← Акыда

Акыда · id 8647

العقائد الإسلامية

سيد سابق

Полный текст (290 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكما يتمثل الإيمان فى الحب, يتمثل فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله, والكفاح لرفع راية الحق, والنضال لمنع الظلم والفساد فى الأرض. وكثيرًا ما يقترن الإيمان بالجهاد على أنه روحه ومظهره العملى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). ولقد برز هذا الكفاح فى الصفوة المؤمنة فى العهد الأول, حتى استحقوا ثناء الله عليهم. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٣). وأثر الإيمان يبدو واضحًا فى خشية الله والخوف منه, فإن من عرف الله وعرف عظمته, واستشعر جلاله وكبرياءه, وعرف تقصيره فى حقه, خشيه وخاف منه. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤). وهذه سمة أهل الحق القوامين على دين الله.

стр. 72

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ (١). وكلما كانت المعرفة أكمل, كانت الخشية أتم. ويقول الرسول صلى الله علية وسلم: «إنى لأعلمكم بالله, وأخشاكم له». وأعظم ما يبدو فيه الإيمان الاستمساك بالوحى, لأنه النبع الصافى الذى لم يختلط بشائبة الهوى, أو آفة الظنون. والاستمساك بالوحى, إنما هو اتصال بالله, وأخذ عنه مباشرة بدون توسيط وسطاء, وهذا هو أسمى أنواع الاتصال. والمؤمنون عامة يتجهون هذا الاتجاه, حتى لا يلتبس الحق الذين يؤمنون به بالباطل الذى صنعته عقول الناس وأفهامهم. ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢) ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (٣). ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٤).

стр. 73

والإيمان ينشئ علاقات مختلفة: فهو يربط بين المؤمنين وبين الله برباط المودة, والمحبة؛ ويقيم العلاقة بين المؤمنين بعضهم مع بعض, على أساس من الشفقة والرحمة. ويقيم العلاقة بين المؤمنين وبين أعداء الله, الصادين عن الحق, على أساس من الغلظة والقسوة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). وقد تجلت هذه الصفات فى الرسول ﷺ وصحابته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢). والعمل الصالح الذى تزكو به النفس, ويطهر به القلب, وتعمر به الحياة, أثر من آثار الإيمان. ولهذا يأتى الإيمان فى الآيات القرآنية مقرونًا بالعمل الصالح؛ لأن

стр. 74

الإيمان إذا تجرد عن العمل كان إيمانًا عقيمًا, وكان كالشجرة التى لا تثمر ثمرًا, ولا تمد ظلاً؛ فهى بالقطع أولى منها بالبقاء. والعمل إذا خلا عن الإيمان, كان رياء ونفاقًا؛ والنفاق والرياء هما شر ما يصاب به الإنسان. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١). إن الإيمان بهذا المعنى, هو الإيمان القرآنى, وهو الإيمان الذى أراده الله لعباده. وإذا تحقق, فإنه يتحول إلى قوة إيجابية فى الحياة, وهو الذى يحول الضعف إلى قوة, والهزيمة إلى نصر, واليأس إلى أمل, والأمل إلى عمل. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٢). ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). * ثمار الإيمان: وإذا عرف الإنسان ربه عن طريق العقل والقلب .. أثمرت له هذه المعرفة ثمارًا يانعة, وتركت فى نفسه آثارًا طيبة, ووجهت سلوكه وجهة الخير والحق, والسموّ والجمال.

стр. 75

وهذه الثمار نجمل بعضها فيما يلى: ١ - تحرر النفس من سيطرة الغير, وذلك أن الإيمان يقتضى الإقرار بأن الله هو المحى, المميت, الخافض, الرافع, الضار, النافع. ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١). إن الذى عوق البشرية عن النهوض, وحال بينها وبين الرقى, هو الخضوع للاستبداد, سواء أكان هذا الاستبداد استبدادًا سياسيًا للحكام والرؤساء, أم استبدادًا كهنوتيًا لرجال الدين والكهنوت. وبتقرير الإسلام لهذه الحقيقة, قضى على هذا الأسر, وأطلق حرية الإنسان من سيطرة هؤلاء المستبدين التى لازمته قرونًا طوالاً. ٢ - والإيمان يبعث فى النفس احتقار الموت والرغبة فى الاستشهاد من أجل الحق. إذ الإيمان يوحى بأن واهب العمر هو الله, وأنه لا ينقص بالإقدام, ولا يزيد بالأحجام؛ فكم من إنسان يموت وهو على فراشه الوثير, وكم من إنسان ينجو وهو يخوض غمرات المعارك والحروب! ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ (٢). ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي

стр. 76

أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١). ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢). ٣ - والإيمان يقتضى الاعتقاد بأن الله هو الرزاق, وأن الرزق لا يسوقه حرص حريص, ولا يرده كراهية كاره. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤). ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥). وإذا سيطرت هذه العقيدة على النفس, تخلص الإنسان من رذيلة البخل والحرص والشره, والطمع, واتصف بفضيلة الجود, والبذل, والسخاء, والأنفة, والعفة, وكان إنسانًا مأمول الخير مأمون الشر. ٤ - والطمأنينة أثر من آثار الإيمان .. أى طمأنينة القلب, وسكينة النفس.

стр. 77

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١). ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢). وإذا اطمأن القلب, وسكنت النفس .. شعر الإنسان ببرد الراحة, وحلاوة اليقين, واحتل الأهوال بشجاعة, وثبت إزاء الخطوب مهما اشتدت, ورأى أن يد الله ممدودة إليه, وأنه القادر على فتح الأبواب المغلقة, فلا يتسرب إليه الجزع, ولا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣). ٥ - والإيمان يرفع من قوى الإنسان المعنوية, ويربطه بمثل أعلى, وهو الله مصدر الخير, والبر, والكمال. وبهذا يسمو الإنسان عن الماديات, ويرتفع عن الشهوات, ويستكبر على لذائذ الدنيا, ويرى أن الخير والسعادة فى النزاهة والشرف, وتحقيق القيم الصالحة .. ومن ثم يتجه المرء اتجاهًا تلقائيًا لخير نفسه, ولخير أمته, ولخير الناس جميعًا. وهذا هو السر فى اقتران العمل الصالح - بجميع شعبه وفروعه - بالإيمان, إذ أنه الأصل الذى تصدر عنه, وتتفرع منه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ (٤).

стр. 78

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٢). وإذا اهتدى القلب, فأى شىء من الخير يفوته؟! ٦ - والحياة الطيبة يعجل الله بها للمؤمنين فى الدنيا قبل الآخرة. وتتمثل هذه الحياة فى ولاية الله للمؤمن, وهدايته له, ونصره على أعدائه, وحفظه مما يبيّت له, وأخذه بيده كلما عثر أو زلت به قدم؛ فضلاً عما يفيضه عليه من متاع مادى, يكون عونًا له على قطع مرحلة الحياة فى يسر. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (٥). ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٦).

стр. 79

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (١). ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (٢). وقد انتهى العالم إلى هذه الحقائق الإيمانية؛ ولا يتسع المجال لإثبات شهادات كبار العلماء, وتسجيل ما شاهدوه. ونكتفى هنا بتسجيل ما نشر بجريدة الجمهورية, يوم السبت ٢٩/ ١١/١٩٦٢م فقد قالت الصحيفة تحت عنوان (العلماء يلجأون إلى الدين لعلاج مرضى الأمراض العقلية): عزاء وسلوان لأولئك الذين تشبثوا بدينهم, ولم يتزعزع إيمانهم فى أحلك لحظات المدنية وأنصعها, أقصد تلك اللحظات التى يتشدق فيها دعاة النظريات العتيدة, وفى مقدمتها نظرية النشوء والارتقاء لـ (داروين) , ويتشدقون فيها بأن الدين بدعة, وبأن الإنسان يقف وحده فى هذا الكون كما زعم (جوليان هاكسلى) جد الكاتب الفيلسوف البريطانى الكبير (الدوسى هاكسلى). إن علماء الأمراض العقلية, لا يجدون اليوم سلاحًا أمضى وأبعد فاعلية لعلاج مرضاهم, من الدين والإيمان بالله .. والتطلع إلى رحمة السماء .. والتشبث بالرعاية الإلهية .. والالتجاء إلى قوة الخالق الهائلة عندما يتضح عجز كل قوة سواه! لقد بدأت التجربة فى مستشفى بولاية نيويورك, وهو مستشفى خاص بمرتكبى الجرائم من المصابين بالأمراض العقلية.

стр. 80

بدأت التجربة بإدخال الدين كوسيلة جديدة للعلاج بجانب الصدمات الكهربائية لخلايا المخ, والعقاقير المسكنة والمهدئة للأعصاب. وكانت النتيجة رائعة .. إن أولئك الذين تعذر شفاؤهم, بل فقدوا الأمل فيه, انتقلوا من عالم المجانين إلى عالم العقلاء .. أولئك الذين ارتكبوا أفظع الجرائم, وهم مسلوبو الإرادة, باتوا يسيطرون على إرادتهم وتفكيرهم وتصرفاتهم, ويذرفون الدمع ندمًا, وكلهم أمل فى رحمة السماء ومغفرة الله. واستسلم العلماء, ورفعوا أيديهم إلى السماء, يعترفون بضعفهم, ويعلنون للدنيا: أن العلم يدعو إلى الإيمان, وليس أبدًا إلى الإلحاد. وأنت طبعًا لست فى حاجة لأكثر من الإلمام بالقراءة, وحتى إذا كان قد فاتك قطار التعليم, فأمامك بيوت الله, وفيها السلوى .. وفيها العزاء.

стр. 81

القدر . * الله فاعل مختار. * معنى القدر. * وجوب الإيمان بالقدر. * حرية الإنسان. * الإسلام يقرر حرية الإرادة. * بين مشيئة الرب ومشيئة العبد. * الهداية والضلال.

стр. 82

* الله فاعل مختار: الله سبحانه مالك الملك, يتصرف فيه بمقتضى حكمته ومشيئته, وكل تصرف منه إنما يجرى وفق مشيئته التى وضعها فى الكون, وقوانينه المضطردة فى الوجود. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (١). وهو سبحانه لا يجب عليه شىء, ولا يتصرف من أجل أحد. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). أى أن الله أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يقول فى الناس: إن الله سبحانه مالك الملك الحق, يعطى الملك لمن يشاء, وينزعه ممن يشاء بمقتضى سنن الله فى العطاء والأخذ, ويعز من يشاء بالتوفيق لأسباب العز, ويذل من يشاء بالخذلان. وإنه سبحانه بيده الأمور كلها خيرها وشرها, فهو يعطى ويمنع, ويعز ويذل وينفع ويضر, لأنه القادرعلى كل شىء .. ومن مظاهر قدرته ما يشاهد فى الكون من إدخال الليل فى النهار, وإدخال النهار فى الليل؛ وإخراج الحى من الميت, وإخراج الميت من الحى؛ وأنه يفيض الرزق على من يشاء بغير حساب ولا رقابة؛ لأن الأمر كله له وحده لا شريك له.

стр. 83

وهو الفاعل المختار. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (١). فهو يخلق ويختار من خلقه ما يشاء؛ لأنه المتصرف المطلق, وما كان لأحد الاختيار معه. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). فهو سبحانه يتصرف فى ملكه كيفما شاء بمقتضى الحكمة والرحمة. فإذا مس الإنسان ضر, فلا يكشفه إلا الله, وإذا أراد الله خيرًا له, فلا يستطيع أحد رده عنه. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤). فملك السماوات والأرض له وحده؛ وما يبديه الإنسان ويظهره, أو يخفيه ويكنه - من النوايا والإرادات والعزائم والمقاصد - يحاسبه به الله إن خيرًا فخير, وإن شرًا فشر, وهو يغفر لمن يشاء أن يغفر لهم, وقد بين سبحانه من يشاء لهم الغفران فى قوله:

стр. 84

﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١). فمغفرة الله لمن رجع إلى الله بالتوبة النصوح, وجدّد إيمانه بالله, وعمل العمل الصالح الذى يذهب بالسيئات, وبلغ منزلة الهداية التى يطمئن فيها القلب بالحق واليقين, كما أن عذابه سبحانه ينزل بالعصاة المستحقين له بمقتضى عدله وجزاء كل بعمله. والإيمان بهذا, جزء من الإيمان بالله, ويتفرع عنه الإيمان بالقدر. * معنى القدر: جاء فى القرآن الكريم ذكر القدر مرارًا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٢). ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ﴾ (٣). ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤). والذى يؤخذ من مجموع هذه الآيات, أن المقصود بالقدر: هو النظام المحكم الذى وضعه الله لهذا الوجود, والقوانين العامة, والسنن التى ربط الله بها الأسباب بمسبباتها. وعرفه النووى فقال: «إن الله ﵎ قدر الأشياء فى القدم, وعلم سبحانه أنها ستقع فى أوقات معلومة عنده عزوجل وعلى صفات مخصوصة؛ فهى تقع حسب ما قدرها «.

стр. 85

* وجوب الإيمان به: وقد جاء فى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله علية وسلم أن الإيمان بالقدر جزء من العقيدة, ويكون المعنى أن الله خلق النواميس والقوانين والنظم التى وضعها لهذا الوجود, وأن الأشياء تجرى وتدور حسب هذه النظم والسنن والقوانين. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (١). ويكون الإيمان بالقدر جزءًا من عقيدة المسلم, وليس فيه معنى الإجبار .. قال الخطابى: «قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد على ما قدره وقضاه .. وليس الأمر كما يتوهمون؛ وإنما معناه الإخبار عن تقديم علم الله سبحانه بما يكون من اكتسابات العبد, وصدورها عن تقدير منه تعالى, وخلقه لها, خيرها وشرها .. والقدر اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر «. وعلم الله سبحانه بما سيقع, ووقوعه حسب هذا العلم لا تأثير له فى إرادة العبد, فإن العلم صفة انكشاف لا صفة تأثير؛ فمثلاً علم الإنسان بأن ابنه ذكى مقبل على دروسه ومستوعب لها حفظًا وفهمًا, ليس له تأثير فى نجاحه. * حكمة الإيمان بالقدر: وحكمة ذلك: أن تنطلق قوى الإنسان وطاقاته لتعرف هذه السنن, ولتدرك

стр. 86

هذه القوانين, وتعمل بمقتضاها فى البناء والتعمير, وفى استخراج كنوز الأرض والانتفاع بما أودع فى الكون من خيرات. وبذلك يكون الإيمان بالقدر قوة باعثة على النشاط والعمل والإيجابية فى الحياة, كما أن الإيمان بالقدر يربط الإنسان برب هذا الوجود, فيرفع من نفسه إلى معالى الأمور: من الإباء والشجاعة والقوة, من أجل إحقاق الحق, والقيام بالواجب. والإيمان بالقدر يُرى الإنسان أن كل شىء فى الوجود إنما يسير وفق حكمة عليا, فإذا مسّه الضر فإنه لا يجزع, وإذا صادفه التوفيق والنجاح فإنه لا يفرح ولا يبطر, وإذا برئ الإنسان من الجزع عند الإخفاق والفشل, ومن الفرح والبطر عند التوفيق والنجاح, كان إنسانًا سويًا متزنًا, بالغ منتهى السمو والرفعة, وهذا هو معنى قول الله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١). هذا ما ينبغى أن نفهمه من القدر؛ وهو مقتضى فهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه, وفهم أصحابه رضى الله عنهم أجمعين. وقد دخل رسول الله صلى الله علية وسلم يومًا على الإمام علىّ كرم الله وجهه بعد صلاة العشاء, فوجده قد بكر بالنوم, فقال له: «هلا قُمت من الليل؟» فقال: يا رسول الله, أنفسنا بيد الله, إن شاء بسطها, وإن

стр. 87

شاء قبضها .. فغضب رسول الله ﷺ وخرج وهو يضرف على فخذه ويقول: «﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (١)». وسرق أحد اللصوص, فلما حضر بين يدى عمر رضى الله عنه سأله: «لِمَ سرقت؟ «فقال: قدّر الله ذلك, فقال عمر رضى الله عنه: «اضربوه ثلاثين سوطًا, ثم اقطعوا يده «, فقيل له: ولِمَ؟ فقال: «يقطع لسرقته, ويضرب لكذبه على الله «. إن القدر لا يتخذ سبيلاً إلى التواكل, ولا ذريعة إلى المعاصى, ولا طريقًا إلى القول بالجبر؛ وإنما يجب أن يتخذ سبيلاً إلى تحقيق الغايات الكبرى من جلائل الأعمال .. إن القدر يُدْفَع بالقدر, فيدفع قدر الجوع بقد الأكل, وقدر الظمأ بقدر الرىّ, وقدر المرض بقدر العلاج والصحة, وقدر الكسل بقدر النشاط والعمل. ويُذكر أن أبا عبيدة بن الجراح قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه حينما فرّ من الطاعون: أتفر من قدر الله؟ قال: «نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله «, أى يفر من قدر المرض والوباء إلى قدر الصحة والعافية .. ثم ضرب له مثلاً بالأرض الجدباء, والأرض الخصبة, وأنه إذا انتقل من الأرض الجدباء إلى الأرض الخصبة لترعى فيها إبله, فإنه ينتقل من قدر إلى قدر. لقد كان يمكن للرسول وصحابته أن يستكينوا كما يستكين الضعفاء الواهنون, معللين أنفسهم بالفهم المغلوط الذى يتعلل به الفاشلون, ولكنه جاء يكشف عن وجه الصواب فلم يهن, ولم يضعف, واستعان بالقدر على تحقيق رسالته الكبرى, ملتزمًا سنة الله فى نصره لعباده. فقاوم الفقر بالعمل, وقاوم الجهل بالعلم, وقاوم المرض بالعلاج, وقاوم الكفر والمعاصى بالجهاد, وكان يستعيذ بالله من الهم والحزن, والعجز والكسل.

стр. 88

وما غزواته المظفرة إلا مظهر من مظاهر إرادته العليا التى تجرى حسب مشيئة الله وقدره. وقد حذر رسول الله صلى الله علية وسلم من أن يفهم فهمًا خاطئًا, ودعا إلى مجاهدة من يرى هذا الفهم الخطأ. فقد روى عن جابر رضى الله عنه عن النبى صلى الله علية وسلم أنه قال: «يكون فى آخر الزمان قوم يعملون المعاصى, ثم يقولون: الله قدّرها علينا, الرّادّ عليهم يومئذ كالشاهر سيفه فى سبيل الله». هذا هو القدْر الذى ينبغى أن نعرفه عن القدَر, وما وراء هذه المعرفة عنه فلا يحل لنا البحث فيه ولا التنازع فى شأنه؛ فإن هذا من أسرار الله التى لا تحيط بها العقول, ولا تدركها الأفكار. فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله علية وسلم ونحن نتنازع فى القدر, فغضب حتى احمر وجهه, وقال: «أبهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من قبلكم حين تنازعوا فى هذا الأمر, عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه». وفى هذا يقول صلى الله علية وسلم لمن سأله فى مثل هذا: طريق مظلم لا نسلكه, كرر عليه السؤال فقال: بحر عميق لا تمجه, كرر عليه السؤال فقال: سر الله قد خفى عليك فلا تفشه .. فمثل هذا النهى إنما ينصب على السؤال عن نظام الله فى الحياة والموت, وبسط الرزق وضيقه, وهكذا .. لا على الكلام فى القدر نفسه. * حرية الإنسان: منذ أقدم العصور, أخذ الإنسان يفكر فى نفسه, وفى الكون المحيط به, وكانت حرية الإنسان إحدى القضايا التى تناولها عقله, وشغلت حيزًا كبيرًا من تفكيره, ولا تزال هذه القضية إلى يومنا هذا مثار جدل ومناقشة بين المفكرين

стр. 89

والفلاسفة, ولا يزال اهتمامهم بها اهتمامًا بالغًا, إذ أنها قضية تتعلق بحياة الإنسان, وتتصل بمصيره, فهو يبحث فيها, ويكد, ويجد فى البحث, علّه يهتدى إلى الحل الصحيح, كى يرسم لنفسه السلوك على ضوء الحل الذى يهتدى إليه. وبدهى أن الإنسان حينما حال الكشف عن وجه الصواب فى هذه القضية, وأراد البحث فيها, لم يجعل ميدان بحثه الأعمال الخارجة عن إرادته واختياره, ككونه أبيض, أو أسود؛ وككونه وُلد من هذا الوالد, أو ذاك؛ وكنبضات قلبه؛ وتنفسه؛ وجريان الدم فى عروقه .. فإن هذه الأشياء خارجة عن نطاق البحث, لأن الإنسان لا اختيار له فيها, وهى غير خاضعة لإرادته. وإنما اتجه الإنسان وهو بصدد البحث فى هذه القضية إلى الأعمال الإدارية التى تدخل فى نطاق الإرادة والاختيار, ومدى حريته فى ممارسة هذه الأعمال, مثل خروجه من البيت؛ واتخاذه طعامًا معينًا؛ ولبسه نوعًا من الملابس؛ وتفضيله لونًا من العلم, أو الكتابة؛ وممارسته حرفة من الحرف؛ وزيارته لغيره وهكذا فى كل عمل من الأعمال الاختيارية. وقد اختلفت الأنظار, وتضاربت الأفكار تضاربًا كادت تضيع معه معالم الحق. فمن قائل بأن الإنسان مسيّر (١) غير مخيّر, ومجبر على ممارسة نشاطه الاختيارى, وأنه كالريشة فى مهب الريح تتقاذفها ذات اليمن وذات الشمال. ومن قائل بأن الإنسان مخيّر (٢) غير مسيّر, ,انه يمارس أعماله الاختيارية بمحض إرادته ومشيئته. ومن قائل بأن الإنسان ليس له من أعماله إلا الكسب (٣) , أى أن الله يخلق

стр. 90

الشىء عند مباشرته, أى أن الله يخلق الشبع عند الأكل, ويخلق المعرفة عند الدراسة, وهكذا .. وليس للعبد إلا الكسب, وبه يصح التكليف والثواب والعقاب والمدح والذم. والذى نراه فى هذه القضية, ونختاره هو ما قرره الإسلام فيما يلى: * تقرير الإسلام حرية الإرادة: قرر الإسلام أن الإنسان خلق مزودًا بقوى وملكات واستعدادات, وهذه القوى يمكن أن توجه إلى الخير, كما يمكن أن توجه إلى الشر؛ فهى ليست خيرًا محضًا ولا شرًا محضًا, وإن كانت إرادة الخير فى بعض الناس أقوى, وإرادة الشر فى البعض الآخر أقوى, وبينهما تفاوت لا يعلمه إلا الله .. وفى الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة». وفى الحديث أيضًا: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة, خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا .. ». ويؤيد هذا قول الله عزوجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (١). أى أن الله خلق النفس مسوّاة ومُعتدلة قابلة للتقوى والفجور, ومستعدة للخير والشر. والله سبحانه زود الإنسان بالعقل الذى يميز به بين الحق والباطل فى العقائد, وبين الخير والشر فى الأفعال, وبين الصدق والكذب فى الأقوال. وأعطاه القدر التى يستطيع بها أن يحق الحق ويبطل الباطل, وأن يأتى الخير ويدع الشر, وأن يقول الصدق ويجانب الكذب, ورسم له منهج الحق

стр. 91

والخير والصدق بما أنزل من كتب, وبما أرسل من رسل, ومادام العقل المميز موجودًا والقدرة على الفعل صالحة, والمنهج المرسوم واضحًا, فقد ثبت للإنسان حرية الإرادة, واختيار الفعل. وعلى الإنسان أن ويجه قواه إلى ما يختاره لنفسه من حق أو باطل, ومن خير أو شر, ومن صدق أو كذب. وفى القرآن الكريم يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (١). أى هديناه وأرشدناه إلى طريق الحق والباطل, والخير والشر, والصدق والكذب, فهو إما يسلك السبيل الأهدى, فيكون شاكرًا, أو الطريق المعوج, فيكون كفورًا. وفى هذا المعنى أيضًا يقول القرآن الكريم: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٢)؛ أى الطريقين. وكل إنسان مسئول عن تهذيب نفسه وإصلاحها, حتى تصل إلى كمالها المقدّر لها, فإن إصلاحها وتزكيتها وتنميتها بالعلم النافع والعمل الصالح, هو سبيل فلاحها وفوزها برضا الله, والقرب من مشاهدة جلاله وجماله, كما أن إهمالها هو السبيل إلى خيبتها وخسرانها. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٣). ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (٤).

стр. 92

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١). ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢). والآيات التى تقرر حرية الإنسان كثيرة جدًا, منها قول الله عزوجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٣). فأسند العمل الصالح والعمل السىء إلى الإنسان, ولو لم يكن الإنسان حرًا ما أسند إليه الفعل. وفى موضع آخر من القرآن الكريم يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٤). أى أن الشرور التى تعرض للإنسان إنما هى أثر من آثار عمله ونتاج اختياره وتصرفه. وإن القرآن الكريم ليتحدث عن المفاسد والجرائم التى تحيط بالناس, فيبين أنها ليست من صنع الله, وإنما هى من عمل البشر. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥). وهذا الذى يُقرره القرآن الكريم, هو ما يشعر به الإنسان من نفسه, فهو يشعر بأنه يمارس أعماله الإرادية بمحض إرادته واختياره, فهو يفعل منها ما يشاء,

стр. 93

ويدع منها ما يشاء, وهو إذا فعل منها ما هو نافع استحق المدح, وإذا فعل ما هو ضار استوجب الذم, فلو لم يكن مختارًا لَمَا توجه إليه المدح على فعل ما هو نافع, ولَمَا توجه له الذم على فعل ما هو ضار. بل لو لم يكن الإنسان مختارًا لَمَا كان ثمّة فرق بين المحسن والمسىء, إذ أن كلاً منهما مُجْبر على ما يفعله؛ ولبطل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, إذ لا فائدة لهما, حيث إن الإنسان مسلوب الإرادة؛ ولَمَا كان ثمّة معنى لتكليف الله للعباد, لأن تكليفه إياهم مع سلب اختيارهم هو منتهى الظلم الذى يتنزه الله عنه, ويكون الأمر كما قال القائل: ألقاه فى اليم مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تَبْتَلّ بالماء بل لو كان الإنسان مُسيّرًا لضاعت فائدة القوانين, ولبطل الجزاء من الثواب والعقاب. وقد أراد المشركون أن يَحْتجّوا بمشيئة الله على شركهم؛ وأنه لو لم يشأ أن يكونوا مشركين لَمَا كانوا كذلك, فأبطل الله حجتهم ودَحَضها بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١). فالقرآن الكريم يرد على المشركين من وجهين:

стр. 94

الوجه الأول: أن الله أذاق الكافرين الأول بأسه, وأنزل بهم عقابه, فلو لم يكونوا مختارين للجرائم والمآثم, والكفر والشرك لَمَا عذبهم الله, لأن الله عادل لا يظلم مثقال ذرة. والوجه الثانى: أنهم زعموا ذلك عن جهل بالله, وجهل بدينه, وأنهم ليس عندهم من علم يمكن أن يستند إليه, ويرجع إليه, وإنما كفرهم هذا تمرد على دينه وافتيات على الحق الذى أنزله على ألسنة الرسل. وإذا كان الله قد عذب الأمم السابقة على كفرها, وإذا كان المشركون ليس لهم من حجة يحتجون بها, فقد تقرر أن دعوى المشركين دعوى ظنية لا تقوم عليها حجة, ولا ينهض بها دليل. وبذلك قامت حجة الله البالغة على هؤلاء, ولو شاء الله لأجبرهم على الهداية وإذن فلن يكونوا حينئذ من البشر, لأن البشر فطر على الحرية والاختيار. * مشيئة الرب ومشيئة العبد: وقد يقال: إذا كان الله منح العبد الحرية والاختيار فما معنى قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). فنقول: معناها أن الإنسان لا يشاء شيئًا إلا إذا كان فى حدود مشيئة الله وإرادته, فمشيئة البشر ليست مشيئة مستقلة عن مشيئة الله, والله قد شاء للإنسان أن يختار أحد الطريقين: طريق الهداية, أو طريق الضلالة.

стр. 95

فإذا اختار الطريق الأول, ففى نطاق المشيئة الإلهية, وإذا اختار الطريق الثانى ففى نطاقها أيضًا. وكل الآيات التى جاءت على هذا النحو فمعناها لا يتعدى ما ذكرناه. * الهداية والإضلال: وقد يقال أيضًا: لقد جاء فى القرآن الكريم: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١). أى أن الله يضل من يشاء إضلاله, وهيدى من يشاء هدايته, وإذا كان الله يضل ويهدى, فليس للعبد حرية الاختيار, والواقع أن الهداية والإضلال نتائج لمقدمات, ومسببات لأسباب. فكما أن الطعام يغذى, والماء يروى, والسكين تقطع, والنار تحرق. فكذلك هناك أسباب توصل إلى الهداية, وأسباب توصل إلى الضلال. فالهداية إنما ثمار عمل صالح. والضلال إنما هو نتائج عمل قبيح. فإسناد الهداية والإضلال إلى الله من حيث إنه وضع نظام الأسباب والمسببات لا أنه أجبر الإنسان على الضلال أو الهداية. وحينما نرجع إلى الآيات القرآنية نجد هذا المعنى بيّنًا وواضحًا, لا لبس فيه ولا غموض, فالله يقول:

стр. 96

﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (١). ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٢). ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٣). فهداية الله للناس بمعنى لطفه بهم, وتوفيقهم للعمل الصالح, إنما هى ثمرة جهاد للنفس وإنابة إلى الله, واستمساك بإرشاده ووحيه. ويقول القرآن الكريم فى الإضلال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤). ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٥). ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٦). ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٧). ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨).

стр. 97

﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (١). فنرى من هذه الآيات أن سبب الإضلال هو الزيغ, والخروج عن تعاليم الله والكبر, والجبروت, والتعالى على الناس بغير حق, ونقض عهد الله, وقطع ما أمر الله به أن يوصل, ووصل ما أمر الله به أن يقطع, والفساد فى الأرض, والكفر واقتراف الآثام. فهذه هى الأسباب التى أضلت الناس, وأخرجتهم عن منهج الحق لأنهم آثروا العمى على الهدى, واستحبوا الظلام على النور, فكان أن كافأهم الله فأصمهم, وأعمى أبصارهم بمقتضى نظامه فى ارتباط الأسباب بمسبباتها. وهذا ونحوه كثير فى كتاب الله, ومنه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢). فهؤلاء أهملوا منافذ العلم والعرفان وعطلوها عما خلقت له, فلم يصل إليها نور الحق. فقلوبهم غلف لا تعقل عن الله وحيه, وعيونهم عمى لا ترى الله فى ملكوته, وآذانهم صم لا تسمع آيات الله, فهم مثل الأنعام التى لا تنتفع بحواسها الظاهرة والباطنة, بل أضل من الأنعام, إذ الأنعام لم تزود بما زُوّد به الإنسان من قوى نفسية وعقلية وروحية.

стр. 98

الملائكة . * من هم الملائكة؟ * مم خلقوا؟ * فضل البشر على الملائكة. * طبيعتهم. * تفاوتهم. * عملهم فى عالم الأرواح. * عملهم فى عالم الطبيعة. * الإيمان بهم.

стр. 99

* من هم الملائكة: الملأ الأعلى - أو الملائكة - عالم لطيف غيبى غير محسوس, ليس لهم وجود جسمانى يُدرَك بالحواس, وهم من عوالم ما وراء الطبيعة, أو غير المنظورة التى لا يعلم حقيقتها إلا الله. وهم مطهرون من الشهوات الحيوانية, ومبرءون من الميول النفسية, ومنزهون عن الآثام والخطايا. والملائكة ليسوا كالبشر: يأكلون, ويشربون, وينامون, ويتصفون الذكورة أو الأنوثة؛ وإنما هم عالم آخر, قائم بنفسه, ومستقل بذاته, لا يتصفون بشىء مما يتصف به البشر من الحالات المادية, ولهم قدرة على أن يتمثلوا بصور بشرية, وغيرها من الصور الحسية, فقد جاء جبريل إلى السيدة مريم متمثلاً فى صورة بشرية: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ (١). ودخلت جماعة منهم على سيدنا إبراهيم فى صورة آدميين يحملون إليه البشرى, وظنهم ضيوفًا فقدم إليهم الطعام: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا (٢) إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٣) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ (٤)

стр. 100

وَأَوْجَسَ (١) مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ (٢) فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (٣). * مم خُلقوا ؟ والملائكة خلقهم الله من نور, كما خلق آدم من طين, وكما خلق الجانّ من نار؛ روى مسلم عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «خُلِقت الملائكة من نور, وخُلق الجانّ من مارج من نار, وخُلق آدم مما وصف لكم». ومسكنهم السماء, وينزلون منها بأمر الله. روى أحمد والبخارى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» قال: فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ (٤). وخلقهم متقدم على خلق الإنسان, وقد أخبرهم الله بأنه سيخلفه ويجعله خليفة فى الأرض.

стр. 101

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (١). * البشر أفضل منهم: والظاهر أن البشر أفضل من الملائكة, كما هو واضح فى عجزهم عن الإجابة على الأسماء التى عرضها الله عليهم, بينما أجاب آدم إجابة صحيحة, فشرف العلم الذى خصه الله به, وامتاز عليهم فى معرفة الأشياء وإداكها. وكذلك فى أمر الله للملائكة بالسجود لآدم ما يفيد تفضيله عليهم. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). ومن جانب آخر, نرى أن طاعة الملائكة جبلية, وتركهم للمعصية لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم. فأى فضل لهم فى الطاعة, وترك العصيان, مع أن ذلك يقع منهم وقوعًا اضطراريًا, كما ينبض القلب, ويجرى الدم, وتتنفس الرئتان؛ بينما الإنسان يجاهد النفس,

стр. 102

ويصارع الهوى, ويحارب الشيطان, ويتكلف الطاعة, ويسعى جاهدًا فى تكميل نفسه, وترقية روحه رغبًا ورهبًا. * طبيعتهم: وطبيعة الملائكة الطاعة التامة لله, والخضوع لجبروته, والقيام بأوامره, وهم يتصرفون فى شئون العالم بإرادة الله ومشيئته, وهو سبحانه يدبر بهم ملكه, وهم لا يقدرون على شىء من تلقاء أنفسهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١). ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٢). ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣). روى البخارى أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا (٤) لقوله, كـ أنه صلصلة (٥) على صفوان, فإذا فُزِّع (٦) عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال الحق, وهو العلى الكبير».

стр. 103

* تفاوتهم: وهم يتفاوتون فى الخلق, كما يتفاوتون فى الأقدار تفاوتًا لا يعلمه إلا الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). أى أن الله جعل الملائكة أصحاب أجنحة (٢) , فمنهم من له جناحان, ومنهم من له ثلاثة, ومنهم من له أربعة, ومنهم من يزيد على ذلك؛ وهذا مظهر التفاوت فى الأقدار عند الله والقدرة على الانتقال. روى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله علية وسلم رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح. وكثرة الأجنحة دليل القدرة على السرعة فى تنفيذ أوامر الله وتبليغ رسالته. ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (٣). قال ابن كثير: وما من ملك إلا له موضع مخصوص فى السماوات, ومقامات العبادات لا يتجاوزه, ولا يتعداه.

стр. 104

وقال ابن عساكر فى ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن ابن العلاء ابن سعد عن أبيه - وكان ممن بايع يوم الفتح-: إن رسول الله صلى الله علية وسلم قال يومًا لجلسائه: «أطّت السماء وحُقّ لها أن تئط, ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد .. ثم قرأ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ *وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (١)». * عملهم: وللملائكة عمل فى عالم الأرواح, وعمل فى عالم الطبيعة, ولهم صلة خاصة بالإنسان. * عملهم الروحى: ف عملهم فى عالم الأرواح يتلخص فيما يلى: ١ - التسبيح والخضوع التام لله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢). ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (٣).

стр. 105

٢ - حمل العرش: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (١). ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (٢). ٣ - التسليم على أهل الجنة: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (٣). ٤ - تعذيب أهل النار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤). ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً﴾ (٥). ٥ - النزول بالوحى: وملك الوحى, هو جبريل ﵇ , قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٦).

стр. 106

ويسمى الروح الأمين, قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١). ويسمى روح القدس, قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٢). ويسمى أيضًا بالناموس, كما قل ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله علية وسلم فى أول عهده بالوحى: لقد جاءك الناموس الذى نزّل الله على موسى. ويأتى جبريل ﵇ أحيانًا فى صورة بشر, وأحيانًا فى مثل صلصة (٣) الجرس. روى البخارى عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل الرسول صلى الله علية وسلم فقال: يا رسول الله, كيف يأتيك الوحى؟ فقال: «أحيانًا يـ أتينى مثل صلصلة الجرس, وهو أشده علىّ, فيفصم (٤) عنى وقد وعيت عنه (٥) ما قال .. وأحيانًا يتمثل فى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول»؛

стр. 107

قالت عائشة رضى الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه, وإن جبينه ليتفصد عرقًا. وفى الحديث الذى أخرجه ابن أبى دنيا والحاكم عن ابن مسعود, أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «إن روح القدس نفث فى روعى أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها, فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب». * عملهم فى الطبيعة ومع الإنسان: وللملائكة عمل فى تدبير أمور الكون من إرسال الرياح والهواء, ومن سوق السحب وإنزال المطر, ومن إنبات النبات, ونحو ذلك من الأعمال الخافية على الأنظار التى لا تقع تحت الحواس. وهم يلازمون الإنسان فى حياته كلها, وبعد مماته, يقول الرسول صلى الله علية وسلم: «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء, وعند الجماع, فاستحيوهم وأكرموهم». ١ - تنشيط القوى الروحية الكائنة فى الإنسان بإلهام الحق والخير: عن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «إن للشيطان لمة (١) بابن آدم, وللملك لمة, فـ أما لمة الشيطان, فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق, وأما لمة الملك, فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد من ذلك شيئًا, فليعلم أنه من الله, وليحمد الله, ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان .. ثم قرأ:

стр. 108

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)». ٢ - دعاء الملائكة للمؤمنين: والله سبحانه لسعة مغفرته, ولحبه لعباده, يلهم ملائكته أن يضرعوا إليه بالدعاء, ويسألوه برحمته التى وسعت كل شىء, وعلمه الذى وسع كل شىء, أن يغفر للتائبين, ويدخلهم فى عباده الصالحين. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) وروى مسلم أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان يدعوان, يقول أحدهما: اللهم أعط ممسكًا تلفًا, ويقول الآخر: اللهم أعط منفقًا خلفًا». ٣ - تأمينهم مع المصلين: والملائكة تؤمن من المصلين, فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله علية وسلم قال:

стр. 109

«إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (١) فقولوا: آمين (٢) , فإن الملائكة يقولون: آمين, وإن الإمام يقول: آمين, فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣). ٤ - حضورهم صلاة الفجر والعصر من كل يوم: روى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله علية وسلم قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة, وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر» (٤) , يقول أبو هريرة رضى الله عنه: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ (٥) إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ (٦). وروى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسـ ألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (٧). ٥ - نزولهم عند قراءة القرآن الكريم: وهم ينزلون عند قراءة القرآن الكريم، ويستمعون إليه .. فعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن أسيد بن حضير بينما هو فى ليلة يقرأ

стр. 110

فى مربده (١) إذ جالت (٢) فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا .. قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسى، فيها أمثال السُّرُج عرجت فى الجو حتى ما أراها، فقال: فغدوت على رسول الله صلى الله علية وسلم فقلت: يا رسول الله، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ فى مربدى إذ جالت فرسى، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم: «اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرٍ»، قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم: «اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرٍ»، قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم: «اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرٍ»، قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبًا منها خشيتُ أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت فى الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم: «تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ» (٣). ٦ - حضورهم مجالس الذكر: وهم يلتمسون حلقات الذكر لإمدادهم بالقوى الروحية .. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علية وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِى الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِى؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِى؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ
следующие страницы →