٢٠١ - جون ديوي " ١٨٥٩ - ":
أ- أستاذ بجامعة كولومبيا. بدأ بأن كان هجليًّا فرأى مثل هجل أن قلق الفكر الحديث ناشئ من التعارض بين المثل الأعلى والواقع، أو بين الروح والطبيعة, فأراد أن يحقق الوحدة الروحية خيرًا مما فعل هجل. وكان كثير التأليف، كتب في الميتافيزيقا وفلسفة العلوم والمنطق وعلم النفس وعلم الجمال والدين؛ وأهم كتبه: "دراسات في النظرية المنطقية" " ١٩٠٣ " و"كيف تفكر؟ " " ١٩١٠ " و"محاولات في المنطق التجريبي" " ١٩١٦ " و"العقل الخالق" " ١٩١٧ " و"الطبيعة الإنسانية والسلوك" " ١٩٢٢ " و"طلب اليقين" " ١٩٢٩ ".
ب- أصل التعارض بين المثالية والمادية, أو بين الروح والطبيعة أن المثالية تعتبر المعرفة تأمل معانٍ فترى في العلم الطبيعي تركيبًا عقليًّا وترد المادة إلى الروح دون أن تبين كيف ولِمَ تجزأ الروح المطلق إلى محسوس ومعقول, وإلى وجدان محدود ووجدان كلي، على حين أن المادية تعتبر المعرفة مجرد ظاهرة عارضة, فترد الروح إلى المادة دون أن تبين كيف تنبعث هذه الظاهرة ولِمَ يبدو في الوجدان عالم من القيم متمايز من عالم الموجودات. فكل من المذهبين يقسم العالم إلى أجزاء ثم يحاول التوحيد بينها فيحاول عبثًا. أما إذا اعتبرنا المعرفة آلة أو وظيفة تظهر في الكائن الحي عندما يصادف عقبة, وتقوم في جهده لتذليل العقبات، بدت الفكرة فرضًا في سبيل العمل، وكانت الفكرة الحقة هي التي ترشدنا حقًّا، فالقول بأن الطبيعة معقولة ليس مبدأ نظريا ولكنه اعتقاد يتيح للنشاط المعقول أن يغير الطبيعة. فمذهب ديوي ضرب من البراجماتزم، وقد دعي lnstrumentalism و Fonctionalism لاعتباره المعرفة آلة أو وظيفة في خدمة مطالب الحياة، وقد كان ديوي داعية قوي التأثير إلى الإيمان بفاعلية الفكر وبالروح الديمقراطية.
وهو في كل هذا ماضٍ مع العقلية الأمريكية المتجهة إلى العمل والحرية.
стр. 422
الفصل الثاني: الفلسفة في إنجلترا
٢٠٢ - فرنسيس هربرت برادلي " ١٨٤٦ - ١٩٢٤ ":
أ- الفلسفة الإنجليزية في نصف القرن هذا موزعة بين تصورية هجلية وتصورية طبيعية وتصورية منطقية رياضية وحسية وبراجماتزم؛ وهي تدل على مقدرة جدلية ملحوظة، ولا تحتوي على ابتكار. كان برادلي أبرع وأعمق ممثل للهجلية وإن يكن نبذ مذهب هجل بما هو كذلك في وقت مبكر, فقد تخرج في جامعة إكسفورد, وصار أستاذًا فيها ينزع نزعتها وهو متأثر بكتب جرين وهجل ولوتزي. وإنما أقبل على الفلسفة الألمانية بعد أن رأى استحالة اعتبار الوجدان سلسلة ظواهر مستقلة، كما يرى المذهب التجريبي الإنجليزي؛ لاستحالة إدراك مثل هذه السلسلة لنفسها، وهي الاستحالة التي وقف عندها لوك وهيوم ومل كما رأينا. ويحكم برادلي على المذاهب الإنجليزية حكمًا صارمًا، فيأخذ عليها الحسية والنفعية وضيق النظر والتعصب للرأي وبخاصة في المسألة الدينية، ويرمي إلى تطهير الأذهان من هذه النزعات. فكان أول كتاب مهم له "دراسات أخلاقية" " ١٨٧٧ " فيه نقد بارع لمذهب اللذة في الأخلاق، وأردفه بكتاب "مبادئ المنطق" " ١٨٨٣ " حلل فيه مسائل الاستدلال والحكم وعرض نظرية المعرفة؛ وبعد عشر سنين نشر كتابه الأكبر "الظاهر والحقيقة" أجمل فيه مذهبه في الوجود, وله مقالات في مجلة "مايند".
ب- في "الدراسات الأخلاقية" يعارض تصور المدرسة الحسية للوجدان، ويصف الوجدان بأنه "كل مغلق غني معًا" وأن فيه ميلا أخلاقيا وآخر نظريا: الميل الأخلاقي يدفع بالإنسان إلى تحقيق إنيته في صورة كل منسجم مغلق أي: مستقل بنفسه؛ والميل النظري يدفع بنا إلى اعتقاد الوجود كلا مترابط الأجزاء مغلقا, فإذا كنا لا نستطيع أن نصير كلا بذاتنا، وجب أن نجعل من ذاتنا جزءا من كل أوسع؛ وإذا بدت لنا متناقضات في كل صغير، وجب أن نتصور كلا أكبر. هناك إذن توافق بين طبيعتنا العملية وطبيعتنا النظرية؛ ولنا من طبيعتنا مقياس نعلم
стр. 423
به ما نسميه أعلى وما نسميه أسفل. ولم يكن الإنسان ليحس ألم التناقض بين نوازعه لو لم يكن هو نفسه كلا لم يعلم أنه كل، فإن التناقض يجيء من عدم الانسجام الباطن من جهة، ومن عدم التوفق مع الخارج من جهة أخرى.
ج- كتاب "الظاهر والحقيقة" دراسة نقدية للتصورات التي حول بها الفلاسفة تفسير الوجود. يذهب فيه برادلي إلى أن معاني المادة والمكان والزمان والطاقة وما إليها, التي هي أركان العلم الطبيعي, لا مقابل لها في الخارج، ولكنها نافعة في تعيين الظواهر المحدودة والتعبير عما بينها من علاقات، فإذا أريدت على أن تعبر عن ماهية الأشياء أدت إلى متناقضات وجرتنا إلى التسلسل إلى غير نهاية من حيث يمكن أن نسأل دائمًا عن علاقة الأجزاء بعلاقاتها دون أن نقف عند حد, ومن حيث إن الحكم لا يصدق إلا إذا تناول جميع الشروط التي يتعلق بها صدقه. فهذه المعاني "معاني عمل" Working Ideas لا دلالة نظرية لها وإنما كل دلالتها صناعية Technical. لذا يمتنع أن نجعل من العلم الطبيعي علم ما بعد الطبيعة كما يصنع الماديون, وإنما يتعين علينا التمييز بين العلمين، ومتى ميّزنا بينهما لم يعد بينهما خلاف، كذلك لا يمكن إقامة ميتافيزيقا على علم النفس وحده. أجل, إن معنى النفس أو الذات يدلنا على ارتباط بين الظواهر الباطنة أوثق من ارتباط الظواهر الطبيعية وعلاقاتها, إذ إنه ارتباط باطن لا ظاهر؛ لذا كانت التجربة الباطنية أعلى تجربة, غير أنها تظهرنا على الأنا كأنه جملة آنية من تغيرات وعلاقات، ولا تظهرنا على ماهيته في معنى واحد مغلق، فلا تفيد في التعبير عن الحقيقة المطلقة، كما أن المادية عاجزة عن مثل هذا التعبير، إن علم النفس علم جزئي، وكل علم جزئي فهو يستخدم اصطلاحات ملائمة لغايته ويجد أنصاف حقائق, ومعنى النفس معنى مجرد كمعنى الجسم سواء بسواء، ولا يمكن أن تكون الحقيقة جسمًا ولا نفسًا؛ لأننا لا ندرك سوى أحداث تعرض علينا الوجهتين.
د- على أن هذه المناقشة تفترض أن لدينا مقياسًا لما هو وجود وحقيقة. والواقع أن لنا في "معنى التجربة" هذا المقياس: في هذا المعنى شيئان مرتبطان ارتباطا وثيقا, هما الكثرة والعلاقة المنسجمة بين وحداتها. فالتجربة الكاملة تفترض محتوى واسعا جدا مرتبطا أوثق ارتباط بحيث يؤلف كلا حقا، وهذا مقياس الحقيقة. وهو أيضا مقياس القيمة في العمل؛ ذلك بأن كل ميل من ميولنا لا يجد رضاءه فهو
стр. 424
معنى غير تام. وكل ألم فهو تعبير عن عدم انسجام وهو حافز لرفع هذا العدم. فالنقص والقلق وعدم الانسجام, ذلك نصيب الموجود المحدود، في حين أن مثلنا الأعلى العملي يقضي بإرضاء كل ناحية من طبيعتنا بانسجام مع سائر النواحي. ولكننا عاجزون عن تصور ما يرضي المقياس تمام الرضا, وفينا تعارض مستمر بين الكثرة والانسجام. والسبب في عدم الانسجام الحد، ولا يرفع الحد إلا بمحتوى أوسع يمحو تبعيتنا للعلاقات الخارجية التي هي سبب الاضطراب الباطن. لذا كان الموجود اللامتناهي دون غيره منسجمًا تمام الانسجام وثابتًا لا يتغير لأنه كامل؛ ولذا كنا ننزع دائمًا إلى الصعود ونريد أن نفنى في المحبة كما يصب النهر في البحر, والفلسفة والدين تعبيران عن المطلق الذي نصبو إليه. الفلسفة ترينا أن العلم شيء ضئيل بالإضافة إلى غنى الوجود، ويحاول الدين تصور المطلق في ذاته بمعانٍ مستمدة من التجربة، ولكن الفلسفة علم يراجع ماهية المعاني وقيمتها, والدين لا يراجع، فمن هذه الوجهة الفلسفة أرفع؛ والفلسفة علم نظري، والدين مجهود يتجه إلى التعبير عن الحقيقة الكاملة للخير بواسطة جميع نواحي طبيعتنا، فمن هذه الوجهة الدين أرفع ومن الخاصة هذه نتبين أن برادلي تصوري لا يعترف لمعاني العقل بغير قيمة اصطلاحية، وأنه أحادي يقضي على وجود الفرد، فيتفق مع أصحاب البراجماتزم في النقطة الأولى، ويختلف عنهم في الثانية.
٢٠٣ - برنارد بوزنكيت " ١٨٤٨ - ١٩٢٣ ":
تخرج هو أيضا في أكسفورد وكان أستاذا فيها. أهم كتبه: "المنطق" " ١٨٨٨ " "قيمة الفرد ومصيره" " ١٩١٣ " "ما الدين" " ١٩٢٠ ". هو من رجال الهجلية الجديدة، ولكنه لا يرى أن هناك فكرًا خالصًا ومنطقًا خالصًا ومعنًى مجردًا هو كلي فحسب، وإنما الوجود عنده مركب من الكلية والتشخص، فالمنطق عنده معرفة تركيب الأشياء أو هو العلم الذي يجعل الأشياء قابلة لأن تكون معقولة. فهو يعرض لتأييد مذهب برادلي بالاعتماد على التجربة, فيرى أن الوجود موجود فردي مستوعب كل شيء معقول تمام المعقولية، وأنه وحده "موجود" وما عداه من الجزئيات، عقولا أو أشياء، فله فردية جزئية ووجود جزئي. والدليل على ذلك أن الإدراك الظاهري والتفكير والحياة الاجتماعية والأفعال الأخلاقية والتأمل الفني
стр. 425
والتجربة الدينية، كل أولئك يظهرنا على أن تحقيق أنفسنا معناه تسليم أنفسنا لشيء أوسع من الأنا؛ هذا الشيء هو المطلق، والمطلق هو الذي كتب الدراما العالمية وهو الذي يحققها، إنه فنان وممثل ومنطيق. فالوجود تراجيديا، وما فيه من شر فهو يشارك في كمال الكل، على ما نرى في التراجيديات التي يؤلفها البشر. وحين ينظر الفرد المحدود إلى الشر ويقبله بهذا الاعتبار, يراه وإذا به يفقد من شريته ويفيد هو منه بأن يحاربه, ويفوز عليه.
٢٠٤ - صمويل إلكسندر " ١٨٥٩ - ١٩٣٨ ":
أستاذ بجامعة مانشستر, مشهور بكتاب عنوانه "المكان والزمان والألوهية" " ١٩٢٠ " يؤيد فيه الموضوعية، ولكن الموضوعية تصير عنده شيئًا شبيهًا بالمادية, فإنه يمضي في إثر إنشتين وغيره من العلماء المعاصرين، فيحول المادة التي تعطينا المكان، والحركة التي تعطينا الزمان، إلى شيء واحد هو "المكان الزماني" فيتصور الطبيعة في البدء أصلا ذا أربعة أبعاد فيه مبدأ محرك ومنه تخرج المادة والكيفيات الثانوية والحياة والفكر الذي هو عبارة عن الجهاز العصبي، وكلها تعينات مكانية زمانية. كذلك الحال في المقولات التي اعتبرها كنط غريزية في العقل توجد بها تنوعات الزمان والمكان، فما هي إلا تعينات موضوعية للوجود المركب من مكان وزمان معًا، فمن خصائص هذا الوجود تلزم جميع المقولات. فمقولة الوجود هي شغل جزء من المكان الزماني، ومقولة الجوهر تدل على مكان محدود بنطاق تتعاقب فيه أحداث، ومقولة الشيء تأليف حركات, ومقولة الإضافة هي الرابطة المكانية الزمانية بين شيئين، ومقولة العلية تدل على الانتقال من حادث إلى آخر، وفي الطبيعة ميل إلى إيجاد صور أرقى فأرقى, يعتمد كل منها على ما دونه كما يعتمد الفكر على الجسم. هذا الميل هو الألوهية، وهي بالنسبة إلى كل مرتبة المرتبة التي تبرز بعدها؛ أما بالنسبة إلى الإنسان فلم تبرز الألوهية بعد, فهذا المذهب يرجع إلى المادية التصورية.
٢٠٥ - ألفرد نورث هوايتهد " ١٨٦١ - ":
أ- أستاذ بكمبردج " ١٩١١ - ١٩١٤ " وبجامعة لندن " ١٩١٤ - ١٩٢٤ " للرياضيات التطبيقية والميكانيكا, وأستاذ للفلسفة بجامعة هارفارد الأمريكية.
стр. 426
" ١٩٢٤ - ١٩٣٨ ". أهم كتبه: "المبادئ الرياضية" في ثلاثة مجلدات " ١٩١٠ - ١٩١٣ " بالاشتراك مع برترند رسل؛ و"بحث في مبادئ المعرفة الطبيعية" " ١٩١٩ "، و"معنى الطبيعة" " ١٩٢٠ "؛ و"العلم والعالم الحديث" " ١٩٢٦ "؛ و"الدين في تكونه" " ١٩٢٦ ". وهو يرمي إلى نصرة الموضوعية كما تبدو في الوجدان, فلا يقر العلماء على رد الأشياء إلى عناصر عاطلة من الكيفيات, ولا يقر الماديين على إنكار الجمال والأخلاق والدين؛ بل يرى أن للكائن أيًّا كان طبيعة معينة، وأنه عبارة عن كل أو نظام أجزاؤه وتركيبها تابعة لطبيعة الكائن. غير أن هذه الأجزاء ليست عناصر أو مركبات من عناصر, وإنما هي أحداث أو وحدات مكانية زمانية وعلاقات بين الأحداث، تجري هذه وتلك بمقتضى قوانين ثابتة، وجملة هذه القوانين تمثل الألوهية التي لم تتحقق ولن تتحقق أبدًا تمام التحقق لأن قانون الوجود التطور المتصل.
٢٠٦ - فرديناند شيلر " ١٨٦٤ - ١٩٣٧ ":
أستاذ بأكسفورد, صاحب "المذهب الإنساني" Humanism عرضه في كتابه "دراسات في المذهب الإنساني" " ١٩٠٧ ". هذا المذهب هو البراجماتزم، وجاء اسمه من أن المعرفة هي الشرط الأول للعمل المنتج، وأنها أمر إنساني تابع لأغراضنا الحيوية، فإن نظرتنا إلى الأشياء تختلف باختلاف المركز الذي ننظر منه، ولا ندرك منها كل ما يمكن إدراكه بل نختار من بين عناصرها تبعًا لاتجاه انتباهنا، ونرتب العلاقات بين الأشياء تبعًا للغاية التي نتوخاها، ونؤلف تصديقاتنا في مجاميع نسميها المنطق والهندسة والحساب وما إلى ذلك من العلوم، فهذه العلوم مشبعة بالإنسانية لأنها من صنعنا ومرتبة لأغراضنا. فالأحادية مذهب خطر لأنها تعتبر التغير والعمل وهمًا فتؤدي إلى القعود، وهي مذهب خاطئ لأنها تزعم أننا لا نتصور موجودًا ما إلا كجزء من كل, بحجة أن كل حقيقة فهي متفقة مع سائر الحقائق، في حين أن المنهج الإنساني لإدراك الحقيقة يدل على أن الحقيقة أمر شخصي كما سبق القول، العالم إذن متكثر يتطور على الدوام ويستكمل ذاته بفعل أفراد أحرار كي ينتهي إلى ضرب من النجاة أو الانسجام الكلي، مع وجود إله شخصي.
стр. 427
٢٠٧ - برترند رسل " ١٨٧٢ - ":
أ- أستاذ للفلسفة بجامعة كمبردج " ١٩١٠ - ١٩١٦ " وأحد أعلام المنطق الرياضي في هذا العصر. نشر كتبًا كثيرة: منها كتاب قيم عن "فلسفة ليبنتز" " ١٩٠٠ " و"مبادئ الرياضيات" " ١٩٠٣ " و"المبادئ الرياضية" بالاشتراك مع هوايتهد كما ذكرنا, و"مسائل الفلسفة" " ١٩١٢ " و"معرفتنا بالعالم الخارجي" " ١٩١٤ " و"المدخل إلى الفلسفة الرياضية" " ١٩١٨ " و"تحليل الفكر" " ١٩٢١ " و"تحليل المادة" " ١٩٢٧ " و"موجز الفلسفة" " ١٩٢٨ " و"تاريخ الفلسفة الغربية" " ١٩٤٦ " وكتب أخرى في الفلسفة والسياسة والتربية كانت هدفًا لنقد المحافظين لما حوت من آراء متطرفة. وهو يذهب مع هوايتهد إلى إمكان استنباط الرياضيات من المنطق، ويعلن المنطق "المنقذ الأعظم" لأن الفلسفة تتطلب البرهان المنطقي، وليست تأليفًا تمليه المنافع الإنسانية كما يريد أصحاب البراجماتزم، والمنطق يدرس جميع العلاقات الممكنة، وهذه العلاقات تأليفات حرة تحسم بينها التجربة فيؤخذ بالعلاقات المطابقة للتجربة ويغفل ما عداها. والعالم الخارجي متكثر؛ وأصوله أو مبادئه ذرات هي أحداث, والمركبات تتألف من هذه الأصول، ولكن للمركب خواصه وفعله فلا يمكن تصوره كأنه مجرد مجموع.
ب- فالفلسفة الإنجليزية كما يمثلها هؤلاء الذين ذكرناهم تنقسم إلى فرقتين: فرقة هجلية ترى أن العالم يؤلف كلا واحدا وأن الأشياء مترابطة بالذات بحيث لا يدرك شيء في ذاته مستقل عن غيره، وفرقة تقبل المعرفة كما تبدو في الوجدان وتقول: إن الأشياء مستقلة وإن العلاقات متخارجة بما فيها علاقة المعرفة بالمعروف, وإن هذه العلاقات لا تغير طبائع الأشياء، وإن موضوع المعرفة يمكن لذلك أن يكون لاذهنيا إذ إن المعرفة حضور الشيء للحدس حضورًا مباشرًا. وهذه الفرقة الثانية تدعى بفرقة الوجودية الجديدة Neo-realism ترمي إلى صيانة المعرفة الموضوعية وحياة الفرد وغاياته.
стр. 428
الفصل الثالث: الفلسفة في فرنسا
٢٠٨ - إميل دوركيم " ١٨٥٨ - ١٩١٧ ":
أ- الفلسفة الفرنسية سائرة في وجهاتها التي صادفناها أثناء القرن الماضي: فالوجهة الواقعية وجدت لها أنصارًا في إميل دوركيم وليفي برول وغيرهما من الأساتذة الاجتماعيين, والوجهة الروحية يمثلها علماء ورياضيون يبينون ما في العلم الحديث من تركيب صناعي يدع المجال مفتوحًا أمام الحرية والأخلاق، وأشهر هؤلاء هنري بوانكاري وبيير دوهيم؛ ولكن ممثلها الأكبر هنري برجسون الذي أقام مذهبا تاما في الوجود والأخلاق والدين. أما دوركيم فيعد واضع علم الاجتماع المعاصر. أهم كتبه:"تقسيم العمل الاجتماعي" " ١٨٩٣ " و"قواعد المنهج الاجتماعي" " ١٨٩٥ " و"الانتحار" " ١٨٩٧ " و"الصور الأولية للحياة الدينية" " ١٩١٢ " و"التربية الخلقية" " ١٩٢٥ " وكان قد أصدر مجلة "السنة الاجتماعية" في ١٨٩٦ وظل يصدرها إلى ١٩١٣ بمعاونة ليفي برول وموس وهوبرت وفوكوني وبوجلي وبسيميان ودافي وهلبكس وهم أركان علم الاجتماع في فرنسا الآن, وقد استؤنف إصدار المجلة سنة ١٩٢٥.
ب- أخذ دوركيم على نفسه أن يقيم علما اجتماعيا واقعيا يختلف عن فلسفة التاريخ, وعن النظر المجرد في ماهية المجتمع بأن يقصر غرضه على استكشاف القوانين التي تربط ظواهر اجتماعية معينة بظواهر أخرى معينة، كما يرتبط الانتحار مثلا أو تقسيم العمل بازدياد عدد السكان، وذلك باستخدام المناهج المألوفة في العلوم الطبيعية والتي ترجع إلى الملاحظة والاستقراء مع ما يقتضيه علم الاجتماع من تعديل طفيف يضيف إلى ملاحظة الحاضر ملاحظة الماضي أو التاريخ المقارن، ويجعل الاستقراء إحصاء، إذ إن المذهب الواقعي لا يعترف بوسيلة أخرى لدراسة الإنسان. والمقصود بالظواهر الاجتماعية أنحاء الفكر والعاطفة والعمل الصادرة عن الناس بما هم أعضاء مجتمع، مثل الأخلاق والأديان والأنظمة السياسية والقوانين المدنية والتقاليد القومية والبدع الفنية والنظريات العلمية، وما إلى ذلك من مظاهر
стр. 429
الحياة الإنسانية. هذه المظاهر اجتماعية بالذات يجدها كل فرد قائمة في بيئته ويتأثر بها تأثرًا قويًّا بوساطة فعل التربية وضغط المجتمع، حتى ليذهب هذا الضغط أحيانًا كثيرة إلى حد إكراه الفرد على اتخاذ مواقف مخالفة لرأيه الخاص، فإن معنى الحياة الاجتماعية أن يقبل الفرد هذه المظاهر ويتطبع بها؛ فيتلاءم مع المجتمع ويندمج فيه. فعلامة الظاهرة الاجتماعية أنها تفرض نفسها على الأفراد وتكرههم على الأخذ بها, كيف نفسرها؟ لقد تردد دوركيم بين قولين: أحدهما أن الأفكار والعواطف الاجتماعية صادرة عن "وجدان اجتماعي" متمايز من الوجدانات الفردية, وأعلى منها. وهذا القول يجعل للظاهرة الاجتماعية وجودا ذاتيا ولعلم الاجتماع موضوعا خاصا به لا يشاركه فيه علم آخر، ولكن هذا القول يشخص كلا مجموعيا، ودوركيم يعترف بأن ليس في المجتمع سوى الأفراد، ويعرض القول الآخر وهو أن الوجدان الاجتماعي، ولو أنه جملة الوجدانات الفردية، إلا أنه يؤلف كلا مغايرا لها كما يؤلف التركيب الكيميائي شيئًا مغايرًا للعناصر. وهذا القول يرجع إلى أن الحياة الاجتماعية تولد في الفرد ظواهر نفسية من نوع خاص، وينافي تعريف الظاهرة الاجتماعية كما ذكرناه, إذ يجعل منها ظاهرة نفسية فيرد علم الاجتماع إلى علم النفس ١.
ج- على أن دوركيم يحرص على أصالة علم الاجتماع ويستمسك بتعريفه للظاهرة الاجتماعية، ويضع مذهبا فلسفيا هو إحدى صور الفلسفة الحسية أو التجريبية أو الواقعية. فيذهب في مسألة المعرفة إلى أن المعاني والمبادئ العقلية نتاج الفكر المجموعي، فإنها كلية ثابتة إلى حد ما ضرورية لتنظيم التجربة "كما جاء عند كنط وسبنسر" بينما التصورات الحسية جزئية متغيرة، فالمعاني والمبادئ تعلو على الفكر الشخصي كما يعلو المجتمع على الفرد، فمعنى النوع يتضمن معنى القرابة بين الأفراد، ومعنى الجنس يتضمن معنى القرابة بين الأنواع ومعنى ترتيبها بعضها من بعض، وليس في الطبيعة "كما يتصورها الحسيون" قرابة ولا ترتيب، ولكنهما أمران اجتماعيان، ومعنى العلة يتضمن معنى
стр. 430
قوة موجدة ومعنى السلطة وهما معنيان اجتماعيان، ومعنى الكلي يتضمن مجموع الموجودات أو المجتمع؛ ومعنى الواجب يتضمن ما لسلطة الجماعة من قوة إكراهية. وهكذا يزعم دوركيم، كما زعم سبنسر، أنه يفض الخلاف الناشب بين الحسيين والعقليين بقوله: إن المعاني والمبادئ مصنوعة من المجتمع, غريزية في الأفراد.
د- وهو يفسر الأخلاق والدين على النحو ذاته سواء من جهة الصورة, أومن جهة المادة: فمن الوجهة الصورية نحن نعتبر الفعل خلقيا متى كان مطابقًا لقانون مفروض، وكان غيريًّا لا أنانيًّا، وكان إراديًّا. وهذه الخصائص ترجع إلى المجتمع, فإن الخاصية الأولى نتيجة النظام الذي تفرضه حتمًا كل جماعة، والخاصية الثانية نتيجة الإخلاص للجماعة الذي تفرضه الحياة فيها، والخاصية الثالثة نتيجة ما يلحظه الفرد من أن استفادته من الحياة الاجتماعية تتوقف على إرادته هذه الحياة وشروطها. ومن الوجهة المادية نرى الأخلاق مختلفة باختلاف الزمان والمكان وسائر الظروف, أي: نراها تابعة لأحوال المجتمعات التي تخترعها وتفرضها على الأعضاء، فإن لكل مجتمع أخلاقه هي مظهر أحواله، ولا محل لتسويغ الأخلاق بتركيب فلسفة أخلاقية. وأما الدين فقديم كالاجتماع, كان صورته الأولى وتطورا معا. بدأ الدين بأن تصور الناس قوة لاشخصية متفرقة في الأشياء تمنحها ما لها من قوة، ثم تشخصت هذه القوة في الطوطم أولًا وفي الإله الواحد أخيرًا؛ فكانت لنا فكرة الله كموجود شخصي مقدس. فإن هذه الفكرة ليست مستفادة مما نشعر به من قوة باطنة, ولا مكتسبة بالاستدلال، ولكنها اجتماعية. والدين أقوى مظاهر الحياة الاجتماعية وأعمها؛ إليه ترجع الصور التي انتظمت بها المعارف الإنسانية، إذ إنه الينبوع الذي تفيض منه القوة الجسمية والقوة المعنوية في أفعال الحياة المشتركة.
هـ- هذا الموقف يستهدف لنفس الانتقادات التي نوجهها إلى سائر المذاهب التجريبية. إن المشابهات التي توحي بالمعاني الكلية متحققة في الجماد وفي النبات وفي الحيوان وفي حياتنا الاجتماعية, فلا يمكن أن يقال: إن الحياة الاجتماعية مصدرها الوحي, ثم إذا كانت الحياة الاجتماعية قد انتظمت على أنحاء كلية فلا يخلو إما أن يكون ذلك بناء على معان سابقة في أذهان بني الإنسان, أو بناء على مشابهات وجدوها بينهم، وفي كلا الحالين تكون المعاني راجعة إلى غير الحياة الاجتماعية.
стр. 431
وإذا كانت الأخلاق على ما يقول دوركيم من الاختلاف والتغير، فكيف نعلل ما يبدو لبعضها من ضرورة عند جميع الجماعات؟ ويفسر دوركيم المؤسسات والقواعد الاجتماعية طبقًا لنظرية التطور، فيبدأ بأبسط الصور ويسمي الجماعات التي تلاحظ عندها هذه الصور بالبدائية، في حين أن المنهج العلمي يقضي بالقول بأن الحالة المسماة بدائية هي أبسط ما وصل إلى علمنا من حالات، لا أنها الحالة الأولى تاريخيا، إذ قد تكون الإنسانية بدأت على حالة عقلية متقدمة، وقد تكون الجماعات التي نعتبرها الآن بدائية منحدرة من جماعات متحضرة زالت عنها الحضارة. فالاجتماعيون يعدون البسيط قديمًا وليس هذا بالضروري، ويعتقدون أنهم يؤيدون مذهب التطور وهم إنما يقبلونه مبدئيًّا.
٢٠٩ - ليفي برول " ١٨٩٧ - ١٩٣٩ ":
أ- كان أستاذًا لتاريخ الفلسفة، وله في هذا الباب كتاب عن "أوجست كونت" ودراسات أخرى. وناصر المذهب الاجتماعي بكتبه الآتية: "فلسفة الأخلاق وعلم الأخلاق" " ١٩٠٣ " و"الوظائف الفكرية في الجماعات الدنيا" " ١٩١٠ " و"العقلية البدائية" " ١٩٢٢ " و"الروح البدائية" " ١٩٢٧ " و"الفائق الطبيعة والطبيعة في الفكر البدائي" " ١٩٣١ ".
ب- في كتابه عن الأخلاق يريد أن ينظر إلى الأفعال الإنسانية على أنها ظواهر طبيعية وحسب، فينتقد فلسفة الأخلاق، ويقترح بديلا منها علمًا للأخلاق. ويرجع نقده إلى ثلاثة أمور: الأول أن فلسفة الأخلاق تزعم أنها علم معياري يعين ما ينبغي أن تكون عليه الأفعال الإنسانية، في حين أن العلم دراسة وصفية للظواهر وقوانينها، ففكرة العلم المعياري تنطوي على تناقض. الأمر الثاني أن الفلاسفة مختلفون في المبادئ متفقون مع ذلك في قواعد السلوك، وهذا يدل على أنه لا يوجد بين القواعد وبين المبادئ التي يدعون أنهم يستنبطونها منها صلة منطقية. الأمر الثالث أن الفلاسفة يضعون قضيتين لا يمكن قبولهما: الأولى أن هناك طبيعة إنسانية فردية واجتماعية هي واحدة في كل زمان ومكان ومعلومة لهم إلى حد كبير يستطيعون معه أن يعينوا لها القواعد الملائمة لكل حالةمن حالات الحياة، والحقيقة أن التباين شديد جدًّا بين الناس أفرادا وجماعات, والقضية الأخرى
стр. 432
أن الضمير شيء مطلق وأنه يمكن تبرير أوامره تبريرًا منطقيًّا، مع أن علم الاجتماع يقيم الدليل على أن الضمير نتاج الأيام وأن معانيه ومبادئه وليدة تجارب وعادات تختلف نشأة وقدما اختلافا شديدا جدا. أما علم الأخلاق فإنه يدرس الأفعال الإنسانية وقوانينها كما تقع عليها الملاحظة المباشرة ويوردها التاريخ، وينتهي إلى أن الأخلاق مظهر للجماعة تابع لماضيها وديانتها وعلومها وفنونها وعلاقاتها بالجماعات المجاورة وحالتها الاقتصادية. وإذن فالأخلاق تختلف باختلاف الجماعات وأحوالها والأخلاق جميعًا طبيعية، سواء في ذلك أخلاق الأقوام المنحطة وأخلاق الأمم المتمدينة. ولما كانت الجامعة لا تستقر على حال واحدة، فيلزم أن أخلاقها متطورة حتما بتطور العوامل الاجتماعية. وفائدة علم الأخلاق أنه يسمح لنا بتكوين "فن خلقي" أي: جملة من القواعد نعالج بها أحوالنا، دون أن يكون لهذه القواعد صفة الإلزام، ودون أن يكون لأفعالنا قيمة ذاتية يعبر عنها بالخير أو بالشر.
ج- وفي كتبه الأخرى يذهب إلى أن المتوحشين لا يفكرون بمعانٍ محدودة يتضمن بعضها بعضًا أو يناقض بعضها بعضًا، ولكنهم يفكرون صورة خيالية ولا يراعون مبدأ عدم التناقض، وأن هذا لون من التفكير سابق على تفكيرنا المنطقي, فتفكيرنا المنطقي صناعي؛ وأن التفكير البدائي هو التفسير الوحيد للاعتقاد بما فوق الطبيعة، ذلك الاعتقاد بأن الأشياء حاصلة على قوى خفية تستطيع إحداث السعادة أو الشقاء، وما يلزم عنه من تكريم تلك القوى واحترام التقاليد والخوف الديني أن يضطرب نظام المجتمع إذا أهملت الجماعة عباداتها وتقاليدها.
د- ولم يكن ليفي برول مبتكرًا في أقواله هذه، فإنها أقوال الحسيين من عهد بعيد أيدها بشواهد مستمدة من مذكرات المبشرين والسياح وهو جالس إلى مكتبه. لسنا بحاجة إلى الرد على نقده لفلسفة الأخلاق وقد طالما رددنا على مثله في سياق هذا الكتاب. أما رأيه في تفكير المتوحشين فقد خالفه فيه بعض الاجتماعيين، ورد عليه برجسون في كتابه "ينبوعا الأخلاق والدين" ص ١٥٩ - ١٦٩ من الطبعة الأولى، وانتهى هو إلى الإقرار بأن هذا التفكير يفسر بالجهل والغرض والتسرع وما إلى ذلك من أسباب الخطأ المعروفة، وأن المتوحشين لا يجهلون المبادئ الأولية ولكنهم يسيئون تطبيقها كما يسيء تطبيقها أطفالنا والجهلاء منا.
стр. 433
٢١٠ - هنري بوانكاري " ١٨٥٤ - ١٩١٢ ":
أ- هو واحد من فريق من العلماء يتابعون نقد زنوفي وبوفرو للمعرفة العلمية. وله في هذا النقد كتب مشهورة هي: "العلم والفرض" " ١٩٠٢ " و"قيمة العلم" " ١٩٠٥ " و"العلم والمنهج" " ١٩٠٩ " و"خواطر أخيرة" نشرت بعد وفاته " ١٩١٣ ".
ب- وهو يذهب إلى أن ليس للنظريات العلمية ما يدعيه لها المذهب الواقعي من قيمة مطلقة، ففي تطبيقها، ولا سيما على الظواهر المستقبلة، يوجد دائمًا إمكان للتغير، ويوجد أحيانًا كثيرة ضرب من عدم المطابقة قد يسمح بتصور تفسير آخر، فالنظرية العلمية قائمة دائمًا على قدر من الفرض، وما النظريات التي يقال: إنها "حقيقية" إلا "أنفع" النظريات أي: التي تبسط للعالم عمله وتعطيه أجمل صورة من الكون. ذلك بأن النظريات رموز مجردة يركبها العقل للتعبير عن العلاقات المشاهدة بين الظواهر، حتى إن نظريتين متعارضتين يمكن أن تكونا كلتاهما أداة نافعة للبحث، ويمكن أن تكون إحداهما أنفع من الأخرى. فبالنسبة إلى إدراكنا للأشياء نجد أن المكان الأقليدي ذا الأبعاد الثلاثة أنفع من الأمكنة المفترضة في الهندسات اللاأقليدية وليس له غير هذه الميزة, ونظرية كوبرنك مجرد فرض وهي لا تمتاز على نظرية بطليموس إلا بأنها أبسط وأنفع. وقد قلنا " ١٩٩ ي": إن السبب في هذا الموقف هو أن العلماء صاغوا نظرياتهم في شكل رياضي, ولاحظنا أن هذه الصياغة كانت ممكنة في علم الطبيعة فقط لبساطة المادة, وكثرة الإمكانيات في تنوع الحركة، ولكنها غير ممكنة في علم الحياة وعلم النفس حيث يعود العقل إلى تحري خصائص الأشياء وإقامة نظريات "حقيقية".
٢١١ - بيير دوهيم " ١٨٦١ - ١٩١٦ ":
أ- يلتقي مع بوانكاري في القول بنسبية العلم الحديث، وقد فصل رأيه وأورد عليه الأمثلة والشواهد في كتاب معروف عنوانه "النظرية الفيزيقية، موضوعها وتركيبها" " ١٩٠٦ ". وفي كتاب آخر اسمه "نظام العالم, تاريخ المذاهب الكونية من أفلاطون إلى كوبرنك" "في خمسة مجلدات ١٩١٣ - ١٩١٧ " عرض هذه
стр. 434
المذاهب عرضًا وافيًا, فإذا بها ترجع إلى مذهبين: أحدهما أن النظرية العلمية تفسير حقيقي للظواهر، كالمذهب الآلي عند قدماء فلاسفة اليونان وعند ديكارت، وهذا يجعلها ميتافيزيقية أو يربطها بنظرية ميتافيزيقية؛ والآخر أنها مجرد تصور للظواهر وقوانينها لا يدعي النفاذ إلى جواهر الأشياء، وهذا يجعلها افتراضًا ليس غير، كالنظريات الفلكية التي نبتت في مدرسة أفلاطون وسائر النظريات الطبيعية الرياضية التي تتالت بعد ذلك. والكتاب مرجع جليل في تاريخ العلوم ومنها العلم الإسلامي, وقد وقف عليه المؤلف من الترجمات اللاتينية في العصر الوسيط.
٢١٢ - هنري برجسون " ١٨٥٩ - ١٩٤١ ":
أ- ولد في باريس من أسرة يهودية قدمت فرنسا من إنجلترا. وكان في المدرسة الثانوية تلميذًا نابهًا أظهر استعدادًا نادرًا للعلوم، ولكنه اختار الفلسفة. وتخرج في مدرسة المعلمين العليا على أساتذة معروفين، منهم إميل برترو، ونجح في مسابقة الأجريجاسيون " ١٨٨١ " فعين مدرسا للفلسفة في مدارس ثانوية بالأقاليم, ثم بباريس " ١٨٨٩ " حيث ذاع صيته بعد حصوله على الدكتوراه، فعين أستاذا في الكوليج دي فرانس " ١٩٠١ " حيث قضى خمس عشرة سنة يلقي المحاضرات أمام جمهور عديد معجب أشد الإعجاب. ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى أرسل بمهمة إلى أمريكا، ولما كونت جمعية الأمم لجنة للتعاون الفكري مؤلفة من اثني عشر عضوًا انتخب هو رئيسًا وظل يشغل منصبه هذا إلى سنة ١٩٢٥.
ب- بدأ بأن كان ماديا على مذهب سبنسر، ولكن التفكير في الحياة النفسية قاده إلى إنكار قول الماديين: إنها مؤلفة من ظواهر منفصلة تتصل بموجب قوانين التداعي، وإن هذه الظواهر من قبيل الظواهر الخارجية قابلة للقياس والحساب وجاءت رسالته للدكتوراه "محاولة في الوقائع المباشرة للوجدان" " ١٨٨٩ " معلنة لهذا الإنكار بقوة وبراعة لفتتا إليه الأنظار، فتنفس الكثيرون الصعداء من أولئك المثقفين الذين كانوا يرزحون تحت كابوس الآلية والجبرية، ومنذ ذلك اليوم كان هو زعيمًا من زعماء الروحية ١. ثم شرع يتعمق خصائص الروح والعلاقة بينها وبين
стр. 435
الجسم فوضع في ذلك كتاب "المادة والذاكرة" " ١٨٩٦ " وهو كتاب عسير الفهم في بعض المواضع, ورأى أن خصائص الحياة النفسية متحققة في الحياة التامة أيضًا وأنه يستطيع أن يطبق نظريته في الروح على الكون أجمع، فكان هذا موضوع كتاب "التطور الخالق" " ١٩٠٧ " الذي كان له وقع عظيم. ثم عكف على دراسة الأخلاق والدين, وبعد ربع قرن بالتمام أخرج كتابه "ينبوعا الأخلاق والدين" " ١٩٣٢ " فكان وقعه أعظم، فإنه يقيم فيه العقائد الميتافيزيقية على التجربة الروحية ويشيد بالتصوف المسيحي، وتلك هي كتب أربعة رئيسية تحوي عرضًا شاملًا للمذهب يضاف إليها كتيب في "الضحك" أو "محاولة في دلالة المضحك" " ١٩٠٠ " وكتاب "في الديمومة والتقارن" " ١٩٢٢ " وضعه بمناسبة نظرية إنشتين في النسبية؛ ومقالات ومحاضرات نشر بعضها بعنوان "الطاقة الروحية" " ١٩١٩ " والبعض الآخر بعنوان "الفكر والمتحرك" " ١٩٣٣ " وفي هذا المجلد الثاني مقالات مهمة ضرورية لتمام الوقوف على مذهبه، وهي: "الحدس الفلسفي" "ف ٤ " و"إدراك الغير" "ف ٥ " و"مدخل إلى الميتافيزيقا" "ف ٦ ".
ج- "الوقائع المباشرة للوجدان" تشهد بأن الحياة النفسية تيار غير منقطع من الظواهر المتنوعة، أي: تقدم متصل من الكيفيات المتداخلة، بخلاف الظواهر المادية التي هي كثرة من الأحداث المتمايزة المتعاقبة. والحياة النفسية تلقائية فإنها انبعاث من باطن وخلق مستمر أو "ديمومة" duree لا تحتمل رجوعًا إلى الماضي وعودة ظروف بعينها، ولا توقعًا للمستقبل ضروريًّا، كما تحتمل الظواهر المادية. فعلم النفس المادي الذي يزعم تطبيق القياس على الظواهر النفسية وجعلها "علمية" يخلط خلطا شنيعا بين الإحساس الذي هو فعل غير منقسم وبين المؤثر الفيزيقي وزيادته ونقصانه، والواقع أن لا نسبة البتة بين الحدين. فالحياة النفسية كيف بحت مباين للكم، على حين أن المادة متجانسة في جميع أجزائها، موجودة بجميع أجزائها معا، باقية هي هي، حاضرها ومستقبلها كماضيها بغير تغيير. وإذا كنا نضيف الكم أو الشدة إلى الظواهر النفسية؛ فذلك لأننا نقرنها بالظواهر الجسمية التي تصاحبها أو تترجم عنها، وهذه الظواهر الجسمية هي المقيسة في الواقع، فنقيس السرور أو الغضب مثلا بالمساحة المنفعلة من جسمنا، وهما في الحقيقة كيفيتان خالصتان، ولا ينطبق القياس إلا على المكان المتجانس من حيث إن القياس
стр. 436
انطباق مكان على مكان. وإذا كان العلم يعتمد على القياس ويطلب الدقة الرياضية فذلك لأن عقلنا قوة تقيس وأن مجاله المستحب المكان والمادة، فيحاول أن يدخل على حياتنا النفسية تجانسًا يسمح بقياسها، وطريقته في ذلك أنه يسمي حالاتنا الباطنة فيتخيلها منفصلة بعضها عن بعض كالأسماء الدالة عليها ومرتبة بعضها تلو بعض كأنها على طول خط، وينقل الألفاظ المنطبقة على الماديات إلى المعنويات, فيصف ظواهرنا الوجدانية بالشدة أو بالضعف ويقارن بينها على هذا الاعتبار. ومن هنا تنجم الصعوبات في مسألة الحرية: فإننا نتصور دواعي العمل كأنها وقائع متمايزة تتظاهر على أحداث الفعل أو تتعارض، فنفرض أن الحرية قوة أخرى ناشئة من لا شيء هي التي تحدث الفعل أو تمنعه، والحقيقة أن ليس في عالم النفس آلية وجبرية, إذ إن الديمومة كيف محض وليست مركبة من أجزاء متجانسة قابلة لأن تتطابق؛ كما أنه ليس في عالم النفس خلق من لا شيء مقطوع الصلة بالماضي، ولكن الحرية عين صيرورة الأنا، والفعل الحر تقدم متصل يبدأ بضرب من العزم ثم ينمو هذا العزم وينضج مع النفس كلها إلى أن يصدر عنها كما تسقط الثمرة الناضجة من الشجرة. فالخطأ الأكبر قائم في الترجمة عن الزماني بالمكاني, وعن المتعاقب بالمتقارن.
د- ولكنا لا نرى أن برجسون أفلح في إثبات الروح والحرية. أجل, إن إباء الظاهرة النفسية للقياس يدل على أنها صادرة عن مبدأ مغاير للمادة، ولا يدل على أن هذا المبدأ مفارق للمادة. إن الإحساس والانفعال والتخيل والتذكر ظواهر نفسية وفسيولوجية معًا تتم في الأعضاء وبالأعضاء, فمحال أن تصدر من غير مشاركة الجسم. وقد غلا برجسون في رفضه إضافة الشدة إلى الظواهر النفسية ظنًّا منه أن الشدة لقبولها التفاوت قابلة للقياس كالكمية، والواقع أن الكيفية تختلف شدة، يشهد بذلك الفضيلة والملكة العلمية أو الفنية, فإنها تتفاوت درجة وتمكنًا دون أن يمكن تقدير هذا التفاوت تقديرًا عدديًّا. أما أن العقل قوة تقيس وأن مجاله المكان وحسب، فنظرية سيفصل برجسون القول فيها ويبين دلائلها عنده، وسنعود إليها. وأما أن الحرية هي التلقائية فهذا خلط بين الاثنتين: إن التلقائية مشتركة بين جميع الأحياء بل بين جميع الأجسام, فلئن كان الجماد لا يتحرك إلا بفعل خارجي, فإنه متى تحرك كانت حركته بفعل باطن ذاتي، إذ يمتنع أن
стр. 437
تكون الحركة شيئًا ينتقل من المحرك إلى المتحرك ويعمل فيه. وعلى ذلك ليس القول بأن الفعل الحر فعل تلقائي بمميز له من الفعل الآلي، ولا بمفيد معنى الحرية الذي هو الاختيار المروي لفعل مع استطاعة عدم اختياره أو استطاعة اختيار ضده، ولكن مثل هذا الاختيار يقتضي جوهرًا ثابتًا مغايرًا للظواهر متحكمًا فيها، وقد ارتضى برجسون نظرية في العقل تبطل الاعتقاد بالجوهر كما سنرى.
هـ- لما عاد إلى مسألة الروح في كتابه "المادة والذاكرة" عرف الروح بأنها ديمومة وذاكرة، وميز بين نوعين من الذاكرة: ذاكرة هي عادة مكتسبة بالتكرار ولها جهاز محرك في الجهاز العصبي، مثل الذاكرة التي تعي شعرا أو نثرا محفوظا عن ظهر قلب؛ وذاكرة بحتة هي تصور حادثة انطبعت في الذهن دفعة واحدة، واحتفظت بخصائصها وتاريخها، مثل تذكري أني حفظت قصيدة. الذاكرة الأولى تردد الماضي والثانية تتصوره، وهي الذاكرة الحقة، وهي لا تحفظ في الجسم. ونحن نحفظ جميع الصور ونحمل ماضينا بأكمله في أدق تفاصيله. فالذاكرة هي الروح نفسها بما هي حياة وديمومة، ولكن الذكريات محفوظة في حالة أشباح غير منظورة؛ إذ إن الشعور خاصية الحالات النفسية الماثلة الآن الفاعلة الآن فحسب، وما ليس يفعل فلا يخص الشعور وإن كان لا ينقطع عن الوجود على نحو ما. وحياتنا الشعورية موجهة إلى العمل، ويبقى ماضينا وراءها في حالة ذكريات بحتة غير مشعور بها، عديمة الصلة بالحاضر, عديمة الفائدة العملية. ويتضح هذا بالنظر في الأحلام، فإنها تتناول ماضينا كله ولا تقتصر على حالة حاضرة معينة يحدها الانتباه والاهتمام كما يحدث في اليقظة. وتظهر الصور في مجال الشعور كلما أحوجنا إليها العمل، ومهمة الجسم هي أن يجيء بها إلى هذا المجال, فيحول الصور التي بالقوة إلى صور بالفعل، فإن الجسم "مركز عمل" هو "ممر الحركات الصادرة والواردة، وأداة الوصل بين الأشياء المؤثرة فينا وما نؤثر فيه من أشياء" ليس بوسعه أن يحفظ صورًا ولا أن يبعث صورًا، ولكنه يوفر للصور الوسيلة كي تصير مادية وتعود إلى الشعور. وفي حالة فقدان الذاكرة ليست الروح هي المعتلة بل الدماغ، وليس هناك محو للذكريات بل اضطراب في الأجهزة المحركة، وتبعًا لذلك يقلب رأي الماديين رأسًا على عقب, فإنهم يعتبرون الجسم هو الموجود حقا ويعتبرون الشعور
стр. 438
ظاهرة عارضة ويعتبرون الطرفين متوازيين، والحقيقة أن الشعور في المحل الأول وأن الجسم آلته. تلك أهم قضايا الكتاب، وهي تدل على أن برجسون ثنائي كديكارت يضع الروح والجسم الواحد بإزاء الآخر ولا يفطن إلى جسم الحي يحيا ويشترك في الإحساس والانفعال والتخيل والتذكر كما أسلفنا، وأن تمايز الروح والجسم لا يستتبع انفصالهما واستقلال الواحد عن الآخر في الوجود والفعل.
وخصائص الحياة النفسية متحققة في الحياة النامية أيضًا. وكتاب "التطور الخالق" يحوي دفاعًا متينًا عن هذا الرأي وتفسيرًا للآراء الواردة في الكتابين السالفين. يقول برجسون: ليس الكائن الحي مجرد مركب من عناصر سابقة كما يرى الآليون, ولكن الحياة شيء غير العناصر وشيء أكثر من العناصر، إن الكائن الحي "يدوم" ديمومة حقة، فإنه يولد وينمو ويهرم ويموت، وهذه ظواهر خاصة به لا تبدو بأي حال في المادة البحتة. وليست الأنواع الحية ناشئة من أصول متجانسة نمت وتحولت بتأثير القوى الفيزيقية والكيميائية ما شاءت الصدفة العمياء. هذا وهم من الآليين، فإنهم ينظرون إلى الكائنات الحية فيحللونها بالفكر إلى بسائط ويجعلون من هذه البسائط المعقولة أصولا تاريخية، على حين أن العضو في الكائن الحي "وحدة مركبة من آلاف الخلايا المختلفة مرتبة ترتيبا معينا" فكيف انضمت هذه الخلايا العديدة بالترتيب المطلوب؟ ثم إن الكائن الحي, من جهته، وحدة مركبة من أعضاء تتكون بالنمو من الداخل, فكيف يمكن الادعاء بأن الكائن الحي تكون بالإضافة من الخارج على ترتيب معين في أزمنة متطاولة؟ ثم إننا نلاحظ في سلاسل مختلفة من الأحياء منفصلة منذ عهد بعيد وحدة تركيب في أعضاء معقدة غاية التعقيد، كالشبكية مثلا, فكيف اتفق لمثل هذه السلاسل أن تنتهي إلى نتائج متشابهة في نقط مختلفة من المكان والزمان؟ بيد أن هذا النقد موجه إلى التطور الآلي كما تصوره دروين وسبنسر, لا إلى التطور إطلاقًا ونحن نشاهد الأحياء مراتب بعضها فوق بعض, فكيف نفسر ظهورها إلى الوجود؟ إن في بعض النبات تطورًا فجائيًّا يسمح لنا أن نتصور أن كل نوع من الأنواع الحية قد صدر دفعة واحدة عن "نزوة حية" من وجدان شبيه بوجداننا وأعلى منه "في وقت ما وفي نقط ما من المكان نبع تيار حي واجتاز أجسامًا كونها على التوالي وانتقل من جيل إلى جيل وانقسم بين
стр. 439
الأنواع الحية وتشتَّت بين الأفراد دون أن يفقد شيئًا من قوته, بل إنه يزداد قوة كلما تقدم" ويزداد شعورًا, فهو في النبات سبات وخمود, وفي الحيوان غريزة, وفي الإنسان عقل، وهذه طبقات مختلفة بالطبيعة لا بالدرجة فقط. أما المادة فقد نشأت من وهن التيار الحيوي أو توقفه، فما هي إلا شيء نفسي تجمد وتمدد، كما نشاهد في أنفسنا حين ندع فكرنا يجري اتفاقًا؛ فيتبدد في الآف من الذكريات تتخارج وتنتشر فتتراخى شخصيتنا وتتنزل في اتجاه المكان؛ أو كما نشاهد الماء يندفع من النافورة ويرتفع خطا كثيفا دقيقا ثم يهبط على شكل مروحية, وقد انفصلت نقطه المتراصة وتباعدت وتساقطت في مساحة أوسع. فالمادة شيء نفسي متراخٍ صار متجانسًا وقابلًا محضًا وحدًّا أدنى من الوجود والفعل, والعالم أجمع ديمومة أي: اختراع وتجديد وخلق وتقدم متصل.
ز- الآن نستطيع أن نفهم حقيقة المعرفة الإنسانية, فمتى كانت الصيرورة عين الوجود وعين نسيج الأنا، كان الثبات ظاهريا أو نسبيا، ولم يعد هناك أشياء أو جواهر بل عاد الوجود أفعالا وحسب, وعادت الأشياء والأحوال مشاهد يجتزئ بها عقلنا من الصيرورة، وكانت معانينا ناشئة من هذه التجزئة، ونحن نميل طبعا إلى تجميد مشاعرنا لنعبر عنها باللغة، وما المعنى الكلي إلا اسم يطلق على ذكريات تؤلف موقفًا معينًا بإزاء طائفة من الأشياء هي التي يطلق عليها الاسم. إن العقل عاجز عن تصور الحركة وعن تفسيرها, وهو لا يفهم حق الفهم إلا الجامد القابل للقياس, وحالما يتناول الزمان والكيف يترجم عنهما بلغة المكان والكم. وهو يستخدم معاني محدودة ثابتة لا تصيب شيئًا من إنية الموضوع أو فرديته ولا تساوق الموضوع في ديمومته. هو قوة التفكير المجرد المستدل، هو منبع حجج زينون المنكرة للحركة والكثرة، وقلما يعجز عن التدليل على قضيتين متناقضتين. فالمعرفة الحقة حدس يدرك الموضوع في ذاته، ولكننا لا نزاول هذا الحدس إلا نادرًا بسبب ما يقتضيه من توتر النفس في مجهود شاقّ مؤلم للنفاذ إلى باطن الموضوع ومتابعته في صيرورته. أما العقل فقد خلقه التيار الحيوي للعمل لا للنظر كما خلق الغريزة في الحيوان. الغريزة قوة استخدام آلات عضوية بل قوة تكوينها, والعقل قوة صناعة آلات غير عضوية. الغريزة إحساس لا استدلال، وهي تعمل دون تردد ولا تربية، وتعمل على نحو معين؛ والعقل
стр. 440
بحاجة إلى التربية والتروية، ولكن مجاله أوسع بكثير. من هذه الأقوال نتبين أن برجسون يتصور العقل على طريقة ديكارت, فيظن وظيفته مقصورة على إدراك معانٍ واضحة متميزة على مثال المعاني الرياضية, وأنه لا يدرك القوة والحركة والحياة فيرد النبات والحيوان وجسم الإنسان مجرد آلات، فإذا ما رأى برجسون بطلان هذه النتيجة اتهم العقل ذاته واصطنع مذهبًا لاعقليًّا والتمس المعرفة الحقة في حدس لا ندري ماذا يحدس, والوجود صيرورة محضة خلوّ من ماهيات تدرك.
ح- التيار الحي الخالق للروح والمادة هل يكون الله؟ إنه لشبيه بالله، وكثير من عبارات برجسون يؤدي هذا المعنى إلى ذهن القارئ، منها قوله: "إن فكرة الخلق تغمض بالكلية إذ فكرنا في "أشياء" مخلوقة و"شيء" يخلق؛ أما أن يتضخم الفعل كلما تقدم وأن يخلق كلما تقدم، فهذا ما يشاهده كل منا حين ينظر إلى نفسه وهو يفعل" وقوله: "إذا كان الفعل الذي يتم في كل مكان من نوع واحد, فإني أعبر تعبيرًا مختصرًا عن هذا الشبه الغالب حين أتحدث عن مركز تنبع منه العوالم كما تنبع الصواريخ من باقة عظيمة، على ألا أقصد بهذا المركز "شيئا" معينا بل أقصد به نبعًا متصلًا, فالله على هذا التعريف، ليس حاصلا على شيء تام، ولكنه حياة غير منقطعة وفعل وحرية. وخلقه على هذا التصور لا خفاء فيه، فإننا نحسه في أنفسنا حالما نعمل بحرية". على هذا يكون برجسون من أصحاب وحدة الوجود, ولكنه أعلن إلى أحد النقاد أنه في العبارات المذكورة وأمثالها "يتحدث عن الله باعتباره الينبوع الذي تخرج منه على التوالي، بفعل حر، التيارات التي يكون كل منها عالمًا، وأن الله من ثمة متمايز منها". هذا الإعلان ينسخ قوله أن ليس هناك شيء خالق وشيء مخلوق، ولا يتفادى وحدة الوجود من حيث إن الخلق عنده نبع وصدور عن ذات الله؛ فيكون المخلوق من عين ماهية الله، ولكن برجسون، منذ ذلك التاريخ، يذكر الله كأنه موجود مفارق للتيارات والعوالم، ونحن مضطرون أن نسلم بهذا القصد مع ما نجد من صعوبة الملاءمة بينه وبين المذهب.
ط- ولكن مسألة تقوم حينئذ وهي هذه: كيف نعلم أن الله موجود وأنه متمايز من العالم؟ لا مجال للتدليل العقلي على وجود الله في فلسفة تنكر على العقل قيمة النظرية في معانيه ومبادئه. والواقع أن برجسون ينتقد الأدلة السلفية ويرفضها
стр. 441
رفضًا باتًّا؛ فدليل المحرك الأول مستبعد من جراء مبدأ المذهب أن ليس يوجد سوى حركة بغير محرك ولا متحرك؛ ودليل العلل الغائية يتنافى مع المذهب كذلك. فأولا الغائية تعين صورة المستقبل ونحن نعلم أن الديمومة خلق متجدد؛ ثانيا الغائية تشبه عمل الطبيعة بعمل الصانع الإنساني يركب قطعا وأجزاء ليحقق نموذجا, بينما الطبيعة تكوّن أو تعضون وتخرج الكائن الحي بأكمله من خلية تتكثر, والدليل المستمد من نظام العالم ساقط هو أيضًا: أين النظام؟ إذا دققنا النظر في العالم "بدا الفشل كأنه القاعدة، وبدا النجاح كأنه الاستثناء وكان دائمًا ناقصًا"؛ "إن النوع والفرد لا يفكران إلا في ذاتهما, فينشأ من هنا خلاف مع سائر صور الحياة، فليس يوجد التناسق في الواقع". ثم إن النظام ليس شيئًا حادثًًا ممكنًا مجرد الإمكان حتى يطلب تفسيره, بل من الضروري أن يوجد نظام ما، والاضطراب المطلق غير معقول.
ي- هذا النقد للأدلة على وجود الله ليس بأقوم من النقود الكثيرة التي سبقته. إن دليل المحرك الأول لا يستبعد إلا في مذهب ينطوي على التناقض, إذ يقول بحركة صِرفة دون شيء يحرك ولا شيء يتحرك ولا شيء إليه يتحرك. ودليل الغائية قائم, إذ لولا الغاية لما كانت الحركة أو وقعنا في التناقض المذكور الآن؛ لذا دعا أرسطو الغاية علة العلل، والشيء المنظم مفتقر إلى منظم سواء أحدث بتركيب أجزاء أو بتعضون، ففي الحالتين الأجزاء "أو الأعضاء" تابعة لنظام الكل, والكل مع ذلك لا يوجد إلا بها, فلا بد من سبق وجود فكرة الكل في عقل ما، أَوَلَيس يستخدم برجسون مبدأ الغائية في مناقشة التطور الآلي؟ وأي التصورين أمعن في البطلان: تصور الموجود يركب من أجزاء تضاف شيئًا فشيئًا، أو تصوره يخرج كله دفعة واحدة دون غرض سابق، وكيف يرد دليل النظام بعد ما تقدم؟ إن انتظام الكائنات, كل على حدة, أمر لا شك فيه، وانتظامها فيما بينها هو الغالب، وليس ينهض الاضطراب أو ما يبدو كذلك حجة على النظام حيثما يوجد النظام. وكيف ينكر فيلسوفنا وجود النظام ثم يقول: إن النظام ضروري؟ إما هذا وإما ذاك.
ك- إذا كانت الأدلة على وجود الله غير ناهضة, فكيف نعرف الله؟ لا يبقى لدينا سوى التجربة. والواقع أن برجسون يدعي إقامة ميتافيزيقا تجريبية
стр. 442
مبدؤها أن كل موجود بالضرورة موضوع تجربة حاصلة أو ممكنة، ويرى أن لدينا تجربة إلهية فيقول: "إن حدس ديمومتنا يصلنا بديمومة تتوتر وتتركز وتزداد اشتدادًا حتى تكون الأبدية في الحد الأقصى". وأبدية الله ديمومة كذلك. وهنا يفترق برجسون عن الفلاسفة الذين يرون أن الله ثابت مستكفٍ بنفسه فيقول: "ولكن الموجود الكافي نفسه ليس غريبًا عن الديمومة بالضرورة" و"إن في الحركة لشيئًا أكثر مما في الثبات". إن إله الفلاسفة وليد العقل ونتاج فعله المجرد المجمد! وهكذا يطبق برجسون فلسفة الصيرورة إلى النهاية, ويستعيض عن الإله الثابت بإله متغير, أي: إن الله عنده موجود نسبي مركب من فعل وقوة، موجود ناقص "يتضخم كلما تقدم" ويكتسب شيئًا جديدًا بلا انقطاع، وليس هذا شأن الله أو العلة الأولى، كما ذكرنا غير مرة. يظن برجسون أن الثبات معناه الجمود، والواقع أن الفلاسفة يثبتون أن الله حي بل الحياة بالذات ويريدون بثباته أن حياته هي هي دائمًا، كما يجب للعلة الأولى.
ل- بعد ظهور كتاب "التطور الخالق" الذي لخصنا نقطه الأساسية، كان الاعتقاد العام أن هذه النظرية لا تسمح بإقامة فلسفة أخلاقية، على اعتبار أن هذه الفلسفة تستلزم معاني ومبادئ ثابتة تدبر السيرة الإنسانية, وأن الصيرورة لا تحتمل شيئًا ثابتًا. بيد أنه لم يكن من الممكن أن تظل فلسفة تدعي أنها روحية بغير أن تعرض للأخلاق وللدين، ففكر الفيلسوف وقدر ربع قرن وأخرج لنا "ينبوعا الأخلاق والدين" فأتم بهذا الكتاب مذهبه دون أن ينبذ, أو يغير شيئًا من المعاني والمبادئ التي سبق له عرضها. "الينبوعان" هما الغريزة والحدس، وقد صادفناهما. وكل من هاتين الوظيفتين يوجد أخلاقًا معينة ودينا معينا، فيكون هناك نوعان من الأخلاق ونوعان من الدين. أحد نوعي الأخلاق أخلاق ساكنة مغلقة، والآخر أخلاق متحركة مفتوحة. يتقوم النوع الأول في جملته من عادات تفرضها الجماعة ابتغاء صيانة كيانها, بحيث يعتبر خيرًا ما يكفل هذه الصيانة, ويعتبر شرًّا ما ينال منها فيبدو الواجب "رباطا من قبيل الرباط الذي يجمع بين نمل القرية الواحدة أو خلايا البدن الواحد" "ومن هذه الوجهة يفقد الواجب خاصيته النوعية "أي: الخلقية" ويتصل بأعم الظواهر الحيوية" غير أن هناك فارقًا، وهو أن الإنسان حاصل على عقل وحرية، وحينئذ "يبدو لنا الواجب بمثابة الصورة التي تتخذها الضرورة في
стр. 443
مجال الحياة حين تقتضي في سبيل تحقيق غايات معينة العقل والاختيار ومن ثمة الحرية". فهذا النوع من الأخلاق صادر عن الغريزة وعن الضرورة الاجتماعية؛ والأخلاق هنا في مستوى أدنى من مستوى العقل، هي أخلاق الجماعات المغلقة على أنفسها.
م- أخلاق النوع الآخر تجاوز حدود الجماعة, وترمي إلى محبة الإنسانية قاطبة بل الخليقة بأسرها. تظهر في بعض الأفراد الممتازين يسمعون في أنفسهم نداء الحياة الصاعدة فيتملكهم انفعال خالص غير ذي موضوع فائق لمستوى العقل شبيه بالانفعال الموسيقي الذي "لا يتصل بشيء". هؤلاء هم "الأبطال" أمثال أنبياء بني إسرائيل أو سقراط، يجذبون الناس بالقدوة لا بالاستدلال، ومجرد وجودهم نداء، وأخلاقهم هي الأخلاق الكاملة المطلقة، لا تعرض قانونًا ينفذ بل مثلًا يحتذى. "إن الفعل الذي تنفتح به النفس يوسع ويرفع إلى الروحانية الخالصة أخلاقًا سجينة مشخصة في عبارات". وذلك هو المعنى العميق لما في "العظة على الجبل" من معارضات، حيث يقول المسيح: "قيل لكم, وأقول لكم". أخلاق الإنجيل أخلاق النفس المتفتحة, غير أنه يجب أن نذكر دائمًا "أن الضغط الاجتماعي وفورة المحبة مظهران للحياة متكاملان" أي: إن نوعي الأخلاق مظهران طبيعيان للتطور الحيوي ومرحلتان في تقدمه. الأخلاق المتحركة انفعال بحت عند "البطل" ومثال يحتذى عند الجمهور، وليست قانونا خلقيا ملزما في صميم الضمير؛ فالإلزام الخلقي مفقود في الأخلاق بنوعيها.
ن- كذلك الحال في الدين؛ فهناك دين ساكن وآخر متحرك. نشأ الأول من إرادة اتقاء ما قد يكون العقل من أثر مرهق للفرد ومفكك للجماعة إذا ما فكر العقل في الموت وفي مخاطرات المستقبل وفي أسس الحياة الاجتماعية. هذه الإرادة تبعث في الإنسان "الوظيفة الأسطورية" فتنهض هذه تصور حياة آجلة, وتخترع قوات فائقة للطبيعة خيرة أو شريرة، وتروي "قصصًا كالتي تروى للأطفال" فتضع عقيدة وتثبت سنة. هذا الدين شأنه شأن الغريزة في الجماعات الحيوانية "يحمل الإنسان على التشبث بالحياة ومن ثمة على التشبث بالجماعة". أما الدين المتحرك فهو امتداد القوة الحيوانية، وهو انفعال صرف "مستقل عن السنة وعن اللاهوت وعن الكنائس" يظهر في بعض الأفراد الممتازين الذين هم المتصوفون.
стр. 444
"إن الله محبة، وهو موضوع محبة، هذا ما يجيء به التصوف" و"نهاية التصوف اتصال جزئي بالجهد الخالق الذي تتكشف عنه الحياة, هذا الجهد هو في الله إن لم يكن نفسه". لقد حاول الفكر اليوناني أن يرتفع إلى هذه القمة فلم يبلغ إليها؛ وذلك لأن التصوف التام فعل وقد اتبع فلاسفة اليونان طريقًا عقلية صرفة واعتقدوا أن العمل أدنى من النظر، أو أنه "تضاؤل النظر". وقد كان للهند تصوفها، ولكن التشاؤم منع هذا التصوف من المضي إلى غاية شوطه. وقد أعوزت البوذية الحرارة وأعوزها الإيمان بفاعلية العمل الإنساني والثقة به، والثقة هي التي تستطيع أن تصير قوة تنقل الجبال. التصوف التام هو تصوف كبار المتصوفين المسيحيين. ومحاول أن يشبهوا بالمرضى فإنهم ذوو صحة عقلية متينة نادرة, من علاماتها ميلهم إلى العمل وقدرتهم على التكيف مع الظروف. أنهم أشباه أصليون ولكن ناقصون، لما كانه على وجه التمام مسيح الأناجيل. وعلى ذلك فالتصوف "يوفر لنا الوسيلة لتناول مسألة وجود الله وطبيعته على نحو تجريبي".
س- هذه النظرية تجمع بين النظرية الاجتماعية والنظرية الروحانية بأن تجعل للدين صورتين طبيعيتين على السواء, إحداهما سفلى متأصلة في الحياة البيولوجية والأخرى عليا راجعة إلى ما في التيار الحيوي العام من قوة انتشار وصعود. بيد أننا نرى أن الدين أيا كان يقوم في علاقة يدركها الإنسان بينه وبين الله، وهذا هو الدين الطبيعي أي: العقلي الذي يمكن استخلاصه من القصص والخرافات وتسويغه بالعقل؛ وأن لا حاجة إلى افتراض وظيفة أسطورية وهبتنا الطبيعة إياها خصيصًا لتحقيق غايات حيوية، فما هي إلا المخيلة تكسو الأفكار ثوبًا من الصور المحسوسة، ونرى أن التيار الحيوي قاصر عن أن يصلنا بالله لعلو الله عن كل مخلوق علوا كبيرا، وأن "تجربة الله" شعور بالحضور الإلهي سببه تنزل من قبل الله وإشعار لنا من لدنه. ومن الغريب أن برجسون بعد أن أعلن أن التصوف وسيلتنا لمعرفة الله معرفة تجريبية، عاد فقال: إن النفس إذا ما وصلت إلى حال التصوف "لا تسأل نفسها إذا كان المبدأ الذي تتصل به هو العلة المفارقة للأشياء أو وكيلا أرضيا عنها، ولكنها تكتفي بأن تحس أن موجودًا أقدر منها بكثير يتغلغل فيها دون أن تفني فيه شخصيتها". وإذن فالتصوف لا يعطينا الله، بل إن برجسون يقول: إن التصوف لا يعنى بالأمر. كيف إذن قرأ برجسون
стр. 445
المتصوفين المسيحيين؟ لقد قرأهم خلال آرائه ومقاصده تحدوه رغبة خفية في استخدامهم لا في الأخذ عنهم. إنه يضعهم في رأس المتصوفة, ولكن لأي سبب؟ لميلهم إلى العمل، ونجاحهم في العمل، والعمل جوهر الوجود عند فيلسوفنا، أما عقيدتهم فلا يحفل بها، وهو يقول أن لا أهمية للعلم إن كان المسيح إلهًا وإنسانًا. على أن تصفح كتبهم يبين لنا بوضوح أنهم أصحاب عقيدة معينة يؤمنون بها ويحيون بها ولها، وأن العمل، عند الذين زاولوه منهم, امتداد للنظر غايته نشر ملكوت الله, وأنهم إنما يطلبون الله ويدعونه, وأنهم يجدون الله, لا وكيلا عن الله أيا كان هذا الوكيل. والمتصوف المسيحي الذي يتصوره دينه على الطريقة البرجسونية يخرج على المسيحية، أي: الذي يبتر العقائد من الدين ويبتر "القصص" القائمة عليها هذه العقائد ليقنع بطلب انفعال صرف يجهل مصدره. لقد كان على الفيلسوف أن يأخذ التجربة كاملة، ولو اقتضته مراجعة فلسفته، تلك الفلسفة التي تنتهي في الواقع إلى نفس النتائج التي انتهى إليها المذهب "العقلي" الآلي الذي يعارضه برجسون, إذ إن مذهب الصيرورة لا يسمح بإثبات نفس دائمة، ويتصور الحرية مجرد تلقائية، والفعل الخلقي إما فعلا ضروريا أو انفعالا بحتا بغير اختيار ولا إلزام، والدين مجرد انفعال أيضًا خلوا من الإله الحق.
ع- وقد نقول: إن آراء برجسون معروفة فيما سبق من الفلسفة, فالصيرورة وردت عند هرقليط وهجل، وتلقائية الحياة وردت عند شلنج ومين دي بيران ورافيسون، وصدور الموجودات عن النزوة الحيوية شبيه بصدورها عن النفس الكلية عند أفلوطين، والاسمية ونقد العقل ركنان أساسيان في المذهب الحسي، والآراء في الأخلاق والدين ورد مثلها كثيرًا في العصر الحديث، ولكنا نقول: إنه بالرغم من هذا يعد أكبر فيلسوف ظهر في فرنسا من عهد بعيد لما بذله من براعة في الجمع بين هذه الآراء والتجديد في عرضها؛ ولعله أكبر فيلسوف على الإطلاق في هذا النصف الأول من القرن العشرين. وقد كان نفوذه واسعًا عميقًا، فقد أذاع لونا من التفكير وأسلوبا من التعبير طغيا على سائر فروع المعرفة العلمية وتجاوزاها إلى الأدب. وكانت دلالته التاريخية أنه قصد إلى إنقاذ القيم التي أطاحها المذهب المادي، فهو يبدو من هذه الوجهة وكأنه واحد من أولئك "الأبطال" الذين أشاد بهم، أولئك الذين يقومون في الإنسانية ليعلنوا إيمانهم بالروح وينبهوا إخوانهم
стр. 446
على أن الكون المادي ليس وطنًا لهم وإنما "الكون آلة لصنع آلهة" ١. وقد مضى هو بكل إخلاص في طموحه وتفكيره حتى بلغ إلى المسيحية الكاثوليكية, ولولا الاضطهاد المعروف الذي شن على اليهود لاعتنقها ولكنه أراد أن يظل بين المضطهدين، وتمنى لو أن قسيسا كاثوليكيا يسير في جنازته ويصلي على جثمانه ٢ , كيف اجتمعت في عقله عقائد المسيحية وفلسفة الصيرورة والاسمية؟ لا ندري. ولكن الذي ندريه هو أن الفلسفة شيء لا يذكر بالقياس إلى هذا التوجه إلى الله, في الوقت الرهيب الذي يسبق الخروج من هذا العالم.
٢١٣ - أندري لالاند " ١٨٦٧ ":
أ- أستاذ المنطق بالسوربون. ولما أنشئت الجامعة المصرية طلبت إليه أن يدرس بها فتخرج على يديه الفوج الأول من طلاب قسم الفلسفة، ثم عادت فاستقدمته مرتين فتخرج على يديه فوجان آخران. وجميع الذين عرفوه، من أساتذة وطلاب, يحفظون له أجمل الذكرى لسجاياه العالية، وعنايته الأبوية بالطلاب بالقاهرة وبباريس، ومشاركته الفعالة في إقرار التقاليد الجامعية في الجامعة الناشئة على العموم, وفي كلية الآداب على الخصوص.
ب- آمن بالأخلاق منذ أن شرع يفكر لنفسه, وكان مذهب التطور هو السائد حينذاك في العلم والفلسفة، وكان هربرت سبنسر حامل لوائه في الميدانين، إذ كانت كتبه عبارة عن تلخيص العلوم تبعًا لقانون التطور، وقد بلغ ضجيج الأشياع والخصوم أقصى حد. فأراد الأستاذ لالاند أن يدير الرسالة التي يتقدم بها للدكتوراه على "الأخلاق والتطور" وهو يشعر شعورًا قويًّا بتعارض أساسي بين مدلول هذين اللفظين. وأخذ ينعم النظر في المسألة، فإذا هي تتشعب إلى مسائل متصلة بها، وإذا هو يلاحق هذه المسائل، حتى انتهى بعد سنين سبع " ١٨٩٢ - ١٨٩٩ " إلى كتاب ضخم جعل عنوانه هكذا: "في الفكرة الموجهة للانحلال ومعارضتها للفكرة الموجهة للتطور في منهج العلوم الطبيعية والأخلاقية". لكل من لفظي الانحلال والتطور معنى جرى به استعمال سبنسر:
стр. 447
التطور Evolution ترقي الكائن من التجانس إلى التنوع وتكامله على هذا النحو، وإن يكن اللفظ في حد ذاته لا يدل على غير التحول أو الانقلاب من حال إلى حال أيا كانت, والانحلال Dissolution عكس التطور، أي: تفرق العناصر المؤتلفة، بل عودة العناصر المتنوعة إلى التجانس. غير أن الأستاذ لالاند وجه لفظ الانحلال إلى معنى إيجابي مختلف عن هذا المعنى السلبي. فدل به على ارتداد المتنوعات المتنازعات إلى وحدة عليا هي ترقّ وتقدم، على ما سيتبين بعد حين، ولكن الناس كانوا قد ألفوا المعنى السلبي وحده كمدلول للفظ الانحلال، فكان هذا اللفظ مدعاة لشيء كثير من التردد وسوء الفهم لدى قارئي الرسالة. ثم إن الرسالة كانت مثقلة بشواهد مستمدة من علوم الطبيعة والحياة والاجتماع، وكان تقدم هذه العلوم يبطل كثيرًا من هذه الشواهد. وكان الأستاذ لالاند دائب التفكير في كل ذلك بالطبع؛ فلما آن الأوان عاد إلى رسالته بالتنقيح والحذف والإيجاز، مع محافظته على الفكرة الأساسية، وأخرج طبعة ثانية بعنوان "الأوهام التطورية" Les illusions evolutionistes " ١٩٣٠ في ٤٦٠ صفحة" وهو عنوان أضيق من محتوى الرسالة، إذ إنها لا تقتصر على تبديد بعض أخطاء وقعت فيها فلسفة التطور، ولكنها تشتمل على قسم تركيبي هو مذهب المؤلف وهو إذن القسم الأوهم. في هذه الطبعة الثانية أبدل كلمة Dissolution التي تعني الانحلال بكلمة Assimilation أي: التمثيل أو التحول من الاختلاف إلى التشابه، كتمثيل الكائن الحي غذاءه، وبكلمة lnvolution وهي تستعمل بالإنجليزية منذ منتصف القرن التاسع عشر بمعنى مضاد لمعنى Evolution وبنوع خاص بمعنى اضمحلال الكائنات المنوعة وانحطاطها، لكن الأستاذ لالاند يريد بها المعنى الذي أراده في الأصل وهو ارتداد المتنوعات إلى ضرب من التجانس العالي أو تراجعها إلى وحدة عليا. وقد أضاف هوامش عديدة تناول فيها نتائج مؤلفات أحدث عهدًا، وبين موقفه الخاص. وتعد رسالته من أهم المصنفات في الفلسفة المعاصرة؛ لما امتازت به من سمو المقصد ودقة التحليل وقوة الحجة وبعد المرمى في نصر الروحية على المادية.
ج- يعتبر الأستاذ لالاند مذهب التطور مجرد فرض؛ ثم يسلم بأنه الآن أقرب الفروض إلى الحقيقة، وأن تاريخ الحياة على وجه الأرض يتلخص في أنها
стр. 448
قوة تعمل على إيجاد كائنات أكثر فأكثر تركزًا وملاءمة مع البيئة, وأنها منذ أدنى صورها وأبسطها توكيد للفردية واجتهاد في تنميتها على حساب المادة البحتة وحساب سائر الأحياء، ومن ثمة تنازع مستمر للبقاء. بيد أن هذا المذهب الواسع تعوزه الدقة ويشوبه التناقض، وهو مع ذلك، أو من أجل ذلك، رائج لدى الجمهور لأنه يخاطب المخيلة. إذا كان التطور أمرًا مشاهدًا, فمشاهد أيضا أن الكائن الحي يبذل مجهودا هائلا في دفع العدوان عليه، وأنه بذلك يحافظ على كيانه فيصون نوعه من التغير. على أن هناك ما هو أعظم خطورة: إذا كان التنوع قانون الحياة، فإن لعالم الجماد قانونًا آخر لم يعره أصحاب التطور ما يستحقه من عناية. إن الطبيعة بأسرها تتقدم في اتجاه محتوم هو تناقض الاختلاف, وبوجه خاص تناقض التفاوت بين الطاقة والكتلة، أي: إنها تتقدم ببطء صوب ما يسميه العلماء موتها الطبيعي، صوب حال يتلاشى فيها الاختلاف، وتتلاشى الطاقة، ويتحقق توازن تام لا يختل من تلقاء نفسه بعد ذلك. والحياة مسوقة إلى هذه النهاية, فالقانون الأعم قانون تساوٍ وتوازن, وسير الطبيعة في جملتها تراجع لا تطور، والذي ينحاز إلى جانب الحياة، ويصطنع لنفسه مذهبًا ما تنم عليه من روح انتشار وفتح، ينحاز إذن إلى قضية خاسرة.
د- هذا التراجع تنفر منه الغريزة الحيوية وتفزغ من نهايته المحتومة التي هي القضاء على الحياة. ولكن العقل يرضى عنه كل الرضا، والعقل لا يدرك إلا الماهية الثابتة, ولا يقدر أنه فسر الأشياء إلا إذا ردها إلى ضرب من الوحدة والمساواة. "من الوجهة المنطقية، كل فارق فهو أمر حادث يدعو للعجب ويتطلب تفسيرًا بل تصحيحًا. إذا رأيت برجين غير متساويين فوق بناء بعينه، وسطحين مختلفين في بقعة من الماء بعينها, وميلين متعارضين في شعب بعينه، فإن عقلي يبحث حتمًا عن سبب هذا التباين". وعلى ذلك فبين العقل والجماد الثابت المتساوي اشتراك ومماثلة، وبينه وبين الحياة المتغيرة المتنوعة تقابل ومخالفة, فإن النمو، وهو الخاصية الأساسية للحياة، شيء غامض قليل المعقولية، وإن العقل وظيفة تمثيل: إنه يعمل على تمثيل الأشياء لذاته بأن يطبق عليها معانيه ومبادئه فيجعلها معقولة، وعلى تمثيل الأشياء بعضها لبعض وبذلك يفسرها التفسير العلمي، وعلى تمثيل العقول بعضها لبعض وبذلك يحقق موضوعية العلم. فالعمل
стр. 449
العقلي تراجعي؛ لأن للكائن العاقل خاصية لا توجد إلا له وحده وهي أنه لا يعمل بما هو عاقل إلا إذا تصور العمل وقدر له قيمة؛ فهو في جميع أفعاله المروية يصدر عن "أحكام تقويمية" تقدر قيم الأشياء وتقرر "الأفضل" أو "ما يجب أن يكون" وتبدو في ثلاث صور: "الحقيقة" في مجال النظر، و"الخير" في مجال العمل, و"الجمال" في مجال الإحساس. فأما الحقيقة فتبدو في التمثيل الذي ذكرناه؛ وأما الخير فهو تمثيل كذلك إذ إن القاعدة الخلقية حكم يصدره العقل بالعدول عن الغريزة وعن العاطفة الخاصة إلى أمر رفيع مشترك بين الناس, وجميع المذاهب الأخلاقية تقويمية بالضرورة، وأما الجمال أخيرًا فهو تمثيل وتقويم أيضا مهما يظن بأن قوامه الذوق الشخصي والأصالة الحرة, إذ إن الفن يرمي دائمًا إلى التعبير عن فكرة كلية أو عاطفة مشتركة.
هـ- ويظهرنا التاريخ على أن العقل قد عمل على توجيه التقدم الإنساني في الفرد والمجتمع، وجهة معارضة تمام المعارضة للغريزة والتطور المتنوع. أجل, لقد كان هذا العمل ضعيفًا بطيئًا متفاوت الحظ من النجاح، ولكنه كان مستقيما متصلا في تصميم وعناد. إن مذهب التطور يثير الغريزة ويبرر جموحها من حيث إنها مظهر القوة الحيوية، ويحاول أن يرد إليها استعداداتنا العقلية والخلقية على أن هذه الاستعدادات نماء الغريزة وازدهارها, فيخلط بين دائرتين لا اشتراك بينهما، ويتجاهل ثنائية الإنسان بالرغم من إلحاح الأخلاقيين فيها. ولما كان لا يميز بين الاخلاق والبيولوجيا، فإنه ينظر إلى الفتح والاستعمار كأنهما مظهران سائغان من مظاهر الحيوية، ويقدس الأنانية القومية، ويعد تقدمًا ورقيًّا تنظيم المجتمع على غرار التنظيم البيولوجي وما ينطوي عليه من تفاوت الأجزاء وإخضاع بعضها لبعض، فلا يرى سبنسر من غاية قصوى سوى ازدياد الحياة، ولا يرى دروين من وسيلة لتحسين الإنسان سوى مصلحة الفرد وانتخاب الأصلح كما في الحيوان. ومن هنا نشأت أخطاء أو أوهام هي أبلغ أخطاء عصرنا ضررًا. أما العقل فقد اتجه دائمًا إلى التقريب بين الناس؛ وإلى تكوين مجموعة من الحقائق تؤلف تراثا مشتركا بين الجميع وإلى الاستعاضة عن العلاقات القائمة على القوة بعلاقات صادرة عن العدالة؛ وإلى سن قوانين تستطيع الإرادات جميعا قبولها وتنفيذها طوعًا؛ وإلى إعلاء قدر الخيرات العقلية والروحية، وهي التي
стр. 450
تحتمل المشاركة فيها دون نقصان أو زوال، بل إن حظ كل فرد منها يتعاظم كلما تكاثر عدد المشاركين فيها، وإلى تحويل ما في الحياة من شهوة عمياء ونزوع نهم للفتح والتملك إلى محبة مستنيرة لإخواننا في الإنسانية. بتأثير العقل انتشرت فكرة المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات القانونية والسياسية، فدبّ الوهن في الطبقات الاجتماعية وتحللت رويدا رويدًا في الهند ومصر وروما، في العصر القديم والعصر الوسيط. وبتأثير العقل استحال نظام الأسرة من السلطة إلى الحرية، وتدرجت حال المرأة من الانزواء والخنوع إلى المساواة بالرجل، وشاعت فكرة السلام العام والاتحاد بين الدول من المثقفين إلى الجمهور. فليست الأفكار الأخلاقية مجرد أفكار، ولكنها قوى تعمل في الواقع وتكيف الطبيعة الإنسانية والمجتمع الإنساني بالرغم من مقاومة الأنانية البيولوجية. وهكذا يوجد الفكر المروي في هذا الميدان نوعًا جديدًا من التراجع، أو هو يدفع بالتراجع إلى الأمام على نحو خاص به هو وبوسائل جديدة, فإذا بالتراجع هو في حقيقة الأمر القانون العام للطبيعة, وإذا بمذهب التطور, وقد ظن أنه يجد في دائرة الحياة خير ميدان لتأييد مبادئه، يفوت أهم ما في الدائرة الإنسانية وأدعى ما يستدعي النظر.
وبعد هذا الوصف للعقل والدفاع عنه، قضى الأستاذ لالاند حياته في تعمق وجهة نظره وتأييدها, يحدوه الإيمان بخطرها البالغ في بناء العلم وتوجيه الحياة وتدبير السيرة, فنشر كتابًا في "نظريات الاستقراء والتجريب" " ١٩٢٩ " La theorie de linduction et de lexperimentation هو سجل نفيس للغاية يعرض هذه النظريات ويمحصها، وينتهي إلى أن أساس الاستقراء التعميم، وأن التعميم خاصية أولية للفكر الإنساني, وأن التمثيل أو التراجع قانونه. ونشر أخيرًا كتابًا عنوانه "العقل والمعايير" " ١٩٤٨ " La raison et les normes كان قد ألقاه دروسا قبل عشرين سنة، يرد فيه على الفلاسفة التجريبيين الذين يذهبون إلى أن المعقولات الرئيسية, كالزمان والمكان والعلة والقانون وما إليها، وحتى العلوم الرياضية مستفادة من التجربة، وأن تاريخ المعرفة يدل على أن مفهوم هذه المعقولات قد تغير باستمرار, ويخرجون من هذا إلى إنكار قيمة العقل، فيسلم الأستاذ لالاند بالمقدمتين وينبذ النتيجة, وذلك بملاحظة أن تغير مفهوم المعقولات يسير سيرا تراجعيا, وأن التراجع إذن هو القانون الأساسي, وأنه
стр. 451
يجب أن يرد إلى مبدأ ثابت هو الذي يسمى عقلا أولا بالذات، أو عقلا مكوِّنا Raison constituante " بكسر الواو" لأنه المبدأ الواضع للقيم وللقواعد في النظر والعمل، والمنتج للمعقولات، والمشرف على تطورها، في حين أن جملة المعقولات، التي يظنها التجريبيون كل العقل، أحرى بها أن تسمى بالعقل المكوَّن "بفتح الواو" القابل للتغير دون مساس بجوهر العقل " Raison constituee".
ز- وللأستاذ لالاند، في المجلات الفلسفية، من فرنسية وإنجليزية, مقالات عديدة فيها توجيهات جديدة ومراجعات على الكتب المعاصرة، وكلها ترمي إلى الغرض نفسه. ولعل أعظم جهوده شأنًا وأبعدها أثرًا ذلك "المعجم الفلسفي" الذي أخرجه لأول مرة في سنة ١٩٢٦ , وأخرج طبعة خامسة له منقحة ومزيدة في سنة ١٩٤٧. فقد اضطلع به سعيًا إلى التوحيد الفعلي بين العقول بإيجاد لغة يتخاطب بها المفكرون وهم آمنون سوء التفاهم، مما يقتضي من كل أن يعدل عن عادات وآراء خاصة إلى عادات وآراء مشتركة، فتتفق العقول، ومن ثمة تتفق الإرادات, كأن يحرر التعريفات، ويضع عليها الملاحظات، ثم يعرضها على أعضاء "الجمعية الفرنسية للفلسفة" ومراسليها في الخارج, فيتلقى تعقيباتهم، ويعيد تحرير التعريفات والملاحظات، حتى بلغ بها الغاية في الدقة والإحكام, وجاء معجمه أداة لا يستغني عنها مشتغل بالفلسفة عن قرب أو بعد. فالأستاذ لالاند كان في جميع أدوار حياته داعية للتمثيل والتوفيق, عاملًا لهما.
٢١٤ - الفلسفة الوجودية:
أ- إلى جانب التيار البرجسوني والمدارس المعروفة توجد في فرنسا الآن محاولات ثانوية، وإن لم تخل من مقدرة, تجمع تحت اسم "الوجودية" لاتفاقها على أن الإنسان محور تفكير الإنسان، وأن منهج هذا التفكير النظر في الإنسان على ما "يوجد" لا تحليل ماهيته المجردة ١. أجل ليس هذا المنهج جديدًا؛ فقد نعد سقراط وأفلاطون والقديس أوغسطين وبسكال وجوديين؛ ومن قبيلهم موريس
стр. 452
بلونديل " ١٨٦١ " الأستاذ بجامعة إكس في كتابه "العمل" وجبريل مرسيل " ١٨٦٩ "؛ وكلهم يؤمنون بالعقل وبموضوعية المعرفة ويفسرون الإنسان طبقًا للمبادئ العقلية. أما الوجودية الجديدة فقد نشأت احتجاجا على الإسراف في العقلية كما يشاهد عند هجل الذي يرد الموجود إلى الماهية المجردة, فيغفل كل ما فيه من إنية أو فردية؛ فهي لاميتافيزيقية، تنكر أن يكون الوجود عين الماهية، وتنفر من المذهب والمذهبية وتقتصر على وصف الظواهر النفسية، فلا تعين قيمة المعرفة بالإضافة إلى "الحقيقة" بل طبقًا لما يبدو من قيمة حيوية في ظواهر الشعور الخالصة من الانفعالات والإرادات والآراء المكتسبة من المجتمع. ومع اتفاق الوجوديين المعاصرين على هذا المنهج نراهم يختلفون في نقطتين رئيسيتين: إحداهما خاصة بالمعرفة، والأخرى خاصة بتفسير الإنسان. ففي النقطة الأولى يأخذ بعضهم بالتصورية فلا يجعل فرقًا بين العالم الخارجي والعالم الداخلي بحجة أن كل ظاهرة طبيعية فهي في الوقت نفسه ظاهرة نفسية وأن "وجودها" كله قائم في كونها حالة نفسية، بينما البعض الآخر يري أن الظاهرة الطبيعية يقارنها في الوجدان شعور بالخارجية فيميز بين المجالين, ويحاول تبرير موضوعية المعرفة. وفي النقطة الثانية ينظر بعض الوجوديين بنوع خاص إلى ما سماه بسكال بعظمة الإنسان المتمثلة في عقله وفي طموحه إلى المثل الأعلى، فينتهي إلى الإيمان؛ وينظر البعض الآخر إلى ما سماه بسكال بحقارة الإنسان المتمثلة في أهوائه ورذائله وأمراضه الجسمية والنفسية، فينتهي إلى المادية والإلحاد. ولعل هؤلاء يبدءون بالإلحاد, ويبدأ أولئك بالإيمان تبعًا لمزاجهم الجسمي والعقلي، ثم يستخدمون المنهج الوجودي للوصول إلى ما يريدون. وهذا المنهج كثير الشيوع في العصر الحاضر, عليه عوّل فوندت وكولبي وهوفدنج وتيتشنر في علم النفس، وتشارلس بيرس ووليم جيمس في البراجماتزم، وجون ديوي في اعتباره المعرفة أداة في خدمة الحياة، وشيلر في مذهبه الإنساني، وغيرهم ممن يحذون حذوهم ١.
стр. 453
ب- وأشهر الوجوديين الفرنسيين الآن، أي: أكثرهم إنتاجًا وضجيجًا؛ جان بول سارتر الذي يعرف الوجودية بأنها مذهب إنساني، ويلح في تحليل النواحي القذرة البشعة من الإنسان في قصص تلقى رواجًا كبيرًا ١ , وهو مادي ملحد يظن أن الإلحاد يستلزم القول بأن الوجود في الإنسان سابق على الماهية، أو أن "الإنسان يوجد أولًا ويعرف فيما بعد" من حيث إنه لا يوجد إله يتصور الماهية الإنسانية ثم يحققها كما يتصور الصانع ماهية الآلة ثم يصنعها أو كما يتصور كنط الماهية الإنسانية "سابقة على الوجود التاريخي الذي نصادفه في الطبيعة". هذا موقفه الميتافيزيقي, وهذا الموقف يعود إلى القول بأنه يجب البدء من "الذاتية" لأجل دراسة الإنسان فينظر إليه كما هو موجود في بيئة معينة, وفي كل فرد على حدة دون اعتبار للمعنى الكلي الذي يقال: إنه يمثل الماهية والذي يدرجون تحته "إنسان الغابات وإنسان الطبيعة والبورجوي" على السواء. ومتى كان الوجود سابقًا على الماهية لم يبق في الإنسان شيء يعين سلوكه ويحد حريته بل كان حرا كل الحرية يعمل ما يشاء ولا يتقيد بأي شيء, إذ إن الوجودية "لا ترى أن بوسع الإنسان أن يجد معونة في علامة على الإرض تهديه السبيل؛ لأنها ترى أن الإنسان يفسر الأشياء بنفسه كما يشاء، وأنه محكوم عليه في كل لحظة أن يخترع الإنسان". فما الإنسان "إلا ما يصنع نفسه وما يريد نفسه وما يتصور نفسه بعد الوجود". بهذا يظن سارتر أنه يحقق الغرض الذي يرمي إليه وهو إنقاذ الحرية من الجبرية، فيصف الوجودية بأنها مذهب تفاؤل لأنها تضع مصير الإنسان بين يديه "فتجعل الحياة الإنسانية ممكنة".
стр. 454
ج- هذه الوجودية ما هي إلا لون من ألوان المذهب الحسي، فإنها تنكر المعنى الكلي وتغلو في الإنكار حتى تأبى أن تقيم وزنًا لوجوه الشبه بين أفراد النوع الواحد، وهي وجوه بادية للعيان، فلا تنظر إلى الجزئي إلا بما هو كذلك فتعتبر أن الماهية هي الإنية أي: جملة الأعراض المخصصة للجزئي، فتقول: إن الوجود سابق على الماهية بهذا الاعتبار، ولا يفطن القائل إلى أن الوجود هو بالضرورة وجود شيء أي: ماهية, وأن الإنية تعيين الماهية الحاصلة بالفعل من نواحٍ وبالقوة من نواحٍ أخرى، فإن الإنيات وجوه مختلفة لما في الماهية من قوى مختلفة، وقديما قال أرسطو: إن القوى النطقية غير معينة إلى واحد ولكن في مقدورها الميل إلى ناحية أو إلى أخرى، وهذا أصل الحرية التي هي القدرة على العمل في نطاق الماهية وعلى حسبها، ولا وجه للإغراب بعد هذا بوضع الوجود قبل الماهية!
стр. 455
الفصل الرابع: الفلسفة في ألمانيا
٢١٥ - فلسفة الظواهر "فينومنولوجيا":
أ- الجديد في ألمانيا لعهدنا الحاضر مدرسة نشأت من التفكير في أصول العلم، فما برحت هذه المسألة تشغل المفكرين العصر الحديث، والمذهبان المسيطران على العقول منذ أمد بعيد، وهما التصورية والواقعية، يتفقان في تحليل المعرفة إلى طائفتين من العناصر: إحداهما تشمل عناصر محسوسة هي مادة العلم، والأخرى تشمل عناصر هي صورة العلم؛ وتقول التصورية: إنها حاصلة في العقل ابتداء, بينما تقول الواقعية: إنها ناشئة في الفكر بفعل قوانين التداعي؛ فتفصل التصورية بين صورة المعرفة وبين علم النفس المكتسب بالحس الباطن، وتجعل الواقعية من حالاتنا الباطنة موضوع علم واحد شامل هو علم النفس, ينطوي على المنطق كأحد أجزائه، على حين أن علم النفس يقتصر على وصف الحالات الشعورية ويستخلص قوانين واقعية, وأن المنطق يفحص عن قواعد التفكير الصحيح ويصل إلى قوانين ضرورية معيارية. فكيف السبيل إلى التمييز بين هذين العلمين وما نوع العلاقة بينهما؟
ب- عالج فانتز برانتانو " ١٨٣٨ - ١٩١٧ " هذه المسألة فيمن عالجوها، فكان طليعة المدرسة الجديدة. عالجها على طريقة المدرسية الأرسطوطالية فقد كان قسيسًا كاثوليكيًّا ثم صار أستاذًا بجامعة فورتزبورج. كان المدرسيون يميزون بين المنطق وسائر العلوم بقولهم: إن موضوعات هذه العلوم مقصودات أول للفكر يتجه إليها أولا, وإن موضوعات المنطق مقصودات ثوانٍ يحصل عليها الفكر برجوعه على نفسه والنظر في مناهج التفكير دون مادته. فقال برانتانو: إن ظواهر الشعور تنقسم إلى ثلاث صور هي: التصور والحكم وظاهرتا المحبة والكراهية، وإن هذه الصور الثلاث حالات ثلاث للقصد أي: للإضافة إلى موضوع مقصود؛ ومتى كانت الأحكام بينة بأنفسها وصفت بأنها صادقة، ومتى كانت المحبة متجهة إلى موضوع ملائم والكراهية إلى موضوع غير ملائم وصفتا بأنهما على صواب, فعلى الصدق
стр. 456
والصواب يمكن إقامة نظرية في الحقيقة والقيمة؛ ولكل تجربة فكرية وجهان: أحدهما الموضوع "سواء أكان حقيقيا أم متخيلا" وهو طرف إضافة وهدف قصد، والآخر نفسي وهو مجرد "فعل" التصور والحكم والمحبة والكراهية، وعلى "الأفعال" يقوم علم النفس.
ج- وأعظم أركان المدرسة إدموند هوسرل " ١٨٥٩ - ١٩٣٨ " الأستاذ بجامعة جوتنجن ثم بجامعة فريبورج "الألمانية". كان رياضيًّا أول الأمر؛ نشر كتابًا في "فلسفة الحساب" " ١٨٩١ " وقادته الرياضيات إلى الفلسفة كما كان شأن كثيرين من المحدثين، فقد استوقف نظره دقة الرياضيات ومتانتها واتفاق العقول عليها, بينما العقول مختلفة على النظريات الفلسفية وعلى منهج معالجتها، فأراد أن يجد للفلسفة أساسًا لا يتطرق إليه الشك ويسمح بإقامتها علمًا بمعنى الكلمة أي: برهانيا، وتوسل إلى غرضه باصطناع فكرة القصد كما بينها برانتانو، وشرع يبني مذهبه, فنشر كتابًا "في المنطق" في مجلدين " ١٩٠٠ , ١٩٠١ " وكتابًا "في الفينومنولوجيا" " ١٩١٣ " وآخر في نفس الموضوع " ١٩٢٨ " و"تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينومنولوجيا" " ١٩٣١ " وهو مجموعة محاضرات ألقاها في السوربون.
د- إنه يضع مبدأين: أحدهما سلبي والآخر إيجابي. المبدأ السلبي أنه "يجب التحرر من كل رأي سابق، باعتبار أن ما ليس متبرهنًا ببرهان ضروري فلا قيمة له". والحالة النفسية المطلوبة هنا تشبه حالة الشك الكلي عند ديكارت مع هذا الفارق وهو أن هوسرل لا يستند مثل ديكارت إلى أسباب للشك, فلا ينكر العالم الخارجي ولا يرتاب في وجوده ولكنه يطلب إلى العقل أن "يضع بين قوسين" الوجود الواقعي للأشياء لكي يحصر نظره في خصائصها الجوهرية كما هي ماثلة في الشعور، ومع اعترافه بأن هذا الموقف غير طبيعي وأنه مؤقت يتيح للعقل أن يتناول الموضوع بريئًا من كل واسطة مشوهة فينظر فيه نظرًا صافيًا. والمبدأ الإيجابي يدل على ماهية هذا الموضوع إذ يقول: إنه "يجب الذهاب إلى الأشياء أنفسها" أي: إلى الأشياء الظاهرة في الشعور ظهورًا بينًا، مثل اللون الأزرق أو الأحمر والصوت والحكم وما إلى ذلك من ماهيات ثابتة مدركة بحدس خاص. هذا على حين أن لوك وسائر الحسيين يصفون كثيرًا من الظواهر بأنها تتكون بالمضاهاة
стр. 457
والتأليف، وأن الآليين يعتبرون الإحساسات جملا لاهتزازات تقع على الأعضاء الحاسة، وأن كنط يعتبر الموضوع المحسوس مركبًا من كيفية آتية من الخارج, ومن صورتي المكان والزمان, ويعتبر الحكم مركبًا من موضوعين محسوسين ومن مقولة يطبقها عليهما العقل. إن الماثل في الوجدان ماهيات معينة, وليس للوجدان أي علم بالعناصر أو الاهتزازات التي يقال: إنها جملتها. هذه الماهيات هي الظواهر البينة بأنفسها أي: "المدركة مباشرة في جميع وجهاتها" وهؤلاء الفلاسفة وأضرابهم يشوهون موضوع الفلسفة لصدورهم عن آراء سابقة لا مسوغ لها.
هـ- ويجب ملاحظة نقطتين بنوع خاص: الأولى أن الظاهرة موضوع معروف, وأنها في الوقت نفسه المعرفة بهذا الموضوع أي: فعل نفسي؛ وهذه الإضافة الجوهرية إلى الموضوع التي هي "قصد" إلى الموضوع هي عين طبيعة المعرفة، أي: إن المعرفة والمعروف متضايفان. النقطة الثانية أن الموضوع المعروف يجب أن يستمد من الواقع ويدرك بالحواس الظاهرة والباطنة جميعًا كما يحدث في الإدراك الظاهري، وأن تترك له خصائصه التي تتبين للعقل دون محاولة الكشف عن أصله وتكوينه, إذ إن كل ما يقصد إليه الفكر هو معنى أو "موضوع" أصيل لا يرد إلى عناصر. وعلى ذلك يتعين دراسة الموضوعات كما تبدو في الشعور, وهذه مهمة "فلسفة الظواهر" وقد كان هوسرل أول من أطلق هذا اللفظ علمًا على فلسفة بأكملها ١. هذه الفلسفة نقد جديد للمعرفة يقصد إلى توخي الدقة أكثر مما فعل ديكارت ولوك وهيوم وكنط، فتأخذ على نفسها أن تصف الظواهر بكل دقة وترتبها بكل إحكام، وخصوصًا المعاني الأساسية في العلوم، بغية توضيحها وتعريفها، وحينئذ تكون معرفتنا واقعة على "ماهيات" بخصائصها الثابتة كفيلة بتأسيس علوم بمعنى الكلمة كالرياضيات.
ووكان لهوسرل تلاميذ نابهون، أبرزهم مارتن هيدجر " ١٨٨٩ " وماكس
стр. 458
شلر " ١٨٧٤ - ١٩٢٨ " ونكولاي هارتمان " ١٨٨٢ " لا يضعون العالم الخارجي بين قوسين، بل يقولون بوجوده بتطبيق مبدأ القصد إلى الموضوع والشعور بوجود الموضوع، ويحللون الإنسان تحليلًا "وجوديًّا" على طريقة كيركجارد, فيصفون الانقباض والحفيظة وخوف الموت وما إلى ذلك من الانفعالات ١. وقد تغلغلت هذه الطريقة في علم النفس وعلم الاجتماع والأخلاق وفلسفة الدين, فبعد أن كان المنهج المتبع في هذه العلوم رد المركب إلى البسيط وتفسير التركيب بالنشوء التدريجي، قام أنصار "فلسفة الظواهر" يضعون الظواهر الباطنة والمؤسسات الاجتماعية والقيم الأخلاقية والدينية بمثابة أمور أصيلة لأنهم يجدونها هي هي خلال مظاهرها المختلفة, بحيث تبدو هذه الفلسفة كأنها في الأكثر منهج للتحرر من التصورية والحسية والرجوع إلى موقف العقل العام الذي طالما عارضه الفلاسفة وسخروا منه.
٢١٦ - خاتمة الكتاب:
أ- نقف عند هذا الحد ولو أنه قد يوجد بين الفلاسفة المعاصرين من يكونون حقيقيين بالذكر. ولكن القارئ قد شعر من غير شك, وقد شعرنا نحن أثناء تحرير الكتاب شعورًا قويًّا أن المذاهب الكبرى معينة منذ زمن طويل يرجع إلى اليونان، وأن الفلاسفة الذين جاءوا فيما بعد بذلوا مجهودهم في تمثيلها والتفكير على غرارها، فالقول بتمايز الموجودات جوهرًا وماهية، يقابله القول بوحدة الوجود؛ واعتبار الوجود ماديًّا خاضعًا للآلية، يقابله توكيد لوجود الروح والحرية؛ والاعتقاد بموضوعية المعرفة، يقابله الاعتقاد بأن المعرفة لا تقع إلا على الصور والمعاني الماثلة في الذهن، والاعتقاد بأن معرفتنا قاصرة على ما يجيء عن طريق الحس أو يبدو أنه يجيء عن طريقه، يقابله الاعتقاد بأن معرفتنا تنتظم
стр. 459
أيضًا معاني مجردة ومبادئ ضرورية. هذه المذاهب تعود خالصة، أو تختلط فيما بينها بمقادير مختلفة، كأن يكون مذهب وحدة الوجود ماديًّا أو أن يكون روحيًّا معتمدًا على التصورية العقلية؛ أو كأن يكمل المذهب الحسي بشيء من المذهب العقلي كما نرى عند كنط وأشياعه؛ وهكذا مما مر بنا أمثلة كثيرة عليه.
ب- فتطور الفلسفة عبارة عن تداول هذه المذاهب وما تنطوي عليه من مسائل وحلول، تداولًا خاضعًا للبيئة العقلية والعوامل التاريخية وأمزجة الفلاسفة. ألم نر أن لكل أمة عقلية خاصة تغلب على تفكير أبنائها وتلون فلسفتها؟ وأن مذهب الفيلسوف يفسر بتكوينه العقلي والخلقي بل الجسمي أيضًا؟ وتداول المذاهب هذا يجعلنا نقول: إن تقدم الفلسفة قد حدث في الفروع والتفاصيل منذ عهد اليونان دون الأصل واللب، وإن مذاهب الفلاسفة المحدثين تأليفات جديدة لعناصر كانت معروفة. فلا نطلب من تاريخ الفلسفة تطورًا مستقيمًا يمضي من الناقص إلى الكامل ومن الخطأ إلى الصواب. إن مثل هذا التطور لم يحدث إلا في الفلسفة اليونانية حتى اكتملت على أيدي أفلاطون وأرسطو، ثم تناولتها العقول وتصرفت فيها على أنحاء شتى. فكل ما يقدمه لنا تاريخ الفلسفة صور هي أشبه ما تكون بتلك التي يقدمها لنا تاريخ الأدب، حتى لقد صارت الفلسفة فنًّا من الفنون تابعًا للذوق الشخصي والتجربة الذاتية، وذاع الشك في إمكان الوصول إلى حقيقة مشتركة مطلقة. ولكن ما لهذا فكر العقل، وما بهذا يمكن أن يقنع، فتنوع المذاهب أدعى إلى حفز الهمة للبحث عن الحقيقة منه إلى القعود واليأس، لا سيما أن مصيرنا في الميزان: فما فكر الإنسان إلا ليعلم أي طريق يسلك في الحياة. وإن عصرنا الحاضر، على تضارب الآراء فيه، توَّاق إلى فلسفة تكفل الأخلاق والدين, ولكنه لا يملك لمثل هذه الفلسفة إلا أسبابًا واهية متداعية، وما من ريب في أنه قد استنفد محاولات البناء بهذه الأسباب؛ ولا يتسنى البناء إلا بعد الإيمان بالعقل إيمانًا صريحًا قويًّا، والفكر الحديث متردد بين إنكار للعقل وقناعة بالحس فقط، وبين إيمان بعقل مقطوع الصلة بالوجود, ولعل إخفاق التجارب ونفاد الحيل يعودان به إلى الحق يومًا ما.
стр. 460
Brehir "Emile", Histoire de la philosophie, ٢ vol. ١٩٢٧ - ١٩٣٢
المجلد الثاني يدور على الفلسفة الحديثة. وفيه ذكر مراجع كثيرة. ونحن نقتصر هنا على بعض الكتب الإفرنجية المخصصة لكبار الفلاسفة، وبعض الكتب العربية الحديثة العهد.
Liard (Louis) , Descartes, ١٨٨٢ .
Hamelin (Octave) , Le Systeme de Descartes, ١٩١١ .
Bouillier (Francisque) , Histoire de la philosophic cart^sienne, ٢ vol., ٣ c eait. ١٨٦٨ .
Boutroux (Emile) , Pascal, igoo.
Gouhier (Henri) , La philosophic de Malebranche et son experience religieuse, ١٩٢٦ .
Dc bos (Victor) , Le probleme moral dans la philosophic de Spinoza,
١٨٩٣ . Delbos (Victor) , Le Spinozisme, ١٩١٦ .
Russell (Bertrand) , A Critical exposition of the philosophy of Leibnitz, ١٩٠٠ . — Trad. Franc.. ١٩٠٨ .
Couturat (Louis) , La Logique de Leibnitz, ١٩٠١ .
Boutroux (Emile) , Editions de la Monadologie, et dcs Nouveaux Essais sur ١ 'entendement humain, avec Introd. et notes.
Gibson (J.) , Locke's theory of knowledge and its historical relations,
Ollon (H.) , La philosophic generate de Locke, ١٩٠٨ .
Joussain (A.) , Expose critique de la philosophic de Berkely, ١٩٢٠ .
Baladi (Naguib) , Lapensee religieuse de Berkely et l'unite de sa philosophic, Le Caire, ١٩٤٥ .
Hendel (Ch. W.) Studies in the philosophy of D. Hume, ١٩٢٥ . Leroy (Andre ١) , La Critique et la Religion chez D. Hume, ١٩٣٠ .