← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والحقيقة الموضوعية لفكرة ما تتطلب علة بالفعل. إذن فالله موجود، وهو نموذج فكرة الكامل اللامتناهي وعلتها. د- وإذا فحصت عن علة وجودي بصفتي حاصلًا على فكرة الكامل، كان لي دليل ثالث على وجود الله. ذلك بأنني لو كنت خالق نفسي، لكنت منحت نفسي الكمال الممثل لي في هذه الفكرة، من حيث إن الإرادة تتجه إلى الخير دائمًا، وما الكمال إلا صفة للموجود وحال له، فخلقه أيسر من خلق الوجود ذاته، فلو كنت أوجدت نفسي لكنت أردت لها كمال الوجود، ولكني ناقص، فذلك دليل على أني لست خالق نفسي. ولا يمكن القول: إني وجدت دائمًا على ما أنا الآن، فإن أجزاء الزمان منفصلة بعضها عن بعض بحيث لا يتعلق الزمان الحاضر بالزمان الذي سبقه، فالموجود لكي يدوم في كل آن مفتقر لنفس الفعل اللازم لخلقه، فلا أستطيع الدوام زمنًا ما إلا إذا كنت أخلق خلقًا جديدًا في كل آن، وليس لدي مثل هذه القوة لحفظ نفسي في الوجود, ولو كانت لي لعلمت ذلك علمًا يقينيًّا, فإن قوة ما لا توجد في بما أنا موجود مفكر دون أن أعلمها؛ وإذن فلست خالق نفسي. ثم لا يمكن أن يقال: إن وجودي مستمد من توالدي أو من علة أخرى دون الله كمالًا؛ لأنه مهما تكن تلك العلة فلا بد أن تكون حاصلة على فكرة الكمال، وحينئذ فإما أن تكون أوجدت نفسها، وأوجدت نفسها كاملة، فتكون الله، أو أن تكون صدرت عن علة أخرى، فتعود المسألة، ويمتنع التسلسل إلى غير نهاية؛ لأن المطلوب هنا ليس العلة التي أوجدتني في الماضي, بل التي تحفظ وجودي في الحاضر، فلا بد من الوقوف عند علة هي الله. وهكذا كما أدركت النفس دون أن أخرج من الفكر، فقد أدركت الله إدراكًا مباشرًا في علاقتي بفكري ووجودي، وبلغت إلى موجود محقق مع بقائي مستمسكًا بالفكر. إن فكرة الله محدثة في منذ خلقت، وهي طابع الله في خليقته. هـ- ونحن نتغاضى هنا عما في هذه الأدلة من مسائل فرعية تغنينا غرابتها عن الإسهاب في نقدها, مثل احتمال إحداث الموجود ذاته, وتصور الدوام خلقًا متكررًا لا ندري كيف يبقى معه الموجود هو هو، واعتقاد ديكارت أن المفكر يدرك كل ما في نفسه، مما يرجع إلى إنكار القوة واللاشعور, نتغاضى عن هذا

стр. 72

وعن غيره، ونحصر النظر في فكرة الله التي يبني عليها ديكارت أدلته الثلاثة. هل صحيح أنها محصلة جلية متميزة؟ الواقع أنها مكتسبة بالاستدلال، فالأصل فيها ضرورة تفسير الموجود المتغير بإسناده إلى علة، وضرورة الوقوف عند علة أولى في سلسلة العلل، وإلا بقي الموجود المتغير بدون تفسير، وضرورة إيجاب الوجود لهذه العلة الأولى، إلا لم تكن أولى. فديكارت يتناول هذه الفكرة كما كونها الفلاسفة واللاهوتيون المدرسيون ويعتبرها أولية، فيبدأ من حيث انتهوا، ويعتبرها محصلة، ولو كانت كذلك لاستوى فيها كل الناس، ولأظهرتنا على ماهية الله كما هي، والواقع يرد هاتين النتيجتين، وديكارت نفسه يقر بهذا الواقع فيقول "في التأمل الثالث": "أجل, إني لا أفهم اللامتناهي، وإني أجهل أمورًا كثيرة فيه، ولكني متى علمت أنه حاصل على جميع الكمالات التي أتصورها، وفهمت حق الفهم أن تمام الإحاطة باللامتناهي ممتنع على موجود متناهٍ مثلي، فقد حصلت على فكرة عنه جلية جدًّا ولو أنها ناقصة جدًّا". نقول: إذا كانت الفكرة ناقصة إلى هذا الحد، فليست صورة حقه للامتناهي تفيدنا معرفته كما هو, وإنما هي فكرتنا نحن عنه، أو بعبارة أدق هي جملة أحكامنا بأن الله موجود, وبأن له كذا وكذا من الصفات، أي: إن تلك الفكرة فعل عقل متناهٍ ناقص يتعقل الكامل اللامتناهي كما يستطيع. فديكارت إذ يقول: إنها محصلة، يخلط بينها وبين موضوعها، فإن هذا الموضوع الذي هو الله موجود حق، أما فكرتنا عنه فليست صورة أو معنى شبيهًا به، وإلا كانت تظهرنا على حقيقة اللامتناهي إظهارًا كليًّا كما قلنا، وهذا غير صحيح. ولكن ديكارت، وقد قطع الصلة بين الفكر والوجود، اضطر لوضع الأفكار موضع الموجودات واعتبارها أشياء قائمة بأنفسها. وهو بقوله: إن فكرة الله محصلة، وبفصله بينها وبين الاستدلال الذي ينتجها ويسوغها، يمهد السبيل لاعتبارها مجرد صورة فكرية أو وهمًا ضروريًّا كما يقول كانت، أو تشخيصًا للمجتمع كما يقول الاجتماعيون، أو ما إلى ذلك من أقاويل. ووما دامت هذه الفكرة دعامة الأدلة الثلاثة, فقد انهارت هذه الأدلة بانهيارها. ذلك بأن الوجود المتضمن في فكرة الله محمول من جنس الفكرة، أي: محمول متصور فحسب, وليست الفكرة صورة حقة لموضوعها, فقد زال عنها امتيازها وأضحت, فإذا بينها وبينه مثل ما بين سائر الأفكار وبين موضوعاتها من

стр. 73

مسافة، وتعين البحث فيما إذا كان يقابلها موضوع حقًّا، أو كانت مجرد تصور، فإذا ثبت لها موضوع، قيل حينئذ: إن الوجود محمول ذاتي له كما قدمنا. وبعبارة أخرى: إذا ثبت وجود الله، فقد ثبت أن الوجود واجب له؛ أما الانتقال من الوجود المتصور إلى الوجود الواقعي، فغلط أو مغالطة، وقد نبه على ذلك القديس توما الإكويني في رده على دليل القديس أنسلم. أما عن الدليل الثاني، فما دامت فكرتنا عن الله ناقصة ومكتسبة بالاستدلال، فليست تتطلب علة لامتناهية، وليس ما يمنع أن تصدر عن الموجود المتناهي الذي يتصورها، وهو إنما يتصورها بحكم ينفي الحد ويطلق الموجود من كل قيد. وأما عن الدليل الثالث، فلا مسوغ للانتقال من وجودي المتناهي إلى الموجود اللامتناهي، إذ إن هذا الانتقال لا يتم عند ديكارت بتطبيق مبدأ العلية على وجودي، بل بواسطة حصول فكرة اللامتناهي في فكر متناهٍ لو كان خلق نفسه لكان خلقها كاملة لامتناهية؛ فإذا كانت فكرتي عن اللامتناهي ليست لامتناهية، فقد بطل الاستدلال، ولم يبق منه إلا أني قد أكون خالق نفسي، أي: قد أكون، وأنا موجود متناهٍ حاصل على أفكار متناهية، خلقت نفسي متناهيًا! إلى مثل هذا التناقض يرجع دليل ديكارت متى أبطلنا الواسطة المبني عليها, أي: كون فكرة اللامتناهي محصلة بسيطة أولية. وقد استعاض ديكارت بفكرة انقسام الزمان إلى غير نهاية، عن فكرة الإمكان التي استخدمها السلف، أو أنه نقل الإمكان إلى اللحظة الآتية التي لا يستطيع فيها المخلوق استبقاء وجوده، فيجدد الله خلقه. فدليله لا يرمي إلى إثبات بداية للمخلوق، بل إلى تفسير دوامه وحفظه في الوجود, وهذا تصور غريب لدوام المخلوق ولحفظ الله له. ز- وغريب كذلك تصور ديكارت لماهية الله, فإن الله عنده حر قدير حتى ليعتبر "بالإضافة إلى ذاته بمثابة العلة الفاعلية بالإضافة إلى معلولها" بل حتى إنه "لو لم يكن إعدام الذات نقصًا، لأمكن إضافة تلك القوة إليه"، وتتناول حرية الله كل شيء، ليس فقط ما نراه ممكنًا، بل أيضًا "الحقائق الدائمة" رياضية وفلسفية، وماهيات المخلوقات. فإن الله صانع الأشياء جميعًا، وهذه الحقائق والماهيات أشياء، فهو إذن صانعها. أجل إنها تبدو لنا ضرورية، ولكن الله هو الذي أراد أن تكون كذلك، وفرضها على عقلنا. لقد كان الله حرًّا

стр. 74

في أن يجعل الخطوط الممتدة من المركز إلى المحيط متساوية، وزوايا المثلث الثلاث مساوية قائمتين، مثلما كان حرا في ألا يخلق العالم، فلما اختار، غدا اختياره حقًّا؛ ولما كان الله ثابتًا، فلا خوف أن يتغير الحق. والنصوص الواردة بهذا المعنى كثيرة صريحة، تدل على شدة تعلق ديكارت بنظريته هذه؛ وهي واردة في رسائله الخاصة منذ سنة ١٦٢٩، وفي ردوده على الاعتراضات، دون الكتب التي أعلن فيها مذهبه كاملًا منظمًا، وقبل نشره للكتاب الأول من هذه الكتب "وهو "المقال"" بثماني سنين. وفي سنة ١٦٣٠ ظهر كتاب يدور على هذه المسألة لقسيس صديق لديكارت من قساوسة "الأوراتوار" هو الأب Gibicof. والنظرية على كل حال قديمة، نجدها بارزة في القرن الرابع عشر عند دونس سكوت ونقولا دوتركور، ونجدها تولد الشك. وديكارت نفسه يدلنا على أثرها في المعرفة حيث يقول "في التأمل الثالث": "إذا كنت حكمت أن بالاستطاعة الشك في هذه الأشياء، فما كان ذلك لسبب غير أنه كان يخطر ببالي أن إلهًا قد يكون أعطاني طبيعة هي بحيث أخطئ حتى فيما يبدو لي أوضح ما يكون. وكلما عرض لفكري هذا الرأي المتصور آنفًا في إله كلي القدرة, رأيتني مرغمًا على الاعتراف بأن من الميسور له، إن شاء، أن يجعلني أخطئ حتى فيما أعتقد أني أدركه ببيان عظيم جدا؛ وعلى العكس كلما توجهت صوب الأشياء التي أعتقد أني أتصورها بغاية الوضوح، رأيتها تقنعني ... ". ح- وعلى ذلك نرى أن لهذه النظرية أثرًا كبيرًا في تركيب المذهب, إذا كانت الحقيقة خلقًا حرًّا، فلم يعد لها قيمة بالذات، وإنما قيمتها آتية من أمر الله، وقد كان في مقدور الله أن يقرر نقيضها كما يقول ديكارت ويكرر القول، وإذن فباستطاعتنا أن نشك فيها مهما بدت ضرورية؛ لأنها ضرورية بالإضافة إلينا، ولكنها ممكنة في نفسها وبالإضافة إلى الله. فالشك الكلي المؤيد بفرض الروح الخبيث يتناول ماهية الحقيقة وصدق الفكر، وليس يشك ديكارت في صدق الفكر إلا لأنه يشك في الحقيقة. فكان محتومًا عليه أن يستبعد كل حقيقة حتى يبلغ إلى الفكر الخالص، لكي يقف نفس موقف الله وهو يقرر الحقيقة. هذا من جهة, ومن جهة أخرى، إذا كانت الحقيقة وضعية، فليس يعتبر الوضوح علامة حاسمة لتصديقها، ولكنه شعور ذاتي يميل بنا إلى التصديق،

стр. 75

فقبل أن نميل معه يتعين علينا أن نتيقن أنه غير خادع، إذ كما أن الحقيقة محدثة فإن مصاحبة الوضوح لها محدثة كذلك، فالثقة بها تقتضي معرفة واضعها وكونه كاملًا صادقًا، وإلا امتنع لدينا كل سند للحقيقة. فصدق الله ضمان الوضوح، ومعنى الاثنين جميعًا أن بين العقل وبين الحقيقة مناسبة وملاءمة؛ لأنهما من صنع الله. ٣٦ - العالم وقوانينه: أ- بعد أن يطمئن ديكارت إلى وجود الله وصدقه، ينتقل إلى وجود العالم ويسأل نفسه: هل الماديات موجودة؟ فيجيب بالإيجاب، ويقدم الأسباب. فأولا هذه الأشياء ممكنة، والله يستطيع إحداث الممكنات. ثم إن في قوة حاسة هي قوة انفعالية تتطلب قوة فعلية تثير فيها أفكار المحسوسات؛ وهذه القوة الفعلية ليست فيَّ، فإني جوهر مفكر، وليست هذه القوة مفكرة، وإذن فهي خارجة عني. على أنها قد تكون إما جسمًا حاصلًا بالذات على ما أتصوره في المحسوسات، أو تكون الله الحاصل عليه على نحو أسمى, فما هي؟ إني أحس في نفسي ميلا طبيعيا إلى الاعتقاد بأشياء جسمية، وما دام هذا الميل طبيعيا فهو صادر عن الله، والله صادق فلا بد أن يكون خلق أشياء مقابلة لأفكاري. إن طبيعتي تعلمني أن لي جسمًا، وأن أجسامًا أخرى تحيط بي، وأن هذه الأجسام مختلفة فيما بينها تحدث فيّ إدراكات مختلفة ولذات وآلامًا، فلن أكترث بعد الآن لأخطاء الحواس وخيالات الأحلام، فإن مراجعة الحواس بعضها ببعض، ومراجعتها بالذاكرة والعقل، تبدد الخوف من الخطأ في الإدراك الحسي. وكذلك تتميز اليقظة باتساق الإحساسات فيما بينها، ويتميز المنام باضطراب التصورات. هذه قرائن لا يمكن أن أخطئ فيها وقد علمت أن ليس الله خادعًا. ب- الماديات موجودة إذن, ولكن على أي نحو؟ هنا يجب أن أراجع أفكاري بكل حذر حتى يقتصر تصديقي على ما أراه واضحًا متميزًا، فإن أفكاري إنما تصدر عن الله من حيث ما فيها من وضوح، والله إنما يحدث من موضوعات الأفكار ما يتصور بوضوح ليس غير. وما أتصوره واضحًا في الأشياء يرجع إلى أنها امتداد فحسب، وباقي ما يبدو في الإحساس فهو صادر عن

стр. 76

فكري: الضوء واللون والصوت والرائحة والطعم والحرارة، كل هذه انفعالات ذاتية، أفكار غامضة أضيفها خطأ لذلك الميل الطبيعي، وأتخذها أساسًا لمعرفة ماهيات الأجسام، وليس في الأجسام شيء يشابهها، وليس لها من غاية سوى إرشادي إلى النافع والضار فأكيف مواقفي في الحياة تبعًا لذلك. فديكارت يستبعد "الكيفيات الثانوية" ويستبقي "الكيفيات الأولية" مع كونها جميعًا إحساسات وانفعالات، مستندًا إلى مفهوم فكرة المادة وإلى صدق الله. ج- هذه المادة الهندسية لامتناهية المقدار من حيث إنه يستحيل وضع حد للامتداد. وديكارت يعوِّل هنا على الامتداد المتخيل لا الامتداد المعقول، فإن المخيلة لا تقف عند حد في تخيلها إذ إنها لا تتخيل إلا المحسوس؛ أما العقل فيستطيع الحكم بوجوب الحد متى علم أن المادة الموجودة بالفعل متشكلة بالضرورة ومن ثمة محدودة بالضرورة. وهذه المادة الهندسية مقسمة إلى أجزاء غير متناهية، فليس هناك جواهر فردة أو أجزاء لا تتجزأ من حيث إن كل امتداد مهما صغر قابل للقسمة إلى جزأين وهكذا إلى غير نهاية. وهذه المادة الهندسية ملاء لا يتخلله خلاء؛ لأن الخلاء امتداد، والامتداد مادة "عند المخيلة كما تقدم" بحيث تفسر كل حركة بأن الجسم المتحرك يطرد الجسم المجاور له ليحل في مكانه، وهكذا إلى ما لا نهاية. فالحركة في العالم دائرية, والمادة متحركة حركة متصلة, حركها الله منذ الخلق، وشرع للحركة قوانين. هذه القوانين تستنبط من فكرة ثبات الله؛ وأولها "أن كل شيء يبقى على حاله طالما لم يعرض له ما يغيره"؛ ومن هذا القانون يلزم قانونان: أحدهما "أن مقدار الحركة "المحدثة عند الخلق" يبقى هو هو في العالم لا يزيد ولا ينقص"؛ والآخر "أن كل جسم متحرك فهو يميل إلى الاستمرار في حركته على خط مستقيم" وهذا قانون القصور الذاتي، وديكارت أول من وضعه عن بينة، وقد يكون وصل إليه بتأثير كبلر. هذه القوانين الثلاثة تنطوي على جميع قوانين الحركة, وكلها ثابتة بثبات الله ١. فهنا أيضًا يلجأ ديكارت إلى الله لكي يقيم أركان علمه الطبيعي؛ ولكن هل يمنع ثبات الله من حدوث التغير في الطبيعة؟ ومن يدرينا، لعل الله أراد بإرادة واحدة أن توجد قوانين معينة وقتًا ما، ثم أن تحل محلها قوانين أخرى؟

стр. 77

د- وكان من فعل الحركة في المادة على مقتضى القوانين أن تكونت السماء والأرض والسيارات والمذنبات والشمس والنجوم الثوابت والضوء والماء والهواء والجبال والمعادن والنباتات والحيوانات والأجسام الإنسانية. تكونت كلها بمحض فاعلية الحركة في الامتداد، دون أي شيء من تلك الكيفيات والقوى والصور الجوهرية التي أضافها أرسطو والمدرسيون إلى المادة، ودون علل غائية، فليس لهذه العلل محل في العلم الطبيعي، وأنى لنا أن نكشف عن غايات الله، والله على كل حال لم يتوخ غاية، وإنما رتب الأشياء بمحض إرادته الحرة. فالأجسام آلات ليس غير، بما فيها النبات والحيوان وجسم الإنسان. أما أن الحيوان عاطل من العقل، فدليله أنه لا يتكلم ونحن نشاهد أن الكلام لا يقتضي إلا قليلا من العقل. وإذا كان بعض الحيوان يفوق الإنسان مهارة في بعض الأفعال، فإنه لا يبدي شيئًا من تلك المهارة في أفعال أخرى كثيرة، فما يفوقنا فيه لا يدل على عقل وإلا لكان حظه منه أكبر من حظنا ولأجاد سائر الأفعال, ولكنه يدل على أن لا عقل لله وأن الطبيعة هي التي تعمل فيه. كذلك ليس للحيوان شعور وعاطفة؛ لأن العاطفة ضرب من الفكر. وقد ظن ديكارت أن رأيه هذا تأيد باكتشاف وليم هارفي للدورة الدموية سنة ١٦٢٨، أي: حين بين هذا العالم أن الدم لا يجري في الجسم بقوة ذاتية، بل إن انقباض القلب هو الذي يدفعه، فاعتقد ديكارت أن قوانين الحركة تنطبق أيضًا على الجسم الحي، وأن في الأعصاب "أرواحًا حيوانية" هي أدق أجزاء الدم وأسرعها حركة، بحركاتها تفسر جميع الأفعال الحيوية الجسمية، ومثل هذه الأفعال مثل حركاتنا اللاإرادية، كمد اليدين إلى أمام في حركة السقوط، فإنها حادثة عن تحرك الأرواح الحيوانية بتأثيرات غير مشعور بها. فإذا كان الحَمَل يهرب عند رؤية الذئب؛ فذلك لأن الأشعة الضوئية الصادرة عن جسم الذئب إلى عين الحمل تحرك عضلاته بوساطة تيارات الأرواح الحيوانية؛ ويمكن تفسير عودة السنونو في الربيع كما نفسر دقّ الساعة في فترات راتبة. وإذن فجميع الأجسام آلات دقيقة الأجزاء كثيرة التعقيد عجيبة الصنع؛ ولكنها آلات على كل حال تعمل بالحركة فحسب. والعالم في مجموعه آلة كبرى أو علم الميكانيكا متحقق بالفعل، ولئن فاته بهاء الألوان ونغم الأصوات وشذا الروائح وكل ذلك الجمال الذي تتوهمه فيه الفلسفة الناسجة على

стр. 78

منوال أرسطو والذوق العام، فقد استعاض عنه معقولية طالما نشدتها تلك الفلسفة فأعياها البلوغ إليها، إذ قد أضحت الأجسام شبيهة بالأشكال الهندسية معقولة كلها دون غموض ولا خفاء ١ , ولكنها لم تصبح كذلك إلا بإرادة الفيلسوف الذي أفرغها مما فيها من قوة وحياة، وردها أشكالًا جوفاء. ٣٧ - النفس والجسم: أ- بقي على ديكارت، وقد استعاد يقينه بوجود الأجسام بما فيها جسمه، أن يخطو خطوة أخيرة ويفحص على طبيعته هو، إنه مؤلف من نفس وجسم، أي: من جوهرين متمايزين متضادين: النفس روح بسيط مفكر، والجسم امتداد قابل للقسمة. ليس في مفهوم الجسم شيء مما يخص النفس، وليس في مفهوم النفس شيء مما يخص الجسم، وقد أشك في وجود جسمي وسائر الأجسام دون أن يتأثر بهذا الشك وجود فكري ونفسي. لذا لا يأتي العلم بالجسم إلا في هذا الموضع كما يقتضي المنهج، وإن كان النفس والجسم في واقع الأمر متضامنين يؤلفان موجودًا واحدًا، فإن المنهج يقضي بأن تتسلسل الأفكار بنظام "إلى حد أن نفترض نظامًا بين الموضوعات التي لا تتتالى بالطبع"؛ وإن المبدأ التصوري يقضي بأن نذهب من أفكارنا إلى موضوعاتها بحيث لا يمكن أن تختلف الموضوعات عن الأفكار ولا أن يوجد في الواقع نفس وجسم يختلفان عن تصورنا للنفس والجسم. ومن أين جاء ديكارت بتعريف النفس والجسم؟ إنه يضع التعريف من عند نفسه، لا من ملاحظة الكائنات الحية، ولا يريد أن يعلم أن الجسم، وإن كان عديم القدرة على التفكير، فقد يكون شرطًا للتفكير، ومن ثمة قد يكون متصلًا بالنفس ضربًا من الاتصال أوثق من الذي يرضى به الفيلسوف الأفلاطوني. وقد اعتقد ديكارت أنه بهذا الفصل التام بين النفس والجسم أسقط المادية وأقام الميتافيزيقا. ولكن هذا الفصل الذي ينكر النفس على الحيوان ويجعل من البيولوجيا فرعًا من الميكانيكا، قد يؤدي إلى إنكار النفس على الإنسان ورد التعقل إلى الإحساس المشاهد في الحيوان، فتسقط الروحانية، وتسقط الميتافيزيقا

стр. 79

من حيث إنها لا تقوم على الحس بل على العقل. وسنرى كثيرين من الفلاسفة يستخرجون هاتين النتيجتين، ويردون على ديكارت بنفس أقواله. ب- بيد أن ديكارت يستدرك فيقول: إن طبيعتي تعلمني أني لست حالا في جسمي حلول النوتي في السفينة، ولكني متحد به اتحادًا جوهريًّا يكون كلا واحدا، بحيث لو جرح جسمي فلست أقتصر على إدراك الجرح بالعقل؛ ولكني أنبه إليه بالألم. فالألم والجوع والعطش وسائر الانفعالات لا تنال النفس بما هي كذلك، وإنما هي ناشئة من اتحاد النفس والجسم واختلاطهما. ويقال مثل هذا عن المعرفة الحسية والحركات المنعكسة والأحلام والتخيل والتذكر ١. عجبًا! يستعير ديكارت ألفاظ أرسطو الذي ينكر على أفلاطون أن تكون النفس في الجسم "كالنوتي في السفينة" والذي يؤكد اتحاد النفس والجسم "اتحادًا جوهريًّا" فكيف يفسر ديكارت هذا الاتحاد؟ الواقع أنه يذعن هنا مكرهًا لشهادة الوجدان وأن مذهبه ثنائي لا يطيق الوحدة بحال. في مواضع كثيرة يتكلم عن النفس والجسم كأن النفس حالة في الجسم مجرد حلول، وهو يعين لها فيه مكانًا ممتازًا هو الغدة الصنوبرية "حيث تقوم النفس بوظائفها بنوع أخص منها في سائر الأجزاء، وتنتشر قوتها في الجسم كله". وإنما وضعها في هذا الجزء من الدماغ لأنه رأى فيه المكان الملائم لقبول الحركة وتوجيهها، أي: في وسط الدماغ وفوق القناة التي تمر منها الأرواح الحيوانية من تجاويف مقدم الدماغ إلى تجاويف مؤخره. فكلما أرادت النفس شيئًا "حركت الغدة المتحدة بها الحركة اللازمة لإحداث الفعل المتعلق بتلك الإرادة". أما الجسم فيؤثر في النفس بأن يبلغ إليها الحركات الواقعة عليه والحادثة فيه فتترجمها هي ألوانًا وأصواتًا وروائح وطعومًا ورغبات ولذات وآلامًا، ولا ندري كيف تتم هذه الترجمة، ولم تحس النفس الجوع والعطش وتحس ألمًا من جرح، بدل أن تدرك مجرد إدراك أن بالجسم جرحًا وأن به حاجة إلى الطعام والشراب، وماذا يصير بمبدأ القصور الذاتي. إن النفس روح فلا تنالها الحركة، وعلى ذلك فالحركة الجسمية حركة فانية؛ فإذا سلمنا أن النفس تحرك الغدة الصنوبرية، قلنا بحركة جديدة غير ناشئة من حركة سابقة، ومبدأ

стр. 80

القصور الذاتي يحول دون تصور الحركة تفنى أو تخلق. وقد قال ديكارت ردًّا على اعتراض أو سؤال: إن النفس لا تخلق حركة، بل توجه الأرواح الحيوانية. ولكن التوجيه أو التغيير في الاتجاه يقتضي حركة، فيخالف مبدأ القصور الذاتي على أن ديكارت يقول: إنه هكذا رتبت الأمور لخير الإنسان وحفظ كيانه، أي: هكذا رتبها الله، فيعود ديكارت إلى الله مرة أخرى للخروج من مأزقه، كما كان التراجيديون اليونان يقحمون الآلهة في المواقف الحرجة. وتلك هي الكلمة الأخيرة في المشكلة، إذ يستحيل تصور اتحاد حقيقي بين جوهرين تامين، وتصور تفاعل حقيقي بين جوهرين متضادين. ج- ولديكارت كلمة أبلغ دلالة على هذه الاستحالة, ألحت عليه الأميرة إليزابث أن ينجدها بالتعليل الشافي. فأفاض في القول دون أن يأتي بشيء جديد، بل إن هذه الإفاضة تنم عن حيرة شديدة، وانتهى بالاعتراف بأن المسألة لا تحتمل حلا عقليا. قال: "تعلم النفس بالعقل، ويعلم الجسم بالعقل كذلك ولكنه يعلم أحسن بكثير بالعقل تعاونه المخيلة. أما اتحاد النفس والجسم، فلا يعلم إلا علمًا غامضًا بالعقل والمخيلة, ويعلم علمًا واضحًا بالحواس، وهو أمر محسوس لا يشك فيه عامة الناس، ويستطيع الفلاسفة أن يدركوه إذا هم كفوا عن التعقل والتحليل, وتركوا أنفسهم للحياة وللأحاديث الجارية". وأردف ذلك بقوله: "لا يلوح أن باستطاعة العقل الإنساني أن يتصور بجلاء, وفي نفس الوقت تمايز النفس والجسم واتحادهما، إذ إن ذلك يقتضي تصورهما شيئًا واحدًا وشيئين، وهذا تناقض". وهذا إقرار صريح بالعجز والفشل؛ لذلك نرى نظرية ديكارت في النفس والجسم خير نظرياته بيانًا لما يميز مذهبه من تركيب صناعي. إنها ضعيفة إلى حد التناقض بإقرار الفيلسوف نفسه، وعندها يتحطم المنهج الجديد في يد صاحبه. وإن في هذا الإخفاق لعبرة، فهو يدلنا على عاقبة قلب نظام المعرفة الإنسانية ومحاولة إخضاع الوجود لمنهج يفرض عليه فرضًا، بدل إخضاع الفكر للوجود. إن الوجود أصلب من أن يلين للنظريات، وهو لا يلبث أن يثأر لنفسه منها ويبين تهافتها. أليس غريبًا أن نسمع ديكارت "العقلي" المعتد بالعقل إلى غير حد، يدعونا إلى اطّراح العقل والاسترسال مع الحياة وأحاديث الناس في مسألة هي من الأهمية الفلسفية بأعظم مكان؟ وهل هناك ثأر أبلغ من هذا؟ وإذا

стр. 81

ذكرنا أن كبلر وجليليو ثم نيوتن من بعدهما اكتشفوا بالتجربة قوانين مضبوطة، فكانت تسمح لهم بتوقع الظواهر وتقودهم إلى مكتشفات جديدة، بينما القوانين "غير الصحيحة" التي فرضها ديكارت على الطبيعة لم تكن تفسر الأشياء إلا تفسيرًا إجماليًّا، ولا تسمح بأي توقع إذا ذكرنا ذلك كان لنا منه مثال آخر على ثأر الطبيعة من المتجبرين عليها وسخريتها منهم. ٣٨ - تعقيب على المذهب: أ- نستطيع الآن أن نرى أن العلم الطبيعي الرياضي مفتاح المذهب، كما أن الشك في ضرورة الحقيقة مفتاح المنهج " ٣٥ جـ". تقدم لنا الرياضيات المثل الأعلى للعلم، ذلك العلم "اللمي" الذي ينزل من المبادئ إلى النتائج, فيبين علة النتائج في مبادئها ويرضى العقل تمام الرضا. كان أفلاطون يصبو إلى هذه الغاية ويحاول تحقيقها؛ وكان أرسطو يعتبرها كذلك الغاية القصوى, ولكنه فطن إلى أن العلم الطبيعي نوع آخر من العلم، هو العلم "الأني" المكتسب بالاستقراء، يأتي في المرتبة الثانية لأنه يقتصر على القول بأن الشيء كذا دون بيان العلة في أكثر الأحيان، ولكنه العلم الملائم لطبيعة معرفتنا التي تبدأ بالمحسوس وتتأدى منه إلى المعقول. ولم يوفق ديكارت إلى مثل اتزان أرسطو وتواضعه، فقد غلا في طلبه المعقولية وأراد أن يكون علمنا كله لميًّا أو لا يكون أصلًا، فأحال العلم الطبيعي علمًا رياضيًّا بحتًا. وذهب في ذلك إلى حد افتراض قوانين كان يعلم عدم مطابقتها للواقع، ولكنه افترضها "لكي يمكن أن تقع الأشياء تحت الفحص الرياضي". والرياضيات لا تنظر في غير الأعداد والأشكال, فمتى رددنا العلم الطبيعي إلى الرياضي, رددنا الأجسام الطبيعية إلى أشكال هندسية، ورددنا أفعالها إلى حركات آلية تقاس ويعبر عنها بأعداد، سواء في ذلك الأفعال الحيوية والأفعال الجمادية على ما بين الطائفتين من تباين. فيلزم عن ذلك أن الإحساس ذاتي، وأن لا شبه بينه وبين علته الخارجية. ب- يضاف إلى ما تقدم أن تصور الأجسام الخارجية آلات، أي: مركبات صناعية خلوًا من كل طبيعة أو ماهية، يحملنا على استبعاد المنطق القديم القائم على أن الموجودات طبائع وماهيات لها خواص وأعراض، فلا يبقى هناك

стр. 82

مجال لتحليل الأشياء إلى أجناس وأنواع، وإنما تحل إلى أجزاء حقيقية كأجزاء الآلة، فلا نقول: "الإنسان حيوان ناطق" بل نقول: "الإنسان نفس وجسم". وديكارت يستبعد بالفعل الحكم الأرسطوطالي "وهو إسناد محمول إلى موضوع، أو وصف شيء بشيء" ويستعيض عنه بمعنى آخر للحكم هو أنه اعتقاد الإرادة بوجود خارجي لموضوع فكرة ما. وإن من ينعم النظر في "قواعد تدبير العقل" يرى في ديكارت واحدًا من الإسميين، أولئك الفلاسفة الحسيين الذين ظهروا في القرن الرابع عشر, وكانوا أول الخارجين على الفلسفة الأرسطوطالية، فإن ديكارت يعتبر المعاني الكلية أسماء جوفاء، ويستعيض عنه بما يسميه الطبائع البسيطة، ويستعيض عن منطق أرسطو بمنهج الرياضيين، ويلزم من ذلك "كما تنبه إليه الحسيون، القدماء منهم والمحدثون" أن ليس هناك حقائق ضرورية، فينشأ لدينا سبب آخر للشك في العقل شكا حقيقيا لا منهجيا. ويمكن أن نقول: إن الفلسفة الحديثة كلها اسمية مثل ديكارت. ج- بهذا المذهب أحدث ديكارت انقلابًا خطيرًا في عالم الفكر؛ فأولا قد غير نظر العقل لطبيعته. كان القدماء يعتقدون أن العقل يدرك الوجود، فأصبح العقل منعزلًا في نفسه, وأخذ الفلاسفة من بعده بهذه التصويرية، فأنكروا العالم الخارجي -ولم يكن ديكارت قد آمن به إلا بمخالفته للمبدأ التصوري, ولم يؤمن به إلا هزيلًا ضئيلًا على ما رأينا- وأنكروا العلية فاعلية وغائية، وأنكروا الجوهر والنفس والله. في الحق إذا كنا لا ندرك سوى تصوراتنا، فلا سبيل إلى تجاوزها وهذا الفصل بين الفكر والوجود استتبع الفصل بين العلم الواقعي والفلسفة، فعاد العلم لا يعرف له موضوعًا غير الامتداد والحركة، وحصرت الفلسفة دائرتها في الفكر فأصبحت تأليفًا ذاتيًّا أو نوعًا من الفن، وانقسم المفكرون طائفتين: واحدة تأخذ بالعلم فترد الفكر إلى حركة مادية، وأخرى تنحاز إلى الفلسفة فترد المادة والحركة إلى الفكر. وما تزال هذه الثنائية والمشكلات الناجمة عنها قائمة إلى اليوم. د- وغير ديكارت معنى الوضوح والمعقولية، فأصبح العقل المنعزل في ذاته القانون الأكبر والأوحد "لا يسلم شيئًا إلا أن يعلم أنه حق" أي: إلا أن يعقله هو، ويركبه بأفكار واضحة هي في الواقع أفكار سهلة، فإن استعصى عليه شيء أنكره. وقد رأينا ديكارت يذهب من الفكر إلى الوجود، ويتصور الأشياء على

стр. 83

مثال أفكاره، ويمحو منها القوة والحياة اكتفاء بالحركة الآلية. فكان ديكارت أول من حرر العقل من سلطان الوجود، وأعلن أن الفكر يكفي نفسه بنفسه ولا يخضع لشيء سواه، فقلب الوضع الطبيعي الذي يجعل العقل الإنساني تابعًا للوجود ومحتاجًا إلى التعلم من السلف، وأقام "الفردية" على أساس فلسفي بعد أن كانت مجرد عصيان وتمرد، تلك الفردية التي تحمل الشخص على أن يظن نفسه أهلًا للحكم على الأشياء بنفسه، كأن ليس هناك عقول غير عقله، فتورث الفوضى العقلية، وعلى أن يجعل من نفسه مركزًا تدور حوله الأسرة والمجتمع، فتورث الفوضى الخلقية والاجتماعية، وقد كان العصر يضطرب بهذه الفردية التي تنفر من كل سلطان في العلم والفلسفة والدين, وبالعلم الآلي الذي يرمي إلى السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لتحقيق سعادة الإنسان على وجه الأرض؛ وكان يلتمس طريقه إلى توضيح هاتين النزعتين وتسويغهما؛ فلما جاء ديكارت أحسهما إحساسًا عميقًا، وساهم في العلم مساهمة خصبة، ووضع فلسفة تؤيده وتحميه، وترفع الفردية من مستوى العاطفة والإرادة الغامضة إلى مستوى الحق والقانون، فوضع دستور الفكر الحديث، واستحق أن يدعى أبا الفلسفة الحديثة. ٣٩ - ذيوع فلسفة ديكارت: أ- في حياة ديكارت انتشرت فلسفته في أوروبا بأسرها، وأضحت بعد مماته معينًا يستقي منه الأنصار وهدفًا يرميه الخصوم. ففي فرنسا كانت الصالونات تتندر ببعض نظرياتها وتعابيرها، حتى إن موليير تناولها على المسرح، بينما كان اللاهوتيون والأرسطوطاليون في الجامعة وخارجها ينددون بها ويحضون السلطة المدنية على تحريمها، وكان الأوغسطينيون يناصرونها ويحملون على أرسطو. وفي هولندا كان النزاع عنيفًا، وقام من بين الأساتذة البروتستانت نفر يعارضها ويرى فيها خطرًا على الدين. وفي ألمانيا وإيطاليا ظهرت كتب تعرضها وتحبذها. ب- من بين المذكورين من مخالفيها بيير جساندي " ١٥٩٢ - ١٦٥٥ " وهو قسيس فرنسي علم الفلسفة والرياضيات، واشتغل بالطبيعيات والفلك، وكان معجبًا بجليليو متأثرًا به. نشر في شبابه نقدًا شديدًا للفلسفة المدرسية، واصطنع مذهب أبيقور أخذًا عن لوكريس. وكان أحد الذين عرضت عليهم "تأملات"

стр. 84

ديكارت، فدون عليها الاعتراضات. لما كان حسيًّا في مسألة المعرفة، جريًا مع أبيقور، فقد عارض نظرية ديكارت في المعاني الفطرية، وبخاصة معنى الله، قائلًا: إن لله لا يعقله عقل مقصور على الصور الحسية. وعارض ديكارت في إنكاره الجوهر الفرد، فقال: إن القسمة إلى غير نهاية ممكنة من الوجهة الرياضية، غير ممكنة من الوجهة الطبيعية، فلقسمة المادة حد معين لا تتجاوزه، والجواهر يفصل بينها خلاء، وإلا استحالت الحركة. وعارض ديكارت في تفاصيل العلم الطبيعي، أي: في تفسيراته للظواهر، ولكنه لم يمض مع أبيقور إلى نتائجه الأخيرة بل أضاف إلى مذهبه المادي مذهبًا روحيًّا يقول بالله والنفس الناطقة، ويستثنيهما من المبدأ القائل: إن جميع العلل مادية. ذلك بأن نظام العالم يمنع من الاعتقاد بأنه وليد حركات اتفاقية، وأن الأخلاق والدين تقضي بأن يوجد في الإنسان نفس لاجسمية عاقلة حرة.

стр. 85

الفصل الرابع: بليز بسكال " ١٦٢٣ - ١٦٦٢ " ٤٠ - حياته ومصنفاته: أ- عالم عبقري ومفكر عميق وكاتب مجيد. ولئن لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي فقد خلف أثرًا حقيقًا بالذكر ترامى فعله إلى أيامنا, وسيظل فعالًا بلا ريب. ولد في كليرمون "من أعمال فرنسا" وما إن أمكن التحدث إليه حتى بدت منه أمارات ذكاء خارق. وكان والده واسع الثقافة ضليعًا في الرياضيات، وأخذ على نفسه أن يكون معلمه الأوحد ولم يدخله مدرسة. وكان مبدؤه في تعليمه ألا يلقنه شيئًا إلا بعد أن يبين له فائدته، ثم أن يلقنه ما يفوق طاقته حتى يفحص بنفسه ويدرك بنفسه, فأعكفه على الفرنسية واللاتينية واليونانية. وتروي أخته المترجمة لحياته أنه فيما هما في ذلك، والصبي ما يزال في الثانية عشرة، وجد من تلقاء نفسه الأشكال الهندسية، ثم وجد المبادئ، ثم ركب الأدلة حتى بلغ القضية الثانية والثلاثين من الكتاب الأول لإقليدس؛ فذهل والده وبكى فرحًا وأعطاه كتاب إقليدس فقرأه وحده. وفي رواية أخرى أقرب إلى التصديق أنه قرأ إقليدس خفية في ساعات معدودات. على أن نبوغه كان قد ظهر واضحًا قبل ذلك بسنة، إذ لحظ ذات مرة أن طبقا من الخزف إذا ضرب بسكين خرج منه صوت عالٍ ينقطع بوضع اليد على الطبق، فما زال يكرر التجربة حتى وقف على السبب، ووضع رسالة في الأصوات كانت أول مؤلفاته. ب- وأخذ يحضر المجالس التي كان يعقدها حينذاك علماء باريس كل أسبوع قبل إنشاء أكاديمية العلوم، وكان يساهم في المناقشات ويعرض مسائل جديدة. وفي السادسة عشرة دون رسالة في المخروطات جاوز فيها ما كان قد وصل إليه أحدهم، فأعجبوا به، إلا ديكارت قد تصنع عدم المبالاة. وهو في الثامنة عشرة عُين والده جابيًا للضرائب، فرآه يعاني مشقة في حسابها، فنبتت لديه فكرة صنع آلة حاسبة تغني عن القلم وعن كل قاعدة حسابية. فشرع يبحث

стр. 86

ويجرب، وطالت تجاربه عشر سنين صنع خلالها خمسين نموذجًا أو يزيد، حتى سجل اختراعه سنة ١٦٤٩ وبعد ثلاث سنين وضع النموذج الأخير، فأثار إعجابًا عامًّا. ج- وفي الثانية والعشرين اتجه صوب العلم الطبيعي, إذ علم أن توريتشلي ملأ أنبوبة زئبقًا وغمسها في حوض مليء بالزئبق فنزل عمود الزئبق في الأنبوبة وترك جزءها الأعلى خاليًا. فاهتم بهذه التجربة جد الاهتمام، وأعادها فنجحت، وبدت دليلا على وجود الخلاء. ولم يقنع بذلك وتخيل تجارب منوعة، فاستخدم سوائل مختلفة "الماء والزيت والنبيذ" وآلات مختلفة "المواسير والرشاشات والمنافخ والسيفونات" وميولا مختلفة على الأفق، وفي النهاية اعتقد أنه دلل على وجود الخلاء المطلق ضد أرسطو وديكارت. واعترض معترض، فرد عليه، وضمن رده أقوالًا صريحة قوية في شروط المعرفة العلمية وقواعد المنهج القويم. إنه يأبى أن يؤمن بغير التجربة؛ لذا هو يؤمن بالخلاء البادي للحواس، ويسخر من قول القائلين: إن الطبيعة تنفر من الخلاء، ويسخر من المادة اللطيفة التي يملئون بها الخلاء والتي لا تبصر ولا تلمس, وكان توريتشلي قد افترض أن ضغط الهواء على سطح الحوض هو الذي يستبقي الزئبق معلقًا في الأنبوبة؛ فأجرى بسكال التجارب سنة ١٦٤٨ في سفح جبل وفي قمته، في برج كنيسة وفي منزل خاص، فكانت النتيجة أن الزئبق ينخفض بنسبة الارتفاع؛ لأن ضغط الهواء أخف في أعلى منه في أسفل. ثم ربط قوانين توازن السوائل بمبادئ الميكانيكا العامة, فمنهجه المضي من التجربة إلى النظرية بخلاف ديكارت. د- وحوالي ذلك الوقت اتجه اتجاهًا آخر, إذ اتصل بقساوسة علماء وقرأ كتبًا دينية، فأدرك إدراكًا قويًّا أن المسيحية تقتضينا أن نحيا لله وحده. أجل, إنه كان قد نشأ على التمسك بالفضيلة واحترام العقيدة. كان والده يقول: إن العقيدة موضوع إيمان فلا تبحث بالعقل، وكان هذا القول عاصمًا له من الشك، وفي نفس الوقت صارفًا عن علم اللاهوت. وهذا موقف سيكون له أثره في مذهبه. فوجه همه إلى بلوغ كمال الفضائل المسيحية، حتى أثر في والده نفسه، وفي إحدى أختيه فدخلت الدير, غير أن مجهوداته البالغة كانت قد نالت من صحته منذ الثامنة عشرة، وازدادت صحته سوءًا فيما بعد وانتابته أوجاع لازمته طول حياته

стр. 87

تشتد تارة وتخفّ أخرى, فأشار عليه الأطباء باللهو وترك التفكير. فأخذ يغشى المجالس، واتصل بنفر من المتعاملين الزنادقة، وقرأ أبكتاتوس، وقرأ مونتني، فكان لكل ذلك أثر في مذهبه. وفطنت أخته الراهبة إلى ما في هذه الحياة الجديدة من خطر على فضيلته ودينه، وأقنعته بالإقلاع عنها واعتزال العالم, وكان حينذاك في الثلاثين. وبعد سنين لجأ إلى دير "بور روايال" وعاش فيه إلى مماته يعاني آلام المرض بصبر وتسليم، ويستأنف العمل العلمي كلما استطاعه. وإلى ذلك العهد يرجع جمعه "لخواطره" في الدعوة إلى الدين، وهو أشهر كتبه، وهو كتاب خالد حقًّا. وإلى ذلك العهد ترجع أبدع مكتشفاته الرياضية، فقد أسس حساب النهايات: حساب التكامل وحساب الاحتمالات، ونظريات أخرى، أهمها نظرية "الروليت" وقد دعا العلماء إلى المسابقة فيها "باسم مستعار" وعين جائزة مالية للفائز، فتنافس كثيرون، ولكن أحدًا لم يوفق إلى الحلول المطلوبة, فأعلن هو حلوله، فكانت موضع الإعجاب العام. ٤١ - منهجه: أ- رأيناه يؤثر التجربة على الاستدلال, فيؤمن بالخلاء البادئ للحواس وينكر على أرسطو وديكارت استدلالهما على امتناعه. فهو إذن لا يرى أن تحل المسائل الطبيعية باستنباط نتائج من مبادئ، بل بالتجربة. فلا يعتقد، خلافًا لديكارت، بمنهج واحد يطبق على جميع الموضوعات، بل يذهب إلى أن لكل موضوع منهجًا ينبغي ابتكاره؛ وذلك لأنه مقتنع بتنوع الطبيعة إلى جانب خضوعها لقوانين عامة، فيسلم بوجوب "القول بالإجمال: إن الأشياء تعمل بالشكل والحركة لأن هذا حق؛ أما تعيين الأشكال والحركات، وتركيب آلة العالم فمضحك؛ لأنه عديم الجدوى وموضع ريب وعسير" "خاطرة ٧٩ ". ب- وحين يقول: إن المبادئ حق، يعني أننا نحسها ونسلمها، لا أننا نتعقلها ونبرهن عليها. إنه يرى أن كمال الطريقة الهندسية يقوم بحد كل شيء والبرهنة على كل شيء، وأن هذا عمل لا ينتهي، فنقف عند أوليات لا تحد ولا تبرهن؛ ولكن هذه الأوليات ليست طبيعية، فإن الطبيعة تتغير باستمرار "وليس هناك من مبدأ، مهما يكن طبيعيًّا مألوفًا منذ الطفولة، إلا ويمكن القول:

стр. 88

إنه أثر خاطئ للتعليم أو للحواس" و"ما مبادئنا الطبيعية إلا مبادئ مألوفة بالعادة تختلف باختلافها". العادة طبيعة ثانية تمحو الأولى, وإني لأخشى ألا تكون الطبيعة نفسها إلا عادة أولى". هنا نرى قارئ مونتني قد تأثر به وأذعن له, غير أنه على كل حال يضيف المبادئ والمعارف التي من قبيلها إلى "القلب": القلب يحس أن للمكان أبعادًا ثلاثة، وأن الأعداد لامتناهية، وسائر المبادئ الهندسية؛ والقلب يحس الله، فيتغلب على الشك "خاطرة ٢٧٨ ". أما العقل فهو قوة استدلالية تستنبط النتائج من المقدمات الآتية من القلب والإرادة؛ لذا كان العقل قابلًا لأن يميل إلى كل جانب، ونحن نرى الناس كثيرًا ما لا يؤمنون إلا بما يحبون، فالقلب والعقل متباينان: "عبثًا يحاول العقل زعزعة المبادئ بالاستدلال، فإنها خارجة عن دائرته ولا شأن له فيها. من المضحك أن يطلب العقل إلى القلب الأدلة على مبادئه، كما أن من المضحك أن يطلب القلب إلى العقل الشعور بالقضايا التي يستنبطها" "خاطرة ٢٨٢ ". وهكذا يظن بسكال أنه يخرج من الشك, ولكننا نستطيع دائمًا أن نقول: إن شعور القلب وليد العادة، والعادة متغيرة، فنعود إلى الشك. بيد أن بسكال سيحاول التفريق بين مقدمات القلب السليم ومقدمات القلب الفاسد، كما سنرى. ج- يقابل التمييز بين العقل والقلب تمييز مشهور عن بسكال بين الروح الهندسي وروح الدقة. الروح الهندسي يتناول المبادئ محصورة محدودة يدركها كل عقل متنبه ويحس استخدامها بمجرد تطبيق قواعد الاستدلال. أما روح الدقة فمبادئه تكاد لا تحصى ولا توضع في صيغ محدودة، فإنها موضوع شعور أكثر منها موضوع علم، وتتطلب بصيرة ثاقبة, ولا نوفق إلى إشعار الغير بها إلا بعد عناء شديد. ويستخدم روح الدقة والاستدلال، ولكنه استدلال إضماري طبيعي لا صناعي؛ وأكثر ما يكون في الأمور الإنسانية والتجارب الطبيعية. "ويندر أن يكون الهندسيون دقيقين، وأن يكون الدقيقون هندسيين". ٤٢ - الدعوة إلى الدين: أ- أخذ بسكال على نفسه، وهذا رأيه في المعرفة، أن يقنع الزنادقة المستهترين بضرورة اعتناق الدين. وهذا موضوع كتاب "الخواطر" وهو كتاب

стр. 89

ملفق من القصاصات التي دونها بسكال تمهيدًا لكتاب منظم، ثم لم يمهله الأجل للعودة إليها وتهذيبها وتأليفها؛ كتاب غريب ممتع بالرغم من شكله المهلهل؛ قد نقول بسبب هذا الشكل؛ وكل قطعة من قطعه آية من آيات النثر الفرنسي. ب- لا يبدأ بسكال، ورأيه في المعرفة على ما قدمنا، بالتدليل على وجود الله، بل يدع جانبًا "البراهين الميتافيزيقية على وجود الله" لأنها ليست من نوع البراهين الهندسية، وأنها "من البعد على استدلال الناس ومن التعقيد بحيث لا تؤثر إلا قليلًا، وإذا أقنعت بعضهم فليس يدوم اقتناعهم إلا اللحظة التي يرون فيها البرهان، وبعد ساعة يداخلهم الخوف أن يكونوا أخطئوا" "خاطرة ٥٤٣ ". هذه العبارة تذكرنا ببعض أقوال ديكارت, ولكنه يفصل القول فيسأل: حين يقول الفلاسفة للملحدين: إنه ما عليهم إلا أن يعتبروا عجائب الطبيعة حتى يروا الله رؤية، هل يعتقدون أنهم يقنعونهم بمثل هذه الحجة الواهية؟ وحين يقولون مثلًا: إن للحقائق الرياضية أساسًا هو الحقيقة الأولى، هل يؤثرون في الناس؟ ليس إله المسيحيين مجرد صانع الحقائق الهندسية ونظام العناصر, ذلك نصيب الوثنيين والأبيقوريين. وليس هو مجرد إله معنيّ بحياة البشر وخيراتهم, ذلك نصيب اليهود. إله المسيحيين إله محبة وعزاء " ٥٥٦ ". فالغرض الذي يرمي إليه بسكال الاستغناء عن الميتافيزيقا للرجوع إلى النفس والنظر في حالة الإنسان. "اعرف نفسك": ذلك هو المبدأ هنا كما عند سقراط. ويتألف منهجه من ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى يبين أن المسيحية وحدها تفسر الإنسان وترضي جميع حاجات نفسه، وإذن فليست هي معارضة للعقل ولكنها مطابقة له؛ وفي المرحلة الثانية يحببها إلى النفس حتى تميل إليها بالفعل وتعتنقها، بحيث يحمل الإنسان على طلب الله بدل أن يفرض الله على الإنسان؛ وفي المرحلة الثالثة يبين حقيقتها، لا بالتدليل على العقائد، بل بما حفظه التاريخ من شواهد محسوسة هي النبوءات والمعجزات، وقد أضحت النفس مستعدة لقبولها. ج- ما الإنسان إذن؟ الإنسان سر أو لغز, إنه مزيج غريب من حقارة وعظمة. فمن الناحية الواحدة ما هو إلا قصبة وأضعف موجود في الطبيعة. حالما يحاول الإحاطة بالطبيعة يضل في لامتناهيين: اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر, وهو نفسه لامتناهٍ في الصغر بجانب الفضاء اللامتناهي وسكوته المروع؛

стр. 90

ويخرج من هذه المحاولة بأن لا نسبة بينه وبين الطبيعة، وأن العلم ممتنع لامتناع الوقوف على جميع العلل والمعلولات كما يريد العقل الذي يطلب معرفة الأجزاء وانتظامها في الكل، معرفة البداية والنهاية، فلا يفوز إلا بشيء من الوسط. فإذا تحول عن الطبيعة ليتجه إلى نفسه، وجدها ألعوبة بين أيدي قوى خداعة: فالمخيلة تشوه الأشياء، تكبر الصغير وتصغر الكبير، وتملي عليه رغباتها، وتغره بسعادة زائفة زائلة تقود عقله خفية, بينما يتوهم العقل أنه هو الذي يقودها؛ والمنفعة تعميه؛ والعادة تكون شخصيته كما تشاء الظروف الخارجية, فماذا يبقى للإنسان إلا أن ينساق مع الاضطراب العام، فيتعامى عن نفسه وعن بطلان الحياة الدنيا؟ هذا موقف حقير، ولكنه أحكم موقف إذا كانت تلك حال الإنسان. بيد أن الإنسان، من الناحية الأخرى، إذا كان قصبة، فإنه قصبة مفكرة؛ وإذا كان العالم يحتويه ويبتلعه كالنقطة، فإنه بفكره يحتوي العالم " ٣٤٨ ". أجل؛ ليس بالعالم من حاجة للتسلح كي يحطمه, يكفي لقتله شيء من البخار أو نقطة ماء، ولكنه أشرف مما يقتله؛ لأنه يعلم أنه يموت ويعلم ما للعالم من ميزة عليه، والعالم لا يدري من هذا شيئًا " ٣٤٧ ". د- وليس يوجد التناقض في طبيعة الإنسان فحسب، ولكنه يوجد أيضًا في المواقف الفلسفية من اليقين. الاعتقاديون والشكاك في حرب متصلة، ولكل فريق موضع خطأ، فإننا عاجزون عن البرهنة عجزًا لا يقوى عليه المذهب الاعتقادي، ولدينا فكرة عن الحقيقة لا يقوى عليها مذهب الشك. ويوجد التناقض أيضًا في أفعال الإنسان ومحدثاته, نعتقد بوجوب سيادة العدالة في الدول وبقوانين طبيعية يجب أن تحتذيها القوانين المدنية " ٣٠٩، ٣٧٥ " ولكن العدالة التي وضعت بالفعل تختلف باختلاف الدول، تحرم في الواحدة ما تبيحه في الأخرى. "لسنا نرى عدلًا أو ظلمًا إلا ويختلف كيفًا باختلاف الإقليم: ثلاث درجات ارتفاع من القطب تقلب الفقه كله، ودرجة من درجات الطول تقرر الحق. إنها لعدالة مضحكة تلك التي يحدها نهر! الحق في هذه الجهة من البرانس، والباطل فيما وراءها". هـ- جميع النقائض ترجع إلى تناقض العظمة والحقارة. إن في الإنسان قوة طبيعية للخير والحق والسعادة؛ غير أن هذه القوة تنصرف إلى موضوعات

стр. 91

لا تلائمها. ولم يكن الإنسان ليحس نفسه شيئًا مهينًا لو لم يكن يعلم أنه موجود لغايات أسمى من التي تعرض له في هذه الحياة. وإذن فلن يصدق مذهب في تفسير الإنسان وتدبيره إلا أن يكون محتويًا على ضدين وعلى العلاقة بينهما. وكل مذهب يقتصر على وجهة واحدة، وكل مذهب يدرك تضادّ طبيعتنا ويدع الضدين متجاورين، ليس مذهب حق وحياة. لقد عرف أبكتاتوس أن الإنسان عظيم بالفكر، وعرف واجبات الإنسان إذ طلب إليه أن يعتبر الله خيره الأعظم، وأن يخضع للعناية الإلهية دون تذمر؛ ولكنه والرواقيين جميعًا أضافوا إليه القدرة على توجيه أفكاره بنفسه والحصول بذلك على جميع الفضائل، فجهلوا ضعف الإنسان وأعلنوا مبادئ كبرياء شيطاني، وجاء مذهبهم عقيمًا؛ لأنهم يخاطبون إنسانًا موهومًا يفترضون له السيطرة التامة على نفسه. وراح مونتني يفحص عما يستطيعه العقل دون نور الإيمان، فحكم على العقل بالشك، وجهل عظمة الإنسان، وبدا كأنه يحله من كل واجب ١. الأول عرف عظمة الإنسان وجهل عجزه، والثاني عرف ضعف الإنسان وجهل شعوره بالواجب. ووليس يعطينا الجمع بينهما مذهبًا كاملًا، مما قد يلوح. إن حكماء هذا العالم يضعون الأضداد في موضوع واحد بعينه هو الطبيعة الإنسانية، فيراها البعض عظيمة، ويراها البعض الآخر حقيرة، بينما يعلمنا الدين أن الحقارة راجعة إلى الطبيعة، وأن الفضيلة راجعة إلى النعمة الإلهية. لقد فات أبكتاتوس ومونتني جميعًا أن حال الإنسان الراهن يختلف عن حاله وقت الخلق، ولم يعتبرا عواقب سقطة آدم وضرورة المخلص لإصلاح الحال. وهكذا يحطم أحدهما الآخر ليهيئا محلا للإنجيل الذي يوفق بين الأضداد بفن إلهي لم يكن ليصدر إلا عن الله، فيعلن إلينا أن عظمة الإنسان آتية من أصله الإلهي، من أنه صنع الله، وأن شقاءه آتٍ من خطيئة آدم التي أفسدت الطبيعة. هاتان الحالتان المتعاقبتان، حالة الخلق وحالة الخطيئة، تفسران الوجهتين المتلازمتين اللتين كشف عنهما التحليل. ز- وليس يمكن أن يظل الكافر عديم المبالاة بمصيره؛ "إن خلود النفس

стр. 92

من الأهمية بحيث لا يظل عديم المبالاة بالإضافة إليه إلا من فقد كل شعور. إن أفعالنا وأفكارنا تتخذ سبلًا مختلفة حسبما كان هناك خيرات أبدية تُرجَى أو لم يكن. فالذين يمكن تسميتهم عقلاء طائفتان: طائفة يعبدون الله بكل قلبهم لأنهم يعرفونه، وطائفة يطلبونه من كل قلبهم لأنهم لا يعرفونه" "خاطرة ١٩٤ ". فإعراض الكافر عن التفكير في شقائه وحقارته لن يغير شيئا من حاله، فإن الإنسان مائت حتمًا. فإذا لفتنا نظره إلى الموت فإنما نلفت نظره إلى نفسه وإلى منفعته الكبرى. هذا ما ينبغي أن يفهمه قبل كل شيء، وهذا ما ينبغي أن نعاونه على فهمه لنوجهه من باطن نحو الدين. فيبدو له الدين حقًّا؛ لأن الدين يعرف شقاءه، ويبدو له مستحبًّا؛ لأنه يعده بالعلاج. فلنذكر الملحد بالموت وبالأبدية ماذا لديه من القول عنهما؟ هل يقول: إنه لا يبالي؟ أليس منتهى الحماقة، ونحن نعنى أكبر العناية بصغائر الأمور، ألا نثير المسألة الكبرى التي يتوقف عليها النعيم الأبدي أو الشقاء الأبدي؟ ج- هل يقول: إن العقل يثبت أن الدين غير مفهوم؟ فليكن, ولكن كيف نستنتج من هذا أن الدين ليس حقًّا؟ لنفرض الغموض متساويًا من جهة إثبات الدين ومن جهة نفيه، يبقى أن الاختيار بينهما واجب. ولنلاحظ أن عدم الاختيار هو في الحقيقة اختيار ضمني للنفي، من حيث إننا حينئذ نحيا كما لو لم يكن الله موجودًا ولم تكن النفس خالدة. وهو اختيار الجهة الأشد خطرًا، من حيث إنه استهداف للعذاب الأبدي. أما إذا راهنا على حقيقة الدين فإننا نلتزم بحدوده وتكاليفه، ونفقد الحق في العيش على ما نشتهي، ولكنا نربح حظ الحصول على النعيم الأبدي، فنضحي بالخيرات المتناهية في سبيل الخير اللامتناهي. وحتى لو افترضنا أن الحظ ضئيل جدا في جانب وجود الله، فإن الحظ في جانب صدق القول المعارض لا يمكن أن يكون إلا متناهيا. فالنتيجة واضحة: "حيثما يكن اللامتناهي ولا يكون هناك حظوظ لامتناهية للخسارة في مقابل حظ الربح، فليس من سبيل للتردد: يجب بذل كل شيء" " ٢٣٣ ". وحتى لو قدرنا خيبة الأمل في الحياة الآجلة، فليس لنا أن نأسف على شيء -وهذا ما يعطي حجة الرهان قوتها الظافرة- فإن المسيحي أحسن حالًا من الكافر وأسعد في هذه الحياة العاجلة. إنه أمين صالح متواضع عارف للجميل محسن صديق وفي. فإذا رجعنا

стр. 93

إلى منفعتنا الحقة فحسب، وجب علينا أن نتمنى أن يكون الدين حقًّا " ٢٣٣ ". فإذا كسبنا كسبنا كل شيء, وإذا خسرنا لم نخسر شيئًا. ط- ذلك هو المذهب, فيه شيء من منهج القديس أوغسطين, وبينه وبين منهج ديكارت شبه قوي؛ عند ديكارت نجد مونتني من جهة والعلم من جهة أخرى، فيمضي المنهج من الشك إلى اليقين؛ وعند بسكال نجد مونتني من جهة والدين من جهة أخرى، فيمضي المنهج من القلق إلى الإيمان. ويقول اللاهوتيون: إن دلائل الوحي هي الدلائل الوحيدة على العقائد الدينية الفائقة للطبيعة، وإن النعمة الإلهية هي الوسيلة الوحيدة للإيمان؛ فمد بسكال هذا القول إلى الحقائق العقلية الطبيعية، مثل وجود الله وخلود النفس، وأراد أن يكون التدليل في العلم الطبيعي, وفي مصير الإنسان على السواء, بالتجربة "الظاهرة والباطنة" لا بالاستدلال العقلي. فشق طريقًا سيلجه كثيرون من بعده, أشهرهم كانت الذي يقدم العقل العملي على العقل النظري، وأصحاب البراجماتزم على اختلافهم الذين يمتحنون القضايا الميتافيزيقية بفائدتها العملية. والسبب واحد عندهم جميعًا هو الشك في العقل، وإرادة تجاوز الحس مع ذلك. وقد أعطانا بسكال نظرة المسيحية إلى الوجود في هذه العبارة الجامعة التي تلخص مذهبه أحسن تلخيص, حيث قال: "جميع الأجسام، السماء والنجوم، الأرض وكمالها، لا تساوي أدنى الأرواح، إذ إنه يعلم كل هذا ويعلم ذاته، وليست تعلم الأجسام شيئًا. الأجسام جميعًا والأرواح جميعًا وجميع محدثاتها لا تساوي أدنى حركة من حركات المحبة، فإن هذا يرجع إلى مرتبة أعلى بما لا نهاية" " ٧٩٣ ". تلك هي "المراتب الثلاث" التي أذاعتها عبارته هذه: الجسم والروح ومحبة الله. ولأجل إقناع الناس بهذه النظرة كتب "الخواطر", وبسبب اقتناعه بها زهد في الدنيا وتحمل الآلام المبرحة.

стр. 94

الفصل الخامس: نقولا مالبرانش " ١٦٣٨ - ١٧١٥ " ٤٣ - حياته ومصنفاته: أ- قسيس من جمعية الأوراتوار لم يجد في فلسفة أرسطو شيئًا من المسيحية مما كان يقول كثيرون، ولم يتذوق اللاهوت المدرسي القائم على الأرسطوطالية، واتخذ من القديس أوغسطين أستاذه الأكبر، ثم وقع له كتاب "الإنسان" لديكارت وهو في السادسة والعشرين، فأُعجب إعجابًا شديدًا بمنهج الفيلسوف، وبمذهبه القائم على وجود الله وروحانية النفس وخلودها، وأفعم قلبه سرورًا لاهتدائه إلى فلسفة متفقة مع الدين مثل هذا الاتفاق، فشرع يعمل على إنشاء فلسفة مسيحية لا تدين للفلاسفة الوثنيين بشيء, وظل في ديره بباريس إلى وفاته يؤلف ويجادل. ب- كان أول كتبه "البحث عن الحقيقة" " ١٦٧٤ , ١٦٧٥ " وقد ظل أشهرها, وأعقبه "بالأحاديث المسيحية" وهو ملخص مذهبه. ثم نشر على التوالي: "تأملات قصيرة في التواضع والتوبة" " ١٦٧٧ " و"كتاب الطبيعة والنعمة" " ١٦٨٠ " أنكرته السلطة الكنسية؛ "وكتاب الأخلاق" " ١٦٨٣ " و"التأملات المسيحية" " ١٦٨٣ " و"أحاديث فيما بعد الطبيعة والدين" " ١٦٨٨ " وقد يعد خير كتبه؛ و"كتاب محبة الله" " ١٦٧٩ " و"حديث بين فيلسوف مسيحي وفيلسوف صيني في وجود الله" " ١٧٠٧ " دوّنه "على أثر اتصاله بأسقف من المرسلين إلى الصين" وجميع هذه الكتب شروح مختلفة لبضع أفكار رئيسية في أسلوب واضح رشيق, كثير الإطناب. ٤٤ - الله: أ- فلسفته كلها تتلخص في هذه القضية: "ما من شيء إذا تأملناه كما ينبغي إلا ردّنا إلى الله". فإذا تأملنا المعرفة لم نقل مع أرسطو والمدرسيين: إن الأشياء

стр. 95

تطبع صورها في النفس، فإن الأدنى لا يؤثر في الأعلى "وهذا مبدأ متواتر عند الأفلاطونيين، بما فيهم أفلوطين وأوغسطين". "إن الموضوع المباشر لذهننا حين يرى الشمس مثلًا, ليس الشمس، بل شيئًا متحدًا بنفسنا اتحادًا وثيقًا، وهذا ما أسميه فكرة ١ idee". وليس يمكن أن تتحد بالنفس أشياء بعيدة عنا مباينة لفكرنا. إن إدراكات الحواس انفعالات، ولا تنطوي على معرفة الأشياء الخارجية، بل تقتصر على تنبيهنا إلى ما بيننا وبين الأشياء من علاقات لأجل صيانة حياتنا. فمالبرانش يصطنع موقف ديكارت بكل دقة, ويسهب في بيانه، وبخاصة في كتاب البحث عن الحقيقة، فيتحدث عن أخطاء الحواس، وتعارضها فيما بينها، وتعارضها مع المعرفة العقلية؛ ويتحدث عن المخيلة فيقول: إنها ليست أكثر تعريفًا لنا بالأشياء، وإنها تربط بين الصور برباطات غير عقلية، فتسبب أخطاء كثيرة، وتقر في الذهن معتقدات باطلة يفيض في شرحها. وعلى هذا يكون وجود العالم وعدمه سواء ما دامت الأشياء غير مدركة في أنفسها، وما دامت الانفعالات التي تحملنا على الاعتقاد بها تغيرات ذاتية ليس غير، قد نحسها في غيبة الأشياء أو عدمها. ولا يمكن أن يقال: إن الأفكار غريزية في النفس، فإنها غير متناهية العدد والنفس متناهية. فلا يبقى إلا أن الله هو الذي يحدثها في النفس من حيث إن الأعلى هو الذي يؤثر في الأدنى؛ وإننا إنما نعتقد بوجود العالم لأن الوحي ينبئنا بأن الله خلق سماء وأرضا وغير ذلك؛ وفيما خلا الوحي فلا سبيل إلى الجزم بوجود العالم. ب- وبعبارة أدق نحن نرى أفكارنا في الله، أفكار الماديات والحقائق الكلية الضرورية, فإن الله "محل الأفكار جميعًا" و"هو وحده معلوم بذاته, وما من شيء نراه رؤية مباشرة إلا هو". ذلك بأن الله ليس مرئيا بفكرة تمثله كما ذهب إليه ديكارت. إن هذا شأن سائر الأشياء، أما الله الموجود اللامتناهي فليس يرى في شيء متناهٍ بل في ذاته دون واسطة؛ لأنه حاضر لجميع المخلوقات وحاضر لفكرنا، ونحن حاصلون دائمًا على فكرة اللامتناهي، ومتى كنا نفكر في الله وجب أن يكون الله موجودًا، فالدليل الوجودي كما يعرضه ديكارت دليل صحيح، ولكنّ له عيبًا هو أنه دليل. إنه يذهب من فكرة الله إلى وجود الله كأن

стр. 96

وجود الله بالإضافة إلى الفكر مرحلة منفصلة عن فكرة الله. إن الفكرة بمعناها الدقيق تمثل موجودًا غير واجب الوجود، فهي تتضمن التمييز بين الماهية والوجود، أما الموجود اللامتناهي فليس هناك فكرة تمثله وتسمح بالتساؤل عما إذا كان موجودًا أو غير موجود. إن تصوره عبارة عن رؤيته, وعلى ذلك فلا حاجة إلى ضمان صدق الأفكار الجلية من حيث إننا نراها في الله ذاته، فمبدأ اليقين اتحاد العقل بالله، أو حضور الله للعقل. وبهذا الصدد يستشهد مالبرانش بأوغسطين، ويقول صراحة: إنه تعلم منه أن النفس متحدة مباشرة بالله الحاصل على القدرة التي تمنحنا الوجود، وعلى النور الذي ينير عقلنا، وعلى القانون الذي يدبر إرادتنا, ولكن مالبرانش يتجنى على أوغسطين. ولما أنكرت عليه هذه النظرية، فسر رؤية الله بأننا لا نرى الذات الإلهية في نفسها، بل فقط في نسبتها إلى المخلوقات, ومن جهة ما هي قابلة لمشاركة المخلوقات فيها ١. وهذا تفسير لا طائل تحته، ونحن لا نتمثل الله كما نتمثل شيئًا ماديًّا ندركه إدراكًا مباشرًا, بل نحكم بوجود علة أولى؛ ولا نتمثل اللانهاية، بل نحكم بأن العلة الأولى لامتناهية، ومثل هذا الحكم ميسور لنا. ج- الله موجود إذن. فما الله؟ يجب أن نضيف إلى الله جميع الصفات أو الكمالات القابلة لأن تطلق إلى اللانهاية، أي: التي لا تتضمن حدودًا جوهرية. هذه الكمالات إذا اعتبرناها في أنفسها، وجدناها معقولة أي: متصورة بما يكفي من الجلاء للحكم بأنها تخص الذات الإلهية؛ وإذا اعتبرناها مطلقة إلى اللانهاية، وجدناها تفوق التعقل. والحقيقة كمال من هذه الكمالات، فإن الله الحق بالذات، وما الحقائق السرمدية والقوانين الضرورية إلا ذات الله كما قال أوغسطين, وإذا لم يكن الحق حقا ولم يكن القانون ضروريا بالقضاء الإلهي، كما يقول ديكارت، فمن يضمن لنا دوام الحقائق والقوانين؟ والفاعلية كمال آخر من الكمالات الإلهية، فإن الله وحده هو الفعال, ينمي النبات بمناسبة حرارة الشمس، ويفعل كل شيء بمناسبة شيء آخر، وليست المخلوقات عللًا، ولكنها

стр. 97

هي وأفعالها "فرص" أو "مناسبات" لوجود موجودات وأفعال أخرى بفعل الخالق. وإذا سلمنا مع أرسطو والمدرسيين أن في الأجسام والنفوس صورًا وقوى وكيفيات قادرة على إحداث معلولات بقوة طبيعتها، فقد سلمنا بألوهية ثانوية إلى جانب الله الكلي القدرة، واعتنقنا رأي الوثنيين ونحن لا ندري. إن هذه الصور والقوى والكيفيات من مخترعات المخيلة المتمردة على العقل، والعقل يقضي بأن العلة الحقة هي التي يدرك بينها وبين معلولها علاقة ضرورية، وهو لا يدرك مثل هذه العلاقة إلا بين العلة الأولى ومعلولاتها. أما التجربة فلا تظهرنا على علية الجسم الذي يقال: إنه يحرك جسمًا آخر، بل فقط على أن الجسم الآخر يتحرك؛ ولا تظهرنا على علية النفس عند حركة الجسم بالرغم من شعورنا بالجهد الباطن، إذ ما العلاقة بين إرادتي وحركة ذراعي، بين ذلك الفعل الروحي وحركة الأرواح الحيوانية التي تمر في أعصاب معينة من بين مليون من الأعصاب لا علم لي بها لأجل أن تحدث الحركة التي أرجوها بما لا عداد له من الحركات التي لا أرجوها، والعلة الحقَّة يجب أن تعلم ما تفعل وكيف تفعل. فالتعاقب المطرد بين إرادتي تحريك ذراعي وحركة ذراعي، وعلى العموم بين جميع الظواهر، قائم على أساس لا يتزعزع هو القضاء الإلهي. فقد ربط الله بين مخلوقاته وأخضعها بعضها لبعض بموجب قوانين كلية ثابتة دون أن يمنحها فاعلية ما. فوهمنا ناشئ من أننا نحكم بالعلية حيث لا يوجد سوى اقتران مطرد، وأننا لا ندرك بالحس أي شيء آخر يمكن أن يكون العلة ١. ٤٥ - العالم والإنسان: أ- القوانين الكلية الثابتة تمثل أبسط الوسائل التي رآها الله ممكنة لتدبير العالم، إذ ليست حرية الله مطلقة مستقلة عن كل سبب كما يزعم ديكارت: إن حكمته تجعله يختار أكمل الممكنات. إن الله يعلم جميع الأنحاء التي يمكن أن يصنع عليها ما يصنع، فيختار النحو الذي يقتضي أقل عدد من الإرادات الجزئية

стр. 98

فمثلًا يستطيع الله أن يضيف جمالًا إلى جمال ما يصنع، ولكنه لا يضيف لأن الإضافة تضطره إلى مخالفة بساطة الوسائل، ويستطيع بإرادة جزئية أن يمنع سقوط المطر في البحر سدى، وأن يرفع من العالم كل نقص ونقيصة، ولكن الأليق به أن يكفي نفسه مئونة الإرادات الجزئية. فلا ينبغي الفصل بين الصفات الإلهية حين ننظر في أسباب الخلق ومقتضياته، وبذا نرى أن العالم، إن لم يكن الأكمل في نفسه، فإنه الأكمل بالوسائل البسيطة الكاملة التي يستخدمها الله فيه. بيد أن فعل الله لامتناهٍ والعالم متناهٍ, فكيف يكون العالم صنع الله؟ إن دخول المسيح في نظام الخليقة هو الذي يجعل من العالم صنعًا لائقًا بالله. فلم يخلق الله العالم إلا لتجسد الكلمة؛ وحتى لو لم يرتكب آدم خطيئته لكان ميلاد المسيح ضروريًّا بالإطلاق، وبذا تتصل الميتافيزيقا بالدين ١. ب- والعوامل امتداد فحسب. نرى في الله الامتداد المعقول، فيصير محسوسًا وجزئيًّا باللون، فما الألوان إلا إدراكات حسية تحصل في النفس حين يؤثر فيها الامتداد، أو "ما يسمى رؤية الأجسام, إن هو إلا حضور فكرة الامتداد في النفس تمسها وتغيرها بألوان مختلفة". وفكرة الامتداد الكلي أو اللامتناهي فكرة ضرورية ثابتة لا يمكن محوها من الذهن، كما لا يمكن أن نمحو منه فكرة الوجود. لذا كان العلم الطبيعي علما هندسيا قائما على فكرة الامتداد وأشكاله وقوانين الحركة. فجميع الأجسام آلات، الجماد والنبات والحيوان وجسم الإنسان؛ لا نفس لها ولا شعور، فالكلب الذي يعوي عند ضربه لا يشعر بالألم، ولكن مثله مثل الآلات التي يصنعها الإنسان ويرتب فيها حركات وأصواتًا على حركات أخرى. غير أن الآلية، إذا كانت نظام نمو الأحياء وفعلها، كما بين ديكارت، فليست نظام تكونها، ولكن الأحياء صادرة عن أصول بذرية، كما قال أوغسطين، إذ أن تكون الأحياء يدل على غائية، وتدل الغائية على حكمة الله ٢. ج- أما النفس الإنسانية، فنحن نعلم وجودها بعلم أوضح من علمنا

стр. 99

بوجود جسمنا والأجسام المحيطة بنا؛ ولكننا لا ندركها في ذاتها، ولا نكون عنها فكرة أو معنى. "إن ما لديّ من شعور باطن ينبئني بأني موجود، وأني أفكر وأريد وأحس وآلم, ولكنه لا ينبئني بما أنا وبطبيعة فكري وإرادتي وعواطفي، ولا بما بين هذه الأشياء من علاقات". وهذا يعني أن الله حرمنا رؤية نفسنا فيه، وأن علم الأجسام أبين من علم النفس، خلافًا لما يقول ديكارت، أو أن علم النفس علم ناقص لأنه يستعصي على المنهج الرياضي، ولا يتناول إلا بالمنهج التجريبي ١. وفي هذا كان مالبرانش أكثر توفيقًا من ديكارت، فإن الحق أننا لا ندرك ذات النفس، وأننا لا نعلم ماهيتها إلا بالاستدلال. ولكن مالبرانش يتعثر في مسألة اتصال النفس والجسم؛ فإنه يقرر أنهما متباينان وأن أفعالهما متباينة كذلك، فلا يؤثر الجسم في النفس، ولا تؤثر النفس في الجسم، وأن "كل اتحادهما يقوم في تقابل طبيعي بين أفكار النفس وحركات الجسم" ٢. مثلما نفكر في نفس الأشياء كلما قبل الدماغ نفس التأثيرات؛ ثم هو لا يخبرنا كيف يحدث هذا التقابل الطبيعي, هل يحدث تبعًا للوسائل البسيطة أو القوانين الكلية؟ إذن نقع في الآلية والجبرية؛ أو هل يحدث تبعًا لإرادات جزئية من لدن الله؟ إذن نخرج على بساطة الوسائل, ونخالف مقتضى الحكمة الإلهية. د- ويتعثر مالبرانش كذلك في مسألة الإرادة. فهو يعرفها بأنها محبة الخير على العموم، ويلاحظ أننا لا نحب شيئًا إلا أن يكون خيرًا حقًّا أو يبدو كذلك؛ ويقول: إن هذه المحبة يطبعها الله فينا، وإنها مبدأ محبة الأشياء بالخصوص، فالإرادة هي الأثر المتصل الصادر عن صانع الطبيعة والموجه للنفس نحو الخير على العموم. وإذا ما جاء إلى النظر في حرية الإرادة، أثبت الحرية بشهادة الوجدان، وبما قال من أن موضوع الإرادة الخير على العموم، إذ متى كان الحال هكذا كان في استطاعة الإنسان أن يمتنع من محبة أي خير جزئي لقصور الخيرات الجزئية عن استنفاد كفايته للمحبة, وإرضاء إرادته كل الرضا. ثم يضطر إلى القول بأن الاختيار فعل صوري فحسب أو فعل باطن عاطل من الفاعلية،

стр. 100

من حيث إن الفاعلية لله وحده، والله هو الذي يحقق إرادات الإنسان، بل "إن الله هو الذي يصور لنا فكرة الخير الجزئي, ويدفعنا نحوه" فلا يبقى للنفس فعل، ومهما نقل: إن الاختيار فعل صوري، فالمذهب ينفي كل فعل عن المخلوق. وإذا سألنا: كيف نعزو الخطيئة إلى الله؟ أجاب مالبرانش بأن "الخاطئ لا يصنع شيئًا من حيث إن الشر عدم، وإنما هو يقف ويطمئن عند الخير الجزئي، ولا يتبع الله" أَوَلَيس وقف دفع الله وتوجيهه يستلزم بذل فعل؟ هـ- على أن مالبرانش يعتبر الاختيار فعلًا كافيًا نفسه بنفسه ومحققًا للخليقة والتبعة، ويضع مذهبًا في الأخلاق، وترجع مبادئ هذا المذهب إلى ما يأتي: إن قانون الإرادة العقل, وبالعقل نتصل بالله، وفي الله نوعان من النسب بين الأشياء: نسب مقدار ونسب كمال. الأولى تتعلق بالعلم النظري، والثانية تتعلق بالنظام؛ "فكما أننا نلاحظ فورا نسبة عدم التساوي بين مقدارين، نلاحظ أيضًا أن الحيوان أعظم قيمة من الحجر، وأقل قيمة من الإنسان" لتفاوت نسبة الكمال. و"نسب الكمال هي النظام الدائم الذي يرجع الله إليه حين يفعل، وهذا النظام يجب أن يكون قانون العقول في تقديرها للأشياء ومحبتها لها" ومن ثمة يكون قانون الإرادات دستور الأخلاق، فتتجه المحبة إلى الله أولا وفوق كل شيء لأنه الكمال المطلق، ثم إلى المخلوقات, كل بحسب نسبته لله أي: درجته من الكمال. فالفضيلة الوحيدة محبة النظام محبة متصلة، وكل ما نصنعه لغاية أخرى فليس فضيلة ولو كان مطابقا للنظام, مثل الإحسان الصادر عن طلب المجد الدنيوي أو عن مجرد الشفقة. فالعقل صوت الله فينا، من لا يصغي إليه يقع في الخطأ والخطيئة، ويحكم على الأشياء بعقله الخاص لا بالعقل الكلي الموجود فينا كجزء لاشخصي إلهي يستطيع استكشاف النظام بالرغم من اختلاف تكوين العقول بالتربية والعادة وظروف المكان والزمان. هذا الاختلاف هو السبب في اختلاف الاخلاق؛ أما إذا عاد الناس إلى العقل الخالص، فإنهم يهتدون إلى نفس القواعد الأخلاقية، وفي كل هذا يتابع مالبرانش القديس أوغسطين ويخالف ديكارت. ولكن المذهب في جملته عبارة عن استخلاص النتائج المنطوية في مذهب ديكارت. فصل ديكارت بين الفكر والوجود؛ فاستحال عليه تفسير

стр. 101

المعرفة وتفسير وجود الأشياء بغير الالتجاء إلى الله؛ وفصل بين النفس والجسم، فاستحال عليه تفسير التفاعل بينهما؛ وجرد الماديات من كل قوة ورّدها امتدادًا فحسب, تجري الحركة فيه من جزء إلى جزء، فمحا العلية من الطبيعة. فلما شرع مالبرانش يفكر على هذا الأساس، أرجع المعرفة إلى رؤية في الله فجعل من الله المعقول الأوحد؛ وأثار مسألة العلية صراحة فقصر العلية على الله وجعل من الله الفاعل الأوحد؛ وكاد أن يجعل من الله الموجود الأوحد بعد أن قال: إن الامتداد المحسوس جزء من الامتداد المعقول الذي هو فكرة في الله أو امتداد إلهي. وقد جرى قلمه بكثير من العبارات التي تشعر بوحدة الوجود، منها قوله: "الامتداد عين، وجميع الأعيان موجودة في اللامتناهي، فالله إذن ممتد كالأجسام من حيث إن الله حاصل على جميع الأعيان المطلقة أي جميع الكمالات؛ ولكن ليس الله ممتدًّا على نحو امتداد الأجسام لأنه بريء عن حدود مخلوقاته ونقائصها ١. فبالرغم من حملته على "الشقي سبينوزا" نراه يصل إلى نفس النتيجة، وقد اعتقد مثله أن الامتداد لامتناه كما يبدو للمخيلة، فظنه أحد الكمالات المطلقة التي تجب إضافتها إلى الله فلم يتردد في هذه الإضافة، ولطفها باستدراك أملاه عليه إيمانه المسيحي القاضي بالتفرقة بين الخالق والمخلوق، دون أن يوجد في المذهب ما يسوغ هذا الاستدراك.

стр. 102

الفصل السادس: باروخ سبينوزا " ١٦٣٢ - ١٦٧٧ " ٤٦ - حياته ومصنفاته: أ- ولد بأمستردام من أسرة يهودية, وأراد والده على أن يصير حاخامًا، فتلقى اللغة العبرية والتوراة والتلمود والفلسفة اليهودية للعصر الوسيط وصناعة صقل زجاج النظارات لما كان مقررا من أن يتعلم الحاخام صناعة يدوية. ولكن داخله الشك في الدين، فعدل عن مشروعه، وتحول إلى العلوم الإنسانية، وأخذ يتردد على الأوساط البروتستانتية، فلقي فيها طبيبا تيوصوفيا من القائلين بوحدة الوجود لقنه الطبيعة والهندسة والفلسفة الديكارتية؛ ثم قرأ جيوردانو برونو وغيره من فلاسفة العصر بين محدثين ومدرسيين. فازداد ابتعادًا عن اليهودية؛ ورأى زعماؤها أن يستبقوه في حظيرتها وعرضوا عليه مرتبًا، فرفضه. واعتدى عليه رجل متعصب وجرحه بخنجر، فلم ينثن، فأعلن الزعماء فصله من الجماعة " ١٦٥٦ " وحصلوا من السلطة المدنية على أمر بإقصائه عن المدينة إذ كان البروتستانت أيضًا يعدونه رجلًا خطرًا. فأقام عند صديق في إحدى الضواحي، ومكث هناكخمس سنين يكسب رزقه بصقل زجاج النظارات، فكان أصدقاؤه يأتون من المدينة فيحملون الزجاج ويبيعونه فيها. وفي تلك الفترة شرع يكتب, ثم أخذ يتنقل في هولندا، وكان أينما يحل يلقى أصدقاء معجبين به معتنقين مذهبه. ومن المعجبين به القائد الفرنسي كوندي conde عرض عليه أن يقيم بفرنسا ويتناول معاشًا فرفض؛ وأمير ألماني عرض عليه في نفس السنة منصبًا بجامعة هيدلبرج، فرفض كذلك مخافة ألا تتوفر له الحرية في التعليم, وكان مصدورًا بالوراثة، فكان مرضه من جهة، وكانت الفلسفة من جهة أخرى، يحملانه على المعيشة البسيطة الهادئة الوادعة، فلقب بالقديس المدني. وكانت وفاته بمدينة لاهاي. ب- اتخذ اللاتينية لسانًا يحرر به, وكان أول ما كتب " ١٦٦٠ "

стр. 103

رسالة "في مبادئ فلسفة ديكارت مبرهنة على الطريقة الهندسية" كتمهيد ومدخل لفلسفته الخاصة، وهذا أمر جدير بالذكر. ثم عرض فلسفته في "الرسالة الموجزة في الله والإنسان وسعادته" " ١٦٦٠ " كتبها لأصدقائه المسيحيين ولم تنشر، وقد ضاع الأصل وبقيت ترجمتان هولنديتان نشرتا سنة ١٨٥٢. ثم وضع رسالة "في إصلاح العقل" هي بمثابة مقدمة في المنهج وفي قيمة المعرفة، أو هي من طراز "المنطق الجديد" لفرنسيس بيكون، و"قواعد تدبير العقل" و"المقال في المنهج" لديكارت، و"البحث عن الحقيقة" لمالبرانش، وكلها كتب تريد الاستغناء عن منطق أرسطو وإقامة المنهج العلمي؛ غير أن سبينوزا ترك الرسالة ناقصة، فنشرت كما هي بعد وفاته. وكان الجدل شديدًا حول مسائل الوحي والنبوءة والمعجزات وحرية الاعتقاد، فدون في ذلك "الرسالة اللاهوتية السياسية" نشرت سنة ١٦٧٠ غفلًا من اسم المؤلف، فعدت خلاصة الكفر. وكان أثناء تلك السنين يعمل في كتابه الأكبر "الأخلاق" ويوالي تنقيحه وتفصيله، ويطلع أخصاءه على ما ينجز منه، فيتدارسونه ويكتبون إليه فيما يصادفون من مشكلات. وكان قد حظر عليهم إطلاع أي إنسان على ما لديهم منه قبل الاستيثاق من خلقه، ورفض الإذن لأحدهم بإطلاع ليبنتز ثم أطلعه هو على الكتاب بعد أن توثقت الصلة بينهما. وهَمَّ غير مرة بنشره، فكان يحجم خشية الفتنة، فلم ينشر الكتاب إلا بعد وفاته. وفي أواخر حياته " ١٦٧٥ - ١٦٧٧ " دون "الرسالة السياسية" ولم يتمها، فنشرت كما هي بعد وفاته كذلك. ج- يتم عرض مذهبه بتلخيص ثلاثة من كتبه وهي: إصلاح العقل؛ والأخلاق، والرسالة اللاهوتية السياسية. وأصحها كتاب الأخلاق، فإنه جامع يلخص الكتب السابقة ويكملها. وقد نهج فيه المنهج الهندسي، وهو المنهج اللائق بمذهب وحدة الوجود الذي ينزل من الواحد إلى الكثير. والكتاب مقسم إلى خمس مقالات: الأولى في الله؛ والثانية في النفس، طبيعتها وأصلها؛ والثالثة في الانفعالات أصلها وطبيعتها؛ والرابعة في عبودية الإنسان أو في قوة الانفعالات؛ والخامسة في قوة العقل أو في حرية الإنسان. فالأخلاق موضوع المقالتين الأخيرتين، ولكن سبينوزا أطلق هذا الاسم على الكتاب كله لأن غاية النظر عنده العمل، ولأن

стр. 104

اتجاهه الأساسي أخلاقي كما هو الحال عند الرواقيين والطريقة القياسية فيه مفتعلة, يتناول الفيلسوف الظواهر المعلومة بالملاحظة الظاهرة أو الباطنة، وهي كثيرة، فيحولها إلى نتائج أقيسة تحويلًا صناعيًّا، ويضع لذلك تعريفات هي أحرى بأن تكون مطالب تقتضي البرهان من أن تكون مقدمات مسلمة للبرهان؛ ومن المبادئ والتعريفات ما يعارض بعضه بعضًا، مثال ذلك: لكي يبرهن على أن الجوهرين المتغايرين لا يحدث أحدهما الآخر، يستند إلى مبدأ يقول: إن شيئين ليس بينهما شيء مشترك لا يكونان علة ومعلولا "المقالة الأولى، المطلب السادس" ولكي يبرهن على أن العقل الإلهي لا صلة له إطلاقًا بالعقل الإنساني، يستند إلى مبدأ يقول أنْ ليس بين العلة والمعلول شيء مشترك "المقالة الأولى، نتيجة المطلب ١٧ "؛ بل أحيانا يجيء البرهان على نقيض المطلوب، مثال ذلك: المطلب الخامس من المقالة الأولى معناه: "لا يمكن أن يوجد جوهران متشابهان" وبرهانه يذهب إلى أنه "لا يمكن أن يوجد جوهران متغايران"؛ وأحيانًا يبرهن على المبادئ كأنها مطالب، فيقطع تسلسل المطالب الرئيسية؛ وقلما يجيء البرهان برهانًا بمعنى الكلمة، أي: موضحًا للمطلب؛ ومنهجه المألوف أن يحيل القضية الموجبة سالبة ثم يبرهن على هذه بالخلف، كأنه يقصد قبل كل شيء إلى منع الرد عليه. هذه ملاحظات شكلية؛ أما الملاحظات الموضوعية فسنذكر بعضها فيما يلي. ٤٧ - المنهج ١: أ- "قبل كل شيء يجب التفكير في وسيلة شفاء العقل وتطهيره لكي يجيد معرفة الأشياء". هذه الوسيلة هي التمييز بين ضروب المعرفة وتقدير قيمة كل منها لأجل الاهتداء إلى المعرفة الحقة. هناك معرفة سماعية تصل إلينا بالفعل، مثل معرفتي تاريخ ميلادي ووالدي وما أشبه ذلك، وهي معرفة غير علمية؛ فإذا صرفنا النظر عنها، انحصرت المعرفة في ثلاثة ضروب: الضرب الأول معرفة بالتجربة المجملة أو الاستقراء العامي، وهي إدراك الجزئيات بالحواس على ما يتفق بحيث تنشأ في الذهن أفكار عامة من تقارب الحالات المتشابهة مثل

стр. 105

معرفتي أني سأموت لكوني رأيت أناسًا مثلي ماتوا، وأن الزيت وقود للنار، وأن الماء يطفئها. هذه المعرفة متفرقة مهلهلة؛ وأصل اعتقادنا بهذه الأفكار وأمثالها، أننا لم نصادف ظواهر معارضة لها، دون أن يكون لدينا ما يثبت لنا عدم وجود مثل هذه الظواهر. الضرب الثاني معرفة عقلية استدلالية تستنتج شيئًا من شيء، كاستنتاج العلة من المعلول دون إدراك النحو الذي تحدث عليه العلة المعلول، أو هي معرفة تطبق قاعدة كلية على حالة جزئية، كتطبيق معرفتي أن الشيء يبدو عن بعد أصغر منه عن قرب، على رؤيتي للشمس، فأعلم أن الشمس أعظم مما تبدو لي. هذه المعرفة يقينية، ولكنها هي أيضًا متفرقة لا رابطة بين أجزائها. الضرب الثالث معرفة عقلية حدسية تدرك الشيء بماهيته أو بعلته القريبة, مثل معرفتي أن النفس متحدة بالجسم لمعرفتي ماهية النفس أو مثل معرفتي خصائص شكل هندسي لمعرفتي تعريفه، وأن الخطين الموازيين لثالث متوازيان. هذه المعرفة الأخيرة هي الكاملة لأن موضوعاتها معانٍ واضحة متميزة بكونها العقل بذاته، ويؤلف ابتداء منها سلسلة مرتبة من الحقائق، فيخلق الرياضيات والعلم الطبيعي حيث تبدو الحقيقة الجزئية نتيجة لقانون كلي، ويبين العقل عن فاعليته وخصبه، واستقلاله عن الحواس والمخيلة. ب- يجب إذن الاستمساك بالمعاني البسيطة في بداية كل علم، فإن البساطة هي العلاقة التي يعرف بها المعنى الصادق؛ لاستحالة أن يكون المعنى البسيط معلومًا من جهة مجهولًا من أخرى. فالمعنى الصادق يقيني بذاته، لا يتعلق صدقه بعلامة خارجية، إذ إن الذهن الحاصل عليه يعلم بالضرورة أنه صادق، ولا يستطيع أن يشك فيه، ولا يطلب له ضمانًا. فالشك الديكارتي لا يتحقق إلا بالاعتقاد بإمكان وجود إله خادع. والمعنى الصادق مطابق لموضوعه؛ وليس يقال: إن المعنى صادق لكونه مطابقا لموضوعه، فإن الحقيقة تقوم في "صفة ذاتية" للمعنى نفسه، لا في المطابقة مع موضوع خارجي. ومن ثمة فالمعنى الصادق حقيقي موضوعي، فإن المطابقة تامة بين العقل الحاصل على معان واضحة متميزة وبين الوجود؛ فالمعاني المنفصلة يقابلها أشياء منفصلة، والمعاني المتصلة يقابلها أشياء متصلة "فسبينوزا يتابع ديكارت في اعتباره الفكر محصورًا في نفسه، ولكنه يرى أن الفكر صادق، وأنه موضوعي، كلما

стр. 106

تحقق فيه المعنى تحققًا كليًّا فأثبت نفسه بنفسه" أما التخيل فيعلم أنه كذلك من عدم تعين موضوعه، إذ نستطيع أن نتخيله موجودًا أو غير موجود، أو أن نضيف إليه كذا أو كذا من الصفات المتضادة، وكذلك الحال في الخطأ, فإنه يضيف إلى الموضوع محمولًا لا يلزم من طبيعته بسبب أن العقل يتصور تلك الطبيعة تصورًا غامضًا. وكل الفرق بين الخطأ والتخيل أن الخطأ مصحوب بتصديق وإنما يجيء هذا التصديق من عدم توفر المعرفة الحقة، مثال ذلك: حين ننظر إلى الشمس فنتخيل أنها تبعد عن الأرض حوالي مائتي قدم، فهنا لا يكون الخطأ في هذا التخيل معتبرًا في ذاته، بل في جهلنا عند هذا التخيل المسافة الحقيقية بيننا وبين الشمس والسبب في هذا التخيل. وعلى ذلك ليس الخطأ تصور ما لا وجود له، ولكنه عدم تصور الموجود كله. والواقع أننا حين نعلم فيما بعد أن الشمس بعيدة عنا بمقدار قطر الأرض ستمائة مرة أو تزيد، لا نملك أنفسنا من أن نتخيل أنها قريبة منا. فليس في المعاني شيء ثبوتي من أجله يقال: إنها كاذبة، وإنما المعاني الكاذبة هي معان غير مطابقة أو ناقصة تؤخذ على أنها مطابقة أو كاملة. ويتضح من هذا أن الخطأ يقع في معرفة الضربين الأول والثاني، وأن معرفة الضرب الثالث بريئة منه. ج- إذا كانت المطابقة تامة بين معاني العقل والموجودات، وكان المقصود العلم بالطبيعة، تعين على العقل أن يضع أولًا المعنى الذي يمثل منبع الطبيعة وأصلها، ثم يستنبط منه معانيه جميعا, بحيث يكون هذا المعنى هو أيضا منبع المعاني وأصلها, فنحصل بذلك على العلم الحق الذي شرطه أن يتأدى من العلة إلى معلولاتها, لكن لا المعلومات الجزئية في تعاقبها، فإنه لا يستنبط من المعاني الدائمة إلا معاني دائمة، والتعاقب لامتناه من جهة عدد الأشياء والأحداث وظروفها، والغرض استنباط الماهيات والقوانين، وترتيبها بعضها من بعض، فإن بموجبها تقع جميع الجزئيات وتترتب فيما بينها، والعقل لا يدرك الأشياء في الزمان كما تدركها المخيلة، بل في "صورة الأبدية". فلأجل استكشاف المعنى الأول الذي تلزم منه جميع المعاني، أو المبدأ الأول الذي تصدر عنه جميع الأشياء، يجب أن نلاحظ أن من خصائص العقل أنه يكون المعاني المحصلة قبل المعاني المعدولة. ومعنى المتناهي معدول في حقيقته إذ

стр. 107

"إننا نقول عن شيء: إنه متناهٍ في جنسه متى أمكن حده بشيء آخر من طبيعته، فمثلًا نقول عن جسم: إنه متناهٍ؛ لأننا نستطيع دائمًا أن نتصور جسمًا أعظم منه. وعلى العموم كل تعيين فهو حد أو عدول وسلب". وعلى ذلك فالمعنى المحصل بمعنى الكلمة هو معنى اللامتناهي أو الجوهر المطلق أو الله, وبه يجب الابتداء. ٤٨ - الله أو الطبيعة ١: أ- تعريف الجوهر أنه "ما هو في ذاته ومتصور بذاته، أي: ما معناه غير مفتقر لمعنى شيء آخر يكون منه". وهكذا يريد سبينوزا لكي يخلص من التعريف إلى النتائج التي يقصدها, وأولاها أن الجوهر علة ذاته، أي: إن ماهيته تنطوي على وجودها، وإلا كان الجوهر موجودًا بغيره, فكان متصورًا بهذا الغير لا بذاته ولم يكن جوهرًا. "وهذا هو الدليل الوجودي, وإلى جانبه اصطنع سبينوزا حجة ديكارت القائلة: إنه كلما كانت طبيعة الشيء حاصلة على حقيقة أعظم، كان الشيء أقدر على الوجود، وللموجود اللامتناهي، أو الله، قدرة لامتناهية على الوجود، ومن ثمة فهو موجود بالضرورة". النتيجة الثانية أن الجوهر لامتناهٍ، إذ لو كان متناهيًا لكان متصلًا بجواهر أخرى تحده وكان تابعًا لها متصورًا بها لا بذاته. النتيجة الثالثة أن الجوهر واحد، إذ لو كان هناك جوهران أو أكثر لكان كل جوهر يحد الآخر, ولبطل أن يكون الجوهر جوهرًا أي: متصورًا بذاته. وعلى ذلك فالجوهر موجود بالضرورة أو واجب الوجود، سرمدي لا يكون ولا يفسد. فإذا وجد شيء عداه، لم يمكن أن يكون هذا الشيء إلا "صفة" للجوهر الأوحد أو "حالا" جزئيا يتجلى فيه الجوهر؛ وبعبارة أخرى: إن الجوهر هو "الطبيعة الطابعة" أي: الخالقة من حيث هو مصدر الصفات والأحوال, وهو "الطبيعة المطبوعة" أي: المخلوقة من حيث هو هذه الصفات والأحوال أنفسها. ولما كان هو الأوحد، كان مطلق الحرية بمعنى أنه هو الذي يعين ذاته؛ أما حريته فمرادفة للضرورة، والضرورة غير القسر، فإن الفعل الضروري فعل ذاتي منبعث من باطن. فالجوهر ضروري

стр. 108

والحقائق الأزلية ضرورية لم يفرضها بإرادته "كما يذهب إليه ديكارت". ولما كان اللامتناهي لم يكن شخصًا مثل إله الديانات، وإلا لكان معينًا، وقد سبق القول: إن كل تعيين فهو سلب, فليس له عقل ولا إرادة؛ إذ إنهما يفترضان الشخصية. وإذن فالجوهر لا يفعل لغاية، ولكنه يفعل كعلة ضرورية فجميع معلوماته ضرورية كذلك، وليس في الطبيعة شيء حادث أو ممكن إلا بالإضافة إلى نقص في معرفتنا، أي: إلى جهلنا ترتيب العلل، ولا يمكن أن يقال: إن الله كان يستطيع أن يريد غير ما أراد، إذ ليس يوجد في السرمدية متى وقبل وبعد حتى يقال: إن الله كان موجودًا قبل أن يريد, ومستطيعًا أن يريد غير ما أراد. ب- ونحن نعلم ماهية الجوهر بصفاته، والصفة هي "ما يدركه العقل من الجوهر على أنه مكون لماهيته" "كما قال ديكارت". والجوهر اللامتناهي حاصل على ما لا يتناهى من الصفات، كل صفة منها تدل على ماهية سرمدية لامتناهية في جنسها، غير أننا لا نعلم من الصفات سوى اثنتين، هما الفكر والامتداد، تجتمعان فيه مع تمايزهما وعدم إمكان رد إحداهما إلى الأخرى، فلا تبدو لنا ماهية الجوهر إلا في هاتين الصفتين أو الصورتين "اللتين ينقسم إليهما الوجود عند ديكارت". ج- وتبدو كل صفة في أحوال أو ظواهر. وتعريف الحال أنه "ما يتقوم بشيء آخر ويتصور بهذا الشيء". فالأجسام أحوال للامتداد نتصورها به ولا نتصوره بها كما تتوهم المخيلة، أي: ليس الامتداد معنًى كليًّا مكتسبًا بالتجريد من الأجسام, ولكن الأجسام أجزاء من الامتداد الحقيقي المعقول، أو هي حدود فيه، كما أن كل متناه فهو عدول اللامتناهي. فليس التمايز بين الأجسام تمايزا حقيقيا، إذ إنها جميعًا امتداد، ولكنه تمايز حالي عرضي ناشئ من أن الحركة تفصل في الامتداد أجزاء تكون منها أجسامًا. والحركة حال للامتداد، وهي ثابتة الكمية في الطبيعة، أي: إنها حال سرمدي كالصفة ذاتها؛ لأنها تدل على ما هو ثابت في الطبيعة تحت التغيرات المختلفة. أما الجسم الجزئي الذي يدوم فترة من الزمان، فليس فيه شيء يربطه بماهية الصفة السرمدية، وإنما علة وجوده أجسام أخرى متناهية مثله حركته وجعلته ما هو، وعلة هذه

стр. 109

الأجسام أجسام أخرى متناهية، وهكذا إلى غير نهاية، بحيث نصل إلى النظرية الآلية التي تنكر كل اختلاف بالماهية بين الأجسام، وترد الاختلافات إلى اختلاف الحركة والسكون. د- وكذلك القول في المعاني أو الأفكار, فإنها ترجع إلى صفة الفكر. وفي هذه الصفة حال يحوي النظام الشامل الثابت للطبيعة؛ هذا الحال هو العقل اللامتناهي أو "فكرة الله" التي هي معلول مباشر للقوة الفكرية الإلهية اللامتناهية، أي: القوة الروحية الباقية هي هي أبدًا في الطبيعة مع اختلاف الظواهر الروحية الجزئية، كما أن الحركة باقية هي هي أبدًا في الامتداد. وما يصدق على أحوال الامتداد يصدق على أحوال الفكر، فإن ترتيب المعاني في الفكر صورة من ترتيب الأعيان في الامتداد، وإذا كان من طبيعة الموجود المفكر أن يكون معاني مطابقة، فمن المحقق أن معانينا غير المطابقة آتية من كوننا جزءا من موجود مفكر, وأن عقلنا مكون من معاني ذلك الموجود بعضها كامل وبعضها ناقص. ٤٩ - الإنسان ١: أ- الإنسان مركب من حال امتدادي هو جسمه، ومن حال فكري هو نفسه. الجسم آلة مؤلفة من آلات، والنفس فكرة الجسم أي: فكرة موضوعها الجسم الموجود بالفعل، فهي تبدأ وتنتهي مع الجسم، وعلتها خارجة عنها تلتمس في أحوال أخرى من الفكر مقابلة لأحول الامتداد التي هي علة الجسم. والإحساس ظاهرة جسمية؛ أما الإدراك فظاهرة فكرية تقوم في تصوير النفس للإحساس وقت انفعال الجسم به, من حيث إن النفس هي دائمًا ما الجسم إياه. أجل إن انفعال الجسم معلول لفعل أجسام أخرى، ولكن هذا الفعل يتكيف بطبيعة جسمنا، فيلزم من ذلك إذن الإدراك يقابل طبيعة جسمنا أولًا وبالذات مع مقابلته لطبيعة الأجسام الخارجية. والقوانين الطبيعية للفكر هي قوانين التداعي أو الترابط، تشبه قوانين الحركة في الامتداد وفكرة النفس عن ذاتها، وفكرتها عن جسمها, وفكرتها عن الجسم الخارجي، فكرات غير مطابقة؛ لأن النفس وجسمها والجسم الخارجي أحوال متناهية

стр. 110

عللها في غيرها من الأحوال المتناهية. فمن شأن طبيعة الإنسان المتناهية أن تدعه غير معقول عند نفسه؛ وهو إنما يعقل ذاته بردها إلى النظام الكلي السرمدي، واعتبارها جزءًا من الجوهر الأوحد. ب- وليس هناك ما يسمى بقوى النفس، فلا تمييز بين نفس وقوى. ومن ثمة لا تمييز بين إرادة وعقل، ولكن الإرادة ترجع إلى العقل من حيث إن كل فكرة فهي تتضمن إيجابًا, أي: إن الإرادة ميل العقل إلى قبول ما يروقه من المعاني واستبعاد ما لا يروقه. فما يسمى بالفعل الإرادي هو فكرة تثبت نفسها أو تنفي نفسها، وما يسمى بالتوقف عن الحكم هو حالة عدم إدراك الفكرة على نحو مطابق، ولما كانت الأشياء جميعًا معينة بما في الطبيعة الإلهية من ضرورة الوجود والفعل، لم يكن في الطبيعة ممكنات، ولم يكن في النفس إرادة حرة، ولكن النفس معينة إلى فعل كذا أو كذا بعلة هي أيضًا معينة بعلة، وهكذا إلى غير نهاية. ليس الإنسان مملكة في مملكة، فالشعور بالحرية خطأ ناشئ مما في غير المطابقة من نقص وغموض، وإنما يعتقد الناس أنهم أحرار؛ لأنهم يجهلون العلل التي تدفعهم إلى أفعالهم، كما يظن الطفل الخائف أنه حر في أن يهرب، ويظن السكران أنه يصدر عن حرية تامة فإذا ما ثاب إلى رشده عرف خطأه. ولو كان الحجر يفكر لاعتقد أنه إنما يسقط إلى الأرض بإرادة حرة. وعلى ذلك فالغضب من الأشرار سذاجة، إذ ليس الأحمق ملزمًا أن يحيا وفق قوانين العقل، كما أن الحر ليس ملزمًا أن يحيا وفق قوانين طبيعة الأسد ١. ج- حياتنا العملية إذن تابعة لحياتنا العقلية، وتختلف باختلافها. ففي معرفة الضرب الأول، القاصرة على الحواس والمخيلة أي: على أفكار غير مطابقة، نتصور ذاتنا شخصًا قائمًا بنفسه، والأشياء المحيطة بنا خيرات أو شرورًا في أنفسها، فنحس من جزاء ذلك شتى الانفعالات المضنية المرهقة تتوالى علينا كما يتفق حسب توارد الأحداث. في هذه المرحلة نطلب الأشياء ونهرب منها لمحض الاشتهاء والكراهية، لا لحكمنا بأنها خير أو شر؛ بل إننا ندعو الشيء خيرا أو شرا بسبب طلبنا إياه أو كراهيتنا له. فلا حياة خلقية في هذا الضرب من المعرفة، وإنما كل ما هنالك عبودية للشهوات.
следующие страницы →