← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عنه في الظاهر. فالدين بما هو كذلك منحدر عن الفن، وإن يكن الفن محاولة دينية أولى, فالوثنية أداة الوصل بين الفن والدين, ولها مراحل ثلاث: المرحلة الأولى السحر الذي يقدس القوى الطبيعية العاطلة من الشعور؛ والمرحلة الثانية البوذية التي تعبد إلهًا روحيًّا ولكنها تتصوره عاطلًا من الشعور كذلك؛ والمرحلة الثالثة الزرادشتية التي تقول بإله مجرد تسميه النور يحاول إثبات ذاته بإزاء الظلمة التي هي نفي وسلب. هذه الأديان الشرقية تعتبر الله موجودًا كليًّا غير ذي شخصية فتعارضها أديان "الشخصية الروحية" وهي: الموسوية التي تمثل الإثبات، والديانة اليونانية التي تمثل النفي، والديانة الرومانية التي تمثل المركب من النفي والإثبات. الموسوية أدركت استحالة التعبير عن اللامتناهي، فحظرت تصويره بأي شكل كان ونبذت الأوثان، ولكنها لم تحظر تصوره فتصورته موجودًا شخصيًّا مفارقًا للعالم كلي القدرة. ففيها وفي سائر الديانات الشرقية اللانهاية هي الغالبة. إله الشرق شبيه بملوك الشرق: هو المتصرف الأوحد، يحيي ويميت، يرفع ويضع، يريد ويفعل، وما على الإنسان إلا التسليم. وبقدر ما كان الشرق متدينًا كان اليونان مشغوفين بالطبيعة وبالأرضيات، فتصوروا الله على مثال الإنسان، أي: إنهم في الواقع عبدوا الإنسان بعقله وجماله وقوته, ولكنهم لم يتحرروا من العقلية القديمة تمام التحرر, فقد نصبوا القدر فوق البشر، وفوق الآلهة أنفسهم؛ وهذا القدر هو اللامتناهي، يتهدد البشر في كل آن وينغّص حياتهم ويشعرهم بأنهم عدم. أما الرومان فكانوا أهل جد وصرامة، فوضعوا الأخلاق الصارمة قانونًا للحياة، وعادوا إلى روحانية الألوهية معتبرين الآلهة معينين على تحقيق أوامر الضمير الإنساني. هاتان الصورتان المتعارضتان؛ اللاشخصية والشخصية, تأتلفان في المسيحية القائمة على أن المسيح إله وإنسان معًا، فتتصور اللامتناهي ينزل من عرشه، ويدخل في منطقه المتناهي، فيحيا حياتنا ويتألم ويموت، ثم يبعث فيعود إلى مجده، ففيها إثبات ونفي وتركيب. وهي تختصر الأديان وتصفيها وتكملها، كما يختصر الشعر الفنون الجميلة؛ فهي الدين المطلق. هـ- بيد أن المسيحية نفسها ليست القمة التي ينتهي عندها تطور الروح, فإن الفن والدين يؤديان إلى الفلسفة ويأتلفان فيها. الثلاثة تقول: إن كل شيء صادر عن روح لامتناهٍ, ولكن الفن والدين وليدا العاطفة والمخيلة، أما الفلسفة

стр. 282

فتحقيق ما يرمزان له, هي انتصار العقل الخالص يفهم الوجود فيتحرر منه. كانت الطبيعة وقواها، والدولة ومؤسساتها، تبدو كأنها أشياء خارجية مفروضة على الإنسان؛ والآن ترى الفلسفة في أفعال الطبيعة أفعال العقل أي: أفعال الإنسان، وفي المؤسسات الاجتماعية صورة السلطة الأخلاقية التي يحملها في نفسه. فليست ترمي الفلسفة إلى محو المعاني الدينية، بل إلى إحالتها معاني عقلية. وفي الفلسفة فقط يتحقق الروح المطلق أو الله تمام التحقيق؛ لأن فيها تصل الثقافة الإنسانية إلى أقصاها. وما المذاهب الفلسفية التي يسجلها التاريخ إلا حلقات في سلسلة التقدم نحو هذا النصر النهائي، أي: إنها درجات متفاوتة لفلسفة واحدة. وجود بارمنيدس وصيرورة هرقليطس ائتلفا في مذهب أرسطو؛ والأمثلة كثيرة على مثل هذا الائتلاف. ومن جهة عامة كانت الفلسفة اليونانية عبارة عن دراسة المادة، فجاءت فلسفة العصر الوسيط عبارة عن فلسفة الروح، فألفت الفلسفة الحديثة بينهما في وحدة عليا كانت الفلسفة الهجلية آخر وأكمل صوررها "طبعًا! " حيث ينتهي الروح المطلق إلى تمام الشعور بذاته، ويجمع في تركيب أعلى وأخير بين الأضداد التي صادفها في تطوره مذ كان وجودًا ولاوجودًا في آن واحد. إن الفلسفة الأخير زمانها ثمرة جميع الفلسفات السابقة، ويجب أن تضم مبادئ هذه الفلسفات جميعًا. فهي "الكل" حيث تبقى الأجزاء متمايزة من الله باعتبارها أوقاتًا في تيار التطور، وحيث تتلاشى باعتبارها مظاهر الله كما تقتضي وحدة الوجود. وماذا نقول وسذاجة الفلاسفة لا حد لها؟ نقول مع ذلك: إن هجل قد أفلح في إقامة فلسفة فسيحة الأرجاء رفيعة العماد قائمة على فكرة رئيسية واحدة مطبقة بمنهج واحد؛ وإن تأثيره كان عميقًا في جميع النواحي: في الفلسفة الخالصة وفي الفقه والسياسة والأخلاق والدين والفن والتاريخ, غير أن منهجه صناعي وثلاثياته مفتعلة. إن نفي ما لا يعطينا معنًى جديدًا، واستنباط المعاني الأساسية ظاهري، والحقيقة: إن الفيلسوف يطالعها في الواقع، ويحاول الربط بينها بشيء كثير من التعسف. والانتقال من المنطق إلى الفلسفة الطبيعية لا يتم بموجب ضرورة جدلية، بل لأن الفيلسوف يمحو المعنى المجرد الذي بنى عليه المنطق، ويعود صراحة إلى التجربة التي استمد منها المعاني المجردة؛ لذا دعيت فلسفته الطبيعية بالجزء الخجلان في مذهبه. والانتقال من الفلسفة الطبيعية إلى الفلسفة الروحية يتم

стр. 283

بمحو جديد هو محو صورة الخارجية التي اتخذها الروح في الطبيعة، فيحل الشعور محل المادة ونحن نطالعه في أنفسنا. والدرجات الثلاث في الطبيعة لا يجدها الفيلسوف في الروح إلا لأنه وجدها في الواقع, فلسنا هنا بإزاء استنباط حقيقي. ويقال مثل ذلك في كل انتقال من حد إلى آخر في مختلف الثلاثيات؛ فنخرج بأن هجل قد أخفق في بيان إمكان معرفة الوجود معرفة أولية كما يحتم مذهب وحدة الوجود. وكان لا بد أن يخفق، إذ إن الطبيعة إحدى الصور الممكنة للوجود، فرفعها هو إلى مقام الصورة الضرورية، وأنى لمنهج كائنًا ما كان أن يقلب الممكن ضروريًّا؟

стр. 284

الفصل الرابع: شوبنهور " ١٧٨٨ - ١٨٦٠ " ١٢٢ - حياته ومصنفاته: أ- فيلسوف التشاؤم وباعث البوذية في الفلسفة الحديثة. أقام مذهبًا على غرار المذاهب الثلاثة السابقة، إلا أنه تصور المبدأ الأول "إرادة كلية" هي قوة عمياء تكون الموجودات على التوالي. ولنا أن نقول: إن مزاجه مال به إلى هذا التصور, فقد عرفت حالات مرض عقلي عن أسرة أبيه وأسرة أمه، وورث هو السويداء والخوف والحذر، وكانت له شهوة جامحة يعجز عن ضبطها، ونزعة قوية إلى التأمل، فأحس في نفسه أن الإنسان مركب من جزأين متعارضين. وقد روي أنه وهو في السابعة عشرة، وقبل أن يتلقى أية ثقافة فلسفية، تأثر بشقاء الحياة كما تأثر بوذا حين استكشف الألم والمرض والشيخوخة والموت. ثم تلقى الفلسفة بجامعة جوتنجن " ١٨٠٩ - ١٨١١ " وبجامعة برلين " ١٨١١ - ١٨١٣ " حيث استمع إلى فختي دون أن يتذوقه كثيرًا. ولكن أعجبه من أفلاطون وكنط قسمة الوجود إلى محسوس ومعقول، أو عالم الظواهر وعالم الشيء بالذات؛ وكانت هذه القسمة في نظره بمثابة ازدواج التأمل والشهوة أو الفكر والإرادة. وقرأ الكتب الهندية الدينية في ترجمة لاتينية، وهي تدور على مسألة الشر الطبيعي والخلقي كما هو معلوم، فنمت في عقله عناصره مذهبه. ب- بدأ بوضع أساس المذهب، أي: نظرية المعرفة، فدون رسالة الدكتوراه في "الأصول الأربعة لمبدأ السبب الكافي" " ١٨١٣ " ثم عكف على تفصيل المذهب، فأخرج المجلد الأول من كتابه الأكبر "العالم إرادة وتصور" " ١٨١٩ " ضمنه نظرية المعرفة ونظرية العالم. وبعد خمس وعشرين سنة أخرج المجلد الثاني في الفن وفي الأخلاق، فتم به المذهب بأصوله وفروعه. ولكن الكتاب لم يصادف

стр. 285

نجاحًا يذكر, ولم يصب الفيلسوف أي نجاح في تعليمه بجامعة برلين " ١٨٢٠ - ١٨٣١ ". فعزا إخفاقه إلى ائتمار أساتذة الفلسفة به، وغلا في هجوهم، وزعم أنه الوريث الحقيقي لكنط وأول فيلسوف كبير بعده. انقطع عن التعليم، واستمر على الكتابة، فنشر كتاب "الإرادة في الطبيعة" " ١٨٣٦ " جمع فيه من العلوم الطبيعية ما ظنه شواهد على نظريته في الإرادة الكلية؛ وكتاب "المشكلتان الأساسيتان في فلسفة الأخلاق" " ١٨٤١ " فصل فيه آراءه الأخلاقية. ومنذ ذلك الحين بنوع خاص أخذت كتبه تذيع وشهرته تتسع، وهدأت نفسه، فنعم بشيخوخة هانئة، وكان يتمنى لو يعمر طويلًا بالرغم من تشاؤمه. ١٢٣ - العالم: أ- كيف ندرك العالم؟ وما قيمة هذا الإدراك؟ إن الإحساس حالة ذاتية, ولكن الفهم يضيفه فورًا، بفعل لاإرادي ولاشعوري، إلى علة خارجية نتصورها فاعلة في الزمان مستقلة عنا في المكان. فالعالم بالنسبة إلينا جملة تصوراتنا فحسب, غير أن هذه التصورات مرتبطة بموجب مبدأ السبب الكافي، ولهذا المبدأ أربع صور هي: علاقة بين مبدأ ونتيجة، وعلاقة بين علة ومعلول، وعلاقة مكان وزمان، وعلاقة بين داعٍ وفعل. الصور الثلاث الأولى تخص النظر، والرابعة تخص العمل. ولما كانت تجربتنا متوقفة على استخدام صور الفهم، كانت هذه الصور سندًا لموضوعيتها، ولم يمكن القول: إن العالم محض وهم. كذلك لمبدأ العلية الذي هو إحدى هذه الصور نتيجتان ضروريتان تؤيدان الموضوعية: إحداهما قانون القصور الذاتي, وهو يحتم أن تفسر كل ظاهرة بظاهرة سابقة، والأخرى قانون بقاء المادة وهو يقضي بأن غاية العلم ومثله الأعلى المادية المطلقة، بما في ذلك المعرفة نفسها، فنقول: إنها وظيفة الدماغ. ب- بيد أن المادة فكرة من أفكارنا, فما المادية إلا تصورنا للعالم، وما العالم إلا الوجهة الخارجية للوجود. ولو كنا ذاتًا عارفة فحسب لما عرفنا عن العالم سوى أنه تصور, ولكننا نحس في أنفسنا غرائز وميولًا, وندرك أن الإرادة جوهر الإنسان وفقًا للصورة الرابعة من صور الفهم؛ فيجب وصل التجربة الظاهرة بالتجربة الباطنة، وفهم العالم بوساطة الإنسان، وحينئذ ندرك أن الإرادة جوهر العالم أيضًا،

стр. 286

وأن العلية الطبيعية في مختلف درجاتها من جنس إرادتنا. فالإرادة هي الشيء بالذات يتجلى في مختلف الموجودات, ولكن هذه النتيجة أوسع من مقدماتها في المذهب؛ فإن حياة إرادتنا تتقضى في صورة الزمان، وأفعالنا الإرادية خاضعة لقانون الداعي الذي هو إحدى صور السبب الكافي، فبالإضافة إلينا الإرادة نفسها ظاهرة من ظواهر لا تدرك إدراكًا مباشرًا كما يدعي، فلا يمكن بحال أن تكون شيئًا بالذات مستقلًّا عن تصور الفهم. فنحن هنا بإزاء عيب أساسي في المذهب، هو الانتقال من التصور إلى الوجود، والمذهب يرد كل الوجود إلى تصور، مما يدل على قوة فطرة العقل التي يخالفها هؤلاء الفلاسفة بالقول, ويتبعونها بالفعل. ج- أول مظاهر الإرادة الكلية الفعل الآلي البحت, حيث العلة والمعلول من طبيعة واحدة, وحيث يمكن إدراك علاقاتهما مباشرة. ثم تتنوع القوى الطبيعية إلى حرارة ومغناطيس وكهرباء وما إلى ذلك؛ فيتعذر إدراك العلاقات بسبب تباين العلة والمعلول. ثم تظهر الإرادة الكلية واضحة في عالم الأحياء, فإن الكائن الحي يتكون من باطن، ويعمل من باطن، وهذا يعني أن الإرادة الكلية هي التي تصور أعضاءه وتلائم بينها وبين البيئة، وأنها هي التي تعمل فيه أثناء اليقظة والنوم بدون انقطاع. وعلاقة العلية ههنا أكثر خفاءً؛ فإن العلية تبدو ههنا كمؤثر أو دافع، ويبدو المعلول محتويًا على أكثر مما في العلة. وأخيرًا تصير العلة داعيًا في الأحياء الحاصلين على شعور، وهنا نعلم أن علاقة العلية إرادة. والمعرفة نفسها ما هي في الأصل إلا وسيلة للإرادة تتوخى منها صورًا للحياة أرفع وأقوى قائمة في الإفادة من بعض الأشياء, واجتناب ضرر البعض الآخر عن دراية وتوقع. والعقل أعلى تجليات الإرادة؛ فهو آلة للحياة أكثر إحكامًا وتنوعًا مما للحيوان من آلات, ذلك أن آلات الحيوان ظاهرة وغاياتها معروفة محدودة, أما العقل فباطن يخفي غاياته ويستخدم ما يشاء من آلات مصنوعة. د- هذا التنوع في الصور الطبيعية صادر عما في الإرادة الكلية من حب البقاء وميل للتحقق إلى أقصى حد. وهذا التنوع أصل تعارض الموجودات وتصارعها: يفترس البشر والعجماوات بعضهم بعضًا, ويفترسون جميعًا النبات، ويستهلك النبات الهواء والماء وغيرهما من المواد. الحياة شر، وكل ما نصادفه من

стр. 287

خير فهو زائف. وإذا كنا نتصور الحياة خيرًا ونحرص عليها ونسعى إلى الاستزادة منها، فهذا راجع إلى ما تبهرنا به الإرادة الكلية من خيرات مظنونة, وتثيره فينا من آمال كاذبة لتستطيع البقاء بوسائل جديدة هي بنو الإنسان، يعتقدون أنهم يختارون غاياتهم اختيارًا وهم في الحقيقة مدفوعون من حيث لا يشعرون. يصدق هذا على حفظ الفرد، وعلى حفظ النوع بالتناسل، فإن "شيطان النوع" يهيج في الفرد أقوى غريزة ويدفعه إلى إرضائها، وما هو إلا أداة الإرادة الكلية التي تتوق إلى البقاء في النوع. "وهنا يسهب شوبنهور، ويقول في المرأة كلامًا ورد مثله في جميع اللغات". هـ- الحياة شر: تشهد بذلك التجربة كما تقدم، ويشهد به النظر في ماهية الألم واللذة. والألم انفعال إيجابي، هو ترجمة عن حاجة مفيدة للحياة. واللذة إرضاء هذه الحاجة وتلطيف مؤقت، فهي انفعال سلبي، وإن بدت حالة إيجابية فتلك وسيلة من وسائل خداع الإرادة الكلية؛ لذا كانت انفعالات الألم أقوى في الغالب، نلحظها ولا نلحظ عدم الألم: لا نلحظ الصحة والشباب والسلامة والحرية حتى تفوتنا. واعتياد اللذة يفل من حدتها، وانقطاع الشيء المعتاد يخلق آلامًا جديدة. وكلما زكا العقل ودق الشعور اشتدَّ الإحساس بالألم: ألم الإنسان أكثر وأشد من ألم الحيوان؛ ويتفاوت الناس في عدد آلامهم وقوة شعورهم بها. كل هذا يدل على أن مبدأ السبب الكافي المنظم للتصور لا يصدق على الإرادة الكلية التي هي شيء بالذات. إنها لمشكلة من الوجهتين النظرية والعلمية؛ لأنها مبدأ لاعقلي، جوهر لا يفهم وينبغي ألا يفهم! ١٢٤ - الفن والأخلاق: أ- على أنه يتفق أحيانًا للمعرفة الإنسانية أن تتحرر من خدمة الإرادة الكلية, وذلك حين نستغرق في التأمل الفني فيزول الشعور بالفردية ويزول الألم؛ أو حين يتملكنا الاعتقاد بزيف الفردية فنؤثر عليها الغيرية. الفن والأخلاق إذن وسيلتان للتحرر من الشعور بالوجود وبالألم. الفنون من وحي الإرادة الكلية تحاول بها أن تتحقق أكثر فأكثر. الدرجة الدنيا فن العمارة، وهو ييسر لنا تصور الدرجات الدنيا في الطبيعة: الثقل والتماسك والمقاومة، وظهور القوة الكامنة في

стр. 288

المادة بالصراع بين الثقل والمقاومة. ثم تجيء الفنون الشكلية: النحت يظهر الصورة الإنسانية في حال الحركة، أي: تحقق الإرادة في الفرد وتغلبها على العقبات التي تعترضها من جانب القوى الطبيعية تجلياتها السفلى، ولكنه يقتصر على إظهار الإنسان في عمومه. أما التصوير فيمثل الأخلاق، أي: مختلف وجهات الإنسان في مختلف الظروف، فتبرز الملامح والإشارات. والنحت والتصوير يظهراننا على المعاني بوساطة علاماتها الطبيعية. أما الشعر فيوحي بالمعاني بوساطة الألفاظ؛ وكل نوع من أنواع الشعر تعبير عن وجهة من وجهات الإنسان: الشعر الغنائي يظهر الألم الإنساني الناشئ من مغالبة الإرادة للعقبات, والشعر التراجيدي يظهر الألم الإنساني الناشئ من تعارض الطباع والأخلاق. وأخيرًا الموسيقى، وهي فن يستغني عن كل صورة مكانية ويتخذ صورة الزمان، فيشبه حياتنا الباطنة في تعاقب ظواهرها، ويعبر عن الأفعال مجردًا، أي: عن السرور بالذات أو الألم بالذات، كل منهما مجرد عن دواعيه. فليست الموسيقى صورة ظاهرة، ولكنها صورة الإرادة نفسها صاعدة ونازلة في خط منحنٍ، أي: في صورها البسيطة وصورها المركبة، فتظهرنا على تاريخها المكنون ومعاركها وآلامها. ب- غير أن التحرر بالفن لا يتسنى إلا للعباقرة، ولا يتسنى لهم إلا غرارًا. فهناك وسيلة أخرى في متناول الجميع للتغلب على الأنانية التي تدفع بنا إليها الإرادة, هي أن نذكر وحدة البشر جميعًا، وأن نعتقد أنه يضطرب في كل منا موجود واحد بعينه، وأن الفردية والمباينة وهم خادع. هذا منشأ الفضيلة الحقة ومحبة الإنسانية. ولما كانت اللذة محو الألم، كان كل ما تستطيعه المحبة التلطيف من الألم؛ لذا تبدو المحبة في صورة الشفقة, فالشفقة الظاهرة الأخلاقية الأولية، وهي تدل على وحدة النوع الإنساني، ولا تفسر إلا بهذه الوحدة. أما الفضائل المتعارفة فما هي إلا صور للأنانية يتوخى منها الناس تحسين حالهم، بينما الشفقة ميل عن الذات إلى الغير. فلا يبلغ إلى الراحة التامة إلا الذين ينكرون "إرادة الحياة" إنكارًا باتًّا، ويستسلمون لبطش الإرادة الكلية. أولئك هم الزهاد والقديسون الذين يعتبرون الزهد محو الميل إلى بقاء الذات والنوع، لا الذين يعتبرون قهر الجسم وسيلة للسعادة في حياة مقبلة، إذ ما دام الوجود شرا فإن إرادة الوجود شر، والذي يجرب ألم الحياة ووهم الفردية يفقد كل داعٍ للعمل. ومتى علمت

стр. 289

إرادتنا ذلك من عقلنا, وجب عليها أن تنكر نفسها وتفنى في النرفانا. ج- هذه الفلسفة تعميم تجربة شخصية لجموح الأهواء وألم الحياة. وقد قال عنها شوبنهور: إنها استقرائية تحليلية "ككل علم جدير بهذا الاسم" أو إنها "ميتافيزيقا تجريبية" بعكس الميتافيزيقا القياسية التركيبية المعروفة عن أصحاب وحدة الوجود من بارمنيدس إلى سبينوزا. وكان شلنج قد وضع مثل هذه الميتافيزيقا التجريبية في مرحلته الأولى الطبيعية, وسيقوم لهما أنداد لعل آخرهم برجسون. وقد أدت بشوبنهور تجربته الباطنة إلى نصب إرادة كلية عمياء شريرة، في حين أن الشر بالذات ممتنع الوجود. ولم يفسر لنا كيف تخرج الأشياء المنظمة من الإرادة العمياء تخبط خبط عشواء، وكيف يخرج العقل من اللاعقل. ومهما يقل عن الحرب والاضطراب في الطبيعة، فإن كلا من الموجودات الطبيعية منظم في ذاته له ماهية ثابتة يعمل بحسبها, فتأتي أعماله وأحواله مطردة، ويلتئم النظام العام وهو ظاهر لا يحتاج إلى دليل. وكيف نتحرر من الإرادة الكلية؟ أليس هذا التحرر بحاجة إلى إرادة؟ فمن أين تأتي إرادة إنكار إرادة الحياة؟ وهل الشفقة هي النتيجة المنطقية لمبدأ المذهب، أو أن المنطق يؤدي إلى وجوب ترك الضعفاء إلى مصيرهم، أو التعجيل بالقضاء عليهم، ما دام الوجود شرا بالذات؟ وفي الواقع, لقد انتحر كثير من قراء شوبنهور، فكانوا أكثر إخلاصًا للمبدأ وللمنطق من الرجل الذي ما أبى على نفسه شيئًا من متاع الحياة, وكان يتمنى امتداد عمره واستطالة سلامته. وتعريفه للزهد مطابق للبوذية, مخالف للمسيحية مهما يرد أن يجمع بين هاتين الديانتين: ترمي البوذية إلى الفناء التام، وترمي المسيحية إلى كبت الغرائز الحسية لإطلاق الحرية للحياة الروحية والاستزادة منها إلى أبعد حد، وشتان بين الموقفين! ولئن كان القديس بولس قد رفع العزوبة المسيحية فوق الزواج، فهو قد فاضل بين خيرين، ولم يقل: إن الزواج شر كما توهم فيلسوفنا. وقديمًا رفع أفلاطون وأرسطو حياة الحكمة فوق الفضائل الأخلاقية. ويقول شوبنهور: إن المسيح هو المثل الأعلى للذي يفهم مذهبه حق الفهم؛ لأنه ضحى بجسمه الذي هو معلول إرادته, وقتل في نفسه إرادة الحياة, فما قوله في أن المسيح مات ليخلص البشر وأنه قام من بين الأموات؟ إن هذه الفلسفة حافلة بالاستدلالات الفطيرة والتأويلات المعتسفة.

стр. 290

د- وهذه الفلسفات الألمانية الضخمة مركبة على نمط واحد، ولا تفترق إلا في المبدأ الأول وتوجيه التفسير بناء على هذا المبدأ. فمسائل الفلسفة وحلولها المختلفة معروفة من تاريخها، وكل الجهد ينحصر في اختيار المبدأ والحلول، ثم النزول من أعلى مراتب الطبيعة الماثلة أمامنا إلى أدناها لتبين عوامل التركيب أو ما يبدو كذلك، ثم عرض هذه العوامل وتركيباتها كأنها مستنبطة استنباطًا، حتى ليصبح المذهب الفلسفي لونًا من ألوان الأدب، وهو كذلك بالفعل عند الكثيرين. وإذا أردنا أن ندل على ميزة لهذه الفلسفات، قلنا: إنها صدق فهم الكائن الحي بأنه وحدة متطورة بقوة باطنة هي التي سماها أرسطو بالصورة والعلية الصورية. لا أنه مركب صناعي من ذرات قائمة بأنفسها كما يريد المذهب الآلي. لذا نجد هؤلاء الفلاسفة يردون وحدة الطبيعة ووجوه الشبه بين الأحياء إلى أن هذه الأحياء تجليات أو خلائق أصل واحد بعينه، ويخالفون القائلين بتحول الأنواع بعضها إلى بعض بمر الزمان. وهاتان فكرتان سيكون لهما أثر بليغ فيما سيأتي من مذاهب روحية، وهما ظاهرتان كل الظهور في "التطور الخالق" وما رتبه عليه برجسون من أصول وفروع.

стр. 291

الفصل الخامس: هربارت " ١٧٧٦ - ١٨٤١ " ١٢٥ - حياته ومصنفاته: أ- هو أقدم من شوبنهور، وقد أخرناه لأنه اتخذ وجهة مغايرة لوجهة الأربعة المذكورين آنفًا، فارتأى أن الأشياء موجودة حقًّا وليست مجرد تصورات, وأن مهمة الفيلسوف قبولها كما هي ومحاولة تفسيرها، لا تركيب العالم تركيبًا مبدئيًّا يقلب الفلسفة قصة شعرية. وله محاولة في تطبيق الرياضيات على الظواهر النفسية حتى يجعل من علم النفس علمًا مضبوطًا كسائر العلوم الطبيعية, فكان من هذه الناحية زعيمًا لمدرسة سنصادف فيما يلي بعض أتباعها البارزين. ب- كان أستاذًا بجامعة جوتنجن " ١٨٠٥ " ثم بجامعة كونجسبرج. أهم مؤلفاته: "ما بعد الطبيعة" و"علم النفس مؤسسًا للمرة الأولى على التجربة والميتافيزيقا والرياضة" و"موجز علم النفس". ١٢٦ - الميتافيزيقا: أ- الفلسفة توضيح المعاني التي يقوم عليها العلم. ولما كانت هذه المعاني لا تخلو من تناقض، كانت مهمة الفيلسوف العمل على رفعه. هذا التناقض أدركه زينون وظن أن لا مخرج منه، ورأى فيه الشكاك سببًا للعدول عن الميتافيزيقا, وقبله هجل على أنه ماهية الفكر والوجود. ولكن مبدأ عدم التناقض قانون العقل، ويجب رعايته ما دام العقل. والوقوف عند الشك عجز، وإن قليلًا من التفكير يقنعنا بفساد هذا الموقف, فإنه إذا كان وجود الأشياء موضع شك، فما من شك في أنها تبدو موجودة، وإذا لم يكن هناك شيء لم يبد شيء. على أن من الممكن الشك في كون الأشياء مطابقة لتصورنا، وهذا الشك نقطة بداية الفلسفة, وهو ينشأ من النظر في المتناقضات.

стр. 292

ب- المعاني المتناقضة هي بنوع خاص: معاني المادة والزمان والحركة والجوهر والعرض والعلة. فالمادة والزمان يشتركان في كونهما "وحدة متكثرة" من حيث إنهما قابلان للقسمة، وهذا أصل المتناقضات الواردة عند زينون وكنط. والحركة جمع بين الوجود واللاوجود. والجوهر عبارة عن شيء واحد بعينه هو في الوقت نفسه كثير بما يضاف إليه من أعراض أو قوى. والعلة إذا كانت خارجية كان معناها أن الشيء المتغير بها هو كما كان من قبل "ما دام هو هو" وليس كما كان من قبل "ما دام معتبرًا, قد تغير"؛ وإذا كانت داخلية كالفعل الإرادي، كان معناها أن موجودًا واحدًا بعينه فاعل ومنفعل في آن واحد، أي: إنه مزدوج وليس واحدًا. ج- لأجل رفع التناقض يجب القول بأن ما يوجد في الخارج ليس الأشياء المحدودة البادية في الحس، وهي متكثرة كما سبق القول، بل كيفيات مقابلة للكيفيات المدركة بالحواس، كل منها بسيط مطلق في نوعه، وأن الأشياء البادية في الحس تأليفات من صنعنا، ومن ثمة ذاتية نسبية. ولا تناقض في كون الكيفيات جميعًا مطلقة، من حيث إن الموجودات الجسمية هي التي تتنافى ويحد بعضها بعضًا، وموجوداتنا غير ممتدة، مثلها مثل مونادات ليبنتز، مع هذا الفارق وهو أنها ليست مركبة من أحوال وإنما هي بسيطة كل البساطة، وليست متغيرة وإنما هي ثابتة لا تتغير. وما التغير إلا تغير العلاقات المتبادلة بين الكيفيات، لا تغير الكيفيات أنفسها. وهكذا اعتقد هربارت أنه أنقذ مبدأ عدم التناقض. ١٢٧ - علم النفس: أ- الأنا أحد تلك الموجودات البسيطة, وفعله الجوهري صيانة ذاته ومدافعة الآخرين. وتعدد ظواهرنا الشعورية نتيجة هذه المدافعة، فما الظاهرة الشعورية إلا مجهود النفس في سبيل البقاء، وما الفكر إلا جملة علاقات الأنا بسائر الموجودات، والظواهر الشعورية تروح وتجيء، وتشتد وتضعف، فلها إذن وجه كم، ويمكن دراستها بتطبيق الرياضيات. لم يلج علماء النفس هذا الطريق للآن بسبب شدة تغير هذه الظواهر حتى لتبدو متأبية على القياس. ولكن حساب النهايات الصغرى يطبق العدد على عين الحركة, أو التغير دون حاجة إلى تعيين

стр. 293

الكميات المتغيرة. فمنذ استكشاف هذا الحساب أصبح من الممكن دراسة تغير الشعور دراسة رياضية دون حاجة إلى وحدة ثابتة تقاس بها الظواهر قياسًا مباشرًا. يكفي أن نعتبر هذه الظواهر بمثابة قوى متعارضة، فإذا تعارضت ظاهرتان بنفس القوة، وقفت كل منهما الأخرى وانتقلتا من مجال الشعور إلى مجال اللاشعور؛ وإذا ما اشتدت إحداهما عادت إلى مجال الشعور وإلى الحركة. فحساب هذا الوقف أو التعادل وهذه الحركة موضوع الدراسة الرياضية للنفس. فهربارت يتصور الظواهر الشعورية قوى متقابلة على مثال الكيفيات الخارجية، أو يتصور العالم الخارجي على مثال عالم النفس, ولكن معادلاته فقدت كل قيمة لأنه أقامها على عدد كبير من الفروض جاءت في الغالب متنافية مع الواقع. وسنرى في الباب التالي محاولات أخرى لإدخال الكم على علم النفس.

стр. 294

المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا مدخل ... المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا ١٢٨ - تمهيد: كان الفكر الفرنسي في القرن الثامن عشر صدى للفكر الإنجليزي، ولكنه الآن يستعيد أصالته ويستحدث مذاهب خاصة. فما إن أفاق من غمرات الثورة ورأى ما عقبها من خراب مادي واضطراب معنوي وقلق اجتماعي حتى شرع في البناء, وفي نفس كل عامل من عمال هذا المشروع الخطير يقين لا يتطرق إليه الشك بأن علة العلل الاضطراب المعنوي أو فساد العقيدة في "القيم العليا". فعملوا جميعًا، كل بطريقته الخاصة، على استرداد الإيمان بهذه القيم. فظهر مذهب نفسي روحي يهزم المادية هزيمة ماحقة، وتداولته الأجيال إلى أيامنا حتى ليعد طابع الفكر الفرنسي. وقام بعض الكاثوليك يحطمون مبادئ القرن السالف في الاجتماع، وينادون بالعودة إلى العقيدة السلفية. وقام غيرهم ينكرون هذه المبادئ من ناحيتهم، ويعلنون عداءهم للميتافيزيقا واستمساكهم بالواقع، مع إعلانهم في الوقت نفسه أن ليست "الواقعية" عندهم مرادفة للمادية ومبطلة للقيم. فالفصلان الأولان من هذه المقالة يتحدثان عن فريقين من رجال المذهب الروحي والفصل الثالث يعرض المذهب الواقعي.

стр. 295

الفصل الأول: المذهب الروحي ١٢٩ - تمهيد: زعم كوندياك أن تمثالا على شكل الإنسان, حاصلًا على مجرد الحياة, عاطلًا من كل ميل أو قوة أو تعيين أيا كان، يستطيع أن يكتسب جميع الإحساسات والصور والمعاني والانفعالات اكتسابًا آليًّا بيّن هو طريقته بتحليل دقيق. وقد أخذ بهذا التحليل أصدقاء وأتباع لكوندياك ألفوا فئة متضامنة في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية تواصل إلحاد القرن الثامن عشر، وحزبًا سياسيًّا أيد بونابرت أول الأمر ثم انقلب عليه حين رآه يستبد. من بين هذه الجماعة فريق يعتمد على طريقة كوندياك ويعارض بها مبادئه ونتائجه؛ وقد تدرجت هذه المعارضة، فقال أحدهم كابانيس: إن مثل هذا التمثال لا ظل له من الحقيقة، وإن الإنسان يولد وفيه استعدادات فسيولوجية ذات أثر قوي في الحياة النفسية؛ وقال دستو دي تراسي: وفيه أيضًا قوى عقلية؛ وقال مين دي بيران، وهو أعمقهم فكرًا وأبعدهم أثرًا: وفيه نفس مستقلة بذاتها وميول أصيلة إلى الميتافيزيقا وإلى الدين، فكان مؤسس الفلسفة الروحية الفرنسية المعاصرة. هؤلاء الثلاثة أركان الفئة، وثانيهم هو الذي اقترح لفظ ldeologue أو "معنوية" للدلالة على فلسفتهم التي تطرح جانبًا النظر الميتافيزيقي وتقصر همها على دراسة "المعاني" "بالمعنى العام أي: الظواهر النفسية" لتبين خصائصها وقوانينها وعلاقتها بالإشارات المعبرة عنها، محاولة بنوع خاص استكشاف أصلها. فدعوا ldeolagues أي: أصحاب المعاني. ولكن هذا الاسم انصرف أيضًا إلى معنى ينطوي على السخرية والتحقير فدل على التحليل الأجوف والمناقشة العقيمة والتفكير الخيالي أو "الميتافيزيقا المظلمة" على حد تعبير بونابرت نفسه. وقد ضممنا إليهم عالما طبيعيا شهيرا، هو لامارك، أبدى رأيًا في الكائن الحي وتطوره يتفق مع رأيهم, ويفسح له مكانًا في تاريخ الفلسفة.

стр. 296

١٣٠ - لامارك " ١٧٤٨ - ١٨٢٩ ": أ- بدأ حياته العلمية بدراسات فلكية وجيولوجية، فدون سنة ١٧٧٦ رسالة "في علل أهم الوقائع الطبيعية" عارض فيها نظريات لافوازبي بغير توفق كبير؛ وفي السنة عينها بعث إلى أكاديمية العلوم برسالة "في أهم ظواهر الجو". ثم عكف على دراسة النبات، ونشر كتابًا في ثلاثة مجلدات عنوانه "النبات الفرنسي، أو وصف موجز لجميع النباتات التي تنمو بفرنسا نموا طبيعيا، مرتب تبعًا لمنهج تحليلي جديد، مع ثبت بأصرح مزاياها في الطب وفائدتها في الفنون" " ١٧٧٨ ". وفي ١٧٩٤ عين أستاذًا لعلم الحيوانات اللافقرية، فخطر له أن الطبيعة قد تكون بدأت بهذه الحيوانات الدنيا "حين كونت سائر الحيوان بمعونة زمن طويل وظروف مواتية" وصرح بذلك في خطبة افتتاح دروسه لسنة ١٨٠٠ , فكانت هذه الفكرة مبدأ فلسفته العلمية، وقد قال: "كل علم يجب أن يكون له فلسفته. فهو لا يتقدم حقا إلا بهذه الواسطة". ونشر سنة ١٨٠٩ كتابًا في "فلسفة الحيوان" يشرحها فيه. ب- على أنه لم يذهب إلى مطلق التطور في المادة إلى الخلية الحية إلى مختلف الأحياء. أجل, لقد سلم بالتولد الذاتي, لكن لا بمعنى أن المادة تتجه بذاتها إلى الحياة، بل بمعنى أن غازات لطيفة كالحرارة والكهرباء قد تنقل غير الحي إلى حي بكيفية متقطعة وفي نطاق ضيق. فالحياة في الأصل من خلق الله؛ أوجد الله أصولًا طبيعية أو نماذج ينتظم كل منها من عدد معين من الأعضاء المعينة مركبة تركيبًا معينًا. فمثلًا نموذج الحيوان الفقري يتضمن عينين موضوعتين الواحدة بإزاء الأخرى وأسنانًا وأرجلًا. بيد أن في هذا النموذج أحياء كثيرة نرى الأعضاء فيها موزعة توزيعًا آخر أو ضامرة أو معدومة بالمرة. فهذه الاختلافات الطارئة على النموذج وليدة ظروف أفسدته, أو وليدة تطور يرجع إلى أن البيئة بتربتها وغذائها ومناخها تولد في الحيوان حاجات مختلفة، فيبذل مجهودًا لإرضاء حاجاته، وينتهي مجهوده المتصل إلى تعديل الأعضاء، بل إلى نقلها من موضع إلى آخر من جسمه فإن استخدام العضو ينميه، وعدم استخدامه يهزله أو يضمره بالتدريج، والوراثة تنقل العضو على حاله من النمو أو الهزال أو الضمور. وهذا يفسر لنا

стр. 297

مثلًا عدم توازي عيني السمك المسطح "فقد اضطرته عاداته إلى السباحة على جانبيه المسطحين. وهو في هذا الوضع يتلقى من الضوء في أعلى أكثر مما يتلقى في أسفل، ولما كان بحاجة لإدامة الانتباه إلى ما فوقه، فقد اضطرت هذه الحاجة إحدى العينين إلى الانتقال والحلول في المكان الغريب المعروف". هذه عوامل التطور في نطاق النموذج عند لامارك, وقد فطن إلى تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي فلاحظ أن القوي من الحيوان والأقوى سلاحًا يفترس الضعيف. ولكنه لم يتوسع في هذه الفكرة، ولم يعرها مثل ما سيعيرها دروين من أهمية كبرى. ١٣١ - كابانيس " ١٧٥٧ - ١٨٠٨ ": طبيب عني بدراسة "العلاقات بين الطبيعي والمعنوي في الإنسان" وهذا عنوان كتابه وموضوعه " ١٨٠٢ " يأخذ فيه على كوندياك أنه لم يلتفت لغير الإحساسات الخارجية، فأغفل التأثيرات المتواردة بلا انقطاع على الدماغ من جميع الأعضاء الداخلية, والتي تشهد بأن الشخص يولد حاصلًا على رأسمال أصيل يؤثر في كل ما يرد من خارج فيلونه بلون خاص. هذا هو مزاجه الذي يميل به إلى خلق معين، أو يسبب له الاضطراب العصبي والجنون دونما تأثير خارجي. إن الأفعال الغريزية تنقض رأي كوندياك، والغريزة مركب من حركات يشبه تركيب الفعل المروي، ويخرج إلى الفعل بمناسبة إحساس باطن، فلا يمكن أن تفسر بتأثير خارجي، كما أن تأثيرًا خارجيًّا لا يفسر عمل المعدة مثلًا أو أي عضو آخر. وقد اصطنع كابانيس المنهج المادي, فردَّ كل فعل من أفعال الإنسان إلى عضو فيه، وقال فيما قال: "إن الدماغ يفرز الفكر كما تفرز الكبد الصفراء". على أنه لم يصطنع المذهب المادي فترك الباب مفتوحًا للإيمان بالعلل الأولى، وإن تكن هذه العلل في رأيه "فوق دائرة بحثنا, ومتناول عقلنا". ١٣٢ - دستو دي تراسي " ١٧٥٤ - ١٨٣٦ ": قلنا: إنه واضع لفظ ldealagie. وقد دون "مبادئ المعنوية" في أربعة كتب: "الأول في "المعنوية" " ١٨٠١ " والثاني في "الأجرومية العامة" " ١٨٠٣ " والثالث في "المنطق" " ١٨٠٥ " والرابع في "الإرادة" " ١٨١٥ ".

стр. 298

وهو يعارض كوندياك في تخريجه القوى النفسية بعضها من بعض، ويرى وجوب القول بقوى أولية متمايزة. يضع كوندياك الإحساس قبل الحكم ويخرج من الحكم النزوع؛ فيقول دي تراسي: ولكن الإحساسات يمكن أن تتقارن دون أن تختلط والتقارن نسبة مدركة فورًا، أي: حكم مقارن للإحساس. ثم إن الإحساس باللذة أو الألم يتضمن الشعور بنسبة بين الإحساس والقوة الحاسة، ويمكن أن يثير نزوعًا سابقًا على الحكم، وإذن فالإحساس والحكم والنزوع قوى أولية على السواء، كذلك ليست الغريزة مكتسبة، ولكنها نتيجة مباشرة لتركيب الحيوان، مثلها مثل الهضم أو أية وظيفة أخرى. وأيضًا لا يكفي اللمس المنفعل لإظهارنا على "الخارجية" ولا بد لذلك من قوة الحركة، فإن ما نحسه من مقاومة لفعلنا الإرادي يعلمنا أن ما يقاوم إرادتنا مغاير لها. وقوة الحركة هذه بمثابة حاسة سادسة تعطينا إحساسات خاصة. ١٣٣ - مين دي بيران " ١٧٦٦ - ١٨٢٤ ": أ- هو أحد الشباب الملتفين حول كابانيس ودستو دي تراسي، الآخذين بأقوالهما وبمبادئ كوندياك. وكان ذا مزاج قلق, وكان ميالًا للاستبطان قديرًا عليه قدرة فائقة. وجد في نفسه عواطف غامضة متناقضة مرتبطة من غير شك بحالات عضوية متأبية على إرادته، فالتفت بقوة خاصة إلى الحساسية الباطنة، وفطن إلى أن المعاني والإرادات الأخلاقية صادرة بلا ريب عن منابع مغايرة للإدراكات الحسية الظاهرية. وحدث أن أعلن المجمع العلمي سنة ١٧٩٩ موضوعًا للمسابقة هو: "ما تأثير العادة على قوة التفكير؟ " فدون رسالة "في العادة" فازت بالجائزة، وأعقبها برسالة تكميلية. وقد بين أن فينا قوة فعلية إلى جانب الانفعال الذي يعول عليه كوندياك، وأن تأثير العادة يختلف في الانفعال وفي الفعل؛ فالانفعالات جميعًا تضعف بالتدريج حتى تنمحي إذا ما استطالت أو تكررت، كالإحساس المتصل برائحة بعينها فإنه ينتهي إلى العدم؛ لأن اتصاله وتكراره يضعف قدرة العضو الحاس على مزاولة الجهد أو الشعور بالمقاومة؛ في حين أن الأفعال أو الإدراكات تزداد وضوحًا بازدياد حركة العضو الحاسّ وتضاؤل الانفعال كالرؤية, فإنها تتميز إذا ما اعتدل تأثير العضو ووهج اللون، أو

стр. 299

ضعف الشعور بحركات عضلات العينين بتأثير العادة؛ وعلى العكس يغمض الإدراك حتى يصير انفعالًا إذا ضعفت حركة العضو الحاس أو سكنت. وإذن فالإدراك غير الانفعال, ولكن العادة تكسب الأعضاء الحاسة سهولة وسرعة وسدادًا في حركتها فتضعف الشعور بالقسط الفعلي في الإدراك حتى تزيله, وفي الذاكرة أيضًا فعل وانفعال. فثمة فرق بين عودة الصور إلى الذهن عودة تلقائية وبين استعادتها بالإرادة. والعقل من جهته لا يتكون حقا إلا بحصوله على الألفاظ وهي إشارات إرادية وحركات مقابلة للمعاني دالة عليها؛ ومن شأن العادة أن تجعل العقل يربط بين هذه الحركات وبين المعاني المقابلة لها بسرعة وسداد متزايدين. وليس صحيحًا ما قاله كوندياك من أن قوة التفكير قائمة كلها في الإشارات أو الألفاظ، إذ كيف كان يمكن خلق الإشارات بدون فعل الفكر؟ فكل تقدم فكري فهو يتوقف على الجهد الباطن الذي يوجد عادات فعلية جديدة. ب- وفي ١٨٠٥ أعلن المجمع العلمي موضوعًا آخر للمسابقة هو: "كيف يمكن تحليل قوة التفكير وما هي القوى الأولية التي يجب الاعتراف بها لها؟ " وضع هذا السؤال "المعنويون" الذين كانوا يؤلفون أكاديمية العلوم. فدون مين دي بيران "رسالة في تحليل الفكر". كانوا يقصدون بالقوى الأولية مظاهر الإحساس في تحوله؛ وفهم هو أن المطلوب القيام بتحليل يكشف عن "أبسط وأوكد معرفة تصير بها جميع المعارف ممكنة" فقال: إن الظاهرة الأولية هي الجهد العضلي، به يعرف الأنا نفسه معرفة مباشرة أنه قوة تعلو على الجسم, وتحدث حركة عضلية أي: توترًا تستطيله بالإرادة. وليس يعرف الأنا نفسه إلا باعتباره علة فاعلية في مادة تقاومه. ونحن نجد في كل شعور بالأنا هذا الاتحاد الوثيق بين هذين العنصرين المتباينين: قوة لامادية ومقاومة مادية، بحيث ينعدم الشعور بانعدام المقاومة. إن التجربة الباطنة لا تظهرنا على جوهر النفس ندركه بالحدس مستقلا عن الفعل في الجسم، كما اعتقد ديكارت، ولكنها تقفنا فقط على قوة فاعلة شخصية متضامنة مع الطرف الذي تفعل فيه. أما تصور ديكارت للعلاقة بين الأنا والحس على مثال العلاقة الخارجية بين صانع ومصنوع, فإنه يؤدي, وقد أدى بالفعل, إلى إنكار فاعلية النفس في الجسم، كما رأينا عند مالبرانش وليبنتز وغيرهما. وفي معرفة الأنا لنفسه في الشعور بالجهد توجد بالتضمن المعاني الأولية: معاني الوجود

стр. 300

والجوهر والوحدة والذاتية؛ ومعنى القوة أو العلة مدركًا إدراكًا مباشرًا لا مستنتجًا بالاستدلال؛ ومعنى الحرية متجليًا في معارضة الإرادة للنزوع. هذه المعاني يقول عنها الفلاسفة: إنها مجردات غريزية أو مركبة، الحقيقة أنها أصيلة مستمدة من صميم الوجدان, وهي شروط الفكر وأصول العلم. ولكن هذا لا يعني من جانب مين دي بيران أنه بلغ إلى ما بعد الطبيعة، فإن منهجه نفسي، ولم يكن يقصد إلى مجاوزة علم النفس، ولما فكر في المسائل الميتافيزيقية والدينية عالجها بالمنهج النفسي، فكان مؤسس علم النفس الديني. ج- وهو لم يفكر في الدين إلا بعد تفكير في الأخلاق. كان قد أغفل ما تلقاه من الدين في حداثته، واعتقد في وقت ما أن الرواقية تتفق مع مذهبه لما تقول به من سيطرة الإرادة على نوازع الحس، ولكن التجارب علمته أنه لا يستطيع أن يجد في نفسه قوام حياته القلقة المضطربة. ومنذ ذلك الحين أخذ يطلب الله لحاجته إلى نعمة ربانية يتغلب بها على الحساسية. وقد سجل هذه التجربة في "جريدته الخاصة" ثم شرع يضع تأويلها الفلسفي في كتاب أسماه "محاولات في علم الإنسان" ولم يتمه. إنه ينتقد أدلة ديكارت على وجود الله، فيقول: إن الانتقال من النفس إلى الله بموجب مبدأ العلية يثير مسألة ممتنعة الحال هي: ما علاقة العلية بين الخالق والمخلوق؟ إذ إن هذه العلاقة تختلف بالمرة عما نعلمه من علاقات علية. ثم لا يمكن الجزم بأن فكرة الله فكرة محصلة، فقد تكون للنفس قدرة خفية على الاستكمال إلى غير نهاية، ومن ثمة على إبداع فكرة موجود كامل دون أن يوجد مثل هذا الموجود ليكون علة الفكرة التي تصوره. ثم إن الدليل الوجودي غلط من حيث إن الوجود يشاهد ولا يستنبط من فكرة، وأن لا تفاوت بين الجواهر في الوجود، ولا تفاوت فيه بين الجواهر والأعراض، ما دامت جميعًا مجرد أفكار. فلا يبقى إلا الرحوع إلى النفس، وحينئذ نرى النفس "تماس منبع كل حقيقة وكل نور، وتحس الله واللانهاية في إشراقات العبقرية الفجائية، وفي الوثبات الآتية نحو الحقائق العليا، وفي البروق اللامعة خلال السحب المخيمة على عقولنا، وفي إلهامات وعواطف مستعصية على التعبير". فيكون للإنسان حيوات ثلاث مقابلة للأنظمة الثلاثة عند بسكال: حياة حيوانية خاصيتها إحساس وتخيل، أي: مجرد انفعال؛ وحياة إنسانية هي الإدراك مع الفعل أو الجهد؛

стр. 301

وحياة إلهية هي انفعال وقبول من عل. بيد أن مين دي بيران يسأل نفسه: كيف الاستيثاق من أن أصل هذه التجربة إلهي؟ إذا سلمنا بأنها ليست من فعل النفس لكوننا لا نشعر بأننا نحدثها، فكيف التدليل على أنها ليست من فعل الجسم؟ ولا سيما أنه لاحظ اندفاعًا منه إلى أفكار وعواطف دينية في حالات معينة من جسمه وأوقات معينة من السنة، كما لاحظ وجه الشبه بين المؤمن المنفعل بالنعمة وبين النائم الذي يتلقى الإيحاء في النوم المغناطيسي، ولاحظ أثر هيئة الجسم في إثارة أفكار وعواطف وحركات معينة. وقد لازمه الشك في هذه المسألة طول حياته مع ميل متزايد إلى الاعتقاد بأن التجربة الدينية إلهية، وبأنه يستحيل أن ننكر على المؤمن ما يحس من اطمئنان وسعادة وبهاء. ولم يكن الدين عنده عقيدة محددة وكنيسة معينة, وإنما كان مجرد عاطفة, ولو أنه كان يدرس إنجيل يوحنا وكتاب التشبه بالمسيح وكتب الأسقف فنيلون. وهكذا سيكون الحال عند معظم الذين يلجئون إلى التجربة الدينية بهذا المعنى، وأشهرهم في أيامنا وليم جيمس وهنري برجسون، وهذه روحانية هزيلة تدعنا مترددين في التجربة الدينية أهي حقيقة أو وهم، وكل ما تصل إليه الكشف عن حاجات وأمان للإنسان تسمو به فوق الحياة الأرضية، دون أن تدله على حقيقة معينة وغاية واضحة. وقد عرف مين دي بيران هذا النقص في منهجه، فاعتنق المسيحية ومات عليها. ١٣٤ - لاروميجيير " ١٧٥٦ - ١٨٣٧ ": هذا المذهب الروحي أعلنه في الجامعة نفر من المفكرين اتصلوا بمين دي بيران وتأثروا به, أولهم لاروميجيير ألقى "دروسًا في الفلسفة" بكلية الآداب بباريس " ١٨١١ " ثم نشرها في كتاب " ١٨١٥ - ١٨١٨ ". يعرف الفلسفة بأنها طريقة تحليلية ترجع المعاني إلى فعل قوانا المعروفة, فتبطل الاعتقاد بأنها نابعة من قوى عليا خفية. في هذا التعريف اصطناع لطريقة كوندياك، واحتجاج على الرومانتية الألمانية. ولكنه يعتمد، ليس فقط على الحس الذي هو قوة انفعالية، بل أيضًا على الانتباه الذي هو قوة فعلية، فيستخرج منه المضاهاة التي تستكشف علاقات الأشياء, وتمهد للحكم والاستدلال.

стр. 302

١٣٥ - روايي كولار " ١٧٦٣ - ١٨٤٣ ": سياسي أكثر منه فيلسوفا، ألقى دروسًا بكلية الآداب بباريس " ١٨١١ - ١٨١٤ " عارض فيها فلسفة كوندياك بفلسفة ريد، فأدخل هذه الثانية في التعليم بفرنسا. إن "فلسفة الإحساس" تقوم على التصورية التي تركب الأشياء من الانفعالات؛ فيلزم عنها أن الأنا مجموعة إحساسات، وأن الطبيعة مجموعة كيفيات محسوسة، وأن الله مجموعة معلولات: فلا جوهر، ولا بقاء متصل في الزمان، ولا قوة فاعلية، فننتهي في الميتافيزيقا إلى الشك العدمي، وفي الأخلاق إلى الأنانية من حيث أن ليس لغيرنا "بل ولا لنا" وجود جوهري. ولكن "فلسفة الإدراك" "وهي فلسفته" تقوم على وقائع أصيلة بينة بذاتها مشتركة بين جميع بني الإنسان، هي وجود الأنا كجوهر مفكر باقٍ عارف ذاته معرفة مباشرة، وعارف بقاءه بالذاكرة، وعارف عليته في الفعل الإرادي والانتباه. وبضرب من الاستقراء ننقل طبعًا إلى الأشياء الطبيعية الجوهرية والبقاء والعلية، لما نصادف منها من مقاومة، ونرى بينها من تفاعل، مع حذف ما في فاعليتنا من تفكير وإرادة. ثم نتأدى من فاعلية الأشياء إلى فاعلية الله باعتبار أن العلل الجزئية لا تتفق فيما بينها إلا بفعل علة واحدة كلية القدرة. ١٣٦ - فيكتور كوزان " ١٧٩٢ - ١٨٦٧ ": أ- دخل مدرسة المعلمين العليا بباريس ليتخرج فيها أستاذًا للأدب، فما أن استمع فيها إلى لاروميجيير ذات يوم من سنة ١٨١٠ حتى مال إلى الفلسفة وعول على أن يخصص لها حياته. وفي السنة التالية استمع إلى روايي كولار بكلية الآداب, ثم اتصل بمين دي بيران. وفي ١٨١٤ عين أستاذًا للفلسفة بمدرسة المعلمين؛ وفي ١٨١٥ ندبه روايي كولار ليحل محله بكلية الآداب, فكان محاضرًا بارعًا وفيلسوفًا سطحيًّا. وهكذا كان شأن أستاذيه وشأن مريديه وتلاميذه. وفي هذه الفترة كان على رأي أساتذته الفرنسيين يجمع إليهم ريد وأتباعه من الأسكتلنديين ورحل إلى ألمانيا ثلاث مرات " ١٨١٧، ١٨١٨، ١٨٢٤ " والتقى بشلنج وهجل وأخذ عنهما، فكان له مذهب جديد. ورقي إلى مرتبة

стр. 303

الأشراف، وعين عضوًا بمجلس شورى الدولة، ومديرًا لمدرسة المعلمين، ومديرًا للجامعة، وأخيرًا وزيرًا للمعارف؛ فهيمن على التعليم وبرامجه مدة طويلة. أهم كتبه: كتاب "التاريخ العام للفلسفة" وكتاب "في الحق والجمال والخير" وهو كتاب مشهور نقَّحه مرارًا. ب- مذهبه الجديد يرمي إلى "استخلاص عقيدة النوع الإنساني" أي: استخلاص ما في كل مذهب من وجه حق؛ لذا أسماه بالتخير eclectisme فكان لتعليمه صبغة تاريخية ظاهرة، وهو الذي أدخل تاريخ الفلسفة في التعليم الجامعي بفرنسا وأثار الاهتمام بالتأليف فيه. وهو يرد المذاهب إلى أربعة كبرى: المذهب الحسي أو المادي الذي يفسر الوجود بالمادة المحسوسة تفسيرا آليا, والمذهب العقلي أو الروحي الذي يفسر الوجود تفسيرا منطقيا، ومذهب الشك الذي يقول بامتناع إدراك الحقيقة لما يرى من تناقض المذهبين السابقين، والمذهب الصوفي الذي يحسم الشك بالإيمان الديني ويطلب الحقيقة خارج الإنسان. ويتألف تاريخ الفلسفة من هذه المراحل تتعاقب على هذا الترتيب في أدوار مختلفة. ولكن واحدًا من هذه المذاهب ليس حقًّا بالإطلاق ولا باطلًا بالإطلاق، والفلسفة الكاملة تجمع بين عناصرها المتلائمة فتسقط عناصرها الباطلة، وهذا تعريف التخير ومنهجه. فإذا طبقناه وجدنا المذهب الحسي صادقًا في قوله بالمادة، مخطئًا في إنكار الروح والمعاني العقلية التي يشترك فيها كل الناس, ويرجعون إليها دائمًا بالطبع, فيجب الجمع بين المذهبين الحسي والعقلي، وبذا يتبدد الشك ونستغني عن المذهب الصوفي، إذ لا حقيقة للوحي، وكل الحقيقة قائمة في الفلسفة التي هي غاية نمو العقل الإنساني. ج- وقوام مذهبه الجديد وحدة الوجود حيث تتلاءم الأضداد. إن الحقائق المطلقة التي نجدها في عقلنا تتطلب عقلًا مطلقًا، وبذا يقوم الدليل على وجود الله "على طريقة القديس أوغسطين" وبذا يحتفظ كوزان بالمنهج الفرنسي الذي يذهب من علم النفس إلى الميتافيزيقا، وينبذ قول الألمان بحدس عقلي يدرك المطلق مباشرة، وبذا نخرج من الذاتية إلى الموضوعية. ولما كان الله غير متناهٍ كان الموجود الأوحد. ولما كان الله عقلًا كان وجدانًا، والوجدان يتضمن التنوع والتباين، فالله يستخرج الكون من ذاته بتطور إرادي، كما يستخرج الإنسان

стр. 304

من نفسه فعله الإرادي؛ وهذا التطور الإرادي في الله هو مع ذلك ضروري لازم من كماله باعتباره العلة المطلقة، إذ إن مثل هذه العلة لا تستطيع ألا تخلق. فحياة الكون، ومن ثمة حياة البشر والشعوب مظهر الحياة الإلهية؛ وكل ما هو موجود هو عقلي، فالنجاح يبرر الفعل أيا كان كما قال هجل. وقد ثارت مناقشات حادة حول هذه الأقوال، كان من أثرها أن كوزان تحول منذ ١٨٣٣ من وحدة الوجود إلى الإله المفارق! ولا ندري إن كان هذا التحول صادرًا عن اقتناع أو عن حرص على سمعة الجامعة وعلى ترقيه هو في مناصب الدولة, ولكنه ظل إلى النهاية على المبدأ العقلي المنكر للوحي. وبالرغم من سلطانه على التعليم كان نفوذه ضئيلًا على جمهرة المثقفين.

стр. 305

الفصل الثاني: المذهب الفلسفي ١٣٧ - لويس دي بونالد " ١٧٥٤ - ١٨٤٠ ": أ- المذهب الفلسفي معارض للمذهب الفردي؛ فهو ينكر عليه دعواه أن الفرد من بني الإنسان كائن قائم برأسه, وأن الاجتماع وليد اتفاق بين الأفراد، ويعارض هذه الدعوى بتوكيد ضرورة الاجتماع؛ وهو ينكر عليه دعواه أن العقل الفردي يبلغ إلى الحق بقوته الذاتية، ويعارض هذه الدعوى بإرجاع العلم الإنساني إلى وحي أول نزلت به من لدن الله ألفاظ اللغة والمعاني المقابلة لها فتناقلها السلف. ولويس دي بونالد زعيم الناقمين على فلسفة القرن الثامن عشر الفردية، الحاملين على الثورة الفرنسية وليدة هذه الفلسفة. هاجمهما في كتاب نشره سنة ١٧٩٦ بعنوان "نظرية السلطة السياسية والدينية" ثم دأب على شرح آرائه في كتب عدة أهمها "تحليل القوانين الطبيعية للنظام الاجتماعي" و"الشريعة الأولى" و"فحص فلسفي عن الموضوعات الأولى للمعارف الأخلاقية". ب- لقد أخطأ روسو وأخطأ مشرعو الثورة من بعده. إنهم جميعًا صدروا عن الخطأ الذي قامت عليه البروتستانتية وهو الفردية. ليس بصحيح أن الفرد كائن على حياله، وأنه طيب بالطبع رديء بالاجتماع، وأن التشريع يؤخذ من مجرد معنى الإنسان بدون نظر إلى استعداداته وطباعه وماضيه وظروف المكان والزمان. الحق أننا عرضة بالطبع للانقياد إلى الأهواء، وأننا إنما نستمد من المجتمع أسباب نمونا واستكمالنا والقوة التي نسيطر بها على أنفسنا. فالإنسان الطبيعي إنسان اجتماعي، والاجتماع ضروري لا عرفي. وإذا كانت القوانين هي "العلاقات الضرورية اللازمة من طبيعة الأشياء" كما عرفها مونتسكيو, وإنها لكذلك, كانت الطبيعة لا الغالبية هي التي تضع القوانين بإنشاء عادات تكتسب قوة القانون، أو بالتنبيه على عيب العادة أو القانون، بما يحدث عنهما من اضطراب. فيجب القول بأن السلطة في الأصل من عند الله، بمعنى: أن الله وضع ضرورة السلطة في طبيعة البشر كما وضع قوانين علاقاتهم: "إن الناس

стр. 306

متشابهون إرادةً وعملًا، ولكنهم ليسوا متساوين إرادةً وعملًا، وهم من جراء هذا التشابه وهذا التفاوت يؤلفون نظامًا ضروريًّا من الإرادات والأعمال يسمى المجتمع". والمجتمع الأول هو الأسرة، يبدو فيها التشابه والتفاوت ووحدة السلطة. فيجب احترام الأسرة بما هي كذلك، وإذن يجب اعتبار الزواج عقدًا غير قابل للفسخ، فإن الطلاق يفترض أن الزوجين فردان على حين لا توجد فردية بعد عقد الزواج بل توجد الأسرة، ومهمة المجتمع تكميل الأسرة لا هدمها. ج- والعلم الإنساني من عند الله. إن المذهب الفردي يقيم من عقل الفرد حاكمًا في كل موضوع, فيؤدي إلى تضارب الأحكام, وهناك حقائق كلية مشتركة بين جميع الناس يجب الإيمان بها. إن الفرد حاصل على العقل، ولكنه لا يعقل المعنى إلا باللفظ الدال عليه، والمجتمع هو الذي يعلمه الألفاظ فينقل إليه المعاني بوساطتها. ليست اللغة من إنشاء الإنسان, والذين يدعون ذلك هم الذين يدعون أن الاجتماع اتفاق عرفي؛ ولكننا قلنا: إنه ضروري، فيجب القول: إن اللغة عطية من الله حملت إلى الناس قضايا نظرية وقواعد عملية، وإن الإنسان مدين بكل شيء للمجتمع. أجل قد تكفي الصور الحسية لمعاني الماديات؛ أما المعاني الروحية كالفضيلة والعدالة وما إليهما، التي هي أساس الاجتماع والأخلاق، ومعاني الأفعال على اختلاف ضروبها، مثل قولنا: أفكر وسأمشي, فمستحيلة بدون الألفاظ المعبرة عنها. وليس اللفظ المحسوس علة الفكر الروحي, ولكن هذا الفكر كامن في العقل, واللفظ إرادة لا غنى عنها لكي ندرك المعنى، ويمتنع إدراك المعنى دون النطق الباطن باللفظ الدال عليه. وليس الفرد هو مبتدع اللفظ، فإن هذا الابتداع يستلزم تفكيرًا وهذا التفكير نفسه يفتقر إلى لفظ. والواقع أن الفرد يتلقى اللغة بالتربية، وبدون هذه التربية لا يحصل على أي شعور حتى على الشعور بوجوده؛ فكان لا بد أن يوحي الله باللغة إلى الإنسان الأول. والتجربة تؤيد هذا الدليل؛ فإننا بحاجة إلى تعلم كل حقيقة، حتى الحقائق الرياضية، وبنوع خاص الحقائق الأخلاقية والاجتماعية، بحيث إذا لم تلقن بالتعليم قضي على حياة المجتمع بل على حياة الفرد.

стр. 307

١٣٨ - جوزيف دي مستر " ١٧٥٣ - ١٨٢١ ": أ- سفير سافوي في بطرسبرج من ١٨٠٣ إلى ١٨١٧. كان قد آمن بمبادئ الثورة في شبابه، فردته مظالم الثورة إلى التفكير في تجديد النظام بالرجوع إلى الدين. ولما أرسل إليه دي بونالد كتابه الأول رد عليه يقول: إنه كان قد وصل إلى نفس المذهب. أشهر كتبه "أسمار بطرسبرج" و"البابا" و"اعتبارات في الثورة الفرنسية" و"مراجعة فلسفة بيكون". ب- يرى هو أيضًا أن العناية الإلهية طبعت فينا الحقائق وعلمتنا الكلام، فتبلورت الحقائق في الألفاظ. ويعارض لوك في دعواه بأن جميع معارفنا مستفادة من الإحساس، ويعارض العلم الحديث في تفسيره للأشياء بالمادة فحسب، فيقول: إن المادة لا يمكن أن تكون علة، وإن لنا في شعورنا بتأثير إرادتنا دليلًا على أن علة الحركة إرادة. وللعلماء أن يتوفروا على علومهم، وليس لهم أن يطبقوا مناهجها ونتائجها على الأمور الاجتماعية والدينية. في هذه الأمور كان الرأي الخاص وكانت حرية التعبير عن الآراء الخاصة أصل الشر في العصر الحديث. بدأ الشر بالبروتستانتية، واستمر بفلسفة بيكون وفلسفة لوك وفلسفة القرن الثامن عشر يمثلها فولتير "آخر البشر بعد الذين يحبونه". ودواء هذا الشر الاعتماد على عصمة البابا، فيكفل للمجتمع النظام والسلام. وإن قيل: إن هذه العصمة سر من الأسرار، أجاب: إن الأسرار تكتنفنا من كل جانب: فالعقل ينكر الحرب والحرب قائمة في الطبيعة جمعاء كوسيلة خفية لاستبقاء الحياة؛ والجلاد ممقوت من الناس أجمعين, وهو عامل على صيانة كيان المجتمع. ويمضي دي مستر في تأييد السلطة إلى حد الارتياب في العقل وهو القائل: إن الله طبع فينا الحقائق, وأن ليس أسخف من الزعم بأن الإنسان ترقى بالتدريج من الجهل إلى العلم ومن التوحش إلى الحضارة، فيقول: إن الذين يصيبون في الحكم قلائل، وإن لا واحد يصيب في الحكم على جميع الأشياء، وإن كل مرتبة من مراتب الموجودات قاصرة عن التي فوقها, فلعل فوقنا مرتبة لا ندرك منها شيئًا فنكون بالنسبة إليها كالعجماوات بالنسبة إلينا، فالخير كل الخير في التعويل على السلطة. فهو لا يميز تمييزًا واضحًا بين ما للعقل وما للدين، وهو كاتب مجيد يجري في تفكيره على نسق أقرب إلى الخطابة منه إلى البرهان.

стр. 308

١٣٩ - فليسيتي دي لامني " ١٧٨٢ - ١٨٥٤ ": أ- قسيس أراد أن يعالج "عدم المبالاة بالدين" "وهذا عنوان كتاب له شهير ظهر ١٨١٧ - ١٨٢٣ " فأرجع عدم المبالاة إلى البروتستانتية التي ابتدعت فكرة الفحص الحر والثقة بالعقل الفردي؛ فبلبلت الأفكار وزعزعت مبدأ السلطة في الدين والاجتماع، فانزلقت العقول من البدع في الدين إلى المذهب الطبيعي الذي يقيم الإيمان بالله وبخلود النفس والحرية والثواب والعقاب على حجج عقلية، ولما أدركت وهن هذه الحجج ورأت تناقض العقل، انتهت إلى الإلحاد في الدين والشك في العقل، فانهارت أسس الأخلاق. حجة الملحد أن عقله لا يصل إلى وجود الله, ولا يفهم الخلود ولا الشر الطبيعي والخلقي, ولكنه مع ذلك يؤمن بأمور أخرى لا يفهمها، يؤمن بالجاذبية وبانتقال الحركة وبالمادة وبالفكر, وبغير ذلك كثير دون أن يفهم. "يا له من أحمق، ليفسر لي حبة رمل أفسر له الله". والطبيعيون يعتمدون على حجج شخصية تختلف باختلاف العقول، وليس من بينهم من يستطيع إقامة الدليل على أن أقواله هي الصحيحة دون غيرها. وأما المبتدعة في الدين فآية في التناقض، إذ إنهم يسلمون بالوحي ثم يدعون لأنفسهم الحق في رفض ما يرون رفضه من قضايا الوحي، كأنما الله عني بإنزال وحيه ثم تركه عرضة للتغيير والتبديل, وكأنه أنشأ الكنيسة ثم عدل عن تأييدها بنوره. "إن الادعاء بجواز إنكار جزء من الوحي لهو أكثر إمعانًا في البطلان من إنكار الوحي جملة". ب- الخطأ الأكبر إذن قائم في التعويل على إدراكنا الخاص. إن الحواس خداعة، والعاطفة متقلبة إلى غير حد، والاستدلال أداة طيعة لإثبات أو إبطال أية قضية كانت كما بيَّن بسكال. ولكن عقلنا حاصل على حقائق لا يقوى عليها الشك، وأساس اليقين بها إجماع العقول عليها، وعدم التسليم بها هو الجنون بعينه. "فاليقين يقوم في قبول حقائق العقل الكلي والحقائق التي يستنتجها منها العقل الفردي". وهناك قضية مجمع عليها في كل زمان ومكان، وهي وجود الله، بإقرار الملحدين أنفسهم، وفي كل جيل يرد الناس جميعًا هذه القضية إلى الجيل السالف, وهذا إعلان منهم بأنها موحاة من الله نفسه. ولا بد أن يكون الله أوحى بالدين

стр. 309

الحق, ولم يترك هذا الأمر للعقول الفردية؛ فلا عجب أن نرى الكنيسة تعلن أنها مكلفة من قبل الله بالمحافظة على الوحي. تعاليمها قوية سامية، وهي تستند إلى نبوءات تحققت ومعجزات لا سبيل إلى الشك فيها. فهي "ليست مذهبًا معروضًا علينا، ولكنها شريعة يجب أن تخضع لها قلوبنا". ج- لم ترضَ الكنيسة عن هذا الكتاب وهي تعلم أن للعقل القدرة على إدراك الحقائق الطبيعية، وأن وجود الله حقيقة طبيعية يبرهن عليها العقل ولا يقنع بقبولها من المجتمع. ومن سخريات الدهر أن لامني بعد أن دافع عن الدين والكنيسة هذا الدفاع الحار، وبعد أن نقل من اللاتينية كتاب "التشبه بالمسيح" وعلق على فصوله بفصول قد تضارعها قوة وجمالا، ذهب في علاقة الكنيسة والدولة وفي السياسة إلى آراء أنكرتها الكنيسة, فتمرد على حكمها وآثر عقله الفردي حتى ابتدع في الدين ودوّن "رسم فلسفة" " ١٨٤١ - ١٨٤٦ " يتخذ فيها عقيدة الثالوث مبدأ لنظرية في الوجود، وينبذ صراحة عقائد أخرى، كالخطيئة الأصلية والفداء والنعمة، ويصطنع ضربًا من وحدة الوجود في كلامه عن الخلق، ويصر على عصيانه إلى النهاية. ومن عجب أن هؤلاء السلفيين فاتهم الرجوع إلى الفلسفة السلفية الحقة، تلك التي كونتها الأجيال المسيحية حتى تمت على يدي القديس توما الأكويني, والتي هي أصدق نظرًا في الدين والعقل جميعًا.

стр. 310

الفصل الثالث: المذهب الواقعي ١٤٠ - سان سيمون " ١٧٦٠ - ١٨٢٥ ": أ- أوجست كونت صاحب "الفلسفة الواقعية" ولكن فكره تكون بجانب الكونت دي سان سيمون, وتأثر من غير شك بشارل فوريي، وهما مصلحان اجتماعيان، فنقدم الكلام عليهما، وثلاثتهم يصدرون عن نفس الدواعي التي صدر عنها السلفيون، هي أن المجتمع يتدهور فيجب إعادة تنظيمه، وهو لا ينظم إلا بسلطة روحية توحد بين العقول، إلا أن هذه السلطة عند الواقعيين ليست الكنيسة, بل العلم الذي يضع حدًّا لفوضى الأفكار، ويوفر أسباب التنظيم والتعمير، وينتهي إلى دين جديد. ب- كان سان سيمون مغامرًا في الحياة وفي الفكر. تطوع لنصرة الولايات المتحدة في حربها الاستقلالية، وقام بمشروعات صناعية، وفي أثناء الثورة نزل عن لقب الكونتية, وسجن ثم أخلي سبيله. خرج من الثورة بأن العصر الوسيط كان عصر تنظيم عقب انحلال الإمبراطورية الرومانية وحروب البرابرة، فكانت أوروبا خلاله مرتبطة بعقيدة مشتركة، ولم يكن القساوسة دجالين كما يزعم فولتير، بل كانوا أكثر أفراد الشعب استنارة. ولكن النقد ثم الثورة حَطَمَا هذا النظام، فسادت فوضى أخلاقية واجتماعية قوامها الإنكار والأنانية. فيتعين العمل على إقامة نظام جديد بوساطة العلم الواقعي. ولم يكن تلقى ثقافة علمية، فقرب إليه بعض خريجي مدرسة الهندسة ومدرسة الطب ليتمكن من تدوين موسوعة علمية تتخذ أساسًا للإصلاح، وكان كونت واحدًا من هؤلاء فكان كاتبًا له ومعاونًا مدة من الزمن. وأخذ سان سيمون عن طبيب مغمور من معاصريه، هو الدكتور بوردان Burdin أن العلوم بدأت تخمينية ثم تدرجت إلى الحال الواقعي بحسب بساطة موضوعها، فتكونت الرياضيات وتبعها الفلك فالكيمياء. وكان هذا الطبيب يقسم تاريخ العقل الإنساني إلى ثلاثة عصور: الأول تخميني يذهب من تعدد الآلهة إلى إله واحد، والثاني وسط بين التخمين والواقعية يذهب

стр. 311

من تصور علة غير منظورة إلى تصور القوانين، والثالث واقعي يرمي إلى تفسير العالم بقانون واحد، وقد بدأ هذا العصر منذ قليل. وإذا ما تم تكوين الفسيولوجيا على النمط الذي تسير عليه حصلنا على العلم الواقعي للطبيعة الإنسانية، فأمكن إقامة أخلاق وسياسة واقعية، وتكوين الفلسفة الواقعية باعتبارها العلم الكلي، ووضع الدين الواقعي الذي قوامه تصور جديد للعالم على قاعدة علمية بحتة، وقساوسته العلماء. وكان سان سيمون أول من قال "فلسفة واقعية" و"سياسة واقعية". ج- ثم بدا له أن التنظيم الجديد بغير حاجة ماسة للتمهيد العلمي، وأن أقرب السبل إليه تسليم زمام الحكم إلى كبار رجال الصناعة والعلم بدل الأشراف والقانونيين، ورفع مستوى الطبقة العاملة من الوجهتين العقلية والاقتصادية، موقنًا أن اتفاق المصالح كفيل بتحقيق الوحدة. وفي سنيه الأخيرة أراد أن يؤسس مسيحية جديدة قائمة على محبة الإنسان, واعتبار الحياة الأرضية غاية لذاتها لا وسيلة لحياة مقبلة غير منظورة، فكان له عدد صغير من الأتباع في حياته وبعد مماته. ١٤١ - شارل فوريي " ١٧٧٢ - ١٨٣٧ ": هو أحد آباء الشيوعية الحديثة، وقد دل على طريقة عملية للإصلاح. قال: إن العناية الإلهية التي يشهد بوجودها نظام العالم فطرتنا على نزعات إذا اتبعناها بلغنا إلى السعادة الفردية والاجتماعية. فعلى كل فرد أن يختار العمل الذي يوافق ميله. ولا يتسنى هذا الاختيار إلا في فرق phalanges تمثل كل فرقة منها المهن الضرورية لبقائها، أو عدد الميول الممكنة، أو عدد التأليفات الممكنة للنزعات الأصلية، ويبلغ هذا العدد ١٦٢٠ "! " فيعيش أفرادها في قرية phalanstere وتؤلف كل مهنة جماعة، وفي كل قسم من أقسام المهنة يؤلف العمال جماعة أصغر، بحيث يشعر الكل بتعاون الكل، بخلاف الحال في مجتمعاتنا الكبيرة حيث تتضاءل مكانة الفرد وتغيب عنه علاقته بالمجموع. وإذا كونا فرقة من هذا القبيل تكونت بالمحاكاة فرق أخرى, وتلاشى المجتمع "المتحضر" شيئًا فشيئًا وحلت محله خلايا اجتماعية. وتبقى الأسرة في كل فرقة, ولكن حرة مما يزعم من قيود وواجبات، وتلغى جميع القوانين التي تحد من الحرية، سواء أكانت قوانين وضعية أم أخلاقية أم دينية، وقد انتشرت هذه التعاليم في

стр. 312

فرنسا، وألف فوريي فرقة نموذجية، ولكنها أخفقت. وحوالي منتصف القرن كان لمذهبه في أمريكا مائتا ألف من الأتباع. ١٤٢ - أوجست كونت " ١٧٩٨ - ١٨٥٧ ": أ- هو الذي حقق أماني سان سيمون، فدون موسوعة علمية، ووضع علما سياسيا، ودينا إنسانيا. ولد بمونلبتي في أسرة شديدة التعلق بالكثلكة، ولكنه فقد الإيمان منذ الرابعة عشرة. وكان تلميذًا ممتازًا في الرياضيات, فالتحق بمدرسة الهندسة بباريس في السادسة عشرة يحصل علومها ويستكمل ثقافته بقراءة كتب فلسفية كثيرة، وبخاصة كتب هيوم ودي مستر ودي بونالد. هذه المدرسة من خلق الثورة، وكانت مركز الثقافة العلمية والفكرة الجمهورية، وكان جل طلابها متشيعين لسان سيمون، وهو في طليعتهم. فاتصل به في ١٨١٧ وظل كاتبًا له ومعاونًا حتى ١٨٢٢ لما أراد سان سيمون أن يرجئ الإصلاح العلمي ليشرع في الإصلاح الاجتماعي، فخالفه لاقتناعه، بعد قراءة دي مستر، أن الشرط الأول للنجاح إعادة وحدة الاعتقاد إلى العقول كما كان الحال في العصر الوسيط, ولكن بوساطة العلم لا بوساطة الدين. ونشر بهذا المعنى كتابًا بعنوان "مشروع الأعمال العلمية الضرورية لإعادة تنظيم المجتمع" " ١٨٢٢ " ثم بعنوان "السياسة الواقعية" " ١٨٢٤ " يعلن فيه أن فلسفة القرن الثامن عشر القائمة على حرية الرأي وسلطة الشعب، فلسفة مفيدة في النقد والهدم عقيمة في الإنشاء؛ لأن هذين المبدأين نقديان لا منظمان؛ وأن الواجب قبل كل شيء وضع مذهب علمي شامل تقوم عليه سياسة واقعية تمتنع معها حرية الرأي كما تمتنع في الرياضيات أو العلم الطبيعي؛ إذ يتبين منها أن العلاقات الإنسانية خاضعة لقوانين، وأن النظام الاجتماعي متضامن مع جملة الحضارة كما تبدو في العلم والفن والصناعة، فيستقر المجتمع على خير حال. وذلك هو البرنامج الذي سيعمل فيلسوفنا على تحقيقه. ب- بدأ إذن بتحرير موسوعة العلوم الواقعية والمحاضرة فيها " ١٨٢٦ " فأقبل على الاستماع إليه جمهور من العلماء، ولكنه ما ألقى ثلاث محاضرات حتى انتابته أزمة عقلية ترجع إلى مزاجه العصبي وإرهاق العمل وشواغل الحياة، فعنيت

стр. 313

به زوجته حتى أعادت إليه اتزانه، فاستأنف محاضراته في يناير ١٨٢٩، وأنفق عشر سنين " ١٨٣٢ - ١٨٤٢ " في إخراج كتابه الأكبر "دروس في الفلسفة الواقعية" في ستة مجلدات, يعرض فيه وقائع العلوم وقوانينها ومناهجها عرضًا منظمًا. ثم نشر كتيبًا بعنون "مقال في الروح الواقعي" " ١٨٤٤ " هو خير مقدمة لفلسفته. ودعيت هذه المرحلة الأولى في تحقيق برنامجه بالمرحلة العلمية. ج- ودعيت المرحلة الثانية بالصوفية. بدأت بأزمة عصبية ثانية كان من أسبابها هيامه بسيدة تعرف إليها في ١٨٤٤ وتوفيت بعد سنتين, فاتخذ منها مثال "الإنسانية" وكان يتوجه إليها بالفكر والصلاة كل يوم، وصارت "شيطانه" الذي يوحي إليه أثناء تحريره كتابه الكبير الثاني "مذهب في السياسة الواقعية، أو كتاب في علم الاجتماع يضع ديانة الإنسانية" " ١٨٥١ - ١٨٥٤ في ٤ مجلدات" واختصره في كتاب "التعليم الديني الواقعي" أو عرض موجز للديانة الكلية " ١٨٥٢ ". ١٤٣ - مذهبه ١ - قانون الحالات الثلاث: أ- يرى المذهب الواقعي أن الفكر الإنساني لا يدرك سوى الظواهر الواقعة المحسوسة وما بينها من علاقات أو قوانين, وأن المثل الأعلى لليقين يتحقق في العلوم التجريبية، وأنه يجب من ثمة العدول عن كل بحث في العلل والغايات وما يسمي بالأشياء بالذات. ويدلل كونت على نسبية معرفتنا، لا بنقد أفعال العقل كما فعل لوك وهيوم وكنط، بل يعرض ما ظنه تاريخ العقل كما فعل سان سيمون أخذًا عن الدكتور بوردان، فيقول: إن العقل مر بحالات ثلاث: حالة لاهوتية، وحالة ميتافيزيقية، وحالة واقعية. ب- ففي الحالة اللاهوتية كان دأب العقل البحث عن كنه الكائنات وأصلها ومصيرها، محاولًا إرجاع كل طائفة من الظواهر إلى مبدأ مشترك. وقد تدرج في ذلك درجات ثلاثا: كانت الدرجة الأولى "الفيتشية" Fetiehisme يضيف فيها إلى الكائنات الطبيعية حياة روحية شبيهة بحياة الإنسان؛ وكانت الدرجة الثانية تعدد الآلهة، وهي أكثر الدرجات الثلاث تمييزًا للحالة اللاهوتية، يسلب فيها عن الكائنات الطبيعية ما كان خلع عليها من حياة، ويضيف أفعالها

стр. 314

إلى موجودات غير منظورة تؤلف عالمًا علويًّا، وكانت الدرجة الثالثة التوحيد أي: جمع كثرة الآلهة في إله واحد مفارق، وفي هذه الحالة تتسع الشقة ويزداد التضاد بين الأشياء وبين المبدأ الذي تفسر به. وقد بلغت الحالة اللاهوتية أوجها في الكثلكة التي تؤلف تأليفًا عجيبًا التفسيرات الفائقة للطبيعة في فكرة إله واحد مدبر للكل بإرادته. فخصائص الحالة اللاهوتية هي أن موضوعها مطلق، وتفسيراتها فائقة للطبيعة، ومنهجها خيالي. هذا من الوجهة النظرية, أما من الوجهة العملية فقد كانت المعاني اللاهوتية أساسًا متينًا مشتركًا للحياة الخلقية والاجتماعية، وكانت هذه المرحلة الأولى مرحلة السلطة، سلطة الكهنة وسلطة الملوك. ج- وفي الحالة الميتافيزيقية يرمي العقل كذلك إلى استكناه صميم الأشياء وأصلها ومصيرها، ولكنه يستبدل بالعلل المفارقة عللا ذاتية يتوهمها في باطن الأشياء، وما هي إلا معانٍ مجردة جسمها له الخيال, فقال: العلة أو القوة الفاعلية والجوهر والماهية والنفس والحرية والغاية وما إليها. والميل الذي ساقه في الحالة السابقة من الفيتشية إلى تعدد الآلهة فإلى التوحيد، يسوقه هنا أولا إلى الاعتقاد بقوى بعدد طوائف الظواهر، مثل القوة الكيميائية والقوة الحيوية، ثم إلى إرجاع مختلف القوى إلى قوة أولية هي "الطبيعة". لذا تبلغ هذه الحالة أوجها في مذهب وحدة الوجود الذي يجمع في "الطبيعة" جميع القوى الميتافيزيقية. وكل الفرق بينها وبين الحالة السالفة أن المجرد يحل محل المشخص، ويحل الاستدلال محل الخيال, أما الملاحظة فثانوية فيها جميعًا. والحالة الميتافيزيقية فترة انتقال وأداة انحلال؛ هي فترة نقد عقيم ولكنه ضروري, إذ يتناول الاستدلال المعاني اللاهوتية فيبين التناقض فيها. وإذا كان العقل في هذه الحالة يضع معاني أو قوى موضع الإرادات المتقلبة، فإنه يضعف من سلطان القوى المفارقة. هذا من الوجهة النظرية, أما من الوجهة العملية فيبدو الانحلال في انتشار الشك والأنانية. فيفصم الفرد الرباط الذي يربطه بالمجتمع, ويثقف العقل على حساب العاطفة، ويتصور الاجتماع ناشئًا من تعاقد الأفراد، وتام الدولة على مبدأ سلطة الشعب، ويحكمها القانونيون. د- وفي الحالة الواقعية يدرك العقل امتناع الحصول على معارف مطلقة، فيقصر همه على تعرف الظواهر واستكشاف قوانينها وترتيب القوانين من الخاص إلى العام؛ فتحل هنا الملاحظة محل الخيال والاستدلال, ويستعاض عن العلل

стр. 315

بالقوانين أي: العلاقات المطردة بين الظواهر. فيكون موضع العلم الإجابة عن سؤال "كيف" لا عن سؤال "لم" وتكون الحالة الواقعية مختلفة عن الحالتين الأخريين في العناصر الثلاثة جميعًا التي هي الموضوع والتفسير والمنهج. هذه الطريقة هي التي أفلحت في تكوين العلم، ويجب أن يحل العلم الذي تولد عنها محل الفلسفة؛ فكلما أمكن معالجة مسألة بالملاحظة والاختبار انتقلت هذه المسألة من الفلسفة إلى العلم واعتبر حلها نهائيًّا. أما المسائل التي لا تقع تحت الملاحظة فهي خارجة عن دائرة العلم، ويدل تاريخها على أنها لم تتقدم خطوة واحدة منذ أن وضعت، فهو ينطق بأنها غير قابلة للحل، كما أن نجاح العلم الواقعي يقضي بإمكانه وبأنه المجال الحقيقي للعقل. هذا من الوجهة النظرية، أما من الوجهة العملية فتمتاز الحالة الواقعية بقيام علم الاجتماع، وسيأتي الكلام عليه. هـ- هذه الحالات الثلاث متنافرة، ونحن نجدها تتعاقب في كل إنسان، ففي الحداثة نقنع بسهولة بالتفسيرات اللاهوتية؛ وفي الشباب نقتضي عللا ذاتية، وفي سن النضج نعول في الأكثر على الوقائع. غير أن هذا التنافر لا يمنع من التقارن؛ فالشخص الواحد قد يقبل تفسيرات لاهوتية أو ميتافيزيقية في بعض الموضوعات، مع قبوله العلم الواقعي في موضوعات أخرى هي على العموم أقل تعقيدًا؛ وأهل العصر الواحد بنوع خاص نرى بعضهم على حالة وبعضًا آخر على حالة أخرى؛ وكذلك شعوب الأرض ليسوا كلهم على درجة واحدة من رقي العقل, على أن القانون الكلي يبقى صادقًا إذا اعتبرنا الحالة الغالبة في شعب معين وعصر معين. فإننا حينئذ نرى اللاهوت ينجم أولًا, ثم نرى الميتافيزيقا تعارضه, وأخيرًا يولد العلم الواقعي الذي هو وحده قارد على البقاء؛ لأن الحالتين السابقتين لما كانتا قائمتين على الخيال كانتا دائمًا مبعث ظنون جديدة ومناقشات جديدة، على حين أن العلم يستند إلى الواقع فيجمع العقول على وحدة الرأي ويحل محلهما، لا يتكلف في ذلك محاربتهما بل يتركهما تسقطان من تلقاء ذاتهما. وولما كانت التجربة محدودة دائمًا، فسيظل دائمًا كثير من الظوهر خارج علومنا. ولما كانت الظواهر متباينة، فيمتنع رد العلوم بعضها إلى بعض، أو رد كثرة القوانين إلى قانون واحد. بل إن في كل علم فروعًا مستقلة, في علم الطبيعة وفي علم النبات وعلم الحيوان, ولا يمكن الأخذ بنظرية لامارك في تطور الأنواع

стр. 316

الحية بعضها إلى بعض. فلا يمكن أن تنتهي الحالة الواقعية إلى وحدة مطلقة، كالله في الحالة اللاهوتية، وكالطبيعة في الحالة الميتافيزيقية. فالفلسفة الواقعية جملة القوانين المكتسبة فعلا بالتجربة, لا جملة قوانين الوجود. غير أننا إذا لم نستطع البلوغ إلى وحدة موضوعية، فبوسعنا أن نبلغ إلى وحدة ذاتية تقوم في تطبيق منهج واحد بعينه في جميع ميادين المعرفة، فننتهي إلى تجانس النظريات وتوافقها، ومن ثمة إلى علم واحد. فالمنهج الواقعي يحقق الوحدة في عقل الفرد، ويحققها بين عقول الأفراد، وهكذا تصير الفلسفة الواقعية الأساس العقلي للاجتماع. ومن هذه الوجهة تجد في معنى الإنسانية المقابل الوحيد الممكن لمعنى الله ولمعنى الطبيعة. وفي الحالة الواقعية الاتصال بين النظر والعمل أوثق منه في الحالتين الأخريين، إذ إن العلم بقوانين الظواهر يسمح بإيجاد الظواهر، بل إن الرغبة في هذا الإيجاد سبب يجعلنا ننتقل إلى هذه الحالة. "العلم لأجل التوقع وبقصد التدبير" ذلك شعار العلم الواقعي؛ لذا يقابل هذه الحالة الصناعة من جهة لكونها عبارة عن استغلال الإنسان للطبيعة، وعلم الاجتماع من جهة أخرى لكونه يكشف لنا عن وسائل التقدم. ولئن كانت الفلسفة الواقعية في غنى عن التفسيرات اللاهوتية والميتافيزيقية، إلا أنها لا تعارضها معارضة مباشرة، بل إنها تعترف باستحالة التدليل على عدم وجود الروحيات كما تقرر استحالة التدليل على وجودها، وبذا تتميز من المذهب الحسي المعروف أو المذهب المادي الذي ينكر الروحيات إنكارًا. ١٤٤ - مذهبه ٢ - تصنيف العلوم: أ- الفلسفة الواقعية جملة العلوم الواقعية. ويذكر كونت ستة علوم أساسية مرتبة هكذا: الرياضيات، علم الفلك، علم الطبيعة، علم الكيمياء، علم الحياة، علم الاجتماع. هذه العلوم مكتسبة بالاستقراء حتى الرياضيات, فإنها إنما تعتبر علمًا عقليًّا بحتًا لأن موضوعها من البساطة بحيث نغفل عادة أصله الاستقرائي، ولكن ليس هناك علم عقلي بحت. ومبدأ هذا التصنيف تزايد التركيب وتناقص الكلية، أي: النسبة العكسية بين المفهوم والماصدق، فكلما كان المفهوم بسيطًا كان الماصدق واسعًا، والعكس بالعكس. وهذا التصنيف

стр. 317

هو أيضًا تصنيف تعقل متناقص وتجربة متزايدة، أي: كلما نزلنا درجة قَلَّ مجال العقل البحت وازداد شأن التجربة. فالرياضيات في رأس الجدول لا تتبع علمًا آخر ويتبعها باقي العلوم؛ لأن موضوعاتها وقوانينها أكثر بساطة وكلية؛ وعلم الاجتماع في آخر الجدول يتبع سائر العلوم ولا يسيطر على علم؛ لأن موضوعاته وقوانينه أكثر تعقدًا وتخصصًا؛ وبالنزول من الرياضيات إلى علم الاجتماع نرى التركيب يتزايد والكلية تتناقص؛ وذلك لأن الرياضيات لا تنظر لغير الكم المجرد، وهو أبسط الأشياء وأقلها تعيينًا؛ فيضيف إليه علم الفلك معنى القوة فيدرس الأجسام الحاصلة على قوة جاذبة وهي الأجرام السماوية؛ وعلم الطبيعة يضيف الكيف إلى القوة فيدرس القوى المتمايزة بالكيف، كالحرارة والضوء؛ وتضيف الكيمياء الخصائص الملازمة لكل نوع كيميائي من الأجسام؛ ويضيف علم الحياة إلى المادة اللاعضوية التركيب العضوي والظواهر الخاصة به؛ ويضيف علم الاجتماع ما ينشأ بين الأحياء من روابط مستقلة عن تركيبها. ولئن كانت جميع العلوم محصلة بمنهج واحد كما سبق القول، فإن هذا المنهج يتعدل في كل علم تبعًا لموضوع هذا العلم: فالرياضيات، أو بالأحرى الحساب؛ لأنه أكثر بساطة وكلية من الهندسة والميكانيكا، يتضمن شروط العلم بالإطلاق أي: جميع أنواع التحليل والاستدلال، بحيث تعود العلاقات الرياضية فتظهر في العلاقات المعقدة, وهذا وجه التجانس ين العلوم؛ وعلم الفلك يعلمنا فن الملاحظة، فإنه يراجع بالاستقراء فروضًا يضعها بالقياس؛ ويعلمنا علم الطبيعة فن التجربة، وتعلمنا الكيمياء فن التصنيف، ويعلمنا علم الحياة الطريقة المقارنة، ويعلمنا علم الاجتماع الطريقة التاريخية. وكلما كان موضوع العلم بسيطًا كليًّا كانت الطريقة القياسية متقدمة فيه على الطريقة الاستقرائية. وأخيرًا: إن هذا الترتيب المنطقي مطابق لتدرج ظهور العلوم, أو بعبارة أدق: لتكونها تكونًا واقعيًّا، فإن الحالات الثلاث تبدو في تاريخ كل علم، فكلما كان موضوع العلم أعقد استغرق وقتًا أطول في اجتياز هذه المراحل. لذا كانت العلوم المجردة هي التي تبلغ أولًا المرحلة النهائية، ولا تبلغ إليها العلوم المشخصة إلا فيما بعد. ب- نلاحظ على هذا التصنيف أربع ملاحظات: الأولى: أنه يبدأ بالكم، وهناك معانٍ أكثر منه بساطة وكلية, هي المعاني المعروضة في المنطق والميتافيزيقا،

стр. 318

ولكن كونت لا يرى أن للعقل موضوعًا خاصًّا ولا مظهرًا إلا في موضوع، ويذهب في هذا السبيل إلى حد إنكار استخدام الإشارات في الرياضيات بدل الكميات, وإنكار حساب الاحتمالات لأنه عبارة عن إنكار فكرة القانون، وإنكار كل تفسير يجاوز المشاهد، مثل تفسير انتشار الضوء بالتموج أو غيره، وتفسير أصل الأنواع الحية بالتطور، وكل وجود لا يقع تحت الحس، مثل وجود الأثير أو الذرات، ويدعو كل هذا ميتافيزيقا؛ فهو يبتر من العلم مقدماته ومبادئه، ويقصي منه فروضا كثيرة نافعة. الملاحظة الثانية: أنه يجعل من الفلك علمًا أساسيًّا ويضعه في المحل الثاني، والواقع أن علم الفك يتقوم بالميكانيكا وعلم الطبيعة والكيمياء، فهو إذن علم تطبيقي تابع لهذه العلوم، ويجب أن ينزل عن مكانه لعلم الميكانيكا الذي يتخذ من الحركة موضوعًا له، وهي ظاهرة لا يمكن ردها إلى سواها، وهي بادية في جميع الظواهر الطبيعية. الملاحظة الثالثة: أنه لا يجعل مكانًا خاصًّا لعلم النفس، بل يقسم كونت دراسة الإنسان بين علم الحياة وعلم الاجتماع, حيث يدرس الإنسان في آثاره الخارجية، والواقع أن علم النفس يجيء بينهما متصلًا بالأول موصلًا للثاني. وينكر كونت إمكان ملاحظة النفس فيقول: إننا نلاحظ جميع الظواهر بالعقل، فبأي شيء نلاحظ العقل نفسه؟ لا يمكن قسمة العقل إلى قسمين؛ أحدهما يفكر والآخر يلاحظ التفكير. أما الانفعالات النفسية فتمكن ملاحظتها لأن لها عضوًا غير العقل. ومعنى هذا أن المادة لا تنعكس على نفسها، ولما كان العقل عند كونت وظيفة عضوية فهو لا ينعكس على نفسه ولا يعلم أفعاله، ولكن هذا الانعكاس وهذا العلم واقعان؛ وعلم النفس قائم, فالمنطق يقضي بأن ننكر عضوية العقل, وقديمًا استدل أرسطو على روحانية النفس بانعكاسها على ذاتها. الملاحظة الرابعة: أن كونت ينكر بذلك أصالة الظواهر النفسية، وأن جدوله إذ يحتم تبعية العلم الأدنى للعلم الأعلى، يحتم تبعية الظواهر النفسية والظواهر الاجتماعية للرياصيات, وهو لم يبين هذه التبعية, ولم يبين الفرق بينه وبين الماديين. فما المذهب الواقعي في حقيقة الأمر إلا المذهب المادي، مع استدراك متواضع بصدد الروحيات لا يبدو له أي أثر عملي.

стр. 319

١٤٥ - مذهبه ٣ - علم الاجتماع: أ- هذا العلم من إبداع أوجست كونت، وقد خصَّص له ثلاثة مجلدات من كتابه "دروس في الفلسفة الواقعية". دعاه Saciologie فذاع هذا الاسم وعرفه بأنه "العلم الذي يتخذ له موضوعًا ملاحظة الظواهر العقلية والأخلاقية التي بها تتكون الجماعات الإنسانية وتترقى". وكثيرًا ما يسميه بالعلم الاجتماعي الطبيعي Physique Saciale ليدل على منهجه الاستقرائي وليميز بينه وبين علم السياسة الذي ينهج نهجًا قياسيًّا ابتداء من فكرة الطبيعة الإنسانية, أو من غاية للدولة توضع أولًا. وهذا لا يمنع من أن يتضمن علم الاجتماع مسائل جوهرية من علم النفس والاقتصاد السياسي والأخلاق وفلسفة التاريخ. والعلم فيه لأجل العمل، فإننا -ولو أن الإنسانية تنمو طبقًا لقوانين ضرورية- نستطيع استعجال التقدم وتلطيف الأزمات بتوفير الظروف الملائمة، وذلك إما بتعديل ظروف الحياة المادية كالتربة الغذاء، أو بتعديل ظروف الحياة الاجتماعية بالأخذ عن حضارات مختلفة أو بتدبير حكومي. ويقسم أوجست كونت علم الاجتماع إلى قسمين؛ أحدهما الاجتماع الساكن S. statique يفحص عن الشروط الدائمة لوجود المجتمع أي: الأوضاع الملازمة له؛ والقسم الآخر S. dynamique يفحص عن قوانين نمو المجتمع أي: تطور هذه الأوضاع. والفكرة الأساسية في القسم الأول هي فكرة النظام، وفي القسم الثاني فكرة التقدم. والقسمان مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، إذ إن النظام والتقدم مترتبان الواحد على الآخر، وهذا ما تغفل عنه المدرسة الرجعية والمدرسة الثورية على السواء، الأولى تتمسك بالنظام، والثانية تدعو إلى التقدم. وليس هذا التقسيم خاصا بعلم الاجتماع، ولكنه مشترك بين العلوم؛ ففي الرياضيات تنظر الهندسة إلى العالم في حالة السكون، وتنظر إليه الميكانيكا في حالة الحركة؛ وفي عالم الجماد ينظر علم الطبيعة إلى القوى الطبيعية في حالة التوازن، وتنظر إليها الكيمياء في حالة الفعل؛ وفي عالم الحياة يدرس علم التشريح تركيب الأعضاء فيمثل السكون، ويدرس علم الفسيولوجيا وظائف الأعضاء فيمثل الحركة. ب- من وجهة الاجتماع الساكن, يجب أولًا الفحص عن أصل الاجتماع.

стр. 320

لا يمكن أن يكون هذا الأصل حسبان الفرد للربح الذي يعود عليه من العيش مع أمثاله، إذ إن الربح لا يبين إلا إذا حصل الاجتماع ومضى عليه وقت كافٍ. إنما الدافع إلى الحياة المشتركة غريزة مستقلة عن حساب الفرد، ونحن نرى العاطفة تسبق المعرفة في كل ميدان. على أن الأنانية أقوى في الأصل من هذه الغريزة الغيرية، ثم تخضع لها بنمو العقل والتعاطف، وإنما ينمو العقل والتعاطف بالحياة الاجتماعية. وإن الفلسفة الواقعية لتعاون على ذلك بتقريرها أن نمونا كله يتحقق في المجتمع وبوساطته. وحالما يوسع المرء عاطفته حتى تستوعب النوع الإنساني أجمع، يحصل على رضا حاجته للخلود بأن يعتبر بقاء النوع امتدادًا لحياته الخاصة. ومتى وجد المجتمع كان وحدة مؤلفة من أجزاء متفاعلة حتى إن أحدها لا يتغير إلا وتتغير أجزاء أخرى. أجزاء المجتمع أو شروط وجوده طائفتان: مؤسسات ووظائف، أي: شروط موضوعية وشروط ذاتية. ذلك أنه لما كان المجتمع لا يصير ممكنًا إلا بتغلب الغيرية، فقد مست الحاجة إلى ثلاث مؤسسات لتحقيق هذه الغلبة: فأولا ومن حيث الحياة المادية نجد الملكية شرطًا أساسيًّا، إذ إن المالك ينتج أكثر مما يستهلك فيدخر الفرق لفائدة الغير؛ وثانيًا ومن حيث الحياة الأخلاقية نجد الأسرة وهي الوحدة الاجتماعية وأوثق الجماعات حتى إن تسميتها اتحادًا أصح من تسميتها اجتماعًا، فيها تظهر البذور الأولى للاستعدادات التي تعين المجتمع، وفيها يتعلم الفرد أن يجاوز نفسه ويسود التعاطف على الغرائز الشخصية. فهي ضرورية كتمهيد بين الفرد والمجتمع من وجهين: أحدهما أنها تلائم ملاءمة طبيعية بين الطباع والأخلاق المختلفة الناشئة من استعدادات مختلفة, فإن الاجتماع يقتضي تنوع الأفراد واتفاقهم في آن واحد؛ والوجه الآخر هو أن الأسرة هي المدرسة التي تولد فيها العواطف الاجتماعية متمثلة في التضامن الذي يبدو في تعاون الوالدين على تربية البنين، وفي الطاعة تبدو في انصياع البنين لأوامر الوالدين الرامية إلى قمع الأنانية، وفي الاقتصاد يبدو في تدبير التراث العائلي احتياطًا للمستقبل. وثالثًا ومن حيث الحياة العقلية نجد اللغة وسيلة الاتصال بين الأفراد، فيشتركون في الأفكار والعواطف, ويؤلفون رأس مال عقلي كما تجمع الملكية رأس مال مادي. ومما تجب ملاحظته أن الصلة وثيقة بين الأفكار والأخلاق من جهة وبينها وبين المؤسسات من جهة أخرى، بحيث لا يسع أية
следующие страницы →