← Акыда

Акыда · id 8647

العقائد الإسلامية

سيد سابق

Полный текст (290 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أما فضل الشمس علينا، فليس أنها مصدر نورنا ونارنا فقط، بل هى محور نظامنا السيَّارى، ومصدر حياتنا أيضًا، فهى التى تبخر مياه البحر، وترفعها غيومًا فى الجو، وتنزلها أمطارًا على الأرض، حيث تجرى جداول وأنهارًا تروى زرعنا وتنمى أغراسنا، وتثير الرياح، وتهيج الأنواء، فتطهر الهواء وتنقيه، وتزجى السفن والمراكب فى عُباب المحيط، وهى التى تجر المركبات، وتدير الآلات البخارية، وما الفحم الحجرى إلا حرارة نورها المدخرة منذ قديم الأدهار؛ لينتفع بها بنو العصور المتأخرة، ولا حياة لولا الشمس لحيوان، ولا لنبات؛ فالحيوانات تنتعش بحرارتها، والأطيار تغرد بأنوارها وتسبح تسبيحًا، وبحرارتها وأنوارها تبزغ النباتات، وتنمو الأشجار، وتزهر الأزهار، وتنضج الأثمار .. فنحن مدينون للشمس بمأكلنا ومشربنا، وهى علة وجودنا على هذه الأرض ". فإذا تجاوزنا الشمس وجدنا أن: " أقرب نجم إلينا بعد الشمس يعادل بُعده ٢٦٠٠٠٠ مرة بعد الشمس عنا ". ويعتبر هذا شيئًا ضئيلاً جدًا بالنسبة لنجوم المجرة التى أسماها القدماء (طريق التبانة)؛ بل تعتبر المجموعة الشمسية ذرة إذا قيست بالمجرة؛ إذ أنها تحتوى على مائة مليون نجم موزعة فيما يشبه القرص المفرطح الرقيق نسبيًا. ويقول (هيربرت سبنسر جونز) مؤلف كتاب (الفلك العام): " إن الضوء يستغرق مائة ألف سنة ضوئية ليصل بين طرفى المجرة، ومعلوم أن الضوء يسير بسرعة ١٧٦٠٠٠ ألف ميل فى الثانية، أو ٣٠٠٠٠٠ ألف كيلومتر .. وعلى هذا فإن السنة الضوئية تعادل عشر مليون مليون كيلومتر. وليست هذه المجرة التى تبلغ هذا الحد من الضخامة التى لا يقوى العقل على استيعابها إلا واحدة من كثيرات لم يحصها العد.

стр. 37

وبقى أن نعرف أن أقرب مجرة لمجراتنا تبعد سبعمائة ألف سنة ضوئية " (١). أفبعد هذا يتصور العقل أن يكون ذلك ناشئًا بطريق الصدفة؟ إن القول بالصدفة فى خلق الكون لا يتصوره العقل، ولا يقره العلم، ولا يقوله إنسان إلا إذا فقد أخص خصائصه من الإدراك والتمييز. قال الفيلسوف الألمانى (إدوارد هارنمان) خليفة (شوبنهور) فى كتابه (المذهب الدرونى): " إن الرأى الذى مقتضاه عدم وجود القصد فى الكون عند الدارونيين لا يقوم عليه دليل، وهو من الأوهام التى لا أساس لها من العلم ". وقال الأستاذ (فون باير) الألمانى فى كتابه (دحض مذهب دارون): " وإذا كانوا يعلنون الآن بصوت جهورى بأنه لا يوجد قصد فى الطبيعة، وأن الكون لا تقوده إلا ضرورات عمياء، فأنا أعتقد أن من واجباتى أن أعلن عقيدتى فى ذلك، وهى أنى - على العكس - أرى جميع هذه الضرورات تكشف عن أغراض سامية " .. قال الأستاذ الكبير (محمد فريد وجدى) ﵀ بعد أن ذكر هذا الكلام الأخير: " ولو شئنا الاستئناس بمئات من أقطاب العلم والفلسفة على رأى عدم وجود القصد فى الخليقة، لما كلفنا ذلك أكثر من النقل ". ومتى ثبت وجود القصد فى الكون، فقد ثبت وجود المدبر الحكيم جل وعلا من طريق محسوس لا سبيل للجدل فيه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٢). وإذا لم يصح الفرض الأول، ولا الفرض الثانى؛ لأنهما خارجان عن دائرة العقل والمنطق والعلم، لم يبق إلا الفرض الثالث:

стр. 38

وهو أن لهذا الكون خالقًا ومدبرًا، وهذا هو مقتضى العقل والمنطق السليم الذى دعا (سقراط) إلى الإيمان بالله، وإفحام (أريستوديم) الذى ينكر الألوهية فى المحاورة التى نذكرها فيما يلى: سقراط: أيوجد رجال تعجب بمهارتهم وجمال صنائعهم؟ أريستوديم: نعم أعجب فى الشعر القصصى بـ (هومير)، وفى التصوير بـ (زوكيس)، وفى صناعة التماثيل بـ (بوليكتيت). سقراط: أى الصناع أولى بالإعجاب، الذى يخلق صورًا بلا عقل ولا حراك، أم الذى يبدع كائنات ذات عقل وحياة؟ أريستوديم: طبعًا الذى يبدع الكائنات المتمتعة بالعقل والحياة، إذا لم تكن من نتائج الاتفاق. سقراط: وهل يمكن أن يكون من الاتفاق أن تُعطَى الأعضاء لمقاصد وغايات خاصة، عين ترى، وأذن تسمع، وأنف يشم، ولسان يتذوق؛ والعين تحاط بحراسة لحساسيتها وضعفها، فتقفل عند النوم، أو عند الحاجة، وتحرس بالرموش والحواجب؛ ويجعل للأذن جهاز خارجى يجمع لها الصوت .. وهل يمكن أن يكون كل ذلك من نتائج الاتفاق؟ والميل المودع فى النفوس للتناسل، والحنان المخلوق فى قلوب الأمهات بالنسبة للأولاد - مع ندرة أن ينفع ولد أباه أو أمه -، والطفل الذى يلهم الرضاعة بمجرد ولادته .. هل يمكن أن يكون ذلك كله من نتائج الاتفاق؟

стр. 39

أريستوديم: لا، إن ذلك يدل على الإبداع، وعلى أن الخالق عظيم يحب الكائن الحى، ولكن لماذا لا نرى الخالق؟ سقراط: وأنت أيضًا لا ترى روحك التى تتسلط على أعضائك، فهل معنى هذا أن نقول: إن أفعالك صادرة عن اتفاق وبدون إدراك؟ وصدق الله العظيم الذى يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١). * الفطرة دليل وجود الله: والكون وما فيه من نظام، وإحكام، وجمال، وكمال، وتناسق، وإبداع، ليس هو وحده الشاهد الوحيد على وجود قيوم السماوات والأرض؛ وإنما هناك شاهد آخر، وهو الشعور المغروس فى النفس الإنسانية بوجوده سبحانه، وهو شعور فطرى فطر الله الناس عليه، وهو المعبر عنه بالغريزة الدينية، وهو المميز للإنسان عن الحيوان، وقد يغفو هذا الشعور بسبب ما من الأسباب، فلا يستيقظ إلا بمثير يبعث على يقظته من ألم ينزل، أو ضر يحيط .. وإلى هذا تشير الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ (٢).

стр. 40

* دلالة الواقع والتجارب: وإذا كان النظر العقلى فى الكون وأسراره يهدى إلى البارى جل شأنه، وإذا كان الشعور الفطرى شعورًا أصيلاً فى النفس الإنسانية، يستوى فيه العالم والجاهل، والحضرى والبدوى، والرجال والنساء، والأولون والآخرون، فإن ثمة دليلاً أخر مأخوذًا من واقع الإنسان وتجاربه، فكم دعا الإنسان ربه، فأجاب دعاءه، وكم ناداه فلبى نداءه، وكم سأله فأعطاه، وكم توكل عليه فكفاه، وكم من مرض شفاه منه، وكم من ألم خففه عنه، وكم من رزق ساقه إليه، وكم من كربة فرجها، وكم من غمة كشفها. إن تجارب الإنسان فى الحياة تأخذ بيده، وتوصله إلى الله مباشرة؛ لأنها تكشف له عن الحقيقة التى لم يستطع أن يلمسها بحواسه والتى تدبر الكون، وتسيِّره وفق نظام محكم وقانون مُطَّرد، وما من إنسان إلا وقد وقع له فى حياته من التجارب ما عرفه بالله، وهداه إليه، وأوقعه عليه. فكثيرًا ما يفقد الإنسان جميع الأسباب المادية التى تجلب الخير له، أو تدفع الشر عنه .. فإذا توجه بقلبه إلى رب كل شىء ومليكه، تحقق له من الخير ما يصبو إليه، واندفع عنه من الشر ما يخاف منه دون سبب ظاهر، أو تعليل معقول، فبماذا تفسر هذه الظواهر؟ وهل لها تفسير سوى أن من ورائها رب الأرباب ومسبب الأسباب. * التأييد الإلهى: ومن دلائل الوجود الإلهى أن المؤمنين بالله إيمانًا حقيقيًا أعلى من غيرهم علمًا، وأكثر أدبًا، وأزكى نفسًا، وأطيب قلبًا، وأكثر تضحية، وأعظم إيثارًا، وأنفع الناس للناس،

стр. 41

فما الذى غير طباعهم وغرائزهم وميولهم، ووجهها وجهة الحق والخير والجمال والكمال؟ لماذا لم يكونوا مثل غيرهم ممن لا يؤمنون بالله من غلظ الجهل، وجفاء الطبع، وخبث النفس، وظلمة القلب، وفساد الخلق، وحيوانية فى المطالب والمآرب؟ لابد وأن يكون وراء ذلك سر. وهل فيه سر غير أن المؤمنين بالله يمدهم بالقوى التى تصحح إنسانيتهم ليصلوا إلى أقصى ما قدر لهم من كمال، فهذا التغيير فى نفوس المؤمنين وصفاتهم وأخلاقهم وميولهم، أدل دليل على وجود قوى روحية خفية تعمل عملها فى صمت، وتظهر آثارها جلية فى سلوك المؤمنين بها، الواصلين حبالهم بحبالها. * شواهد النقل: ومما يستشهد به على الوجود الإلهى الحقيقى أن المصطفين من العباد، والأخيار من الناس، نادوا فى الناس من عهد آدم إلى عهد محمد - عليهم صلوات الله وسلامه - بأن لهذا الكون إلهًا حكيمًا، وأجمعوا على ذلك. وقد قامت الشواهد على صدقهم من تأييد الله لهم، وكبت أعدائهم، وجعل كلمة الله هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى .. فأى دليل أبلغ من قول الصادقين مع الله، والمخلصين له، والداعين إليه، والمتفانين فيه، والمؤيدين به. * لا سند للإلحاد: وأخيرًا نقرر أنه لم يثبت من ناحية العقل، ولا من ناحية العلم، أى دليل يمكن الاستناد إليه فى نفى وجود الله .. وكل ما ذكره الملحدون ما هو إلا وهم لا يستند إلى منطق سليم، ولا علم مكين. وليس هذا الإلحاد بجديد على الناس، ولا هو من مبتكرات هذا العصر، وإنما هو قديم، وقديم جدًا، قاومه الأنبياء عبر الأجيال والعصور، يقول القرآن الكريم:

стр. 42

﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (١). فهل ثمة فارق بين ما قاله الأولون فى عصر الجاهلية، وبين ما يقوله الآخرون فى العصر الذى يتحدثون عنه بأنه عصر النور والعرفان؟ على أن العصر الذى بلغ فيه العلم شأوًا لم يصل إليه من قبل، لم يستطع أن ينكر وجود الله، بل إن علماءه من أشد الناس إيمانًا بالله، ولا نريد بالعلماء السطحيين من أدعياء العلم، وإنما نقصد العلماء الحقيقيين. ومما يؤيد هذا الذى نقوله، ما نشره الدكتور (دينرت) من بحث حلل فيه الآراء الفلسفية لأكابر العلماء بقصد أن يعرف عقائدهم، فتبين له من دراسة ٢٩٠ عالمًا، أنهم بالنسبة للعقيدة الدينية كما يلى: ٢٤٢ من هؤلاء أعلنوا إيمانهم الكامل بالله. ٢٨ لم يصلوا إلى عقيدة. ٢٠ لم يهتموا بالتفكير الدينى (٢). وهكذا نجد أغلبية ساحقة تزيد عن ٩٠% يعلنون إيمانهم بالله عن طريق أبحاثهم العلمية، ونجد من سواهم لا يزالون فى تردد، أو لم يهتموا بالعقيدة الدينية فى أبحاثهم، وأغلب الظن أن المترددين سيصلون يومًا، وأن الآخرين الذين لم يهدهم العلم لساحة الله يعانون نقصًا، لو تخلصوا منه لوصلوا. ونختم هذا البحث عن الدليل العقلى على وجود الله بأقوال مشاهير العلماء: يقول (هرشل) العالم الفلكى الإنجليزى: " كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين

стр. 43

الدامغة القوية على وجود خالق أزلى لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا، وتضامنوا على تشييد صرح العلم وهو صرح عظمة الله وحده " (١). ويقول الدكتور (وتز) الكيماوى الفرنسى: " إذا أحسست فى حين من الأحيان أن عقيدتى بالله قد تزعزعت، وجهت وجهى إلى أكاديمية العلوم لتثبيتها (٢) ويقول (فولتير) ساخرًا: " لم تشككون فى الله، ولولاه لخانتنى زوجتى وسرقنى خادمى "؟

стр. 44

صفات الله . * الصفات السلبية. * الصفات الثبوتية. * صفات الذات والأفعال. * صفات الله أعلام هادية.

стр. 45

والله سبحانه الموجد للكون، له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، التى هى من مقتضيات كمال ربوبيته وعظمة ألوهيته. وهذه الصفات قد تفرد بها الخالق، فلا يشاركه فيها شريك؛ لأنه وحده هو الرب والإله، فلا رب غيره، ولا إله إلا الله. وهذه الصفات منها صفات سلبية (١)، ومنها صفات ثبوتية. * الصفات السلبية: أما الصفات السلبية فهى: الأول والآخر: فالله سبحانه هو الأول: ومعنى أوليته: أنه سبحانه لا أول لوجوده، وأن وجوده غير مسبوق بعدم. وأنه هو الآخر: ومعنى آخريته: أنه سبحانه لا آخر لوجوده، وأنه باق إلى ما لا نهاية، فهو سبحانه أزلى وأبدى، لا يسبقه عدم، ولا يلحقه فناء؛ لأنه واجب الوجود؛ يقول الله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ (٢) وَالآخِرُ (٣) وَالظَّاهِرُ (٤) وَالْبَاطِنُ (٥) وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦). ويقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (٧).

стр. 46

ويقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (١). وروى البخارى والبيهقى عن عمران بن الحُصَيْن قال: إنى عند النبى صلى الله علية وسلم، إذ جاءه قوم من بنى تميم فقال: «أقبلوا البشرى (٢) يا بنى تميم»، قالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم»، قالوا: قبلنا، جئنا لنتفقه فى الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شىء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب فى الذكر كل شىء». والذكر هو اللوح المحفوظ، وهو خَلْق عظيم من خلق الله، سجل الله فيه جميع الكائنات التى قدرها، أو هو عبارة عن علم الله المتعلق بسائر الموجودات: كليها وجزئيها، صغيرها وكبيرها. ومعنى قوله وكان عرشه على الماء: أن العرش فى جهة العلو، والماء تحته فى جهة السفل، وليس معناه أنه ملاصق للماء محمول عليه؛ كما يقال السماء على الأرض، أى أنها فوقها دون ملاصقتها لها. * بدء الخلق فى رأى علماء الشرع: ويظهر من الأحاديث أن العرش هو أول المخلوقات العلوية، وأن الماء هو أول المخلوقات المادية، وأنه خلق قبل العرش كما رواه أحمد والترمذى .. وبعد خلق العرش والماء، خلق الله السماوات والأرض.

стр. 47

ويظهر أيضًا من الحديث الصحيح الذى رواه أحمد والترمذى أن أول المخلوقات المعنوية القلم، فقد رويا عن عبادة بن الصامت أن النبى صلى الله علية وسلم قال: «أول ما خلق الله القلم، ثم قال له اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة». وأما ما روى من أن أول المخلوقات العقل، فلم يثبت هذا الحديث، وكذلك حديث: " أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ". وليس ثمة دليل يمكن التعويل عليه فى أصل الكائنات من جهة الشرع. * بدء الخلق فى رأى علماء الفلك وطبقات الأرض: وعلماء الفلك وطبقات الأرض يتفقون مع علماء الشرع فى أن الكون حدث، وتطور بعد أن لم يكن، ولكنهم يختلفون عنهم فى بداية هذا الحدوث وتطوره. فالشرع لا يتحدث عن ذلك، بينما هم يقولون كما جاء فى كتاب (تاريخ الأرض) لـ (جورج جامبو): إن الكون بدأ تطوره منذ بليون بليون سنة؛ أما الأرض فقد نشأت حديثًا جدًا إذ لم توجد إلا منذ بليونين من السنين فقط، وظهرت الحياة على الأرض منذ بليون سنة، والحيوانات البرمائية منذ ٢٠٠ مليون سنة، أما الحيوانات الثديية - التى يعتبر الإنسان أحد فروعها - فقد بدأ ظهورها على الأرض منذ ١٢٠ مليون سنة. والإنسان هو أحدث الوافدين على الأرض، إذ بدأ على صورته الإنسانية منذ ٥٠ مليون سنة. والله أعلم بحقيقة ذلك. ولا يصح أن يقال: إن الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ لأن هذا السؤال خطأ، لأن

стр. 48

الخالق لا يكون مخلوقًا؛ لأنه لو كان مخلوقًا لاحتاج إلى خالق، وهكذا إلى ما لا نهاية؛ وعقولنا القاصرة لا تدرك حقيقة نفسها، فكيف بحقيقة الذات الإلهية؟ وقد نهينا أن نبحث فيها، ففى حديث عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله» (١). وقد كتب أحد العلماء الباحثين جوابًا عن هذا السؤال موضحًا له بمثال، فقال: " إذا وضعت كتابًا على مكتبك، ثم خرجت من الحجرة، وعدت إليها بعد قليل، فرأيت الكتاب الذى تركته على المكتب موضوعًا فى الدرج، فإنك تعتقد تمامًا أن أحدًا لابد أن يكون قد وضعه فى الدرج؛ لأنك تعلم من صفات هذا الكتاب أنه لا ينتقل بنفسه .. احفظ هذه النقطة، وانتقل معى إلى نقطة أخرى. لو كان معك فى حجرة مكتبك شخص جالس على الكرسى، ثم خرجت، وعدت إلى الحجرة، فرأيته جالسًا على البساط مثلاً، فإنك لا تسأل عن سبب انتقاله، ولا تعتقد أن أحدًا نقله من موضعه؛ لأنك تعلم من صفات هذا الشخص أنه ينتقل بنفسه، ولا يحتاج إلى من ينقله .. احفظ هذه النقطة الثانية ". ثم أقول لك: " لما كانت هذه المخلوقات محدثة ونحن نعلم من طبائعها وصفاتها أنها لا توجد بذاتها، بل لابد لها من موجد، عرفنا أن موجدها هو الله ﵎، ولما كان كمال الألوهية يقتضى عدم احتياج الإله إلى غيره، بل إن من صفاته قيامه بنفسه، عرفنا أن الله ﵎ موجود بذاته وغير محتاج إلى من يوجده ..

стр. 49

وإذا وضَعْت النقطتين السابقتين إلى جانب هذا الكلام، اتضح لك هذا المقام، والعقل البشرى أقصر من أن يتورط فى أكثر من ذلك. * ليس كمثله شىء: والله سبحانه لا يماثله شىء، ولا يماثل شيئًا، فكل ما خطر ببالك، فهو بخلاف ذلك، يقول الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). ومماثلة غير الله فى بعض الصفات، إنما هى من حيث التسمية لا من حيث الحقيقة، فإذا قيل: إن فلانًا عالم وحىّ وموجود وقادر وحكيم ورحيم، فهو من حيث الظاهر فقط، ومع ذلك فإن وجود العلم والحياة، والقدرة والحكمة والرحمة فى الله كاملة غاية الكمال، ووجودها فى الأفراد ناقصة غاية النقص، بالإضافة إلى الله جل شأنه. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). إن الإنسان خُلق ضعيفًا، والله قوى عزيز. والإنسان خلق فقيرًا، والله غنى حميد. والإنسان والد ومولود، والله لم يلد ولم يولد. والإنسان نساى، والله لا يضل ولا ينسى. والإنسان ناقص، والله هو الكمال المطلق. والإنسان محكوم عليه بالموت، والله حىّ لا يموت.

стр. 50

يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١). فالآية تقرر: ١ - أن الله واحد فى ألوهيته لا يعبد معه غيره؛ لأنه هو الحى التام الحياة والقيوم الذى قامت به السماوات والأرض. ٢ - وأنه مقدس عن مماثلة غيره من الأحياء، فلا يأخذه نوم، ولا سنة ولا فتور يسبق النوم. ٣ - وأن الكون كله: أرضه وسماؤه مملوك له، وأن كل ما فيه ومن فيه خاضع له، لا يخرج عن تقديره وتدبيره. ٤ - وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ومشيئته. ٥ - وأن علمه محيط بكل شىء: الماضى والحاضر والمستقبل. ٦ - ولا يدرك أحد شيئًا من علمه إلا بالقدر الذى يشاؤه. ٧ - وأن كرسيه وسع السماوات والأرض. ٨ - وأنه لا يثقله حفظهما، وهو العلىّ العظيم. وقد سئل النبى صلى الله علية وسلم: صف لنا ربك .. فأنزل الله عزوجل:

стр. 51

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (١). أى لم يكن له مماثل ولا مكافئ. وما ورد فى الآيات الكريمة والسنّة المطهرة مما يوهم بظاهره مشابهة الله لخلقه فى بعض صفاتهم، فنؤمن به بدون تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ويسعنا ما يسع السلف رضى الله عنهم وأرضاهم. وأحسن ما يقال فى ذلك ما قاله الإمام الشافعى: " آمنت بكلام الله على مراد الله، وبكلام رسول الله على مراد رسول الله ". * الأحد: وهو سبحانه واحد فى ذاته وصفاته وأفعاله. ووحدة الذات: معناها أن ذاته ليست مركبة من أجزاء، وأنه لا شريك له فى ملكه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٢). ووحدة الصفات معناها: أنه ليس لأحد صفة تشبه صفة من صفاته. ووحدة الأفعال معناها: أنه ليس لأحد غيره فعل من الأفعال، فالله خالق كل شىء، ومبدع كل شىء، فهو سبحانه مستقَل بالإيجاد والإبداع: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾. فهو (أحد)، أى أنه واحد فى ذاته وصفاته وأفعاله، وأن جميع الأمور إليه، وكل شىء فى قبضته.

стр. 52

وهو (الصمد)، أى الغنى الذى يقصده الناس فى حوائجهم. (لم يلد): لم ينبثق عنه ولد، فهو كامل غاية الكمال. (ولم يولد): لم ينبثق عن غيره؛ لأنه لا أول لوجوده. (ولم يكن له كفوًا أحد): لم يكن له أحد يساويه، ويماثله. ولو وجد مع الله شريك له فى إلهيّته لبطل نظام هذا الكون العجيب: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١). أى لو كان فى السماوات والأرض آلهة تدبر أمرهما غير الخالق لهما لاختل نظامهما لتنازع المشرفين عليهما؛ لأن كل واحد يريد أن يكون هو المتصرف؛ وهذا كقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢). وقد تضمنت الآية: ١ - أن الله سبحانه لم يتخذ ولدًا لاستلزام انفصال الولد عن أبيه، وذلك يقتضى التركيب المحال على الله، ولأن الولد يجانس أباه ويماثله، والله ليس كمثله شىء. ٢ - والله لا ينبغى أن يكون معه من إله؛ لأنه لو كان معه إله يشاركه فى الألوهية، ويخلق معه، لذهب كل واحد بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض .. أى غالب بعضهم بعضًا ليوسع ملكه، ولو حصل هذا لفسد نظام العالم. ولو كان معه آلهة كما يزعم المشركون، لطلبوا مغالبة الله ومزاحمة ذى الجلال. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ (٣).

стр. 53

* الثالوث عقيدة وثنية: عقيدة النصارى أساسها الثالوث الأقدس: أى المركب من ثلاثة أقانيم (١) هى: الآب، والابن، وروح القدس .. وهى جواهر ثلاثة، وكل جوهر منها مستقل عن الآخر. والثلاثة مع ذلك إله واحد .. قال أحد النصارى: فهو الإله ابن الإله وروحه ... فثلاثة هى واحد لم تقسم والتثليث ليس خاصًا بالنصارى، جاء فى دائرة معارف القرن التاسع عشر الفرنسية قولها فى تحديد لفظة ثالوث إنه: " اتحاد ثلاثة اشخاص متميزة مكونة لإله واحد فى عقيدة الديانة النصرانية وبعض الديانات الأخرى، فيقال مثلاً: الثالوث النصرانى، والثالوث الهندى " انتهى. قال المرحوم العلامة الأستاذ/ فريد وجدى: " نعم كان الثالوث موجودًا فى ديانة قدماء المصريين بالنسبة لآلهتهم الوطنية، وقد اندثرت تلك الديانة الآن ". " والثالوث الهندى موجود للآن لدى الملايين من الناس فى الهند والصين، وهو أن البراهمة يعتقدون أن الخالق تجسد أولاً فى (برهما) ثم فى (فيشنو) ثم فى (سيفا)، ويصورونهم ملتصقين إشارة إلى هذا التجسد الثلاثى ". " ويعتقد البوذيون أن الإله (فيشنو) الذى هو أحد أركان الثالوث الهندى تجسد مرارًا عديدة لتخليص العالم من الشرور والذنوب، وكان تجسده فى بوذا للمرة التاسعة " انتهى.

стр. 54

هذه العقيدة هى فى حقيقة أمرها وثنية، وأنها دخيلة على دين الله، فالله منزه عن أن يشبهه شىء، أو يشبه هو شيئًا آخر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وذاته فوق متناول العقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١). ولا يجوز أن تتركب ذاته المقدسة من أجزاء، أو تتحد بالأشياء، أو تحل فى خلق من المخلوقات: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ (٢). وعقيدة التوحيد والتنزيه هى عقيدة جميع الأنبياء والرسل، حتى السيد المسيح نفسه، والذين يزعمون غير هذا من النصارى لا برهان لهم من العقل، ولا سند لهم من النقل، وإنما هى ظنون وأوهام طرأت عليهم من الديانات الوثنية القديمة. قالت دائرة معارف القرن التاسع عشر عند كلمة ثالوث: " إن عقيدة الثالوث، وإن لم تكن موجودة فى العهد الجديد الإنجيل، ولا فى أعمال الآباء الرسوليين، ولا فى تلاميذهم الأقربين، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية، والمذهب البروتستنتى الواقف مع التقليد، يزعمون أن عقيدة التثليث كانت مقبولة عند المسيحيين فى كل زمان رغمًا من أدلة التاريخ الذى يرينا كيف ظهرت هذه العقيدة، وكيف نمت، وكيف عَلِقت بها الكنيسة بعد ذلك .. نعم إن العادة فى التعميد كانت أن يذكر عليه اسم الآب، والابن، والروح القدس، ولكننا سنريك أن هذه الكلمات الثلاث كان لها مدلولات غير ما يفهمه عندنا الآن نصارى اليوم.

стр. 55

وإن تلاميذ المسيح الأولين الذى عرفوا شخصه، وسمعوا قوله، كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنه أحد الأركان الثلاثة المكونة لذات الخالق. وما كان (بطرس) أحد حوارييه يعتبره إلا رجلاً موحى إليه من عند الله. أما (بولس) فإنه خالف عقيدة التلاميذ الأقربين لـ (عيسى ﵇، وقال: إن المسيح أرقى من إنسان، وهو نموذج إنسان جديد، أى عقل سام متولد من الله، وكان موجودًا قبل أن يوجد هذا العالم، وقد تجسد هنا لتخليص الناس، ولكنه مع ذلك تابع للإله الآب ". صلى الله علية وسلم ثم قالت دائرة المعارف بعد ذلك: " كان الشأن فى تلك العصور أن عقيدة إنسانية عيسى ﵇ كانت عالية مدة تكون الكنيسة الأولى من اليهود المنتصرين. فإن الناصريين (١)، والإثبيوتيين، وجميع الفرق النصرانية التى تكونت من اليهودية، اعتقدت بأن عيسى ﵇ إنسان محض، مؤيد بالروح القدس، وما كان أحد إذ ذاك يتهمهم بأنهم مبتعدون أو ملحدون ". قال (جوستين مارشير) (٢): " إنه كان فى زمنه فى الكنيسة مؤمنون يعتقدون أن عيسى هو المسيح، ويعتبرونه إنسانًا محضًا، وإن كان أرقى من غيره من الناس، وحدث بعد ذلك أنه كلما نما عدد من تنصر من الوثنيين ظهرت عقائد جديدة لم تكن من قبل " انتهى كلام دائرة المعارف الفرنسية (٣). إن بطلان عقيدة التثليث واضح وضوح الشمس, ومع ذلك لا أدرى كيف يحرصون على ما هو باطل, ويتعصبون له تعصبًا أعمى, دون سند من التاريخ, أو حجة من المنطق؟!

стр. 56

﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١). ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢). ومن المحاورات الطريفة: أن بعض المسلمين قال لأحد القسوس: إن بعض الناس أخبرنى أن رئيس الملائكة قد مات, فقال له القسيس: إن ذلك كذب, لأن الملائكة خالدون لا يموتون, فقال له المسلم: وكيف؟ وأنت تقول الآن فى وعظك: إن الإله قد مات على خشبة الصليب, فكيف يموت الإله وتخلد الملائكة؟ .. فبهت القسيس ولم ينطق بكلمة, أو ينبس ببنت شفة. وقال أحد الشعراء المسلمين: عجبًا للمسيح بين النصارى ... وإلى الله والدًا نسبوه أسلموه إلى اليهود وقالوا ... إنهم بعد قتله صلبوه فلئن كان ما يقولون حقًا ... فسلوهم فأين كان أبوه فإن كان راضيًا بأذاهم ... فاشكروهم لأجل ما صنعوه وإذا كان ساخطًا غير راض ... فاعبدوهم لأنهم غلبوه ومن أحسن ما قيل فى ذلك, قول البوصيرى فى قصيدته: جاء المسيح من الإله رسولا ... فأبى أقل العالمين عقولا أسمعتم أن الإله لحاجة ... يتناول المشروب والمأكولا؟ وينام من تعب ويدعو ربه ... ويرومُ من حر الهجير مقيلا ويمسه الألم الذى لم يستطع ... صرفًا له عنه ولا تحويلا يا ليت شعرى حين مات بزعمهم ... من كان بالتدبير عنه كفيلا

стр. 57

زعموا الإله فدى العبيد بنفسه ... وأراه كان القاتل المقتولا أيجوز قول مُنَزِّه لإلهه ... سبحان قاتل نفسه فأقولا أو جل من جعل اليهود بزعمكم ... شوك القتاد لرأسه إكليلا ومضى لحبل صليبه مستسلمًا ... للموت مكتوف اليدين ذليلا ضلّ النصارى فى المسيح وأقسموا ... لا يهتدون إلى الرشاد سبيلا جعلوا الثلاثة واحدًا ولو اهتدوا ... لم يجعلوا العدد الكثير قليلا وإذا أراد الله فتنة معَشْر ... وأضلهم رأوا القبيح جميلا * الصفات الثبوتية: ما تقدم من الصفات كان صفات سلبية, أما الصفات الثبوتية فهى: * القدرة: وهو سبحانه قادر لا يعجزه شىء, وصدور هذا الكون ما هو إلا مظهر من مظاهر قدرته وعظمته, وقدرته سبحانه صالحة فى كل وقت لإيجاد كل ممكن وإعدامه .. والتأمل اليسير فى السماوات والأرض, والليل والنهار, والحياة والموت, وما يجرى من شئون فى كل لحظة, يهدى إلى معرفة القدرة الباهرة؛ يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١). ويقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).

стр. 58

ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي (١) سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ (٢) بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً (٣) فَتَرَى الْوَدْقَ (٤) يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا (٥) بَرْقِهِ يَذْهَبُ (٦) بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٧). * الإرادة (٨): والله سبحانه مريد: أى أنه يخصص الشىء الممكن ببعض ما يجوز عليه, فيجعله طويلاً أو قصيرًا؛ حسنًا أو قبيحًا؛ عالمًا أو جاهلاً؛ فى هذا المكان, أو فى غيره؛ وهو سبحانه له أن يتصرف فى الكون حسب مشيئته وإرادته وحكمته. ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٩).

стр. 59

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٣). ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤). ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (٥). * العلم: والله عالم بكل شىء, وقد أحاط بكل شىء علمًا, سواء منها المعلومات الماضية, أو الحاضرة, أو المستقبلة. وعِلْم الله لم يسبق بجهل, ولا يعتريه نسيان, ولا يتقيد علمه بزمان ولا مكان. وعلمه بالكليات كعلمه بالجزئيات, وما يبدو فى الكون من نظام وإتقان وإحكام ما هو إلا برهان ساطع على شمول علمه وكمال حكمته:

стр. 60

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢). ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). * الحياة: والله سبحانه هو الحى, والحياة هى الصفة التى تصحح لموصوفها الاتصاف بالقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر, فلو لم يكن حيًا ما ثبتت له هذه الصفات. وحياة الله حياة كاملة, ليس أكمل منها, لا يكتنه كنههًا, ولا تعلم حقيقتها كسائر صفاته. ويحاته لا يلحقها عدم, ولا يقضى عليها بالانقضاء والفناء.

стр. 61

والعالم لا يمكن أن يصدر إلا من حى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ (١). ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (٣). * الكلام: والله سبحانه متكلم, وكلامه ليس بحرف ولا صوت, وقد أثبت الله هذه الصفة لنفسه, وأنه كلم موسى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (٤). وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٥). وأنه يكلم أنبياءه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ (٦). وأن كلماته لا حصر لها: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (٧).

стр. 62

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (١). وهذه الصفة من صفات الله التى أثبتها لنفسه, فنؤمن بها, ولا نبحث عن حقيقتها؛ لأنها كغيرها من الصفات الإلهية التى لا يمكن الوصول إلى العلم بحقائقها. * السمع والبصر: والله سبحانه سميع يسمع كل شىء, حتى إنه ليسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء فى الليلة الظلماء, دون أن يشغله سماعه جماعة عن سماعه جماعة آخرين, ودون أن يشتبه عليه لغة, أو يؤثر عليه ضجيج, أو يشوش عليه مشوش, وهو سبحانه لا يسمع بجارحة, ولا بآلة, ولا بأذن, ولا بصماخ. وقد شكت إحدى النساء زوجها إلى رسول الله صلى الله علية وسلم, وأخذت تجادله؛ فأنزل الله سبحانه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢). وكما أن الله يسمع كل شىء, فهو يرى كل شىء رؤية شاملة تستوعب كل المدركات, ورؤيته سبحانه ليست بحدقة كما يرى غيره. وقد أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون, وقال لهما: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ

стр. 63

أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١). وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). * صفات الذات وصفات الأفعال: صفات الله تعالى منها صفات ذات, وهى الصفات الثبوتية, أو صفات المعانى: وهى صفة الحياة, والعلم, والقدرة, والإرادة, والسمع, والبصر, والكلام. وصفات أفعال مثل: صفة الخلق, والرزق .. فالخالق, والرازق هو الذى يفعل الخلق, ويمنح الرزق, وقد اتفق العلماء على أن صفات الأفعال غير الذات وأنها زائدة عليها. واختلفوا فى صفات الذات: هل هى عين الذات؟ أى أن الله عالم بالذات, وحىّ بالذات, وهكذا إلى آخر الصفات الثبوتية؛ أو أنها صفات زائدة على الذات؟ أى أنه عالم بعلم, وحىّ بحياة, وقادر بقدرة, ومريد بإرادة, وسميع بسمع, وبصير ببصر, ومتكلم بكلام.

стр. 64

ونحن نرى رأى من رأى من العلماء, وأئمة الدين, أن هذا من الدخيل على الإسلام, ومن البدع الطارئة على العقيدة, ومن المنكرات التى يجب على المسلمين أن يتنزهوا عنها؛ فإن ذات الله أجل من أن تتناول على هذا النحو. وهذا النوع من التفكير مما نُهينا عنه, ولم يكلفها الله به؛ لأنه خارج عن نطاق العقل المحدود, وذات الله فوق الإدارك: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١). ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ (٣). وتقدم الحديث: «تفكروا فى خلق الله, ولا تفكروا فى الله, فإنكم لن تقدروه قدره». إن كل ما كلفنا به: أن نعلم أن الله موجود, وأن له الأسماء الحسنى, والصفات العليا, والكمال المطلق, وما وراء ذلك يجب الإمساك عنه, ولا يحل البحث فيه, فالعلم به لا ينفع, والجهل به لا يضر. * صفات الله أعلام هادية: وإن علينا أن نسير على هدى هذه الصفات, ونستنير بها, ونتخذها مثلنا الأعلى, ونجعلها غايتنا, حتى نصل إلى أقصى درجات السمو النفسى والارتقاء الروحى. وقد ألف حجة الإسلام الإمام الغزالى ﵀, كتاب (المقصد الأسنى) ,

стр. 65

شرح فيه أسماء الله الحسنى, وبين حظ المؤمن من كل اسم, فينبغى الرجوع إليه, ونحن نقتبس من كتاب الدين الإسلامى ما يأتى: فالله تعالى: رب العالمين .. وهذا مثل أعلى يجب على المؤمن أن يحتذى به, فيحسن تربية نفسه, وذوى قرباه, ويعمل على ما فيه الخير والفلاح. والله تعالى: رحمن .. ينعم على مخلوقاته, ويظهر لهم حبه, دون أن يؤدوا عملاً يستحقون عليه ذلك, وهذا مثل أعلى يجب على الإنسان التحلى به, فيكون رحيمًا ببنى جنسه, يفعل الخير ابتغاء وجه ربه, لا رغبة فى اجتلاب نفع, أو خشية من مس ضر. والله تعالى: رحيم .. يجازى الإنسان على عمله, وهذا مثل أعلى أيضًا يوجب على الإنسان أن يقابل الإحسان بالإحسان. والله تعالى: مالك يوم الدين .. يحاسب الناس على أعمالهم, فيجازى المسىء لا شهوة فى الانتقام, بل بروح التسامح, كما يجب أن يعامل السيد الرحيم مَسوده, والوالد ولده, وهذا مثل أعلى آخر يوجب على الإنسان أن يكون متسامحًا وعفوًا فى معاملاته مع الناس. هذه الصفات الأربع هى أبرز صفات الله العليا, ومثله العليا, وما يقال عنها يقال عن الصفات الأخرى. فصفات الحب والرحمة التى هى: الرءوف, الودود, التوّاب, العفو, الشكور, السلام, المؤمن, البار, رفيع الدرجات, الرزاق, الوهاب, الواسع .. كلها صفات يجب على الإنسان اتخاذها نبراسًا للسير على هداها والتحلى بها كما قدمنا.

стр. 66

وكذلك صفات العلم التى هى: العليم, الحكيم, السميع, البصير, الشهيد, الرقيب, الباطن .. فإنها صفات يجب على الإنسان أن يتبعها ليبلغ مبلغ العلم والحكمة, وأن الله تعالى جعل الإنسان خليفته فى الأرض, حيث قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١). وميزه عن سائر المخلوقات, فعلمه الأسماء كلها, قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢). وفيما يختص بالحكمة, فقد أرسل الله رسولاً للناس, ليعلمهم الحكمة, قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣). وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٤). وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥).

стр. 67

وفيما يختص بصفات الله الدالة على قدرته وتدبيره, فقد أمر الملائكة بالسجود للإنسان, وسخر السماوات والأرض لخدمته ومنفعته, ولهذا يجب على الإنسان أن يتخذ من صفات الله تعالى مثلاً أعلى؛ ليكون أهلاً للقيام بما استخلف عليه, وسخر له, ونحن لا نعنى أن الإنسان باتخاذه صفات الله مثلاً عليًا يمكنه أن يبلغ درجة الكمال, وإنما نعنى أن على الإنسان أن يجعل هذه الصفات رائدة فى حياته؛ ليحيا بها حياة طيبة مبارك

стр. 68

حقيقة الإيمان وثمرته مظاهر الإيمان ثماره

стр. 69

الإيمان بالله يمثل أكرم صلة بين الإنسان وخالقه .. ذلك أن أشرف ما فى الأرض الإنسان, وأشرف ما فى الإنسان قلبه, وأشرف ما فى القلب الإيمان. ومن ثم كانت الهداية إلى الإيمان أجل نعمة, وأفضل آلاء الله على الإطلاق ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ (١). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ (٢). وليس الإيمان هو مجرد النطق باللسان, واعتقاد بالجنان, إنما هو عقيدة تملأ القلب, وتصدر عنها آثارها, كما تصدر عن الشمس أشعتها, وكما يصدر عن الورد شذاه. ومن آثاره أن يكون الله ورسوله أحب إلى المرء من كل شىء, وأن يظهر ذلك فى الأقوال, والأفعال, والتصرفات؛ فإن كان ثمة شىء أحب إلى المرء من الله ورسوله فالإيمان مدخول, والعقيدة مهزوزة. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ

стр. 70

تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١). فالحياة بما فيها من الآباء, والأبناء, والأخوة, والأزواج, والعشيرة, والأموال, والتجارة, والمساكن .. إن كانت أحب إلى الإنسان من الله ورسوله, فلينتظر عقاب الله للذين شغلوا قلوبهم عنه بغيره. إن الإيمان لا يكمل إلا بالحب الحقيقى: حب الله, وحب رسوله, وحب الشريعة التى أوحاها الله إليه. ففى الحديث الصحيح: «ثلاث من كنّ فيه, وجد حلاوة الإيمان: ١ - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ٢ - وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ٣ - وأن يكره أن يعود فى الكفر, كما يكره أن يقذف فى النار». وقال صلى الله علية وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده, وولده, ونفسه التى بين جنبيه, والناس أجمعين». وجاء عمر رضى الله عنه إلى رسول الله صلى الله علية وسلم, فقال: «يا رسول الله .. لأنت أحب إلىّ من كل شىء إلا من نفسى «, فقال صلى الله علية وسلم: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال عمر: «والذى بعثك بالحق لأنت أحب إلىّ من نفسى «فقال صلى الله علية وسلم: «الآن يا عمر (أى الآن تم إيمانك)». وقال صلى الله علية وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به».

стр. 71

وكما يتمثل الإيمان فى الحب, يتمثل فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله, والكفاح لرفع راية الحق, والنضال لمنع الظلم والفساد فى الأرض. وكثيرًا ما يقترن الإيمان بالجهاد على أنه روحه ومظهره العملى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). ولقد برز هذا الكفاح فى الصفوة المؤمنة فى العهد الأول, حتى استحقوا ثناء الله عليهم. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٣). وأثر الإيمان يبدو واضحًا فى خشية الله والخوف منه, فإن من عرف الله وعرف عظمته, واستشعر جلاله وكبرياءه, وعرف تقصيره فى حقه, خشيه وخاف منه. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤). وهذه سمة أهل الحق القوامين على دين الله.

стр. 72

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ (١). وكلما كانت المعرفة أكمل, كانت الخشية أتم. ويقول الرسول صلى الله علية وسلم: «إنى لأعلمكم بالله, وأخشاكم له». وأعظم ما يبدو فيه الإيمان الاستمساك بالوحى, لأنه النبع الصافى الذى لم يختلط بشائبة الهوى, أو آفة الظنون. والاستمساك بالوحى, إنما هو اتصال بالله, وأخذ عنه مباشرة بدون توسيط وسطاء, وهذا هو أسمى أنواع الاتصال. والمؤمنون عامة يتجهون هذا الاتجاه, حتى لا يلتبس الحق الذين يؤمنون به بالباطل الذى صنعته عقول الناس وأفهامهم. ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢) ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (٣). ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٤).

стр. 73

والإيمان ينشئ علاقات مختلفة: فهو يربط بين المؤمنين وبين الله برباط المودة, والمحبة؛ ويقيم العلاقة بين المؤمنين بعضهم مع بعض, على أساس من الشفقة والرحمة. ويقيم العلاقة بين المؤمنين وبين أعداء الله, الصادين عن الحق, على أساس من الغلظة والقسوة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). وقد تجلت هذه الصفات فى الرسول ﷺ وصحابته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢). والعمل الصالح الذى تزكو به النفس, ويطهر به القلب, وتعمر به الحياة, أثر من آثار الإيمان. ولهذا يأتى الإيمان فى الآيات القرآنية مقرونًا بالعمل الصالح؛ لأن

стр. 74

الإيمان إذا تجرد عن العمل كان إيمانًا عقيمًا, وكان كالشجرة التى لا تثمر ثمرًا, ولا تمد ظلاً؛ فهى بالقطع أولى منها بالبقاء. والعمل إذا خلا عن الإيمان, كان رياء ونفاقًا؛ والنفاق والرياء هما شر ما يصاب به الإنسان. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١). إن الإيمان بهذا المعنى, هو الإيمان القرآنى, وهو الإيمان الذى أراده الله لعباده. وإذا تحقق, فإنه يتحول إلى قوة إيجابية فى الحياة, وهو الذى يحول الضعف إلى قوة, والهزيمة إلى نصر, واليأس إلى أمل, والأمل إلى عمل. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٢). ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). * ثمار الإيمان: وإذا عرف الإنسان ربه عن طريق العقل والقلب .. أثمرت له هذه المعرفة ثمارًا يانعة, وتركت فى نفسه آثارًا طيبة, ووجهت سلوكه وجهة الخير والحق, والسموّ والجمال.

стр. 75

وهذه الثمار نجمل بعضها فيما يلى: ١ - تحرر النفس من سيطرة الغير, وذلك أن الإيمان يقتضى الإقرار بأن الله هو المحى, المميت, الخافض, الرافع, الضار, النافع. ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١). إن الذى عوق البشرية عن النهوض, وحال بينها وبين الرقى, هو الخضوع للاستبداد, سواء أكان هذا الاستبداد استبدادًا سياسيًا للحكام والرؤساء, أم استبدادًا كهنوتيًا لرجال الدين والكهنوت. وبتقرير الإسلام لهذه الحقيقة, قضى على هذا الأسر, وأطلق حرية الإنسان من سيطرة هؤلاء المستبدين التى لازمته قرونًا طوالاً. ٢ - والإيمان يبعث فى النفس احتقار الموت والرغبة فى الاستشهاد من أجل الحق. إذ الإيمان يوحى بأن واهب العمر هو الله, وأنه لا ينقص بالإقدام, ولا يزيد بالأحجام؛ فكم من إنسان يموت وهو على فراشه الوثير, وكم من إنسان ينجو وهو يخوض غمرات المعارك والحروب! ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ (٢). ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي
следующие страницы →