← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بالمظاهر التي لا تتعارض، أو التي لا تسبب خسارة ذات بال من القوة". وإذا تعمقنا هذا المبدأ حققنا الشرط الثاني للأخلاق العلمية؛ فبلغنا إلى أخلاق خلو من الإلزام والجزاء. ج- ذلك بأن الحياة ليست بقاء فحسب, ولكنها ميل إلى النماء والفيض واندفاع إلى بذل الذات. ولنا شاهد على ذلك في الولادة التي هي جود بالذات, وفيما يبين عنه ترقي الأنواع الحيوانية وتعقدها من حياة متزايدة متنوعة. "الحياة هي الخصب والخصب هو الوجود الحق". "أما الأنانية فتضييق لدائرة نشاطنا ينتهي إلى إفقار هذا النشاط نفسه وإفساده"؛ فالأنانية في الواقع بتر الحياة وانتقاصها. وهكذا تجاوز وجهة النظر الفردية، فإن الفرد لا يستطيع أن يحيا تمام الحياة إلا في المجتمع وبالمجتمع، وهو يجد في الروابط الاجتماعية واللذات الفنية والحياة الخلقية بما فيها من بذل وتضحية، مصادر عواطف رفيعة جميلة قوية لا تقاس إليها عواطف الحياة الحيوانية, بدليل أن الذي يتذوقها يحس باستحالة الاستغناء عنها, فالإنسان القوي الحيوية يرى نفسه مدفوعًا نحو هذه الحياة العالية وما تتطلبه من مغامرة ومخاطرة, بغير إلزام من خارج ولا جزاء يرجى. يسقط الأمر الخلقي إذن ولا يبقى إلا "معادلات له" هي: الشعور بقدرتنا الباطنة على أن نعمل أعظم فأعظم، وتأثير الفكر على العمل, والتعاطف المتزايد والصفة الاجتماعية المتزايدة للذاتنا وآلامنا، وحب المغامرة والخطر ولذة الجهاد، وحب الفرض الميتافيزيقي الذي هو ضرب من المغامرة في الفكر. وأما الجزاء ففكرة منقودة من نواحٍ عدة، وهي لا تفهم إلا من وجهة المنفعة الاجتماعية لا من الوجهة الخلقية. د- وعلى هذا النسق ينهج جيو في معالجة المسألة الدينية، فإنه يكرر الاعتراضات على وجود الله الواردة في تاريخ الفلسفة, ويلح في الاعتراض المأخوذ من وجود الشر في الطبيعة وفي الإنسان. ثم يقول: إن العاطفة الدينية تظل قائمة بعد الإلحاد, فما هي إلا الشعور بتبعيتنا ماديا وخلقيا واجتماعيا للكون ولمنبع الحياة المتدفقة فيه. ولكنه في الواقع يبدد الدين والأخلاق جميعًا. أين الخلقية في مذهبه؟ إن صاحب اللذة يبذل من ذاته وماله بذلًا عنيفًا في سبيل غايته، وما من أحد يعتبر سيرته خلقية. فإن قيل: إن الحياة الرفيعة هي الجديرة بأن تحيا، قلنا: وإذن فليس المثل الأعلى مطلق الحياة ومطلق البذل، بل لا بد من قاعدة

стр. 387

تتوخى لبذل الحياة. وإن القاعدة، وإن المفاضلة بين حياة رفيعة وحياة دنيئة، ليستا من "العلم" في شيء, ولكنهما تعتمدان على الميتافيزيقا التي لا يريدها جيو. فإذا ما سلمنا بتفضيل الحياة الرفيعة فإنما نسلم لأننا نراها الجديرة بالإنسان من حيث هو إنسان. وهذه الصلة بين الماهية الإنسانية وضرب من الحياة يلائمها دون سواه، هي "الوجوب العقلي" الذي تحدث عنه رنوفيي والذي هو أصل الإلزام الخلقي كما قلنا في الموضوع. كذلك الجزاء ما هو في الحقيقة إلا أثر العمل. أما إذا كانت الأفعال صادرة عن مجرد فيض من باطن تصاحبه لذة معينة، دون غاية مفضلة وقاعدة محترمة, فقد عدنا إلى مذهب اللذة وقد ساوت أفعالنا سائر الأفعال التلقائية, وبطلت أن تكون خلقية. وإن جيو ليحاول أن يوجد نوعًا من الإلزام بقوله: إن الفرد لا يحيا تمام الحياة إلا بالمجتمع, ولكنه يقع في نفس الخطأ الذي ألحف في مؤاخذة النفعيين عليه, إذ يريدون الفرد على أن يفضل المنفعة العامة بعد أن يقولوا: إن المنفعة الخاصة هي الأصل والمبدأ, ولم ير أن الأناني المسترشد بمذهب الأنانية في حل من استغلال المجتمع والإفادة منه ما استطاع إلى الإفادة سبيلًا. هذا عن الأخلاق, أما عن الدين فإن الشعور بالتبعية للكون لا ينقلب عاطفة دينية بمعنى الكلمة إلا إذا اعتقدنا أن وراء الكون أو فوقه إلهًا شخصيًّا هو خالقه ومنبع الحياة المتدفقة فيه. وفي هذه الحالة لا يتصور الدين بغير عقيدة تشتمل على صفات لازمة للإله وعلاقة بيننا وبينه، وجيو لا يريد عقيدة لأنه أراد "العلم" دون العقل والميتافيزيقا، وهذا عيب مشترك بين هذه المذاهب التي تصدت لإثبات الحرية والروحية بالتجربة فحسب، وليست التجربة بذاتها برهانًا إذا لم تستمد من العقل مبدأ البرهان.

стр. 388

المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا مدخل ... المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا ١٨٩ - تمهيد: أ- شغلت ألمانيا بفلسفة كنط وفلسفة هجل، فقام فيها لكل منهما أشياع شارحون مؤيدون، وآخرون أحرار بعض الشيء, كما قام معارضون. ولن نقف هنا عند تاريخ الحركة الكنطية، فإنها لا تتضمن شيئًا جديدًا. ولن نقف عند تاريخ الهجلية بأكثر من القول بأن فريق التلاميذ الأمناء دعوا بحزب اليمين أو المحافظين لتمسكهم بالنتائج التي وصل إليها هجل واعتبرها مطلقة بالرغم من قوله بالصيرورة، وهذه النتائج هي الفلسفة التصورية والديانة المسيحية والفن الروماني والدولة البروسية البيروقراطية؛ وأن فريق التلاميذ الأحرار وكانوا أكبر عددًا وأعظم قدرًا، دعوا بحزب اليسار أو التقدميين، وتمسكوا بالمنهج فقالوا: ليس للحقائق صفة نهائية من حيث إنها صورة مختلفة للروح المطلق وإن هذا الروح يتقدم باستمرار, وراحوا يعيدون النظر في الدين والاجتماع وفقًا لهذا المنهج. أما في الدين فقد نبتت فكرة تنافس غير واحد منهم في التدليل عليها، وهي أن المسيحية نتاج الضمير الإنساني، ففسر الإنجيل على هذا الاعتبار واعظ مشهور هو شلير ماخر " ١٧٦٨ - ١٨٣٤ " وزعم شتراوس " ١٨٠٨ - ١٨٧٤ " في كتابه "حياة يسوع" " ١٨٣٥ " أن حياة المسيح أسطورة صاغتها مخيلة المسيحيين الأولين مما كان يتصوره السلف عن المسيح المنتظر، وأنه يجب أن نستعيض عن فكرة المسيح التاريخي بالفكرة الهجلية التي ترى في المسيح مثلًا أعلى هو الإنسانية مؤلهة. وشتراوس إلى ذلك يمضي بالهجلية صوب المادية, وذهب فويرباخ في كتابه "ماهية المسيح" " ١٨٤١ " إلى أن خلاص العالم يقتضي العدول عن المسيحية, بل عن كل دين يؤمن بإله مفارق، فما هذا الإله سوى خيال يخلع عليه الإنسان كمالاته الخاصة، ما هو إلا المثل الأعلى للإنسان أو الإنسان كما يجب أن يكون وكما سيكون.

стр. 389

ب- وفي هذه المقالة نستعرض ثلاث طوائف من الفلاسفة: الطائفة الأولى تشمل ثلاثة كان لكل منهم مذهب ميتافيزيقي ومشاركة في علم النفس، وهم: لوتزي وفخنر وفوندت. والطائفة الثانية تتألف من الماديين، وأشهرهم كارل ماركس. والطائفة الثالثة تضم اثنين عنيا بالأخلاق، وهما هارتمان ونيتشي.

стр. 390

الفصل الأول: ميتافيزيقا علم النفس ١٩٠ - لوتزي " ١٨١٧ - ١٨٨١ ": أ- كان يجمع بين الميل إلى الفلسفة والميل إلى العلم، فحصل من جامعة ليبزج على الدكتوراه في الفلسفة والدكتوراه في الطب. وعين أستاذًا للفلسفة بجامعتي جوتنجن وبرلين. له كتاب في "ما بعد الطبيعة" " ١٨٤١ " يفسر فيه العالم بثلاث ممالك مترتبة: الأولى "مملكة القوانين الكلية الضرورية التي هي شرط لكل وجود ممكن" وهنا تنطبق نظرية كنط في المقولات، وبواسطتها يمكن وضع الأسس التي تقوم عليها العلوم، لكن لا يمكن استنباط أية ظاهرة. والمملكة الثانية "مملكة الظواهر" وهي تدرك بالحواس وليس لنا من سبيل آخر لإدراكها. والمملكة الثالثة "مملكة القيم" نرى فيها الموجودات تتوجه إلى "الخير بالذات". في هذه المملكة, أي: بهذا الخير بالذات، يصل حدسنا للعالم إلى الوحدة، فنثبت وحدة الجوهر في العالم, ونحن نثبتها أيضًا باعتبار استحالة التفاعل بين الأشياء, فإن الفعل عرض والعرض لا ينتقل بذاته. وعلى ذلك لا يؤثر الشيء المعروف في العارف؛ ولا يؤثر الجسم في النفس أو النفس في الجسم. كل تفاعل فهو وهم، والأجسام مجرد ظواهر والنفوس فيوضات من الجوهر الأوحد، والفعل الذي يبدو متعديًا هو فعل حادث بين موجودين متناهيين حدوثًا ظاهريًّا فقط، والحقيقة أنه فعل المطلق في ذاته. ب- على أن لوتزي يعدل هذا المذهب في كتاب "علم النفس الطبي" " ١٨٥٢ " وكتاب "العالم الأصغر" أي: الإنسان "في ٣ مجلدات: ١٨٥٦ - ١٨٦٤ " فإنه يبدأ بوحدة الأنا المدرك بالحدس على أنه جوهر، ويدلل على روحانيته، ويدفع عنها اعتراضات الماديين، ثم يستند إلى طموح النفس إلى الكمال فيقول بوجود روح أعظم وشخص متمايز منا, وهو الذي رتب الكل تبعًا للخير: "إن الموجود الحق الذي هو موجود, والذي يجب أن يوجد، ليس المادة وليس من باب أولى المثال الهجلي، ولكنه الله الروح الحي الشخصي وعالم

стр. 391

الأرواح الشخصية التي خلقها، وذلك هو مكان الخير بالذات وسائر الخيرات". كذلك يثبت موضوعية الظواهر باعتبارها موضوعات العلوم الواقعية، ويحاول أن يفسر هذه الموضوعية دون الخروج على التصورية فيعرض نطرية "العلامات المكانية". ج- هذه النظرية مقصورة على إدراك المكان باللمس والبصر، وهي ترمي إلى بيان أن التأثيرات الواردة من خارج على العين وعلى سطح الجسم متمكنة ومختلفة بعضها من بعض بأمكنتها, فكل نقطة من الشبكية أو أديم الجلد تنفعل بكيفية خاصة بها وكل تأثير يعرض للشعور له طابع متميز، وهذا الطابع هو "العلامة المكانية" وهي إحساس عضلي مصاحب للتأثير اللمسي أو البصري، وهي "نظام من الحركات" أو من الميول للحركة يبعثها كل تأثير, وهي أيضًا "موجة الإحساسات الثانوية" إذ إن كل تأثير على نقطة من الجسم فهو يحدث في المنطقة المجاورة توترا أو ضغطا يعين مكان التأثير في الجسم تعيينا دقيقا. هذا هو الحل الذي رآه لوتزي وسطًا بين التصورية القائلة: إن إدراكنا إنما ينصب أولًا وبالذات على ظاهرة وجدانية، وبين الوجودية التي تضع في الخارج مقابلات للظواهر, فيحاول هو تفسير الانتقال من الأثر الجسماني إلى الإدراك النفسي باعتبار اختلاف الأمكنة اختلافًا في الطابع أو الكيفية. ١٩١ - فخنر " ١٨٠١ - ١٨٨٧ ": أ- أستاذ بجامعة ليبزج. عرف أولا بمذهب ميتافيزيقي لم يكن ليذكر لولا غرابته في العصر الحديث وتأثيره مع ذلك في بعض المفكرين الأمريكيين, ومنهم وليم جيمس. فإنه يذهب في كتابه "زند أفستا أو أمور السماء وما بعد الموت" إلى أن الميتافيزيقا علم حق يقوم على حاجة فينا للإيمان بمبدأ عدل وخير، وأن الدليل الأقوى على وجود هذا المبدأ هو كوننا نبحث عنه ولا يسعنا إلا أن نبحث عنه. ثم إن معيار الإيمان فائدته العلمية؛ ولهذا الإيمان فائدة كبرى. ومنهج الميتافيزيقا تصور العالم على مثال وجداننا، فكما أن موضوع العلم الطبيعة المنظورة المعلومة بالملاحظة والاستقراء، فكذلك موضوع الميتافيزيقا باطن الطبيعة يدرك بالحدس الباطن. هذا الحدس يظهرنا على أن الوجدان تقدم أفعال من الماضي

стр. 392

إلى الحاضر فإلى المستقبل، وأنه كثرة أفعال في وحدة غير متجزئة. فالعالم من ثمة وحدة حاصلة على نفس الخصائص، إلا أنه غير محدود. العالم وجدان واحد هو وجدان الله؛ وكل وجدان، مع تميزه من غيره في الظاهر، فهو مظهر من الوجدان الكلي. والكواكب ملائكة السماء، والأرض متنفسة لأنها كل منظم بفصولها المطردة؛ وأجزاؤها نفوس الموجودات الأرضية من نبات وحيوان وإنسان, وهذه النفوس بالإضافة إليها كأفكارنا بالإضافة إلى أنفسنا. ب- لكن شهرة فخنر قائمة على أنه مؤسس علم النفس الفيزيقي، ولو أنه يضيف هذا الشرف إلى أرنست هنريخ فيبر " ١٧٩٥ - ١٨٧٨ " أستاذ التشريح بجامعة ليبزج الذي كان بدأ تجاربه في قياس الإحساسات سنة ١٨٣٠ وبعد ست عشرة سنة أعلن القانون المعروف باسمه, وهو: "إن الزيادة في قوة المؤثر الضرورية لإحداث أقل زيادة مدركة في الإحساس، هي كسر مطرد من هذه القوة". وهذا القانون صحيح على وجه التقريب في الإحساسات المتوسطة القوة، ولكنه لا يعني أن القياس واقع على الإحساسات بما هي ظواهر وجدانية. فشرع فخنر يجري التجارب, وكان كتابه "مبادئ علم النفس الفيزيقي" " ١٨٦٠ " أول كتاب منظم في علم النفس مبني على الرياضيات. ج- وهو يعرف علم النفس الفيزيقي بأنه "مذهب مضبوط في العلاقات بين النفس والجسم، وبصفة عامة بين العالم الفيزيقي والعالم النفسي". فنحن بإزاء علم تجريبي بحت يتناول الظواهر وقوانينها دون أن يعرض لجوهر النفس ولا لجوهر الجسم, ولما كان الفرض مشروعًا في العلم الواقعي افترض فخنر أن التقابل بين النفس والجسم يرجع إلى أن ما يبدو أنه النفس من الداخل يبدو أنه الجسم من الخارج، وهذا ما سمي "التوازي النفسي الفيزيقي" وقد صادفناه عند ليبنتز وسبينوزا وغيرهما كنتيجة لمذهب ميتافيزيقي، في حين أنه عند فخنر فرض علمي يشرف على علم مستقل يتخذ من قياس الظواهر الخارجية, وما تحدثه فينا من ظواهر عصبية قياسًا للظواهر النفسية التي لا تقاس مباشرة. د- وبعد تجارب طويلة وضع فخنر هذه النتيجة وهي: لكي يزيد الإحساس أقل فرق مدرك يجب أن تكون الزيادة في المؤثر ١/ ١٧ للمجهود العضلي و ١/ ٣ للمس والحرارة والصوت، و ١١/ ١٠٠ للضوء, ثم عين الحد الأدنى للمؤثر في

стр. 393

كل حس "وهو الحد الذي يدعى بالعتبة" ووضع بناء على ذلك جدولين للزيادات: أحدهما للمؤثرات والآخر للإحساسات؛ ولما كانت زيادة المؤثرات مقيسة تبعًا لنسبة مطردة كما تقدم، اعتقد أنه يكفي أن نفترض أن كل زيادة مدركة في الإحساس تمثل "وحدة هي هي دائمًا" فنحصل على سلسلتين متزايدتين يمكن المقارنة بينهما مقارنة رياضية، ووضع هذا القانون: "حين يزداد التأثير بنسبة هندسية يزداد الإحساس بنسبة حسابية فقط" أو "أن الإحساس يعادل لوغارتم التأثير". ولكن ليس بصحيح أن "جميع الزيادات المدركة للإحساسات متساوية الكم" أو أن للإحساس في ذاته مقدارًا يقاس مباشرة, فإن الإحساس في ذاته فعل حيوي وكيفية نلاحظ تغيراتها ولا نستطيع تقديرها تقديرًا رياضيًّا. أجل, إن السلسلتين متضامنتان، وقانون فيبر صحيح، ولكن القانون الرياضي الذي وضعه فخنر شيء آخر ولا يمكن قبوله. وقد أثارت أبحاث فخنر اهتمامًا بالغًا ومناقشات حادة وحركة واسعة للتجارب في ميدان علم النفس. ١٩٢ - فوندت " ١٨٣٢ - ١٩٢٠ ": أ- تلميذ العالم الطبيعي والفسيولوجي هلمولتز " ١٨٢١ - ١٨٩٤ " الذي عني بدراسة الإحساسات من الوجهة الفسيولوجية. وهو يصدر أيضًا عن هربارت وفخنر فيرى أن دراسة الظواهر النفسية لا تصير علمية إلا بالاختبار المصحوب بالمقاس للحصول على قوانين مضبوطة. ونشر كتابًا في "مبادئ علم النفس الفسيولوجي" " ١٨٧٤ " وعين في السنة التالية أستاذا بجامعة ليبزج، وأنشأ بها أول معمل للاختبارات النفسية " ١٨٩٧ " فكان هذا حدثا مهما جذب إليه طلابا كثيرين من جميع البلدان. وقد دافع عن قانون فخنر واعتقد مثله أن الظواهر الشعورية تقاس حقا بوساطة آثارها. ولكنه وسع مجال الاختبار, فجاوز علم النفس الفيزيقي أو قياس الإحساسات بوساطة المؤثرات الخارجية، إلى علم النفس الفسيولوجي أو قياس جميع الظواهر النفسية بوساطة مقابلاتها الفسيولوجية. ب- وقد عرض للفلسفة وفروعها ودوّن فيها الكتب ناهجًا المنهج الوجداني الذي يحكم على الأشياء تبعًا للشعور. والفلسفة عنده "محاولة تفسير الظواهر التجريبية وتوحيدها". والظاهرة التجريبية هي الظاهرة الشعورية التي هي وحدة

стр. 394

ذات وجهتين: وجهة ذاتية فاعلية هي كونها فعلًا حيًّا خاصًّا بالوجدان, ووجهة موضوعية انفعالية هي ما تمثله، وبدراسة الوجهة الذاتية الفاعلية نحصل على علم النفس، وبدراسة الوجهة الموضوعية الانفعالية أو مختلف الوجهات الموضوعية نحصل على سائر العلوم. وتفسير التجربة مهمة الفهم بمعانيه؛ وتوحيد التجربة مهمة العقل بوساطة مبدأ السبب الكافي. وليس المقصود بالفهم والعقل ههنا ما عناه كنط، فإن فوندت يرفض التصورية ويقول: إن كل فكرة مشروعة هي إدراك موضوعي، لكن الفهم يركب العلوم الواقعية في حدود التجربة, وذلك بقوانينه أو مبادئه ومنها المثل الأعلى في الفن وفي الأخلاق, فليس فوندت حسيا أو واقعيا ولكنه على العكس يرى أن تنظيم التجربة يفتقر إلى مبدأ أعلى منها؛ ويبحث العقل عن أقصى توحيد للظواهر فيجده بفضل مبدأ السبب الكافي الذي هو قانون الوحدة المهيمن على كل بحث علمي، والذي يثبت أنه لكي تكون المعرفة معقولة تمام المعقولية يجب أن ترتبط أجزاؤها فيما بينها, بحيث تكون كلًّا بريئًا من التناقض. ج- بناء على ما تقدم يكون التفسير والتوحيد كما يلي: إذا اعتبرنا الظاهرة الشعورية من الوجهة الذاتية رأيناها تمتاز بالفاعلية، ولما كان خير مظهر للفاعلية هو النزوع أو الإرادة, كان السبب الكافي الموحد إرادة أصيلة عميقة، دون أن نفترض لها جوهرًا تقوم فيه. وإذا اعتبرنا الظاهرة الشعورية من الوجهة الموضوعية رأيناها تمتاز بالانفعال والتنوع, فيكون الموضوع الخارجي متكثرًا, ويكون السبب الكافي للموضوعات جملة وحدات مرتبطة فيما بينها. ويبدو ارتباط آحاد الإنسان في مجتمعات متفاوتة هي: الأسرة والقبيلة والنقابة والأمة والإنسانية. على أن الإنسانية الموحدة لم تتحقق بعد، ويجب على الأفراد أن يتخذوا منها غاية وقاعدة لأفعالهم الأخلاقية. بيد أن هذه الإنسانية نفسها محدودة حتمًا في المكان والزمان, فلا يمكن أن تكون السبب الكافي لإرادتنا التي هي نزوع غير محدود، فيجب أن نجاوزها إلى فكرة إله كامل غير متناهٍ هي لازمة عن مبدأ السبب الكافي لزوما ضروريا. د- وقد كانت لفوندت مساهمة كبيرة في علم نفسية الشعوب, أو تكوين

стр. 395

الحياة النفسية, فنشر فيه كتابًا ذا مجلدين سنة ١٩٠٤ زاده إلى عشرة مجلدات للطبعة الثالثة التي صدرت بين سنتي ١٩١١ و ١٩٢٠. وهو يبحث في المظاهر الكبرى لنفسية الجماعة من لغة وفن وأسطورة ودين واجتماع وقانون وحضارة. ويستخلص فوندت من هذا العلم أصول الأخلاق، فيصل إلى هذه النتيجة: إن الضمير، سواء في الشعوب وفي الفرد, وفي جميع أوقات نموه، يعتبر أن الفعل الخلقي هو المفيد للفاعل أو للآخرين كي يستطيع هو ويستطيعوا هم أن يحيوا وفقًا لطبيعتهم ويزاولوا قواهم ووظائفهم. غير أنهم يتدرجون في فهم طبيعتهم وأخلاقهم؛ فقد كانت السيادة في الإنسانية الأولى تكاد تكون للقوة البدنية وحسب، فكانت أخلاق الفتح هي المرعية؛ ثم تقدمت الحضارة وتنظمت الجماعة وأصبح الخير قائمًا في أن يعمل الفرد لفائدة الكل، فإن الغاية القصوى للاجتماع الإنساني نمو القوى الروحية، وإن الفعل يعتبر صالحًا متى كان معاونًا على هذا النمو، ويعتبر طالحًا متى كان عائقًا له.

стр. 396

الفصل الثاني: مادية ١٩٣ - لفيف من الماديين: أ- هم نفر من الأطباء وعلماء الطبيعة أيدوا المادية التطورية، وأنكروا الميتافيزيقا، وحملوا على الدين حملات شعواء، فانبرى لهم خصوم فأقاموا جميعًا ضجة هائلة. نذكر منهم: ب- مولسكوت " ١٨٢٢ - ١٨٩٣ " فسيولوجي هولندي علَّم بهيدلبرج وروما. قال: لا "فكر بغير فسفور". ج- كارل فوجت " ١٨١٧ - ١٨٩٩ " عالم حيوان. قال: "الفكر بالإضافة إلى الدماغ كالصفراء بالإضافة إلى الكبد". د- بوخنر " ١٨٢٤ - ١٨٩٩ " طبيب دوَّن كتابًا دعاه "القوة المادية" حسبه الدكتور شبلي شميل الكلمة الأخيرة للفلسفة ونقله إلى العربية. وقضيته الكبرى أن المادة مستودع جميع القوى الطبيعية وجميع القوى التي تدعى روحية. هـ- أرنست هكل " ١٨٣٤ - ١٩١٩ " أستاذ علم الحيوان بجامعة يينا " ١٨٦٥ ". أيد مذهب التطور وأرجع الإنسان إلى الحيوان قبل دروين. وكتابه المشهور "ألغاز الكون" " ١٨٩٩ " يعرض المادية الآلية، فيقول: إن الموجود الضروري الوحيد هو المادة، وإن الحياة ترجع إلى أصل واحد هو "المونيرا" التي تركبت اتفاقًا من الأزوت والهيدروجين والأكسجين والكربون، ثم تطورت على التوالي حتى تكونت جميع الكائنات الحية. ويعد هكل اثنتين وعشرين حلقة بين المونيرا والإنسان, ويصفها مستعينًا ببقايا الأحياء في طبقات الأرض، ولكي يؤيد التدرج في التطور يعدل في بنية بعضها ويسد الفراغ بتخيل كائنات حية لم توجد. ولو أن واحدًا من المؤمنين أراد أن يؤيد الدين بتزوير من هذا القبيل لما فرغ الملحدون من التهكم والسخط.

стр. 397

ولنجي: هجلي مادي؛ له كتاب في "تاريخ المادية" " ١٨٦٦ " يعتبر مرجعًا في تاريخ الفلسفة. وهو معروف بنظرية في الانفعالات قريبة من نظرية وليم جيمس ومذكورة في كتب علم النفس. ١٩٤ - كارل ماركس " ١٨١٨ - ١٨٨٣ ": أ- هو نبي الشيوعية العصرية النافخ في نارها حتى أشعلها ثورة عالمية. ولد من أبوين يهوديين كانا قد اعتنقا البروتستانتية من قبل أربع سنين. ولما درس الفلسفة أعجب بجدل هجل، ولكنه أنكر إسرافه في التصورية فاعتنق المادية. علم الفلسفة بجامعة بون، ثم زج بنفسه في العمل الاجتماعي والسياسي " ١٨٤١ " فكان صحفيا وداعية للثورة. حرر في بروكسل مع صديقه فردريك إنجلز "بيان الشيوعيين" وحاول أن ينظم الحزب الاشتراكي في ألمانيا ولكنه اضطر أن يلجأ إلى لندن " ١٨٤٨ " حيث دون كتبه الكبرى, وهي: "نقد الاقتصاد السياسي" " ١٨٥٩ " و"نداء إلى الطبقات العاملة في أوروبا" " ١٨٦٤ " وكتابه الأشهر "رأس المال" " ١٨٦٧ " وفي الوقت نفسه كان يواصل دعوته الثورية متخذًا هذه الكلمة شعارًا "أيها المعوزون في جميع البلدان اتحدوا! " فأسس في ١٨٦٦ "الدولة الاشتراكية" الأولى التي ظلت قائمة إلى ١٨٧٠، ولكن الحرب بين ألمانيا وفرنسا، وحبوط الفتنة الشيوعية بباريس، أضعفا نفوذها إلى حد كبير، ثم قضت عليها الخلافات بين أعضائها، فأسس الفوضوي الروسي باكونين هيئة منافسة " ١٨٧٤ " وأسس لاسال بألمانيا حزبًا لاماركسيا. ومضت الحركة الاشتراكية في طريقها، ولكنها كانت تعتمد أكثر فأكثر على النقابات والجمعيات المهنية؛ وفي المؤتمر الدولي المنعقد بباريس سنة ١٨٨٩ أنشأ تلاميذ ماركس "الدولية الثانية" "ومنهم الألمانيان بيل وليبنخت" وجعلوا مقرها لندن، واستمرت إلى أيامنا بينما يدير السوفييت في موسكو منذ ١٩١٧ "الدولية الثالثة الشيوعية". ب- تعتبر الماركسية أكمل تعبير عن المذهب الاشتراكي, ولها الآن النفوذ الأكبر في الحركات العمالية. وقد أراد ماركس أن يكون كتابه "رأس المال" عرضًا لعلم الاقتصاد، وكانت هذه الخاصية سببًا قويًّا في رواج الكتاب والعصر عصر اعتداد بالعلم ومناهجه المضبوطة، ولكن في الكتاب مذهبا فلسفيا

стр. 398

يتألف من المادية التاريخية والجدلية على طريقة هجل، ومن الشيوعية الإلحادية التي هي نتيجتها. ج- المادية التاريخية الجدلية مبدؤها أن المادة هي كل الموجود, وأن مظاهر الوجود على اختلافها نتيجة تطور متصل للقوى المادية. غير أن ماركس قليل العناية بدراسة المراتب العليا، وهو يوجه همه إلى دراسة التاريخ الإنساني, ومن هنا جاء وصف مذهبه بالمادية التاريخية. فعنده أن نمو الحياة الإنسانية، فردية واجتماعية, يتوقف كله على الظروف المادية والاقتصادية، وأن درجة الحضارة تقاس بدرجة الثروة الزراعية والصناعية, وأن نوع الإنتاج في الحياة المادية شرط تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية على العموم. فليس وجدان الناس هو الذي يعين وجودهم، وإنما هو وجودهم الاجتماعي الذي يعين وجدانهم. والحياة الاقتصادية تحقق قانون الصيرورة بأوقاته الثلاثة التي هي القضية ونقيضها والمركب منهما, وهذه هي المادية الجدلية، ومظهرها الاجتماعي الراهن "تنازع الطبقات" ويعرض ماركس الدليل على هذه النظرية بدراسة الحياة الاقتصادية على ما كانت في أيامه. د- ويمكن تلخيص كتابه "رأس المال" في أربع قضايا: القضية الأولى: أن القيمة الحقة لكل سلعة تعادل كمية العمل المتحقق فيها، بحيث يعتبر العامل المصدر الوحيد لهذه القيمة؛ ومن ثمة المالك الوحيد للسلعة. وتقدر هذه القيمة بالزمن المخصص للإنتاج مع مراعاة المتوسط تفاديًا للاختلاف بين عامل وآخر، أي: مع افتراض عامل متوسط المهارة وظروف عادية. القضية الثانية: أن النظام الرأسمالي يحرم العامل جزءًا من قيمة عمله, وهذا الجزء هو الزيادة في قيمة السلعة وهو ربح صاحب المال, وهذا الربح يتكدس فيكون رأس المال. فرأس المال "سرقة متصلة وافتئات على العمل"، وهو أداة سيطرة صاحب العمل علي العامل. فإن الأول لا يدفع إلى الثاني قيمة عمله وإنما يدفع إليه ما يسد رمقه, بل أقل من ذلك إذا رضي العامل تبعًا لقانون العرض والطلب. القضية الثالثة: أن من شأن الصناعة الآلية متى استخدمها الطمع المطلق من كل قيد أن تزيد التعارض عنفًا بين رأس المال والعمل، فإن كبار الماليين يتغلبون على الضعاف من منافسيهم ويؤلفون شركات قوية تستغل المال إلى أبعد حد, وينتهي الماليون المتواضعون وأهل

стр. 399

الطبقة الوسطى إلى الانضمام إلى صفوف المعوزين, فتقف الطبقتان وجهًا لوجه. ولكن المعوزين يحسون تضامنهم في جميع البلدان، فيدركون شيئًا فشيئًا مصلحتهم وحقهم وقوتهم، وكارل ماركس يسهب في وصف مراحل هذا التطور. القضية الرابعة: أن الطبقة العاملة، وهي الحاصلة على الحق والعدد والقوة, ستفوز حتمًا على الماليين فتنزع الملكيات بتعويض أصحابها وتجعل من الثروات والمرافق ملكية مشاعة بين الجميع، فيتناول كل قيمة عمله كاملة ويجد فيها ما يكفي لإرضاء جميع حاجاته ويزيد. ولا يعالج ماركس طريقة تنظيم الشيوعية، ويقتصر على القول في الختام بأن التقدم الصناعي يجعل من المستحيل العود إلى الملكية الصغيرة، وأن من شأن هذه الاستحالة أن يتحقق المجتمع الشيوعي حتمًا في مستقبل قريب أو بعيد على أنقاض المجتمع الرأسمالي. ومهمة الحزب الشيوعي تكوين "عقلية الطبقة" عند العمال وتأليفهم حزبًا سياسيًّا كفيلًا بانتزاع السلطة وإقامة الدكتاتورية العمالية. هـ- هذا هو الجدل التاريخي القائم في الصراع بين الطبقات, والمنتهي حتمًا إلى المجتمع البريء من الطبقات الكامل الاشتراكية! ولكنه باطل من جميع الوجوه؛ إنه باطل في أساسه المادي وفي محاولته استخراج الموجودات على اختلاف أنواعها من المادة البحتة. وإذا كان للظروف المادية والاقتصادية أثرها في حياة الإنسان, فإن هذا الأثر لا يعدو تكييف هذه الحياة وتوجيه بعض أفعال الإنسان, وتبقى القوى الإنسانية ويبقى الوجدان. وهذا الجدل باطل في اعتماده على الإلحاد, قال كارل ماركس: إن الدين أفيون الشعب يجب منعه عنه لكي ينفض التسليم والخنوع وينهض للمطالبة بحقه؛ ولكنه لم يفطن إلى ما ينتج عن الإلحاد من الهبوط بالإنسان إلى درك البهيمة بل إلى أدنى؛ إذ إن الإنسان حينذاك يجري مع غرائزه مطلقًا من القيد الطبيعي الذي نشاهده في البهيمة والذي يقفها عند حد الاعتدال, فلا يعرف رادعًا سوى الخوف من بطش الأفراد والجماعة. وإذا كان الشيوعيون يشبعون الجسم كما يعتقدون، ويأملون أن يستغني الإنسان الشبعان عن الدين, فإنهم واهمون. إن الحاجة إلى الدين أصيلة في النفس لا يمكن اجتثاثها؛ و"ليس يحيا الإنسان بالخبز وحده, بل بكل كلمة تخرج من فم الله". ومن عجب أن تبنى الشيوعية على فكرة العدالة وليست العدالة معروفة من الطبيعة الصماء

стр. 400

وليس الناس متساوين قوة ونشاطًا وذكاء، والنتيجة المنطقية للمادة أن يعتبر الإنسان كائنًا اقتصاديًّا فحسب, قانونه الطمع والمنفعة وتنازع البقاء بالأسلحة الطبيعية. لا عدالة إلا في مذهب يعترف بماهية إنسانية مشتركة بين أفراد النوع، وبحياة إنسانية أرفع من الحياة المادية، وهذان ركنان لا يعترف بهما المذهب المادي. ووهذا الجدل التاريخي باطل في تعريفه لقيمة السلعة، وفي إنكاره لحق الملكية، وفيما يترتب على التنظيم الشيوعي من استبداد شنيع. ليس بصحيح أن قيمة السلعة تقاس بكمية العمل المتحقق فيها، فإن القيمة تابعة أيضًا لمقدار الحاجة إلى السلعة، أو لما يتجلى فيها من ذوق ودقة وصنع، وقد يبذل عمل كثير في مصنوعات غير قابلة للاستهلاك، كالمصنوعات الفنية, فهل نقتل الذوق في النفوس ونحرم الفنون؟ والأصل في رأس المال أنه عمل مدخر، فالملكية حق طبيعي متى استمدت أصلها من العمل نفسه، وإنصاف العامل ممكن دون ظلم غيره وقلب المجتمع رأسًا على عقب, وإذا كان للملكية مساوئ فباستطاعة الحكومة ومن واجبها أن تصحح هذه المساوئ بتشريع معقول يستبقي الملكية ومزاياها. ثم إن الشيوعيين يقدمون لنا دواء هو شر من الداء؛ فإن تحقيق مذهبهم يستلزم إخضاع الفرد للدولة في جميع الشئون وخنق كل حرية فكرية. ونحن لا نصدق أن باستطاعة حكومة أيا كانت أن تعنى بجميع الأفراد وتدبر جميع المرافق, ولكنها فتنة العقول العامة الضعيفة وغرائزهم الجامحة، نوقن أنها لن تلبث أن تخمد إلى توازن بين الطبقات.

стр. 401

الفصل الثالث: أخلاق ١٩٥ - إدوارد فون هارتمان " ١٨٤٢ - ١٩٠٦ ": له كتب كثيرة في الأخلاق وفلسفة الدين وغير ذلك من المسائل الفلسفية والاجتماعية وتاريخ الميتافيزيقا, ولكنه معروف خاصة بكتاب نشره في السابعة والعشرين بعنوان "فلسفة اللاشعوري" " ١٨٦٩ " يجمع فيها بين "إدارة" شوبنهور و"مثال" هجل في "مطلق" متجانس لاشعوري. إن في الكائنات الحية وظائف وغرائز تفترض عقلًا أوسع من عقلنا وأمضى عزمًا، وهو مع ذلك لاشعوري, فالحياة تكشف لنا عن لاشعور عاقل مريد يرشده المثال الهجلي. وقد يوجد شعور في الذرات أيضًا إذ لا تلازم بين الشعوري والنفس، على ما يشهد به الإلهام الفني وتطبيق المقولات كما بين كنط، وكلاهما لاشعوري. فالموجودات مظاهر لاشعور مطلق أو مطلق لاشعوري أراد أن يتحقق فأوجد العالم، وجاء العالم خير العوالم الممكنة يتألف من مراتب يتزايد فيها الشعور من أسفل إلى أعلى. ولكن الشر فيه يربي على الخير إلى حد بالغ حتى ليستحب العدم دونه. فالمثل الأعلى والغاية القصوى لتطور المطلق، طبقًا لمذهب التشاؤم، يجب أن يكون عدم العالم وعدم اللاشعوري نفسه. وإنما يتحقق العدم بنمو الشعور في المطلق، أي: في مظاهره على اختلافها وبخاصة في الإنسان، فيزداد الإحساس بالشقاء الكلي فتؤثر الموجودات عدم الوجود، وهكذا يتحطم العالم الذي يعتبره شوبنهور باقيًا أبدًا فيؤيد الشر. على أن هارتمان يستدرك قائلا أن ليس هناك ما يضمن أن يبقى العالم محطما, إذ من الممكن أن تعود الإرادة الكامنة فتستيقظ! ١٩٦ - فريدريخ نيتشي " ١٨٤٤ - ١٩٠٠ ": أ- أديب مطبوع حشر في زمرة الفلاسفة؛ لأنه فكر وكتب في الإنسان ومصيره, والأخلاق وقيمتها، وفكر تفكير الأديب وكتب كتابة الأديب أو النبي

стр. 402

الملهم، ثم لا نستطيع أن نقول: إنه مبتكر مذهبه؛ فقد أخذ أركانه عن شوبنهور وفاجنر، فلا يبقى له إلا الأسلوب الذي عبر به عن هذا المذهب. كان ابن قسيس وحفيد قسيس وأراد أن يصير قسيسًا فكان في حداثته مستمسكًا بالدين، ثم خرج على الدين والأخلاق بمنتهى الشدة وصار علمًا من أعلام الفكر. توفر على الدراسات اليونانية واللاتينية في المدرسة أولًا ثم في جامعتي بون وليبزج " ١٨٦٤ - ١٨٦٩ ". وقبل الفراغ من الدراسة نشر مقالات في إحدى المجلات لفتت إليه الأنظار بجامعة بال، فعرضت عليه التدريس فيها؛ فحصل على إجازاته العلمية وقصد إليها, ولكي يعين فيها اضطر للنزول عن جنسيته والتجنس بالجنسية السويسرية. فلما نشبت الحرب بين ألمانيا وفرنسا " ١٨٧٠ " كان بمعزل عنها، وكان عاطفًا على فرنسا أم الثقافة مشفقًا عليها وعلى الثقافة من البربرية البروسية. ولكنه خجل من قعوده فطلب إلى السلطة السويسرية الترخيص له بالخدمة في عداد الممرضين فأجيب إلى طلبه، ولم يكن بوسعه أن يفعل أكثر من ذلك لأن سويسرا كانت محايدة. وبدلته الحرب رجلا آخر وجعلت منه ألمانيًّا فخورًا بألمانيا, يمجد الحرب لأنها تبعث القوة في الإنسان وتوجهه إلى الجمال والواجب. ولكنه أصيب بالدوسنتاريا والدفتريا، وصادف المرض في بدنه استعدادًا وراثيًّا فأوهنه سنين عديدة حتى اضطره إلى الانقطاع عن التدريس؛ فاعتزل منصبه في ١٨٧٩ وبعد عشر سنين انتهى به المرض إلى الشلل الكلي والجنون. فظل على هذه الحال عشر سنين حتى وافته منيته. وقد قالت أخته: إن السبب الرئيسي في مرضه الأخير إدمان الكلورال استجلابًا للنوم. ب- وهو في ليبزج وقع له كتاب شوبنهور "العالم كإرادة وتصور" فأعجب به واعتنق المذهب ودعا صاحبه "أباه". ومنذ ذلك الحين أقبل على الفلسفة إذ وجد أنها تنظر في الإنسان والعالم مباشرة بينما الأدب يظهرنا على العالم والإنسان خلال الكتب. وما إن دب فيه المرض حتى ثار عليه وعلى تشاؤم شوبنهور واعتنق مبدأ "الحياة" فكان المرض شاحذًا لإرادته موحيًا إليه بالشجاعة دافعًا به إلى توكيد حياته بالرغم مما كان ينتابه طول حياته من آلام في الرأس والعينين والمعدة. وقد قال في ذلك: "لم يستطع أي ألم ولا ينبغي أن يستطيع أن يحملني على أن أشهد زورًا في حق الحياة كما تبدو لي! " وكان يتقبل الألم كامتحان ورياضة

стр. 403

روحية، وينكر على المريض أن يكون متشائمًا، وقد قال: "إن حياتي عبء ثقيل، ولقد كنت تخلصت منها منذ زمن طويل لو لم أر أني وأنا في حالة الألم والحرمان هذه كنت أقوم بأكثر الملاحظات والتجارب فائدة في الميدان الروحي والخلقي. إن الشره إلى العلم يرتفع بي إلى أعمال أنتصر فيها على كل ألم وكل يأس" وهذه ناحية تثير العطف عليه وتقوم عذرًا له. ومنذ ذلك الحين انحصر تفكيره في نقطتين: إحداهما نقد القيم الأخلاقية والدينية, والأخرى قلب هذه القيم أو عكسها بوضع "إرادة القوة" في المحل الأول. ج- ومن بال قصد إلى رتشارد فاجنر، فإذا بهما متفقان على الإعجاب بشوبنهور. وتوثقت الصلة بينهما، ثم فصمها نيتشي وقد حاول أن يثني صديقه العظيم عن تشاؤمه فلم يفلح. وهو مدين له بفكرة من أهم أفكاره، وقد وجدها في كتيب مخطوط بعنوان "الدولة والدين" يقول فيه فاجنر: إنه كان اشتراكيا، لا بمعنى أنه كان يريد المساواة بين جميع الناس، بل كان يريد أن يراهم محررين من الأعمال الدنيئة يرتفعون إلى فهم الفن؛ ولكنه أدرك أنه أخطأ وأن العامة لا ترتفع إلى المستوى الذي كان ينشده، وأن المسألة التي يتعين حلها هي هذه: كيف نقود العامة إلى أن يخدموا ثقافة مقضيا عليهم أن يجهلوها، وإلى أن يخدموها بإخلاص ونشاط حتى التضحية بالحياة؟ إن جميع الموجودات تخدم غايات الطبيعة, فكيف تحصل منهم الطبيعة على الاستمساك بالحياة وخدمة غاياتها؟ إنها تحصل منهم على هذا الغرض بخداعهم. وذلك أنها تضع فيهم الأمل في سعادة دائمة ترجأ دائمًا، وتضع فيهم غرائز تضطر أدنى البهائم إلى أعمال شاقة وتضحيات طويلة. كذلك يجب تعهد المجتمع بخدع تستبقي كيانه, أهم هذه الخدع الوطنية، فإنها تكفل بقاء الدولة والملك؛ ولكنها لا تكفي لضمان ثقافة عالية؛ إنها تفسر الإنسانية وتعمل على نمو القسوة والبغض وضيق العقل. فثمة خدعة أخرى تصبح ضرورية هي الخدعة الدينية, فإن العقائد ترمز إلى الوحدة الوثيقة والمحبة العامة, ويجب على الملك أن يؤيدها في شعبه. فإذا تشبع الساذج بهاتين الخدعتين استطاع أن يحيا حياة سعيدة شريفة. بيد أن حياة الأمير ومشيريه أعظم شأنا وأكثر خطرا. إنهم ينشرون الخدع، فهم إذن يعلمون قيمتها، ويعلمون أن الحياة في الحقيقة تراجيدية، وأن الرجل العظيم يجد نفسه كل يوم تقريبًا في الحالة التي ييأس

стр. 404

فيها الرجل العادي من الحياة ويلجأ إلى الانتحار. فالأمير والصفوة المحيطة به يرغبون لأنفسهم خدعة مريحة يمالئونها على أنفسهم. هذه الخدعة هي الفن، والفن ينقذهم بأن يلطف من آلامهم ويزيد في شجاعتهم. هذه خلاصة رسالة فاجنر، وقد رأى نيتشي أن روح شوبنهور ظاهر فيها. وسوف ينسج على منوالها أو يؤيدها بشواهد من تاريخ الثقافة اليونانية. د- فعل ذلك في أول كتاب مهم له، وهو "نشأة التراجيديا". ظهر هذا الكتاب في آخر يوم من سنة ١٨٧١ , ولما أعيد طبعه بعد خمس عشرة سنة أضاف نيتشي إلى العنوان السابق عنوانًا ثانيًا هو "اليونانية والتشاؤم" لزيادة إيضاح موضوعه. وهو يذهب فيه إلى أن قدماء اليونان مروا بعهدين متعارضين: كان العهد الأول في القرن السابع والسادس. فكان اليونان مليئين حياة أصيلة وقوة ساذجة, يداخلهم شعور تراجيدي وتشاؤم, وتداخلهم شجاعة تدفعهم إلى قبول الحياة ومخاطرها. إذ كانوا يعتقدون، كما يعتقد الأوروبيون الآن، بالقوى الطبيعية, وبأن واجب الإنسان أن يخلق لنفسه فضائله وآلهته, فازدهرت التراجيديا تدور كلها على توكيد الإنسان لقوته في مغالبة القدر وتنطق بالحكمة القوية والشعر الغنائي. ولكن التراجيديا سقطت فجأة بعد سوفوكليس كأن كارثة قضت عليها، بخلاف سائر الفنون التي جاء انحطاطها بطيئًا تدريجيًّا. ذلك بأن سقراط بدأ العهد الثاني، سقراط ابن الشعب ابن أثينا، ذلك الرجل الفقير الدميم الساحر، الذي هدم بتهكمه المعتقدات الساذجة التي كانت قوة الأجداد، وحمل التراجيديا. فاضطرب أوريبيدس، وعدل أفلاطون عن شعره التمثيلي وفرض على الناس, جريًا مع أستاذه، خدعة كانت مجهولة لدى القدماء هي فكرة طبيعية معقولة يدركها العقل الإنساني ويدرك أنها مصدر النظام. فالتخريج السقراطي والدعة الأفلاطونية يحملان طابع الانحطاط، وما نتحدث عنه من فرح اليونان وصفائهم إنما كان ثمرة عصور الاستعباد. هذا بينما كان القدامى مشغوفين بالمجد والفن، وكانوا يعلنون أن العمل اليدوي شيء مخجل وأنه يستحيل على المعنى بتحصيل رزقه أن يصير فنانًا، فاصطنعوا الرق لكي ييسروا لأقلية من البشر "الأولمبيين" أن يتوفروا على الفن. فالرق ضروري للفن والثقافة, وأصل الرق القوة الحربية التي هي الحق الأول. وما من حق إلا وهو في جوهره

стр. 405

اغتصاب وامتلاك. فالحرب ضرورية للدولة كضرورة الرق للمجتمع. هذه الأفكار ستظل أركان مذهبه، وسيعرب عنها في صور مختلفة؛ فقد كان كثير الكتابة. وأهم كتبه من الناحية المذهبية: "هكذا قال زاردشت" " ١٨٨٣ - ١٨٩١ " و"ما وراء الخير والشر" " ١٨٨٦ " و"أصل الأخلاق" " ١٨٨٧ ". وكان يجد مشقة كبيرة في طبعها إذ كان قراؤه قليلين وكان أصدقاؤه أنفسهم قليلي التقدير لكتاباته, وكانت الجرائد والمجلات لا تذكرها، فكان الناشرون يقبلون بعضها بعد إلحاح، ويرفضون بعضها الآخر فيضطر هو إلى تدبير نفقات الطبع. هـ- يتألف مذهبه من قسمين: أحدهما سلبي والآخر إيجابي. القسم السلبي نقد عنيف للقيم الأخلاقية ولثقافة القرن التاسع عشر أو حضارته, وهو يلخص في كلمة "العدمية الأوروبية". يقول: إن كل ثقافة فهي تفترض "جدول قيم" أي: عددًا من الخيرات تعتبر أعظم الخيرات ويتجه إليها المجتمع اتجاهه إلى مثل عليا. وهذا الجدول يجيء دائمًا صورة لخلق الناس الذين يصطفونه بل صورة لمزاجهم البدني ومن هنا نشأت ثقافتان كبيرتان: إحداهما ثقافة المنحطين المستضعفين، والأخرى ثقافة الأقوياء السادة. وجميع القيم التي اصطنعتها حضارتنا ترجع إلى ثقافة المنحطين وتعود بأصلها إلى الشعب اليهودي الذي هو شعب عبيد، وتتلخص في فوز المسيحية وانتشار عقائدها, فإن المسيحية تؤيد حياة آجلة تنسي البشر الحياة العاجلة التي هي الحياة الحقة، وتؤكد وجود إله خالق يحاسب النفس الخالدة، وهذا قول يعارضه العلم ولكنه ضروري لعقيدة الحياة الأخرى؛ وتؤكد بنوع خاص عقيدة الخطيئة الصادرة عن إرادة حرة، والحرية وهم؛ وتأمر بالتكفير عن الخطيئة بالصبر والتسليم والطاعة والاتضاع، وكل أولئك مظاهر ضعف وانحطاط يبديها القساوسة فضائل ليحتفظوا بسيادتهم على جمهور المساكين، حتى العلماء المحدثون الذين يرفضون المسيحية يحترمون هذه القيم، خذ سبنسر مثلا تجده ينكر العناية الإلهية ثم يؤمن بالتقدم المحتوم وبالتوافق الضروري بين أفعال الطبيعة والنزعات الإنسانية، فيستبقي الانسجامات المسيحية في عالم خلو من الله؛ وخذ فلاسفة وعلماء كثيرين تجدهم يقنعون بأن يضعوا "العلم" موضع الله ثم يمجدون الحرية والديمقراطية ويسوغون طلب الثراء والرخاء, وكل أولئك علامات انحطاط كانحطاط الإيمان الديني سواء بسواء. فيجب تحطيم جدول

стр. 406

القيم هذا, إذ إنه لا يلائم سوى المساكين. ووالقسم الإيجابي يبين ثقافة السادة، أي: مجموعة من المعتقدات والأخلاق يسمو بها الإنسان القوي. والمبدأ المهيمن على هذه المعتقدات والأخلاق هو توكيد القوة والقوة موجودة وليست بحاجة إلى التسويغ. قال شوبنهور: إن كل موجود يتوق إلى البقاء، وإن الحياة إرادة حياة. ولكن هذا قليل, يجب أن نقول: إن الحياة تتوق دائمًا إلى الازدهار والانتشار ولو بالطغيان على الغير وبسط سلطانها عليه، وإنها من ثمة مبدأ حماسة وفتح. فإرادة القوة هي الاسم الحقيقي لإرادة الحياة، وكل إرادة قوة فهي تذهب إلى حدها الأقصى؛ لأن الحياة لا تزدهر إلا بإخضاع ما حولها، ومتى وضعنا هذا المبدأ انقلبت القيم المتعارفة رأسًا على عقب، و"قلب القيم" يلزم ضرورة؛ ذلك بأن إرادة القوة فردية، فهي تحب ذاتها وتقسو على الغير، بل تقسو على نفسها إذ ترى في المخاطرة والألم ضرورة لها. يقول زاردشت: "يجب أن تحب السلم كوسيلة لحرب جديدة, وتحب السلم القصير أكثر من الطويل ... لقد صنعت الحرب والشجاعة من عظائم الأمور أكثر مما صنعته محبة القريب". والبطل الذي يقهر نفسه ويقهر الغير لا يطلب سعادة شخصية، وإنما هو يخدم غاية تعلو عليه هي إيجاد "الإنسان الأعلى" أي: صنف من الناس قوي، بينما الشفقة التي تقول بها المسيحية ويقول بها شوبنهور تستبقي الإنسانية في حال الضعف والمهانة بل تزيدها ضعفًا ومهانة. فكما أن التطور الحيوي تقدم حتى وصل إلى الإنسان الراهن، فكذلك يجب أن يذهب إلى أبعد منه. إن الإنسان الراهن حبل مشدود بين الحيوان الأعجم والإنسان الأعلى، حبل مشدود فوق الهاوية. فمذهب التطور يحتم قبول الحياة ويخلع عليها معنى ويعين لها غاية، هذه الغاية هي الحالة التي يبلغ إليها الإنسان حين ينبذ الجدول الراهن للقيم والمثل الأعلى المسيحي والديمقراطي المرعي في أوروبا لعصرنا الحاضر، ويعود إلى جدول القيم الذي كان مرعيا عند الأمم الشريفة التي خلقت قيمها ولم تتلق قيما من خارج، والإنسان الأعلى المنتظر سيفيد من مكتشفات العلم للسيادة على الطبيعة نفسها، غير أنه يجب أن يتوقع آلامًا شديدة في صراعه المستمر ضد الضعفاء الذين يستخدمهم، فقد يستطيعون أحيانًا بفضل عددهم أو دهائهم أن يقهروه، وعلى ذلك يكون شعاره "الحياة

стр. 407

الخطرة". ولما كانت غايته الفوز فإنه يأبى كل شفقة على المساكين؛ ولما كان يلخص الإنسانية في شخصه فإنه يسودها وهو مطمئن الضمير، ويجد في الفوز غبطته العظمى، وأخيرًا يثبت مصيره إلى الأبد بقبوله أن يعود فيحيا حياة البطولة هذه إلى غير نهاية, وفقًا لنظرية الدور السرمدي ١. ز- فلسفته هذه صورة نفسه القلقة وثقافته الرومانتية وتجربته المؤلمة. وهو يعرضها على أنها رسالة ووحي، ولا يقصد إلى إقناعنا بل إلى تعليمنا كيف نستكشف أنفسنا فنجد فيها إرادة القوة. وإذا أردنا أن نلخصها قلنا: إنها صيحة بالإنسان أن "كن ما أنت دون ضعف وإلى النهاية". وهذا ما دفعه إلى نقد شوبنهور نقدًا لاذعًا وإلى فصم صلته بفاجنر حين أدرك اختلافه معهما في معنى الحياة والغاية منها، والشبه كبير بين هذه النظرية وبين النظرية السوفسطائية التي يعرضها أفلاطون في محاورة "غورغياس" مع هذا الفارق, وهو أن "الإنسان الأعلى" يحل محل "الطاغية" وأن الحيوية النفسية تحل محل الشهوة البدنية. ولو أن نيتشي أنعم النظر في هذه المحاورة الخالدة لرأى بأي قوة يعرض أفلاطون هذه النظرية, وبأي قوة يفندها, وبأي قوة يجلو مبادئ الأخلاق ٢. ليست القوة بذاتها غاية وليس لها بذاتها قيمة، ولكن قيمتها ترجع إلى قيمة الموضوع أو الغرض الذي تخدمه، فإذا كان هذا الموضوع هو اللائق بالإنسان بما هو إنسان, كانت القوة المبذولة في سبيله خيرة ممدوحة،

стр. 408

وإذا كان معارضًا لماهية الإنسان كانت القوة تمردًا أحمق. ولو أن نيتشي دقق في تحليله لأدرك جمال الحلم والوداعة، وأنهما عبارة عن المضي مع طبيعة الإنسان العاقلة إلى النهاية، بل لأدرك أنهما يتطلبان من القوة أكثر مما يبذل في الغضب والقسوة. فإن القسوة والغضب انقياد للغريزة الحيوانية الجامحة، على حين أن كظم الغيظ أصعب من إعلانه وأن الصفح أصعب من الانتقام. وهذا هو الخلاف الدائم بين الحسية والعقلية، بين مذهب لا يرى في الإنسان سوى أنه حيوان راقٍ فيأخذ بأخلاق الوثنية القائمة على اعتبار القوة والمقسمة البشر إلى قوي وضعيف، وبين مذهب يلحظ روحانية الإنسان قبل حيوانيته, فيرسم له أخلاق العدالة والمحبة. فلم يأت نيتشي بشيء جديد من الوجهة الفلسفية، وكل الجديد عنده ذلك الضجيج الذي يقال له أدب. ١٩٧ - حاشية في الفلسفة الإيطالية: أ- لم نخصص للفلسفة الإيطالية مقالة أو فصلًا؛ لأنها في الحق لا تعدو أن تكون صدى لفلسفات معروفة. ففي أوائل القرن ساد في إيطاليا ضرب من التخير يجمع بين لوك وجساندي من جهة وبين ديكارت وكنط من جهة أخرى. ثم برزت معارضة ضعيفة من جانب روما نيوزي " ١٧٦١ - ١٨٣٥ " الذي حاول أن يتخذ لنفسه موقفًا وسطًا بين الجنسية والتصورية، ومن جانب جالوبي " ١٧٧٠ - ١٨٤٦ " الذي يتخذ من "الأنا" أساسًا للموضوعية ويزعم أنه يلطف تصورية كنط ويصححها. ب- ثم ظهرت طائفة من أتباع مالبرانش دعوا بالوجوديين ontologistes أشهرهم روسميني " ١٧٩٧ - ١٨٥٥ " يذهب إلى أن معنى الوجود حاصل بالطبع في كل إنسان، وأنه يحقق على أرفع وجه خصائص المعنى المجرد التي هي الكلية واللانهاية والضرورة والدوام، وأن هذه الخصائص تمنع من الاعتقاد بأن المعاني المجردة تفسر بالإحساس ليس غير، وتحمل على الصعود إلى موجود حاصل بالذات على هذه الخصائص, وهو الله، فمعنى الوجود صورة الله في النفس. ويذكر في هذه الطائفة أيضا جيوبرتي " ١٨٠١ - ١٨٥٢ ".

стр. 409

ج- ثم طائفة من الهجليين تأخذ من المذهب نزعته الأحادية وتعتبره بنوع خاص مبدأ تأويل للتاريخ وتركيب لسياسة عملية. أشهر رجالها: سبافنتا " ١٨١٧ - ١٨٨٣ " وبنديتو كروتشي "ولد سنة ١٨٦٦ وكان وزيرًا للمعارف في الحكومة الفاشية سنتي ١٩٢٠ , ١٩٢١ " وجيوفاني جنتيلي "ولد سنة ١٨٧٥ وكان وزيرًا للمعارف ١٩٩٢ - ١٩٢٤ ". د- وكذلك طائفة من الكنطيين, يذكر منهم بارزلوني " ١٨٤٤ - ١٩١٧ " وكانتوني " ١٨٤٠ - ١٩٠٦ ". هـ- هذا فضلًا عن "المدرسية الجديدة" التي تعرض مذهب القديس توما الأكويني وتعارض بينه وبين المذاهب الحديثة، ويمثلها بخاصة سانسفرينو "توفي ١٨٧٠ " وليبراتوري " ١٨١٠ - ١٨٩٢ ".

стр. 410

الباب السادس: تقديم العمل على النظر النصف الأول من القرن العشرين مدخل ... الباب السادس: تقديم العمل على النظر "النصف الأول من القرن العشرين" ١٩٨ - تمهيد: أ- بدأ العصر الحديث بتمجيد العقل حتى أعلى كلمته فوق كل كلمة, فجعل منه الحكم الأخير فيما يوجد وما لا يوجد, وفيما يصدق وما يكذب. ذلك كان الحال عند ديكارت ومالبرانش وسبينوزا وليبنتز, ولكن الفلاسفة الحسيين؛ لوك وباركلي وهيوم وأضرابهم، هاجموا المعاني والمبادئ العقلية هجومًا عنيفًا، فظن كنط أنه ينقذها إذ اعتبرها مجرد صيغ جوفاء لتنظيم التجربة. وجاء مذهب التطور فرأى رجاله أنه يقتضي القول بأن الحس والعقل وظيفتان من وظائف الحياة وأن المعرفة آلة للعمل وأن رأي كنط يلائمهم تمام الملاءمة. ولقد أدى هذا الجمع بين نقد كنط ونظرية التطور إلى طائفة من المذاهب "الحيوية" أو العملية غلبت فكرة الحياة على فكرة العلم, فافترقت عن كنط وعن سبنسر جميعًا. افترقت عن كنط في أن تنظيم التجربة ليس الغرض منه العلم بل المنفعة، وأن المعاني والمبادئ ليست كلية ضرورية وإنما هي عبارة عن حاجات الكائن الحي ومطالبه, فهو يستعمل الصيغ العقلية لحفظ وجوده واستكماله، ويستطيع أن يستبدل بها غيرها دون أن يفوته النجاح العملي، كما يستبدل الصانع آلة بأخرى أو جهازًا بآخر ويؤدي مع ذلك نفس العمل أو يحصل على نفس النتيجة. وافترقت هذه المذاهب عن سبنسر في القول بأن الكائن الحي هو الذي يكوّن العالم على حسب مطالبه, بينما سبنسر يرى أن هذه المطالب نتيجة تأثير العالم في الكائن الحي. فالعقل عندهم غائي في جوهره يتجه إلى العمل لا إلى النظر، والمعاني والمبادئ فروض ومحاولات يكون بها العالم لفائدته. ب- هذه المذاهب الحيوية لا تحفل إذن بتبرير العلم والميتافيزيقا تبريرًا

стр. 411

نظريًّا، ولا تغار على مبادئ العلم غيرة كنط، ولكنها تستمسك مثله بالمعاني الميتافيزيقية وترمي مثله إلى تحقيقها بالفعل وإقامة الإيمان بها على منفعتها العملية. فهي تمثل "العقل العملي" محولًا إلى قوة فاعلية. وأظهر ما يكون هذا الموقف في أمريكا وإنجلترا, المطبوع أهلهما على العمل والمغامرة الميالون بالفطرة إلى التجربة. وهذه أول مرة نذكر الفلسفة الأمريكية وقد أخذ العالم الجديد يساهم في جميع فروع النشاط العقلي؛ وهذه الفلسفة داخلة من غير شك في نطاق هذا الكتاب ورجالها أوروبيو الأصل واللغة. وبعد الفراغ منها نعرض للفلسفة في إنجلترا, ثم للفلسفة في فرنسا، وأخيرا للفلسفة في ألمانيا، فنرى ما انتهت إليه تلك الجهود العقلية، وما انتهت إلا إلى الشك في العقل والحيرة في مصير الإنسان.

стр. 412

الفصل الأول: الفلسفة في أمريكا ١٩٩ - وليم جيمس " ١٨٤٢ - ١٩١٠ ": أ- فلسفته أثر لفلسفة عصره الغالب عليها الكنطية والتطور، وصورة لمزاجه وتجربته. كان والده هنري جيمس قسيسًا بروتستانتيًّا ومن أتباع سويدنبورج الإشراقي السويدي الذي تهكم عليه كنط " ٩٥ ج" فتأثر هو بهذه الناحية، وتابع دراسات علمية وفلسفية في معاهد وجامعات أمريكية وأوروبية إلى أن حصل على الدكتوراه في الطب من جامعة هارفارد " ١٨٧٠ " فعين بعد ذلك بقليل أستاذًا للفسيولوجيا والتشريح بها، فكان أستاذا ممتازا، ثم عين بها أيضا أستاذا لعلم النفس فبرز فيه أيما تبريز، ثم اتجه إلى الفلسفة فألقى فيها الدروس ونشر الكتب, وكان أشهر أركان "البراجماتزم" أي: المذهب العملي. ب- كان كتابه الأول "مبادئ علم النفس" " ١٧٩٠ " فجاء كتابًا كبير القدر بتحليله الدقيق العميق وأسلوبه الخلاب وأكسبه شهرة واسعة, وجعل منه أحد واضعي علم النفس المعاصر. ثم توالت كتبه على هذا الترتيب: "موجز علم النفس" " ١٨٩٢ " و"إرادة الاعتقاد" " ١٨٩٧ " و"أنحاء التجربة الدينية" " ١٩٠٢ " و"البراجماتزم" " ١٩٠٧ " و"كون متكثر" " ١٩٠٩ " يعارض فيه الأحادية أو وحدة الوجود. ونشر له بعد وفاته: "بعض مسائل الفلسفة" " ١٩١١ " أو "محاولات في التجريبية البحتة" " ١٩١٢ ". ج- أثره في علم النفس أنه ينكر على مذهب الترابط أو التداعي تأليف الوجدان من ظواهر منفصلة, ويبين أن الظواهر الوجدانية تجري في تيار متصل, وأن الوجدان شيء يمتنع رده إلى الظواهر الفيزيقية أو الفسيولوجية، وأن حالاته نوعان: حالات يدل عليها بأسماء كقولنا: تعقل وتخيل وإحساس وإرادة، وحالات متعدية كالعطف والاستدراك تؤلف التيار الوجداني نفسه, وعلى ذلك يجب اعتبار الدماغ "آلة نقل" تصل بالجسم قوى وجدانية مباينة للقوى الجسمية، ويجب الاعتراف بأن أعم قانون في علم النفس هو قانون المنفعة، فإن أفعالنا التلقائية مرتبة

стр. 413

بالطبع لخيرنا، وكذلك المراكز الدماغية العليا في مجاوبتها على التأثيرات. ولا شك أن جيمس بهذا الموقف قلب علم النفس رأسا على عقب، وشق الطريق إلى مذاهب فلسفية "حيوية" منها مذهبه هو الذي سنعرضه. على أن هذا الموقف لم يمنعه من اعتبار الانفعال النفسي "كالخوف والغضب والسرور والحزن وما إليها" مجرد الإحساس بالحالة الفسيولوجية الناشئة عن إدراك الموضوع، وبينما يعتقد الذوق العام أننا إذ نرى الذئب نخاف فنهرب، يقول جيمس: إننا إذ نرى الذئب نهرب فنخاف ويستشهد على ذلك بأننا نوجد الانفعال بإيجاد الحالة الفسيولوجية، ونلطف الانفعال أو نزيله بالسيطرة على الحالة الفسيولوجية. وهذا صحيح ولكنه لا يؤيد النظرية، فإن إرادة الإيجاد والسيطرة فعل نفسي, وإذا كان للحالة الفسيولوجية دخل كبير في الانفعال النفسي فإن هذا الانفعال ظاهرة قائمة بذاتها، ولولا ذلك لكانت الحركة الفسيولوجية غير مفهومة, إذ إن الانفعال النفسي هو الذي يبعثها. ولقد كان أرسطو أصدق تحليلا للانفعال حين قال: إنه ظاهرة واحدة نفسية وفسيولوجية معًا تنبعث تارة من جانب النفس, وطورًا من جانب الجسم المتحدين اتحادا جوهريا. د- أما البراجماتزم فمذهب يضع "العمل" مبدأ مطلقًا، وإن كانت هذه الكلمة قديمة ومستعملة بمعان مختلفة, إلا أن المعنى المعروف لها الآن ورد في مقال مشهور للفيلسوف الأمريكي تشارلس ساندرر بيرس " ١٨٣٩ - ١٩١٤ " ١ بعنوان "كيف نوضح أفكارنا" " ١٨٧٨ " حيث يذكر القاعدة الآتية للتحقق من دلالة المعاني التي نستخدمها فيقول: "إن تصورنا لموضوع ما هو تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر". وهذا يعني أن علامة الحقيقة أو معيارها العلم المنتج لا الحكم العقلي، وأن العمل مبدأ مطلق كما قلنا، بحيث يلزم من ذلك أنه حر كل الحرية وأن لا شيء يعترضه، سواء العمل المادي والخلقي والعقلي أو التصور، فيلزم أن العالم مرن نستطيع التأثير فيه

стр. 414

وتشكيله، وأن تصوراتنا فروض أو وسائل لهذا التأثير والتشكيل. والمذهب العملي يقوم على هذا الأساس، ويعتمد على التجربة الوجدانية الخالصة ويقتصر عليها. وهذه هي التجريبية البحتة: radical empiricism وتبدو التجربة الوجدانية متنوعة متغيرة، فهو مذهب "كثري" pluralistic يتصور "الكون متكثرًا" فيعارض الأحادية والجبرية، ويدع مستقبل العالم معلقًا يحتمل إمكانيات عدة يتوقف تحقيقها على فعل الكائنات التي تقرر مصيره، وبناء على هذه المقدمات يعرض وليم جيمس البراجماتزم على أنه نظرية في ماهية الحقيقة, ومنهج لحسم الخلافات الفلسفية. هـ- الحقيقة على نوعين؛ لأن موضوع التصور إما أن يكون شيئًا خارجيًّا أو منهاجًا عمليًّا لإرضاء حاجة نفسية؛ ففي الحالة الأولى "الفكرة الحقة عن موضوع ما هي التي تحدونا إلى إتيان أفعال تقودنا إلى ذلك الموضوع"؛ وفي الحالة الثانية "القضية الحقة هي التي يستتبع تسليمها نتائج مرضية" أي: محققة لمطالبنا. ففي الحالتين ليست الحقيقة تصورًا مطابقًا لشيء كما يعتقد عامة الناس، ولكنها التصور الذي يؤدي بنا إلى الإحساس بشيء أو إلى تحقيق غرض، وفي الحالتين الخطأ هو الإخفاق. وبعبارة أخرى الحقيقة هي التصور الذي نسيغه ونحققه فنجعله صادقًا بتصديقنا إياه. فهي ليست خاصية ملازمة للتصور كما يعتقدون, ولكنها "حادث" يعرض للتصور فيجعله حقيقيا أو يكسبه حقيقة بالعمل الذي يحققه؛ أو "على حد قول برجسون في مقدمة الترجمة الفرنسية لكتاب "البراجماتزم"" "الحقيقة اختراع "شيء جديد" لا اكتشاف "شيء سبق وجوده". وليس يعني هذا أنها تحكم وتعسف، بل يعني أنه كما أن الاختراع الصناعي إنما يتقدم بفضل فائدته العملية فقط، كذلك القضية الصادقة هي التي تزيد في سلطاننا على الأشياء. ونحن نخترع الحقائق لنستفيد من الوجود كما تخترع الأجهزة الصناعية لنستخدم القوى الطبيعية". فالقضايا المنطقية والرياضية والطبيعية، والمعاني المجردة كالجوهر والعلة والجنس والنوع والزمان والمكان وما إليها، مخترعات نافعة ووسائل مفيدة في تصور الأشياء واستخدامها. "فمثلًا: دوران الأرض لا يستند على تجربة بمعنى الكلمة، ولكنه فرض مفيد في تصور الظواهر، وهو أكثر فائدة من فرض دوران الشمس.

стр. 415

فالحقائق المقبولة الآن عند عامة العقول كانت في البداية مخترعات لاستخدام التجربة، ثم تأصلت في العقل بمر الزمن، وهي على كل حال "بطاقات" لا تدل على شيء في الواقع، وإنما تنحصر قيمتها في إنتاجها. قال كنط: إن الحقيقة تابعة لتركيب العقل، ويضيف المذهب العملي إلى هذا القول "أو هو على الأقل يتضمن" أن تركيب العقل نتيجة إقدام بعض العقول الفردية, أي: العقول التي اخترعت المعاني والمبادئ. والمذهب العملي أوسع نطاقًا من المذهب الواقعي، فإنه يمتد إلى كل حقيقة, حتى إلى ما يسمونه حقيقة مطلقة، فيستوعب العلم والميتافيزيقا من حيث هما موضوع عمل "برجسون في الموضع المذكور". ووالبراجماتزم من حيث هو منهج, يحسم المناظرات الفلسفية التي لم يفد فيها للآن الجدل النظري ولا يرجى أن تحسم بغير هذا المنهج، فالجدل ما يزال قائمًا في هل العالم وحدة أم كثرة؟ وهل هو يخضع للجبر أم يتسع للحرية؟ وهل هو مادي أم روحي؟ إلى غير ذلك من المسائل. والمنهج العملي يؤول كل واحدة منها بحسب ما يترتب عليها من نتائج في العمل ومن فرق في حياة الإنسان, أما إذا لم ينتج فرق عملي فيحكم بأن القضيتين المتقابلتين ترجعان إلى واحد وأن الجدل فيهما عبث إذ لو كان بينهما فرق لنشأ عنه فرق في الحياة، فالمنهج العملي اتجاه أو موقف مؤداه تحويل النظر عن الأوليات والمبادئ إلى الغايات والنتائج. خذ مثلا المادية والروحية فإننا لا نرى فرقًا بينهما من جهة الماضي، إذ إن المؤمن يبين أن الله خلق العالم، ويبين المادي أن العالم تكون بفعل القوى الطبيعية؛ ولما كان العالم قائمًا ولا يمكن استعادة التجربة التي أحدثته للتحقق منها أكانت خلقًا أم تكوينًا طبيعيًّا، كانت المسألة ممتنعة الحل؛ ولما كانت الحجج تتعادل قوة فنحن نحكم بأن لا فرق بين النظريتين. أما إذا نظرنا إلى العالم من جهة أن له مستقبلًا وأنه لم يتم بعد، فإن الاختيار بين المادية والروحية ينقلب أمرًا غاية في الخطورة؛ ذلك بأن منافعنا ليست فقط حسية، ولكن لنا منافع عليا ترجع إلى حاجتنا العميقة لنظام خلقي دائم، والنهاية التي يتنبأ العلم بأن الأشياء ستبلغ إليها بعد تطورها الآلي هي فناء القوة وهي العدم، وليس للمادية غير هذه النتيجة, فنحن نأخذ عليها أنها لا تكفل لنا منافعنا العليا، على حين أن لفكرة الله أفضلية

стр. 416

عملية كبرى, إذ معناها أن العالم قد يهلك بالنار أو بالجليد دون أن ينالنا أذى لثقتنا بأن الله سيرعى منافعنا العليا على كل حال ويوفر لأمانينا وسائل إرضائها في عالم باقٍ، فالمذهب الروحي صادق بهذا المعنى وبهذا المقدار، كذلك نصنع في جسم الجدل القائم بين أنصار الحرية وخصومها, فنقول: إن الاعتقاد بالحرية مصدر قوة وإقدام؛ لأنه يتضمن إمكان البلوغ إلى الكمال, بينما المذهب الآلي يقول: إن العالم خاضع للضرورة, وإن فكرة الإمكان ناشئة من جهل الإنسان بأسباب أفعاله, فمعاني النفس والله والحرية ملأى بالمواعيد من جهة العمل، ولكنها تنقلب ألفاظًا جوفاء إذا نظرنا إليها مجردة؛ وإذن فليس لها من معنى غير معناها العملي. ز- والتجربة الدينية تؤيد المعتقدات الميتافيزيقية. يظن العلماء أن ليس هناك سوى تجربة واحدة هي التجربة الظاهرة التي يعولون عليها، والواقع أن العلم بعيد عن التجربة وأنه يبتعد عنها كلما تقدم، فإنه يضحي بها ويستعيض عنها بمعان تبسطها وتزعم تفسيرها, فيتجه إلى الآلية التي ترد الكيفيات المحسوسة إلى الحركة، بل يرد إلى الحركة الفكر نفسه. إن هناك نوعين آخرين من التجربة، هما التجربة النفسية والتجربة الدينية، وكلتاهما مؤكدة واجبة الاحترام. وقد رأينا أن للتجربة النفسية خصائص ذاتية مباينة لخصائص الجسم المتصلة به ولخصائص سائر الأجسام. أما التجربة الدينية على اختلاف صورها فلها خاصيتان مشتركتان بين هذه الصور؛ إحداهما قلق من الألم أو الشر, والأخرى شعور بالنجاة من الألم أو الشر بفضل "قوة عليا" تشهد بفعلها في حياة النفس نتائجه الحسنة، وكان جيمس قد انتابته وهو في التاسعة والعشرين أزمة حادة من النورستانيا، فشفي منها بقبوله فكرتي العون الإلهي والحرية الكفيلة بتغيير مصير الإنسان، وآمن بالتجربة الدينية، وقادته دراستها إلى أنها أغنى وأعمق من التجربة العلمية، وأنها تفسر إذا سلمنا أننا نشارك مشاركة لاشعورية في موجود أعظم منا نستطيع أن نسميه الله أو الألوهية, وأنها تدخلنا بالفعل في عالم تتصل فيه الأرواح وتتفاعل، لا من خارج وبوساطة ألفاظ وإشارات، بل من داخل وبدون واسطة؛ لأنها شعور قوي غير منازع بحضور إلهي يمنحنا ما لم تكن لتوفره لنا جهودنا واستدلالاتنا, وعلى هذه التجربة تقوم العقائد الثلاث التي ترجع إليها الحياة الدينية: عقيدة

стр. 417

أن العالم المنظور جزء من عالم غير منظور يمده بكل قيمته؛ وعقيدة أن غاية الإنسان الاتحاد بهذا العالم غير المنظور؛ وعقيدة أن الصلاة أي: المشاركة مع الألوهية, فعل له أثره بالضرورة. ح- ألا تكون التجربة الدينية حالة مرضية هي عبارة عن اضطراب عصبي واختلال التوازن الجسمي, كلا، فإنما يحكم على الشجرة بثمرها، وليست تفقد الحقيقة العلمية شيئا من قيمتها متى كان المكتشف لها مرهف الإحساس حاد المزاج، وليس يغض من قيمة العبقرية وأثرها في تقدم الإنسانية اقترانها بحالات مرضية؛ وثمرة التجربة الدينية القداسة، أي: الفقر الإرادي والمحبة والإيثار، وهذه فضائل جد نفيسة للأفراد والجماعات. وليس خصب هذه التجربة هو السبب الوحيد الذي يحملنا على اعتبارها صادقة، بل هناك أيضًا اتفاقها مع وقائع التجربة النفسية، فإن هذه التجربة تدلنا على أن تحت المجال الضيق للشعور منطقة عميقة تستمر فيها الحياة الباطنة، وأن من هذا التيار السفلي تطفر عواطف وإلهامات فجائية تبدو في الشعور. أجل, يمكن تفسير ظواهر ما تحت الشعور في الحالات المرضية بأحوال الجسم؛ ولكنّ هناك نوعًا عاليًا مما تحت الشعور يرفع النفس فوق الحياة الجسمية إلى حياة روحية ممتنعة على العقل والإرادة. إن الفنان العبقري لا يشعر أنه صاحب آياته، ولكنه يميل إلى إضافتها إلى إله يستحوذ عليه ويوحي إليه, فيمكن أن نفترض أن في المنطقة اللاشعورية يتم الاتصال بيننا وبين الله وبين سائر النفوس. وعلى هذا يلوح أن خصائص التجربة الصادقة تجتمع للتجربة الدينية, فإنها تقوم على حدس أصيل، وإن لها آثارًا نافعة, وإنها بما تحت الشعور تتصل بطائفة من الظواهر معلومة. على أن الشك يظل ممكنًا إذ إن التجربة الدينية تجربة شاذة فردية غير قابلة للتحقيق بملاحظة نزيهة. وقد نستطيع رفع الشك إذا استطعنا الخروج من الذاتية وإبراز حالات يكون فيها التصور هو الفعال، لا الاعتقاد بالتصور، أي: إذا استطعنا وصل التجربة الدينية, ليس فقط بالتجربة النفسية, بل أيضًا بالتجربة الفيزيقية والمضي من فكرة عالم الأرواح وتفاعلها إلى ظاهرة فيزيقية محسوسة من الجميع مثل الإحساس عن بعد, والتعاطف عن بعد, وحضور الأرواح, والرؤيا وقت الوفاة، وما إلى ذلك من الشواهد.

стр. 418

ط- والإله الذي نقبل منه المدد والعزاء ليس إلهًا مفارقًا ولا إلهًا متحدًا بالعالم. إن الإله المفارق الكامل الثابت لا يدخل في علاقة مع الإنسان؛ وإذا بدت الأحادية مقربة بين الله والإنسان فليس الأمر كذلك في الحقيقة، إذ إنها تميز بين الله بما هو لامتناهٍ والله بما هو صانع الطبيعة، أي: بين الوحدة الميتافيزيقية للوجود وكثرة الموجودات المتناهية؛ يضاف إلى ذلك أنها تعتبر هذه الموجودات مجرد ظواهر لا حقيقة لها في أنفسها, بينما تدلنا التجربة على أنها حقيقة وأنها متصلة بحياة عليا. إنما الإله الذي يحتاجه كل منا، فيتصوره البعض معزيا مقويا، والبعض منذرا معاقبا, تبعا لحالتهم وحاجتهم، فهو إله متناهٍ نحن أجزاء منه باطنة، وهو نفسه جزء من العالم، وبين كماله الخلقي ونقصنا درجات من الكمال متمثلة في أرواح أخرى. وفي القول بإله متناه تفسير يسير لإمكان الشر، وحافز لميل الحرية نحو الخير كي نعاون الله على تحقيق مصائر الكون. أما صفاته فيجب أن نغفل الصفات النظرية المعروفة من وجود بالذات وروحانية وبساطة وما أشببها؛ لأنها عديمة الفائدة ومن ثمة عديمة المعنى؛ وأن نقتصر على الصفات الخلقية بسبب فائدتها، مثل القداسة والعدالة والعلم فإنها تبعث فينا الخوف، ومثل القدرة والخيرية فإنهما تبعثان فينا الرجاء. ي- هذا المذهب يثير مشكلات كثيرة. لقد كانت نظرة جيمس إلى علم النفس نظرة صادقة فأعلن أن الحياة النفسية أصيلة وأنها حياة متصلة متدفقة وأن رائدها المنفعة, لكنه جعل منها ومن منافعها مركز الكون وصورته، فاعتبر الكون مرنًا مثلها قابلًا للتشكيل بحيث يصير تعريف الحقيقة أنها مطابقة الأشياء لمنفعتنا لا مطابقة الفكر للأشياء، وبحيث ينعكس موقف سبنسر وجميع أصحاب التطور السابقين فيقال: إن التطور نتيجة فعل الكائن الحي "وبالأخص الإنسان" في الطبيعة, لا نتيجة فعل الطبيعة في الكائن الحي، وإن الحقائق مخترعات شكلت الأشياء وتأصلت في العقول لا أنها آثار الأشياء في العقول. وقد وجد جيمس مثالًا على رأيه وتأييدًا له في بناء النظرية العلمية للعهد الأخير إذ إنها تبدو في شكلها الرياضي وكأنها محض اختراع حتى ليفسر العلماء المسألة الواحدة بنظريات مختلفة ولا يجدون في ذلك حرجًا لاتفاقهم على أن كل الغرض من النظرية استخدام الطبيعة ليس غير. ولكن هذا لا يصدق إلا على نظريات علم

стр. 419

الطبيعة لبساطة المادة وكثرة الإمكانات في تنوع الحركة. أما في علم الحياة وعلم النفس وعلم الاجتماع حيث الموضوع أخص وأعقد, فلا بد من ملاحظة الأشياء أنفسها لأجل معرفتها, وأيا كان نصيب الاختراع في النظريات الطبيعية فلا جدال في أن واضعيها يراعون الظواهر ويحرصون على أن تتفق معها، والظواهر أمور حقيقية وليست اختراعًا, بل إن نجاح النظرية معناه امتحانها بشيء مستقل عنها، وإلا لنجحت أية نظرية وأفادت في العمل أية وسيلة, فالحقيقة مطابقة الفكر للوجود؛ أما العمل فإنه يبين الحقيقة ولا يكونها. ك- والأمر واضح أيضًا في المسائل الخلقية التي تصدر الآراء فيها عن نزعتين، إحداهما النزعة الحسية والأخرى النزعة الروحية، فتحتمل عملين، أحدهما اللذة والآخر الواجب, فأي عمل يقصدون وأية منفعة يريدون؟ إنهم يجيبون: المنفعة العليا! فنسألهم: بأي حق ترتبون المنافع وتخضعون بعضها لبعض وأنتم تزدرون النظر وتنكرون أن يكون للأشياء حقائق وقيم؟ وما قيمة المنافع العليا بإزاء المنافع السفلى ونحن نعيش في عالم مادي والمادية مغايرة للفضيلة، فلا الطبيعة فاضلة أو مطابقة للفضيلة بالذات, ولا الفضيلة موجهة بالذات للنجاح في وسط الطبيعة, والموت في آخر الأمر واقف بالمرصاد قد يبدد المنافع جميعها؟ وليس بصحيح أن المادية مثبطة للعزيمة، فإنها خليقة أن تنفخ في صدر المؤمن بها أعظم النشاط وأجرأ الإقدام لكي ينتهب من متاع الدنيا وما وسعه الانتهاب. وإذا كان صحيحًا أن فكرة الله والخلود منشطة، فعلى شرط أن يكون الله موجودًا وأن يكون إيماننا به معقولًا؛ أما إذا لم يكن شيء من هذا فالفكرة وهم خادع وخيبة مرة، والأخذ بها وقوع في دور لعل كتب المنطق لم تذكر أبدع منه، إذ إنها تريدنا على أن نعتقد بالله وبالخلود لأن هذا الاعتقاد مفيد، والفائدة المرجوة منه لا تتحقق إلا بوجود الله والخلود, على أن جيمس يقول: إن التجربة الدينية تدلنا على وجود الله، ونحن نسلم بهذه التجربة، ونرى من المستحيل استبعاد التصوف جملة من التاريخ الإنساني كما يريد كثيرون من "العقليين" غير أننا نرى من جهة أخرى وجوب التمييز بين التجارب؛ فإن منها الصادق ومنها الكاذب, وجيمس لا يدل على محك للتمييز، بل يقبل كل تجربة، ويعد استحضار الأرواح تجربة قاطعة، ثم نقول: إذا كانت المعتقدات الميتافيزيقية

стр. 420

ثابتة بالتجربة، فما وجه الحاجة إلى البراجماتزم؟ إن التجربة تقطع قول كل منكر وتغني عن المحاجة, فعجز المذهب ينقض صدره. أما قول جيمس: إن الإله اللامتناهي الثابت الكامل لا يدخل في علاقة مع الإنسان، فراجع إلى اعتقاده أن هذه العلاقة تستلزم تغيرًا في الله، والواقع أن الإله المتناهي ليس إلهًا بمعنى الكلمة؛ لأنه ليس العلة الأولى، وأنه ما دام الله لامتناهيًا بالضرورة فيجب القول بأن ليس له سوى فعل واحد يتضمن جميع المفعولات, فلا تجري التغير فيه بل في المخلوقات. ٢٠٠ - جوزيا رويس " ١٨٥٥ - ١٩١٦ ": أ- تلقى الفلسفة عن لوتزي وتشارلس بيرس ووليم جيمس, وعين أستاذًَا بجامعة هارفارد سنة ١٨٩٢. ونشر كتبًا كثيرة أهمها: "الوجهة الدينية للفلسفة " ١٨٨٥ " و"روح الفلسفة الحديثة" " ١٨٩٦ " و"العالم والفرد" " ١٩٠٠ - ١٩٠٢ ". ب- مذهبه يعتبر هجلية جديدة، فإنه يقبل الأحادية، ولكنه يقبل الفردية أيضًا. ويحاول التوفيق بينهما, فيقول من الجهة الواحدة: إن طبيعة الفكر تقتضي المطلق، إذ إن الفعل الأساسي للفكر هو الحكم، ولا قيمة للحكم إلا إذا افترضنا فكرًا أكمل من فكرنا, حاصلًا على موضوع الحكم ومنزهًا عن التساؤل والشك اللذينِ يستدعيان الحكم، فلا حقيقة إلا إذا كان هناك أنا واحد يتضمن كل فكر وكل موضوع، ويقول من جهة أخرى: إن مذهب المطلق يعتمد على مقتضيات العقل هذه لكي ينكر يقين الحياة العملية، بأفعالها وآلامها، على حين أن ليس للفكرة من قيمة عملية إلا إذا كانت متشخصة تمام التشخيص مباينة لكل فكرة أخرى، وأن الكلية علامة النقص "على ما أبدى الحسيون وأعادوا". فالمطلق كلي ناقص يتكامل على الدوام بأن يترجم عن ذاته بأفراد يصنع كل منهم مصيره بحرية. فحياة هذا الأنا المطلق قائمة في معرفة الأفراد الذين يحققونه على التوالي, وهذا يعني أن رويس يؤله المجتمع. ثم يجعل منه موضوع دين يفرض على كل فرد الإخلاص التام للجماعة، مع محاولته الإبقاء على الاستقلال الفردي.

стр. 421

٢٠١ - جون ديوي " ١٨٥٩ - ": أ- أستاذ بجامعة كولومبيا. بدأ بأن كان هجليًّا فرأى مثل هجل أن قلق الفكر الحديث ناشئ من التعارض بين المثل الأعلى والواقع، أو بين الروح والطبيعة, فأراد أن يحقق الوحدة الروحية خيرًا مما فعل هجل. وكان كثير التأليف، كتب في الميتافيزيقا وفلسفة العلوم والمنطق وعلم النفس وعلم الجمال والدين؛ وأهم كتبه: "دراسات في النظرية المنطقية" " ١٩٠٣ " و"كيف تفكر؟ " " ١٩١٠ " و"محاولات في المنطق التجريبي" " ١٩١٦ " و"العقل الخالق" " ١٩١٧ " و"الطبيعة الإنسانية والسلوك" " ١٩٢٢ " و"طلب اليقين" " ١٩٢٩ ". ب- أصل التعارض بين المثالية والمادية, أو بين الروح والطبيعة أن المثالية تعتبر المعرفة تأمل معانٍ فترى في العلم الطبيعي تركيبًا عقليًّا وترد المادة إلى الروح دون أن تبين كيف ولِمَ تجزأ الروح المطلق إلى محسوس ومعقول, وإلى وجدان محدود ووجدان كلي، على حين أن المادية تعتبر المعرفة مجرد ظاهرة عارضة, فترد الروح إلى المادة دون أن تبين كيف تنبعث هذه الظاهرة ولِمَ يبدو في الوجدان عالم من القيم متمايز من عالم الموجودات. فكل من المذهبين يقسم العالم إلى أجزاء ثم يحاول التوحيد بينها فيحاول عبثًا. أما إذا اعتبرنا المعرفة آلة أو وظيفة تظهر في الكائن الحي عندما يصادف عقبة, وتقوم في جهده لتذليل العقبات، بدت الفكرة فرضًا في سبيل العمل، وكانت الفكرة الحقة هي التي ترشدنا حقًّا، فالقول بأن الطبيعة معقولة ليس مبدأ نظريا ولكنه اعتقاد يتيح للنشاط المعقول أن يغير الطبيعة. فمذهب ديوي ضرب من البراجماتزم، وقد دعي lnstrumentalism و Fonctionalism لاعتباره المعرفة آلة أو وظيفة في خدمة مطالب الحياة، وقد كان ديوي داعية قوي التأثير إلى الإيمان بفاعلية الفكر وبالروح الديمقراطية. وهو في كل هذا ماضٍ مع العقلية الأمريكية المتجهة إلى العمل والحرية.

стр. 422

الفصل الثاني: الفلسفة في إنجلترا ٢٠٢ - فرنسيس هربرت برادلي " ١٨٤٦ - ١٩٢٤ ": أ- الفلسفة الإنجليزية في نصف القرن هذا موزعة بين تصورية هجلية وتصورية طبيعية وتصورية منطقية رياضية وحسية وبراجماتزم؛ وهي تدل على مقدرة جدلية ملحوظة، ولا تحتوي على ابتكار. كان برادلي أبرع وأعمق ممثل للهجلية وإن يكن نبذ مذهب هجل بما هو كذلك في وقت مبكر, فقد تخرج في جامعة إكسفورد, وصار أستاذًا فيها ينزع نزعتها وهو متأثر بكتب جرين وهجل ولوتزي. وإنما أقبل على الفلسفة الألمانية بعد أن رأى استحالة اعتبار الوجدان سلسلة ظواهر مستقلة، كما يرى المذهب التجريبي الإنجليزي؛ لاستحالة إدراك مثل هذه السلسلة لنفسها، وهي الاستحالة التي وقف عندها لوك وهيوم ومل كما رأينا. ويحكم برادلي على المذاهب الإنجليزية حكمًا صارمًا، فيأخذ عليها الحسية والنفعية وضيق النظر والتعصب للرأي وبخاصة في المسألة الدينية، ويرمي إلى تطهير الأذهان من هذه النزعات. فكان أول كتاب مهم له "دراسات أخلاقية" " ١٨٧٧ " فيه نقد بارع لمذهب اللذة في الأخلاق، وأردفه بكتاب "مبادئ المنطق" " ١٨٨٣ " حلل فيه مسائل الاستدلال والحكم وعرض نظرية المعرفة؛ وبعد عشر سنين نشر كتابه الأكبر "الظاهر والحقيقة" أجمل فيه مذهبه في الوجود, وله مقالات في مجلة "مايند". ب- في "الدراسات الأخلاقية" يعارض تصور المدرسة الحسية للوجدان، ويصف الوجدان بأنه "كل مغلق غني معًا" وأن فيه ميلا أخلاقيا وآخر نظريا: الميل الأخلاقي يدفع بالإنسان إلى تحقيق إنيته في صورة كل منسجم مغلق أي: مستقل بنفسه؛ والميل النظري يدفع بنا إلى اعتقاد الوجود كلا مترابط الأجزاء مغلقا, فإذا كنا لا نستطيع أن نصير كلا بذاتنا، وجب أن نجعل من ذاتنا جزءا من كل أوسع؛ وإذا بدت لنا متناقضات في كل صغير، وجب أن نتصور كلا أكبر. هناك إذن توافق بين طبيعتنا العملية وطبيعتنا النظرية؛ ولنا من طبيعتنا مقياس نعلم

стр. 423

به ما نسميه أعلى وما نسميه أسفل. ولم يكن الإنسان ليحس ألم التناقض بين نوازعه لو لم يكن هو نفسه كلا لم يعلم أنه كل، فإن التناقض يجيء من عدم الانسجام الباطن من جهة، ومن عدم التوفق مع الخارج من جهة أخرى. ج- كتاب "الظاهر والحقيقة" دراسة نقدية للتصورات التي حول بها الفلاسفة تفسير الوجود. يذهب فيه برادلي إلى أن معاني المادة والمكان والزمان والطاقة وما إليها, التي هي أركان العلم الطبيعي, لا مقابل لها في الخارج، ولكنها نافعة في تعيين الظواهر المحدودة والتعبير عما بينها من علاقات، فإذا أريدت على أن تعبر عن ماهية الأشياء أدت إلى متناقضات وجرتنا إلى التسلسل إلى غير نهاية من حيث يمكن أن نسأل دائمًا عن علاقة الأجزاء بعلاقاتها دون أن نقف عند حد, ومن حيث إن الحكم لا يصدق إلا إذا تناول جميع الشروط التي يتعلق بها صدقه. فهذه المعاني "معاني عمل" Working Ideas لا دلالة نظرية لها وإنما كل دلالتها صناعية Technical. لذا يمتنع أن نجعل من العلم الطبيعي علم ما بعد الطبيعة كما يصنع الماديون, وإنما يتعين علينا التمييز بين العلمين، ومتى ميّزنا بينهما لم يعد بينهما خلاف، كذلك لا يمكن إقامة ميتافيزيقا على علم النفس وحده. أجل, إن معنى النفس أو الذات يدلنا على ارتباط بين الظواهر الباطنة أوثق من ارتباط الظواهر الطبيعية وعلاقاتها, إذ إنه ارتباط باطن لا ظاهر؛ لذا كانت التجربة الباطنية أعلى تجربة, غير أنها تظهرنا على الأنا كأنه جملة آنية من تغيرات وعلاقات، ولا تظهرنا على ماهيته في معنى واحد مغلق، فلا تفيد في التعبير عن الحقيقة المطلقة، كما أن المادية عاجزة عن مثل هذا التعبير، إن علم النفس علم جزئي، وكل علم جزئي فهو يستخدم اصطلاحات ملائمة لغايته ويجد أنصاف حقائق, ومعنى النفس معنى مجرد كمعنى الجسم سواء بسواء، ولا يمكن أن تكون الحقيقة جسمًا ولا نفسًا؛ لأننا لا ندرك سوى أحداث تعرض علينا الوجهتين. د- على أن هذه المناقشة تفترض أن لدينا مقياسًا لما هو وجود وحقيقة. والواقع أن لنا في "معنى التجربة" هذا المقياس: في هذا المعنى شيئان مرتبطان ارتباطا وثيقا, هما الكثرة والعلاقة المنسجمة بين وحداتها. فالتجربة الكاملة تفترض محتوى واسعا جدا مرتبطا أوثق ارتباط بحيث يؤلف كلا حقا، وهذا مقياس الحقيقة. وهو أيضا مقياس القيمة في العمل؛ ذلك بأن كل ميل من ميولنا لا يجد رضاءه فهو

стр. 424

معنى غير تام. وكل ألم فهو تعبير عن عدم انسجام وهو حافز لرفع هذا العدم. فالنقص والقلق وعدم الانسجام, ذلك نصيب الموجود المحدود، في حين أن مثلنا الأعلى العملي يقضي بإرضاء كل ناحية من طبيعتنا بانسجام مع سائر النواحي. ولكننا عاجزون عن تصور ما يرضي المقياس تمام الرضا, وفينا تعارض مستمر بين الكثرة والانسجام. والسبب في عدم الانسجام الحد، ولا يرفع الحد إلا بمحتوى أوسع يمحو تبعيتنا للعلاقات الخارجية التي هي سبب الاضطراب الباطن. لذا كان الموجود اللامتناهي دون غيره منسجمًا تمام الانسجام وثابتًا لا يتغير لأنه كامل؛ ولذا كنا ننزع دائمًا إلى الصعود ونريد أن نفنى في المحبة كما يصب النهر في البحر, والفلسفة والدين تعبيران عن المطلق الذي نصبو إليه. الفلسفة ترينا أن العلم شيء ضئيل بالإضافة إلى غنى الوجود، ويحاول الدين تصور المطلق في ذاته بمعانٍ مستمدة من التجربة، ولكن الفلسفة علم يراجع ماهية المعاني وقيمتها, والدين لا يراجع، فمن هذه الوجهة الفلسفة أرفع؛ والفلسفة علم نظري، والدين مجهود يتجه إلى التعبير عن الحقيقة الكاملة للخير بواسطة جميع نواحي طبيعتنا، فمن هذه الوجهة الدين أرفع ومن الخاصة هذه نتبين أن برادلي تصوري لا يعترف لمعاني العقل بغير قيمة اصطلاحية، وأنه أحادي يقضي على وجود الفرد، فيتفق مع أصحاب البراجماتزم في النقطة الأولى، ويختلف عنهم في الثانية. ٢٠٣ - برنارد بوزنكيت " ١٨٤٨ - ١٩٢٣ ": تخرج هو أيضا في أكسفورد وكان أستاذا فيها. أهم كتبه: "المنطق" " ١٨٨٨ " "قيمة الفرد ومصيره" " ١٩١٣ " "ما الدين" " ١٩٢٠ ". هو من رجال الهجلية الجديدة، ولكنه لا يرى أن هناك فكرًا خالصًا ومنطقًا خالصًا ومعنًى مجردًا هو كلي فحسب، وإنما الوجود عنده مركب من الكلية والتشخص، فالمنطق عنده معرفة تركيب الأشياء أو هو العلم الذي يجعل الأشياء قابلة لأن تكون معقولة. فهو يعرض لتأييد مذهب برادلي بالاعتماد على التجربة, فيرى أن الوجود موجود فردي مستوعب كل شيء معقول تمام المعقولية، وأنه وحده "موجود" وما عداه من الجزئيات، عقولا أو أشياء، فله فردية جزئية ووجود جزئي. والدليل على ذلك أن الإدراك الظاهري والتفكير والحياة الاجتماعية والأفعال الأخلاقية والتأمل الفني

стр. 425

والتجربة الدينية، كل أولئك يظهرنا على أن تحقيق أنفسنا معناه تسليم أنفسنا لشيء أوسع من الأنا؛ هذا الشيء هو المطلق، والمطلق هو الذي كتب الدراما العالمية وهو الذي يحققها، إنه فنان وممثل ومنطيق. فالوجود تراجيديا، وما فيه من شر فهو يشارك في كمال الكل، على ما نرى في التراجيديات التي يؤلفها البشر. وحين ينظر الفرد المحدود إلى الشر ويقبله بهذا الاعتبار, يراه وإذا به يفقد من شريته ويفيد هو منه بأن يحاربه, ويفوز عليه. ٢٠٤ - صمويل إلكسندر " ١٨٥٩ - ١٩٣٨ ": أستاذ بجامعة مانشستر, مشهور بكتاب عنوانه "المكان والزمان والألوهية" " ١٩٢٠ " يؤيد فيه الموضوعية، ولكن الموضوعية تصير عنده شيئًا شبيهًا بالمادية, فإنه يمضي في إثر إنشتين وغيره من العلماء المعاصرين، فيحول المادة التي تعطينا المكان، والحركة التي تعطينا الزمان، إلى شيء واحد هو "المكان الزماني" فيتصور الطبيعة في البدء أصلا ذا أربعة أبعاد فيه مبدأ محرك ومنه تخرج المادة والكيفيات الثانوية والحياة والفكر الذي هو عبارة عن الجهاز العصبي، وكلها تعينات مكانية زمانية. كذلك الحال في المقولات التي اعتبرها كنط غريزية في العقل توجد بها تنوعات الزمان والمكان، فما هي إلا تعينات موضوعية للوجود المركب من مكان وزمان معًا، فمن خصائص هذا الوجود تلزم جميع المقولات. فمقولة الوجود هي شغل جزء من المكان الزماني، ومقولة الجوهر تدل على مكان محدود بنطاق تتعاقب فيه أحداث، ومقولة الشيء تأليف حركات, ومقولة الإضافة هي الرابطة المكانية الزمانية بين شيئين، ومقولة العلية تدل على الانتقال من حادث إلى آخر، وفي الطبيعة ميل إلى إيجاد صور أرقى فأرقى, يعتمد كل منها على ما دونه كما يعتمد الفكر على الجسم. هذا الميل هو الألوهية، وهي بالنسبة إلى كل مرتبة المرتبة التي تبرز بعدها؛ أما بالنسبة إلى الإنسان فلم تبرز الألوهية بعد, فهذا المذهب يرجع إلى المادية التصورية. ٢٠٥ - ألفرد نورث هوايتهد " ١٨٦١ - ": أ- أستاذ بكمبردج " ١٩١١ - ١٩١٤ " وبجامعة لندن " ١٩١٤ - ١٩٢٤ " للرياضيات التطبيقية والميكانيكا, وأستاذ للفلسفة بجامعة هارفارد الأمريكية.
следующие страницы →