العجائب هو الأصل المحرك لها، والواقع أنه يكفى أن نلقى نظرة واحدة على أعضائها لدحض هذه التهمة، فإن رئيس هذه الجمعية هو الأستاذ " سدجوبك " المعروف بأنه أشد الناس شكيمة فى النقد، وأعصاهم قيادًا فى الشك بجميع البلاد الإنجليزية، ووكيلاها: " المستر أرثر بلفور " و" الأستاذ ج. ب. لنجلى " سكرتير المجمع العلمى .. ويمكن التنويه من أعضائها العاملين بالأستاذ " ريشيه الفيزيولوجى " الفرنسى الخطير، وتشمل قائمة أعضائها رجالاً آخرين كفايتهم العلمية أشهر من نار على علم، فإذا طلب إلىّ أن أعين جريدة علمية تكون مصادر أغلاطها منقاة بأدق أساليب التمحيص؛ فإنى أنوه بمحاضر جمعية المباحث الروحية، فإن الفصول الفيزيولوجية التى تنشرها الجرائد الخاصة بهذا العلم لا تبلغ فى دقة النقد مبلغ دقة هذه المحاضر المذكورة، حتى أن صرامة الأساليب الكشافة التى طبقت منذ عدة سنين على شهادات بعض الوسطاء كانت بحيث توجد اختلاف الآراء فى باطن الجمعية نفسها " (١).
وقبل أن تتألف هذه الجمعية حمل الرأى العام المجمع العلمى الإنجليزى على تأليف لجنة لفحص الظواهر الروحية، وتمحيصها، فندبت ثلاثًا وثلاثين علمًا من أعلامها للقيام بهذه المهمة العلمية، فبذلوا فى تحقيق هذا الموضوع ثمانية عشر شهرًا، ثم حرروا تقريرًا إجماعيًا وقع فى (٥١٤) صفحة، وطبع فى أكثر اللغات الحية، جاء فى آخره ما نصه:
стр. 212
" عقدت هذه اللجنة اجتماعاتها فى البيوت الخاصة بالأعضاء لأجل نفى كل احتمال فى إعداد آلات لإحداث هذه الظواهر أو أية وسيلة من أى نوع كانت؛ وقد تحاشت اللجنة أن تستخدم الوسطاء المشتغلين بهذه المهنة، أو الذين يأخذون أجرًا على عملهم هذا، لأن واسطتها كان أحد أعضاء اللجنة، وهو شخص جليل الاعتبار فى الهيئة الاجتماعية، وحاصل على صفة النزاهة المطلقة، وليس له من غرض مالى يرمى إليه، ولا أية مصلحة فى غش اللجنة .. كل تجربة من التجارب التى عملناها بما أمكن لمجموع عقولنا أن نتخيله من التحوطات، عملت بصبر وأناة، وقد دُبِّرت هذه التجارب فى أحوال كثيرة الاختلاف، واستخدمنا لها كل المهارة الممكنة لأجل ابتكار وسائل تسمح لنا بتحقيق مشاهداتنا، وإبعاد كل احتمال لتزوير، أو توهم .. وقد اكتفت اللجنة فى تقريرها بذكر المشاهدات التى كانت مدركة بالحواس، وحقيقتها مستندة إلى الدليل القاطع .. وقد بدأ نحو أربعة أخماس أعضاء اللجنة تجاربهم، وهم فى أشد درجات الإنكار لصحة هذه الظواهر، وكانوا مقتنعين أشد الاقتناع بأنها كانت إما نتيجة التدليس، أو التوهم، أو أنها تحدث بحركة غير اعتيادية للعضلات، ولم يتنازل هؤلاء الأعضاء المنكرون للغاية عن افتراضاتهم هذه إلا بعد ظهور المشاهدات بوضوح لا تمكن مقاومته فى شروط تنفى كل فرض من الفروض السابقة .. وبعد تجارب وامتحانات مدققة مكررة، اقتنعوا مضطرين بأن هذه المشاهدات التى حدثت فى خلال هذا البحث الطويل هى مشاهدات حقة لا غبار عليها ..
стр. 213
هذا ما ورد فى ذيل ذلك التقرير الضخم؛ ولسنا فى حاجة لأن نقول: إن هذا أكبر حدث سجل فى تاريخ العلم .. ومن العبث المحض أن يتوهم متوهم أن الحقيقة تضيع، أو أن التدليس يروج بين يدى ثلاثة وثلاثين رجلاً من أعلام العلم المتمرسين على النظر والتمحيص، وتمييز الغث من السمين فى كل ضروب البحوث البشرية .. ولقد كان لهذا التقرير أثر عالمى عام، فهبّ ألوف من العلماء والفهماء فى جميع ممالك الأرض لبحث هذه الخوارق، وألفوا لها مئات من الجمعيات، ونشروا مثلها من المجلات، ووضعوا فيها ألوفًا من الكتب؛ ولا تزال هذه المؤسسات قائمة إلى اليوم، والاهتمام بها يزداد على نسبة كثرة ما يعمل فيها من التجارب والبحوث؛ وقد أقيمت لها خمسة مؤتمرات عالمية فى لوندرة، وباريس، وغيرهما؛ وأصدرت تقارير إضافية ترجمت إلى اللغات الحية ".
ثم بعد أن ذكر شهادة كثير من العلماء على صحة وجود عالم وراء هذا العالم، قال: " يرى قراؤنا مما قدمناه أن العلماء المنصرفين لدراسة الكون والكونيات، قد ظهر لهم عقب حديث اكتشافات خطيرة لم تكن تخطر لهم ببال، أن حدود العلم لا تزال بعيدة عنهم .. وأن كل ما حصلوه منه لا يعدو العلاقات الموجودة بين بعض ما يقع تحت حسهم من الموجودات .. أماكنه تلك الموجودات، وحقيقة النواميس التى تدبرها، فلا يزال أمرهما
стр. 214
مجهولاً، وقد تجلى لهم أن من الحماقة وضع حد للممكنات، والتكذيب بما لم يحيطوا بعلمه من المجهولات؛ ثم يرى قراؤنا أيضًا أن طائفة من أماثل هؤلاء العلماء قد وُفِّقوا منذ تسعين سنة عقب ظهور حوادث محققة تدل على وجود عالم وراء العالم المحسوس، إلى التنقيب عن حقيقة ذلك العالم، جارين على أسلوبهم العلمى من المشاهدة والتجربة، فوقفوا على أمور لم يكن يدور فى خلد أحد أن أقطاب العلم المادى يعودون، فيثبتون وجودها، وقد سبق لهم نفيها، والتشنيع على القائلين بها من الشئون الروحانية .. ولسنا نريد أن نثبت إمكان الوحى بالاستناد إلى اكتشافات هؤلاء العلماء فى عالم ما وراء الطبيعة، فقد أثبتنا وجوده بالحس من الغرائز التى طبعت عليها الحيوانات، ومن حوادث العبقريات، ولكننا نستأنس بها فى بحثنا هذا، استدلالاً على أن الإنسانية قد اجتازت دون الافتتان بالماديات، وبدأت تدخل إلى عهد من الحياة تتفق فيها فتوحات الروح من طريق النبوة، وفتوحات العقل من طريق العلم، فتستقيم على الجادة التى توصلها إلى كمالها المرجو لها خالصة من الشبهات الرائنة على الصدور، والشكوك المحيِّرة للعقول ".
إلى هنا كانت مرحلة العلم بالناحية الروحية إلى أواخر العقد الثانى من القرن العشرين، حتى إذا استثارت هذه المباحث عقل " وليم مكدوجل "، ورأى أن ندرة تلك الظواهر التى تعتمد على الوساطة الروحية، وهى نادرة الوجود بين الأفراد، مما يجعل من المستحيل لتلك التجارب أن تتكرر بالانتظام العلمى المطلوب فى إثبات الظواهر الكونية، والقوانين الطبيعية.
стр. 215
فطلب " مكدوجل " من صديقه الدكتور " راين " وكان أستاذًا للنبات وعضوًا فى جمعية المباحث الروحية التى سبقت الإشارة إليها، أن ينتظم فى بحث علمى تجريبى يخضع لكل الاشتراطات العلمية من القابلية للتكرار، والتحكم العلمى الدقيق، وأن يقوم " مكدوجل " بإنشاء معامل تخصص لهذا النوع من البحث فقط، وفعلاً أنشئت معامل الباراسيكولوجى " ما وراء علم النفس بجامعة ديوك " بولاية كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية، ودخل فيها " راين "، وصحبته زوجته، وكانت هى الأخرى أستاذة لعلم النبات، وبدأوا فى أوائل العقد الثالث يوالون أبحاثهم التجريبية فى معامل تجريبية أدخلت إليها، وفيها جميع أساليب الضبط، والتحكم العلمى الدقيق، لدرجة أن القيود العلمية التجريبية التى أدخلت على بعض هذه التجارب كانت أكثر من أى قيود فرضت على أى تجربة علمية سابقة.
وقد كان من نتيجة هذه الأبحاث التجريبية الوصول إلى النتائج الآتية:
١ - درس " راين " ومعاونوه الظواهر الروحية الخارقة، وبدأ بظاهرة انتقال الفكر " الِّلِبْثِى " وأثبتوا وجودها علميًا.
٢ - درسوا ظاهرة الاستشفاف، أو الجلاء البصرى، وهى الإحساس بالحوادث التى تحدث على مسافات بعيدة، وأثبتوا وجودها.
٣ - أثبتوا أن انتقال الفكر، والجلاء البصرى مظهران لظاهرة واحدة أطلقوا عليها اسم: " الإدراك خارج الحواس ".
٤ - أثبتوا أن ظاهرة الإدراك خارج الحواس لا تخضع للعلاقة المكانية،
стр. 216
والزمانية التى تخضع لها جميع الظواهر المادية، وظواهر الطاقة سواء أكانت كهربائية أو حرارية أو ضوئية أو غيرها، بمعنى طاقة الجاذبية، أو طاقة الضوء تخضع لقانون التربيع العكسى أى أن شدة الجاذبية أو شدة الإضاءة، تتناقص بنسبة تتناسب مع مربع البعد عن مصدر الضوء، أى أن قوة إضاءة الشمعة إذا أُبْعِدت عن الرائى يراها على بعد متر إذا أبعدت إلى مترين، أى ضعف المسافة نزلت قوة الإضاءة إلى الربع، أى عكس مربع ٢ وهو ٤ فتصير.
هذا من ناحية العلاقة المكانية التى تخضع لها كل أنواع الطاقة.
كذلك العلاقة الزمانية التى يعبر عنها فى العلوم الطبيعية بقانون (السببية) أو العلة والمعلول، أى أن السبب يسبق النتيجة دائمًا، ولكن هذا القانون انكسر فى تجارب الإدراك خارج الحواس، بمعنى أن يحدث تنبؤ، فيحدث الإدراك العقلى للحادثة " هى نتيجة " قبل أن تحدث الحادثة فى الكون وهى المؤثر أو السبب.
٥ - أثبت هؤلاء الباحثون أن العقل الذى يتأثر بالقانون العام المعروف فى علم النفس، وهو قانون المؤثر والاستجابة له، أو الرد عليه، كذلك العقل يستطيع أن يحس، أو يتأثر بالمادة عن طريق الإدراك الخارج عن الحواس، وكذلك فيؤثر فى المادة بالطاقة، التى سموها الطاقة النفسية المحركة، أى أن العقل يؤثر فى المادة دون اتصال مادى مباشر.
٦ - فإذا كان هناك إدراك خارج عن الحواس، وطاقة نفسية محركة، فهذا دليل على أن للشخصية الإنسانية شقًا لا يخضع للقوانين الطبيعية المعروفة فى علم الفيزياء والكيمياء، أى أنه شق روحى.
ومن شاء الاستزادة من هذه الأبحاث، فليرجع إلى كتاب " العقل وسطوته "
стр. 217
تأليف " ج. ب. راين " وترجمة الدكتور/ محمد الحلوجى؛ ففيه بحوث مستفيضة عن هذه الناحية؛ كما أن به أن هذه البحوث التجريبية قد عرضت على مؤتمرين لكل علماء الولايات المتحدة فى الرياضة الإحصائية وفى علم النفس، وأخذت أقرارهم جميعًا عليها، وبذلك فقد أصبحت الآن فى موقف علمى فوق النقد، أو الجدل.
* حدوث الروح:
والروح حادثة، وليست بقديمة بإجماع المسلمين، ويظهر أنها تحدث بعد تسوية الجسم، وتتصل به، وتحل فيه وهو جنين.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: " حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يُجْمَعُ خَلْقه فى بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون فى ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون فى ذلك مُضْغَة مثل ذلك، ثم يرسل الله تعالى الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بـ أربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقى أو سعيد، فوالذى لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (١).
* الروح والنفس:
والروح والنفس معناهما واحد، يقول الله :
стр. 218
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ (١).
ويقول :
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ (٢).
فالأنفس فى الآيتين، المقصود بها الأرواح.
وقد ذكر القرآن النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة، وليست هذه بأقسام للنفس، وإنما هى صفات:
فالنفس فى حالة تسلط الغرائز، وسيطرة الاستعدادات الفطرية عليها، تكون أمارة بالسوء.
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (٣).
فإذا تعلمت وتهذبت بالدين، والتعاليم المثالية، وُجد الضمير، وهو الشعور النفسى الذى يقف من المرء موقف الرقيب يدعو إلى الخير، وينهى عن الشر، ويحاسب بعد أداء العمل مستريحًا للإحسان، ومستنكرًا للإساءة.
فإذا وصلت النفس إلى هذا الطور من اليقظة والمراقبة والمحاسبة، واستراحت للخير وضاقت بالشر، كانت فى هذا الطور نفسًا لوّامة.
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (٤).
فإذا واصل الإنسان جهاد نفسه، فتخلص من الهوى، وكبت شهواته، وارتفع عن النقائص، وسمت نفسه إلى الحق، والخير، والجمال، والكمال .. بلغ منزلة الرشد
стр. 219
الذى يريد الله أن يصل إليه الإنسان فى هذه الحياة، ليكون أهلاً لجواره فى الدار الآخرة.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (١).
وحين يرتفع الإنسان إلى هذا المستوى الرفيع، تكون نفسه قد اطمأنت بالحق والخير.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢).
وما لم يصل الإنسان إلى هذا المستوى، يكون قد عرض نفسه لخسارة لا يمكن تداركها بعد.
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٣).
* الروح بعد مفارقتها للجسد:
والروح بعد مفارقتها للجسد يكون الموت، وتبقى هى مدركة تسمع من يزورها، وتعرفه، وترد ﵇، وتحس لذة النعيم، وألم الجحيم.
قال ابن تيمية: " وقد استفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه فى الدنيا، وأن ذلك
стр. 220
يعرض عليه، وأنه يرى ويدرى ما يُفْعَل عنده، ويسر بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا .. وروى أن عائشة رضى الله عنها، بعد أن دفن عمر ﵁، كانت تستتر وتقول: " كان أبى وزوجى، فأما عمر فاجَنَبىُّ " .. تعنى أنه يراها، وروى أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم، فيعرفهم أحوالهم، وأنه وُلِدَ لفلان ولد، وتزوّجت فلانة ".
* السؤال فى القبر:
اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسأل بعد موته قُبِر أم لم يُقْبَر، فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رمادًا، ونسف فى الهواء، أو غرق فى البحر، لسئل عن أعماله، وجوزى بالخير خيرًا، وبالشر شرًا، وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معًا، قال ابن القيم: " مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون فى نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى، أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى ".
وفى مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وصحيح أبى حاتم، أو النبى ﷺ قال:
стр. 221
«إن الميت إذا وضع فى قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فان كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلى مدخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلى مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلى مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلى مدخل، فيقول له اجلس، فيجلس، قد مثلت له الشمس وقد أدنيت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعونى حتى أصلى، فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك (١) هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا شهدت عليه؟ قال: فيقول محمد؟ أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال: هذا مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسروراً، ثم يفسح له فى قبره سبعون ذراعاً وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدئ منه فيجعل نسمته (٢) فى النسيم الطيب، وهى طير تعلق فى شجرة الجنة، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (٣)
»، وذكر فى الكافر ضد ذلك إلى أن قال: «ثم يضيَّق عليه فى قبره إلى
стр. 222
أن تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضَّنْكُ التى قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١)».
وقال الحافظ فى الفتح: " وذهب ابن حزم، وابن هبيرة، إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عَوْد إلى الجسد، وخالفهم الجمهور، فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد، أو بعضه كما ثبت فى الحديث، ولو كان على الروح فقط، لم يكن للبدن من ذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد، ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه؛ والحامل للقائلين: بأن السؤال يقع على الروح فقط، أن الميت قد يشاهد فى قبره حال المسألة لا أثر فيه، من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق فى قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب؛ وجوابهم: أن ذلك غير ممتنع فى القدرة، بل له نظير فى العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذّة وألمًا، لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألمًا ولذّة لما يسمعه، أو يفكر فيه، ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم، إبقاء عليهم، لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت، إلا من شاء الله، وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور، كقوله: «إنه ليسمع خفق نعالهم»، وقوله: «تختلف أضلاعه لضمّة القبر»، وقوله: «يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق»، وقوله: «يضرب بين أُذنيه»، وقوله: «فيُقعِدانه»، وكل ذلك من صفات الأجساد.
стр. 223
* مستقر الأرواح:
عقد ابن القيم فصلاً ذكر فيه أقوال العلماء فى مستقر الأرواح، ثم ذكر القول الراجح، فقال: " الأرواح متفاوتة فى مستقرّها فى البرزخ أعظم التفاوت ".
فمنها: أرواح فى أعلى عليين فى الملأ الأعلى، وهى أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهم متفاوتون فى منازلهم، كما رآهم النبى ﷺ ليلة الإسراء.
ومنها: أرواح فى حواصل طير خُضْر تسرح فى الجنة حيث شاءت، وهى أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدَيْن عليه أو غيره، كما فى المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلاً جاء إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، ما لى إن قُتِلت فى سبيل الله؟ قال: «الجنة»، فلما ولى، قال: «إلا الذين سارّنى به جبريل آنفًا»؛ ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة، كما فى الحديث الآخر: «رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنة»؛ ومنهم من يكون محبوسًا فى قبره، كحديث صاحب الشمْلة التى غلّها (١) ثم استُشهد فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال النبى ﷺ : «والذى نفسى بيده إن الشّمْلة التى غَلّها لتشتعل عليه نارًا فى قبره»؛ ومنهم من يكون مقرّه باب الجنة، كما فى حديث ابن عباس ﵁: الشهداء على بارق نهر بباب الجنة فى قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية (٢)؛
стр. 224
وهذا بخلاف جعفر بن أبى طالب، حيث أبدله الله من يديه جناحين يطير بهما فى الجنة حيث شاء؛ ومنهم من يكون محبوسًا فى الأرض، لم تعْلُ روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحًا سُفلية أرضية، فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية، كما لا تُجامعها فى الدنيا، والنفس التى لم تكتسب فى الدنيا معرفة ربها، ومحبته، وذكره، والأنس به، والتقرّب إليه، بل هى أرضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك؛ كما أن النفس العلوية التى كانت فى الدنيا عاكفة على محبة الله، وذكره، والتقرب إليه، والأنس به، تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها، فالمرء مع من أحب فى البرزخ ويوم القيامة، والله تعالى يُروّج النفوس بعضها ببعض فى البرزخ ويوم المعاد، ويجعل لوحه (يعنى المؤمن) مع النّسم الطيب (يعنى الأرواح الطيبة المشاكلة لروحه)، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها، وإخوانها، وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك. ومنها أرواح تكون فى تنور الزناة والزوانى، وأرواح فى نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة.
فليس للأرواح - سعيدها وشقيها - مستقر واحد، بل روح فى أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض.
وأنت إذا تأملت السنن والآثار فى هذا الباب .. وكان لك بها فضل اعتناء، عرفت حجة ذلك، ولا تظن أن بين الآثار الصحيحة فى هذا الباب تعارُضًا، فإنها كلها حق يُصدِّق بعضها بعضًا؛ لكن الشأن فى فهمها، ومعرفة النفس وأحكامها، وأن لها شأنًا غير شأن البدن.
وأنها مع كونها فى الجنة، فهى فى السماء، وتتصل بفناء القبر وبالبدن فيه، وهى أسرع شىء حركة وانتقالاً، وصعودًا وهبوطًا، وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة،
стр. 225
وعلوية وسفلية، ولها بعد المفارقة صحة، ومرض، ولذة، ونعيم، وألم، أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذة والراحة، والنعيم والإطلاق، وما أشبه حالها فى هذا البدن بحال الطفل فى بطن أمه! وحالتها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار، فلهذه الأنفس أربع دور، كل دار أعظم من التى قبلها:
الدار الأولى: فى بطن الأم، وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث.
الدار الثانية: هى الدار التى نشأت فيها وألَفْتَها، واكتسبت فيها الخير والشر، وأسباب السعادة والشقاوة.
الدار الثالثة: دار البرزخ، وهى أوسع من هذه الدار وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الأولى.
الدار الرابعة: دار القرار، وهى الجنة والنار، فلا دار بعدها.
والله ينقلها فى هذه الدور طَبقًا بعد طَبَق حتى يبلغها الدار التى لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها سواها، وهى التى خلقت لها، وهيئت للعمل الموصل إليها.
ولها فى كل دار من هذه الدور حكم وشأن، غير شأن الدار الأخرى، فتبارك الله فاطرها، ومنشئها، وممتها، ومحييها، ومسعدها، ومشقيها، الذى فاوت بينها فى درجات سعادتها وشقاوتها؛ كما فاوت بينها فى مراتب علومها وأعمالها، وقواها وأخلاقها؛ فمن عرفها كما ينبغى، شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، وله القوة كلها، والقدر كلها، العز كله، والحكمة كلها، والكمال المطلق من جميع الوجوه، وعرف بمعرفة نفسه صدق أنبيائه ورسله، وأن الذى جاءوا به هو الحق الذى تشهد به العقول، وتًقر به الفطر، وما خالفه فهو الباطل.
وبالله التوفيق.
стр. 226
أشراط الساعة .
العلامات الصغرى.
العلامات الكبرى.
المهدى.
خروج المسيح الدجال.
стр. 227
الساعة وإن خفى علمها على الناس، فقد جعل الله لها أمارات تدل على قربها يقول الله :
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ (١).
وهذه العلامات منها: علامات صغرى، وعلامات كبرى.
* العلامات الصغرى:
فأما العلامات الصغرى، فنجملها فيما يلى:
بعثة رسول الله ﷺ ، وختم النبوة والرسالة به، فعن أنس أن النبى ﷺ قال: «بعثة أنا والساعة كهاتين (وأشار بالسبابة والوسطى)» (٢).
والمراد بهذا التشبيه أنه ﷺ ليس بينه وبين الساعة نبى آخر، فهى تليه، وتأتى بعده، وهذا علم بقربها، ولا يستلزم العلم بوقت مجيئها، فإن العلم بوقت المجىء لا يعلمه إلا الله.
وأن يصبح الملوك والأمراء والرؤساء من أولاد السرارى، لا من أولاد بنات البيوتات العريقة فى حسن التربية، وعلو الأخلاق، وكمال المروءة، كما يصبح أهل البداوة، ورعاة الغنم من أصحاب الثروة والترف والقصور العالية والترأس على الناس.
فعن أبى هريرة أن النبى ﷺ كان يومًا بارزًا للناس، فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: «ما المسئول عنها بأعلم من المسائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها:
стр. 228
إذا ولدت الأمة ربتها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رعاة الشاء رءوس الناس، فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاة الغنم فى البنيان، فذاك من أشراطها» (١).
وفى حديث جبريل ﵇ أنه سأل الرسول ﷺ عن الساعة، فقال: «ما المسئول عنها بـ أعلم من المسائل»، قال: فأخبرنى عن أماراتها، قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان» (٢)
وفى حديث الإمام البخارى جملة من هذه العلامات، عدتها إحدى عشرة علامة، فعن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ (٣)، وَحَتَّى يُبْعَثَ (٤) دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ (٥)، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ (٦)، وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ (٧)، وَيَتَقَارَبَ
وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يُلِيطُ (١) حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِى فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ (٢) إِلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُهَا».
* العلامات الكبرى:
أما العلامات الكبرى، فنجملها فيما يلى:
- طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة:
عند قرب الساعة يحدث تغيير فى نظام الكون، وتظهر آيات غير مألوفة للبشر، فتطلع الشمس من المغرب على خلاف ما نعهده الآن من طلوعها من المشرق، وتخرج دابة من الأرض تكلم الناس.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبى ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجاً طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيباً» (٣).
وعن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْراً» (٤).
стр. 231
ويقول الله :
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ (١).
ففى هذه الآية إخبار عن خروج دابة تكلم الناس حينما يأتى أمر الله، كمقدمة من مقدمات الساعة، وحينما لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت فى إيمانها خيرًا.
ولا ينبغى أن يبحث عما وراء ذلك من الغرائب التى قيلت فى وصف هذه الدابة: من أن طولها ستون ذراعًا بذراع آدم، وأن لها وجه إنسان، ورأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وأنه لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، وأنها تحمل عصا موسى، وخاتم سليمان، فذلك لم يصح منه شىء.
قال الإمام الرازى: " واعلم أنه لا دلالة فى الكتاب على شىء من هذه الأمور، فإن صح الخبر فيه عن رسول الله ﷺ قبل، وإلا لم يلتفت إليه ".
إن خروج الدابة غيب من الغيوب، فيجب علينا الوقوف عند ما أخبر به القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ولم يأت فيهما سوى أن دابة ستخرج، وتكلم الناس، وذلك من أمارات الساعة.
وقد ذكر فى السورة نفسها، أن موسى ﵇ ألقى عصاه بأمر الله، فإذا هى تهتز كأنها جان، وأن سليمان عرف لغة الطير، وسمع النملة وهى تدعو جماعتها لتدخل مساكنها، مخافة أن يحطمها سليمان هو وجنوده وهم لا يشعرون، وأن سليمان تبسم ضاحكًا من قولها.
стр. 232
وفى السورة أيضًا، أن الهدهد كلم سليمان بخبر سبأ، وقال:
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ *أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١).
والدابة التى ستخرج من الأرض، وتكلم الناس، سيكون كلامها لهم من هذا القبيل.
* المهدى:
خلاصة القول فى الإمام المهدى: أنه سيظهر فى آخر الزمان، وأن اسمه محمد بن عبد الله، أو أحمد بن عبد الله (٢)، وأنه من أهل بيت رسول الله ﷺ من ولد فاطمة (٣)، وأنه يشبه الرسول ﷺ فى الخُلُق، ولا يشبهه فى الخَلْق (٤)، وأنه أجلى الجبهة، أقنى الأنف (٥)، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلاً، كما مُلئت ظلمًا وجورًا، وأنه يقيم شريعة الإسلام، ويحيى ما اندثر من سنة رسول الله ﷺ ، وأن الإسلام تعلو كلمته فى عهده، يُلقى بجرانه إلى الأرض (٦)، ويمكن له، ويكثره الرخاء فى أيامه من وفرة العدل، وكثر ما يعطى
стр. 233
من المال، فهو يحثو المال حثوًا، لا يعدّه عدًّا (١)، وأنه يمكث سبع (٢) سنين، ويأتى بعده الدجّال، ثم ينزل عيسى، فيتعاون عيسى مع المهدى على قتله ن ثم يُتوفّى المهدى، ويصلى عليه المسلمون.
هذه هى خلاصة الروايات التى تحدثت عن المهدى، ورويت فى شأنه، وهى فى جملتها لا تخرج عن كونها أخبارًا عن ظهور رجل من المصلحين فى آخر الزمان يرفع لواء الحق، ويعلى كلمة الله، ويُمكّن للإسلام، ويكون طليعة للخير العام الذى يأتى بعده، كما كان يوحنا قبل ولادة عيسى ﵇.
على أثر ذلك يخرج الدجال اليهودى، كمظهر من مظاهر الفتنة الكبرى، ليقاوم هذه النهضة الإسلامية، محاولاً فتنة الناس عن دينهم بما أُعطى من علم وبراعة وقوة، فيبطل الله أمره بما يحدثه من آيات أكبر من فتنته بإنزال عيسى ﵇ ليكون قوة للحق الذى يمثله المهدى حينئذ، ويتعاون كل من عيسى والمهدى ومن ورائهما كتائب الإسلام على قتله، وإحباط أمره.
فإذا قتل الدجال انهزم اليهود الذين يقاتلون معه، وعددهم سبعون ألفًا (٣)، ثم يكشف الله أمرهم، فلا يتوارى منهم يهودى وراء شىء إلا أنطق الله هذا الشىء فقال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودى فتعال اقتله؛ وبهذا يقضى على أكبر فتنة من الفتن التى تحدث فى الأرض؛ ثم يأخذ عيسى ﵇ فى العمل على محو المسيحية التى ارتكبت كل الحماقات باسمه، والتمكين لدين الحق دين الإسلام، كما قال الرسول ﷺ : «فيكون عيسى فى أمتى حكمًا عادلاً، وإمامًا مقسطًا، يدق الصليب (٤) وذبح
стр. 234
الخنزير، ويضع الجزية (١)، ويترك الصدقة (٢)، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتُنزع حَمة كل ذى حُمّة (٣) حتى يدخل الوليد يده فى الحية فلا تضره، وتُفر الوليدة الأسد فلا يضرها (٤)، ويكون الذئب فى الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور (٥) الفضة تنبت نباتها بعهد آدم (٦)»
وبهذا يتحقق وعد الله من إظهار الإسلام وإعلائه على الدين كله.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ (٧).
ثم يحدث بعد ذلك النقصان، ولا يزال الناس يبتعدون عن الدين شيئًا فشيئًا حتى يرتدون عن دينهم، فتقوم الساعة وهم على ما هم عليه من ردّة وليس بعد الكمال إلا الفناء والزوال.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٨).
стр. 235
* خروج المسيح الدجال (١):
من علامات الساعة وأماراتها الكبرى، أن يخرج المسيح الدجال، ويدعى الألوهية، ويحاول أن يفتن الناس عن دينهم بما يحدثه من خوارق العادات، وبما يظهر على يديه من عجائب، فيُفتن به بعض الناس، ويثبت الله الذين آمنوا، فلا يخدعون بأضاليله، ثم ينجلى أمره، ويقضى على فتنته، ويقتل بأيدى المسلمين وقائدهم - حينئذ - عيسى ﵇.
وقد حذرت الرسل أممهم من فتنته وغوايته، كما حذر منها خاتمهم، صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا.
فعن عمر ﵁ أن النبى ﷺ استنصت (٢) الناس يوم حجة الوداع، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر الدجال، فأطنب فى ذكره، وقال: «ما بعث الله من نبى إلا أنذر أمته، وإنه يخرج فيكم، فما خفى عليكم من شأنه، فلا يخفى عليكم إن ربكم ليس بأعور، وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه طافية» (٣).
قال الشيخ رشيد رضا: " ويدل القدر المشترك منها (٤) على أن النبى ﷺ كشف له، ويمثل له ظهور دجال فى آخر الزمان، يظهر للناس خوارق كثيرة، وغرائب يفتتن بها خلق كثير، وأنه من اليهود، وأن المسلمين يقاتلونه، ويقاتلون اليهود فى هذه البلاد المقدسة، وينتصرون عليهم، وقد كشف له ذلك مجملاً غير مفصل، ولا يوحى به
стр. 236
عن الله، كما كشف له غير ذلك من الفتن فذكره، فتناقله الرواة بالمعنى، فأخطأ كثير منهم، وتعمد الذين كانوا يبثون الإسرائيليات الدس فى رواياته .. ولا يبعد أن يكون طلاب الملك من اليهود الصهيونيين بتدبير فتنة فى هذا المعنى يستعينون عليها بخوارق العلوم والفنون العصرية كالكهرباء والكيمياء وغير ذلك، والله أعلم ".
ويؤيد هذا الذى قاله الشيخ رشيد الأحاديث الآتية:
١ - عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقومن الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودى: يا مسلم هذا يهودى ورائى فاقتله» (١) .. وهذا مجاز عن عدم إفادة الاختباء شيئًا.
٢ - وعن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال» (٢) .. وهذا الفتح غير الفتح الأول، ففى رواية الترمذى: «فتح القسطنطينية مع قيام الساعة».
* نزول عيسى ﵇:
يستخلص من مجموع الأحاديث، أن عيسى ﵇ ينزل فى آخر الزمان أثناء وجود الدجال، ويكون نزوله هذا علامة من علامات الساعة الكبرى، فيحكم بالقسط، ويقضى بشريعة الإسلام، ويحيى من شأنها ما تركه الناس، ويقتل الدجال، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يموت، ويصلى عليه ويدفن، ثم تهب ريح تقبض أرواح المؤمنين جميعًا، فلا يبقى بعد ذلك إلا شرار الناس، فلا يكون بعد الكمال إلا الفناء والزوال.
стр. 237
عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: «والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًًا (١)، فيكسر الصليب (٢)، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (٣)، ويفيض (٤) المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها»، ثم قال أبو هريرة: اقرءوا ما شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (٥) .. أى ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، قبل موت عيسى حين ينزل إلى الأرض، قبل قيام الساعة.
وعن عروة بن مسعود الثقفى ﵁ قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِى أُمَّتِى، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ - لاَ أَدْرِى أَرْبَعِينَ يَوْماً أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْراً أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً -، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ، فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّأْمِ، فَلاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلاَّ قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِى كَبَدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِى خِفَّةِ
اليوم الآخر .
* الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان العقيدة.
* لم يخلق الإنسان عبثًا.
* مفهوم اليوم الآخر.
* اهتمام القرآن به.
* حكمة الاهتمام به.
* بداية اليوم الآخر.
* العلم الطبيعى واليوم الآخر.
* متى هو؟
* البعث.
* أدلة البعث.
* شبهة منكرى البعث.
* اختلاف الناس عند البعث.
* الشفاعة.
стр. 240
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وجزء من أجزاء العقيدة، بل هو العنصر الهام الذى يلى الإيمان بالله مباشرة.
لأن الإيمان بالله يحقق المعرفة بالمصدر الأول الذى صدر عنه الكون، والإيمان باليوم الآخر يحقق المعرفة بالمصير الذى ينتهى إليه هذا الوجود.
وعلى ضوء المعرفة بالمصدر والمصير، يمكن للإنسان أن يحدد هدفه، ويرسم غايته، ويتخذ من الوسائل والذرائع ما يوصله إلى الهدف، ويبلغ به الغاية ومتى فقد الإنسان هذه المعرفة، فإن حياته سوف تبقى لا هدف لها، ولا غاية منها.
وحينئذ يفقد الإنسان سموه الروحى، وفضائله العليا، ويعيش كما تعيش الأنعام، تسيرها غرائزها الطبيعية، واستعداداتها الفطرية، وهذا هو الانحطاط الروحى المدمر لشخصية الإنسان.
* لم يخلق الإنسان عبثًا:
والقرآن الكريم يلفت الأنظار إلى أن الله لم يخلق الإنسان من غير هدف عال، ولا غاية سامية؛ لأن ذلك يتنافى مع كماله الأقدس وحكمته العليا.
فالله لم يخلق الإنسان بيده، وينفخ فيه من روحه، ويفضله على ملائكته، ويسخر له ما فى السماوات وما فى الأرض، ويجعله سيد هذا الكوكب الأرضى دون غاية أو غرض؛ فإن ذلك عبث يتنزه الله عنه.
стр. 241
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ *فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١).
إن للإنسان رسالة، وهى الخلافة عن الله فى الأرض، وقد كلّف بالقيام بواجبات هذه الخلافة، وهو مسئول عنها أمام الله؛ وحُسبان غير هذا عدول عن الحق إلى الضلال.
﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً *أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى *ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى *فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى *أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٢).
* مفهوم اليوم الآخر:
يبدأ اليوم الآخر بفناء عالمنا هذا، فيموت كل من فيه من الأحياء، وتتبدل الأرض والسماوات.
ثم ينشىء الله النشأة الآخرة، فيبعث الله الناس جميعًا، ويرد إليهم الحياة مرة أخرى.
وبعد البعث يحاسب الله كل فرد على ما عمل من خير أو شر. فمن غلب خيره شره أدخله الله الجنة، ومن غلب شره خيره أدخله الله النار.
* اهتمام القرآن بتقرير الإيمان بهذا اليوم:
والقرآن يهتم اهتمامًا بالغًا بتقرير الإيمان بهذا اليوم، ويبدو هذا الاهتمام باليوم الآخر فيما يلى:
стр. 242
أولاً: يربطه بالإيمان بالله:
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢).
ثانيًا: يكثر القرآن من ذكره له، فلا تكاد سورة تخلو من الحديث عنه، مع تقريبه إلى الأذهان تارة بالحجة والبرهان، وتارة بضرب الأمثال.
ثالثًا: أن المتتبع لآيات القرآن يجد أنه وضع لهذا اليوم أسماء كثيرة، وكل اسم منها يدل على معنى ما سيحدث من أهوال فى هذا اليوم.
فهو يوم البعث:
﴿
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
ويسمى يوم القيامة:
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٤).
ويسمى الساعة:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (٥).
стр. 243
ويسمى الآخرة:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١).
ويسمى يوم الدين:
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢).
ويسمى يوم الحساب:
﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ (٣).
ويسمى يوم الفتح:
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٤).
ويسمى يوم التلاق:
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ *يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ (٥).
ويسمى يوم الجمع والتغابن:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (٦).
стр. 244
ويسمى يوم الخلود:
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (١).
ويسمى يوم الخروج:
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (٢).
ويسمى يوم الحسرة:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
ويسمى يوم التناد:
﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ (٤).
ويسمى الآزفة:
﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ *لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (٥).
ويسمى الطامة:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى *يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ (٦).
стр. 245
ويسمى الصّاخّة:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ *يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ *وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ *وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ *لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (١).
ويسمى الحاقة:
﴿الْحَاقَّةُ *مَا الْحَاقَّةُ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٢).
ويسمى الغاشية:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٣).
ويسمى الواقعة:
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ *لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ *خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (٤).
* حكمة الاهتمام به:
وإنما اهتم القرآن هذا الاهتمام باليوم الآخر، لعدة أسباب:
أولاً: أن المشركين من العرب كانوا ينكرونه أشد إنكار.
стр. 246
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (١).
ثانيًا: أن أهل الكتاب، وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر، إلا أن تصورهم له قد بلغ منتهى الفساد.
فالنصارى مثلاً، يعتمدون فيه على وجود يسوع الفادى المخلِّص الذى يَفْدى الناس بنفسه، ويخلِّصهم من عقوبة الخطايا .. وهذا يطابق ما يقوله الهنود فى كرشنه، وبوذا، سواء بسواء.
وعقيدة اليهود فى الله وفى اليوم الآخر، لا تقل فى فسادها وضلالها عن عقيدة النصارى، والهنود.
ثالثًا: أن الإيمان باليوم الآخر يجعل لحياتنا غاية سامية، وهدفًا أعلى، وهذه الغاية هى فعل الخيرات، وترك المنكرات، والتحلى بالفضائل، والنخلى عن الرذائل الضارة بالأبدان والأديان، والأعراض والعقول، والأموال؛ أى تحقيق معنى الخلافة.
ولابد من تقوية الوازع النفسى الذى يرغِّب فى الخير، ويصد عن الشر، ولا يقوى الوازع إلى بكثرة التذكير والتفنن فى التصوير، وضرب الأمثال المتنوعة، حتى تعمق جذوره، ويقوى تأثيره، ويحقق الغاية منه، فيرجع المنكر عن إنكاره، ويصحح المخطئ خطأه، ويحدد كل إنسان هدفه الأعلى لا يضل الطريق، أو تتعثر به الخطا.
* بداية اليوم الآخر:
ويؤخذ من مجموع الآيات الكريمة، أن اليوم الآخر يبدأ بإحداث تغيير عام فى هذا الكون، فتتشقق السماء، وتتناثر النجوم، وتتصادم الكواكب، وتتفتت الأرض، ويخرب كل شىء، ويدمر كل ما عرفه الناس فى هذا الوجود.
стр. 247
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١).
* العلم الطبيعى واليوم الآخر:
وهذا التخريب العام الشامل، ليس بمحال، أو بعيد الحصول، فقد ثبت لدى علماء العلم الطبيعى، أن هذا الكون سيأتى يوم ينتهى فيه كل شىء، فكما أنه تطور من الزمن القديم إلى ما انتهى إليه فى وضعه القائم، فإنه سيتطور تطورًا حتميًا إلى الفناء والزوال.
فليس فيما قرره القرآن الكريم عن نهاية هذا العالم ما يتنافى مع أحدث نظريات العلم الطبيعى.
ومن أدل الدلائل على أن هذا من عند الله، أنه لم يسبق أن تحدث أحد عن فناء هذا الكون بهذه الصورة، كما لم تتحدث الأديان السابقة؛ ولا يمكن أن يكون من تفكير رسول الله ﷺ ، فهذه إحدى معجزاته!
* متى هو ؟:
وقيام الساعة أو اليوم الآخر، مما استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه لا نبيًا مرسلاً، ولا ملكًا مُقرّبًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ (٢).
ولقد كان الناس يسألون عنها رسول الله، ويُلْحِفُون فى المسألة، فأمره الله أن يَرُدّ علمها إليه وحده.
стр. 248
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١).
وسجل هذا السؤال والإجابة عليه فقال:
﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا (٢) لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ (٣) فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ (٤) عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
عن ابن عمر ﵁ أن النبى ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما فى الأرحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدرى نفس بـ أى أرض تموت».
قال الألوسى فى تفسيره: " وإنما أخفى الله أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك ".
ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضى ذلك أيضًا، لم يبعد.
وظاهر الآيات أنه ﷺ لم يعلم وقت قيامها .. نعم، ﷺ قرّبها على الإجمال، وأخبر ﷺ به، فقد أخرج الترمذى، وصححه عن أنس مرفوعًا: «بعثت أنا والساعة كهاتين (وأشار بالسبابة والوسطى)».
стр. 249
وفى الصحيحين عن عمر ﵁ مرفوعًا أيضًا: «وإنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم، من صلاة العصر إلى غروب الشمس».
أما نهاية هذه الحياة، فلم يأت فيها حديث صحيح يمكن التعويل عليه.
قال ابن حزم: " وأما نحن (يعنى المسلمين)، فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا، ومن ادّعى فى ذلك سبعة آلاف سنة، أو أكثر، أو أقل؛ فقد قال ما لم يأت قط عن رسول الله ﷺ فيه لفظة تصح، بل صح عنه ﷺ خلافه، بل نقطع على أن للدنيا أمدًا لا يعلمه إلا الله تعالى، قال الله :
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١).
وقال ﷺ : «ما أنتم فى الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود، أو الشعرة السوداء فى الثور الأبيض».
وهذه نسبة من تدبرها، وعرف مقدار عدد أهل الإسلام ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض، علم أن للدنيا أمدًا لا يعلمه إلا الله، وكذلك قوله ﷺ : «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين (وضم إصبعيه السبابة والوسطى)».
وقد جاء النص بأن الساعة لا يعلم متى تكون إلا الله تعالى لا أحد سواه، فصح أنه ﷺ إنما أراد شدة القرب لا فصل الوسطى عن السبابة، إذ لو أراد ذلك لأخذت نسبة ما بين الأصبعين ونسب من طول الإصبع، فكان
стр. 250
يعلم بذلك متى تقوم الساعة، وهذا باطل، وأيضًا فكان تكون نسبته ﷺ إيانا إلى من قبلنا، بأننا كالشعرة فى الثور كذبًا .. ومعاذ الله من ذلك، فصح أنه ﷺ إنما أراد شدة القرب، وله ﷺ منذ بعث أربعمائة عام ونيف وألف، والله تعالى أعلم بما بقى من عمر الدنيا، فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عندما سلف لقِلّته وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى، فهو الذى قال ﷺ من أننا فيمن مضى كالشعرة فى الثور، أو الرقمة فى ذراع الحمار.
* البعث:
ويبدأ اليوم الآخر بالبعث: وهو إعادة الإنسان روحًا وجسدًا، كما كان فى الدنيا، وهذه الإعادة تكون بعد العدم التام، ولا يستطيع الإنسان معرفة هذه النشأة الأخرى، لأنها تختلف تمام الاختلاف عن النشأة الأولى.
﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ *عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ *وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١).
* أدلة البعث:
ولقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة على البعث، مستدلاً بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، ومبينًا أن الله قادر على كل شىء، وعالم بكل شىء، فلا تعجزه إعادة الأجسام لنفوذ قدرته، ولا يضيع منها شىء لسعة علمه.