← Фикх шафии

Фикх шафии · id 8648

فتاوي الخليلي على المذهب الشافعي

محمد الخليلي

Полный текст (525 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة] الحمد لله الذي تفرد بالوحدانية فلا له ثان، وفرق بين الحق والباطل وعلم كل قاص ودان، وألهم العلماء لجواب السؤال بلا توان، ومنحهم أسباب النوال، وبلغهم الأماني، فسبحانه وتعالى على أن وفقني للخير وهداني. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو الباقي وكل شيء فان، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله النبي العربي القرشي العدناني، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين شيدوا من الدين المباني، وأظهروا الشريعة الغراء ووضحوا لها المعاني، وعلى من تبعهم وسلك سبلهم وطريقتهم من كل عزيز وقوي وعان، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ملازمة الغريم للجاني، وعدد ما قرئ: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني﴾ (وبعد) فإن العلماء ورثة الأنبياء ومعالم للهدى، ومصابيح للدجى، ونجوم للاهتدا، وصقال للصدا، وسلاح للأعدا، وحجة لمن اعتدى، زادهم الله تعالى شرفا وتعظيما، ومنحهم عزا وإجلالا ومهابة وتكريما، خصهم الله تعالى بالشرف والعلا بين الأنام

стр. 2

وجعلهم قبلة ومنهاجا لدار السلام، تتشرف الأرض بمواطئ أقدامهم، وتنزل الرحمة عند دروسهم وتقريرهم، ولولاهم لكانت الناس بالدين جهالا، وأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا إضلالا، ولقد غاصوا في مسالك الفقه وساروا، وداروا على مسائله وجدا وهاموا، وبينوا المسائل الفقهية أحسن تبيين، وأظهروا ما خبئ وخفي عن الغبيين، وردوا خصم الخصوم المخالفين، وأقاموا صحة الحجج والبراهين، فأحاطوا بأحكام حرامه وحلاله، ورشفوا من غوامض مائه وزلاله، ووضحوا العبارة بلباب العقول والنقول، واعتمدوا على كل قول صحيح صواب مقبول، على منهج الطريق الواضح المستقيم، غير متعرضين لكلام ضعيف ولا مين ولا ذميم، وأن ما يشتغل به العاقل اللبيب، الكامل الأديب، التفقه في دينه، والاجتهاد في فهمه وتبيينه؛ لأجل إنقاذه من الجهل المهين له في زمانه وحينه، وليعرف الحلال من الحرام والحرام من الحلال، وليحوز الخير الجزيل المتين؛ لقوله ﷺ : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. ولما كانت الفتوى من أهم ما بها يعتنى، وأجل ثمر يقتطف ويجتنى؛ لكونها من فروض الكفايات، ولعدم الاستغناء عنها في وقت من الأوقات، ولم تزل العلماء الأعلام المفتيون، يقيدون ما يقع لهم من الأسئلة والأجوبة ويجمعون، ومن كتب ما وقع له في لياليه وأيامه، فقد كتب كتابا إلى من يأتي بعده بحوادث دهره وأعوامه، ومن قيد ما رأى وشاهد في أوقاته ودهره، فقد أشهد أحوال عصره لمن لم يكن في عصره، ولقد أفادنا الماضون قبلنا بالأخبار، وأطلعونا على ما دثر وبقي من الآثار، فأبصرنا ما لم نشاهده بالأبصار، وأحطنا بما لم نحط به خبرا من الأخبار، فرحمنا الله تعالى ورحمهم أجمعين، وبوأنا وإياهم جنات عدن فيها خالدين، لقد غرسوا حتى أكلنا وإنا لنغرس حتى يأكل من بعدنا، ويستفيدون ما رأينا وشاهدنا، ويعلمون ما شهدنا وعهدنا، والناس لهم في الفنون مراتب ومقامات، ولهذا رفع بعضهم فوق بعض درجات، وما ذاك إلا فضل من المولى الكريم المتعال، يؤتيه لمن يشاء من عباده ويكسوه ثوب الإجلال، ولقد اهتم العلماء في جميع الوقائع غاية الاهتمام، واجتهدوا في حفظها لينتفع بها من بعدهم من الأنام، حتى صارت كتبا عديدة يرجع إليها، ودواوين فريدة يعتمد عليها، وبراهين غزيرة يتمسك بها، لما فيها من الأحوال النادرة والفروع الشاردة لا تكاد توجد مسطرة إلا على الندور، ولا يلتقي مثلها في الكتب المبسوطة غالبا إلا في العتور. وقلوب أهل هذا الزمن مائلة إليها، ومعولين في الجواب عليها، قال العبد الفقير

стр. 3

إلى مولاه الغني القدير، السيد أحمد بن أمين الدين البسطامي، المتشرف بإفتاء السادة الشافعية بنابلس المحمية لما انتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، شافعي زمانه، فريد عصره وأوانه، كهف الإسلام والمسلمين، عمدة الفقهاء والمحدثين، شيخ الإفتاء والتدريس، ومحل الفروع والتأسيس، من هو تابع لمذهب الإمام الأعظم الشافعي ابن إدريس، شيخي وأستاذي عمدتي واستنادي، وقدوتي إلى الله تعالى المرحوم المغفور له إن شاء الله تعالى الشيخ محمد الخليلي، نزيل القدس الشريف، أمطر الله تعالى عليه صبيب الرحمة والرضوان، وأسكنه وإيانا أعلى فراديس الجنان، وكان ﵀ قيد في مسودة شريفة بعض ما وقع له من الأسئلة وما أجاب عليها، فأرسلت طلبتها من ولده مفخر السادات وعين السيادات، الحائز قصب السبق إلى رتب الكمالات، من هو كاسمه فالح وناجح، مولانا السيد محمد الصالح، وفقه الله تعالى للعمل الصالح، وبلغه ما أمل من جميع المصالح، فأجابني لما طلبت، وبلغني ما أملت، وأرسها لي وما ونى، وحملني له بذلك أجل الثناء، فرأيتها فوائد ثمينة، وفرائد يتيمة، وجواهر مضيئة، وبدورا مستضيئة، حقيق أنها بماء العيون ترسم، وبمداد العسجد ترقم، وتكتب في صحائف الورق فضلا عن الورق، بأحسن خط من كتب وورق، فجزاه الله تعالى جزاء وافيا موفورا، وجعل عمله متقبلا وسعيه سعيا مشكورا، فما كل من فعل أجاد في فعله، ولا كل من قال وفى بقوله، والخلائق في الفضائل يتفاوتون، وقد يظفر الأواخر بما ترك الأولون. وقد جمعت مسائل مهمة كثيرة الوقوع، وفوائد جمة ظاهرة الطلوع، وواقعات شهيرة ومنقولات عزيرة، وأبحاثا مطنبة وجيزة، ينتفع بها الصغير والكبير، ويرتاح بالأخذ منها المأمور والأمير، وتكون عونا لمن بمنصب الإفتاء بلي، وسلك في فتواه منهاج الاستقامة وكفي، وبمطالعتها الغباوة والغشاوة تنجلي؛ ولكونها من وقائع أهل هذا الزمن والأوان، لا يمل قارئها مع توالي الملوان، خالية عن الكلام المعمى، سالمة من الألحان والمغمى، فاستخرت الله تعالى كثيرا، واتخذته هاديا ونصيرا، بيضتها وجمعتها، وعلى أبواب متن الفقه رتبتها، وحذفت منها بعض أسئلة مكررة، وأجوبة مطولة، وبدأتها أول بما يتعلق بالتفسير ثم بالحديث ثم بالنحو ثم بالتوحيد ثم بأبواب الفقه على الترتيب، ثم ختمتها ببابين؛ الأول بما يتعلق بالتصوف، والثاني مسائل منثورة وسميتها بالفتاوى المحمدية الخليلية، في واقعات السادة الشافعية، نويت

стр. 4

بذلك الأجر والثواب من الكريم الملك الوهاب؛ ولتكون سببا لنجاتي من العقاب؛ وطمعا بعدي في دعوة عبد صالح مجاب بعد انتقالي من هذه الدار لدار الثواب. ولنذكر نبذة من مناقب المصنف - رحمه الله تعالى-: كان رضي الله تعالى عنه كهفا في العلوم، بحرا في المنطوق والمفهوم، صاحب كرامات ظاهرة، ومقامات عالية وعبارات باهرة، وإشارات سامية، وحقائق زاهرة، وأنفاس نامية، وهمم متوايلة، وأحوال خارقة، وأسرار ناطقة، وأفعال صادقة، ونفحات قدسية، ومعارف روحانية، وفتوح ملكوتية، ورياضات ومجاهدات أبرز الله تعالى له المغيبات، وخرق له العادات، وكشف له المواد الخفيات، وقصد لحل المشكلات، ويسر له فعل الطاعات، ووفقه لأداء الفرائض في أول الأوقات، وكان مجلسه كمجالس الأنبياء عليه وقار وهيبة، وأوهبه الله تعالى العز والوقار والبهاء والكمال والفخر والافتخار. وكان صدرا في المجالس، وإذا تكلم بشيء يرجع الكل إلى قوله وكلامه، وأوقع الله تعالى له القبول التام في الصدور، والمهابة والقبول في قلوب العالم، وألقى الله تعالى هيبته في قلوب الكفار، خصوصا بلاد النصارى؛ كانوا يحسبون حسابه، ويخافون سطوته وبأسه، وأجمع أهل الآفاق على جلالته وفضيلته، وقصدوه بالزيارة من سائر الأقطار، وكان جمع الله تعالى له علم الحقيقة والطريقة والشريعة، وانتهت إليه الطريقة في ترتيب المريدين الصادقين. وكان وعظه يطرب السامعين وينعش الناظرين، ويحيي القلوب الميتين، وكان من طريقته إسقاط الجاه وترك التصنع، واستعمال الإخلاص، محبا لأهل الصلاح، مهتما بأمور المسلمين، معظما للفقراء والمساكين، حسن الخلق، شديد الهمة، كامل الأدب وافر العقل كثير التواضع، معمور الباطن، بحرا في الكلام بالسجع والنثر والشعر والانتظام. وقد مدحه العلامة المرحوم السيد محمد ابن المرحوم السيد عبد الرحيم اللطفي رحمهما الله تعالى المفتي بالقدس الشريف حين أضافه في كرمه بمدينة السيد الخليل عليه صلوات الملك الجليل حيث قال: إمام الفضل مولانا الخليلي ... فريد العصر والعلم الجليلي حباه ربه لطفا وعلما ... لحل المشكلات مع الدليل إذا وافيته تلقاه صدرا ... رحيبا بالمكارم للنزيل أتيناه بكرم أرض حبرى ... فحيانا وأحيا بالجميل وحملنا لطائف مذ حللنا ... وأمنحنا من الخير الجزيل فاوفه يا إلهي غيث بر ... ونكس أنف مبغضه الرخيل توفي رضي الله تعالى عنه في نصف شهر جمادى الثانية سنة سبعة وأربعين ومائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألفا ألف صلاة ألفا ألف تحية، ودفن رضي الله تعالى عنه في المدفن الذي بداخل خلوته المجاورة للسلطانية بداخل المسجد الأقصى، وصار له مشهد عظيم ما وقع لأحد في هذا الزمن، وعلى ضريحه من النور والبهاء والاحترام والوقار والجلال ما يليق بجنابه الكريم. وقال بعض من رثاه: رحل الخليلي للديار الباقية ... من هذه الدنيا الدنية الفانية مولاه ناداه فلبى طائعا ... متشرفا جنات عدن عالية قد كان في القدس الشريف ككوكب ... يضيء كالقمر المنير علانية قد كان ذا علم وذا حلم وذا ... فضل كأمواج البحار الطامية قد كان بحرا في العلوم مفضلا ... للدين حصنا كالسلاح الماضية قد كان للإسلام عزا ناصحا ... أوقاته مثل النجوم الزاهية قد كانت الكفار تخشى بأسه ... وتخاف سطوته اللئام الطاغية يا قدس زيدي في النحيب وفي البكاء ... وجميع حولك أن يكونوا ناعية طرف الأراضي انتقص لفراقه ... دليل هذا فالقيامة غاشية قد غاب واأسفاه عنا في الردى ... قادم على محيي العظام البالية إن قيل في الأجداث غاب فإنه ... في روضة حسناء تجلو سامية يا رب بالمختار فاجمعنا به ... في جنة فيها قطوف دانية ويقول رضوان لنا هذا بما ... أسلفتموه في الأيام الخالية مولاي فارحمه ونعمه وأكرمـ ... ـه وأسكنه القصور العالية جنات عدن زخرفت لقدومه ... جوزي من الرحمن خيرا وافية لما أصبنا فيه ارخ همه ... قرب الرحيل من الديار الفانية سنة ١١٤٧/ ٥٠ باب ما يتعلق بتفسير القرآن العظيم مطلب في: بسم الله الرحمن الرحيم، أهي من الفاتحة إلخ ؟ (سئل) عن بسم الله الرحمن الرحيم: هل هي من الفاتحة، وهل هي آية من أول كل سورة إلا براءة؟ (أجاب) اختلفوا في البسملة: فذهب قراء البصرة والمدينة وفقهاء الكوفة إلى أنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور؛ والافتتاح بها للتيمن والتبرك. وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها من الفاتحة وليست من سائر السور. وقيل: آية من كل سورة إلا سورة التوبة، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي؛ لأنها كتبت في المصحف بخط سائر القراء، واتفقوا على أن الفاتحة

стр. 5

سبع آيات، فالآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. روي في الخبر الصحيح عن سعيد بن جبير: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾: هي أم القرآن، قال أبي: وقرأها على سعيد بن جبير حتى ختمها، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة، قال سعيد: قرأها عليَّ ابن عباس كما قرأتها عليك. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة. قال ابن عباس: فدخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم. وروي عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ لا يعرف ختم السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. وعن ابن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، وقال الشعبي: كان رسول الله ﷺ يكتب في بدء الأمر على رسم قريش: باسمك اللهم، حتى نزلت: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾، فكتب: بسم الله، حتى نزلت: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ فكتب: بسم الله الرحمن، حتى نزلت: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فكتب مثلها. ذكره البغوي في تفسيره. وإنما لم تكتب في أول براءة؛ لأن براءة نزلت بالسيف والبسملة للرحمة، فلا تناسبها، والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ إلخ (سئل) في قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ ما معنى ذلك؟ (أجاب) المعنى ﴿أورثنا﴾: أعطينا؛ لأن الميراث إعطاء، وقيل: ﴿أورثنا﴾: أخرنا، ومنه الميراث؛ لأنه تأخر عن الميت، ومعناه أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهلناكم له، ﴿الذين اصطفينا من عبادنا﴾ قال ابن عباس: يريد أمة محمد ﷺ قسمهم ورتبهم. واختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق، قال عقبة بن صهبان: سألت عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ فقالت: يا بني، كلهم في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا. وقال مجاهد والحسن وقتادة: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ وهم أصحاب المشئمة، ﴿ومنهم مقتصد﴾ هم أصحاب الميمنة ﴿ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ هم السابقون المقربون من الناس كلهم. وعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن الخالص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر نعمة الله غير الجاحد لها؛ لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة، فقال: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾. وقال الحسن: السابق: من رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد: من استوت حسناته وسيئاته، والظالم: من رجحت سيئاته على حسناته، وقيل: الظالم: من كان ظاهره خيرا من باطنه والمقتصد

стр. 6

الذي يستوي ظاهره وباطنه، والسابق: الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: الظالم: من وحد الله تعالى بلسانه، ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد: من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق: من وحد الله تعالى بلسانه وأطاعه بجوارحه، وأخلص له عمله، وقيل: الظالم: التالي للقرآن، والمقتصد: القارئ له العامل به، والسابق: القارئ له العامل بما فيه. وقيل: الظالم: أصحاب الكبائر، والمقتصد: أصحاب الصغائر، والسابق: الذي لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة. وقال سهل بن عبد الله: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل. انتهى بغوي. والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ إلخ . (سئل) عن معنى قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ فما الذي هو من المتقين؟ (أجاب) قال ابن عباس: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ يعني رسول الله ﷺ ، جاء بلا إله إلا الله ﴿وصدق به﴾ الرسول أيضا، بلغه إلى الخلق. وقال السدي: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ جبريل بالقرآن ﴿وصدق به﴾ محمد ﷺ ، تلقاه بالقبول. وقال أبو العالية والكلبي: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ رسول الله ﷺ ﴿وصدق به﴾ أبو بكر. وقال قتادة ومقاتل: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ رسول الله ﷺ ﴿وصدق به﴾ المؤمنون؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك هم المتقون﴾. وقال عطاء: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ الأنبياء ﴿وصدق به﴾ الأتباع، والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ إلخ . (سئل) عن قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ ما معنى ذلك؟ (أجاب) يقال: للإنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس وتبقى الروح. وعن علي قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ويقال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها، فللإنسان نفسان: نفس الروح وهي التي تقبض عند فناء أكلها وانقضاء أجلها، ونفس الحياة التي يتوفاها عند النوم وهي بها العقل والتمييز، ولأنه بعد النوم يتنفس، والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ إلخ . (سئل) عن قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ ما معنى ﴿أولو العزم﴾؟ وكم هم؟ (أجاب) قال ابن عباس: أولو العزم: أي الحزم، وقال الضحاك ذوو الجد والصبر. واختلفوا فيهم، فقال ابن زيد: الرسل كانوا أولو عزم، لم يبعث الله نبيا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل. قال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس؛ لعجلة كانت معه، ألا ترى أنه قيل للنبي- ﷺ : ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾.

стр. 7

وقال قوم: نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر؛ لقوله تعالى بعد ذكرهم: ﴿أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده﴾ وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين، وقيل: هم ستة: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر في البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر. وقال ابن عباس وقتادة: هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع محمد ﷺ خمسة، والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ . (سئل) عن قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل﴾ الآية، ما معنى ذلك؟ (أجاب) قال ابن عباس ﵄: [نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس لما قال للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال النبي ﷺ : من الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في وجوه القوم، فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين، فنزلت في ثابت هذه الآية. وقال مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله ﷺ بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العاص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا، وقال سهيل بن عمر: إن يرد الله شيئا، وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء، فأتى جبريل، فأخبر رسول الله ﷺ بما قالوا فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله هذه الآية، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء فقال: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ يعني آدم وحواء أي أنكم متساوون في النسب ﴿وجعلناكم شعوبا﴾ جمع شعب بفتح الشين، وهي رءوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، سموا شعوبا لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة. والقبائل: هي دون الشعوب واحدتها قبيلة وهي كبكر وربيعة وتميم من مضر دون القبائل، العمائر واحدها عمارة بفتح العين، ودون العمائر البطون، ودون البطون الأفخاذ، ثم الفصائل ثم العشائر، وقيل: الشعوب من العجم والقبائل من العرب والأسباط من بني إسرائيل. وقال أبو روق: الشعوب: الذين لا ينتسبون إلى أحد بل إلى المدائن والقرى، والقبائل: العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم، فأخبر الله أن أرفعهم منزلة عنده أتقاهم، روي أنه ﷺ قال: الحسب المال، والكرم

стр. 8

التقوى. وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. وقال رسول الله ﷺ : [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ . (سئل) ما معنى قوله : ﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن﴾؟ (أجاب) قال قتادة: يعني لا يستغني عنه أهل السماء والأرض، وقال ابن عباس: أهل السماوات يسألونه المغفرة وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة. وقال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت، وقال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويعز قوما ويذل قوما ويشفي مريضا ويفك عانيا ويفرج مكروبا ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء. وروي عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابته نور ينظر الله كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾. قال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله تعالى يومان: أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه في اليوم الذي هو مدة الدنيا: الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب. وقيل: شأنه جل ذكره أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر: عسكرا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبور، ثم يرتحلون جميعا إلى الله . وقال الحسن بن الفضيل: هو سوق المقادير إلى المواقيت، وقال أبو سليمان الداراني في هذه الآية: له كل يوم إلى للعبيد بر جديد. والله تعالى أعلم. مطلب في: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ . (سئل) عن معنى قوله تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾. (أجاب) اختلفوا في نون، قال ابن عباس: هو الحوت الذي على ظهره الأرض واسمه بهموت، وقيل: ليوثا، وقيل: بلهوث، ولما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره، فتحرك النون، فمادت الأرض، فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض. وقالت الرواة: لما خلق الله تعالى الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، ثم ضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه، فلم تستقر قدماه، فأخذ ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت قدماه، وقرن ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخراه في البحر، فهو يتنفس كل

стр. 9

يوم نفسا، فإذا تنفس مد البحر وإذا رد نفسه زجر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: ﴿فتكن في صخرة﴾، ولم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة، يقال: إن الدنيا كلها بما عليها حرفان، قال لها الجبار: كوني، فكانت. قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس له فقال له: أتدري ما على ظهرك يا لوثا من الأمم والدواب والشجر والجبال، لأن نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهم لوثا أن يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة فدخلت منخره فدخلت إلى دماغه، فعج الحوت إلى الله تعالى، فأذن لها فخرجت. قال كعب: والذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت. وقال الحسن وقتادة والضحاك: النون الدواة والقلم هو الذي كتب الله به الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض، ويقال: أول ما خلق الله تعالى القلم ونظر إليه انشق نصفين ثم قال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك، والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلخ . (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلى قوله: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾؟. (أجاب) تكويرها ذهاب ضوئها، وقيل: اضمحلالها. وقال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي أكورها كورا وكورتها تكويرا إذا لففتها ومعناه: أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها. قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضرمها فتصير نارا. قوله تعالى: ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾. أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض يقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشه. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما فلا يبقى نجم إلا وقع. قوله تعالى: ﴿وإذا الجبال سيرت﴾ عن وجه الأرض، فصارت هباء منثورا. ﴿وإذا العشار عطلت﴾ وهي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشر أشهر واحدتها عَشْرَا، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال عند العرب ﴿عطلت﴾: تركت مهملة بلا راع، أهملها أهلها وكانوا لازمين لأذنابها، ولم يكن لهم مال أعجب إليهم منها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ يعني ذوات البر، جمعت بعد البعث ليقتص بعضها من بعض، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حشرها موتها، وقال: حشر كل شيء الموت إلا الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة. ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال ابن عباس: أوقدت

стр. 10

فصارت نارا تضطرم، وقيل: صارت مياهها بحرا واحدا من الحميم لأهل النار، وقال الحسن: يبست وقال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة. وروي عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض فحركت واضطربت، وفزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في بعض، فذلك قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ واختلطت ﴿وإذا العشار عطلت﴾، ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: قالت الإنس والجن: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هي نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. وعن ابن عباس أيضا قال: هي اثنتا عشرة خصلة ست في الدنيا وست في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سئل عن هذه الآية، قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار. وقال عطاء ومقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين. وروي عن عكرمة قال: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ ردت الأرواح في الأجساد. ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ وهي الجارية المدفونة حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيوئدها، أي يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تدفن البنات حية مخافة العار والحاجة، وعن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت وآن أوان ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلاما حبسته. وقيل: كان الرجل إذا ولدت له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء وقد حفر لها حفيرة فليقيها فيها ويهيل التراب عليها، وقيل غير ذلك. وقوله: ﴿سئلت بأي ذنب قتلت﴾ معناه تسأل الموءودة: بأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها؛ لأنها تقول: قتلت بغير ذنب. قوله تعالى: ﴿وإذا الصحف نشرت﴾. يعني صحائف الأعمال تنشر للحساب. ﴿وإذا السماء كشطت﴾ أي: نزعت فطويت، وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف، وقال مقاتل: تكشف عمن فيها. ﴿وإذا الجحيم سعرت﴾ أي: أوقدت لأعداء الله تعالى. ﴿وإذا الجنة أزلفت﴾ قربت لأولياء الله تعالى. ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ أي: من خير أو شر، وهذا جواب لقوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ وما بعدها والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ . (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين﴾؟. (أجاب) قال

стр. 11

ابن عباس: التين هو تينكم هذا الذي تأكلون، والزيتون هو زيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت، قيل: خص التين بالقسم؛ لأنه فاكهة مخلصة لا عجم لها يشبه فواكه الجنة، والزيتون شجرة مباركة جاء به الحديث وهو ثمر ودهن يصلح للإصباح والاصطباح. وقال عكرمة: التين والزيتون جبلان، وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس؛ لأنهما ينبتان التين والزيتون. وقال الضحاك: هما مسجدان بالشام. قال ابن زيد: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس، وقال محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب أهل الكهف، والزيتون: مسجد إيليا، وطور سيناء هو الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى ﵊. و ﴿البلد الأمين﴾: مكة يأمن فيها الناس في الجاهلية والإسلام، وهذه أقسام وجوابها: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ أي: أعدل قامة وأحسن صورة، وذلك أنه تعالى خلق كل حيوان منكبا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، مزينا بالعقل والتمييز. والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾. إلخ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾؟ وهل ورد: قراءة "إذا زلزلت" تعدل نصف القرآن؟. (أجاب) الذرة وزن نملة صغيرة أصغر ما يكون من النمل. وقال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرا أو شرا في الدنيا إلا أراه الله يوم القيامة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر الله سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذبه بسيئاته. قال محمد بن كعب في هذه الآية ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾: من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير. ﴿ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر. روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إذا زلزلت الأرض﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن , و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن. والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ إلخ . (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾؟ (أجاب) قال ابن عباس: هم المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة، ومعناهما واحد، وقال مقاتل: الهمزة: الذي يعيبك في الغيب، واللمزة: الذي يعيبك في الوجه، وقال سعيد بن جبير وقتادة: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم واللمزة: الطعان عليهم. وقال ابن زيد: الهمزة: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم واللمزة: الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ إلخ . (سئل) ما المراد بـ بالماعون في قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾؟. (أجاب) روي عن علي رضي الله عنه

стр. 12

أنه قال: هي الزكاة، وهو قول ابن عمر والحسن وقتادة والضحاك، وقال عبد الله بن مسعود: ﴿الماعون﴾: الفأس والدلو والقدر وأشباه ذلك، وقال مجاهد: ﴿الماعون﴾: أعلاها الزكاة المفروضة، وأدناها عارية المتاع، وقال محمد بن كعب: المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم. وقيل: الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ إلخ . (سئل) عن قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ فهل هذا دليل على جواز الضحك من غير سبب مثلا وما معنى ذلك؟ (أجاب) المعنى: أن كل ما يعمله الإنسان بقضاء الله تعالى وخلقه حتى الضحك والبكاء، وأنه أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار، وقال الضحاك: أضحك الله تعالى الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر. وقال عطاء: يعني أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء. روي أنه قيل لجابر بن سمرة: كنت تجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم، وكان أصحابه يجلسون فيتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا - يعني النبي ﷺ . وقال معمر عن قتادة: سئل عمر: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿عند سدرة المنتهى﴾ إلخ (سئل) عن قوله تعالى: ﴿عند سدرة المنتهى﴾ فما صفتها؟ (أجاب) روي عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها. وروي في حديث المعراج: " ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا إبراهيم فسلمت عليه ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة". والسدرة: شجرة النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى؛ لأنه إليها ينتهي علم الخلائق. وروي أن ابن عباس ﵄ سأل كعبا عن سدرة المنتهى، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رءوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. وروي أنه يسير الراكب في ظل الغصن منها مائة عام، ويستظل بالغصن منها مائة ألف راكب، فيها فراش من ذهب كأن ثمرها القلال، وقال مقاتل: هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان لو أن ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة﴾. إلخ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين﴾؟ هل نزل القرآن جملة واحدة؟ أم مفرقا؟ وهل المراد بهذه الليلة ليلة القدر أو غيرها؟ (أجاب) قال قتادة وابن زيد: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب

стр. 13

إلى سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على النبي ﷺ نجوما في عشرين سنة، وقال آخرون: هي ليلة النصف من شعبان. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ينزل الله جل ثناؤه ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لكل نفس إلا إنسانا في قلبه شحناء أو شركا بالله " وفي هذه الليلة ﴿يفرق﴾ أي: يفصل ﴿كل أمر حكيم﴾. قال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج يقال: حج فلان، ويحج فلان. وقال الحسن ومجاهد: يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل وعمل وخلق ورزق وما يكون في تلك السنة. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء من الأموات فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد. وروي أن رسول الله ﷺ قال: " تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الزوج لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى، وعن ابن عباس: إن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿من كان يريد العزة﴾ إلخ . (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾؟. (أجاب) قال الفراء: معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعا. وقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله تعالى، معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة، أي: فليطلب العزة من عند الله تعالى بطاعته، كما يقال: من كان يريد المال فالمال لفلان أي: فليطلبه منه، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام فطلبوا بها التعزز، كما قال تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا﴾، وقال تعالى: ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا﴾. والكلم الطيب: هو قول: لا إله إلا الله، وقيل: هو قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. كما ورد: " ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جميع الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بها وجه رب العالمين، ومصداقه من كتاب الله تعالى قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ ذكره ابن مسعود ﵁. وقال الحسن وقتادة: الكلم الطيب ذكر الله تعالى، والعمل الصالح أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في الصدور وصدقته الأعمال، فمن قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحا رفع ذلك العمل، فإن الله تعالى يقول: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾

стр. 14

وجاء في الحديث: " لا يقبل الله تعالى قولا إلا بعمل، ولا قولا وعملا إلا بنية ". وقال قوم: الهاء في قوله: ﴿يرفعه﴾ راجعة إلى العمل الصالح أي: الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، فلا يقبل عملا إلا أن يكون صادرا عن التوحيد. وقال سفيان بن عيينة: العمل الصالح هو الخالص يعني أن الإخلاص هو سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال؛ لقوله تعالى: ﴿فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. فجعل الصالح الخالص من الشرك والرياء ونقيض الصالح الشرك والرياء. والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ إلخ . (سئل) عن قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ الآية فهل هما ساحران؟ وما سبب نزولهما للدنيا وتعليمهما للناس السحر؟ (أجاب) روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن الملائكة لما رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس ﵇ فعيروهم وقالوا: هؤلاء جعلتهم في الأرض واخترتهم وهم يعصونك، فقال الله : لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا، فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك، فقال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم. وكان اسم هاروت عز وماروت عزايا - فغير اسمهما لما قارفا الذنب - وركب الله تعالى فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر، وكانا يقضيان بين الناس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، فما مر عليهما شهر حتى افتتنا، وقيل: افتتنا في أول يوم وذكر أنه اختصم إليهما امرأة يقال لها: الزهرة ، وكانت من أجمل أهل فارس، وقيل: كانت ملكة فلما رأياها أخذت بقلوبهما. فقال أحدهما لصاحبه: هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي؟ قال: نعم، فراوداها عن نفسها، فأبت وانصرفت، ثم عادت في اليوم الثاني، ففعلا مثل ذلك فأبت، وقالت: لا إلا أن تعبدا هذا الصنم، وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء؛ فإن الله تعالى قد نهانا عنها، ثم انصرفت. ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها، ثم راوداها عن نفسها، فعرضت عليهما ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا الخمر لما انتشيا ووقعا بالمرأة، قيل: زنيا بها، فرآهما إنسان، فقتلاه خوف الفضيحة. وقيل: إنها قالت لهما: بأي شيء تصعدان إلى السماء؟ فقالا: باسم الله الأعظم، فقالت: فما أنتما بمدركي حتى تعلماني إياه، فقال أحدهما للآخر: علمها، فقال: إني أخاف الله، فقال له: فأين رحمة الله؟ فعلمها إياه فتكلمت به، وصعدت إلى السماء، فمسخها الله كوكبا، قيل: إنها الزهرة. ولما أمسى

стр. 15

هاروت وماروت بعد الذنب هما بالصعود إلى السماء فلم يقدرا، فعلما ما حل بهما، فقصدا نبي الله تعالى إدريس ﵇ وأخبراه بأمرهما، وسألاه أن يشفع لهما عند الله ، ففعل ذلك إدريس، فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا؛ لأنهما علما أنه ينقطع، فهما يعذبان ببابل. قيل: إنها بالعراق بأرض الكوفة، وسميت بذلك لتبلبل الألسن عند سقوط صرح نمروذ. قيل: إنهما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة، وقيل: إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد. وقيل: إن رجلا قصدهما ليتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع، وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله، فقال: لا إله إلا الله، فلما سمعا كلامه قالا: من أنت؟ قال: رجل من الناس، قالا: من أي أمة أنت؟ قال: من أمة محمد ﷺ ، قالا: أوقد بعث محمد ﷺ ؟ قال: نعم، فقالا: الحمد لله وأظهرا الاستبشار، فقال الرجل: مما استبشاركما، قالا: فإنه نبي الساعة، وقد دنا انقضاء عذابنا والله تعالى أعلم. وما يعلمان أحدا السحر حتى ينصحانه أولا قيل: سبع مرات يقولان له: إنما نحن ابتلاء ومحنة للناس، فلا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر، فإن أبى قبول نصحهما وصمم على التعليم يقولان له: ائت هذا الرماد والحس منه، فإذا فعل خرج منه نور ساطع في السماء وهو الإيمان والمعرفة، وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه، وذلك غضب الله تعالى، فيعلمانه ذلك، ولأن السحر له تأثير في نفسه ابتلاء من الله تعالى، وسمي السحر سحرا لخفاء سببه، وقيل: معنى السحر الإزالة وصرف الشيء عن وجهه، وأما حقيقته، فقد قيل: إنه عبارة عن التمويه والتخييل، وقيل: إن السحر يؤثر في قلب الإنسان، فيجعل الإنسان على صورة الحمار والحمار على صورة الكلب، وقد يطير الساحر، وهذا القول ضعيف عند أهل السنة؛ لأن الله تعالى هو الخالق الفاعل لهذه الأشياء عند عمل الساحر، ويحرم فعل السحر؛ لأنه من الكبائر. والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ إلخ . (سئل) عن قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ فهل يتبدلان حقيقة أو معنى؟ وهل يكون الحساب على هذه الأرض أم على غيرها؟ (أجاب) روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: تغير هذه الأرض التي عليها بنو آدم بأرض بيضاء نقية لم يكن يعمل فيها بالمعاصي، ولم يكن تسفك عليها الدماء، وروي أن عائشة- رضي الله تعالى عنها - قالت لرسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ أين يكون الناس يومئذ؟ فقال لها رسول الله ﷺ سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك: الناس يومئذ على الصراط ". وروي عن ابن عباس - رضي الله

стр. 16

عنهما - أنه قال: تمد الأرض مد الأديم ويزاد في سعتها والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ . (سئل) عن معنى قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾؟. (أجاب) قال سعيد بن جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه. وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير من نفقة فهو يخلفه على المنفق إما أن يعجله له في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة ﴿وهو خير الرازقين﴾: خير من يعطي ويرزق. وروي عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا ". وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: " قال رسول الله ﷺ : كل معروف صدقة، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب الله له به صدقة، وما وقى الرجل به عرضه كتب له به صدقة، قلت: ما معنى "ما وقى"؟ قال: ما أعطى الشاعر وذا اللسان المنتضئ، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾ . (سئل) عن قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ الآية فهل كان للبيت رسوم؟. (أجاب) قيل: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض استوحش فشكا إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى البيت المعمور، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة، له بابان من زمرد أخضر، وقال: يا آدم إني أهبت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وأنزل الله تعالى عليه الحجر الأسود، وكان أبيض فاسود من مس الحيض في الجاهلية، فتوجه آدم من الهند ماشيا إلى مكة، وأرسل الله تعالى إليه ملكا يدله على البيت فحج آدم البيت، وأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا له: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، قال ابن عباس: حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة وهو البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وبعث الله تعالى جبريل فوضع الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق، فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم، ولما أراد إبراهيم ﵇ بناءه، بعث الله تعالى سحابة على قدر الكعبة ونودي منها: ابن على قدر ظلها، لا تزد ولا تنقص. قال ابن عباس: بنى إبراهيم البيت من خمسة أجبل من طور سيناء وطور زيتا ولبنان جبل بالشام، والجودي جبل بالجزيرة، وبنى قواعده من حراء جبل بمكة، فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر، فقال: ائتني بأحسن منه، فمضى إسماعيل ليطلب حجرا أحسن منه، فصاح أبو

стр. 17

قبيس: إن له وديعة عندي فخذها، فأخذ الحجر الأسود فعرفه إبراهيم وأخذه ووضعه مكانه، والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ (سئل) ما المراد بالحزن في قوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾؟. (فأجاب): قال ابن عباس: حزن النار، وقال قتادة: حزن الموت، وقال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله تعالى بهم، وقال عكرمة: حزن الذنوب والسيئات، وخوف رد الطاعات، وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقلب القلوب، وخوف العاقبة، وقيل: حزن أهوال القيام، قال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: هم الجزاء في الدنيا، وقيل: هم المعيشة، قال الزجاج: أذهب الله تعالى عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد. روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾ الآية. والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾ (سئل) عن قوله تعالى: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾ فما مقدار التعمير؟ وما معرفة النذير؟ (أجاب) قيل: التعمير هو البلوغ، وقال قتادة: ثماني عشرة سنة، وقال الحسن: أربعون سنة، وقال ابن عباس: ستون سنة، وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك". والنذير: قال أكثر المفسرين: هو محمد ﷺ ، وقيل: النذير: هو القرآن، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة: هو الشيب معناه: أولم نعمركم حتى شبتم، ويقال: الشيب نذير الموت، وفي الأثر: ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: استعدي فقد قرب الموت، والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ الآية؟. (أجاب) سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يستقبل بيت المقدس يتألف بذلك اليهود، وقيل: إن الله تعالى أمره بذلك ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إن صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته وصفته في التوراة، فصلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، فكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وقيل: كان يحب ذلك من أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا محمد في ديننا، ويتبع قبلتنا، فقال رسول الله ﷺ لجبريل: وددت لو حولني الله تعالى إلى الكعبة؛ فإنها قبلة أبي إبراهيم، فقال جبريل ﵇: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك؛ فاسئل أنت ربك؛ فإنك عند الله بمكان، ثم عرج جبريل، وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى

стр. 18

السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة، فأنزل الله : ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك﴾ أي: نحولك ونصرفك عن بيت المقدس إلى القبلة التي تحبها وتميل إليها وهي الكعبة والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ (سئل) عن قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ وقال تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ فقد أخبر تعالى بأنه لا يتيسر للبشر، بل للإنس والجن، الإتيان بمثل سورة منه، وأقل السور ثلاث آيات. ثم حكى عن موسى -مع اعترافه بأن هارون أفصح منه لسانا وأوضح منه بيانا - أحد عشر آية منه وهو قوله: ﴿رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري﴾ إلى: ﴿كنت بنا بصيرا﴾ وقال إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ إلى ﴿يوم الحساب﴾ ست آيات. وفي القرآن من هذا النمط كثير عن فرعون وغيره من مؤمنين وكافرين، فالجواب عن ذلك: فقد يكذبنا المعاند والمخالف من لا يؤمن بالقرآن. (أجاب) الجواب عن ذلك من وجوه منها أن المحكي لا يلزم أن يكون بهذا النظم بعينه إذ لغة موسى عبرانية وإبراهيم عربية، فالظاهر أن جميع القصص المحكية عن الأنبياء وغيرهم أنها محكية بالمعنى. ومنها أن بعضهم اختار في المتحدى به منه أن يكون سورة من الطوال أو عشر سور من الأوسط وإن لم نقل به، ومنها أن المراد من الجن والإنس من كان في عصر محمد ﷺ ومن بعده إلى آخر الزمان، فلا ينافي أن بعض الأنبياء السابقين والأمم الماضين يأتي بما أخبر عنه تعالى. ومنها أنا إذا قلنا: إعجاز القرآن بالصرفة، فما صرف عنه تعالى إلا من كان في عصر محمد ﷺ ومن بعده، وفي هذين الجوابين الأخيرين نظر لإحصائهما أن خصيصة القرآن بهذه الأمة ممكنة لغيرها، وقد يقال: إن خصيصتها به من حيث المجموع لا بإبعاضه. ومنها أن للغة العرب من المزايا والخواص والارتباطات والنسب والإضافات ما ليس لغيرها، فلما جاءت هذه الألفاظ المحكية عن موسى وإبراهيم وغيرهما على قانون لغة العرب بعد تسليم أنها حكيت عنهم بهذه الألفاظ اكتسبت بلاغة وإعجازا لم يكن لها في حال تكلم إبراهيم وموسى بها، وبهذا أجبت مما أوردته على كثير من الفضلاء وجم غفير من النبلاء ما ورد أن معاني الكتب غير القرآن في القرآن، ومعنى القرآن غير الفاتحة في الفاتحة ومعنى الفاتحة غير البسملة في البسملة مع أن البسملة موجودة في غير القرآن، كما حكى الله تعالى ذلك عن سليمان بقوله تعالى: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وورد أيضا كما في الجامع الصغير: بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب، فقلت لهم: إذا يكون معنى القرآن

стр. 19

في البسملة النازلة في أول كتاب نزل، فحاولوا أجوبة غير مرضية، وبه يجمع أئمتنا بين ما ذكر وبين قول السيوطي: إن البسملة من خصائص هذه الأمة، فمعنى خصوصيتها ما فيها من المزايا والخواص التي اختصت بها لغة العرب، وإن كانت وردت في غير لغتهم؛ لأنها ليس لها من المزايا ما للغة العرب، ألا ترى أن العلماء استنبطوا من لغة العرب اثني عشر علما، ولم نسمع أحدا لا من العلماء ولا من غيرهم استنبط من لغة غير لغة العرب علما ولا غيره والله أعلم. مطلب سئل عما وقع في القرآن من التكرار مثل قصص إبراهيم إلخ (سئل) عما وقع في القرآن من التكرار مثل قصص إبراهيم وموسى وآدم وفرعون وغيرهم، ما فائدته مع أنه عيب لو وقع في كلام غير فصيح، فما بالك بكلام متحدى به الإنس والجن؟ (أجاب) هذا يؤخذ من وجوه؛ أحدها: أن البليغ يقدر على إيراد القصة الواحدة بعبارات مختلفة والمعنى واحد، وذلك مما يدل على رفعة شأن القرآن، ومنها إذا تأملت سوابق الآيات المكررة ولواحقها وجدت لها في كل محل معنى آخر يغاير المعنى الموجود في المحل الآخر، ومنها أن الله تعالى قص ذلك على نبيه مرات متعددة لحكمة اقتضت ذلك؛ فنحفظ كل ما ورد لأنا متعبدون بتلاوة القرآن ألا ترى أنك تحكي لمريدك قصة واحدة في محلات عديدة لمناسبات تقتضيها، ومنها أنه عد من محاسن القرآن كما بينه علماء البيان، والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ (سئل) عن البضاعة في قول إخوة يوسف: ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾ ما هي؟ (أجاب) المراد بالمزجاة قيل: رديئة وقيل: قليلة ترد وتدفع رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته، ومنه: تزجيت الزمان، قيل: والبضاعة الأخيرة قيل: كانت دراهم زيوفا وقيل: صوفا وسمنا وقيل: الصنبور وجنبة من الخضر، وقيل: الأقط والسويق المقلي، والبضاعة الأولى كانت نعالا وأدما، فعلم جواز إطلاق البضاعة على جميع ما يجلب للبيع. مطلب عما ينسب إلى الله ورسله من الكتب والصحف والأحاديث إلخ (سئل) عما ينسب إلى الله ورسله من الكتب والصحف والأحاديث القدسية والأحاديث النبوية، فما الفرق بينها مع أن كلا من عند الله تعالى؟ (أجاب) هذه الأمور المنزلة من السماء خمسة أنواع: القرآن نوع، والتوراة والإنجيل والزبور نوع، والصحف نوع، والحديث القدسي نوع، والنبوي نوع، فثلاثة أنواع تنسب إلى محمد ﷺ وهي: القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي، ونوعان ينسبان إلى غيره من الأنبياء الكرام على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. فالقرآن امتاز عن غيره بإعجازه والتعبد بتلاوته ومخالفة نظمه لسائر النظم، وأسلوبه لسائر الأساليب، والحديث النبوي ما نسب إلى رسول الله ﷺ قولا وفعلا وحكما وعزما وتقريرا وصفة خلقا وخلقا زمانا ومكانا، والحديث القدسي ما نسبه- ﷺ إلى ربه في أصل وروده، وقد لا يضاف إلى الله تعالى بخلاف القرآن

стр. 20

فإنه لا يضاف إلا إلى الله تعالى، وإن جاز رواية القدسي بالمعنى، واللذان إلى غير رسول الله ﷺ نوعان: الكتب الثلاثة، والصحف، قيل: لأن الصحف لم تنزل بنظم يدرس ويتلى، وإنما أوحى إليهم معانيه، وقيل: لأنها حكم ومواعظ لا أحكام وشرائع بخلاف التوراة والإنجيل، والزبور، فإنها على الأول تدرس وتتلى، وعلى الثاني أحكام وشرائع، ولكن يعكر على الأول ما قيل: إن التلاوة والدرس خاصان بالقرآن، ويجاب بأن الخاص بالقرآن التلاوة والدرس ليترتب عليهما الثواب، وفرق آخر وهو أن الكلام النفسي الأزلي إن عبر عنه بالعربية فقرآن، وبالسريانية فإنجيل، وبالعبرانية فتوراة، والله تعالى أعلم. مطلب في القول بقدم القرآن (سئل) عن القول بقدم القرآن وحدوثه، فإنا نرى كلاما لأهل الأصول وأهل الكلام، وإذا تأملناه وجدناه مشكلا، فإذا نظرنا لقراءتنا وتلاوتنا ومصاحفنا وكتابتنا وجدنا ذلك حادثا، وإذا نظرنا لنزول القرآن على محمد ﷺ وجدناه أيضا حادثا وإذا نظرنا للمعنى القائم بالذات فذاك، وإن لم نره ولا نحسه وجدناه قديما؛ لأنه من صفات الذات خلافا للمعتزلة، فما معنى إفراد مسألة القرآن بالذكر بين السلف في قائل بالقدم، وقائل بالحدوث؟ وإذا نظرنا لمدلولات القرآن وجدنا منها القديم والحادث، فكل ما دل على ذاته تعالى وصفاته فهو قديم، وما دل على ذات الخلق وصفاتهم فحادث، فالسماوات والأرض وفرعون وهامان والجبال حادثات، وإن كانت مدلولات ألفاظ القرآن، فأوضحوا لنا جوابا شافيا كافيا؟ (أجاب) اعلم وفقني الله وإياك وجعلني وإياك ممن نظر إلى الحق بنور اليقين لا ممن اتبع الباطل والتزيين - أن القرآن له أربع وجودات: وجود في الخارج ووجود في الذهن ووجود في العبارة ووجود في الكتابة، فهي تدل على العبارة وهي على ما في الذهن وهو على ما في الخارج، فإذا أطلقنا القرآن على الكتابة وقلنا: إنها كلام الله كما قالت عائشة ﵂: ما بين الدفتين كلام الله، فهو من حيث دلالة الكتابة على الألفاظ الدالة على المعاني الدالة على المعنى الخارجي القائم بذاته تعالى، وإذا أطلقناه على الألفاظ وقلنا: ما أحسن هذا القرآن بمعنى هذه الألفاظ الدالة على المعاني الدالة على المعنى الخارجي، وإذا أطلقناه على المعاني وقلنا: إنها كلام الله فمن حيث دلالتها على المعنى الخارجي فإطلاق القرآن على الكتابة وعلى الألفاظ وعلى المعاني وعلى المعنى الخارجي إطلاق حقيقي لا مجازي كما صرح به في جمع الجوامع، وقال السعد: اعلم أن القرآن يطلق على المعنى القائم بذاته تعالى بمعنى أنه صفة من صفات ذاته تعالى، وهو إطلاق حقيقي، ويطلق على الألفاظ بمعنى أنها من تأليفه تعالى لا من تأليف الخلق، وهو أيضا حقيقي، والأول محل نظر أهل الكلام،

стр. 21

والثاني: محل نظر أهل الأصول والمعاني والبيان، والنحاة من حيث إن الأول يبحث عن قدم تلك الصفة، ويقيم عليها الدليل، والثاني: عن كون الأمر للوجوب والنهي للتحريم مثلا، والثالث: عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والرابع عن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من التعبير، والخامس من حيث الإعراب والبناء، فمن أطلق على النقوش أو الألفاظ أنهما قديمان كما نقل عن الإمام أحمد، حتى قيل: إن الورق قديم فمراده أن النقوش تدل على الألفاظ وهي على المعاني، وهي على المعنى الخارجي القائم بذاته تعالى، ومن أطلق القدم على المعاني فمراده من حيث دلالتها على المعنى القديم المتصف به تعالى، وإنما أفرد ذلك بالذكر عن مسائل الكلام نظرا إلى أن القرآن الذي بين أظهرنا له الوجودات الأربع. وإذا تأملت ذلك رأيت أكثر موارد الخلاف ترد عليها وقد ذكروا أن أكمل الموجودات ما كان له الوجودات الأربعة المشتمل عليها القرآن، وهي الوجود في الأعيان وهو حقيقي باتفاق، والوجود في الأذهان وهو حقيقي عند الحكماء مجازي عندنا، والوجود في العبارة والوجود في الكتابة، وهما مجازيان باتفاق. ثم لا ينافى ذلك ما مر عن جمع الجوامع؛ لأن كلامه من حيث الإطلاق، ولذا قابله بالمجاز، فمراده أنه يطلق إطلاقا حقيقيا؛ لأن ذلك لفظ استعمل فيما وضع له، وهذا من حيث كنه الشيء وحقيقته أي ماهيته، بمعنى أن كنه القرآن موجود في الأعيان حقيقة وفي الأذهان كذلك على الخلاف، وأما وجوده في العبارة والكتابة فمجازي. ثم إن سئلت عن القرآن من حيث قدمه وحدوثه فينبغي لك أن تستفسر السائل، فإن قال لك: مرادي القائم بذاته تعالى الدال عليه ما بين أظهرنا، فقل له: قديم بقدم الذات؛ لأنه من جملة صفاتها الواجبة لها، وإن قال لك: مرادي ما بين الدفتين من النقوش، فقل له: ذلك حادث بحدوث النقوش، وكذلك الألفاظ، وإن قال لك: مرادي من حيث المدلول، فقل له: ما دل على ذاته تعالى أو صفة من صفاته، أو حكايته له تعالى فهو قديم، وما دل على الحوادث أو صفاتها مثل ذوات المخلوقات أو صفاتها، كجهلنا وعلمنا فهو حادث، وكذلك حكاية الحوادث وإنشاءاتها والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾ إلخ . (سئل) في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ ما يكون تفسير هذه الآية؟ وما معنى الأرض المقدسة؟ وأين يكون حدود المقدس من الأرض والبلاد؟ وهل تكون الصلاة بخمسين ألف صلاة في المسجد الأقصى أو في بيت المقدس؟ (أجاب) قال البيضاوي: الأرض المقدسة بيت المقدس سميت بذلك؛ لأنها قرار الأنبياء، ومسكن المؤمنين. والقدس الطهر والمقدس المطهر؛ فإن الأرض قدست باختيار الله تعالى إياها لهم أو بأنفاس الأنبياء وعباداتهم

стр. 22

وبركاتهم وخيراتهم، أو بدفن أبدانهم الشريفة فيها، ولهذا وصفت في آي كثير بالبركة، وجعلت أرض المحشر والمنشر، وجذبت القلوب مؤمنة كانت أو كافرة إليها؛ لأنها تميل إلى الطهر، فهي أرض الكل بنص التنزيل ﴿لقد من آيات ربه الكبرى﴾. وأما حدود الأرض المقدسة فمن القبلة أرض الحجاز الشريف يفصل بينهما جبال الشورى، وهي جبال منيعة بينها وبين أيلة نحو مرحلة، وسطح أيلة هو أول حد الحجاز من جهة الشام، وهي من تيه بني إسرائيل، وبينها وبين بيت المقدس نحو ثمانية أيام بسير الأثقال، ومن الشرق من بعد دومة الجندل برية السماوة وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام، ومسافتها عن بيت المقدس نحو مسافة أيلة، ومن الشمال مما يلي الشرق نهر الفرات ومسافته عن بيت المقدس نحو عشرين يوما بسير الأثقال فيدخل في هذا الحد المملكة الشامية بكمالها، ومن الغرب بحر الروم وهو البحر المالح ومسافته عن بيت المقدس نحو يومين، ومن الجنوب رمل مصر والعريش، ومسافته عن بيت المقدس نحو خمسة أيام بسير الأثقال، ثم يليه تيه بني إسرائيل وطور سيناء، ويميل من تلك الجهة إلى تبوك ثم دومة الجندل المتصلة بالحد الشرقي. والصحيح أن الصلاة في مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة، هذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحاح، وما ورد بخلاف ذلك فلا يعول عليه، والصحيح اختصاص التضعيف بالمسجد الأقصى بحدوده الأربعة التي لم تتغير جاهلية وإسلاما حتى لو زيد فيه، شمل التضعيف الزيادة، وكذلك المسجد الحرام لو زيد فيه على الموجود الآن ضوعفت الصلاة في الزيادة، وقد زيد فيه كثير، وأما مسجد رسول الله ﷺ ، فالتضعيف خاص بالروضة الشريفة، والفرق بينه وبينهما الإشارة فيه بقوله ﷺ : " مسجدي هذا دونهما ". وذهب الغزالي إلى أن جميع الأرض المقدسة بحدودها تضاعف فيها الصلاة والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ (سئل) ما المراد بقوله تعالى: ﴿لا شرقية ولا غربية﴾؟ (أجاب) قال البيضاوي ﴿لا شرقية ولا غربية﴾: تقع الشمس عليها حينا دون حين، بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة واسعة، فإن ثمرتها أنضج وزيتها أصفى، أو لأنها لا نابتة في شرقي المعمورة ولا غربها، بل في وسطها وهو الشام، فإن زيتونه أجود الزيتون، لا في مضحاة تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها ولا في غور فتغيب عنها دائما. انتهى. والحاصل أن الشجرة التي تطلع عليها الشمس دائما كالتي في رءوس الجبال لا شرقية ولا غربية، والتي تطلع عليها وقت طلوعها شرقية، والتي تكتنفها وقت غروبها غربية، والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات﴾ الآية (سئل) عن قوله تعالى: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم

стр. 23

فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور﴾ ما تفسير هذه الآية؟ (أجاب) صريح كلام البيضاوي والبغوي وغيرهما أن هذا الأمر واقع يوم القيامة إما على الصراط، وإما في الموقف. قال البيضاوي ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات﴾: بدل من ﴿يوم ترى﴾ أي يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة ﴿بشراكم اليوم جنات﴾ أي في المبشر به جنات أي: دخول جنات وقوله: ﴿ارجعوا وراءكم﴾ أي: إلى الدنيا ﴿فالتمسوا نورا﴾ بتحصيل المعارف الإلهية، والأخلاق الفاضلة؛ فإنه يتولد منها، أو إلى الموقف فإنه من ثم يقتبس، أو إلى حيث شئتم فاطلبوا، وذلك أن الله يعطي المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ويعطي المنافق نورا خديعة هو قوله : ﴿وهو خادعهم﴾ فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحا وظلمة فأطفأت نور المنافق فذلك قوله : ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا﴾ مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين. وقوله : ﴿قيل ارجعوا وراءكم﴾ قال ابن عباس: يقول لهم المؤمنون، وقال قتادة: تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم ﴿فالتمسوا نورا﴾: فاطلبوا لأنفسكم هناك نورا لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئا، أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة ﴿وظاهره﴾ أي خارج ذلك السور ﴿من قبله﴾ أي من قبل ذلك الظاهر ﴿العذاب﴾ وهو النار. وروي عن عبد الله بين عمرو بن العاص أنه قال: السور الذي ذكره الله تعالى في القرآن ﴿فضرب بينهم بسور له باب﴾ سور بيت المقدس الشرقي، ﴿باطنه فيه﴾ المسجد، ﴿وظاهره من قبله العذاب﴾ وادي جهنم. قال شريح: كان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس إنه الباب الذي قال الله تعالى: ﴿فضرب بينهم بسور له باب﴾ الآية انتهى. وهذا يقتضي أن هذا واقع في الدنيا؛ لأن مسجد بيت المقدس محل الرحمة لتضاعف الصلاة فيه، ولأنه محل المحشر والمنشر، ولأن الكعبة تساق إليه، ووادي النار الذي وقع لرسول الله ﷺ فيه ليلة الإسراء تمثيل حال العصاة من أمته كأكلة الربا وشربة الخمر وأهل الغيبة والزناة وغير ذلك. والله أعلم. مطلب القرآن قديم متواتر ولا بد فيه من مقدرات إلخ (سئل) لا شك أن القرآن قديم متواتر ولا بد فيه من تقدير مقدرات لا يتم معنى القرآن بدونها، يقدرها أرباب التفسير وأهل الأصول والعربية، مع اختلافهم فيما يقدرونه، فإن قلتم: هذا المقدر من كلام الله تعالى فيكون القرآن المعجز محتاجا إلى غير المعجز الحادث وهو ظاهر البطلان، ولا شك أن المركب

стр. 24

من المعجز وغير المعجز غير معجز، وإن المركب من القديم والحادث حادث، والتزام أن هذا المقدر من الاحتياج ليس بنقص في كلام الله تعالى وليس بمخرج له عن كونه من كلام الله، التزام أمر ظاهر البطلان، ويلزم أيضا وقوع الاختلاف في القرآن؛ لاختلاف التقادير باختلاف الأغراض مع عدم اتفاقهم على لفظ واحد يقدرونه، فهذا يقدر لفظا وهذا يقدر لفظا وتارة تختلف المعاني وتارة لا، ومن ذلك اختلاف الأئمة فيما اختلفوا فيه في بعض الأحكام، مع قوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾؛ وأيضا ما الداعي إلى حذفه مع كونه من كلام الله تعالى ويلزمه ما يلزم في كلام الله تعالى من حرمة مسه على الجنب والمحدث والحائض، ونحوها. وإن قلتم: إنه من غير كلام الله تعالى فما الدليل على تقديره؟ وما الدليل على تعينه مع أن هذا أيضا وارد على المعنى الأول، ويلزمه أن يكون القرآن مركبا من كلام الله تعالى وكلام خلقه، ومركبا أيضا من القديم والحادث؛ فإن كان الله تركه لخلقه ليقدروه فهو حوالة لهم على ما لا يعلمونه، وهو أمر مجهول، فهو حوالة على مجهول، وإن كان لغفلة أو ذهول أو نسيان أو خلل في معنى ما تكلم به فذلك كله على الله تعالى محال، تعالى الله علوا كبيرا، ويلزم على هذا أن يكون خلقه تعالى أدركوا ما لا يدركه تعالى؛ لأنهم قدروا ما غفل أو ذهل عنه وذلك باطل باتفاق، بينوا لنا في ذلك جوابا شافيا؟. (أجاب) اعلم أنا نختار الشق الثاني وهو الحق، والدليل على تقديره القرائن والآيات؛ فإن بعض القرآن يفسر بعضا، والأحاديث: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس﴾ والدليل على تعيينه المقام والغرض المستدل بالقرآن، فالنحوي يقدر ما يناسبه والأصولي كذلك، والفقيه كذلك، وأهل المعاني والبيان يقدرون ما يناسبهم، وليس في ذلك من النقص شيء، بل فيه كمال الكمال والبلاغة كما أجاب بذلك السيد الصفوي، والنقص اللغوي غير مضر، وبه يعلم أنه لا سهو ولا غفلة ولا ذهول ولا جهل ولا حوالة على مجهول، بل فيه من الرقة والمقاصد البليغة والنكت العجيبة كما بين ذلك في حذف المسند والمسند إليه في علم المعاني. قال السيد المذكور: لإفادة الكلام المقصود مع الاختصار ودلالة السياق والقرائن على المحذوف، فقد اتفق المستشكل والمجيب على أن المحذوف ليس من كلام الله تعالى، وعلم أيضا أن الله تعالى أراد ذلك المقدر من القرآن، ووكله إلى أربابه لأغراضهم المختلفة، فالعجب العجيب من مقدراته وملفوظاته، كيف ما طلبته وجدته على مرادك المطابق للحق، ولا يوجد ذلك في كلام البشر أصلا، وأما قول المستشكل في المعنى الأول، أن المركب من المعجز وغير المعجز غير معجز إلخ ممنوع؛ فإن مجموع القرآن بل السورة الواحدة معجز مع أنه مركب

стр. 25

من المعجز كالثلاث آيات، وفيه المعجز كالآية والآيتين، وكل سورة منه معجزة مع أنها مركبة من المعجز وغيره مما زاد على الثلاث، ومن أجزاء كل منها وهو غير معجز فصار قوله: والمركب من القديم والحادث حادث ممنوع أيضا؛ فإن القرآن ليس هو مجموع المركب من القديم والحادث، بل هو القديم فقط، وأقوى النظر فيه: أن الإيراد إنما هو على تقدير التزام أنه مركب منهما. والجواب الشافي أن هذه التقادير راجعة إلى اللفظ والموصوف بالقدم إنما هو المعنى القائم بذاته تعالى، وأن توقف فهم ذلك المعنى على تقدير لفظ مراد الله تعالى دالة عليه القرائن، وبذلك تعلم بطلان كثير من هذه الإيرادات سواء اخترنا المعنى الأول أو الثاني كما لا يخفى عليك أيها الفطن الضارب في المعاني والبيان سهما والله تعالى أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿الم﴾ ونحو ذلك من الأحرف التي في أوائل السور (سئل) عن قوله تعالى: ﴿الم﴾ ونحو ذلك من الأحرف التي في أوائل السور ما معناها وما معنى كل حرف منها؟. (أجاب) قيل: إن حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وهي سر الله تعالى في القرآن، وقال علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف الهجاء، ويجب الإيمان بها ولا يلزم البحث عنها، واختلفوا فيها فقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسماء الله تعالى، فالألف مفتاح اسم الله تعالى، واللام مفتاح لطيف، والميم مفتاح مجيد، وقيل: الألف الله، واللام لطفه، والميم ملكه، وقال ابن عباس: الم: أنا الله أعلم، وقيل: هي أسماء الله مقطعة لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنك تقول: ألف لام را حا ميم ألف نون، فيكون مجموعها الرحمن، وكذلك سائرها. وقال ابن عباس: هي أقسام، قيل: أقسم الله تعالى بهذه الحروف لشرفها وفضلها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة، وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وقيل: هي أسماء السور، وقيل غير ذلك والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ (سئل) عن قوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ فما هي الكلمات التي تلقاها؟ (أجاب) هي قوله تعالى: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ الآية، وقيل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وقيل: إن آدم ﵇ قال: يا رب أريت ما أتيت شيئا ابتدعته من تلقاء نفسي أم قدرته علي قبل أن تخلقني؟ فيقول له الحق جل وعلا: بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا رب، فكما قدرته علي فاغفر لي. وقوله: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ أي ألهمه ذلك وكانت سبب توبته، وعن ابن عباس ﵄ أن آدم ﵇ قال: يا رب، ألم تنفخ في الروح من روحك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا رب، إن تبت إليك وأصلحت أراجعني أنت إلى الجنة؟ فقال له الحق جل وعلا: نعم، فحينئذ فرح آدم عليه

стр. 26

السلام والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾ إلخ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾؟ (أجاب) يعني لا تستبدلوا بآياتي التي في كتبكم عوضا يسيرا من الدنيا؛ لأن الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالشيء الحقير الذي لا قيمة له. وقيل في ذلك: هو بيع الباقي بالفاني والله أعلم. مطلب في قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر﴾ إلخ . (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾؟ (أجاب) نزلت هذه الآية في علماء اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقرينه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد ﷺ : اثبت على دينه فإن أمره حق، وقوله صدق، وقيل: إنهم كانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه وأعرضوا عنه، وقيل: كانوا يأمرون الناس بالطاعة والصلاة والزكاة وأنواع البر ولا يفعلونه، فوبخهم الله تعالى، وفي معنى ذلك الحث على الأفعال الحسنة والإعراض عن الأفعال القبيحة، ومعنى الآية أنه يأمر الإنسان بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويفعله، ولأن الإنسان إذا وعظ غيره ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله. روي عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يؤتى بالرجل يوم القيامة فتندلق، أي تخرج، أقتابه أي: أمعاء بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر الناس بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر الناس بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه]. روي عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : [رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قيل: هؤلاء من خطباء أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون]. قيل: مثل هذا الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه، ومن وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه والله أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم﴾ إلخ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾؟ (أجاب) يعني أنكم إن أظهرتم ما في أنفسكم من السوء والعزم عليه يجازيكم به الله تعالى يوم القيامة، ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله، كلفنا من العمل ما لا نطيق، وقد أنزلت هذه الآية ولا نطيقها، فقال لهم رسول الله صلى عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما فعلوا ذلك نسخه الله بقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ الآيات. وقال ﷺ : إن الله يتجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به ويتكلموا، وفي رواية: ما وسوست به صدورها فلا يؤاخذ إنسان بما وسوست به نفسه، ولا

стр. 27

بما لم يكسبه، وقال في الجوهرة: فيغفر الحديث للنفس وما هم إذا لم يعمل أو تكلم، والله تعالى أعلم. مطلب: المراد بالأرض التي باركنا فيها إلخ . (سئل) عن المراد بالأرض التي باركنا فيها؟ (أجاب) قال أبي بن كعب وقتادة: هي الشام؛ لأنها أرض المحشر، وبها ينزل عيسى ﵇ ويهلك الدجال. وقال أبو العالية: هي الأرض المقدسة؛ لأن كل ماء عذب في الأرض حلو منها يخرج من أصل صخرة بيت المقدس يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرق في الأرض. وقال ابن عباس: هي مكة؛ لأن بها البيت الذي هو مبارك هدى للعالمين. فالقولان الأولان مآلهما واحد؛ لأن الأرض المقدسة وأرض الشام واحدة، بل ربما زادت حدود الأرض المقدسة على حدود الشام كما يعلم بالوقوف على حد الأرضين، ويؤيدهما قوله تعالى: ﴿الذي باركنا حوله﴾ وقوله تعالى: ﴿التي باركنا فيها للعالمين﴾ وقوله تعالى في حق أهل سبأ: ﴿وجعلنا بينهم﴾ أي أهل سبأ ﴿وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة﴾. وأظن والله أعلم أن أصل هذة البركة ناشئة من جناب سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء الكرام شيخ المرسلين العظام؛ لقول الله تعالى: ﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾ فالبركة التي في أرض الشام وأرض بيت المقدس هي ما وجد فيها من أنبياء ومرسلين وأولياء وصالحين وأرباب نفوس قدسية ومعالم ربانية، وبهذا الذي قررناه تعلم ضلال بل كفر رجل أعجمي يدعي العلم والفضل وهو باسم الكفر أحق، هو أن بعض أهل الفضل والصلاح قدم له زبيبا، فقال له: كل من بركة إبراهيم الخليل، فقال له: لا تقل ذلك؛ لأنه لا بركة لإبراهيم بعد موته، فقد خالف نص القرآن وسلب البركة عن أهل الصفوة والعرفان وباء بالخسران وخص بالحرمان، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾ فهذه البركة ما الرافع لها وما المانع منها والمغير لها؟ وإذا كانت الأرض توصف بالبركة فكيف لا يوصف بها مجمع النبوة والرسالة وأصل كل خير ورأس كل هدى؟ وأيضا في الحديث الصحيح: " كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم " فجعل البركة فيه - صلى الله عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء وسلم - أصلا مشبها به، وكره ﷺ الإكرام تأدبا منه مع أبيه وجده الأعظم، فإن كان ما قاله هذا الزنديق عن اعتقاد وله فيه سلف فما أظن في الأرض أقبح عقيدة من هؤلاء اللئام، وأظن أنه من العجم الأرفاض، وقد رأوا لملك الزمان سلطان آل عثمان مولانا السلطان أحمد أعظم ملوك الأرض وأشرفها فضلا وأعلاها قدرا وأوسعها ملكا وأقواها سطوة وأعظمها غلبة وأشدها بأسا وأشرفها ملكا ومملكة وأفضلها رعايا وأجلها برايا وأكثرها علما، هم أقوى الناس حجة وأكثرها فهما وعلما وصلاحا وفلاحا، فقالوا: ما ذاك إلا لما في بلاد من الأماكن المباركة والأنبياء والمرسلين والأولياء

стр. 28

والصالحين، فأرسلوا الزنديق ليفسد اعتقاد الناس عن الأنبياء الكرام والأولياء والأعلام والأماكن المشرفة؛ لتكون لهم الغلبة على البلاد، ونعوذ بالله تعالى من هذا الاعتقاد، فتأمل هذه الدسيسة الخبيثة؛ لأنا رأينا هذا الرجل يداخل بعض من له الكلام لاحتمال أنه يوافقه على المراد، وأظن أن معه شيئا من المعادن يستميل به قلوب بعض الناس، وقد أخبرت أنه دخل محروسة إسلامبول حرست بأنفاس الرسول، فطرد منها إلى مصر، ثم طرد منها إلى بيت المقدس، وتكلم بكلام كثير كله ضلال وبهتان وكفر صراخ ومقاصد خبيثة، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمرضاته آمين بحرمة سيد المرسلين. مطلب: في كلام الصوفية في القرآن، هل هو تفسير ؟ (سئل) عن كلام الصوفية في القرآن، هل هو تفسير؟ قال ابن الصلاح في فتاواه: وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر، وتفصيله في الإتقان للسيوطي، فتوضحوا لنا هذا الجواب مع نقل عبارة السيوطي بتمامها مع زيادة كشف للمقام ولكم الثواب من الملك الوهاب. (أجاب) قال في الإتقان: وأما كلام الصوفية في القرآن فليس بتفسير، قال ابن الصلاح في فتاواه: وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. قال ابن الصلاح: وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم لنظم ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والإلباس. وقال النسفي في عقائده: النصوص على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن الحاد. قال التفتازاني في شرحه: سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنية لا يعرفها إلا المعلم وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية، قال: وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان. وسئل سراج الدين البلقيني عن رجل قال في قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ أن معناه من ذل أي من الذل ذي إشارة إلى النفس يشف من الشفا جواب من أمر من الوعي، فأفتى بأنه ملحد، فقد قال تعالى: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾. قال ابن عباس: هو أن يضع الكلام على غير موضعه. أخرجه ابن أبي حاتم. فإن قلت: قال الفريابي: حدثنا سفيان عن يونس بن

стр. 29

عبيد عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : " لكل آيه ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع ". وأخرج الديلمي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا: " القرآن تحت العرش له ظهر وبطن، يحاج العباد ". وأخرج الطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم عن ابن مسعود موقوفا أن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد، ولكل حد مطلع. قلت: أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه، أحدها: أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها. والثاني: أن ما من آية إلا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها كما قاله ابن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم. الثالث: أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. الرابع: قال أبو عبيد، وهو أشبهها بالصواب: إن القصص التي قصها الله عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين أنها حديث حدث به عن قوم وباطنها وعظ لآخرين، وتحذير أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثل ما حل بهم. وحكى ابن النقيب قولا خامسا: أن ظاهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وباطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله: ولكل حرف حد أي: منتهى فيما أراد الله تعالى من معناه. وقيل: حكم مقدر من الثواب والعقاب. ومعنى قوله: ولكل حد مطلع: لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل به إلى معرفته ويوقف على المراد به. وقيل: كلما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة. قال بعضهم: الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قلت: يؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ وحكم ومتشابه وظهر وبطن، فظهره التلاوة وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء. وقال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، فهذا يدل على أن في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا، فإن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع لابد منه في ظاهر التفسير؛ ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر، بل لابد منه أولا إذ لا مطلع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز البيت. انتهى. وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في لطائف المنن: اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله تعالى وكلام رسوله بالمعاني العربية ليس إحالة

стр. 30

للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم ما حيلت الآية له، ودلت عليه في عرف اللسان، وثم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه. وقد جاء في الحديث: " لكل آيه ظهر ". وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمتم، والله اعلم. وتوضيح ما قاله هؤلاء الأئمة في الرد على الصوفية هو أنا لا نشك أن القرآن نزل بلغة العرب. وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ فأناط تعالى عقله وفهمه بإنزاله بلغة العرب لفصاحتها وبلاغتها، وفهم أهلها معانيها منها ووضوحها، فأقل الأعراب إذا خوطب بها على القانون الذي هو بينهم فهم المراد منها، وقد أشكل كثير من القرآن على كثير من الصحابة لسعة اللغة عليهم، ولهذا قالوا: لا يحيط بها إلا نبي مرسل، فكان ﷺ يفسر لهم المراد، ويعين مدلول اللفظ من غير زيادة ولا نقص ولا خروج عن مدلول اللغة، ولهذا عد من أصول الكفر الجهل باللسان العربي لغة ونحوا ومعاني وبيانا وصرفا عن كثير من الحمقى، فوقع في كفر صراح وبدع منكرة وضلالات مستبشعة؛ لجهلهم بقواعد اللغة وعدم أخذهم لها عن أئمة منورين بنور الإيمان ومتوجين بتاج الإحسان ولابسين ثوب الإسلام لا يحرفهم عن الطريق البيضاء غرض، ولا يضعفهم عن بيان الشريعة الغراء مرض، بل عرفوا الحق فبينوه والباطل فأدحضوه على المنهج القويم والميزان المستقيم، وتبعوا طريق السلف وأعرضوا عن ابتداعات الخلف. قال بعضهم: فكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف \٥٠ فهنا ميزان قويم تزن به جميع ما يرد عليك من البدع والضلالات مما يزنه أهل الأهواء، وذلك أن دين الإسلام لا يخرج عن أمرين: أصول، وهو ما يتعلق بالله ورسوله مما يجب لله تعالى من الصفات ويستحيل عليه ويجوز عليه، ومثل ذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما يتعلق بأمر المعاد مثل سؤال القبر وعذابه والجنة والنار ونحو ذلك. والناس لهم فيه إمامان: الإمام أبو الحسن الأشعري، ويعرف أتباعه بالأشاعرة، وأبو منصور الماتريدي، ويعرف أصحابه بالماتريدية، وبمذهب الأول أخذ الشافعية والمالكية ومن تبعهم، وبمذهب الثاني أخذ الحنفية والحنابلة ومن تبعهم، لا تخرج عن هذين الإمامين، فإذا أورد مبتدع أو ضال مسألة في الأصول فقل له: هل قال بها واحد من هذين الإمامين؟ فإن قال: نعم، فقل له: نطلب منك النقل، فإن ذكره أو أحضره على طبق المراد قبل منه وإلا رد عليه، وإن قال: قلت هذا برأي أو بدليل ذكره

стр. 31

فقل له: لست ممن يقلد في الأصول، ولم تصل لمرتبة أهل الاجتهاد، فلا تعول عليه في المراد. * وفروع * وهي ما يرجع إلى الكل كالصلاة وفروعها والزكاة وفروعها والصوم ومسائله والحج وشعبه والبيع والنكاح والجنايات والأيمان والنذور وأمر القضاء والأحكام وغير ذلك، فإن أورد مبتدع أو ضال مسألة فقل له: هل قال بها إمام من هؤلاء الأئمة الأربع؟ فإن قال: نعم، فاطلب النقل منه الصحيح الصريح، فإن جاء به عمل به وإلا رد عليه، وإن قال: قلت هذا برأي أو بدليل تميل له فقل له: هذا مردود عليك؛ لأنك لست مجتهدا ولا ممن يعول عليك في الاجتهاد، وليس لك ابتداع أمر لم تقل به أئمة السلف وعلماء الخلف والله أعلم. مطلب: تفسير قوله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ الآية، إلخ . (سئل) فيما نقل في تفسير قوله تعالى ﷻ وعظم سلطانه: ﴿اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾؟ (أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن هذا الكلام مرتب على ما أنعم الله تعالى به من النعم العظام التي هي من المعجزات الفخام على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا﴾ أي: على سائر الأنبياء، وهو ما ذكر بعد أو سائر الناس، فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن ﴿يا جبال أوبي معه﴾ رجعي بعد التسبيح ﴿والطير﴾، فيكون المعنى: ولقد آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال وتأويب الطير، فيدل هذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه وكبر سلطانه حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها ﴿وألنا له الحديد﴾ جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق ﴿أن اعمل سابغات وقدر في السرد﴾ في نسجها ﴿واعملوا صالحا﴾ الضمير لداود وأهله ﴿إني بما تعملون بصير﴾ ﴿ولسليمان الريح﴾ أي: وسخرنا له الريح، وهو من جملة الفضل الذي أعطيه داود، ولذلك لم يقل: ولقد آتينا سليمان منا فضلا كما قال لأبيه ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر والعشي كذلك ﴿وأسلنا له عين القطر﴾ النحاس المذاب، وكان ذلك باليمن ينبع نبع الماء ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه﴾ عطف على الريح ﴿بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير﴾ ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب﴾ قصورا حصينة ومساكن شريفة ﴿وتماثيل﴾ وصورا وتماثيل للملائكة ﴿وجفان﴾ صحاف ﴿كالجواب﴾ كالحياض الكبار ﴿وقدور راسيات﴾ ثابتات، فلما ذكر الله تعالى هذه المنن لداود التي لم ينلها غيره من تأويب الجبال والطير وإلانة الحديد والمنن التي أعطيها سليمان ﵊ التي لم يعطها غيره من الريح وعين القطر وتسخير الجن، قال تعالى لداود وآله من سليمان وبقية ذريته: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ و ﴿شكرا﴾ نصب على المفعول لأجله أي: لأجل أن تكونوا شاكرين أي: اعملوا له واعبدوه شكرا على ما أنعم به عليكم بما لم ينعم به

стр. 32

على أحد قبلكم ولا أحد بعدكم؛ لأن الحمد إذا وقع في مقابلة النعم كان شكرا، قال تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ والمتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفى حقه؛ لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعى شكرا آخر لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر، قال الشاعر: كلما قلت أعتق الشكر رقي ... صيرتني لك المكارم عبدا أين عمر الزمان حتى أؤدي ... شكر حسناتك الذي لا يؤدا ولهذا قال السبكي أول متن جمع الجوامع: نحمدك اللهم على نعم يؤذن الحمد بازديادها أي : الحمد عليك يعلم بزيادتها؛ لأنه متوقف على الإلهام له والإقدار عليه، وهما من جملة النعم، فيقتضيان الحمد، وهو مؤذن بالزيادة المقتضية للحمد أيضا، وهلم جرا، فلا غاية للنعم حتى يوقف بالحمد عليها، ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. قال جعفر بن سليمان كان داود نبي الله ﷺ قد جزَّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود يصلي. وقوله: ولذلك قيل إلخ، أشار به إلى ما ذكره الغزالي في الإحياء أن داود ﵇ قال في مناجاته: يا رب إذا كان إلهامك للشكر وإقدارك عليه نعمة فكيف يتأتى لي شكرك؟ فقال: يا داود، إذا عرفت هذا فقد شكرتني، ونظم بعضهم هذا المعنى فقال: إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... على له لي مثلها يجب الشكر \٥٠ فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتسع العمر \٥٠ إذا مس بالنعماء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر \٥٠ ولما كان الشكر عرفا صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه لما خلق لأجله من السمع والبصر والعلم والمال والجاه وغيرها، فإن قلنا: إنه يصرف ذلك في وقت واحد لما خلق لأجله كان ذلك في غاية العسر، وإن قلنا في أوقات مختلفة أمكن ذلك، ويدل له ما مر عن داود ﵇، وقد قال أهل الأصول: شكر النعم واجب بالشرع لا بالعقل خلافا للمعتزلة، قال المحلي: أي الثناء على الله تعالى لإنعامه بالخلق والرزق والصحة وغيرها بالقلب بأن يعتقد أنه تعالى وليها أو اللسان بأن يتحدث بها أو غيره كأن يخضع له تعالى، وهذا منه بناء على أن المراد بالشكر في كلامهم الشكر اللغوي، وهو أنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه على الشاكر، وإنما كان الشكر من أخص ما يثنى به على المنعم، وكان ما أنعم به تعالى على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام من الأمور الغريبة العجيبة المختصة بهما دون غيرهما أمرهما الله تعالى بعمل الشكر وعبر بـ: ﴿اعملوا﴾ دون: اشكروا مثلا؛ ليشمل كل عمل قلبي ولساني حالي أو قالي@، ولما

стр. 33

كان ما أنعم به على داود راجعا لسليمان عليهما الصلاة والسلام وآل داود؛ لأن ما ثبت له من الفخر ثابت لولده وآله، قال تعالى: ﴿اعملوا آل داود﴾ الشامل لسليمان وغيره، بل ولداود إلا أنه ما جمع الجميع إلا لسليمان آخرة الأمر مع ما أوتيه من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، وكل ذلك ببركة بنائه لبيت المقدس وتعظيمه له حتى بنى قبة الصخرة المشرفة ثمانية عشر ميلا في الهواء لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ولهذا لما أحكم البناء سأل الله ثلاث خصال ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وحكما يواطئ حكمه تعالى، ومن أتى هذا المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، قال ﷺ : أما اثنتان فأعطيهما سليمان وأنا أرجو الثالثة، وهي الأخيرة، والمقام يحتاج لبسط كبير ليس هذا محله، والله أعلم. مطلب: فيمن كتب آية أو حديثا وعلقه على شجرة أو غيرها . (سئل) فيما إذا كتب إنسان آية من كتاب الله العزيز أو حديثا من أحاديث رسول الله ﷺ وعلق ذلك على شجرة لأجل التبرك بالقرآن والسنة والتيمن ورجاء أن يبارك الله تعالى في ثمر تلك الشجرة، فهل ذلك جائز بلا كراهة، ويكون ملحقا بالتميمة التي تعلق على الرأس تيمنا وتبركا بالقرآن، ورجاء الشفاء ببركة القرآن أو محرم أو مكروه ككتابة القرآن على الأحجار والحيطان وهل إذا اعترض معترض على ذلك وقال: هذا محرم؛ لأنه صلب للقرآن، يسلم له هذا الاعتراض؟ (أجاب) اعلم أن القرآن لا يكون قرآنا إلا بالقصد، قال ابن حجر: العبرة في قصده الدراسة والتبرك حال الكتابة دون ما بعدها وبالكاتب لنفسه أو غيره التبرك وإلا فآمره@ أو مستأجره، وظاهر عطف هذا على المصحف أن ما يسمى مصحفا عرفا لا عبرة بقصد دراسة ولا تبرك، وأن هذا إنما لا يعتبر فيما لا يسماه، فإن قصد به دراسة حرم أو تبرك لم يحرم. انتهى. قال الشيخ على الحلبي: لأنه لا يسمى قرآنا إلا بالقصد، فهو قابل للصرف، ولهذا لو حمله في متاع وقصد المتاع لم يحرم، وهكذا لو قرأ القرآن وهو جنب لا يقصد القرآن لم يحرم، وأنت ترى جميع الأئمة مصرحين بجواز كتابة بعض القرآن تمائم تعليقا تبركا وشربا، كذلك لا فرق في ذلك على الأشجار التي تظهر من الآي عليها الأنوار والأسرار كما علمت من قبول القرآن للصرف وغيره كالدرس وللشرب تبركا كما يتلى عليك من النقول، منها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن صفي بن ميسرة قال: رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وذلك قول الله: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله﴾. خرجه الجلال السيوطي في الدر المنثور. ومنها ما نص عليه الفقهاء والعبارة للعباب أن المكتوب لغير دراسة كحرز وثوب ودرهم لا يحرم مسه ومنها ما ذكره الإمام اليافعي، وناهيك به جلالة في خواص بسم الله الرحمن الرحيم. قال: وإذا كتبت

стр. 34

في ورقة خمسا وثلاثين ووضعت في البيت لم يقربه شيطان ولا جان وكثرت فيه البركة، وإذا علقت تلك الورقة في دكان كثر زبونه وزاد ربحه، ثم قال: وإذا كتبت في ورقة مائة مرة ودخلت في الزرع خصب ذلك الزرع وحفظ من الآفات وحصلت فيه البركة. انتهى. فالحمد لله، فالورقة لم تدفن، وإنما توضع فوق الرءوس لتمر بها الرياح، فتنال من خيرها وبركتها، وكذا لو مررت بها على إنسان ناله خيرها، أو شجر ناله بركتها، أو على زرع نما وزكا، أو على أرض حصل لها الشرف والرفعة، فاتق الله ولا تكن من الغافلين المحجوبين عن الأنوار والأسرار، ثم ذكر اليافعي أن هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿قل إن الفضل بيدي الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ خاصية هذه الآية الشريفة لسعة الرزق، ومن يريد خطبة النساء يكتبها يوم الخميس في ورقة ويعلقها على باب حانوته أو مع بيعه أو شرائه، فإنه يرزق خيرا كثيرا، ويدر عليه الرزق، ثم ذكر من خواص قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله﴾ إلى آخر الصورة أنها لا توضع في مكان إلا عمت فيه البركة، ولا في حانوت إلا كثر زبونه، ولا في حمام إلا ودخل عليه الداخلون، ولا حملها في سفر في بر أو بحر إلا حفظ ببركتها ولم ير ما يكرهه أبدا، ويكون سفرا مباركا، وتقضي جميع حوائجه. انتهى. ومثل هذا مما لا يخفى، ففي المعترض إما بضاعته مزجاة أو عقيدته غير معفاة، أو أنه ممن قلد العقل مع عمى البصيرة أو لم يحضره النقل مع سوء السريرة. وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا والله أعلم. مطلب: فيما يفعله الناس من الميل والتحريك حال القراءة والذكر (سئل) فيما يفعله الناس من الميل والتحريك في حال القراءة والذكر وشبههما كما هو مشاهد من جميع الناس، هل لذلك أصل في السنة أو لا؟ وهل هو حرام أو مكروه أو مندوب؟ وهل يثاب عليه؟ وهل ثبت أنه من التشبه باليهود أو لا؟ (أجاب) إذا تأملت قول الله : ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ وقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾ مع آيات كثيرة غيرهما مع قول الأصوليين وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع مع ما لهم من الأمثلة الدالة على ذلك مع ما ورد في تفسير الآيات المذكورة وغيرها، علمت أن الحركة في الذكر والقراءة ليست محرمة ولا مكروهة، بل هي مطلوبة في جملة أحوال الذاكرين من قيام وقعود وجنوب وحركة وسكون وسفر وحضرة وغنى وفقر، فقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اذكروا الله ذكرا﴾ يقول: لا يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال:

стр. 35

اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم بالليل والنهار في البحر والبر في السفر والحضر في الغناء والفقر في الصحة والسقم والسر والعلانية وعلى كل حال، وقال: سبحوه بكرة وأصيلا، فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته، قال الله تعالى: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله ﴿اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ قال: باللسان التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، واذكروه على كل حال، وسبحوه بكرة وأصيلا، يقول: صلوا له بكرة بالغداة وأصيلا بالعشي. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: لما نزلت﴾ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴿فقال أبو بكر: يا رسول الله ما أنزل عليك خير إلا أشر كنا فيه، فنزلت هو الذي يصلى عليكم وملائكته﴾ فإذا تأملت رواية ابن عباس: وعلى كل حال، ورواية مقاتل في قوله: واذكروه على كل حال، علمت صحة قول الأصوليين المذكور، وشمل كل حال حال الحركة والسكون، وشمل الذكر القرآن وغيره، بل القرآن أجل الذكر، وليس في ذلك من التشبه باليهود بحال؛ لأن حال الذاكر والقارئ لكتاب الله من أين تكون لليهود ومن أين لهم التلبس بها حتى نشابههم فيها، ويبقى النظر في أن الحركة أولى أو السكون، قد يقال: إن الحركة أولى، ويدل لذلك أن جبريل ﵇ لما جاء لرسول الله ﷺ وهو بغار حراء، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فأخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد ثلاثا، فهذا دليل على طلب الحركة للذكر، ويدل له أيضا أن الله تعالى شبه المنافقين بالخشب المسندة ذما لهم، قال البيضاوي: مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحا خالية عن العلم. انتهى. ويدل له قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا﴾ فإن السير في الأرض يلزمه الحركة المترتب عليها النظر الموجب للعلم، وقد يقال: إن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فرب ذاكر ساكن غافل، فإذا تحرك تيقظ، فالحركة أولى له، ورب ذاكر متحرك الحركة تذهب خشوعه، فالسكون له أولى، ورب ذاكر قارئ يستوي عنده الحالان، فيفعل ما شاء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾ إلخ ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾؟ (أجاب) قال ابن عباس: ﴿صبغة الله﴾ أي: دين الله تعالى، وإنما سماه صبغة؛ لأن أثر الدين يظهر على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب، وقيل: هي فطرة الله، وقيل: سنة الله، وقيل: أراد به الختان؛ لأنه يصبغ على المختتن بالدم. قال ابن عباس: إن النصارى إذا ولد لأحدهم مولود وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يسمونه: ماء المعمودية، وصبغوه به ليطهروه مكان الختان، وإذا فعلوا ذلك قالوا:

стр. 36

الآن صار نصرانيا حقا، فأخبر الله تعالى أن دينه الإسلام، لا ما تفعله النصارى، والله اعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ إلخ ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾؟ (أجاب) يعني: اذكروني بالصلاة والتسبيح والتحميد والتعظيم والتمجيد ونحو ذلك من الأذكار؛ أذكركم بالثواب والرضى عنكم. وقيل: معناه أجازيكم؛ لما ورد في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه». وقال ابن عباس: معناه اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي. وقيل: اذكروني في النعم والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء. وقال أهل المعاني: اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالجنان والرضوان. وقيل: اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص، اذكروني بالقلوب أذكركم بغفران الذنوب، اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة﴾ إلخ ؟ (سئل) ما معنى قوله: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾؟ (أجاب) المصيبة: النوائب والابتلاء. روى عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، آجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرا منها». قيل: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت هذه الأمة، يعني الاسترجاع عند المصيبة، ولو أعطيها أحد لأعطي يعقوب ﵇، ألا تسمع إلى قوله عند فقد يوسف: ﴿يا أسفى على يوسف﴾. وقيل: في قول العبد: إنا لله وإنا إليه راجعون، تفويض منه إلى الله تعالى، وأنه راض بما نزل به من المصائب. روي أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مؤمن يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه سيئاته كما تحط الشجرة ورقها»، و «إذا أراد الله بالعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بالعبد الشر أمسك عنه حتى يوافى يوم القيامة». وقال: «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، والله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» وما يزال البلاء في المؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة «. وسئل رسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة». وقوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ أي: من هذه صفتهم عليهم صلوات أي: مغفرة من ربهم ورحمة أي: نعمة وفضل وإحسان، ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ أي: إلى الحق والصواب، وقيل: إلى الاسترجاع، وقيل: إلى الجنة، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ الآية ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع

стр. 37

الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾؟ (أجاب) المعنى: إن في خلق السماوات والأرض وما فيها من العجائب كسمك لسماء وارتفاعها بغير عمد ولا علاقة، وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم ومد الأرض وبسطها على الماء، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار والثمار، واختلاف الليل والنهار بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان والنور والظلمة وقدم الليل؛ لأن الظلمة أقدم، وقيل: ذكر الليل والنهار بسبب أن انتظام أحوال العباد وسبب طلب الكسب والمعيشة يكون بالنهار، وطلب النوم والراحة يكون في الليل، واختلافهما إنما هو لتحصيل مصالح العباد. وقوله تعالى: ﴿والفلك﴾ أي: السفن ﴿التي تجري في البحر﴾ وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل السفن مع قوة سلطان الماء وهيجان البحر، فلا ينجي منه إلا الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿بما ينفع الناس﴾ أي: من ركوبها والحمل عليها في التجارة وحمل الأرباح، وإن الله تعالى لو لم يقو قلب من يركب هذه السفن لما تم الغرض في تجارتهم ومنافعهم، وأيضا فإن الله تعالى خص كل قطر من أقطار العالم بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل، فصار ذلك سببا يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وخوف البحر ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ أي: المطر، ﴿فأحيا به﴾ أي: بالمطر ﴿الأرض﴾ أي: بالنبات ﴿بعد موتها﴾ أي: يبسها وجدبها، وسماه موتا مجازا؛ لأن الأرض التي لم يصبها المطر ولا الماء ميتة، ولأن الله تعالى جعله سببا لإحياء الجميع من حيوان ونبات، ونزوله عند الحاجة إليه بمقدار المنفعة، وإنزاله بمكان دون مكان. وقوله: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ أي: فرق في الأرض كل دابة. قال ابن عباس: الدابة كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق؛ لأنهم ينمون بالخصب. وقوله: ﴿وتصريف الرياح﴾ أي: مهابها جنوبا وشمالا ودبورا حارة باردة لينة وعاصفة، وسميت رياحا؛ لأنها تريح. قال ابن عباس: أعظم جنود الله تعالى الريح. وقيل: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو ضده. وقيل: البشارة في ثلاث رياح: الصبا والشمال والجنوب، وأما الدبور هي الريح العقيم التي أهلكت بها عاد، والآية في الريح أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهو مع ذلك في غاية القوة، تقلع الشجر والصخر، وتخرب البنيان العظيم، وهي مع ذلك حياة الوجود، فلو أمسكت طرفة عين لمات كل ذي روح ولنتن ما على وجه الأرض. وقوله تعالى: ﴿والسحاب﴾ أي: الغيم ﴿المسخر﴾ أي: المذلل سمي سحابا لسرعة سيره ﴿بين السماء والأرض﴾ بلا علاقة، ففي هذه الأنواع الثانية التي هي خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ونفع

стр. 38

الناس والمطر والدواب والرياح والسحاب دلالة عظيمة على وجود الصانع القادر المختار، وأنه الواحد في ملكه لا شريك ولا نظير له، وذلك ﴿لآيات﴾ أي: دلائل على وحدانيته ﴿لقوم يعقلون﴾ أي: يتدبرون وينظرون في خلقه تعالى، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿تولج الليل في النهار﴾ الآية ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي﴾ الآية؟ (أجاب) الولوج هو الدخول، وهو أن يجعل الليل قصيرا وما نقص منه يكون زائدا في النهار، ويجعل النهار قصيرا وما نقص منه يكون زائدا في الليل. وقيل: المراد أنه تعالى يأتي بسواد الليل عقب ضوء النهار، ويأتي بضوء النهار بعد ظلمة الليل، وأنه يخرج الإنسان الحي من النطفة، ويخرج الفرخ وهو حي من البيضة وهي ميتة، وبالعكس. وقيل: يخرج النبات الأخضر من الحب اليابس، ويخرج النخلة من النواة، وعكسه. وقيل: إنه تعالى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن؛ لأن المؤمن حي الفؤاد والكافر ميته، وهو يرزق من يشاء بغير حساب، أي: رزقا واسعا من غير تضييق ولا تعسير، بل يبسط الرزق لمن يشاء ويوسعه والله أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله﴾ الآية ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾؟ (أجاب) قيل: إن رهطا من أهل نجران قالوا للنبي ﷺ : يا محمد، هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فنزلت هذه الآية، يعني إن مثل عيسى في الخلق والإنشاء في كونه خلق من غير أب كمثل آدم خلقه من تراب، لا من أب وأم، ومن أقر بأن الله تعالى خلق آدم من تراب يابس وهو أبلغ في القدرة، فلم لا يقر بأن الله تعالى خلق عيسى ابن مريم من غير أب. حكي أن بعض العلماء أسر في بلاد الروم، فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له، فقال لهم: فآدم أولى؛ لأنه لا أب له ولا أم، فقالوا: فإنه كان يحيي الموتى، فقال لهم: فحزقيل أولى؛ لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف، فقالوا له: إنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، فقال لهم: فجرجيس أولى؛ لأنه طبخ وأحرق ثم خرج سليما، وقال له: كن فلانا. وقوله تعالى: ﴿فيكون﴾ أراد هنا بالمستقبل الماضي أي: فكان لا محالة، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ الآية ؟ (سئل) عن قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾ الآية، وكيف يكون طولها؟ (أجاب) يعني بادروا وسابقوا وأقبلوا إلى ما يوجب لكم المغفرة من ربكم، وهي الأعمال الصالحة. وقال ابن عباس: سارعوا إلى الإسلام أو إلى التوبة؛ لأن التوبة من الذنوب توجب المغفرة. وقال علي بن أبي طالب: إلى أداء الفرائض. وروي عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير أنها التكبيرة الأولى أي: تكبيرة الإحرام، وقيل: إلى الإخلاص في الأعمال، وخص العرض في الجنة

стр. 39

للمبالغة؛ لأن الطول في العادة يكون أكثر من العرض، تقول: هذه صفة عرضها فكيف بطولها؟ وذلك بأنه لو جعلت السماوات والأرض طبقا طبقا، ثم وصل البعض بالبعض حتى يكون طبقا واحدا كان ذلك مثل عرض الجنة، فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى. روي أن هرقل أرسل للنبي ﷺ يقول له: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟» والله تعالى أعلم. (سئل) عن قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين؟ ما الحكمة في ذلك مع أنه ﷺ لا يحتاج لمشاورة أحد؟ (أجاب) قيل: أمر الله تعالى نبيه ﷺ بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم مع كمال عقله ﷺ وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه، وكان ﷺ كثير المشاورة لهم، وقال علي كرم الله وجهه: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك الندم، فإذا عزمت على إمضاء ما تريد بعد المشاورة فتوكل وثق بالله تعالى، واستعن به في أمورك كلها، ولا تعتمد إلا عليه؛ فإنه ولي الإعانة والعصمة والتسديد. والمقصود لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله في جميع أموره، وإن المشاورة لا تنافي التوكل، والله يحب المتوكلين عليه في جميع أمورهم، فيجب أن يتوكل العبد في كل الأمور على الله تعالى لا على غيره. روي عن عمران بن حصين أنه قال: قال رسول الله ﷺ «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محيصن: فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم. فقام آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله لي أن يجعلني منهم. فقال ﷺ : سبقك بها عكاشة». وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا» والله أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ (سئل) عن قوله تعالى ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تكن حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾؟ (أجاب) يعني أن الله تعالى لا يظلم أحدا وزن ذرة، وهي رأس نملة حمراء كما قال ابن عباس. وقيل: الذرة من أجزاء الهباء الذي يكون في الكوة إذا كان فيها ضوء الشمس لا وزن لها، وهذا مثل ضربه الله لأقل الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لا يظلم أحدا شيئا من قليل ولا كثير، وإن تك الذرة حسنة من مؤمن يضعفها من عشر إلى أكثر من سبعمائة. روي عن ابن مسعود أنه قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم

стр. 40

ينادي مناد من عند الله تعالى: ألا من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه فليأخذه، قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو أخيه، فيأخذه منه، وإن كان حقيرا. والله تعالى أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات﴾ (سئل) ما معنى الأمانة في قوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾؟ (أجاب) نزلت هذه الآية لما أخذ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مفتاح الكعبة من طلحة بن عثمان قهرا منه لما قدم ﷺ مكة عام الفتح، فأمر ﷺ عليا برد المفتاح لعثمان، ويعتذر إليه، فدفعه إليه وقال له: إن الله تعالى أنزل في شأنك قرآنا وقرأ عليه هذه الآية، فأسلم، فكان المفتاح معه إلى أن مات فدفعه إلى أخيه شيبة، وبقي المفتاح في أولاده إلى يوم القيامة. وقيل: إن الآية عامة في جميع الأمانات التي يحملها الإنسان. وقال ابن مسعود: الأمانة لازمة في كل شيء حتى في الوضوء والغسل من الجنابة والصلاة والذكاة والصوم وسائر أنواع العبادات. وقيل: الأمانة هو ما أنعم الله تعالى به عليه من سائر أعضائه، فأمانة اللسان حفظه من الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك، وأمانة العين غضها عن المحارم، وأمانة السمع أن لا يشغله بشيء من اللهو والفحش والأكاذيب ونحوه، ثم سائر الأعضاء على نحو ذلك. وقيل: الأمانة رعاية أمانة الله تعالى مع سائر عباد الله تعالى، فيجب عليه رد الودائع والعواري إلى أربابها التي ائتمنوه عليها، ولا يخونهم فيها، ولا يطفف في الكيل والوزن؛ لقوله ﷺ «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». انتهى. والله تعالى أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله﴾ إلخ (سئل) ما معنى قوله تعالى ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾؟ (أجاب) المعنى: ما أصابك أيها الإنسان من خير ونعمة فمن فضل الله تعالى عليك، يتفضل به إحسانا منه إليك، وما أصابك من شدة وبلية ومشقة ومكروه وأذى فمن نفسك، أي بذنب اكتسبته نفسك، فاستوجبت ذلك. وقال الكلبي: ما أصابك من خير فالله أهداك له وأعانك عليه، وما أصابك من أمر تكرهه فبذنبك عقوبة لذلك الذنب وإضافة السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب، بل الفعلان راجعان إلى الله تعالى. والله أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ إلخ (سئل) عن قوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ الآية، ما المراد بالخلود هنا؟ وقال الشيباني في عقيدته: ولم يبق في نار الجحيم موحد ولو قتل النفس الحرام تعمدا؟ (أجاب) المراد بالخلود في الآية لمن يستحل القتل، ومن استحل قتل مسلم كان كافرا، وهو مخلد في النار بسبب كفره، وقيل: إن الخلود لا يقتضي التأبيد، بل معناه طول المكث؛ لما ورد أن الله تعالى يعذب قاتل المؤمن عمدا في النار إلى حيث شاء الله، ثم يخرجه منها بفضل رحمته وكرمه. وقيل: إن قاتل المؤمن عمدا عدوانا إذا تاب قبلت
следующие страницы →