بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
صدق الله العظيم
стр. 2
مقدمة .
* الإسلام إيمان وعمل.
* مفهوم الإيمان.
* وحدة العقيدة.
* لماذا كانت العقيدة واحدة وخالدة؟
* منهج الرسل فى الدعوة إلى الإيمان.
* الانحراف عن منهج الرسل وأثره.
* ضرورة العودة إلى تجديد دعوة الإيمان.
стр. 3
* الإسلام إيمان وعمل:
الإسلام هو دين الله الذى أوحاه إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو إيمان وعمل:
والإيمان يمثل العقيدة، والأصول التى تقوم عليها شرائع الإسلام، وعنها تنبثق فروعه.
والعمل يمثل الشريعة، والفروع التى تعتبر للإيمان والعقيدة.
والإيمان والعمل، أو العقيدة والشريعة كلاهما مرتبط بالآخر ارتباط الثمار بالأشجار، أو ارتباط المسبَّبات بالأسباب، والنتائج بالمقدمات.
ومن أجل هذا الترابط الوثيق يأتى العمل مقترنًا بالإيمان فى أكثر آيات القرآن الكريم.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (١).
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ (٣).
стр. 4
* مفهوم الإيمان والعقيدة (١):
ومفهوم الإيمان أو العقيدة ينتظم ستة أمور:
أولاً: المعرفة بالله، والمعرفة بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، والمعرفة بدلائل وجوده، ومظاهر عظمته فى الكون والطبيعة.
ثانيًا: المعرفة بعالم ما وراء الطبيعة، أو العالم غير المنظور، وما فيه من قوى الخير التى تتمثل فى الملائكة، وقوى الشر التى تتمثل فى إبليس وجنوده من الشياطين، والمعرفة بما فى هذا العالم أيضًا من جِن وأرواح.
ثالثًا: المعرفة بكتب الله التى أنزلها لتحديد معالم الحق والباطل، والخير والشر، والحلال والحرام، والحسن والقبيح.
رابعًا: المعرفة بأنبياء الله ورسله الذين اختارهم ليكونوا أعلام الهدى، وقادة الخلق إلى الحق.
خامسًا: المعرفة باليوم الآخر، وما فيه من بعث وجزاء، وثواب وعقاب وجنة ونار.
سادسًا: المعرفة بالقدر الذى يسير عليه نظام الكون فى الخَلق والتدبير.
* وحدة العقيدة:
وهذا المفهوم للإيمان، هو العقيدة التى أنزل الله بها كتبه، وأرسل بها رسله، وجعلها وصيته فى الأولين والآخرين.
стр. 5
فهى عقيدة واحدة، لا تتبدل بتبدل الزمان أو المكان، ولا تتغير بتغير الأفراد أو الأقوام.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١).
وما شرعه الله لنا من الدين، ووصَّانا به - كما وصى رسله السابقين - هو أصول العقائد وقواعد الإيمان، لا فروع الدين، ولا شرائعه العملية؛ فإن لكل أمة من التشريعات العملية ما يتناسب مع ظروفها، وأحوالها، ومستواها الفكرى والروحى.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ (٢)
* لماذا كانت العقيدة واحدة وخالدة ؟
وإنما جعل الله هذه العقيدة عامة للبشر، وخالدة على الدهر؛ لما لها من الأثر البيِّن، والنفع الظاهر فى حياة الأفراد والجماعات.
فالمعرفة بالله من شأنها أن تفجر المشاعر النبيلة، وتوقظ حواس الخير، وتربى ملكة المراقبة، وتبعث على طلب معالى الأمور وأشرافها، وتنأى بالمرء عن مُحَقَّرات الأعمال وسَفسافها.
والمعرفة بالملائكة تدعو إلى التشبه بهم والتعاون معهم على الحق والخير؛ كما تدعو إلى الوعى الكامل واليقظة التّامّة؛ فلا يصدر من الإنسان إلا ما هو حسن، ولا يتصرف إلا لغاية كريمة.
والمعرفة بالكتب الإلهية إنما هى عرفان بالمنهج الرشيد الذى رسمه الله للإنسان كى يصلَ بالسير عليه إلى كماله المادى والأدبى.
стр. 6
والمعرفة بالرسل إنما يقصد بها ترسم خطاهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأسى بهم، باعتبار أنهم يمثلون القيم الصالحة، والحياة النظيفة التى أرادها الله للناس.
والمعرفة باليوم الآخر هى أقوى باعث على فعل الخير، وترك الشر.
والمعرفة بالقدر تزود المرء بقوى وطاقات تتحدى كل العِقاب والصعاب، وتصغر دونها الأحداث الجسام.
وهكذا يبدو بجلاء أن العقيدة إنما يقصد بها تهذيب السلوك، وتزكية النفوس وتوجيهها نحو المثل الأعلى - فضلاً عن أنها حقائق ثابتة - وهى تعد من أعلى المعارف الإنسانية إن لم تكن أعلاها على الإطلاق.
وتهذيب سلوك الأفراد عن طريق غرس العقيدة الدينية هو أسلوب من أعظم الأساليب التربوية.
حيث إن للدين سلطانًا على القلوب والنفوس، وتأثيرًا على المشاعر والأحاسيس، ولا يكاد يدانيه فى سلطانه وتأثيره شىء آخر من الوسائل التى ابتكرها العلماء، والحكماء، ورجال التربية.
فغرس العقيدة فى النفوس، هو أمثل طريقة لإيجاد عناصر صالحة تستطيع أن تقوم بدورها كاملاً فى الحياة، وتُسهم بنصيب كبير فى تزويدها بما هو أنفع وأرشد.
إذ أن هذا اللون من التربية يُضفى على الحياة ثوب الجمال والكمال، ويظللها بظلال المحبة والسلام.
ومتى سادت المحبة ارتفعت الخصومة، وانقطع النزاع، وحل الوفاق محل الشقاق، وتقارب الناس، وتآلفوا، وسعى الفرد لخير الجماعة، وحرصت الجماعة على إصلاح الفرد وإسعاده.
стр. 7
ومن ثَمّ تظهر الحكمة واضحة من جعل الإيمان عامًا خالدًا، وفى أن الله لم يُخْل جيلاً من الأجيال، ولا أمة من الأمم، من رسول يدعو إلى هذا الإيمان وتعميق جذور هذه العقيدة.
وكثيرًا ما كانت تأتى هذه الدعوة بعد فساد الضمير الإنسانى، وبعد أن تتحطم كل القيم العليا، ويظهر أن الإنسان أشد ما يكون حاجة إلى معجزة تعيده إلى فطرته السليمة؛ ليصلح لعمارة الأرض، وليقوى على حمل أمانة الحياة.
إن هذه العقيدة هى الروح لكل فرد، بها يحيا الحياة الطيبة، وبفقدها يموت الموت الروحى، وهى النور الذى إذا عمى عنه الإنسان، ضل فى مسارب الحياة، وتاه فى أودية الضلال.
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (١).
إن العقيدة مصدر العواطف النبيلة، ومغرس المشاعر الطيبة، ومنبت الأحاسيس الشريفة؛ فما من فضيلة إلا تصدر عنها، ولا صالحة إلا ترد إليها.
والقرآن الكريم حينما يتحدث عن الصالحات، إنما يذكر العقيدة فى طليعة أعمال البر كأصلٍ تتفرع عنه، وكأساس تقوم عليه، يقول الله سبحانه:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ
стр. 8
وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١).
* منهج الرسل فى غرس هذه العقيدة:
وكانت الرسل تعرض على الناس هذه العقيدة، عرضًا كله السهولة والبساطة والمنطق؛ فتلْفت أنظارهم إلى ملكوت السماوات والأرض؛ وتوقظ عقولهم إلى التفكير فى آيات الله؛ وتُنبِّه فطرهم إلى ما غُرِس فيها من شعور بالتدين، وإحساس بعالم وراء هذا العالم المادى.
وعلى هذه السنن مضى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يغرس هذه العقيدة فى نفوس أمته لافِتًا الأنظار؛ وموجِّهًا الأفكار؛ وموقظًا العقول؛ ومُنبِّهًا الفِطَر؛ ومُتعهِّدًا هذا الغراس بالتربية والتّنمية حتى بلغ الغاية من النجاح، واستطاع أن ينقل الأمة من الوثنية والشرك إلى عقيدة التوحيد؛ ويملأ قلوبها بالإيمان واليقين؛ كما استطاع أن يجعل من أصحابه قادة فى الإصلاح وأئمة فى الخير، وأن يخلق جيلاً يعتزّ بالإيمان؛ ويعتصم بالحق؛ فكان هذا الجيل كالشمس للدنيا والعافية للناس!
وقد شهد الله لهذا الجيل بالتفوق والامتياز، فقال:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢).
ولقد بلغ الإيمان ببعض هؤلاء الصحابة إلى درجة قال فيها: " لو كُشِف عنِّى الحجاب لَمَا ازْددت يقينًا.
стр. 9
وفى حديث الحارث بن مالك الأنصارى رضى الله عنه ما يعطينا الصورة المشرقة لهذا الإيمان.
فقد مر حارثة برسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقال له الرسول: «كيف أصبحت يا حارثة؟»؛ قال: أصبحت مُؤمنًا حقًا؛ قال: «انظر ماذا تقول، فإن لكل شىء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟»؛ قال: عزَفتْ نفسى عن الدنيا، فأسْهَرْت ليلى، وأظمأت نهارى، وكأنى أنظر إلى عرش ربى بارزًا، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغَوْن (١) فيها؛ فقال: «عرفت يا حارثة فالزم» (٢).
* الانحراف عن منهج الرسل وأثره:
ومنذ قامت دولة التوحيد على يدى خاتَم أنبياء الله ورسله، بقيت العقيدة تستمد قدسيتها من وحى الله وتعاليم السماء، وتعتمد أوَّل من تعتمد على الكتاب والسنة، وتتّجه فى الدرجة الأولى إلى تربية الملكات، وإعلاء الغرائز، وتهذيب السلوك، كى ترفع الإنسان إلى السمو اللائق بكرامته، وتجعل منه قوة إيجابية فى الحياة.
ثم كانت الخلافات السياسية، والاتصال بالمذاهب الفكرية والمذاهب الدينية الأخرى؛ وتحكيم العقل فيما لا قدرة له عليه .. سببًا فى العدول عن منهج الأنبياء؛ كما كانت سببًا فى تحول الإيمان من بساطته وإيجابيته وسموّه إلى قضايا فلسفية، وأقيسة منطقية، ومناقشات كلامية، أقرب ما تكون إلى المناقشات البيزنطية.
стр. 10
ولم يَعُد الإيمان هو الإيمان الذى تزكو به النفس، أو يصلح به العمل، أو ينهض به الفرد، أو تحيا به الأمة.
ولقد كان من أثر الخلافات السياسية، والعدول عن نهج الفطرة، والتأثر بالمذاهب الطارئة، وتحكيم العقل .. أن انقسم حملة العقيدة إلى مدارس مختلفة، كل مدرسة منها تُمثِّل لونًا معينًا من التفكير؛ وتستأثر هى وحدها بالحق دون غيرها فى زعمها، ومن لم يدخل فى دائرة تعاليمها يُعَدّ فى نظرها خارجًا عن الإسلام: فمدرسة لأهل الحديث، ومدرسة للأشاعرة، ومدرسة للماتريدية، ومدرسة للمعتزلة، ومدرسة للشيعة، ومدرسة للجهمية .. إلى آخر هذه المدارس المختلفة المتعددة المذاهب والمتنوعة الآراء:
وكل يدّعى وصْلاً بليلَى ... وليلى لا تُقرّ لهم بذاكا
إذا اشتبكت دموعٌ فى جفون ... تَبيّن من بكى ممن تباكا
وأشهر الخلافات التى وسَّعَت الهُوّة بين الأمة الواحدة، هو ما وقع من خلاف بين الأشاعرة والمعتزلة.
وكان أهم الموضوعات التى ثار حولها الخلاف هى ما يأتى:
١ - هل الإيمان تصديق فقط، أو هو تصديق وعمل؟
٢ - هل صفات الله الذاتية ثابتة، أو منفية عنه؟
٣ - هل الإنسان مُسيّر، أو مُخيّر .. ؟
٤ - هل يجب على الله فعل الصلاح أو الصلح، أو لا يجب؟
٥ - هل الحسن والقبح يعرفان بالعقل، أو الشرع؟
стр. 11
٦ - هل يجب على الله أن يثيب الطائع، ويعذب العاصى، أو لا يجب ذلك؟
٧ - هل يرى الله فى الآخرة، أو أن ذلك مستحيل؟
٨ - ما حكم مرتكب الكبيرة التى لم يَتُب منها حتى مات؟
إلى آخر هذه المسائل التى كانت مثار فرقة بين المسلمين؛ والتى مزقت الأمة شيعًا وأحزابًا.
ولقد كان من نتائج هذا التنازع، ومن آثار هذا الانقسام .. أن جنى المسلمون على أنفسهم جنايات خطيرة: فتزعزعت العقيدة فى النفوس، واهتز الإيمان فى القلوب، فلم يعد للعقيدة السيطرة على سلوك الأفراد، ولم يبق للإيمان السلطان على تصرفاتهم.
وتَبعَ ضعف العقيدة الضّعف العام فى الفرد، وفى الأسرة، وفى المجتمع، وفى الدولة، وفى كل جانب من جوانب الحياة، وأخذ هذا الضعف يَدِبّ فى كل ناحية، حتى أصبحت الأمة عاجزة عن النهوض بتبعاتها، والاضطلاع بمسئولياتها داخليًا وخارجيًا، ولم تَبْق الأمة كما أرادها الله أن تكون .. صالحة لقيادة المم وهداية الشعوب.
وإذا كان سبب تخلف الأمة عن غاياتها الكبرى، هو ضعف العقيدة كان من الضرورى - ونحن نعمل على إعادة مجد أمتنا - أن نسعى جاهدين فى غرس العقيدة فى نفوسنا، وأن نترسم الخطة التى رسمها الرسول صلى الله علية وسلم فى تعهدها بالتربية والتنمية حتى تبلغ غايتها من القوّة وتصل إلى النهاية من اليقين الذى يدفعنا إلى مجد الحياة، ويرفعنا إلى أسمى درجات العز والشرف.
стр. 12
وهذا الكتاب ما هو إلا محاولة من المحاولات التى تبرز العقيدة، وتوضح أثرها فى النفس وفى الحياة.
وقد اعتمدنا فى ذلك على المصدر الأساسى للإسلام من كتاب الله وسنة رسوله.
وأملنا فى الله عظيم، ورجاؤنا كبير فى أن تلقى هذه الدراسات من الترحيب والقبول ما يُمكِّن لها حتى تكون لنا العقيدة التى نسود بها فى الدنيا، ونسعد بها فى الآخرة؛ والله الموفق وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 13
معرفة الله .
* وسيلة المعرفة.
* المعرفة عن طريق العقل.
* التقليد حجاب العقل.
* ميادين التفكير وغايته.
* المعرفة عن طريق معرفة الأسماء والصفات.
* اسم الله العظيم.
стр. 14
إن معرفة الله، هى أسمى المعارف وأجلها، وهى الأساس الذى تقوم عليه الحياة الروحية كلها.
فمنها تفرعت المعرفة بالأنبياء والرسل، وما يتصل بهم من حيث عصمتهم، ووظيفتهم، وصفاتهم، والحاجة إلى رسالاتهم، وما يلحق بذلك من المعجزة والولاية، والكرامة، والكتب السماوية.
وعنها تشعبت المعرفة بعالم ما وراء الطبيعة: من الملائكة والجن والروح.
وعنها انبثقت المعرفة بمصير هذه الحياة، وما تنتهى إليه من الحياة البرزخية، والحياة الأُخروية: من البعث، والحساب، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار.
* وسيلة المعرفة:
وللمعرفة بالله وسيلتان:
إحداهما: العقل والنظر فيما خلق الله من أشياء.
وثانيهما: معرفة أسماء الله وصفاته.
فبالعقل من جانب، وبمعرفة الأسماء والصفات من جانب آخر، يعرف الإنسان ربه، ويهتدى إليه.
ولْنُلْق ضوءًا على كل وسيلة من هاتين الوسيلتين:
* المعرفة عن طريق العقل:
إن لكل عضو وظيفة، ووظيفة العقل، هى التأمل والنظر والتفكير، وإذا تعطلت هذه القوى بطل عمل العقل، وعطل من أهم وظائفه، وتبع ذلك
стр. 15
توقف نشاط الحياة .. مما يتسبب عنه الجمود والموت والفناء؛ والإسلام أراد للعقل أن ينهض من عقاله، ويفيق من سباته، فدعا إلى النظر والتفكير، وعَدّ ذلك من جوهر العبادة.
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١).
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (٢).
والذين يجحدون نعمة العقل، ولا يستعملونه فيما خلق من أجله، ويغفلون عن آيات الله .. هم موضع التحقير والازدراء، والله سبحانه يعتب عليهم فيقول:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (٣).
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ (٤).
وتعطيل العقل عن وظيفته يهبط بالإنسان إلى مستوى أقل من مستوى الحيوان، وهو الذى حال بين الأقدمين وبين النفود إلى الحقائق فى الأنفس وفى الآفاق؛ يقول الله سبحانه:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٥).
стр. 16
* التقليد حجاب العقل:
والتقليد هو المانع للعقل من الانطلاق، والمعوِّق له عن التفكير، ومن ثَمَّ فإن الله يُثْنى على الذين يخلصون للحقائق، ويميزون بين الأشياء، بعد البحث والتمحيص، فيأخذون ما هو أحسن، ويدعون غيره:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ *الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (١).
ويندد بالمقلدين الذين لا يفكرون إلا بعقول غيرهم، ويحمدون على القديم المألوف، ولو كان الجديد أهدى وأجدى لهم.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا
يَهْتَدُونَ﴾ (٢).
* ميادين التفكير:
والإسلام حين دعا إلى التفكير، ورحب به، إنما أراد أن يكون ذلك فى دائرة نطاق العقل وحدود مداركه.
فدعا إلى النظر فيما خلق الله من شىء، فى السماوات والأرض، وفى الإنسان نفسه، وفى الجماعات البشرية، ولم يحظُر عليه إلا التفكير فى ذات الله؛ لأن ذات الله فوق الإدراك.
«تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى الله، فإنكم لن تقدروا قدره» (٣).
стр. 17
والقرآن الكريم ملىء بمئات الآيات الداعية إلى النظر فى مجالات الكون الفسيحة، وآفاقه الرحبة التى لا تحد بحد، ولا تقف عند نهاية.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ (١).
وما أوسع الدنيا التى دعا الإسلام إلى التفكير فيها، وسعتها ليست بشىء فى جانب سعة الآخرة.
* غاية التفكير:
ومن أجل الغايات التى يريدها الإسلام من: إيقاظ العقل، واستعمال وظيفته فى التأمل والنظر والتفكير هى هداية الإنسان إلى قوانين الحياة، وعلل الوجود وسنن الكون، وحقائق الأشياء؛ لتكون هذه هى المنارات التى تكشف له عن مبدع الكون وخالقه، ولتأخذه برفق إلى هذه الحقيقة الكبرى: حقيقة المعرفة بالله.
إن معرفة الله إنما هى نتاج عقل ذكى ملهم، وثمرة تفكير عميق مشرق.
وهذه هى إحدى وسائل القرآن الكريم فى الدلالة على الله.
إنه يوقظ العقل، ويفتح أمامه كتاب الطبيعة؛ ليتعرف منه ما لله من صفات كماله، ونعوت جلاله، ومظاهر عظمته، وأدلة قدسه، وشمول علمه، ونفوذ قدرته، وتفرده بالخلق والإبداع.
لنصغ إلى هذه الآيات فى وعى:
стр. 18
﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١).
فأى برهان أسطع من هذا البرهان؟ وأى حجة أبلغ من هذه الحجة؟!
وإذا لم يخضع العقل لهذا البرهان، ويذعن لهذه الحجة، فإنه لا يخضع لبرهان، ولا يذعن لحجة قط.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢).
وليس يصح فى الأذهان شىء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
* المعرفة عن طريق معرفة الأسماء والصفات:
والوسيلة الأخرى التى اتخذها الإسلام لتعريف الناس بالله، هى عرض أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا.
стр. 19
فالأسماء والصفات هى الوسائل التى تعرَّف الله بها إلى خلقه، وهى النوافذ التى يطل منها القلب على الله مباشرة، وهى التى تحرك الوجدان، وتفتح أمام الروح آفاقًا فسيحة تُشاهَد فيها أنوار الله وجلاله.
وهذه الأسماء هى التى ذكرها الله سبحانه فى قوله:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١).
وهى التى أمرنا أن ندعوه بها.
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ (٢) بِهَا﴾ (٣).
وعددها تسعة وتسعون اسمًا؛ روى البخارى ومسلم والترمذى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «لِلّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْماً مَنْ حَفِظَهَا (٤) دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ».
وزاد الترمذى فى روايته: " هو الله (٥)؛ الذى لا إله إلا هو، الرحمن (٦)؛ الرحيم (٧)؛ الملك (٨)؛ القدوس (٩)؛
وفى كتاب الدين الإسلامى: وأسماء الله الحسنى الواردة فى القرآن الكريم هى:
١ - أسماء الله بذاته تعالى وهى:
الواحد؛ الأحد؛ الحق؛ القدوس؛ الصمد؛ الغنى؛ الأول؛ الآخر؛ القيوم.
٢ - أسماء متعلقة بالتكوين وهى:
الخالق؛ البارئ؛ المصور؛ البديع.
٣ - أسماء متعلقة بصفتى الحب والرحمة فيما عدا رب، ورحمن، ورحيم وهى:
الرءوف؛ الودود؛ اللطيف؛ الحليم؛ العفو؛ الشكور؛ المؤمن؛ البار؛ رفيع الدرجات؛ الرزاق؛ الوهاب؛ الواسع.
٤ - أسماء متعلقة بعظمة الله وجلاله وهى:
العظيم؛ العزيز؛ العلى؛ المتعالى؛ القوى؛ القهار؛ الجبار؛ المتكبر؛ الكبير؛ الكريم؛ الحميد؛ المجيد؛ المتين؛ الظاهر؛ ذو الجلال والإكرام.
٥ - أسماء متعلقة بعلمه تعالى وهى:
العليم؛ الحكيم؛ السميع؛ الخبير؛ البصير؛ الشهيد؛ الرقيب؛ الباطن؛ المهيمن.
٦ - أسماء متعلقة بقدرته تعالى وتدبيره للأمور وهى:
القادر؛ الوكيل؛ الولى؛ الحافظ؛ الملك؛ المالك؛ الفتاح؛ الحسيب؛ المنتقم؛ المقيت.
٧ - وهناك أسماء أخرى لم تذكر بالنص فى القرآن الكريم، ولكنها استمدت من أفعال أو صفات له تعالى وردت بالقرآن الكريم وهى:
القابض؛ الباسط؛ الرافع؛ المعز؛ المذل؛ المجيب؛ الباعث؛ المحصى؛ المبدئ؛ المعيد؛ المحى؛ المميت؛ مالك الملك؛ الجامع؛ المغنى؛ المعطى؛ المانع؛ الهادى؛ الباقى؛ الوارث.
стр. 26
٨ - وهناك أسماء أخرى له تعالى مستمدة من المعانى الواردة فى القرآن الكريم وهى:
النور؛ الصبور؛ الرشيد؛ المقسط؛ الوالى؛ الجليل؛ العدل؛ الخافض؛ الواجد؛ المقدم؛ المؤخر؛ الضار؛ النافع .. ويتصل بذلك صفتا التكلم والإرادة.
* اسم الله الأعظم:
وكما أن لله هذه الأسماء، فله اسم أعظم (١) إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، جاء ذكره فيما يلى من أحاديث:
١ - عن بريدة ﵁ قال: سمع النبى صلى الله علية وسلم رجلاً يدعو، وهو يقول: " اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد " .. قال: فقال: «والذى نفسى بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذى إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى» (٢).
стр. 27
٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبى صلى الله علية وسلم المسجد ورجل قد صلى (١) وهو يدعو ويقول فى دعائه: " اللهم لا إله إلا الله أنت المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام .. فقال النبى ﷺ : «أتدرون بما دعا الله؟ دعا الله باسمه الأعظم الذى إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى» (٢).
٣ - وعن أسماء بنت يزيد رضى الله عنها أن النبى صلى الله علية وسلم قال: «اسم الله الأعظم فى هاتين الآيتين»: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾؛ ﴿الم *اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣).
٤ - وعن سعد بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله علية وسلم يقول: «هل أدلكم على اسم الله الأعظم، الذى إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ الدعوة التى دعا بها يونس حيث نادى فى الظلمات الثلاث: " لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين "» فقال رجل: يا رسول الله هل كانت ليونس خاصة، أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول الله ﷺ
стр. 28
«ألا تسمع قول الله : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾» (١).
فهذه الأسماء التى تفتح آفاقًا واسعة من المعرفة بالله إذا فهمها الإنسان، وأدرك معناها، وانفعلت بها نفسه، واتخذها نبراسًا، فإنها تكشف له عن أكبر حقيقة من حقائق هذا الوجود (٢).
стр. 29
الذات الإلهية .
* استحالة إدراك الذات.
* الطبيعة تؤكد وجود الخالق.
* الفطرة دليل وجود الله.
* دلالة الواقع والتجارب.
* التأييد الإلهى.
* شواهد العقل.
* لا سند للإلحاد.
* اعتراف العلماء المحدثين بوجود الله.
стр. 30
إن حقيقة الذات الإلهية لا يمكن للعقل معرفتها، ولا يستطيع إدراك كُنْهِها؛ لأنها لا تحيط بها الفكرة، والإنسان لم يعط وسائل إدراكها بعد.
إن العقل البشرى مهما كان مبلغه من الذكاء وقوة الإدراك قاصر غاية القصور، وعاجز غاية العجز عن معرفة حقائق الأشياء.
فهو عاجز عن معرفة النفس الإنسانية، ومعرفة النفس لا تزال من أعقد مسائل العلم والفلسفة.
وهو عاجز عن معرفة حقيقة الضوء، والضوء من أظهر الأشياء وأوضحها.
وعاجز عن معرفة حقيقة المادة، وحقيقة الذرات التى تتألف منها؛ والمادة ألصق بالإنسان.
ولا يزال العلم يقف عاجزًا أمام كثير من حقائق الكون والطبيعة، لا يستطيع أن يقول فيها الكلمة الأخيرة.
قال العلامة الفلكى المشهور (كاميل فلامَريون) فى كتابه (القوى الطبيعية المجهولة): " نرانا نفكر، ولكن ما هو الفكر؟ لا يستطيع أحد أن يجيب على هذا السؤال؛ ونرانا نمشى، ولكن ما هو العمل العضلى؟ لا يعرف أحد ذلك .. أرى أن إرادتى قوة غير مادية، وأن جميع خصائص نفسى غير مادية أيضًا .. ومع ذلك فمتى أردت أن أرفع ذراعى، أرى أن إرادتى تحرك مادتى، فكيف يحدث ذلك؟ وما هو الوسيط الذى يتوسط للقوى العقلية فى إنتاج نتيجة مادية؟ يوجد من يستطيع أن يجيبنى عن هذا أيضًا؟ بل قل لى: كيف ينقل العصب البصرى صور الأشياء على العقل؟ وقل لى: كيف يدرك العقل هذا؟
стр. 31
وأين مستقره؟ وما هى طبيعة العمل المخى؟ قولوا لى أيها السادة (يريد الملحدين) .. ولكن كفى كفى! فإنى أستطيع أن أسألكم عشر سنين، ولا يستطيع أكبر رأس فيكم أن يجيب على أحقر أسئلتى ".
فإذا كان موقف العقل هكذا حيال النفس والضوء والمادة، وما فى الكون المنظور وغير المنظور من أشياء .. فكيف يتطلع إلى معرفة ذات البارى جل شأنه؟ ويحاول إدراك كنهه؟!
إن ذات الله أكبر من أن تدركها العقول، أو تحيط بها الأفكار، وما أصدق قول الله سبحانه:
﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١).
* العجز عن معرفة حقيقة الأشياء لا ينفى وجودها
وقصور العقل، وعجزه عن إدراك حقيقة الأشياء لا ينفى وجودها .. فعجزه عن إدراك حقيقة النفس لا ينفى أنها موجودة، وعجزه عن إدراك حقيقة الضوء لا ينفى وجود ضوء يعم الآفاق، وعجزه عن إدراك كنه الذرة لا ينفى أن ثمة ذرات تتكون منها المادة، وهكذا سائر الأشياء التى يقصر العقل عن إدراك حقيقتها ويعجز عن معرفة كنهها.
ومثل ذلك الذات الإلهية إذا عجز الإنسان عن إدراك حقيقتها، فليس معنى ذلك أنها غير موجودة، بل هى موجودة كأقوى ما يكون الوجود.
إن وجوده سبحانه فى حكم البدهيات الأولية، والمسلمات العقلية، وما كان كذلك لا يطالب بإقامة الدليل عليه، إلا المكابر، كالأعمى الذى يطلب إقامة الدليل على وجود الشمس أثناء النهار، ومع ذلك فنحن نسوق من الأدلة ما يهدى إلى الحق ويكشف عن وجه الصواب.
стр. 32
* الطبيعة تؤكد وجود الخالق:
إن وجود الله حقيقة لا شك فى أمرها، ولا مجال لإنكارها، فهو ظاهر كالشمس باهر كفلق الصبح، وكل ما فى الكون شاهد على هذا الوجود الإلهى، ومواد الطبيعة وعناصرها تؤكد أن لها خالقًا ومدبرًا.
فالعالم العلوى، وما فيه من شموس وأقمار ونجوم وكواكب، والعالم الأرضى وما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد، والترابط الوثيق، والتوازن الدقيق، الذى يؤلف بين هذه العوالم، ويحكم أمرها .. ما هو إلا آية وجود الله، ومظهر تفرده بالخلق، ولا يتصور العقل أن توجد هذه الأشياء بدون موجد، كما لا يتصور أن توجد الصنعة بدون صانع.
فإذا كان العقل يحيل أن تطير طائرة فى الهواء، أو تغوص غواصة فى الماء دون أن يكون فيه صانع للطائرة، ومنشئ للغواصة، فإنه يجزم جزمًا قاطعًا باستحالة وجود هذا الكون البديع، وهذه الطبيعة الجميلة من غير خالق خلقها، ومدبر دبر أمرها.
إن ثمة فروضًا ثلاثة يمكن أن نفرضها فى تعليل الأصل الذى صدر عنه الكون، وليس ثمة فرض وراء هذه الفروض:
الفرض الأول: أن يكون صدور هذا الكون من العدم.
الفرض الثانى: أن تكون الصدفة وحدها هى التى نشأ عنها هذا الكون البديع.
الفرض الثالث: أن يكون ثمة موجد أوجد هذا الكون، وأنشأه.
ولنمض فى مناقشة كل فرض من هذه الفروض:
стр. 33
فالفرض الأول باطل من أساسه؛ لأن المسببات مرتبطة بأسبابها، والنتائج مرهونة بمقدماتها.
ولا يتصور العقل أن يوجد معلول بدون علة، ولا مسبَّب دون أن يسبق بسبب، ولا نتيجة من غير أن يكون لها مقدمات.
فصدور الكون من العدم معناه وجود المعلول بدون علة، والمسبَّب دون سببه والنتيجة دون مقدماتها .. أى أن الكون وجد من نفسه وصدر منقطعًا عن سببه.
ووجود الأشياء من نفسها منقطعة عن أسبابها محال عقلاً وواقعًا؛ لأن وجود الأشياء من نفسها مع انقطاعها عن أسبابها ترجيح لجانب الوجود على جانب العدم بدون مرجح، وترجيح جانب الوجود على جانب العدم بدون مرجح محال.
إننا إذا قلنا: إن الكون وجد من نفسه منقطعًا عن سببه كان ذلك مساويًا لقولنا بأن العدم سبب الوجود.
وهذا غاية فى البطلان؛ لأن العدم لا يتصور أن يكون مصدرًا للوجود، ففاقد الشىء لا يعطيه، وهذا هو ما أشارت إليه الآية الكريمة:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ (١)
أى هل وجدوا من غير خالق؟! أم خلقوا أنفسهم، فلا يحتاجون إلى أحد يخلقهم؟! وكل هذا مستحيل.
والفرض الثانى وهو أعظم تهافتًا من الفرض الأول، فإن الصدفة لا يمكن أن
стр. 34
ينبثق عنها هذا النظام، ولا أن يصدر عنها هذا الإحكام، فهل الصدفة هى التى خلقت الذكر والأنثى، وألفت بينهما هذا التأليف الجميل؟ وهل هى التى خلقت الأرض، وما فيها من إنسان وحيوان ونبات وجماد؟ وهل الصدفة هى التى علقت الأرض فى الهواء وسيرتها فى مدارها الذى لم تنحرف عنه قيد شعرة منذ ملايين السنين؟ وهل الصدفة هى التى سيرت الكواكب والنجوم مع ضخامتها وكثرتها بهذه السرعة المذهلة دون أن تتصادم؟ وهل الصدفة هى التى أوجدت العناصر التى يتألف منها الكون، وهى التى تُنَسِّقها تنسيقًا دقيقًا صالحًا للاستمرار والدوام إلى المدى الذى أراده الله؟
إن الذرة وهى أصغر الأشياء يحار العقل والعلم فى تركيبها المحكم، وتناسقها العجيب، وتآلف أجزائها بعضها مع بعض، فهل هذا التركيب والتأليف والتناسق صدفة؟ لنستمع إلى كلمة العلم فى الذرة:
" تتألف المادة من ذرات لا يمكن رؤيتها بأقوى المجاهر (الميكروسكوب)، ولكى نتصور حجم الذرة علينا أن نتصور أننا لو رصصنا مائة مليون ذرة جنبًا إلى جنب، لبلغ طولها بوصة تقريبًا، ومن ناحية أخرى يوجد فى قطرة من مياه البحر خمسون مليون ذرة من الذهب.
وتتألف الذرة من نواة تدور حولها كهارب سلبية (إلكترونات) فى أفلاك مستديرة، وبين الاثنين فراغ يشبه الفراغ بين الكواكب والشمس من حيث النسبة بين الحجم والأبعاد.
ويبلغ وزن أخف نواة ١٨٥٠ضعف وزن الإلكترون، ولو رصصت عشرون ألف نواة جنبًا إلى جنب لبلغ طول قطرها قطر الذرة، أو بعبارة أخرى نسبة النواة إلى الذرة كرأس الدبوس بالنسبة إلى منزل متوسط الحجم.
стр. 35
وتدور الإلكترونات حول النواة فى أفلاك كأفلاك الكواكب، إذ تدور حول الشمس، ولكن هذه الأفلاك أكثر حساسية وأقل تحديدًا من أفلاك الكواكب، ولو أن المادة المؤلفة من النوى الذرية مكدسة مع بعضها أى بدون الفراغ الموجود بين النواة والالكترونات، لبلغ وزن قطعة نقدية فى حجم القرشين حوالى ٤٠ مليون طن.
وتتألف النواة من كهارب موجبة (بروتونات) يساوى عددهم عدد الكهارب السالبة (الإلكترونات) التى تدور حول النواة .. ويجد إلى جوار البروتونات كهارب أخرى متعادلة الشحنة تسمى نيوترونات، ولو استطعنا أن نخلخل من هذه الرابطة التى تربط بين البروتونات والنيوترونات، ولو استطعنا أن نخلخل من هذه الرابطة التى تربط بين البروتونات والنيوترونات، أو بالأحرى لو استطعنا أن نهيئ السبل لهروب نيترون واحد من مجموع النيوترونات التى تحيط بالبروتونات إذن لانطلقت طاقة كبرى كان (أينشتين) أول من قدرها بأنها تساوى الكتلة فى مربع سرعة الضوء مقدرًا بالسنتيمتر فى الثانية " (١).
فإذا انتقلنا من الذرة، ورفعنا رؤوسنا إلى الشمس رأينا العلم يقول:
" الشمس هى كرة متأججة بنار أشد وطيسًا من كل نار على الأرض، وهى أكبر من الأرض بأكثر من مليون مرة، أما بعدها عنا فنحو ٩٢٥٠٠٠٠٠ ميل، هذا وإن هى إلا نجمة، وليست هى فى عداد النجوم الكبرى.
وهناك مشكلة أخرى أعى حلها النهائى عقول العلماء والفلكيين، هى أن الشمس - كما يؤخذ من علم طبقات الأرض - لم تزل تشع نفس المقدار أو نحوه من الحرارة مدة ملايين من السنين، فإن كانت الحرارة الصادرة عنها نتيجة احتراقها، فكيف لم تفن مادتها مع توالى العصور؟ فلا شك أن طريقة الاحتراق الجارية فيها غير ما نعهد ونألف، وإلا لكفاها ٦٠٠٠ سنة لتحترق، وتنفد حرارتها.
стр. 36
أما فضل الشمس علينا، فليس أنها مصدر نورنا ونارنا فقط، بل هى محور نظامنا السيَّارى، ومصدر حياتنا أيضًا، فهى التى تبخر مياه البحر، وترفعها غيومًا فى الجو، وتنزلها أمطارًا على الأرض، حيث تجرى جداول وأنهارًا تروى زرعنا وتنمى أغراسنا، وتثير الرياح، وتهيج الأنواء، فتطهر الهواء وتنقيه، وتزجى السفن والمراكب فى عُباب المحيط، وهى التى تجر المركبات، وتدير الآلات البخارية، وما الفحم الحجرى إلا حرارة نورها المدخرة منذ قديم الأدهار؛ لينتفع بها بنو العصور المتأخرة، ولا حياة لولا الشمس لحيوان، ولا لنبات؛ فالحيوانات تنتعش بحرارتها، والأطيار تغرد بأنوارها وتسبح تسبيحًا، وبحرارتها وأنوارها تبزغ النباتات، وتنمو الأشجار، وتزهر الأزهار، وتنضج الأثمار .. فنحن مدينون للشمس بمأكلنا ومشربنا، وهى علة وجودنا على هذه الأرض ".
فإذا تجاوزنا الشمس وجدنا أن:
" أقرب نجم إلينا بعد الشمس يعادل بُعده ٢٦٠٠٠٠ مرة بعد الشمس عنا ".
ويعتبر هذا شيئًا ضئيلاً جدًا بالنسبة لنجوم المجرة التى أسماها القدماء (طريق التبانة)؛ بل تعتبر المجموعة الشمسية ذرة إذا قيست بالمجرة؛ إذ أنها تحتوى على مائة مليون نجم موزعة فيما يشبه القرص المفرطح الرقيق نسبيًا.
ويقول (هيربرت سبنسر جونز) مؤلف كتاب (الفلك العام):
" إن الضوء يستغرق مائة ألف سنة ضوئية ليصل بين طرفى المجرة، ومعلوم أن الضوء يسير بسرعة ١٧٦٠٠٠ ألف ميل فى الثانية، أو ٣٠٠٠٠٠ ألف كيلومتر .. وعلى هذا فإن السنة الضوئية تعادل عشر مليون مليون كيلومتر.
وليست هذه المجرة التى تبلغ هذا الحد من الضخامة التى لا يقوى العقل على استيعابها إلا واحدة من كثيرات لم يحصها العد.
стр. 37
وبقى أن نعرف أن أقرب مجرة لمجراتنا تبعد سبعمائة ألف سنة ضوئية " (١).
أفبعد هذا يتصور العقل أن يكون ذلك ناشئًا بطريق الصدفة؟
إن القول بالصدفة فى خلق الكون لا يتصوره العقل، ولا يقره العلم، ولا يقوله إنسان إلا إذا فقد أخص خصائصه من الإدراك والتمييز.
قال الفيلسوف الألمانى (إدوارد هارنمان) خليفة (شوبنهور) فى كتابه (المذهب الدرونى): " إن الرأى الذى مقتضاه عدم وجود القصد فى الكون عند الدارونيين لا يقوم عليه دليل، وهو من الأوهام التى لا أساس لها من العلم ".
وقال الأستاذ (فون باير) الألمانى فى كتابه (دحض مذهب دارون): " وإذا كانوا يعلنون الآن بصوت جهورى بأنه لا يوجد قصد فى الطبيعة، وأن الكون لا تقوده إلا ضرورات عمياء، فأنا أعتقد أن من واجباتى أن أعلن عقيدتى فى ذلك، وهى أنى - على العكس - أرى جميع هذه الضرورات تكشف عن أغراض سامية " .. قال الأستاذ الكبير (محمد فريد وجدى) ﵀ بعد أن ذكر هذا الكلام الأخير: " ولو شئنا الاستئناس بمئات من أقطاب العلم والفلسفة على رأى عدم وجود القصد فى الخليقة، لما كلفنا ذلك أكثر من النقل ".
ومتى ثبت وجود القصد فى الكون، فقد ثبت وجود المدبر الحكيم جل وعلا من طريق محسوس لا سبيل للجدل فيه، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٢).
وإذا لم يصح الفرض الأول، ولا الفرض الثانى؛ لأنهما خارجان عن دائرة العقل والمنطق والعلم، لم يبق إلا الفرض الثالث:
стр. 38
وهو أن لهذا الكون خالقًا ومدبرًا، وهذا هو مقتضى العقل والمنطق السليم الذى دعا (سقراط) إلى الإيمان بالله، وإفحام (أريستوديم) الذى ينكر الألوهية فى المحاورة التى نذكرها فيما يلى:
سقراط: أيوجد رجال تعجب بمهارتهم وجمال صنائعهم؟
أريستوديم: نعم أعجب فى الشعر القصصى بـ (هومير)، وفى التصوير بـ (زوكيس)، وفى صناعة التماثيل بـ (بوليكتيت).
سقراط: أى الصناع أولى بالإعجاب، الذى يخلق صورًا بلا عقل ولا حراك، أم الذى يبدع كائنات ذات عقل وحياة؟
أريستوديم: طبعًا الذى يبدع الكائنات المتمتعة بالعقل والحياة، إذا لم تكن من نتائج الاتفاق.
سقراط: وهل يمكن أن يكون من الاتفاق أن تُعطَى الأعضاء لمقاصد وغايات خاصة، عين ترى، وأذن تسمع، وأنف يشم، ولسان يتذوق؛ والعين تحاط بحراسة لحساسيتها وضعفها، فتقفل عند النوم، أو عند الحاجة، وتحرس بالرموش والحواجب؛ ويجعل للأذن جهاز خارجى يجمع لها الصوت .. وهل يمكن أن يكون كل ذلك من نتائج الاتفاق؟ والميل المودع فى النفوس للتناسل، والحنان المخلوق فى قلوب الأمهات بالنسبة للأولاد - مع ندرة أن ينفع ولد أباه أو أمه -، والطفل الذى يلهم الرضاعة بمجرد ولادته .. هل يمكن أن يكون ذلك كله من نتائج الاتفاق؟
стр. 39
أريستوديم: لا، إن ذلك يدل على الإبداع، وعلى أن الخالق عظيم يحب الكائن الحى، ولكن لماذا لا نرى الخالق؟
سقراط: وأنت أيضًا لا ترى روحك التى تتسلط على أعضائك، فهل معنى هذا أن نقول: إن أفعالك صادرة عن اتفاق وبدون إدراك؟
وصدق الله العظيم الذى يقول:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ﴾ (١).
* الفطرة دليل وجود الله:
والكون وما فيه من نظام، وإحكام، وجمال، وكمال، وتناسق، وإبداع، ليس هو وحده الشاهد الوحيد على وجود قيوم السماوات والأرض؛ وإنما هناك شاهد آخر، وهو الشعور المغروس فى النفس الإنسانية بوجوده سبحانه، وهو شعور فطرى فطر الله الناس عليه، وهو المعبر عنه بالغريزة الدينية، وهو المميز للإنسان عن الحيوان، وقد يغفو هذا الشعور بسبب ما من الأسباب، فلا يستيقظ إلا بمثير يبعث على يقظته من ألم ينزل، أو ضر يحيط .. وإلى هذا تشير الآية الكريمة:
﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ (٢).
стр. 40
* دلالة الواقع والتجارب:
وإذا كان النظر العقلى فى الكون وأسراره يهدى إلى البارى جل شأنه، وإذا كان الشعور الفطرى شعورًا أصيلاً فى النفس الإنسانية، يستوى فيه العالم والجاهل، والحضرى والبدوى، والرجال والنساء، والأولون والآخرون، فإن ثمة دليلاً أخر مأخوذًا من واقع الإنسان وتجاربه، فكم دعا الإنسان ربه، فأجاب دعاءه، وكم ناداه فلبى نداءه، وكم سأله فأعطاه، وكم توكل عليه فكفاه، وكم من مرض شفاه منه، وكم من ألم خففه عنه، وكم من رزق ساقه إليه، وكم من كربة فرجها، وكم من غمة كشفها.
إن تجارب الإنسان فى الحياة تأخذ بيده، وتوصله إلى الله مباشرة؛ لأنها تكشف له عن الحقيقة التى لم يستطع أن يلمسها بحواسه والتى تدبر الكون، وتسيِّره وفق نظام محكم وقانون مُطَّرد، وما من إنسان إلا وقد وقع له فى حياته من التجارب ما عرفه بالله، وهداه إليه، وأوقعه عليه.
فكثيرًا ما يفقد الإنسان جميع الأسباب المادية التى تجلب الخير له، أو تدفع الشر عنه .. فإذا توجه بقلبه إلى رب كل شىء ومليكه، تحقق له من الخير ما يصبو إليه، واندفع عنه من الشر ما يخاف منه دون سبب ظاهر، أو تعليل معقول، فبماذا تفسر هذه الظواهر؟
وهل لها تفسير سوى أن من ورائها رب الأرباب ومسبب الأسباب.
* التأييد الإلهى:
ومن دلائل الوجود الإلهى أن المؤمنين بالله إيمانًا حقيقيًا أعلى من غيرهم علمًا، وأكثر أدبًا، وأزكى نفسًا، وأطيب قلبًا، وأكثر تضحية، وأعظم إيثارًا، وأنفع الناس للناس،