← Акыда

Акыда · id 8647

العقائد الإسلامية

سيد سابق

Полный текст (290 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (١). ثانيًا: أن أهل الكتاب، وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر، إلا أن تصورهم له قد بلغ منتهى الفساد. فالنصارى مثلاً، يعتمدون فيه على وجود يسوع الفادى المخلِّص الذى يَفْدى الناس بنفسه، ويخلِّصهم من عقوبة الخطايا .. وهذا يطابق ما يقوله الهنود فى كرشنه، وبوذا، سواء بسواء. وعقيدة اليهود فى الله وفى اليوم الآخر، لا تقل فى فسادها وضلالها عن عقيدة النصارى، والهنود. ثالثًا: أن الإيمان باليوم الآخر يجعل لحياتنا غاية سامية، وهدفًا أعلى، وهذه الغاية هى فعل الخيرات، وترك المنكرات، والتحلى بالفضائل، والنخلى عن الرذائل الضارة بالأبدان والأديان، والأعراض والعقول، والأموال؛ أى تحقيق معنى الخلافة. ولابد من تقوية الوازع النفسى الذى يرغِّب فى الخير، ويصد عن الشر، ولا يقوى الوازع إلى بكثرة التذكير والتفنن فى التصوير، وضرب الأمثال المتنوعة، حتى تعمق جذوره، ويقوى تأثيره، ويحقق الغاية منه، فيرجع المنكر عن إنكاره، ويصحح المخطئ خطأه، ويحدد كل إنسان هدفه الأعلى لا يضل الطريق، أو تتعثر به الخطا. * بداية اليوم الآخر: ويؤخذ من مجموع الآيات الكريمة، أن اليوم الآخر يبدأ بإحداث تغيير عام فى هذا الكون، فتتشقق السماء، وتتناثر النجوم، وتتصادم الكواكب، وتتفتت الأرض، ويخرب كل شىء، ويدمر كل ما عرفه الناس فى هذا الوجود.

стр. 247

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١). * العلم الطبيعى واليوم الآخر: وهذا التخريب العام الشامل، ليس بمحال، أو بعيد الحصول، فقد ثبت لدى علماء العلم الطبيعى، أن هذا الكون سيأتى يوم ينتهى فيه كل شىء، فكما أنه تطور من الزمن القديم إلى ما انتهى إليه فى وضعه القائم، فإنه سيتطور تطورًا حتميًا إلى الفناء والزوال. فليس فيما قرره القرآن الكريم عن نهاية هذا العالم ما يتنافى مع أحدث نظريات العلم الطبيعى. ومن أدل الدلائل على أن هذا من عند الله، أنه لم يسبق أن تحدث أحد عن فناء هذا الكون بهذه الصورة، كما لم تتحدث الأديان السابقة؛ ولا يمكن أن يكون من تفكير رسول الله ﷺ ، فهذه إحدى معجزاته! * متى هو ؟: وقيام الساعة أو اليوم الآخر، مما استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه لا نبيًا مرسلاً، ولا ملكًا مُقرّبًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ (٢). ولقد كان الناس يسألون عنها رسول الله، ويُلْحِفُون فى المسألة، فأمره الله أن يَرُدّ علمها إليه وحده.

стр. 248

﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١). وسجل هذا السؤال والإجابة عليه فقال: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا (٢) لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ (٣) فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ (٤) عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). عن ابن عمر ﵁ أن النبى ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما فى الأرحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدرى نفس بـ أى أرض تموت». قال الألوسى فى تفسيره: " وإنما أخفى الله أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك ". ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضى ذلك أيضًا، لم يبعد. وظاهر الآيات أنه ﷺ لم يعلم وقت قيامها .. نعم، ﷺ قرّبها على الإجمال، وأخبر ﷺ به، فقد أخرج الترمذى، وصححه عن أنس مرفوعًا: «بعثت أنا والساعة كهاتين (وأشار بالسبابة والوسطى)».

стр. 249

وفى الصحيحين عن عمر ﵁ مرفوعًا أيضًا: «وإنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم، من صلاة العصر إلى غروب الشمس». أما نهاية هذه الحياة، فلم يأت فيها حديث صحيح يمكن التعويل عليه. قال ابن حزم: " وأما نحن (يعنى المسلمين)، فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا، ومن ادّعى فى ذلك سبعة آلاف سنة، أو أكثر، أو أقل؛ فقد قال ما لم يأت قط عن رسول الله ﷺ فيه لفظة تصح، بل صح عنه ﷺ خلافه، بل نقطع على أن للدنيا أمدًا لا يعلمه إلا الله تعالى، قال الله : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وقال ﷺ : «ما أنتم فى الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود، أو الشعرة السوداء فى الثور الأبيض». وهذه نسبة من تدبرها، وعرف مقدار عدد أهل الإسلام ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض، علم أن للدنيا أمدًا لا يعلمه إلا الله، وكذلك قوله ﷺ : «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين (وضم إصبعيه السبابة والوسطى)». وقد جاء النص بأن الساعة لا يعلم متى تكون إلا الله تعالى لا أحد سواه، فصح أنه ﷺ إنما أراد شدة القرب لا فصل الوسطى عن السبابة، إذ لو أراد ذلك لأخذت نسبة ما بين الأصبعين ونسب من طول الإصبع، فكان

стр. 250

يعلم بذلك متى تقوم الساعة، وهذا باطل، وأيضًا فكان تكون نسبته ﷺ إيانا إلى من قبلنا، بأننا كالشعرة فى الثور كذبًا .. ومعاذ الله من ذلك، فصح أنه ﷺ إنما أراد شدة القرب، وله ﷺ منذ بعث أربعمائة عام ونيف وألف، والله تعالى أعلم بما بقى من عمر الدنيا، فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عندما سلف لقِلّته وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى، فهو الذى قال ﷺ من أننا فيمن مضى كالشعرة فى الثور، أو الرقمة فى ذراع الحمار. * البعث: ويبدأ اليوم الآخر بالبعث: وهو إعادة الإنسان روحًا وجسدًا، كما كان فى الدنيا، وهذه الإعادة تكون بعد العدم التام، ولا يستطيع الإنسان معرفة هذه النشأة الأخرى، لأنها تختلف تمام الاختلاف عن النشأة الأولى. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ *عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ *وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١). * أدلة البعث: ولقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة على البعث، مستدلاً بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، ومبينًا أن الله قادر على كل شىء، وعالم بكل شىء، فلا تعجزه إعادة الأجسام لنفوذ قدرته، ولا يضيع منها شىء لسعة علمه.

стр. 251

﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١). والإنسان وتطوره فى الخلق، وتحوله من حال إلى حال، والأرض وما تخرجه من نبات، مظهر للعلم والقدرة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ (٢) ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ (٣) ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ (٤) وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (٥) لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ *ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٦).

стр. 252

وإذا كان الله لم يعى بخلق السماوات والأرض، ولا يزال يخلق، ويرزق، ويحيى، ويميت؛ فهل يستبعد بعد هذا المشاهد المنظور، أن يعيد الخلق مرة أخرى! ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١). إن إنكار البعث وإعادة الحياة مرة أخرى بعد هذه الدلائل البيّنة فى الأنفس والآفاق، لا معنى له. * شبهة منكرى البعث: لقد استبعد طوائف من الناس هذه الحقيقة، زاعمين أنها مخالفة لما عهدوه من السنن المألوفة، ومستبعدين ذلك، ومستعظمين أمره، لأن عقولهم لا تكاد تصدق إعادة الحياة إلى الأجسام بعد تفرقها، وتحللها، وبعد أن يتداخل بعضها فى بعض، فإن الإنسان بعد أن يموت يتحول جسمه إلى تراب، ثم يتحول التراب إلى نبات فيتغذى إنسان آخر بذلك النبات، ثم يموت. هكذا الإنسان يتحول كغيره، وهكذا تتداخل الأجسام بعضها فى بعض، فيكف يبعث الناس بعد هذا التداخل؟! (٢) وهذه الشبهة قديمة، ولا تزال تتردد فى صدر الكثير، والقرآن ذكر هذه الشبهة وعالجها، فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ

стр. 253

وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ *وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١). فهؤلاء الذين استنكروا البعث، ردّ الله عليهم بأن استبعادهم لا معنى له، لأنهم يجهلون عظمة الله، وقدرته، وعلمه، وحكمته، وأنهم لا يبصرون فى أنفسهم، فهم أنفسهم أدل الدلائل، وأقوى الحجج على نفى ما ينكرونه من البعث، فالله أحياهم أولاً وأماتهم ثانيًا، ولا تزال القدرة الصالحة لإحيائهم مرة، وجمعهم مرة أخرى يوم القيامة، فأى استبعاد فى هذا؟! ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). * اختلاف الناس عند البعث: والناس يختلفون عند البعث اختلافًا كبيرًا حسب أعمالهم، فالذين صلحت عقائدهم وأعمالهم، وزكت نفوسهم، يكونون أكمل أجسادًا وأرواحًا، والذين خبثت أعمالهم، وفسدت عقائدهم، يكونون أنقص أجسادًا وأرواحًا. فعن أبى هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان،

стр. 254

وصنف على وجوههم» قيل: يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حَدَب وشكوك» (١). وفى الحديث يقول الرسول الكريم ﷺ : «يحشر المتكبرون والمتجبرون يوم القيامة فى صور الذَّرِّ تطؤهم الناس، لهوانهم على الله ». وروى مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يبعث كل عبد على ما مات عليه»، أى إن من مات على خير بعث على حال سارّة، ومن مات على شر بعث على حال شنيعة. ومع كون البعث بالأجساد والأرواح، إلا أن القوى الروحية تكون هى القادرة على التصرف فى الأجساد، فتستطيع قطع المسافات البعيدة فى أقصر مدة، والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة والنار، ويكون مثلهم فى ذلك مثل الملائكة والجن فى قدرتها على التشكل وظهورها فى أجساد تأخذها من مادة الكون، وقد ثبت ذلك ثبوتًا علميًا، كما تقدم فى بحث مسألة الروح. * الشفاعة: المقصود بالشفاعة: سؤال الله الخير للناس فى الآخرة، فهى نوع من أنواع الدعاء المستجاب. ومنها الشفاعة العظمى، ولا تكون إلا لسيدنا محمد رسول الله ﷺ ، فإنه يسأل الله أن يقضى بين الخلق، ليستريحوا من هول الموقف، فيستجيب الله له، فيغبطه الأولون والآخرون، ويظهر بذلك فضله

стр. 255

على العاملين، وهذا هو المقام المحمود الذى وُعِد به فى قول الله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ (١). وعن ابن عمر ﵁ أن النبى ﷺ قال: «إن الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العَرَق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فيقول: لست بصاحب ذلك ثم بموسى، فيقول كذلك، ثم بمحمد، فيشفع، ليقضى بين الخلق، فيمشى حتى يـ أخذ بحلْقَة باب الجنة، فيومئذ، يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم» (٢). وعن أبىّ بن كعب أن النبى ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة كنتُ إمام الأنبياء، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم من غير فخر» (٣). وما عدا هذه الشفاعة من الشفاعات (٤) فهى مشروطة: ١ - بأن تكون بإذن الله. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (٥). ٢ - وأن تكون لمن ارتضى الله أن يشفع له. ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٦).

стр. 256

ولا يرتضى الله الشفاعة إلا لمن يستحقون العفو على مقتضى العدل الإلهى، وتكون الشفاعة لإظهار كرامة الشافع ومنزلته عند ربه، تنفيذًا للإرادة الإلهية عقب دعائه وطلبه من الله، وليس فيها ما يدعو إلى الغرور أو التهاون فى ترك ما كلف الله به من إيمان تزكو به النفس، وعمل صالح يصل بالإنسان إلى كماله المنشود. وكان الوثنيون يعتمدون على أوثانهم، ويعتقدون أنها ستشفع لهم عند الله. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١). فأيأسهم الله من الاعتماد على هؤلاء الشفعاء: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ *إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ *حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ *فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٢). وقد اعتاد كثير من الناس الاعتماد على شفاعة الصلحاء، واستساغوا كل لون من ألوان الانحراف، والخروج عن طاعة الله، ارتكانًا على هذه العقيدة، فقطع الله حجتهم، وأنزل قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً *وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً *وَمَنْ

стр. 257

أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ (١). إن الدين الحق هو إسلام الوجه لله، وإحسان العمل، وإن روح الإسلام هى وصاية رسول الله ﷺ لابنته فاطمة رضى الله عنها: «اعملى يا فاطمة، فأنى لا أغنى عنك من الله شيئًا». والله يتنزه عن محاباة أحد من خلقه، وهذه سنته فى الأولين والآخرين. ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى *أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ (٢).

стр. 258

الحساب . * الحساب هو مقتضى العدل الإلهى. * كيفية الحساب. * العلم وتسجيل الأعمال. * دقة الحساب. * الله هو الذى يتولى الحساب. * رحمة المؤمن فى الحساب. * الحوض. * الصراط.

стр. 259

* الحساب هو مقتضى العدل الإلهى: إن الله متصف بصفات الكمال، ومن صفاته الكمالية: العدل، والحكمة؛ فهو عدل لا يظلم أحدًا من خلقه، وحكيم لا يضع الشىء فى غير موضعه. ومن عدله وحكمته ألا يسوِّى بين البر والفاجر، ولا بين المؤمن والكافر، ولا بين المحسن والمسىء؛ فإن التسوية بينهما منتهى الظلم والسفه. والله قد أرسل رسله بالبينات، وأنزل معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط، فاهتدى فريق إلى الله، وانحرف فريق عن هدايته، فلم تكن له العقيدة الحقة، ولا العبادة الصحيحة، ولا العمل الصالح. والذين اهتدوا كلفتهم الهداية جهادًا شاقًا، وتضحيات مريرة، ومغالبة للهوى، ومحاربة للباطل، ومكافحة للشرور والآثام، وطال جهادهم، ودام كفاحهم حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم. فهل يستوى هؤلاء الأبرار مع التافهين الفارغين الفسقة، الذين استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغَىَّ على الرشاد، وتعجلوا حظوظهم الدنيئة وشهواتهم الخسيسة، وظلوا سادرين فى غيِّهم لا يصدّهم عنه صاد، ولا يأخذ بحجزاتهم أحد؟! لقد قضى كل من الفريقين حياته: هذا يجاهد فى سبيل الله ليعلى كلمته، وليرفع راية الحق، وليطهر الأرض من الشر والفساد .. وذاك يجاهد من أجل شهواته وغرائزه الدنيا، سائرًا فى ركب الشيطان، مؤتمرًا بأمر نفسه الأمارة بالسوء .. فهل من العدل والحكمة أن يكون مصير هؤلاء جميعًا واحدًا؟ إن ذلك لا يجوز فى العقل السليم، بله الله أعْدَل العادلين، وأحكم الحاكمين.

стр. 260

إن الحكم بالتسوية بين الفريقين حكم جائر: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١). إن التسوية بين مصير الصالحين وغيرهم، تفكير السطحيين الذين يحسبون الحياة لهوًا ولعبًا. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ *أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٢). إن الناس لا يعلمون هذه الحقيقة، وقلما يتذكرونها. ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ *وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ *إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). إنه لابد من يوم تتكشف فيه الحقائق، وتظهر فيه مكنونات الضمائر. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٤).

стр. 261

وكان المشركون يمارون فى الساعة أشد المراء، ويُكذبون بها كأعظم ما يكون التكذيب، ويحلفون بالأيمان المغلظة أن ذلك لن يكون، فذكر الله تكذيبهم، ورد عليهم بأن ذلك مقتضى حكمته، حتى يتميز الحق من الباطل، ويتبين الصادق من الكاذب. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ *لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (١). * كيفية الحساب: بعد أن يرد الله الحياة إلى الناس من جديد، يحشرهم إليه، ويجمعهم لديه، ليحاسب كل فرد منهم على ما عمل من خير أو شر، فتشهد الأرض بما حدث عليها. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا (٢) *وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٣) *وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا *يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا *يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ (٤) النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ *فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ *وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ (٥) ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (٦). وعن أبى هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ :

стр. 262

﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، فقال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن أخبارهم أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا» قال: «فهذه أخبارها» (١). وكما تتحدث الأرض عن أخبارها؛ تشهد الألسنة، والأيدى، والأرجل، والجلود .. وبهذا تتم حجة الله على العالم. ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٢). ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ *حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ *وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ

стр. 263

مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: «يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله تعالى حُفاة عُراة غُرْلاً (٢) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٣) ألا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتى، فيؤخذ بهم ذات الشمال ن فـ أقول: يا رب أصحابى، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فـ أقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤)» .. قال: «فيقال لى: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فـ أقول: سحقًا سحقًا» (٥).

стр. 264

وعن أبى برزة الأسلمى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزول قدما عبد حتى يسأل: عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟» (١) * كيفية إحصاء الأعمال وعرضها: وإحصاء الأعمال وتسجيلها، يكون بواسطة الملائكة الموكلين بها - كما تقدم فى بحث الملائكة -. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَاماً كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢). ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣). فإذا كان يوم الحساب، جىء بالكتب التى دونت فيها الأعمال لتعرض على أصحابها. ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً *اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ (٤). ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (٥).

стр. 265

وهذه الكتب التى توزع على أصحابها، منهم من يأخذ كتابه بيمينه، ويكون بشرى من البشريات السارة؛ ومنهم من يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويكون ذلك علامة على سوء الحساب. ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ *فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ *فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً *وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً *وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ *فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً *وَيَصْلَى سَعِيراً *إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً *إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ *بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ (١). * العلم وتسجيل الأعمال: وتسجيل الأعمال من الأمور التى قد ثبتت ثبوتًا علميًا، فما من صوت من الأصوات، ولا عمل من الأعمال، ولا حركة من الحركات، إلا وهى مسجلة فى سجل الكون، ومدونة فى كتاب الوجود، فليس منها شىء ضائع، ولا يمكن لشىء منها أن يزول، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢).

стр. 266

* دقة الحساب: وتبلغ الدقة فى الحساب منتهى ما يمكن أن يتصور، حتى يأخذ كل واحد جزاء ما عمل من خير أو شر، سواء أكان ذلك عملاً مارسه بالفعل، أو عملاً نواه وأصر عليه، فتقام لذلك موازين القسط، حتى يتحقق العدل الإلهى على أكمل صورة. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (١). ثم تكون عاقبة كل حسب رجحان الميزان بالعمل الصالح، أو نقصانه. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٢). * الله هو الذى يتولى الحساب: والله هو الذى يحاسب الناس جميعًا بنفسه، بدون واسطة. عن عدى بن حاتم أن النبى ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربُّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدّم من عمله، وينظر أشـ أم منه، فلا يرى إلا ما قدّم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» (٣). وقد حدث الإمام علىّ - كرم الله وجهه - بهذا الحديث، فقال له أحد الرجال: يا أمير المؤمنين، كيف يحاسب الله الناس كلهم فى وقت واحد؟ فقال: كما يرزقهم فى آن واحد يسألهم فى آن واحد.

стр. 267

* رحمة الله بالمؤمن عند الحساب: والمؤمن لا يناقش الحساب رحمة به وشفقة عليه، لأن من نوقش الحساب عذب، قيل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله يقول فى النجوى (١)؟ قال: سمعته يقول: «يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه (٢) عليه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره (٣)، ثم يقول: إنى سترت عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار فينادى على رءوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» (٤). عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك» فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ *فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ (٥)، فقال: «إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذب». * الحوض: إن لكل نبى حوضًا يشرب هو وأمته منه بعد الموقف، وقبل دخول الجنة، ولنبينا حوض كذلك، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من

стр. 268

المسك، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا. فعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «أنا فرَطُكم على الحوض، من مر علىَّ شرب، ومن شرب لا يظمـ أأبدًا، لَيَرِدَنّ علىَّ أقوام أعرفهم ويعرفوننى، ثم يحال بينى وبينهم، فـ أقول: إنهم منى (١)، فيقال: لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فـ أقول: سُحقًا سُحقًا لمن غيَّر بعدى» (٢). * الصراط: روا مسلم والترمذى، أن عائشة رضى الله عنها تلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٣)، قالت: يا رسول الله، أين يكون الناس؟ قال: «على الصراط»، وهو طريق يوضع على ظهر جهنم، يمر عليه الأولون والآخرون بعد انصرافهم من الموقف، فأهل الجنة يمرون عليه، وهم متجهون إليها، وأهل النار يسقطون فيها. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً *ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ (٤). وفى حديث الإمام مسلم، أن النبى ﷺ قال: «يضرب الصراط بين ظهرى جهنم، فـ أكون أنا وأمتى أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم، وفى جهنم كلاليب مثل شوك السّعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بـ أعمالهم».

стр. 269

الجنة والنار . * النار. * أهوال الجحيم. * نسبة نار الدنيا إلى الآخرة. * أهون الناس عذابًا. * المؤمن لا يخلد فى النار. * الشفاعة للعصاة. * التخاطب بين أهل الجنة وأهل النار. * آخر ما يدخل الجنة، وآخر من يخرج من النار. * الجنة. * أهلها. * نعيمها. * أعلى نعيم الجنة. * الخلود.

стр. 270

إذا كان الله يكافئ الأبرار بالنعيم، فإنه يجازى الفجار بالجحيم، عقابًا لهم على ما اقترفوا من كبائر الإثم والفواحش. والجحيم هذه هى دار العذاب، وتُسمى الهاوية، والهاوية: هى المكان المنخفض كثيرًا الذى لا يرجع من يسقط فيه. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ *فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ *نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (١). وتُسمى السعير: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (٢). وتُسمى لظى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى *نَزَّاعَةً لِلشَّوَى *تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى *وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (٣). أى أنها شديدة نزع جلدة الرأس، وتجذب إليها من أعطى ظهره للحق، وتولى منصرفًا عن الطاعة، وجمع المال ووضعه فى وعاء، لشدة حرصه عليه وافتنانه بالدنيا. وتُسمى سقر: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ *لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ *لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ *عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٤). أى أنها لا تبقى على شىء ما يطرح فيها، بل تحرقه، ولا تتركه يخرج منها، وأنها تُسَوِّد الجسم وتشوهه.

стр. 271

وتُسمى الحطمة: ﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (١) *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ *نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٢) *الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ *إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (٣) *فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (٤)﴾ (٥). * أهوال الجحيم: وقد وصف الله الجحيم وصفًا تشيب منه النواصى، وتنخلع منه القلوب، كى يرتدع الغاوون عن غيهم، فذكر أن وقودها الناس والحجارة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦). وأنها لا تشبع مما يلقى فيها، بل تطلب المزيد دائمًا، حتى لا يبقى فيها مكان خال. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٧). قال مجاهد: ليس هناك قول، وإنما جرى الكلام على سبيل تمثيل حال جهنم بأنها امتلأت حتى لم يبق فيها مكان خال. وأن طعامهم الزقوم، وهى شجرة من أخبث أنواع الشجر المر المنتن الرائحة. ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ *إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ (٨) *إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ *طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ *فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ *ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ﴾ (٩).

стр. 272

﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (١). وثيابهم من نار. ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ *يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ *وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ *كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢). وقد جاء فى الحديث عن أبى هريرة ﵁، أن النبى ﷺ قال: «إن الجحيم ليصب على رءوسهم، فينفذ الحميم، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما فى جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» (٣). وجهنم تحيط بالمعذبين من كل جانب، فهى فراش وغطاء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ *لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (٤). ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٥) وأهل جهنم لا يموتون فيستريحون، ولا يحيون الحياة الهنيئة.

стр. 273

﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى *الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى *ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى﴾ (١). وأهل النار محجوبون عن الله، وهذا هو أشد أنواع العذاب. ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢). وفى الآية الكريمة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٣). ففى هذه الآية، أن النار كلما أكلت جلودهم بدلهم الله جلودًا غيرها، والسبب فى ذلك أن أعصاب الألم هى الطبقة الجلدية، أما الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية، فالإحساس فيها ضعيف، ولذلك يعلم الطبيب أن الحرق البسيط الذى لا يتجاوز الجلد يحدث ألمًا شديدًا، بخلاف الحرق الشديد الذى يتجاوز الجلد إلى الأنسجة، لأنه - مع شدته وخطره - لا يحدث ألمًا كبيرًا. فالله تعالى يقول لنا: إن النار كلما أكلت الجلد الذى فيه الأعصاب، يجدده كى يستمر الألم بلا انقطاع، ويذوقوا العذاب الأليم، وهنا تظهر حكمة الله قبل أن يعرفها الإنسان (٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾. ومن شدة الهول، وقسوة العذاب، يود المجرم أن يفدى نفسه بكل حبيب لديه وعزيز عليه، ولكن لا ينفع فداء، ولا يقبل رجاء. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ *وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ *وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ *وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ *كَلاَّ﴾ (٥).

стр. 274

* نسبة نار الدنيا إلى نار الآخرة: عن أبى هريرة ﵁، أن النبى ﷺ قال: «ناركم هذه الذي توقدون جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: فإنها فضلت بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها» * أهون الناس عذابًا: عن النعمان بن بشير ﵁، أن النبى ﷺ قال: «أهون الناس عذابًا من له تعلان، وشراكان من نار، يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا» (١). * المؤمن لا يخلد فى النار: جاء فى السنة الصحيحة أن المؤمن لا يخلد فى النار. فإن كان قد ارتكب بعض الكبائر ولم تُكفّر بحد، أو توبة نصوح، أو مصيبة أو مرض، أو شىء من المكفرات، فهو محاسب على عمله، والله يوازن بين أعماله الصالحة وبين جميع معاصيه التى لم يتب منها، فإن رجحت حسناته فهو فى الجنة، وكذلك إذا تساوت حسناته وسيئاته. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢).

стр. 275

وإن رجحت سيئاته فإنه يدخل النار، فيعذب فيها بقدر ما ارتكب من إثم، ثم يخرج منها بعد أن يتطهر، وبعد أن يوفيه الله جزاءه بمقتضى عدله وحكمته. فعن أبى سعيد الخدرى، أن النبى ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودّوا، فيلقون فى نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة فى جانب السيل (١)، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية» (٢). وعن أنس ﵁ أن النبى ﷺ قال: «يخرج من النار، من قال: لا إله إلا الله، وفى قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار، من قال: لا إله إلا الله، وفى قلبه وزن بُرّة من خير، ويخرج من النار، من قال: لا إله إلا الله، وفى قلبه وزن ذرّة من خير» (٣). * الشفاعة للعاصى: ثم يشفع الرسول ﷺ بعد أن يأذن الله له، وبعد انتهاء مدة العذاب، فى خروج العاصى من النار، فقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن النبى ﷺ

стр. 276

يشفع لأهل الكبائر بعد دخولهم النار، فيقبل الله شفاعته فيهم، ويخرجهم منها، وتكون الشفاعة إظهارًا لكرامة الشافع عند الله، وإظهار فضله. فعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبى دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة» (١). وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبى ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين» (٢). * التخاطب بين أهل الجنة وأهل النار: وبعد أن يستقر أهل الجنة فى الجنة، وأهل النار فى النار، يدور بينهم حوار ومناقشة، فيذكر كل واحد ما كان منه من عمل فى الدنيا، وما ناله من جزاء فى الآخرة. ولا يُقال كيف يتم التخاطب بين الفريقين مع البعد بين الجنة والنار، ومع التفاوت الكبير بينهما، فإن ذلك شأن من شئون الآخرة التى لا اطلاع لنا عليها، ولا علم لنا بها، والله سيطوِّر خلق الإنسان ويجعله على صورة أخرى غير الصورة المعهودة، ويعطيه حواس أخرى أقوى من حواسه التى أعطاها إياه فى

стр. 277

الدنيا، وقد استُحدث أخيرًا ما يقرِّب هذا من أمثال أجهزة التليفزيون، فالناس مع بعد بعضهم عن بعضهم، يتمكنون بواسطتها من المشاهدة والسماع. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ *عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (١). وفى القرآن الكريم إخبار عما يدور بين أهل الجنة وأهل النار من خطاب، مع وجود سور فاصل بينهما، فهو من جهة أهل الجنة فيه الرحمة، ومن جهة أهل النار فيه العذاب؛ فنؤمن بذلك ونكل علم حقيقته إلى علاّم الغيوب. ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ *يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ *فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). وفى مشهد آخر يعرض القرآن لونًا من ألوان الخطاب بين أهل الجنة وأهل النار.

стр. 278

﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ *الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ (١). ثم بعد ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ *الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٢). * آخر من يدخل الجنة، وآخر من يخرج من النار: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِى مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وتَسْفَعُهُ (٣) النَّارُ مَرَّةً فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ تَبَارَكَ الَّذِى نَجَّانِى مِنْكِ لَقَدْ أَعْطَانِىَ اللَّهُ شَيْئاً مَا أَعْطَاهُ أَحَداً مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ أَدْنِنِى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا. فَيَقُولُ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّى إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِى غَيْرَهَا. فَيَقُولُ لاَ يَا رَبِّ. وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ

стр. 279

مَائِهَا ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِىَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ أَدْنِنِى مِنْ هَذِهِ لأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِى أَنْ لاَ تَسْأَلَنِى غَيْرَهَا فَيَقُولُ لَعَلِّى إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِى غَيْرَهَا. فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِىَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ. فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ أَدْنِنِى مِنْ هَذِهِ لأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِى أَنْ لاَ تَسْأَلَنِى غَيْرَهَا قَالَ بَلَى يَا رَبِّ هَذِهِ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا. فَيَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِى (١) مِنْكَ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا قَالَ يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّى وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ». فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَلاَ تَسْأَلُونِّى مِمَّ أَضْحَكُ فَقَالُوا مِمَّ تَضْحَكُ قَالَ هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالُوا مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّى وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ إِنِّى لاَ أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَلَكِنِّى عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (٢). * الجنة: الجنة فى الأصل: البستان من النخل أو الشجر. وهى مأخوذة من جَنَّ إذا ستر، وسميت بذلك لأن نخيلها الباسقات وأشجارها المورقة تلتف أغصانها بعضها ببعض، فتكون كالظلة تستر ما تحتها.

стр. 280

والمقصود بالجنة هنا، الدار التى أعدّها الله للمتقين جزاء لهم على إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح. وقد أطلق عليها القرآن عدة أسماء فهى: جنة المأوى، وجنة عدن (إقامة وخلود)، ودار الخلود، والفردوس، ودار السلام، ودار المقامة، وجنات النعيم والمقام الأمين .. وجاء فى القرآن الكريم أن عرضها السماوات والأرض. وقد روى أن النبى ﷺ سئل عن مكان النار إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض؟ فأجاب ﷺ : «سبحان الله، فـ أين الليل إذا جاء النهار؟». * أهل الجنة: والجنة لا يدخلها إلا من قام بجلائل الأعمال، واتصف بكرائم الصفات. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).

стр. 281

* نعيم الجنة: وصف الله الجنة بأن نعيمها دائم، وسرورها لا ينفد، وكل ما فيها بغير حساب، فأنهارها كثيرة ثَرَّة، ففيها أنهار من ماء غير آسن (١)، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى؛ وهذه الأنهار تجرى من تحت القصور، وفيها الفواكه، ولحوم الطيور، وكلما رُزق أهلها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذى رُزقنا من قبل وأتوا بها متشابهًا يماثل بعضه بعضًا فى الحسن والجودة. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). وأن الرزق الذى يقدم لهم من الطعام والشراب، يطوف به خدم من الولدان، إذا رأيتهم حسبتهم - لفرط جمالهم - لؤلؤًا منثورًا، وهؤلاء الولدان يحملون صحافًا وأوانى وأكواب من ذهب، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتَلَذّ الأعين. ولباسهم فيها حرير من سندس وإستبرق، وحليتهم الذهب، ومساكنهم طيبة، وهى غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار. وأصحاب الجنة هم وأزواجهم فى ظلال على الأرائك يتكئون، وهؤلاء الزوجات ينشئهن الله إنشاء، عربًا أترابًا، كما ينشىء معهم الحور العين، كأنهن بيض مكنون، وهن مطهرات من عيوب النساء الدنيا، فلا حيض، ولا نفاس، ولا دمامة خَلْق، ولا سوء خُلُق.

стр. 282

وأهل الجنة نزع الله من صدورهم الغِلّ إخوانًا على سرر متقابلين، لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين. والجنة لا يسمع فيها اللغو، ولا التأثيم، وإنما يسمع فيها تقديس الله، وإجلاله، وسلام الله على المؤمنين، وسلام بعضهم على بعض. ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ *سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١). وقد جاء فى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم والترمذى، أن النبى ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّىٍّ فِى السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ (٢) الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ (٣) الأَلُوَّةُ (٤) الأَنْجُوجُ عُودُ الطِّيبِ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعاً فِى السَّمَاءِ». وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم لأصحابه: «ألا مشمِّر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هى ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام أبدًا فى حبرة (٥) ونضرة (٦)، فى دور عالية سليمة بهية» قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: «قولوا: إن شاء الله»، ثم ذكر الجهاد وحض عليه (٧).

стр. 283

* نعيم الجنة فوق ما يتصوره العقل: وهذا النعيم المذكور جاء على مثال ما هو معروف فى هذا العالم الأرضى، وإن كان أرقى منه نوعًا وشكلاً وطعمًا، وحقيقته فوق ما يتصوره البشر. روى البخارى عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: «أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١)» فنعيم الآخرة لا يشبهه شىء من نعيم الدنيا، فهو - وإن شابهه فى الاسم - مختلف عنه فى الصفة. قال ابن عباس ﵁ فى تفسير قوله : ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢): لا يشبه شىء مما فى الجنة ما فى الدنيا إلا فى الأسماء. * أعلى نعيم الجنة: وأعلى نعيم أهل الجنة هو رؤية الله ، ومناجاته، والفوز برضاه. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣). ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ *هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ

стр. 284

عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ *لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ *سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (١). ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢). ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣). وعن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ يقولون: ألم تُبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟» قال: «فيكشف (٤) الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم»، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى (٥) وَزِيَادَةٌ﴾ (٦). عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا القمر، لا تضامون (٧) فى رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا» ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٨). وأما رؤية الله فى الدنيا، فلم تقع لأحد قط؛ وقد سأل موسى ﵇ ربه

стр. 285

قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وذهب ابن عباس ﵁ وكثير من أهل العلم - إلى أن سيدنا محمد رأى ربه ليلة أُسْرى به. قال ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (الاسراء: من الآية٦٠)﴾ (٢) هى رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ أُسْرى به (٣). وكان الحسن يحلف أن رسول الله ﷺ رأى ربه، وأنكرت السيدة عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ رأى ربه. فعن مسروق قال: قلت لعائشة عائشة ﵂: يا أمتاه، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قَّفَّ شعرى مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدّثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (٤)،
следующие страницы →