسيلة طيبة لتعرف الفعل السائغ من غير السائغ، ولكنها ليست صيغة صورية، ولا يلبث كنط أن يضع معادلة تامة بين الكلية والطبيعة حيث يقول: "إن تصور قانون كلي يصاحبه تصور طبيعة". ولا يخرج لفظ الطبيعة عن معنيين: أحدهما أن الطبيعة جملة الأشياء, والآخر أنها ماهية الشيء. ففي الحالة الأولى تكون الكلية مساوقة للطبيعة، وفي الحالة الثانية تكون لاحقة على الماهية. ويأخذ كنط لفظ الطبيعة بالمعنيين المذكورين, ويفرع الثاني إلى اثنين هما الطبيعة الحسية والطبيعة العقلية في الإنسان، فيجتمع له ثلاثة معانٍ مختلفة ينتقل من أحدها إلى الآخر دون تحرج ولا تنبيه، كما يتضح من تحليله للأمثلة الأربعة. ففي المثال الأولى يقول: إن الذي ينتحر يناقض طبيعته التي تدفع إلى البقاء، فيأخذ لفظ الطبيعة بمعنى الماهية. وفي المثال الثاني يقول: إن الوعد الكاذب مناقض لمفهوم الوعد، وإن النتيجة المحتومة ألا يصدق أحد وعدًا، فيعتمد على معنى الماهية أولًا, وعلى معنى الطبيعة كجملة بني الإنسان ثانيًا. وفي المثال الثالث يقول: إن الذي يتبع اللذة لا يلاشي الطبيعة فلا تشتمل سيرته على تناقض، ولكن الموجود العاقل يريد بالضرورة أن تبلغ قواه تمام النماء، فيأخذ لفظ الطبيعة بمعنى الطبيعة الحسية أولا ومعنى الطبيعة العقلية ثانيا. وفي المثال الرابع يقول: إن الغني الذي لا يعنى بالفقير لا يلاشي النوع الإنساني، ولكنه يفقد كل أمل

стр. 255

في عون الغير، فيعتمد على معنى الطبيعة كجملة بني الإنسان. وكان من أثر هذا التردد ذهابه إلى أن كلا من المثالين الثالث والرابع يمكن أن يصير قانونًا كليًّا من وجه، والحقيقة أن هذا غير ممكن لأن كلا الرجلين يخالف الطبيعة العقلية التي هي الملحوظة في الأخلاق، فتشتمل سيرته على تناقض. ثم إن اعتبار الماهية هو عين اعتبار الكمال الذي أبى كنط أن يجعل منه غاية. د- رابعًا: إن وجود الواجب يدل على وجود الحرية، لكن لا في مذهب كنط، إذ كيف يكون "العمل مع تصور الحرية" عملًا حرًّا والفلسفة النقدية تقرر أن أفعالنا خاضعة للآلية, وأن تصور الحرية نفسه فعل من هذه الأفعال؟ وأي معنى يبقى للواجب الذي هو أمر صادر للإرادة المنفعلة بميول حسية، ويجب العمل به بالرغم من الميول الحسية، أي: بالرغم من سلسلة العلل الآلية، وهذا مستحيل في تلك الفلسفة؟ يلجأ كنط إلى العالم المعقول ويقول: إن كل نفس تختار فيه لنفسها "خلقًا معقولًا" ينتشر في الحياة المحسوسة على نحو آلي بمر الزمان، فيبعث قصة لأفلاطون، مع فارقين في مصلحة أفلاطون؛ في أحدهما أنه يسوق الفكرة في قصة، في حين أن كنط يضعها موضع الجد، والفارق الآخر أن أفلاطون يؤمن بحقيقة العالم المعقول ويعرف للعقل القدرة على التدليل على وجوده، في حين أن كنط يتصور العالم المعقول مجرد "وجهة نظر" وينكر على العقل القدرة على البلوغ إليه. وقد نفترض وجود العالم المعقول فيستحيل علينا أن نرى فيه أي معنى للحرية والواجب طبقا لمبادئ الفلسفة النقدية, فإنه إذا كان العالم المعقول معقولا حقا، كان خاضعًا لمبدأ العلية ولم يتسع للحرية، وإذا كانت النفس فيه عقلًا خالصًا وإرادة خالصة كما يلزم من تعريفه، كانت مستقيمة بالطبع فلا ينطبق عليها الواجب، ويبقى على كنط أن يفسر لنا كيف تسيء الاختيار، ثم كيف يتفق اختيارها مع سلسلة العلل الآلية في العالم المحسوس، ثم كيف يتفق اختيار النفوس جميعًا من تلك العلل التي تخضع لها النفوس في الحياة الأرضية؟ هل يذهب كنط مع أفلاطون إلى أن النفوس تختار بين نماذج حيوات معينة تبعًا لمجرى الكواكب، أو يقول مع ليبنتز: إن الله نسق بين العالمين؟ إن حله لمسألة الحرية حل لفظي بحت، والنتيجة الثابتة من مذهبه أن يدع الإنسان حائرًا بين الواجب الذي يعلنه إليه العقل العملي، وبين الآلية الطبيعية التي يحتمها العقل النظري.

стр. 256

هـ- خامسًا: إن الاستدلال بفكرة الواجب على ضرورة الخلود وضرورة الله استدلال سليم، ولكن بشرط أن نعترف للعقل بقوة الإدراك الموضوعي، ولمبدأ العلية بقيمة موضوعية، وهذا الشرط غير متوفر في مذهب كنط، فلا يبقى للإيمان بالخلود وبالله أساس معقول، ويكون تقدم العقل العملي على العقل النظري افتئاتًا لا مسوغ له. ولقد باعد كنط بين الخير الخلقي والخير الحسي أو السعادة في عرفه حتى ظننا كل الظن أنهما لن يتلاقيا، وها هو ذا يجمع بينهما في فكرة "الخير الأعظم" ويقول: إن هذه الفكرة يذهب إليها العقل بالذات ويقودنا بوساطتها إلى الخلود, وإلى الله, فأين كان هذا العقل بالذات وقت الشروع في إقامة فلسفة الأخلاق؟ وفيم كانت الإشادة بالفضيلة المجردة؟ وفيم كان التنديد بالسعادة؟ كيف صار للفضيلة ثمن ومكافأة، ولم تعد غاية بذاتها لذاتها؟ وإذا كان لا بد من السعادة، أفليست السعادة المجانسة للفضيلة، كما فهمها القائلون بالكمال، أولى من الأخرى؟ وكيف نأمن ألا تفسد السعادة الإرادة الصالحة بعد أن يجعل الله العالم المادي متفقًا مع الفضيلة بحيث يكافئنا باللذة كلما فعلنا الفضيلة؟ لقد أبى كنط كل الإباء أن يسند الواجب إلى الله، فما باله يعود فيقول: إن لنا أن نتصور الواجب صادرًا عن الله؟ وماذا يصير باستقلال الإنسان وإرادته، وقد تشدد كنط في صيانتهما أيما تشدد؟ هل يعقل أن تبقى حياتنا الخلقية بمعزل عن هذا الإيمان ولا تتأثر به؟ لقد أشفق كنط على حريتنا من العلم النظري بالخلود وبالله، فكيف لا يشفق عليها من الإيمان وهو يريده قويًّا راسخًا رسوخ فكرة الواجب؟ إن حل كنط لمسألتي الخلود والله حل لفظي, فإنه يقيم هاتين الفكرتين على فكرة الواجب وهي صورة صرفة لا تمتاز بشيء عن باقي الصور العقلية التي يأبى كنط أن يعترف لها بالموضوعية، فيكون الخلود ويكون الله مجرد صورتين. فكنا إذن متسامحين لما سمينا الحرية والخلود والله "مسلمات العقل العملي". إنها في الواقع "مصادرات" لا يسمح المذهب بقبولها ويضعها الفيلسوف وضعًا. وماذا فعل في النهاية؟ محا الميتافيزيقا أول الأمر, فأخطأ فهم المعاني الأخلاقية الكبرى، وقلب الوضع الطبيعي لفلسفة الأخلاق رأسًا على عقب، ثم عاد فأثبت الميتافيزيقا ليحتفظ للأخلاق ومعانيها بقيمة ما، فدلنا على استحالة الاستغناء عن الميتافيزيقا. وبعبارة موجزة: إنه هدم بيده البناء الذي شاده، وتلك عاقبة المبطل مهما يؤت من مقدرة.

стр. 257

الباب الرابع: تركيب وبناء النصف الأول من القرن التاسع عشر مدخل ... الباب الرابع: تركيب وبناء "النصف الأول من القرن التاسع عشر" ١٠٩ - تمهيد: أ- ليس يرضي المرء حال واحد، وتاريخ الفلسفة يشهد بذلك كما يشهد به التاريخ العام والملاحظة اليومية. كان العصر الوسيط عصر إيمان ويقين، ثم نجم الشك منذ القرن الرابع عشر، وتفاقم في القرنين التاليين، حتى إذا ما جاء القرن السابع عشر شهدنا رد فعل قويًّا ومذاهب كبرى كلها مثبتة مؤكدة. ثم كان القرن الثامن عشر فإذا النقد والشك يعودان بشدة وينتشران بسرعة, فحاول كنط أن يقف تيار الشك ويكبح جماح النقد باسم العلم والأخلاق. وقد مضى على أثره القرن التاسع عشر يعمل على التركيب والبناء، مع فوارق في الدواعي وفي المذاهب سنعنى بتبيانها. ب- والقرن التاسع عشر من أبهى عصور الفلسفة، فهو زاخر بالأسماء حافل بالجهود، نجد أنفسنا مضطرين إلى تقسيم الكلام عليه إلى بابين: باب يتناول نصفه الأول، وآخر يتناول نصفه الثاني، وهما مختلفان نزعة وقوة. ونقسم الباب الأول إلى ثلاث مقالات: واحدة في الفلسفة الألمانية، وأخرى في الفلسفة الفرنسية، وثالثة في الفلسفة الإنجليزية، تبعًا لأهمية كل منها. الفلسفة الألمانية تصدر عن كنط وتتفرع فروعًا كثيرة طريفة قوية؛ والفلسفة الفرنسية تنجب مذاهب طريفة كذلك في علم النفس والاجتماع؛ والفلسفة الإنجليزية بعضها يستوحي الفلسفة الألمانية في نقد المعرفة والوجود، وبعضها يمضي مع العقلية القومية وهي تجريبية كما هو معلوم، فيعالج على مقتضاها مسائل علم النفس والأخلاق والاجتماع.

стр. 258

المقالة الأولى: الفلسفة في ألمانيا مدخل ... المقالة الأولى: الفلسفة في ألمانيا ١١٠ - تمهيد: أ- ألح كنط في بيان أن الفكر فاعل أصيل مركب لموضوعاته، ثم اعتقد بمادة للمعرفة آتية من خارج، فحد من سلطان الفكر وعلق فعله على شيء مغاير له، وهو القائل: إن استخدام مبدأ العلية للخروج من التصور إلى الوجود مجاوزة لقانون الفكر. فقام جيل من الفلاسفة اعتنقوا مبدأ فاعلية الفكر إطلاقًا، فاشتركوا في التصورية المطلقة وفي وحدة الوجود؛ كل منهم يضع مبدأ واحدًا مطلقًا، ويستنبط منه مبادئ فرعية، ويفسر بها جميع العالم والحياة وما تبدو فيه الحياة من تاريخ وعلم ودين وفن. وهم إذ يصحِّحون كنط في هذه النقطة، يعودون في الحقيقة إلى صميم مذهبه، ويعودون إلى النزعة الألمانية الدفينة التي صادفناها عند ديكارت وبوهمي مثلًا، وهي نزعة الحياة المتدفقة من باطن إلى ظاهر، الصادرة عن الواحد إلى الكثير. ب- كانت هذه النزعة ممثلة أيضًا في عقلية العصر وحاجاته, فقد كانت البروتستانتية أفرغت الدين من كل عقيدة معينة وردته إلى مجال العاطفة فحسب، وأطلقت للنفس العنان تذهب في الرومانتية كل مذهب معتزة بحريتها, متمردة على كل سلطان أو رقيب. وكانت الثورة الفرنسية محاولة جريئة لإعادة بناء المجتمع على مبادئ كلية ومعانٍ مجردة، وسرعان ما هاجت الأفكار والعواطف في أرجاء القارة الأوروبية. وكان الشعر الألماني في عصره الذهبي، عصر جوتي وشيلر اللذين أبدعا في الإعراب عن نوازع الحياة. فأراد الفلاسفة أن يقلدوا الفنانين فيجعلوا من العلم والشعر شيئًا واحدًا, أعني: مظهرين لقوة خالقة واحدة بعينها، فجاءت مذاهبهم رومانتية، وماهية الرومانتية، على ما عرّفها أحد أركانها نوفاليس، تعميم أو إطلاق الموقف الفردي، في حين أن الكلاسيكية تستوحي الكلي المطلق في الإنسان أي: الماهية، فتصدر عن العقل وتخاطب العقل، وتصدر الرومانتية عن الشعور الفردي وترمي إلى إثارة الشعور في أغمض صوره، ومن هنا جاء ميل

стр. 259

هؤلاء الفلاسفة إلى لانهائية الوجود ولانهائية التقدم في التاريخ. ولعل الرومانتية الفلسفية ترجع إلى ديكارت مذ قال: "أنا أفكر وأنا موجود" واستخدم ضمير المتكلم باطراد راويًا عن نفسه مستشهدًا بأفكاره وأحواله، فشاعت هذه الطريقة حتى انتهى الأمر إلى اعتبار المذهب الفلسفي "وجهة نظر" لا ينازع فيها الفيلسوف كما لا ينازع الفنان في وجهته، وإلى استدلال الفيلسوف على حقائق الأشياء بمنهج تفكيره الخاص وتجربته الخاصة. يضاف إلى ما تقدم الرجوع إلى دراسة سبينوزا بعد إهمالها، فبدا كتابه "الأخلاق" كأنه المثل الأعلى للفلسفة والمنهج الأكمل، سواء لأصحاب وحدة الوجود ولخصومهم. والرأي في الفلاسفة الذين نؤرخ لهم في هذه المقالة, أنهم دلوا على مقدرة عظيمة في التركيب والتنسيق، ولكنهم استمدوا مادتهم من تراث كبار الفلاسفة، وغلوا في التجريد، وأغربوا وأمعنوا في الإغراب، وأثقلوا كتبهم بأسلوب غريب معقد محشو بالاصطلاحات، فجاءت بعيدة المنال على الأكثرين، تقتضي قراءتها مرانًا خاصًّا ليس باليسير.

стр. 260

الفصل الأول: فختي " ١٧٦٢ - ١٨١٤ " ١١١ - حياته ومصنفاته: أ- ابن فلاح من أهل سكسونيا. كان يستمع إلى عظات الأحد فيحفظها عن ظهر قلب, فلما خبر فيه هذه المقدرة سريّ من سراة المنطقة تكفل بنفقات تعليمه. فترك الصبي رعي البقر والإوز وأخذ يقطع مراحل التعليم، حتى بلغ إلى المرحلة الجامعية وهو في الثامنة عشرة، فاجتازها بالرغم مما نزل به من ضنك شديد بوفاة كفيله. درس اللاهوت وفقه اللغة والفلسفة في إيينا وليبزج، وطوف في أرجاء ألمانيا ليوسع من ثقافته. ب- وهو في الثامنة والعشرين وقف على كتب كنط، ومن ذلك الوقت وجد وجهته العقلية. وفي السنة التالية قصد إلى كونجسبرج، وتعرف إلى الفيلسوف الكبير، وعرض عليه كتابًا عنوانه "محاولة في نقد كل وحي" ذهب فيه إلى أن الوحي غير مقبول ما لم يكن بأكمله عقليًّا معقولًا. كان الكتاب عبارة عن تطبيق مذهب كنط على الدين قبل أن يضع كنط كتابًا في هذا الموضوع، فقدره؛ بل إن الكتاب نشر غفلا من اسم المؤلف لخطأ عرض، فظنه كثيرون من قلم كنط. وبعد سنة عين أستاذًا بجامعة إيينا " ١٧٩٣ ". ج- في هذه الجامعة بسط مذهبه، ثم نشره في كتاب "المبادئ الأساسية لنظرية المعرفة" " ١٧٩٤ " الذي يعد أهم كتبه, والذي كان موضع عنايته المتصلة ينقحه باستمرار ليجعله أكثر كمالًا وأقرب منالًا. ثم نشر كتابًا في "القانون الطبيعي" " ١٧٩٦ "، و"المدخل الأول إلى نظرية المعرفة" " ١٧٩٧ " هو خير عرض لمذهبه، و"الفلسفة الخلقية" " ١٧٩٨ ". وأذاع مقالًا في "مبدأ اعتقادنا بعناية إلهية" " ١٧٩٨ " فاتهمه كاتب بالإلحاد؛ فكرر آراءه في رسالتين بعنف أشد, إحداهما بعنوان "نداء إلى الجمهور" والأخرى "دفاع قانوني" " ١٧٩٩ " ووجه خطابًا مثيرًا إلى أحد أعضاء حكومة قيمار, فثار الأعضاء جميعًا حتى جوتي

стр. 261

وقرروا عزله من منصبه، فغادر المدينة. د- قضى بضع سنين في برلين يحرر عروضًا جديدة لمذهبه، ويلقي دروسًا شعبية. ونشر كتاب "مصير الإنسان" " ١٨٠٠ " ثم ثلاثة كتب هي "الخاصية الجوهرية للعالم ومظاهرها في ميدان الحقيقة" و"المنهج للوصول إلى الحياة السعيدة" و"الملامح الكبرى للعصر الحاضر" " ١٨٠٦ ". وفي برلين أعد كتابه "ظواهر الشعور" الذي لم ينشر إلا بعد وفاته، وهو أسهل عرض لما كونه في سنيه الأخيرة من آراء عامة في الفلسفة وعلم النفس. وبعد موقعة إيينا التي انتصر فيها نابليون على الجيوش البروسية، احتل الفرنسيون برلين، فرحل إلى كونجسبرج وعلم بجامعتها. ثم وقعت هذه المدينة في أيدي الفرنسيين، فقصد إلى كوبنهاجن, ولما عقد الصلح عاد إلى برلين. وشرعت بروسيا تنهض من كبوتها فكان هو أحد الرجال الممتازين الذين عملوا على بعث ألمانيا. ففي شتاء ١٨٠٧ - ١٨٠٨، والفرنسيون يحتلون برلين، ألقى خطبته المشهورة "إلى الأمة الألمانية" يقول فيها: "لقد وقفت الحرب المسلحة مؤقتًا، والمطلوب الآن الجهاد في ميدان الأخلاق والأفكار؛ يجب العمل على إيجاد جيل قوي يهدف إلى عظائم الأمور, ويضحي بنفسه في سبيلها. إن ألمانيا أنجبت لوثير وكنط وبستالوتزي، وأنتم وحدكم أيها الألمان من بين جميع الشعوب الحديثة، حاصلون على جرثومة التقدم الإنساني بأظهر ما تكون، فإذا هلكتم هلكت معكم الإنسانية جمعاء". وفي سنة ١٨٠٩ أنشئت جامعة برلين، وعين أستاذًا بها، فمديراً لها. ولما نشبت حرب الاستقلال تطوعت زوجته للتمريض فأصيبت بالحمى، وانتقلت العدوى إليه فتوفي. ١١٢ - نظرية المعرفة: أ- كان فختي قوي الإرادة مشغوفًا بالحرية, شديد الرغبة في الامتياز والتأثير في معاصريه بالقلم واللسان. فنقل هذه النزعة إلى الفلسفة لاعتقاده أن المذهب الفلسفي ليس آلة صماء يصطنع أو ينبذ كما نشاء، ولكنه عقيدة تنبعث من صميم النفس. حتى إنه ليعلن في كتاب "المدخل الأول" أن الاختيار بين التصورية والوجودية تابع لغلبة الشعور بالاستقلال والفاعلية, أو لغلبة الشعور بالتبعية والانفعالية. فجاءت فلسفته قائمة على أن الإرادة صميم الطبيعة الإنسانية، وأن الحياة الخلقية

стр. 262

مقدمة على العقل النظري بمعنى أدق وأعمق مما قال كنط. إن العقل النظري يتصور الوجود خاضعًا للضرورة, وفينا حرية تريد أن تعمل، وفينا ضمير يرسم لنا نظامًا مغايرًا لنظام الطبيعة، ويوجب الجهاد لتحقيق الغايات الكبرى التي ينزع إليها، ونحن نشعر بأننا جزء من هذا النظام المثالي كلما عملنا بناء على دواعٍ عقلية فحسب، وحاجتنا الضرورية إلى العمل أساس الأمر المطلق الذي قال به كنط دون أن يفسره, فكيف نوفق بين الوجود والحرية؟ نوفق بينهما بأن نقول: "إن الطبيعة التي عليَّ أن أعمل فيها ليست شيئًا غريبًا عني, منقطع الصلة بي" وإنه إذا كان باستطاعتي أن أنفذ إلى الطبيعة "فذلك لأنها مكونة بقوانين فكري، وأنها عبارة عن علاقات بيني وبين نفسي". الحرية أولا، والحرية تريد أن تترقى، فلكي تعمل تخلق الطبيعة وموضوعاتها. وهذه هي التصورية المطلقة التي ترد الأشياء تصورات، أو هذه هي الأحادية التصورية، أو مذهب ديكارت وبوهمي في لغة منطقية سوف نرى الآن شيئًا منها. وهذه التصورية المطلقة هي الموقف الوحيد الممكن إذا سلمنا بأن الفكر لا يدرك سوى تصوراته، فلا يعود لنا من سبيل إلى الأشياء أنفسها بالحدس، ولا يعود لنا من سبيل إليها بالاستدلال اعتمادًا على مبدأ العلية, وهذا المبدأ صورة من صور الفكر. فمهمة "نظرية المعرفة" بيان كيفية صدور صور الأشياء عن فاعلية الفكر، إذ لا يمكن أن يوجد في الأنا إلا ما كان أثرًا لفاعليته. ب- نحن لا نشعر بأننا نحدث اللاأنا، فلا بد أن يكون في الأنا المتناهي المدرك في التجربة مبدأ أوسع منه هو الأنا الخالص أو الأنا اللامتناهي، وهو علة عالم الموضوعات الماثلة في الأنا التجريبي، يشبه "الأنا أفكر" الذي قال به ديكارت والذي وضعه كنط وراء مبادئ الفهم. لا نشعر بفاعليته، ولا ندرك سوى آثارها أي: مختلف التصورات. فالمبدأ الأول في نظرية المعرفة هو هذه الفاعلية الروحية، ثم تتسلسل معانيها ومبادئها متولدة بعضها من بعض وفقًا لقانون التقابل والتوفيق الذي أشار إليه كنط في تقسيمه الثلاثي للمقولات بالإيجاب والسلب والحد؛ وكان كنط قد اقتصر على وضع المقولات وضعًا باعتبارها لوازم منطقية للفكر؛ أما فختي فيريد أن يستنبطها استنباطًا، فيبدأ من أبسط مبادئ المنطق العادي, وهو أن ا=ا، ويقول: إن هذا المبدأ يفترض "أنا" يعقله، وإذن فلي أن أضع

стр. 263

بدل ا، وهو كمية غير معينة، الأنا الذي لولاه لم يكن المبدأ ليوضع, فأحصل على "أنا=أنا". ولكن اكمية ممكنة فحسب، والأنا كمية موضوعية ضرورة، فلي أن أقول: "أنا موجود" ثم أستخرج من هذا القول أولًا مبدأً منطقيًّا هو مبدأ الذاتية, وثانيًا مبدأً ميتافيزيقيًّا هو مقولة الوجود. وهذا هو منهج الإيجاب، أي: إيجاب الأنا لنفسه. وكما قلت: إن ا=ا، أستطيع أن أقول: إن "لا اغير مساوٍ لـ ا" ثم أن أستبدل بهذه القضية قولي: "إن لاأنا عير مساوٍ لأنا" فأحصل على تقابل بين أنا ولاأنا، وأستخرج من هذا التقابل أولًا مبدأ منطقيا هو مبدأ عدم التناقض، وثانيًا مبدأ ميتافيزيقيا هو مقولة السلب. وهذا هو منهج السلب، أي: نفي الأنا بوضع اللاأنا. على أن الأنا واحد، فهو لا يطيق هذا التعارض بين أنا ولاأنا. ولكني لا أجد طريقة تحليلية للتوفيق بين الحدين، فالأمر يقتضي فعلا جديدا من الفكر، أي: تركيبا. وإنما يتسنى هذا التركيب بوساطة فكرة الانقسام؛ ذلك بأنه إذا كان كل من الحدين المتعارضين يحد الآخر، فهناك محل للاثنين، ويجيء التركيب على هذا النحو: الأنا يعارض اللاأنا المنقسم بأنا منقسم؛ ومن هنا أستخرج أولًا مبدأ منطقيًّا هو مبدأ السببية، وثانيًا مبدأ ميتافيزيقيًّا هو مقولة التعيين. وهذا هو منهج الحد، أي: وضع الأنا لنفسه باعتباره محدودًا باللاأنا، ووضع الأنا للاأنا باعتباره محدودًا بالأنا. التركيب الأول نقطة بداية الفلسفة النظرية التي تدرس الأنا باعتباره منفعلًا بموضوعات تبدو أول الأمر جواهر أو أشياء بالذات؛ والتركيب الثاني نقطة بداية الفلسفة العملية حيث يرى الأنا نفسه واضعًا حدًّا لفعل الأشياء الخارجية ومستخدمًا إياه لتحقيق ذاتيته. بيد أن التحليل يستكشف في هذين التركيبين متناقضات مماثلة للتناقض الذي خرج من الأنا، فيرفعها الفكر. ج- منهج الحد يعود بنا إلى الشعور المباشر حيث نجد الموضوعات والأنا فاعلًا ومنفعلًا بالإضافة إليها. وعندئذ نجد صورة الزمان في تعاقب ظواهر الأنا المتناهي، وهذا التعاقب ضروري لأن الأنا يريد أن ينمي حريته، فالزمان أداة الحرية. ونجد صورة المكان في وضع موضوعات اللاأنا, كل على حدة. ونجد مبدأ العلية في تفاعل الأنا واللاأنا، ثم ننقله عفوًا إلى موضوعات اللاأنا إذ نتصورها متوقفة بعضها على بعض. وإلى هنا ينتهي الاستنباط، فإن فختي لا يريد "ولا يستطيع" أن يستنبط سوى المعاني العامة, دون الجزئيات الماثلة في الشعور.

стр. 264

ولما كان الأنا الخالص يفعل طبقًا لقوانين، كانت صورة العالم في شعورنا موضوعية، وكانت واحدة في جميع الأناوات المحدودة. ونظننا بغير حاجة إلى التنبيه على ما في هذا الاستنباط من صناعة زائفة, وما في وقوفه عند الكليات من إقرار بالعجز ودلالة على البطلان. ١١٣ - الأخلاق والدين: أ- قلنا: إن في الأنا حاجة أولية للعمل، هذه الحاجة, حين تتعلق ببعض الأشياء المتغيرة، تبدو ميلًا طبيعيًّا وترمي إلى اللذة, واللذة تجعلنا تابعين للأشياء. والحاجة الأولية للعمل غير متناهية في ذاتها، فهي بهذا الاعتبار تعرب عن استقلال الأنا بإزاء الأشياء جميعًا، وتفسح له مجال الاختيار، فيتحرر من كل تبعية حسية. وهكذا نحصل على القانون الخلقي، وهو أن "كل فعل جزئي يجب أن ينتظم في سلسلة تقودني إلى الحرية الروحية كاملة". وبذا يتحقق الأنا اللامتناهي في العالم المحسوس، فنشعر باحترام أنفسنا، ونشعر بغبطة مباينة بالمرة للذة الحسية التي يخلق بنا ألا نسميها لذة، والتي إذا طلبت لذاتها أشعرتنا باحتقار أنفسنا، فإن هذا الطلب وليد الكسل؛ كسل دون التفكير فيما يحقق الحرية وما لا يحققها، وكسل دون الارتفاع فوق الحاضر؛ ثم يجرّ الكسل إلى الجبن والنفاق، وتفضيل العبودية على الجهد. ب- كيف يمكن إيقاظ الميل إلى الحرية؟ قد تكون الحاجة الروحية الأولية من القوة في بعض الأفراد بحيث ترفعهم فوق المحسوسات وهم لا يفهمون ولا يفهم الغير، إذ إن هذه الحاجة لا تفسر بالأنا التجريبي الذي هو موضوع إدراك؛ فيكونون للغير مثلا ونماذج، ويؤثرون فيهم. فإذا اعتبروا هم واعتبر الغير هذه القوة والأفعال الصادرة عنها بمثابة الخوارق؛ نشأت ديانة وضعية، وكانت عاملًا على إيقاظ النشاط والاهتمام الغافلين في معظم النفوس. لذا كان من الأهمية بمكان عظيم أن يعيش الفرد بين الأفراد، فما هو إنسان إلا بوجوده بين الناس. فإذا اتبع كل يقينه، عمل الكل على تنمية الاستقلال الباطن، وعلى تحقيق العقل أو الأنا الخالص. فإذا قيس الفرد من حيث هو كذلك إلى هذه الغاية اللامتناهية، بدا وسيلة ضئيلة القيمة. فالمطلوب أن يمحو الفرد فرديته، لا بالتأمل الصوفي،

стр. 265

بل بالعمل جهد استطاعته على تحقيق الغاية الأزلية. ج- ماهية الدين إذن أن يؤمن الإنسان بالنظام الخلقي، ويعتبره مصدر واجباته، ويعاون على نموه. ولا بأس في أن يشخص شعوره بهذا النظام في موجود معين، إذا كان الغرض تقوية هذا الشعور في ضميره. أما إذا تصور الله سلطانًا حاكمًا بأمره، وانتظر من جوده لذات مقبلة، كان عابد صنم، وكان جديرًا بأن يدعى ملحدًا. لا يوجد الشخص بدون موضوع يحده ولو كان هو ذلك الموضوع، ولا يتصور الله موجودًا محدودًا، وما الأنا المطلق إلا معنى مجرد إلا إذا اعتبرناه بمعزل عن الأفراد الذين يحققونه. إن الله الحقيقي هو الله الإنسان؛ وإن الله هو النظام الخلقي، والحرية التي تتحقق في العالم بالتدريج. د- ولا نظننا بحاجة إلى التنبيه على ما في هذا المذهب من تناقض أساسي، فمن المعلوم أن كل ما خلا الأنا فهو من خلق الأنا الخالص، وإنما يخلق الأنا الخالص لكي يتحقق، فهو ينقسم إلى كثرة من الأناوات التجريبية، ويتحقق فيما يقوم بينها من علاقات أخلاقية؛ فما هذا الأنا الذي يضع اللاأنا ليحد به ذاته، ويفرضه على نفسه ليقاومه ويحاول التغلب عليه ويمحوه، فيحقق ماهيته التي هي الحرية؟ أوهام في أوهام وأضغاث أحلام دونها حرب دون كيشوت لطواحين الهواء. وسوف يتولى شلنج لفت نظر أستاذه إلى هذا التناقض الصارخ.

стр. 266

الفصل الثاني: شلنج " ١٧٧٥ - ١٨٥٤ " ١١٤ - حياته ومصنفاته: أ- في السادسة عشرة قصد إلى جامعة توبنجن فدرس فيها اللاهوت, ثم عكف على الفلسفة فقرأ كنط وفختي وسبينوزا, وانتقل إلى جامعة ليبزج فدرس فيها العلوم الطبيعية. على هذه الدراسات ستدور مرحلتان من مراحل ثلاث تمثل تطور فكره. بدأ المرحلة الأولى جدا, إذ نشر في سنتي ١٧٩٤ , ١٧٩٥ مقالات شرح فيها نظرية فختي في المعرفة. ولكنه ما لبث أن تبين أن هذه النظرية لا تحتمل الطبيعة إلا بمثابة حد أو وسيلة مع أن للطبيعة وجودًا أقوى، فنشر "خواطر لأجل إقامة فلسفة طبيعية" " ١٧٩٧ " وهو مع ذلك يتصور فلسفته الطبيعية بمثابة ملحق لنظرية المعرفة عند فختي. ب- ثم عين أستاذًا بجامعة إيينا بفضل جوتي وشيلر وفختي " ١٧٩٨ " ومكث بها أربع سنين, نشر خلالها الكتب الآتية: "في النفس العالمية" " ١٧٩٨ " و"رسم أول لمذهب في فلسفة الطبيعة" و"مدخل" إلى الكتاب المذكور أو "في فكرة العلم الطبيعي النظري" " ١٧٩٩ " و"مذهب التصورية الذاتية" " ١٨٠٠ " و"برونو أو في المبدأ الإلهي والطبيعي للأشياء" " ١٨٠٢ ". في هذه المرحلة الثانية فصل آراءه في الفلسفة الطبيعية متأثرًا بسبينوزا والأفلاطونية الجديدة وعصر النهضة، وعارض فختي وناقشه مناقشة حادَّة. ج- وتستغرق المرحلة الثالثة خمسين سنة, تنقل أثناءها بين جامعات فورزبورج " ١٨٠٣ - ١٨٠٦ " وأرلنجن " ١٨٢٠ " وميونيخ " ١٨٢٧ " وبرلين " ١٨٤١ " وهو يحاضر, ولا يكتب إلا قليلًا في الفلسفة الدينية بعد أن كان طبيعيا تصوريا، ونشر في ذلك كتاب "الفلسفة والدين" " ١٨٠٤ " و"بحوث فلسفية في ماهية الحرية الإنسانية" " ١٨٠٩ ". وبعد وفاته نشر له "فلسفة الميثولوجيا" و"فلسفة الوحي". فله إذن فلسفتان: إحداهما طبيعية، والثانية دينية.

стр. 267

١١٥ - الفلسفة الطبيعية: أ- قال فختي بأنا خالص أو لاشعوري صنع اللاأنا. فيعترض شلنج بقوله: ليس اللاشعوري أنا أو ذاتًا، ولا لاأنا أو موضوعًا، إذ ليست توجد الذات بدون موضوع يعينها يظهرها لذاتها، وليس يوجد الموضوع بدون ذات تتصوره. وعلى ذلك لا يمكن القول بأنا مطلق، ولا بلاأنا مطلق، من حيث إن كلًّا منهما شرط الآخر. فيلزم إما أن ننكر المطلق وهذا غير مستطاع، أو أن نضعه مثالًا صرفًا وراء الأنا واللاأنا, وراء كل تقابل، فنقول: إنه ملتقى الأضداد جميعًا، وإنه منبع كل وجود. ومن ثمة لا ينبغي القول مع المذهب التصوري: إن الأنا يحدث اللاأنا، إذ ليس التفكير إحداث موجود، ولكنه إحداث صورة الموجود؛ ولا القول مع المذهب الحسي: إن اللاأنا يحدث الأنا، فما التجربة إلا بداية العلم, ثم نطبق عليها القوانين العقلية فتنطبق، مما يدل على أن للطرفين منبعًا مشتركًا. وفي الواقع: إن الأنا واللاأنا، أو الفكر والوجود، أو الروح والطبيعة، صادران كلاهما عن مبدأ أعلى ليس هو أحدهما ولا الآخر, ولكنه يصير الواحد والآخر. ب- نستطيع تعيين الطبيعة باتباع المنهج الثلاثي الذي استخدمه فختي بعد كنط وهو عبارة عن وضع قضية، ثم وضع نقيضها، ثم تركيبهما، إذ إن هذا منهج التفكير. فالطبيعة هي أولا مادة وثقل أي: جذب ودفع، وهي ثانيًا صورة أي: نور ومغناطيس وكهرباء وتركيب كيميائي، وهي ثالثًا مادة معضونة أي: مركب المادة والصورة يبدو فيه النظام من الغايات والوسائل. على أن هذه الدرجات الثلاث لا توجد منفصلة، وإنما شأنها شأن الأفعال الفكرية الأولية الثلاثة. إن الطبيعة جمعاء معضونة: المادة روح ناعس، والروح مادة تنتظم؛ الجماد نبات بالقوة، والحيوان نبات أعلى، والدماغ الإنساني خاتمة التعضون. جميع الظواهر الطبيعية مظاهر متفاوتة لقوة واحدة هي النفس العالمية، ويرجع التفاوت إلى اختلاف النسب الكمية بين المادة والروح. ج- أما قوى الروح فتبدو في المعرفة والعمل والفن. المعرفة حسية وعقلية, بالحس يبدأ روح الطبيعة يدرك غيره، فهو بالحس يحطم الحواجز التي تحصر المادة في ذاتها, وبالعقل ينظم المعرفة الحسية, وبتمييز العقل بين نفسه وبين مفعوله

стр. 268

يصير إرادة، ويصير الأنا النظري أنا عمليًّا. العقل يخلق معانيه ومبادئه دون أن يشعر، والإرادة تشعر بأنها علة ما تحدث، وهذا الشعور هو الشعور بالحرية. فالحياة الروحية تنبعث من تفاعل العقل والإرادة؛ العقل يثبت اللاأنا، والإرادة تتحرر منه. وفي هذا التفاعل، أو تعارض الروح والطبيعة، تقوم حياة النوع الإنساني أو التاريخ. وللتاريخ ثلاثة عصور: الأول يتميز بغلبة العنصر القدري وهذه هي القضية، أو المادة والعقل، أو العقل بغير إرادة. والعصر الثاني افتتحته روما ولم يزل، هو عبارة عن رد فعل من جانب العنصر الإرادي ضد القدر. والعصر الثالث، وهو المستقبل, سيكون مزاجًا من هذين العنصرين. وهكذا سيتحقق المطلق شيئًا فشيئًا، أي: يتحقق المثال فيصير وجودًا، دون أن يتحقق كله نهائيا من حيث إن الزمان غير متناهٍ. على أن باستطاعة الإنسان أن يرتفع إليه بالحدس الفني، فإن الشعور بالجمال في الطبيعة والفن أرفع صور الحياة الروحية. و"الفن هو الطريقة الوحيدة التي تشهد بما تعجز الفلسفة عن التعبير عنه، أي: باللاشعور في العمل وفي الصنعة، وبأن اللاشعور والشعور شيء واحد في الأصل. وهذا هو السبب في كون الفن المثل الأعلى عند الفيلسوف، فإنه يظهره على اتحاد ما يبدو منفصلًا في الفكر وفي الطبيعة". أي: إن الفن هو الطريقة الوحيدة لتصور وحدة الفكر والطبيعة، وحدة العارف والمعروف، وإن عنده تمحى متناقضات الوجود، وبنوع خاص التناقض بين النظر والعمل. فهذه الفلسفة الطبيعية التي تنتهي إلى تصوف فني هي في الواقع بعث لمذهب المادة الحية الذي بدأت به الفلسفة اليونانية, والذي اصطنعه غير واحد من الأطباء والكيميائيين في عصر النهضة الحديثة، دون أي تقدم فلسفي أو علمي. وكل ما هنالك تكديس للمعارف وبراعة في عرضها والربط بينها. ١١٦ - الفلسفة الدينية: أ- تصدى شلنج لتصحيح فختي، فقام تلميذ له يصححه هو ويفلح في تحويله عن الجادة. نشر هذا التلميذ كتيبًا بعنوان "الفلسفة في انتقالها إلى اللافلسفة" قال فيه: إن الفلسفة عاجزة عن تفسير خروج الكثرة المتنوعة من الواحد المطلق، وإن الاعتقاد بإله خالق يحل هذا الإشكال، فالفلسفة تؤدي إلى الدين،

стр. 269

وهو أعلى منها. فعني شلنج بهذه المسألة، واعترف "في كتابه "الفلسفة والدين"" باستحالة استنباط الكثرة والتضاد من الوحدة المطلقة، وآمن بإله شخصي، أي: بإله هو إرادة أولًا وقبل كل شيء، إرادة محض سابقة على كل تعقل وكل إرادة شعورية، إرادة نازعة إلى الوجود الشخصي والشعور. ولا تنمو الشخصية إلا بمصارعة قوى معارضة، فيجب التسليم بتعارض أصيل في الذات الإلهية، وهو تعارض ينتهي إلى الانسجام بتطور الحياة الإلهية، دون أن يعني هذا التطور تعاقبًا في الزمان، إذ ليس في الله بداية ونهاية، بل هناك حركة دائرية سرمدية. وهذا النزوع الإلهي إلى الوجود، أو هذه "الأنانية الإلهية" علة الأشياء جميعًا. ويسهب شلنج في تفصيل هذه الفكرة العامة، ويعود إليها في كتابه "ماهية الحرية الإنسانية" وهو أكبر كتاب دوّنه في فلسفة الدين. وما هذه الفكرة العامة إلا صورة مأخوذة من الإنسان, فإن الإنسان في البداية جملة من القوى والنزعات المتعارضة. فيختار بينها، فتتعين شخصيته. وشلنج صادر فيها رأسًا عن المتصوفين المريبين، من ديكارت إلى جاكوب بوهمي، وقد عكف على قراءتهم. ولا تختلف فلسفته الدينية عن فلسفته الطبيعية إلا في تصور المطلق؛ فقد كان رآه مثالًا صرفًا وحاول أن يستخرج الأشياء منه بجدل عقلي، ثم عاد فرآه إرادة تخرج الأشياء منها بالنزوع. وقد دعا هذا الانتقال من الجدل إلى الإرادة، انتقالا من الفلسفة السلبية إلى الفلسفة الإيجابية؛ ووجد في هذه ميزة كبرى على تلك، هي أن الجدل لا يوصل إلا إلى الممكنات والقوانين الكلية، بينما الوجود العيني يقتضي قدرة وإرادة. ولكن لب فكره لم يتغير، وهذا اللب هو الأحادية أو وحدة الوجود مركبة على ضرب من الجدل هو أقرب إلى القصص الأسطوري منه إلى الاستدلال الفلسفي.

стр. 270

الفصل الثالث: هجل " ١٧٧٠ - ١٨٣١ " ١١٧ - حياته ومصنفاته: أ- زميل شلنج في دراسة اللاهوت بجامعة توبنجن، وأكبر منه بخمس سنين ولكنه تأخر عنه في النشر؛ لأنه أرجأ الكتابة إلى ما بعد الفراغ من تكوين مذهبه بجميع تفاصيله، مستخدمًا في ذلك ثقافة واسعة دقيقة في الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضيات واليونانية واللاتينية والتاريخ والفنون والاجتماع، فجاءت كتبه عرضًا منظمًا واضحًا نهائيًّا لفلسفته. عين أستاذًا بجامعة إيينا سنة ١٨٠١، فالتقى هناك بفختي وشلنج، وعمل مع شلنج زمنًا ما، ثم افترقا لتباين العقلية واختلاف الرأي. وبعد معركة إيينا رحل إلى جنوب ألمانيا، ومكث في نورمبرج ثماني سنين. ثم عين أستاذًا بجامعة هيدلبرج " ١٨١٦ " فأستاذًا بجامعة برلين " ١٨١٨ " حيث بلغ ذروة الشهرة والمجد, والتفَّ حوله التلاميذ النابهون. شغل منصبه هذا إلى وفاته، وكانت وفاته بالكوليرا. ب- كتبه الحاوية لمختلف وجهات مذهبه سبعة: أولها "فينومنولوجيا الذهن" " ١٨٠٧ " أي: وصف الظواهر الذهنية وآثارها في حياة الإنسان، يصف فيه تطور الفرد وتطور النوع، أي: علم النفس وتاريخ المدنية متداخلين حتى ليصعب أحيانًا كثيرة التمييز بينهما؛ والكتاب بمثابة مدخل إلى المذهب. ثم يجيء كتاب "المنطق" في ثلاثة مجلدات " ١٨١٢ - ١٨١٦ " وهو عرض للمعاني الأساسية الميتافيزيقية والمنطقية، فهو حجر الزاوية في بناء المذهب. والكتب الباقية تعالج أقسام المذهب: "موسوعة العلوم الفلسفية" " ١٨١٧ " و"مبادئ فلسفة الفقه" " ١٨٢١ " و"دروس في فلسفة الدين" و"تاريخ الفلسفة" و"فلسفة الجمال" نشرت بعد وفاته. أما أسلوبه فغاية في التجريد والتعقيد, حافل بالمصطلحات.

стр. 271

١١٨ - المنطق: أ- يأخذ هجل على فختي أن المنطق عنده هو الأنا يحدث اللاأنا لكي يتغلب عليه مجهود حر؛ فالمطلق أحد طرفي التضاد، فهو ليس مطلقًا. ويأخذ على شلنج أن المطلق عنده هو الأصل المشترك المتجانس للأنا وللاأنا تتحد فيه الأضداد جميعًا, ولكن المطلق بهذا الوصف هو أصل مجرد، هو أشبه شيء بالليل تبدو فيه جميع البقر سودًا, لا يكشف لنا عن السبب الذي من أجله يصدر عنه العالم ولا كيف يصدر. أما هجل فيتفق معهما في وحدة الوجود، ويرى أن المطلق هو الوجود الواقعي بما فيه من روح لامتناهٍ أو مثال أو عقل كلي أو مبدأ خالق منظم، وأن الطبيعة والفكر حالان له، يظهر الفكر في وقت ما من أوقات تطور الطبيعة، لا أنهما وجهان له متوازيان. ويرى أنه لأجل فهم الوجود في مبدئه وتسلسل مظاهره, يجب اتباع منهج منطقي يبين هذا التسلسل ابتداء من أصل واحد "هو القضية" ينقلب إلى نقيضه, ثم يأتلف مع هذا النقيض, ويتكرر هذا التطور الثلاثي ما شاءت مظاهر الوجود؛ أي: إنه يجب ترك العقل يجري على سليقته هذه ابتداء من أول وأبسط المعاني، وهو معنى الوجود. هذا المنهج هو المنطق أو الجدل الذي شأنه أن يتأدى من معنى إلى معنى ضرورة، بحيث يبدو الفكر وجوديًّا، ويبدو الوجود الواقعي منطقيًّا، أي: ضروريًّا ومعقولًا ضرورة. هذا دون أن يعني الجدل صدورًا حقيقيًّا يخرج به الأكثر من الأقل والمشخص من المجرد، وتوازيًا محكمًا بين مراحله ودرجات الوجود؛ لكنه تركيب عقلي تستمد معانيه ومبادئه من الوجود، ويؤدي آخر الأمر إلى ظواهر الوجود. ب- المعنى الأول معنى الوجود، وهو أكثر المعاني تجريدًا وخواءً، وأوسعها صدقًا، وأشدها واقعية، فإن جميع معانينا تعبر عن حال وجود، وما هي إلا معنى الوجود باديًا في صور مختلفة. الوجود مجرد الإيجاب, أو هو ما به كل موجود هو موجود. فليس هو في نفسه شيئًا من حيث إنه في الموجودات المتباينة المتنافرة على السواء: الدائرة وجود والمربع وجود، والأبيض والأسود، والنبات والحجر. ليس الوجود شيئًا لأنه قابل لأن يكون كل شيء, فتعقله عباة عن تعقل اللاوجود في الوقت نفسه، وهذا هو التناقض بعينه. أما الموجود حقا فهو المركب من النقيضين

стр. 272

الوجود واللاجود، أي: الموجود الذي لا يوجد على التمام، وهذه هي الصيرورة، فهي صميم الوجود، وهي سر التطور، إذ إن الوجود من حيث هو كذلك ثابت عقيم، واللاوجود عقيم أيضًا، على حين أن الصيرورة وجود لاوجود "ما سيصار إليه". فهي التي تحل هذا التناقض الأول. وبذلك يضع هجل التناقض مبدأ أول في العقل وفي الوجود، ويزعم أنه بذلك يخرج من الشك ولا يسقط فيه، إذ يلاحظ أن متناقضات العقل "كما صادفناها عند كنط" تبرز حتمًا وتقوم سببًا للشك في المذاهب التي تؤمن بمبدأ عدم التناقض، أي: تعتبر الأشياء ماهيات ثابتة على مثال تعريفاتها في عقلنا، بينما اعتبار الموجود صائرًا ناميًا، واعتبار التناقض ماهية تتجلى في متناقضات العقل، يجعل الوجود معقولًا؛ وما ذلك إلا لأنه ظن أن الوجود إطلاقًا هو الوجود المحسوس الصائر المتحرك، فشك في العقل الذي يعلل الحركة بالثبات، والقوة بالفعل. ومنذ الآن نستطيع أن نصف فلسفته بأنها حسية واقعية, تريد أن ترفع المحسوس إلى مقام المطلق، والواقع إلى مقام الحق. ج- الموجود يصير إذن، أي: يثبت ويتعين، وها هي ذي مقولة الكيف: والموجود المعين يعارض ما يغايره وينافيه، فيبدو هكذا مضافًا، وها هي ذي مقولة الإضافة: والموجود المعين هو المحدود المتناهي، ولكنه يصير إلى ما لانهاية ويقبل كل تعيين، فالمتناهي لامتناهٍ؛ وينحل هذا التناقض في معنى "الشيء" أي: الجزئي أو الفرد الذي هو اللامتناهي موجودًا على حال ما. وبعبارة أخرى: إن الموجود لا يوجد إلا بشروط معينة وعلى حال معينة وفي حدود معينة, فاللامتناهي إذ يتحقق يتعين ويتحدد ويتميز ويتوحد. هذا الموجود الواحد يعارضه الوجود المنتشر في الكثرة, وها هي ذي مقولة الكم: والكثرة في جملتها "واحدة" هي مركب يثبت الوحدة وينفيها في آن واحد؛ ويبدو هذا المركب بنوع خاص في الكم المتصل الذي هو واحد بالفعل, كثير بالقوة لقبوله القسمة باستمرار؛ والقسمة تولد ضده وهو الكم المنفصل أو العدد؛ والعدد في ذاته لا يقتضي حدا معينا, فهو في ذاته متناه وغير متناه؛ ولما كانت كل كمية قابلة للزيادة والنقصان، وجدنا اللامتناهي في ناحيتين متقابلتين: اللامتناهي في الكبر، واللامتناهي في الصغر. والعدد هو الكم المبدد، يقابله الشدة وهي الكم المجموع المركز، ويتفقان

стр. 273

في المقياس والنسبة، إذ إن كل موجود فهو نسبة معينة من العناصر المكونة له, فالنسبة هي الموجود وقد صار ماهية. د- الماهية هي الموجود منشورًا بحيث يكون له وجهات عدة يعكس بعضها بعضًا, والانعكاس هو الظاهرة, والماهية والظاهرة متلازمان؛ أو الماهية هي القوة أو الفاعل، والظاهرة فعل القوة أو وظيفتها؛ أو الظاهرة ماهية الماهية، من حيث إنه من الجوهري للماهية أن تظهر وللظاهرة أن تنم عن الماهية، كما أنه من الجوهري للمبدأ أن يخرج نتائجه. والماهية إذا اعتبرت مبدأ فاعلا صارت جوهرًا, والجوهر يقابله العرض؛ ويصير العرض جوهرًا بدوره بمعنى أن الجوهر مفتقر إليه كي يظهر, والجوهر هو خصائصه فحسب. وبذا نستبعد فكرة إله مفارق للعالم، وفكرة نفس مستقلة عن الظواهر المكونة للأنا، وفكرة مادة مستقلة عن الكم وسائر الأعراض. على أن الجوهر إذا كان مجموع أعراض، فهو ليس مجرد مجموع آلي، ولكنه مجموع حي مرتبط بأعراضه ارتباطًا جوهريًّا، أي: إنه علتها. والعلة والمعلول متلازمان، وهما يؤلفان شيئًا واحدًا. والمعلول هو العلة محققة، كما أن الأعراض هي الجوهر منشورًا. وليس في المعلول شيء إلا وهو في العلة، وليس في العلة شيء إلا ويتحقق. وكل معلول فهو بدوره علة، وكل علة فهي معلول لعلة سابقة. على أن سلسلة العلل والمعلولات ليست غير متناهية في خط مستقيم، ولكنها متناهية دائرية، مثل أن المطر علة الرطوبة والرطوبة علة المطر، وأن خلق الشعب تابع لشكل الحكومة, وشكل الحكومة تابع لخلق الشعب. فليس هناك علة مفارقة لسلسلة العلل مطلقة دونها، ولكن المطلق جملة العلل الجزئية النسبية. هـ- هذا هو القسم الأول من أقسام الفلسفة الهجلية، وهو استنباط المعاني الأولية بالإثبات والنفي والجمع بينهما. أما المعاني الأولية فمشهورة منذ زمن طويل، هي المعروفة في فلسفة أرسطو بالوجود ولواحقه وبالمقولات، وقد أفاض المدرسيون في شرحها. وأما منهج الاستنباط فقائم على غلط مؤداه أن الشيء القابل لأن يتعين بأشياء أخرى هو ملتقى هذه الأشياء ومجمعها، فهو نافٍ لنفسه متناقض في ذاته. والواقع أن لهذا الشيء مفهومًا في عقلنا لا يتضمن الأشياء التي قد يتعين بها، فلا تناقض فيه، ولا تناقض في العقل الذي يتصوره بالإضافة إلى التعيينات الممكنة، بل بالعكس يعلم العقل أن هذه التعيينات لا تجتمع فيه من جهة واحدة

стр. 274

فيدرك مبدأ عدم التناقض. فقول هجل: "ليس الوجود شيئًا؛ لأنه قابل لأن يكون كل شيء" يجب تصحيحه هكذا: إن الوجود قابل لأن يكون كل شيء لا معًا بل كلًّا على حدة، فالوجود شيء في كل موجود وبحسب هذا الموجود. فغير صحيح أننا نعقله وجودًا ولاوجودًا في الوقت نفسه، وإنما الصحيح أننا نعقله وجود كذا أو كذا من الماهيات، فإن ما ليس وجودًا من وجه هو وجود من وجه آخر. ويقال مثل هذا تمامًا عن العدد في قبوله التعيين بالتناهي أو اللاتناهي، وعن الكم في قبوله التعيين بالمتصل أو المنفصل، وعن سائر المعاني العامة: إن لكل منها مفهومًا، فهو ليس متناقضًا في ذاته، وهو في ذاته بريء من التعيينات جميعًا، ولكنه متى وجد كان هذا أو ذاك منها. والشيء المتغير القابل لأعراض مختلفة، هو ما هو بالفعل في كل آن, وقابل لأعراض أخرى بالقوة تحل فيه متى زالت أضدادها. فليست الصيرورة اجتماع الأضداد أو النقائض، بل الانتقال من ضد إلى ضد بحيث لا يجتمع ضدان، وهذا عين مبدأ عدم التناقض. فالمنهج الذي اصطنعه هجل عاجز عن تفسير الإيجاد بقوة باطنة كما يريد؛ لأن اللامعين لا يقتضي بذاته تعيينا دون آخر ١. ١١٩ - الطبيعة: أ- الروح المطلق يباين نفسه فتظهر الطبيعة. فهي إذن مظهره الخارجي الذي يعارضه وينافيه, وهي تتطور وفقًا للمنهج الثلاثي: فهناك أولًا الطبيعة في ذاتها الممثلة في الميكانيكا أي: جملة القوانين الآلية التي تعبر عن مطلق الجسمية أو الوجهة الكمية في الأجسام؛ وثانيًا الطبيعة لذاتها أي: جملة القوى الفيزيقية والكيميائية التي تعبر عن الوجهة الكيفية؛ وثالثًا الطبيعة في ذاتها أي: الجسم الحي. ب-العقل الخالق، كالعقل المتصور في الإنسان، يبدأ بما هو أكثر تجردًا وأقل إدراكًا، أي: بالمكان والمادة. المكان موجود وغير موجود، والمادة شيء وليست شيئًا، مثلهما مثل الوجود الذي في رأس المنطق. هذا التناقض هو مبدأ التطور الطبيعي والقوة الدافقة، وهو ينحل في "الحركة" التي تقسم المادة إلى وحدات

стр. 275

متمايزة وتكون منها السماء. إن تكوين الأجرام السماوية بمثابة الخطوة الأولى التي تخطوها الطبيعة في طريق التشخص. توزع المادة وانتظامها في السماء يمثلان مقولات الكم, والنزوع المنبث في الطبيعة يبدو في الجاذبية التي تحقق فكرة التناسب, وتجعل من العالم جسمًا حيًّا. السماء مجتمع ابتدائي يشبه من بعيد المجتمع الإنساني. ج- وتتنوع المادة تنوعًا كيفيًّا، فيظهر النور، تعارضه الحرارة، فينحل هذا التعارض في الكهرباء، فيظهر من الكهرباء الكيمياء بعناصرها المتقابلة، فتتفاعل هذه العناصر ثم تأتلف في المركبات. فعلما الطبيعة والكيمياء يدرسان الاستحالة الباطنة, والتغير الجوهري. د- ثم تظهر من القوى الفيزيقية والكيميائية الكائنات الحية التي هي مجاميع مركزة. لا بمعنى أنها وليدة المادة والآلية فحسب, ولكنها وليدة تطور المثال أو الروح بواسطة المادة. ويلقى الكائن الحي معارضة من الطبيعة الخارجية، فيثبت فرديته أو يحقق مثاله بالتمثيل المتصل والتنفس والحركة الحرة. وأدنى صورة الحياة النبات، وهو بدن ناقص، وهو عبارة عن أعضاء كل منها فرد، فهو ضرب من تبديد الحياة في هذه الحيوات الابتدائية المنفصلة المتجانسة إلى حد كبير الحاصل كل منها على قوة الحياة على حدة. ثم تتحقق الفردية في الحيوان، فإن أجزاءه أعضاء بمعنى الكلمة أي: خدام الوحدة المركزية، وهي عبارة عن أنظمة منوعة، كالنظام العصبي والدموي وما إليهما؛ وهنا أيضًا درجات؛ فإن الحيوانية تترقى بالتدريج على رسم واحد إلى أن يصل الروح الخالق إلى جسم الإنسان، فيقف عنده من حيث المادة، ويغدق عليه الكنوز الروحية. وفي كل هذا الوصف يستخدم هجل المعارف العلمية من وقت أرسطو إلى وقته, ولا يصنع أكثر من أن يرتبها الترتيب الثلاثي كما يقتضي منهجه، ويسلسل بعضها من بعض كما يقتضي مذهبه الأحادي. ١٢٠ - الإنسان والمجتمع: أ- بعد أن يعارض الروح المطلق نفسه بالطبيعة, يميل ضرورة إلى التغلب على هذا التعارض بأن يستعيد نفسه بمعرفة نفسه. وهنا أيضًا يبدو تطوره ثلاثيا: فأولا نجد الروح في ذاته أو الروح الذاتي، أعني: الفرد مقر الظواهر الشعورية

стр. 276

التي يدرسها علم النفس؛ وثانيًا الروح لذاته أو الروح الموضوعي، أعني المجتمع؛ وثالثًا الروح في ذاته ولذاته، أعني: الاتحاد الأعلى للروح الذاتي والروح الموضوعي، أو جملة الحياة الروحية للوجود متجلية في الفن والدين والفلسفة. ب- ماهية الإنسان روح، أي: شعور وحرية. ولكن الشعور والحرية على درجات ثلاث: ففي الدرجة السفلى الروح مقارن للجسم، ينمو وينضج ويشيخ معه، إحساساته غامضة يقابلها انفعالات غامضة، وهذه "جسمية الروح" "التي يسميها علم النفس الآن باللاشعور". ثم يظهر الشعور الواضح، فيدرك الإنسان ذاته ويدرك الأشياء, وهذان إدراكان متعارضان، يوفق بينهما "الفهم" الذي وظيفته إدراج الإحساس تحت قوانينه الأولية، وجعل مدركات الشعور موضوعية، ووضع الحقيقة، على ما بيّن كنط. وفوق جسمية الروح والشعور الواضح المعين بالفهم نجد العقل الذي يؤلف بينهما, إذ يجعل من قوانين الشعور قوانين الحياة، أعني أن النظر ينقلب عمليًّا حين يتخذ الروح ذاته موضوعًا لإرادته، كما قال كنط، فيتفق النظر والعمل. فالروح الذاتي، حين يقر بالحقيقة والقانون، يقر بسمو الروح الموضوعي، ويقدمه على نفسه. ج- للروح الموضوعي مظاهر ثلاثة تقوم بإزاء المظاهر الذاتية الثلاثة، هي: الحق والواجب والمؤسسات الاجتماعية التي هي الأسرة والمجتمع المدني والدولة. ففي حالة الطبيعة يسيطر على الفرد الأنانية الحيوانية، وفي حال الاجتماع تنتظم هذه الأنانية بالحق والقانون؛ لأن الفرد يدرك بعقله أن الآخرين نظراؤه، وأن العقل والحرية والروحية "وهي مترادفات" خيرهم المشترك، فيتخذ حرية أخيه الإنسان قانونًا لحريته هو أي: حدًّا لها، وهذا أصل التعاقد. ويبدو الحق في التملك حيث يتناول الفرد شيئا خارجيا عاطلا من الإرادة فيجعله شيئه الخاص وينفذ فيه إرادته. ولكن الحرية المضمونة بالحق بالنسبة إلى الأشياء الخارجية هي حرية ناقصة؛ إذ إنها لا تعنى بالباعث الباطن، فتدع مجالًا للصراع بين الروح الذاتي والروح الموضوعي. ويزول هذا الصراع بأن يصير احترام الحق إراديًّا، فتصير المطابقة للقانون "خلقية" تنظم الحياة الباطنة، على حين أن الحق لا ينظم سوى المنافع المادية. على أن الفرد ميال للأنانية وللشر، فهو عاجز بمفرده عن تحقيق المثل الأعلى الأخلاقي، فيجد المعونة في المجتمع الذي يحرره من نفسه, ويوفر له وسائل العمل الصالح.

стр. 277

د- المؤسسة الاجتماعية الأساسية هي الأسرة تنظم غريزة التناسل بالزواج, والزواج بواحدة يكفل حسن تربية البنين. وعلى الأسرة يقوم المجتمع المدني وتقوم الدولة, فلا يعتبر الزواج أمرًا عاطفيًّا فحسب، ولكنه واجب مقدس, ويجب أن يصدر عن الشعور بالواجب، أي: أن يعقد لأجل المجتمع والدولة، وحينئذ يعد عملًا خلقيًّا. لذا كان الطلاق منكرا مبدئيا، ولا ينبغي أن يسمح به إلا في حالات استثنائية يعينها القانون. والمجتمع المدني يتكون من الأسر, ولكنه ليس صنعها أو صنع الأفراد بحيث تكون الحكومة مسئولة أمامهم. إنه مرحلة في تطور الروح المطلق، فهو طبيعي لا عرفي, والغرض منه صيانة الحقوق وحماية المصالح الفردية؛ وبهذا الاعتبار يمكن أن يتكون من قوميات مختلفة، مثلما يشاهد في سويسرا. فهو ينظم غريزة الانتقام إذ يضع القصاص المدني أو القانون الجنائي؛ وينظم الأنانية في الحياة الاقتصادية. وليس القصاص المدني انتقامًا أو إصلاحًا خلقيًّا, ولكنه جزاء عدل يمكن أن يذهب إلى حد الإعدام. أما غرض الدولة فيزيد على ما تقدم تحقيق الروح المطلق، والتضحية بالمصالح الخاصة في سبيله. فهي قومية، لها لغتها ودينها وأخلاقها وأفكارها. هي إذن تامة الوحدة، لا يقف منها الفرد موقف الخصم باسم النقد الشخصي, وهي غاية، والأسرة والمجتمع المدني وسيلتان إليها، تستوعبهما في وحدة عليا هي الروح المطلق محققًا بتمامه. وجودها دليل "سير الله على الأرض" ويجب احترامها كما يحترم إله أرضي. نظامها لازم من طبيعتها التاريخية ولا يفرض عليها من خارج نظام منقطع الصلة بها ولو كان صادرًا عن العقل. ليست الجمهورية أكمل أنظمة الحكم، سواء أكانت شعبية أم أرستقراطية, الجمهورية تسرف في تقدير الفرد وتضحي بالمثل الأعلى في سبيله أو في سبيل الأسرة أو الطبقة؛ لذا اضمحلت الجمهوريات القديمة. النظام الطبيعي هو الملكية؛ لأنها تشخص الدولة والفكرة القومية في زعيم واحد هو محل سلطانها ورمز تقاليدها، هو العقل اللاشخصي وقد صار عقلًا واعيًا، هو الإرادة الكلية وقد صارت إرادة شخصية. يستنير برأي مجلس تشريعي مكون من خير ممثلي القوى القومية، وبخاصة القوى العقلية، ولكن هذا الرأي استشاري بحت، وسلطة الزعيم مطلقة، وحكمة الروح المطلق تؤيده, فتجنبه الانحراف إلى الأنانية والطغيان! هـ- كيف تكون العلاقات بين الدول؟ كان كنط قد ارتأى أن كل دولة

стр. 278

فهي شخصية أدبية مستقلة في الداخل خاضعة لقواعد الحق، وأن الحالة الراهنة التي تعتبر فيها الحرب الوسيلة الوحيدة لفض المنازعات وتنظيم العلاقات الدولية، هي حالة وحشية يجب العمل على الخروج منها بإيجاد "جمعية أمم" تنضم إليها كل أمة بملء حريتها، وتشترك جميعًا في تسوية الخلافات طبقًا لمبادئ العدالة الدولية. وبناء على ذلك كان كنط قد وضع في ١٧٩٥ "مشروعًا لسلم دائم" حيث يعين بالعقل الصرف في عشر مواد, الشروط الضرورية لتحقيق هذه الغاية. ولكن هجل يرى أن ليس من شأن الفلسفة أن تفرض قوانينها على الوجود، وإنما شأنها أن تدرك القانون الذي يجعل الوجود معقولًا، من حيث إن كل وجود فهو معقول، وكل معقول فهو وجود. وليس يوجد في الواقع التاريخي جمعية أمم، وإنما تبدو الدولة دائما كأنها المرحلة القصوى لتطور الروح المطلق تطورًا موضوعيًّا. فيجب أن يستمد حل الإشكال من هذا التطور نفسه: إن التاريخ يظهرنا على أنه يوجد في كل عصر من عصوره دولة مهيأة لأن تتزعم سائر الدول وتفرض عليها ما بلغت إليه من تقدم في الحضارة، هذه الدولة واجبها الفتح، وانتصارها يبرر حروبها. الدولة الغالبة خير من الدولة المغلوبة بدليل غلبتها نفسها التي يجب أن تعتبر حكم الله. و"جدل التاريخ" يعرض علينا ثلاث مراحل كبرى: الأولى: استبداد الدول الآسيوية الضخمة، والثانية: سيادة أثينا القائمة على الحرية والديمقراطية، والثالثة: التي تتفق فيها هاتان النزعتان المتعارضتان هي الحضارة المسيحية التي تعد الجرمانية خير ممثل لها، وبواسطتها سيتحقق الانتصار النهائي في التاريخ! وهكذا يعارض هجل الفردية الحديثة التي ترى في الفرد موجودا قائما برأسه, وفي الدولة نتيجة تعاقد بين أنانيات مختلفة, فيرتب الفرد للأسرة والمجتمع، ويقول: إن الأسرة والمجتمع المدني والدولة شروطها إذا رُوعيت، برزت أمام الفرد واجبات ضرورية؛ وهذا صحيح كل الصحة، وهذا أساس النظام والرقي الخلقي في حين أن الفردية مصدر فوضى وانحطاط. ولكن هجل لا يرجع بنظامه إلى مبدأ أعلى يتجلى في العقل، بل يقدس الواقع فيخضع الفرد للدولة إخضاعًا تامًّا، ينكر عليه حق الانتقاد والإصلاح، ويعود من حيث لا يريد إلى أدهى ضروب الاستبداد، وهو الاستبداد الذي يزعم لنفسه حقا إلهيا.

стр. 279

١٢١ - الفن والدين والفلسفة: أ- مهما تبلغ الدولة من كمال، فهي ليست الغاية القصوى التي يتجه إليها تطور الروح، وليست الحياة السياسية المظهر الأخير لنشاطه. إن ماهية الروح الحرية، وأكمل دولة فهي لا تخرج عن كونها قوة خارجية؛ لذا يصعد الروح إلى أعلى من الدولة، ويعمل على تحقيق ما يجده في نفسه من مثل أعلى للجمال والله والحقيقة، فيولد الفن والدين، ويصير الروح المطلق بالفعل إذ يتحقق على هذا النحو في نفس الإنسان. ب- بالفن أحرز الإنسان أول انتصار على المادة قبل أن ينتصر عليها انتصارًا كليًّا بالعلم. فإن الفن إنزال فكرة في مادة وتشكيلها على مثالها, ولكن مطاوعة المادة متفاوتة, وهذا أصل تعدد الفنون الجميلة فتتدرج من المادية إلى الروحية. وهي تتوزع طائفتين: طائفة الفن الموضوعي تشمل العمارة والنحت والتصوير، وطائفة الفن الذاتي تشمل الموسيقى والشعر. في العمارة نجد الفكرة وصورتها متمايزتين جد التمايز لعصيان المادة وتمردها، فإن المادة ههنا أغلظ مواد الطبيعة؛ لذا كانت العمارة فنا رمزيا بحتا يدل على الفكر ولا يعبر عنها تعبيرًا مباشرًا. إن الهرم والمعبد الهندي والمعبد اليوناني والكاتدرائية المسيحية رموز جميلة، ولكن المسافة بينها وبين ما نرمز إليه بعيدة بعد السماء عن الأرض. تشبه العمارة السماء ذات الأبعاد الهائلة والعظمة الساحقة، فإنها تترجم عن القوة الرابضة واللانهاية الدائمة، ولكنها عاجزة عن تأدية حركة الحياة. في النحت تتقارب الصورة والفكرة إلى حد ما، فإن هذا الفن ينفخ روحًا في المادة الغليظة، كالحجر والرخام والنحاس، ويبقى عاجزًا دون التعبير عن النفس ذاتها كما تبدو للناظر. التصوير يحقق هذا التقدم, فإنه يستخدم مواد أكثر لطافة، ويقتصر على رسم سطح الجسم، ويوحي بالعمق بوساطة السطح, لكنه لا يعبر إلا عن وقت من أوقات الحياة يتنبه في المادة. وهذه خاصية مشتركة بينه وبين النحت والعمارة؛ لذا كانت هذه الفنون متلازمة تأتلف على أنحاء كثيرة؛ بالموسيقى نبلغ إلى الفن الذاتي، فإنها ترجمة عن انفعالات النفس وألوانها المختلفة إلى غير نهاية. تستخدم الصوت، وهو شيء لطيف؛ ولكن الصوت فيها رمز كالبناء في العمارة، فهو مبهم غامض كالانفعالات التي يترجم عنها، ولهذا السبب تحتمل القطعة الموسيقية تأويلات عدة. في الشعر يصل الصوت إلى درجة الكمال

стр. 280

فإن الصوت فيه قول معقول ونطق يعرب عن كل شيء: عن الطبيعة والإنسان وأحداث التاريخ, يطاوع الفكر في جميع ثناياه فيبني وينحت ويصور ويغني ويروي؛ فهو مجمع الفنون, وهو من ثمة الفن الكامل. الملحمة تمثل الفنون الموضوعية الخلاقة، تصور مثلها الطبيعة وآياتها والتاريخ وأمجاده. ولكنها طفولة الشعر؛ هي ثرثارة طويلة كالسنين الأولى من سني الحياة، وفيرة الصور، زاخرة بالعجائب والغرائب كمخيلة الأطفال. والشعر الغنائي يقابل الموسيقى, يأوي إلى العالم غير المنظور المدعو بالنفس الإنسانية ولا يتعداه، فهو محدود ناقص. والشعر الدرامي أكمل أنواع الشعر، هو شعر الشعر، يجمع بين العالمين الظاهر والباطن، فيمثل التاريخ والطبيعة والنفس، ولا يزدهر إلا في أرقى الشعوب حضارة. ج- وللفن على العموم، ولكل فن على الخصوص، تاريخ في ثلاثة عصور: فالفن الشرقي رمزي يستخدم الأمثلة ويستلزم التأويل ويحتمل منه وجودًا عدة. لا يقوى بعد على إخضاع المادة، فيزدري الصورة الخارجية ولا يعنى بإجادتها. يحب الكبر والعظم واللانهاية، ويغلو فيها. أما الفن اليوناني فيصطنع التعبير المباشر بدل الرمز، فتجيء مصنوعاته مفسرة أنفسها بأنفسها؛ لأنه ينزل الفكرة كلها في الصورة. غير أن هذا الكمال يورثه نقصًا، فإن تمام حلول الفكرة في المادة يفنيها فيها ويضحي بها في سبيل الصورة الظاهرة والجمال المحسوس. المسيحية تتلافى هذا النقص, فإنها ترفع الفن من العالم المنظور حيث ضل وضاع، إلى العالم المعقول موطنه الحق، وتستبدل بالجمال الحسي الجمال المعنوي، وتعبد العذراء مثال الطهارة والقداسة بدل الزهرة. ولكن أنى للصورة المادية أن تطابق المثل الأعلى؛ لذا كان الفنان المسيحي عديم الرضا عن آياته الفنية مهما تبلغ من إتقان. إن العذراء التي يتخيلها، والمنازل الأبدية التي يرنو إليها، والألحان السماوية التي يرهف لها سمع نفسه، والحياة الإلهية التي يحاول الإعراب عنها, كل أولئك أرفع وأجمل من أن يوضع في المادة؛ فييأس من قدرته، ويعود إلى ازدراء الصورة والغلو في الروحانية. د- هذا الشعور بالعجز عن تصوير المثل الأعلى في المادة هو أصل الدين، وموضوع الدين المثل الأعلى أو اللامتناهي مدركًا في الباطن، وموضوع الفن التعبير

стр. 281

عنه في الظاهر. فالدين بما هو كذلك منحدر عن الفن، وإن يكن الفن محاولة دينية أولى, فالوثنية أداة الوصل بين الفن والدين, ولها مراحل ثلاث: المرحلة الأولى السحر الذي يقدس القوى الطبيعية العاطلة من الشعور؛ والمرحلة الثانية البوذية التي تعبد إلهًا روحيًّا ولكنها تتصوره عاطلًا من الشعور كذلك؛ والمرحلة الثالثة الزرادشتية التي تقول بإله مجرد تسميه النور يحاول إثبات ذاته بإزاء الظلمة التي هي نفي وسلب. هذه الأديان الشرقية تعتبر الله موجودًا كليًّا غير ذي شخصية فتعارضها أديان "الشخصية الروحية" وهي: الموسوية التي تمثل الإثبات، والديانة اليونانية التي تمثل النفي، والديانة الرومانية التي تمثل المركب من النفي والإثبات. الموسوية أدركت استحالة التعبير عن اللامتناهي، فحظرت تصويره بأي شكل كان ونبذت الأوثان، ولكنها لم تحظر تصوره فتصورته موجودًا شخصيًّا مفارقًا للعالم كلي القدرة. ففيها وفي سائر الديانات الشرقية اللانهاية هي الغالبة. إله الشرق شبيه بملوك الشرق: هو المتصرف الأوحد، يحيي ويميت، يرفع ويضع، يريد ويفعل، وما على الإنسان إلا التسليم. وبقدر ما كان الشرق متدينًا كان اليونان مشغوفين بالطبيعة وبالأرضيات، فتصوروا الله على مثال الإنسان، أي: إنهم في الواقع عبدوا الإنسان بعقله وجماله وقوته, ولكنهم لم يتحرروا من العقلية القديمة تمام التحرر, فقد نصبوا القدر فوق البشر، وفوق الآلهة أنفسهم؛ وهذا القدر هو اللامتناهي، يتهدد البشر في كل آن وينغّص حياتهم ويشعرهم بأنهم عدم. أما الرومان فكانوا أهل جد وصرامة، فوضعوا الأخلاق الصارمة قانونًا للحياة، وعادوا إلى روحانية الألوهية معتبرين الآلهة معينين على تحقيق أوامر الضمير الإنساني. هاتان الصورتان المتعارضتان؛ اللاشخصية والشخصية, تأتلفان في المسيحية القائمة على أن المسيح إله وإنسان معًا، فتتصور اللامتناهي ينزل من عرشه، ويدخل في منطقه المتناهي، فيحيا حياتنا ويتألم ويموت، ثم يبعث فيعود إلى مجده، ففيها إثبات ونفي وتركيب. وهي تختصر الأديان وتصفيها وتكملها، كما يختصر الشعر الفنون الجميلة؛ فهي الدين المطلق. هـ- بيد أن المسيحية نفسها ليست القمة التي ينتهي عندها تطور الروح, فإن الفن والدين يؤديان إلى الفلسفة ويأتلفان فيها. الثلاثة تقول: إن كل شيء صادر عن روح لامتناهٍ, ولكن الفن والدين وليدا العاطفة والمخيلة، أما الفلسفة

стр. 282

فتحقيق ما يرمزان له, هي انتصار العقل الخالص يفهم الوجود فيتحرر منه. كانت الطبيعة وقواها، والدولة ومؤسساتها، تبدو كأنها أشياء خارجية مفروضة على الإنسان؛ والآن ترى الفلسفة في أفعال الطبيعة أفعال العقل أي: أفعال الإنسان، وفي المؤسسات الاجتماعية صورة السلطة الأخلاقية التي يحملها في نفسه. فليست ترمي الفلسفة إلى محو المعاني الدينية، بل إلى إحالتها معاني عقلية. وفي الفلسفة فقط يتحقق الروح المطلق أو الله تمام التحقيق؛ لأن فيها تصل الثقافة الإنسانية إلى أقصاها. وما المذاهب الفلسفية التي يسجلها التاريخ إلا حلقات في سلسلة التقدم نحو هذا النصر النهائي، أي: إنها درجات متفاوتة لفلسفة واحدة. وجود بارمنيدس وصيرورة هرقليطس ائتلفا في مذهب أرسطو؛ والأمثلة كثيرة على مثل هذا الائتلاف. ومن جهة عامة كانت الفلسفة اليونانية عبارة عن دراسة المادة، فجاءت فلسفة العصر الوسيط عبارة عن فلسفة الروح، فألفت الفلسفة الحديثة بينهما في وحدة عليا كانت الفلسفة الهجلية آخر وأكمل صوررها "طبعًا! " حيث ينتهي الروح المطلق إلى تمام الشعور بذاته، ويجمع في تركيب أعلى وأخير بين الأضداد التي صادفها في تطوره مذ كان وجودًا ولاوجودًا في آن واحد. إن الفلسفة الأخير زمانها ثمرة جميع الفلسفات السابقة، ويجب أن تضم مبادئ هذه الفلسفات جميعًا. فهي "الكل" حيث تبقى الأجزاء متمايزة من الله باعتبارها أوقاتًا في تيار التطور، وحيث تتلاشى باعتبارها مظاهر الله كما تقتضي وحدة الوجود. وماذا نقول وسذاجة الفلاسفة لا حد لها؟ نقول مع ذلك: إن هجل قد أفلح في إقامة فلسفة فسيحة الأرجاء رفيعة العماد قائمة على فكرة رئيسية واحدة مطبقة بمنهج واحد؛ وإن تأثيره كان عميقًا في جميع النواحي: في الفلسفة الخالصة وفي الفقه والسياسة والأخلاق والدين والفن والتاريخ, غير أن منهجه صناعي وثلاثياته مفتعلة. إن نفي ما لا يعطينا معنًى جديدًا، واستنباط المعاني الأساسية ظاهري، والحقيقة: إن الفيلسوف يطالعها في الواقع، ويحاول الربط بينها بشيء كثير من التعسف. والانتقال من المنطق إلى الفلسفة الطبيعية لا يتم بموجب ضرورة جدلية، بل لأن الفيلسوف يمحو المعنى المجرد الذي بنى عليه المنطق، ويعود صراحة إلى التجربة التي استمد منها المعاني المجردة؛ لذا دعيت فلسفته الطبيعية بالجزء الخجلان في مذهبه. والانتقال من الفلسفة الطبيعية إلى الفلسفة الروحية يتم

стр. 283

بمحو جديد هو محو صورة الخارجية التي اتخذها الروح في الطبيعة، فيحل الشعور محل المادة ونحن نطالعه في أنفسنا. والدرجات الثلاث في الطبيعة لا يجدها الفيلسوف في الروح إلا لأنه وجدها في الواقع, فلسنا هنا بإزاء استنباط حقيقي. ويقال مثل ذلك في كل انتقال من حد إلى آخر في مختلف الثلاثيات؛ فنخرج بأن هجل قد أخفق في بيان إمكان معرفة الوجود معرفة أولية كما يحتم مذهب وحدة الوجود. وكان لا بد أن يخفق، إذ إن الطبيعة إحدى الصور الممكنة للوجود، فرفعها هو إلى مقام الصورة الضرورية، وأنى لمنهج كائنًا ما كان أن يقلب الممكن ضروريًّا؟

стр. 284

الفصل الرابع: شوبنهور " ١٧٨٨ - ١٨٦٠ " ١٢٢ - حياته ومصنفاته: أ- فيلسوف التشاؤم وباعث البوذية في الفلسفة الحديثة. أقام مذهبًا على غرار المذاهب الثلاثة السابقة، إلا أنه تصور المبدأ الأول "إرادة كلية" هي قوة عمياء تكون الموجودات على التوالي. ولنا أن نقول: إن مزاجه مال به إلى هذا التصور, فقد عرفت حالات مرض عقلي عن أسرة أبيه وأسرة أمه، وورث هو السويداء والخوف والحذر، وكانت له شهوة جامحة يعجز عن ضبطها، ونزعة قوية إلى التأمل، فأحس في نفسه أن الإنسان مركب من جزأين متعارضين. وقد روي أنه وهو في السابعة عشرة، وقبل أن يتلقى أية ثقافة فلسفية، تأثر بشقاء الحياة كما تأثر بوذا حين استكشف الألم والمرض والشيخوخة والموت. ثم تلقى الفلسفة بجامعة جوتنجن " ١٨٠٩ - ١٨١١ " وبجامعة برلين " ١٨١١ - ١٨١٣ " حيث استمع إلى فختي دون أن يتذوقه كثيرًا. ولكن أعجبه من أفلاطون وكنط قسمة الوجود إلى محسوس ومعقول، أو عالم الظواهر وعالم الشيء بالذات؛ وكانت هذه القسمة في نظره بمثابة ازدواج التأمل والشهوة أو الفكر والإرادة. وقرأ الكتب الهندية الدينية في ترجمة لاتينية، وهي تدور على مسألة الشر الطبيعي والخلقي كما هو معلوم، فنمت في عقله عناصره مذهبه. ب- بدأ بوضع أساس المذهب، أي: نظرية المعرفة، فدون رسالة الدكتوراه في "الأصول الأربعة لمبدأ السبب الكافي" " ١٨١٣ " ثم عكف على تفصيل المذهب، فأخرج المجلد الأول من كتابه الأكبر "العالم إرادة وتصور" " ١٨١٩ " ضمنه نظرية المعرفة ونظرية العالم. وبعد خمس وعشرين سنة أخرج المجلد الثاني في الفن وفي الأخلاق، فتم به المذهب بأصوله وفروعه. ولكن الكتاب لم يصادف

стр. 285

نجاحًا يذكر, ولم يصب الفيلسوف أي نجاح في تعليمه بجامعة برلين " ١٨٢٠ - ١٨٣١ ". فعزا إخفاقه إلى ائتمار أساتذة الفلسفة به، وغلا في هجوهم، وزعم أنه الوريث الحقيقي لكنط وأول فيلسوف كبير بعده. انقطع عن التعليم، واستمر على الكتابة، فنشر كتاب "الإرادة في الطبيعة" " ١٨٣٦ " جمع فيه من العلوم الطبيعية ما ظنه شواهد على نظريته في الإرادة الكلية؛ وكتاب "المشكلتان الأساسيتان في فلسفة الأخلاق" " ١٨٤١ " فصل فيه آراءه الأخلاقية. ومنذ ذلك الحين بنوع خاص أخذت كتبه تذيع وشهرته تتسع، وهدأت نفسه، فنعم بشيخوخة هانئة، وكان يتمنى لو يعمر طويلًا بالرغم من تشاؤمه. ١٢٣ - العالم: أ- كيف ندرك العالم؟ وما قيمة هذا الإدراك؟ إن الإحساس حالة ذاتية, ولكن الفهم يضيفه فورًا، بفعل لاإرادي ولاشعوري، إلى علة خارجية نتصورها فاعلة في الزمان مستقلة عنا في المكان. فالعالم بالنسبة إلينا جملة تصوراتنا فحسب, غير أن هذه التصورات مرتبطة بموجب مبدأ السبب الكافي، ولهذا المبدأ أربع صور هي: علاقة بين مبدأ ونتيجة، وعلاقة بين علة ومعلول، وعلاقة مكان وزمان، وعلاقة بين داعٍ وفعل. الصور الثلاث الأولى تخص النظر، والرابعة تخص العمل. ولما كانت تجربتنا متوقفة على استخدام صور الفهم، كانت هذه الصور سندًا لموضوعيتها، ولم يمكن القول: إن العالم محض وهم. كذلك لمبدأ العلية الذي هو إحدى هذه الصور نتيجتان ضروريتان تؤيدان الموضوعية: إحداهما قانون القصور الذاتي, وهو يحتم أن تفسر كل ظاهرة بظاهرة سابقة، والأخرى قانون بقاء المادة وهو يقضي بأن غاية العلم ومثله الأعلى المادية المطلقة، بما في ذلك المعرفة نفسها، فنقول: إنها وظيفة الدماغ. ب- بيد أن المادة فكرة من أفكارنا, فما المادية إلا تصورنا للعالم، وما العالم إلا الوجهة الخارجية للوجود. ولو كنا ذاتًا عارفة فحسب لما عرفنا عن العالم سوى أنه تصور, ولكننا نحس في أنفسنا غرائز وميولًا, وندرك أن الإرادة جوهر الإنسان وفقًا للصورة الرابعة من صور الفهم؛ فيجب وصل التجربة الظاهرة بالتجربة الباطنة، وفهم العالم بوساطة الإنسان، وحينئذ ندرك أن الإرادة جوهر العالم أيضًا،
следующие страницы →