← Фикх шафии

Фикх шафии · id 8648

فتاوي الخليلي على المذهب الشافعي

محمد الخليلي

Полный текст (525 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الآن صار نصرانيا حقا، فأخبر الله تعالى أن دينه الإسلام، لا ما تفعله النصارى، والله اعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ إلخ ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾؟ (أجاب) يعني: اذكروني بالصلاة والتسبيح والتحميد والتعظيم والتمجيد ونحو ذلك من الأذكار؛ أذكركم بالثواب والرضى عنكم. وقيل: معناه أجازيكم؛ لما ورد في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه». وقال ابن عباس: معناه اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي. وقيل: اذكروني في النعم والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء. وقال أهل المعاني: اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالجنان والرضوان. وقيل: اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص، اذكروني بالقلوب أذكركم بغفران الذنوب، اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة﴾ إلخ ؟ (سئل) ما معنى قوله: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾؟ (أجاب) المصيبة: النوائب والابتلاء. روى عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، آجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرا منها». قيل: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت هذه الأمة، يعني الاسترجاع عند المصيبة، ولو أعطيها أحد لأعطي يعقوب ﵇، ألا تسمع إلى قوله عند فقد يوسف: ﴿يا أسفى على يوسف﴾. وقيل: في قول العبد: إنا لله وإنا إليه راجعون، تفويض منه إلى الله تعالى، وأنه راض بما نزل به من المصائب. روي أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مؤمن يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه سيئاته كما تحط الشجرة ورقها»، و «إذا أراد الله بالعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بالعبد الشر أمسك عنه حتى يوافى يوم القيامة». وقال: «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، والله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» وما يزال البلاء في المؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة «. وسئل رسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة». وقوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ أي: من هذه صفتهم عليهم صلوات أي: مغفرة من ربهم ورحمة أي: نعمة وفضل وإحسان، ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ أي: إلى الحق والصواب، وقيل: إلى الاسترجاع، وقيل: إلى الجنة، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ الآية ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع

стр. 37

الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾؟ (أجاب) المعنى: إن في خلق السماوات والأرض وما فيها من العجائب كسمك لسماء وارتفاعها بغير عمد ولا علاقة، وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم ومد الأرض وبسطها على الماء، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار والثمار، واختلاف الليل والنهار بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان والنور والظلمة وقدم الليل؛ لأن الظلمة أقدم، وقيل: ذكر الليل والنهار بسبب أن انتظام أحوال العباد وسبب طلب الكسب والمعيشة يكون بالنهار، وطلب النوم والراحة يكون في الليل، واختلافهما إنما هو لتحصيل مصالح العباد. وقوله تعالى: ﴿والفلك﴾ أي: السفن ﴿التي تجري في البحر﴾ وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل السفن مع قوة سلطان الماء وهيجان البحر، فلا ينجي منه إلا الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿بما ينفع الناس﴾ أي: من ركوبها والحمل عليها في التجارة وحمل الأرباح، وإن الله تعالى لو لم يقو قلب من يركب هذه السفن لما تم الغرض في تجارتهم ومنافعهم، وأيضا فإن الله تعالى خص كل قطر من أقطار العالم بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل، فصار ذلك سببا يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وخوف البحر ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ أي: المطر، ﴿فأحيا به﴾ أي: بالمطر ﴿الأرض﴾ أي: بالنبات ﴿بعد موتها﴾ أي: يبسها وجدبها، وسماه موتا مجازا؛ لأن الأرض التي لم يصبها المطر ولا الماء ميتة، ولأن الله تعالى جعله سببا لإحياء الجميع من حيوان ونبات، ونزوله عند الحاجة إليه بمقدار المنفعة، وإنزاله بمكان دون مكان. وقوله: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ أي: فرق في الأرض كل دابة. قال ابن عباس: الدابة كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق؛ لأنهم ينمون بالخصب. وقوله: ﴿وتصريف الرياح﴾ أي: مهابها جنوبا وشمالا ودبورا حارة باردة لينة وعاصفة، وسميت رياحا؛ لأنها تريح. قال ابن عباس: أعظم جنود الله تعالى الريح. وقيل: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو ضده. وقيل: البشارة في ثلاث رياح: الصبا والشمال والجنوب، وأما الدبور هي الريح العقيم التي أهلكت بها عاد، والآية في الريح أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهو مع ذلك في غاية القوة، تقلع الشجر والصخر، وتخرب البنيان العظيم، وهي مع ذلك حياة الوجود، فلو أمسكت طرفة عين لمات كل ذي روح ولنتن ما على وجه الأرض. وقوله تعالى: ﴿والسحاب﴾ أي: الغيم ﴿المسخر﴾ أي: المذلل سمي سحابا لسرعة سيره ﴿بين السماء والأرض﴾ بلا علاقة، ففي هذه الأنواع الثانية التي هي خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ونفع

стр. 38

الناس والمطر والدواب والرياح والسحاب دلالة عظيمة على وجود الصانع القادر المختار، وأنه الواحد في ملكه لا شريك ولا نظير له، وذلك ﴿لآيات﴾ أي: دلائل على وحدانيته ﴿لقوم يعقلون﴾ أي: يتدبرون وينظرون في خلقه تعالى، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿تولج الليل في النهار﴾ الآية ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي﴾ الآية؟ (أجاب) الولوج هو الدخول، وهو أن يجعل الليل قصيرا وما نقص منه يكون زائدا في النهار، ويجعل النهار قصيرا وما نقص منه يكون زائدا في الليل. وقيل: المراد أنه تعالى يأتي بسواد الليل عقب ضوء النهار، ويأتي بضوء النهار بعد ظلمة الليل، وأنه يخرج الإنسان الحي من النطفة، ويخرج الفرخ وهو حي من البيضة وهي ميتة، وبالعكس. وقيل: يخرج النبات الأخضر من الحب اليابس، ويخرج النخلة من النواة، وعكسه. وقيل: إنه تعالى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن؛ لأن المؤمن حي الفؤاد والكافر ميته، وهو يرزق من يشاء بغير حساب، أي: رزقا واسعا من غير تضييق ولا تعسير، بل يبسط الرزق لمن يشاء ويوسعه والله أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله﴾ الآية ؟ (سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾؟ (أجاب) قيل: إن رهطا من أهل نجران قالوا للنبي ﷺ : يا محمد، هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فنزلت هذه الآية، يعني إن مثل عيسى في الخلق والإنشاء في كونه خلق من غير أب كمثل آدم خلقه من تراب، لا من أب وأم، ومن أقر بأن الله تعالى خلق آدم من تراب يابس وهو أبلغ في القدرة، فلم لا يقر بأن الله تعالى خلق عيسى ابن مريم من غير أب. حكي أن بعض العلماء أسر في بلاد الروم، فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له، فقال لهم: فآدم أولى؛ لأنه لا أب له ولا أم، فقالوا: فإنه كان يحيي الموتى، فقال لهم: فحزقيل أولى؛ لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف، فقالوا له: إنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، فقال لهم: فجرجيس أولى؛ لأنه طبخ وأحرق ثم خرج سليما، وقال له: كن فلانا. وقوله تعالى: ﴿فيكون﴾ أراد هنا بالمستقبل الماضي أي: فكان لا محالة، والله تعالى أعلم. مطلب: ما معنى قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ الآية ؟ (سئل) عن قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾ الآية، وكيف يكون طولها؟ (أجاب) يعني بادروا وسابقوا وأقبلوا إلى ما يوجب لكم المغفرة من ربكم، وهي الأعمال الصالحة. وقال ابن عباس: سارعوا إلى الإسلام أو إلى التوبة؛ لأن التوبة من الذنوب توجب المغفرة. وقال علي بن أبي طالب: إلى أداء الفرائض. وروي عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير أنها التكبيرة الأولى أي: تكبيرة الإحرام، وقيل: إلى الإخلاص في الأعمال، وخص العرض في الجنة

стр. 39

للمبالغة؛ لأن الطول في العادة يكون أكثر من العرض، تقول: هذه صفة عرضها فكيف بطولها؟ وذلك بأنه لو جعلت السماوات والأرض طبقا طبقا، ثم وصل البعض بالبعض حتى يكون طبقا واحدا كان ذلك مثل عرض الجنة، فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى. روي أن هرقل أرسل للنبي ﷺ يقول له: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟» والله تعالى أعلم. (سئل) عن قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين؟ ما الحكمة في ذلك مع أنه ﷺ لا يحتاج لمشاورة أحد؟ (أجاب) قيل: أمر الله تعالى نبيه ﷺ بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم مع كمال عقله ﷺ وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه، وكان ﷺ كثير المشاورة لهم، وقال علي كرم الله وجهه: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك الندم، فإذا عزمت على إمضاء ما تريد بعد المشاورة فتوكل وثق بالله تعالى، واستعن به في أمورك كلها، ولا تعتمد إلا عليه؛ فإنه ولي الإعانة والعصمة والتسديد. والمقصود لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله في جميع أموره، وإن المشاورة لا تنافي التوكل، والله يحب المتوكلين عليه في جميع أمورهم، فيجب أن يتوكل العبد في كل الأمور على الله تعالى لا على غيره. روي عن عمران بن حصين أنه قال: قال رسول الله ﷺ «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محيصن: فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم. فقام آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله لي أن يجعلني منهم. فقال ﷺ : سبقك بها عكاشة». وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا» والله أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ (سئل) عن قوله تعالى ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تكن حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾؟ (أجاب) يعني أن الله تعالى لا يظلم أحدا وزن ذرة، وهي رأس نملة حمراء كما قال ابن عباس. وقيل: الذرة من أجزاء الهباء الذي يكون في الكوة إذا كان فيها ضوء الشمس لا وزن لها، وهذا مثل ضربه الله لأقل الأشياء، والمعنى أن الله تعالى لا يظلم أحدا شيئا من قليل ولا كثير، وإن تك الذرة حسنة من مؤمن يضعفها من عشر إلى أكثر من سبعمائة. روي عن ابن مسعود أنه قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم

стр. 40

ينادي مناد من عند الله تعالى: ألا من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه فليأخذه، قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو أخيه، فيأخذه منه، وإن كان حقيرا. والله تعالى أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات﴾ (سئل) ما معنى الأمانة في قوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾؟ (أجاب) نزلت هذه الآية لما أخذ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مفتاح الكعبة من طلحة بن عثمان قهرا منه لما قدم ﷺ مكة عام الفتح، فأمر ﷺ عليا برد المفتاح لعثمان، ويعتذر إليه، فدفعه إليه وقال له: إن الله تعالى أنزل في شأنك قرآنا وقرأ عليه هذه الآية، فأسلم، فكان المفتاح معه إلى أن مات فدفعه إلى أخيه شيبة، وبقي المفتاح في أولاده إلى يوم القيامة. وقيل: إن الآية عامة في جميع الأمانات التي يحملها الإنسان. وقال ابن مسعود: الأمانة لازمة في كل شيء حتى في الوضوء والغسل من الجنابة والصلاة والذكاة والصوم وسائر أنواع العبادات. وقيل: الأمانة هو ما أنعم الله تعالى به عليه من سائر أعضائه، فأمانة اللسان حفظه من الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك، وأمانة العين غضها عن المحارم، وأمانة السمع أن لا يشغله بشيء من اللهو والفحش والأكاذيب ونحوه، ثم سائر الأعضاء على نحو ذلك. وقيل: الأمانة رعاية أمانة الله تعالى مع سائر عباد الله تعالى، فيجب عليه رد الودائع والعواري إلى أربابها التي ائتمنوه عليها، ولا يخونهم فيها، ولا يطفف في الكيل والوزن؛ لقوله ﷺ «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». انتهى. والله تعالى أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله﴾ إلخ (سئل) ما معنى قوله تعالى ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾؟ (أجاب) المعنى: ما أصابك أيها الإنسان من خير ونعمة فمن فضل الله تعالى عليك، يتفضل به إحسانا منه إليك، وما أصابك من شدة وبلية ومشقة ومكروه وأذى فمن نفسك، أي بذنب اكتسبته نفسك، فاستوجبت ذلك. وقال الكلبي: ما أصابك من خير فالله أهداك له وأعانك عليه، وما أصابك من أمر تكرهه فبذنبك عقوبة لذلك الذنب وإضافة السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب، بل الفعلان راجعان إلى الله تعالى. والله أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ إلخ (سئل) عن قوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ الآية، ما المراد بالخلود هنا؟ وقال الشيباني في عقيدته: ولم يبق في نار الجحيم موحد ولو قتل النفس الحرام تعمدا؟ (أجاب) المراد بالخلود في الآية لمن يستحل القتل، ومن استحل قتل مسلم كان كافرا، وهو مخلد في النار بسبب كفره، وقيل: إن الخلود لا يقتضي التأبيد، بل معناه طول المكث؛ لما ورد أن الله تعالى يعذب قاتل المؤمن عمدا في النار إلى حيث شاء الله، ثم يخرجه منها بفضل رحمته وكرمه. وقيل: إن قاتل المؤمن عمدا عدوانا إذا تاب قبلت

стр. 41

توبته بدليل قوله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ولأن الكفر أعظم من هذا القتل، وإذا كانت توبة الكافر من كفره مقبولة بدليل قوله تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ فلأن تقبل من الكافر أولى، والله أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا﴾ إلخ ؟ (سئل) عن قوله تعالى ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا ولباس التقوى﴾ ما معنى الريش ولباس التقوى؟ (أجاب) قال ابن عباس: الريش يعني المال؛ لأن المال ما يتزين به. وقال ابن زيد: الريش الجمال، وقيل: المتاع والأموال عندهم، ولباس التقوى العمل الصالح، أو اللباس؛ لأنه يستر العورة، وسترها من التقوى. وقوله ﴿إنا أنزلنا عليكم﴾ وهو أن الله تعالى أنزل المطر من السماء، وهو سبب نبات اللباس وجلب المال وغيره، والله أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين﴾ الآية . (سئل) عن قوله تعالى ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن﴾ ما المراد بالشياطين وهل من الإنس شياطين؟ (أجاب) الشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس، وكذلك شياطين الإنس أشد تمردا من شياطين الجن؛ لأن الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح وأعياه استعان على إغوائه بشيطان الإنس ليفتنه، ويدل على صحة ذلك قوله ﷺ لأبي ذر «هل تعوذت بالله من شيطان الجن والإنس؟ فقال أبو ذر: يا رسول الله، وهل للإنس من شيطان؟ قال: نعم، هم شر من شياطين الجن.» وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن؛ وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي، وهذه الآية فيها تسلية للنبي ﷺ أي: كما جعلنا لمن قبلك أعداء كذلك جعلنا لك عدوا، والله أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ إلخ . (سئل) عن قوله تعالى ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ما المراد بالمحو والإثبات؟ (أجاب) المعنى كما أن الكفار اعترضوا على رسول الله ﷺ وقالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر اليوم ثم يأمرهم بخلافه غدا، وما سبب ذلك إلا أنه يقول من تلقاء نفسه، فأجاب الله تعالى عن هذا الاعتراض بقوله ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾. وقال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض، فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء من ذلك، فلا ينسخه ولا يبدله. وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة. وقال سعيد بن جبير: يمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفر. وقال عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات. وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله تعالى عند النوم، فمن أراد الله تعالى موته محاه وأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه. وقيل: يمحو الله ما يشاء الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل: هي المحن والمصائب، فهي مثبتة في الكتاب يمحوها بالدعاء

стр. 42

والصدقة. ومذهب أهل السنة أن لا اعتراض لأحد عليه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والله أعلم. مطلب: في قوله تعالى ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ . (سئل) عن قوله تعالى ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ ما المراد بهذا الإيحاء؟ (أجاب) يعني أن الله تعالى أوحى إليها أي: ألهمها أو أنه سخرها لما خلقها له وألهمها وأرشدها، وقدر في نفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتا على شكل مهندس من أضلاع متساوية لا تزيد ولا تنقص بعضها على بعض بمجرد طباعها، ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال لكان فيما بينها خلال، ولما حصل المقصود، فألهمها الله تعالى أن تبنيها على هذا الشكل المسدس الذي لا يحصل فيه خلل وفرجة خالية من صنائعه، وألهمها الله تعالى أن تجعل عليها أميرا كبيرا نافذ الحكم فيها وهي تطيعه وتمتثل أمره، ويكون هذا الأمير أكبرها جثة وأعظمها خلقة، ويسمى بيعسوب النحل، يعني ملكها، وألهمها الله تعالى أيضا أن تجعل على باب كل خلية بوابا لا يمكن غير أهلها من الدخول إليها، وألهمها الله تعالى أن تخرج من بيوتها تدور وترعى، ثم ترجع إلى بيوتها ولا تضل عنها، ولما امتازت بهذه الخواص العجيبة دل ذلك على الإلهام الإلهي، وكان شبيها بالوحي والله أعلم. (باب ما يتعلق بالحديث الشريف) مطلب: في قوله ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» إلخ . (سئل) هل في قوله ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» المروي للبخاري في التاريخ، ورواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواه مسلم أيضا - دلالة على انقطاع كرامة الأولياء بعد موتهم كما يعتقد ذلك بعض من طمس الله على قلوبهم وأبصارهم فهم لا يعقلون؟ وهل تقاس الكرامة على المعجزة المنقطعة بالموت؟ وهل في قول صاحب بدء الأمالي: كرامات الولي بدار دنيا ... لها كون فهم أهل النوالي دلالة أيضا على انقطاعهم بعد الموت، فإن كثيرا من الجهلة الذين لا خلاق لهم، ولم يشاهدوا أنوار الله في أوليائه أحياء وأمواتا؛ لأنهم في دار ليس بها ولي ولا نبي، وابتلوا بالحرمان، فهم في ظلمات يترددون، وفي غمرات من الجهل يسيرون، وعلى ربهم لا على أولياء الله يعترضون، إذ هو تعالى المؤيد لهم والمظهر لكرامتهم، فما الحال في ذلك؟ (أجاب) اعلم وفقني الله وإياك وشرح صدري وصدرك وجعلني وإياك ممن اعتقد لا ممن انتقد أنه لا دلالة في الأمور الثلاثة على انقطاع الكرامة أصلا؛ لأن الكرامة محض صنع الله تعالى، لا دخل فيها للولي قطعا، ولو قصدها بالتوجه له تعالى، بل بعض الأولياء تنفر نفوسهم ويخافون من ظهورها لأمور منها خوف المكر بهم

стр. 43

والاستدراج، ومنها الخوف من النفس واسترسالها وإعجابها، ومنها خوف الركون إلى الكرامة، ومنها الخوف على خلق الله تعالى، فقد شاهدنا بعض أرباب القلوب يعتدي عليه بعض الناس، فيخاف عليه من الله تعالى وانتقامه منه، فيبات مشتغلا له بالدعاء، وإن الله تعالى لا يؤاخذه بذنبه، ومع ذلك يحصل للمعتدي ضرر كبير، وهذا مقام إبراهيمي أخذا من قوله تعالى حكاية عنه على نبينا وعليه الصلاة والسلام في شأن الأصنام وعبادها ﴿رب أنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ فتأمل كيف إبراهيم ﵊ يعرض بطلب المغفرة لمن عصاه ولو بعبادة الأصنام رحمة منه وشفقة على عباد الرحمن، ولم يقل: ومن عصاك؛ لأن ذلك الذي ذكره أبلغ في طلب المغفرة من الله تعالى للعاصين؛ لأن إبراهيم ﵊ طلب المغفرة لمن عصاه من الله تعالى تلويحا منه بأن يغفر الله له أيضا؛ لأنه طلب المغفرة لمن عصاه وهو مخلوق، فكيف بالخالق وهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين؟ إذا علمت ذلك علمت أن الكرامة ليست من عمل العبد المنقطع بالموت، بل هي محض فضل الله تعالى، وفضله ليس للعبد فيه دخل أصلا، فلا تدخل في عموم قوله ﷺ «انقطع عمله»؛ لأنها ليست عملا للعبد، على أن هذا الحصر ليس بحقيقي؛ لأنه ورد في أحاديث غير هذا أمور كثيرة لا ينقطع فيها عمل العبد، فعدها الجلال السيوطي رحمه الله تعالى عشرة في قوله في أبيات: إذا مات ابن آدم ليس يجري ... عليه من أمور غير عشر علوم بثها ودعاء نجل ... وغرس النخل والصدقات تجري وراثة مصحف ورباط ثغر ... وحفر البئر أو إجراء نهر وبيتا للغريب بناه يأوى ... إليه أو بناء محل ذكر ولتعليم لقرآن كريم ... فخذها من أحاديث بحصر وسبقه إلى ذلك ابن العماد، فعدها ثلاثة عشر، وسرد أحاديثها، هذا هو الجواب من الحديث، وأما (الجواب) عن المعجزة فهي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، فقولنا: "بالتحدي" يخرج به الكرامة؛ لأنها لا تحدي فيها بل هي إكرام وتأييد من الله تعالى لأوليائه؛ حفظا لهم كما حفظوه، وتعظيما لهم كما عظموه، فهم لم يقصدوها، بل ربما لم يريدوها، فيجريها الله تعالى على وفق مرادهم؛ حفظا لهم وتعظيما، سواء كانوا أحياء أو أمواتا، أما المعجزة فالمراد منها معارضة الخصوم المكذبين والمنكرين على أنها قد تبقى بعد الموت كما في القرآن، فهو المعجزة المستمرة﴾ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ﴿وهو معنى التحدي المذكور في المعجزة، فقد ظهر الفرق بين المعجزة

стр. 44

والكرامة، وهي أن المعجزة مرادة ومقصودة للرسول بخلاف الكرامة، وإن قصدت في بعض الأحيان فقد تتخلف، والمراد من المعجزة التحدي ولا تحدى في الكرامة، وأما الجواب عن كلام بدء الأمالي فهو أن جميع الكرامات الواقعة من الأولياء أحياء وأمواتا واقعة في الدنيا لا في البرزخ ولا في الآخرة، فمراد بدء الأمالي أن فائدة الكرامة ونتيجتها إنما هي في الدنيا سواء ظهرت من الولي في حال حياته أم بعد مماته، فهي كائنة في الدنيا لا في الآخرة، فتأمل بإنصاف وخذ الحق لا بالاعتساف، فلا دلالة في هذه الأمور لنفي الكرامة للأولياء بعد موتهم، وإنما هذا مغالطة من قوم حجبوا عن كرامات الأولياء وعموا عنها بضلالهم وغيهم وعدم اطلاعهم عليها، ولم يأخذوها من أشياخ منورين وقلوب عارفين، بل من قوم لم يجاوز الإيمان حناجرهم، ونشأوا في بلاد ليس بها نبي ولا ولي، فهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون، ولا يعرفون مدلول اللغة ولا موارد القرآن ولا مفهوم الحديث النبوي ولا كلام العلماء المؤيدين من الله تعالى بالأنوار، ونعوذ بالله من الحرمان، وهو المستعان. وقد ذكر ابن حجر والرملي مما يدل على سوء الخاتمة إيذاء أولياء الله تعالى كآكل الربا، فقد أذن لآكل الربا بالمحاربة وكذلك لمن يؤذي الأولياء، فقد صح فيه ذلك، واعلم أنه جرت عادة الله تعالى، واستمرت سنته في خلقه تعالى أن كل معترض أو منتقد عليهم ﵃ لا يفلح أبدا، وإن أفلح في الدنيا لا يفلح في الآخرة، ولا ترى لأحد حالا ولا مقالا دنيويا ولا أخرويا إلا إذا كان ممن يعتقدهم وتفيض عليه بركاتهم وأنفاسهم الطاهرة وحركاتهم الفاخرة فاعتقد أو انتقدوها هنا تنبيه نبيه، وهو أنه ﷺ قال» الأرواح جند مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف «فكل معترض على أولياء الله تعالى أحياء وأمواتا أو منكر لكراماتهم ممن خالفت روحه روحهم فهو من قبضة الشمال، وهم من أهل اليمين، وهما معنى التعارف والتخالف، فأهل اليمين متعارفون، وأهل الشمال متخالفون، فاتق الله في أوليائه، ولا تكن لهما معاديا فتهلك مع الهالكين. وروى الطبراني عن أبي قرصافة «من أحب قوما حشره الله تعالى في زمرتهم». وها هنا مثال أوضح لك به طريق المعتقد والمنتقد، وهو أن طريق الاعتقاد أمن لا خوف فيه أصلا، وأما الاعتراض فمخوف من حيث احتمال الإيذاء لأولياء الله تعالى المؤذن فيه بالمحاربة من الله تعالى، فما حالك أيها المعترض إذا أصبحت معاديا لله ومحاربا له، فاسلك طريق الأمان ولا تسلك طريق الحرمان، وهنا أمران قطعيان: أحدهما: قوله ﷺ «لا تجتمع أمتي على ضلالة» وقد اجتمعت الأمة على ثبوت الكرامة في الجملة للأولياء، وهل من دليل

стр. 45

على نفي ذلك، وأيضا التواتر المعنوي المنقول في كل عصر بل في كل زمن على وجودها ووقوعها. الثاني: قوله ﷺ في الحديث المتواتر «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة. قالوا: يا رسول الله، أين نكون؟ قال: مع الجمهور.» فانظر فإن الجمهور على إثباتها واعتقادها، وأيضا فإن المنكر لها المعتزلة، وهم أقل من القليل لا يبلغون شرذمة بالنظر لغيرهم ممن أثبتها على أنها ممنوعة من أهل بدعة وضلالة؛ لأنها لا تكون إلا في سالم صدر وقوى يقين وتام تسليم وعظيم مراقبة وشديد محافظة وكثير عبادة وقوي ظن بالله ورسوله؛ لقوله تعالى «أنا عند ظن عبدي بي» فمهما ظنوه منه تعالى وقع كرامة أو غيرها، وقد حدث الآن فرقة فرقت بين موتهم، فلا توجد لهم كرامة وحياتهم فتوجد وكأنهم فروا من أن ينسب إليهم اعتزال، وظنوا بذلك تحريرا في المقال، ومع ذلك فلو دخلوا بذلك في عداد المعتزلة وسوء اعتقادهم، بل ربما كانوا على حال أشر من حال المعتزلة؛ لأني سمعت عن بعض من ينسب له هذا المذهب، ويسمى الآن قاضي زادلي، أنه ينكر ذلك حتى من الأنبياء بعد موتهم، فيقول: إنهم عليهم الصلاة والسلام لا كرامة لهم ولا بركة لهم بعد الموت، فقد نقل لي بعض من أثق به أنه قدم له زبيبا وقال له: كل من بركة الخليل على نبينا وعليه صلوات الملك الجليل، فقال للمقدم له: لا تقل من بركة الخليل؛ فإنه لا بركة له بعد موته، وهذا إنكار للقرآن الصريح، قال تعالى ﴿وباركنا عليه﴾ أي: إبراهيم﴾ وعلى إسحاق ﴿والحديث الصريح «كما باركت على إبراهيم» فجعل البركة أصلا في إبراهيم مقيسا عليه فيها ولده ﷺ فإن قيل: هذا في حياة إبراهيم؟ قلنا: الأصل بقاؤها ودوامها إذ لا دليل على نفيها على أن الواقع في الحديث وقع بعد موت إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فيكون إقرارا على هذا المعنى، ومما يدل على القطع والجزم بذلك ما لهم ﵊ من الشفاعة في الآخرة التي هي من آثار البركة، فإذا صدر هذا القول عن صميم القلب والاعتقاد بأن نفى عنهم البركة والكرامة بعد الموت فلا يشك في كفر المعتقد لذلك؛ لأن هذا الاعتقاد يجر إلى رفع خير كثير مما ينسب إلى الأنبياء الكرام على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وذلك من رفع معالم الدين ونصب معالم الشياطين، وأظن أن هؤلاء الطائفة أسوأ حالا واعتقادا من سائر المبتدعة، فيا رب سلم سلم، نعم ذكر في بحر الكلام أن المعية والكرامية قالوا: إن نبينا ﷺ الآن ليس برسول، وقال أبو الحسن الأشعري: الرسول ﷺ الآن في حكم الرسالة، وحكم الشيخ يقوم مقام الشيء، فما ذكر الخلاف إلا

стр. 46

في الرسالة، وأما بركته وخيراته فظاهر أن ذلك باق باتفاق ولا عبرة بما حدث الآن؛ لأنه خرق للإجماع، وخلاف النص الصريح. والله أعلم. مطلب: في قوله ﷺ «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» . (سئل) ما معنى الحصر في قوله ﷺ «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، والمسجد الأقصى» هل في الحديث دليل على منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كما فهمه بعض من لا خلاق له حتى توهم منع الزيارة لرسول الله ﷺ إلا بالتبع لمسجده ومنع زيارات كثيرة لأماكن كثيرة مما يقصد بالزيارة وأخذ ذلك من هذا الحديث؟ (أجاب) هذا الحصر على حد قوله ﷺ «الحج عرفة» على معنى أن معظم الحج عرفة، وكذلك هذا، فكأنه قال ﷺ : هذه المساجد أعظم ما يشد له الرحال، فغيرها بالنسبة إليها لأنه كلا شد على حد قولنا: زيد الشجاع، فشجاعة غيره كأنها كلا شجاعة بالنسبة إلى شجاعة زيد، فالحصر في الحديث مبالغة وادعاء لكمال شد الرحل فيها دون غيرها، فلا ينافي أن غيرها يشد له الرحل، ويحتمل أن المراد من حيث المسجدية، فكأنه قال: لا تشد الرحال لمسجد سوى هذه الثلاث لاستواء سائر المساجد في الفضيلة، فلا معنى لشد الرحل لغير هذه، أما هذه الثلاث فشد الرحل لها له فائدة؛ لتضاعف الأعمال فيها دون غيرها، وقد قام الإجماع على طلب زيارة رسول الله ﷺ ولا عبرة لما تخيله بعض الأغبياء، فالزيارة للأماكن المباركة من قبر رسول الله ﷺ وقبور سائر الأنبياء ولو اختلف في محلها، وكذلك الأولياء، مطلوبة محبوبة للاتباع للسلف والخلف في ذلك، والله أعلم. مطلب: في من صلى خمس صلوات من الفرائض في آخر جمعة من رمضان . (سئل) عن من صلى خمس صلوات من الفرائض في آخر جمعة من شهر رمضان كان ذلك جابرا لكل صلاة فائتة في عمره إلى سبعين سنة ولكل صلاة صلاها بوسوسة أو بغير طهارة أو نسيان إلى غير ذلك، فهل هذا حديث صحيح ورد في السنة عنه ﷺ أو غير صحيح؟ وما المراد بالفرائض التي يصليها هل هي الحاضرة أم الفائتة أوضحوا الجواب أنلتم الثواب؟ (أجاب) الحمد لله وحده ممن منه التوفيق نعتمد التحقيق، اعلم وفقك الله تعالى أن من مارس السنة النبوية واشتغل بفؤاد أنوارها البهية وعلم مبدأ فيضها من الأنوار القدسية وشهد أصولها الربانية وخاض في بحار أودية جامعها النورانية ودرس في دروس بلغتها وفصاحتها العدنانية علم أن هذا من غير الأحاديث المروية بالأسانيد المقومة للبرية، ونادته أصول أحاديثها المحررة عند أئمتنا العلية: لا تنسب هذه المقالة إلى خير من نطق بالضاد بكل فضل ومزية، فهذه الكتب الصحاح فهل تجد ذلك فيها بالرواية القوية؟ ولا تغتر بما وقع لأئمة أجلاء مثل الواحدي والبيضاوي والزمخشري وأبي العصمة

стр. 47

الملقب بالجامع لجمعه بين التفسير والحديث والمغازي والفقه، مع العلم بأمور الدنيا، وأبي إسحق الثعلبي، فكل هؤلاء قد عدوا مخطئين لنقلهم الأحاديث الموضوعة، وأشدهم خطأ الزمخشري لكونه نقلها بصيغة الجزم، والعذر عن هؤلاء إما لكونها ممن تساهل في الفضائل، وفي الحلال والحرام شدد بلا طائل، وإما لعدم اطلاعهم على مخرجها، وقد روي عن الربيع بن خيثم التابعي أنه قال: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره. وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم، فينفر منه قلبه، وذلك بأن يحصل كما قاله ابن دقيق العيد للمحدث من كثرة محاولته ألفاظ النبي ﷺ هيبة نفسانية وملكة قوية يعرف بها ما يجوز أن يكون من الألفاظ النبوية وما لا يجوز، ومما يرد هذا ما ذكره أئمة الأصول والفقه أن الفرض لا ينوب عنه غيره، ولو أخذ بظاهره لأدى إلى فساد كبير وخلل عظيم؛ لأن الخمس صلوات إذا جبرت فائتة سبعين سنة، خرج الناس من عهدة الصلاة بخمس صلوات يصليها في آخر رمضان، سواء كانت أداء أو قضاء، كيف وقد نص الأئمة على وجوب قضاء الصلاة إجماعا، سواء فاتته بعذر أو غيره، ثم إن حملت الخمس صلوات على أنها أداء، فهذا لا معنى له لأنه واجب عليه أداؤها، وإن حملت على القضاء فهذا مناقض لغيره من الأحاديث، ولقوله تعالى ﴿أقيموا الصلاة﴾ إذ كيف يكون تأخير الصلاة وفعلها قضاء سببا في هذا التكفير؟ فلا يقول بذلك البشير النذير، وهذا من جملة ما يستدل به على وضع الحديث، وفي كلام ابن حجر أن مما يدل أيضا على الوضع سبر ما بأيدي الناس من الحديث، ولم يوجد في الكتب المعول عليها، والله أعلم. مطلب قراءة الفاتحة بعد الدعاء هل هي سنة أو لا، وهل قول القارئ بعد الفاتحة: للنبي أو لفلان، يستحب أو لا (سئل) عن قراءة الفاتحة بعد الدعاء هل هي سنة أم لا؟ وكثير من إذا ختم الدعاء يقول عقب الفاتحة: للنبي أو لفلان الغائب، هل يستحب أم لا؟. (أجاب) أفتى العلامة الشمس الرملي رحمه الله تعالى بأن قراءة الفاتحة عقب الصلوات لها أصل في السنة، والمعنى فيه ظاهر لكثرة فضائلها، وقراءتها في الأحوال المذكورة لا بأس بها، بل يستحب، والله أعلم. مطلب ورد عن النبي بين الجلالتين اللتين في سورة الأنعام الخ (سئل) هل ورد عن النبي ﷺ الدعاء بين الجلالتين اللتين في سورة الأنعام وهل ورد أنهما الاسم الأعظم؟. (أجاب) روى الطبراني بسند جيد أن الدعاء مستجاب عند رؤية الكعبة، وورد مجربا في مواضع مشهورة في المساجد الثلاث، وبين الجلالتين من سورة الأنعام، وفي الطواف، وعند الملتزم، وفيه حديث مرفوع رويناه مسلسلا. انتهى. وقال كثير من العلماء أن الاسم الأعظم في القرآن مجموع الاسمين المتواليين في قوله تعالى ﴿رسل الله الله أعلم﴾ قال بعضهم: يستحب للقارئ إذا بلغ هذه الآية أن يقول: اللهم من ذا الذي دعاك فلم تجبه، إلى آخر الدعاء المشهور

стр. 48

ويسأل الله تعالى ما شاء، فإن حاجته تقضى بقدرة الله تعالى. مطلب عما ورد في البخاري من حديث خلق الله آدم على صورته، هل ضمير (صورته) راجع إلى الله أو إلى آدم (سئل) عما ورد في صحيح البخاري من حديث خلق الله آدم على صورته، هل ضمير (صورته) راجع إلى الله تعالى أو إلى آدم كما زعم زاعم؟. (أجاب) ذكر العلامة الشمس الرملي في فتاواه بقوله: إن في الحديث المذكور مذهبين؛ أحدهما السكوت عن تفسيره، والثاني الكلام في معناه، واختلف أرباب المذاهب في (الها) إلى من تعود؟ على ثلاثة أقوال؛ أحدها تعود على بعض بنى آدم، ودليل ذلك» أن النبي ﷺ مر برجل يضرب رجلا وهو يقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال: إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه؛ فإن الله تعالى خلق آدم على صورته «وإنما خص آدم بالذكر لأنه الذي ابتدئت خلقة وجهه على هذه الصورة التي اعتيد عليها من بعده، وكأنه نبه أنك سببت لآدم لأنك من ولده، ومبالغة في زجره، فعلى هذا تكون (الها) كناية عن المضروب، ومن الخطأ الفاحش أن يرجع إلى الله تعالى، لقوله: ووجه من أشبه وجهك؛ فإنه إذا كان كذلك كان تشبيها صريحا. القول الثاني أنها كناية عن اسمين ظاهرين فلا يصح أن يصرف إلى الله تعالى؛ لقيام الدليل على أنه تعالى ليس بذي صورة، فعادت إلى آدم، ومعنى الحديث أن الله خلق آدم على صورته التي خلقه عليها تاما بنقله من نطفة إلى علقة كبنيه، هذا مذهب أبي سليمان الخطابي. القول الثالث أنها تعود على الله تعالى، وفي معنى ذلك قولان؛ أحدهما: يكون صورة ملك لأنها فعله وخلقه، والقول الثاني أن تكون الصورة بمعنى الصفة، ويكون خلق آدم على صورة صفته من العلم والحياة والقدرة والسمع والبصر والإرادة، فميزه بذلك عن جميع الحيوانات، ثم فضله وميزه على الملائكة حين أسجدهم له، والصورة هنا معنوية لا صورة تخطيط، ولا شك ولا ريب أن الحق جل وعلا منزه عن الصورة والشكل والمثل، والله تعالى أعلم. مطلب هل كان لرسول الله ﷺ من يضحكه ويمازحه (سئل) هل كان لرسول الله ﷺ من يضحكه ويمازحه؟. (أجاب) نعم كان لرسول الله ﷺ جماعة يمازحهم منهم الأعرابي الذي أخذ ﷺ على عينيه وقال: من يشتري مني هذا؟ فقال له: إذاً لا تجد أحدا يشتريني، فقال له ﷺ : لرجلك في الميزان أثقل من أحد. وكان يقول له: أنت بادينا ونحن حاضروك. ومنهم نعيمان، كان ﷺ إذا نظر إليه لا يملك نفسه أن يضحك؛ لأنه كان مزاحا، فقد ذكر أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى ومعه نعيمان بن عمرو الأنصاري وسويط بن حرملة، وكلاهما بدري، وكان سويط على زاد أبي بكر، فجاء نعيمان وقال له: أطعمني، قال: لا حتى يأتي أبو بكر، وكان نعيمان رجلا مضحكا مزاحا فيه دعابة، وله أخبار ظريفة في دعابته، فقال سويط:

стр. 49

لأغيظنك، فذهب إلى أناس، وفي رواية: فمروا بقوم فقال لهم نعيمان: أتشترون مني عبدا لي؟ قالوا: نعم، قال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم: لست بعبده أنا حر؛ فإن كان إذا قال لكم هذا تتركونه فلا تشتروا عبدي ولا تفسدوه علي، قالوا: لا بل نشتريه ولا ننظر إلى قوله، فاشتروه منه بعشرة قلائص، فأقبل بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال: دونكم هو هذا، فجاء القوم له وقالوا: قد اشتريناك، فقال: هو كاذب أنا رجل حر، وفي رواية: وضعوا غاشيته في عنقه وذهبوا به ولم يسمعوا كلامه، فجاء أبو بكر فأخبروه خبره، فذهب هو وأصحابه وتبعوا القوم وأخبروهم أنه يمزح، ورد القلائص عليهم، فلما قدموا على رسول الله ﷺ وأخبروه الخبر، فضحك من ذلك رسول الله ﷺ حولا كاملا؛ لأن سفر أبي بكر كان قبل وفاته ﷺ بعام، والله تعالى أعلم. مطلب في الحديث الذي رواه أنس من قوله ﷺ : وإن استعمل عليكم عبد حبشي رأسه الخ (سئل) عن الحديث الذي رواه أنس أن رسول الله ﷺ قال «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله» من تفسير الخازن أوضحوا لنا معناه. (أجاب) يدل على معنى هذا الحديث قوله تعالى ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ فإن الآية وإن لم يكن فيها عبد حبشي الخ، عمومها يشمله؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، قال البيضاوى: ويريد بهم أمراء المسلمين في عهد رسول الله ﷺ وبعده، ويندرج فيها الخلفاء والقضاة وأمراء السرية، أمر الناس بطاعتهم بعدما أمرهم بالعدل تنبيها على وجوب طاعتهم ماداموا على الحق، ولهذا قال في الحديث «ما أقام فيكم كتاب الله» وانظر كيف جمع الضمير في الأماكن الأربعة وأفرده في (أقام) لأن الضمير فيه للخليفة وهو لا يكون إلا واحدا بحسب الشرع، ولمطلق الحاكم وهو في ولايته واحد لا يجوز تعدده والرعايا متعددون، وقيل: المراد بأولي الأمر، هم العلماء للشرع؛ لقوله تعالى ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ أقول: الأصل هم العلماء وأمراء المسلمين، يأخذون الأقوال منهم ويعملون بها حتى يكون فعلهم على طبق الشرع القويم، وقد علم أن دين الإسلام قام بالحجة والبرهان، وهما للعلماء بعد رسول الله ﷺ بالسيف والسنان وهما * للسلطان وأعوانه، فمتى اعتمد الحكام على أقوال العلماء العاملين قاموا مقام رسول الله ﷺ ومتى أهمل السلطان العلماء قام على رجل واحدة فوهن حبله ودخل عليه عدوه من حيث لا يشعر، وهذا الحديث رواه عن أنس جماعة بزيادة ونقص، فرواه أحمد والبخاري وابن ماجه، قال القاضي عياض وغيره: أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية للآية المذكورة،

стр. 50

ولقوله في هذه الرواية «ما أقام فيكم كتاب الله» ولما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن علي «لا طاعة لمخلوق في معصية، إنما الطاعة في المعروف» وروى أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو القادري «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» قال العلقمي في شرح هذا الحديث: كأن رأسه زبيبة قال شيخ شيوخنا، يعنى الحافظ ابن حجر: واحدة الزبيب المعروف المأكول الكائن من العنب إذا جف، وإنما شبه رأس الحبشي بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره أسود، وهو تمثل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد به، وقد ورد أيضا: مجدع الأطراف، أي مقطع الأطراف، ففيه من الأوصاف الذميمة كونه مسه الرق، سواء بقي على رقه كما في المتغلب أم عتق، وكونه حبشيا وكونه أسود وكونه رأسه صغيرا أسود وكونه مجدوع الأطراف، فهذه كلها تشعر بالنقص والخسة، ومع ذلك تجب طاعته لأن الخير كله في الطاعة لأن رسول الله ﷺ علم أن الطاعة خير لنا من المخالفة؛ لأن ضررها أشد مخالفا حتى لو تغلب علينا عبد حبشي موصوف بما ذكر بطريق الشوكة، فإن طاعته تجب إخمادا للفتنة ما لم يأمر بمعصية، كما تقرر؛ لأنه ﷺ شرط لطاعته أن يقيم كتاب الله تعالى وأنى ممن يقيم كتاب الله؟ وقد وقع لي قريبا أنى رأيت رؤية هائلة هي أنى رأيت رجلين عظيمين طويلين في غاية الطول، بالملائكة أشبه، على رأس كل واحد منها كتاب عظيم، فكأن أحدهما القرآن العظيم والثاني السنة المحمدية، ومرادهما العروج بهما إلى السماء لعدم عمل الناس بهما، وأنا أبكي وأتضرع إليهما، وحولي جماعة تقول لهما: نحن نعمل بهما، ونبكي جميعا، ثم استيقظت. نسأل الله تعالى العفو والعافية من إعراض الخلق عن الشرع القويم. روى أحمد والشيخان «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر عليه؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية» وقد أخرج أحمد والشيخان وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني» فلا يقوم نظام الإسلام إلا بالطاعة، أن تطيع الحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وأن تطيعهم الرعايا﴾ نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ﴿والله تعالى أعلم. مطلب في الحديث المروي في البخاري من حديث أبي سعيد: حياء رسول الله أشد من العذراء في خدرها الخ (سئل) عن الحديث المروى في البخاري من حديث أبي سعيد في حياء رسول الله ﷺ «كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها» أن التقيد بالخدر ليس فيه كبير مدحة لأنها قد تكشف وجهها وربما تعرت، ولا حرج إذ لم يكن هناك أجنبي، فما الجواب عنه؟ (أجاب) قال صاحب المواهب بأن هذا من باب التتميم

стр. 51

لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجة منه لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، فالظاهر أن المراد تقييده إذا دخل عليها في خدرها أحد، لا حيث تكون منفردة فيه. انتهى. والأولى أن التقييد بالخدر بمعنى ملازمته، وهي التي لا تكثر الخروج، فهي ملازمة له، وإذا كانت لم يطرق حياءها دنس أصلا ولم تمارس الأجانب، بخلاف البرزة، ويدل لذلك ما ذكره الفقهاء من أن النساء: مخدرات، وهن اللاتي لا يكثرن الخروج إلا لحاجة، وبرزات، وهن اللاتي ينزلن الأسواق ويعاملن الرجال بالبيع وغيره، فتعين التقييد بالخدر، فلو أطلق وقال: أشد حياء من العذراء؛ لصدق بصورتين كونها مخدرة وكونها برزة، وتحته صورتان مع صيانة أو خيانة، وليس المعنى على الكون في الخدر بل المعنى على المخدرة وإن برزت في بعض الأوقات لحاجة، كحمام وزيارة قريب وإعادة مريض ونحوه، ويخرج على أن الجار والمجرور بعد المعارف حال، ولكن الألف واللام هنا للجنس، فيصح الحال، والمعنى حال كونها في ملازمة الخدر ولم تصر برزة، ويصح الوصف؛ لأنها في معنى النكرة، ولم يرد بذلك عذراء بعينها، وإنما أراد العذراء الموصوفة بالخدر الملازمة له، ولم تخرج عنه لغيره، والمعنى أن رسول الله ﷺ أشد حياء من عذراء مخدرة لا من مطلق عذراء، ولا من عذراء برزة، وسواء كانت العذراء الموصوفة بكونها في خدرها موجودة فيه أو خارجة عنه؛ لأنها وإن خرجت هي باقية على التخدير لأنها من جملة المخدرات، وحياؤهن أشد من غيرهن كما هو مشاهد، والمراد ما من شأنهن الخدر أي أنها من أهله وصاحبته وملازمته، والله تعالى أعلم. مطلب ينبغي للعاقل أن يحذر من سرعة انقلاب قلبه (سئل) عن معنى قول العلامة ابن حجر المكي في شرح الأربعين في الحديث السادس: ومن ثم قيل: ينبغي للعاقل أن يحذر من سرعة انقلاب قلبه؛ فانه ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم. ما معنى ذلك؟. (أجاب) المعنى ليس بين القلب بمعنى الانقلاب، والقلب بمعنى المضغة المودعة اللطيفة الربانية المسماة علما، باعتبار الانكشاف، وحياة باعتبار النمو، وروحا باعتبار الانتشار، وعقلا باعتبار التصريف في الكليات والجزئيات والميل إلى الكمالات، إلا التفخيم، بمعنى التعظيم لجانب الربوبية من حيث ما ورد عليه من الملكوتية، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، وإن لم يكن هذا التفخيم بمعنى التعظيم، كان ذلك المعنى نفسا أمارة تنقلب مع هواها وتسعى في رداها، فالمعنى الأول مشار له بمنطوق قوله ﷺ «احفظ الله يحفظك» أي بالمراقبة والوقوف مع الحدود، والثاني مشار له بالمفهوم، أي إن لم تراقب مولاك وكلك إلى هواك فانقلبت إلى غيك وضلالك الأصلي الذي عليه طبعت، والله تعالى أعلم. مطلب قول الشيخ الأكبر إذا خاطب الله عبده بأن لم تتق الله جهلته وإن اتقيته كنت به أجهل الخ (سئل) عن

стр. 52

قول الشيخ الأكبر فيما لو أوقف الله تعالى من عباده من شاء بين يديه وخاطبه بما له وعليه، فقال له: إن لم تتق الله جهلته وإن اتقيته كنت به أجهل، ولا بد لك من إحدى الخصلتين، فلهذا خلقت لك الغفلة حتى تتعرى عن حكم الضدين؛ لأنه بدون الغفلة يظهر حكم أحدهما، فاشكر الله تعالى على الغفلة والنسيان، فقد سألنا هذه المسئلة رجل عزيز يرجو شرحها وتفصيلها. (أجاب) أعلم زادك الله توفيقا وبحثا عن الدقائق أن هذا السؤال ظاهر لمن شرح الله صدره للإيمان والإسلام، فقوله: إن لم تتق الله جهلته؛ أي من كل وجه واعتبار، ولهذا سمي من كان قبل الإسلام جاهليا، ولم يكلفوا بشرائع لقوله ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ فمن لم يتق الله فقد أعرض عنه بكل حال وجهله من كل الأوجه، حتى من وجه الإنعام والإكرام والخلق والرزق والإحياء والإماتة والثواب والعقاب، وذلك لتراكم الظلمات بعضها فوق بعض عليه، من بواعث النفس والهوى المضل والشيطان المغوي وحب العاجل المردي، وهو المشار إليه بقوله تعالى ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾﴾ كلا بل ران على قلوبهم ﴿﴾ وطبع على قلوبهم ﴿\٣٠ أم على قلوب أقفالها﴾ وقوله: إن اتقيته؛ أي إن أردت بتقواك الوصول إلى الكنه والحقيقة كنت به أجهل؛ لأن ذلك محال في الدنيا بل وفي الأخرى، وطلب المحال أبلغ من الجهل وإنما المراد من التقوى أمور؛ إما ملاحظة كمال الذات وما لها من جميل الصفات، فيتقي وإن انتقم تعالى منه، وهذا مقام المقربين، وإما ملاحظة النعم الصادرة منه تعالى بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وسائر النعم، وهذا مقام الرابحين، وإما ملاحظة الأمر والنهي وما يترتب عليهما من ثواب وعقاب، وهذا مقام الخائفين، فلا بد للإنسان إما من الجهل المعمي المصم المبكم، فلا يتقي أصلا، وإما يتقي الذات بمعنى الوصول إلى الكنه والحقيقة، وهذا محال أبلغ في الجهل لأنك حادث بكل وجه واعتبار، ومولاك قديم بذاته وصفاته، فلا جامع بينك وبينه بوجه، ولهذا خلقت لك الغفلة لتتعرى عن حكم الضدين؛ أي الجهل المعمي المصم الخ، وطلب الوصول إلى الكنه والحقيقة، فاشكر الله تعالى على الغفلة والنسيان اللذين لم يوقعاك في شيء من الأمرين المذكورين، فلهذا قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ والله تعالى يعبد في حال التكليف أي حالا لا غفلة فيه ولا نسيان، إما تعظيما لذاته وإن انتقم وإما مقابلة لإنعامه كما هو عادة الكريم، أن يجازي على الكرم، وإما طمعا في إحسانه ومخافة عقابه، كما هو شأن الحيوان، كالحمار ونحوه، فتأمل شرح الله تعالى صدرك، فهذه إشارة من فيض بحر وعبارة، ووراء ذلك ما يحيل عن درك الأذهان، وثم وراء النقل علم يدق عن مدارك أرباب العقول السليمة، ولا تخفى

стр. 53

في أزيد من ذلك لأني أخاف عليك، والله الهادي المرشد للصواب. مطلب سئل أبي أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة نافع ثم عاصم الخ (سئل) في عبارة منسوبة إلى الإمام أحمد بن حنبل وصورتها: قال في التذكرة: قال صالح بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة نافع، قلت: فإن لم تجد؟ قال: قراءة عاصم. قال صاحب الكشف: فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات وأصحها سند وأفصحها في العربية. (أجاب) أصحها سندا، هذا بناء على قول ذهب إليه بعض أهل الحديث أنه يقال: السند الفلاني أصح، والأصح عندهم لا يقال ذلك لأن المراد على وجود الشروط المعتبرة عندهم للصحيح، على أن المعتبر هنا هو المتواتر الذي هو أقوى من الصحيح، وهذا علامته حصول العلم عقبه، فكل قراءة رواها جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، وهذا موجود في جميع القراءة، ولا يلزم منه أن القراءات نسبت لإمام واحد فقط؛ لأن ذلك بحسب الاشتهار، وقول الإمام: أحب إلي، لا ينافي ما قررناه؛ لأن الأحبية بحسب الإلف أو الأخذ أو أصحية الإمام لوصف قام به، والمنازعة إنما هو في التعليل؛ فإنه لا يقال في قراءة إمام من السبع بعد تواترها: إن غيرها أصح منها؛ لأن مرجع التواتر القطع ومرجع الأصحية الظن، وبينهما تناف، ولا يقال في كلام رب العالمين: هذا أصح وهذا غير أصح؛ لثبوت القطع لجميع القراءات حتى ما كان من أوجه الأداء، كالمد والإمالة وتسهيل الهمز، وغير ذلك مما يقع فيه الخلاف بين الأئمة، فتأمل، والله أعلم. مطلب فرق الإسلام المتشعب عنها الكرام أو اللئام ما هي الخ (سئل) عن أصول فرق الإسلام المتشعب عنها الكرام واللئام ما هى؟. (أجاب) عنها نظما بقوله ... أن أصل الضلال قد جاء قطعا في أصول حوته ضلالا بديعا ... في اعتزال وشيعة وخوارج والمرجى بخا جبر شنيعا ... والمشبه ومن عداها فناج أهل حق فكن لقولي سميعا والله تعالى أعلم. مطلب هل للحسبة أصل في السنة (سئل) هل للحسبة أصل من السنة؟ وهل اتخذ ﷺ أحدا من الصحابة محتسبا؟ (أجاب) نعم استعمل ﷺ سعد بن أبي وقاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر بن الخطاب على سوق المدينة، وهذا هو المسمى الآن بالحسبة ومولاها بالمحتسب، ففي أصلها خصلة شريفة لأنها لضبط أحوال السوق في البيع والشراء والمعاملات والموازين والنقود والعقود والحرف والصنائع، وإن كانت الآن مبتدعة لا يتولاها إلا الأخساء لتعاطيهم لظلم وأخذ أموال الناس بالباطل وعدم سؤالهم عما تقدم وإنما قصدهم الأخذ من الأموال فقط، قال في الروض وشرحه لشيخ الإسلام: وعلى الإمام أن ينصب محتسبا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان لا يختصان بالمحتسب، فيتعين

стр. 54

عليه الأمر بصلاة الجمعة إذا اجتمعت شروطها، وكذا بصلاة العيد وإن قلنا أنها سنة لأن الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة، ولا يأمر المخالفين له في المذهب بما لا يجوزونه، ولا ينهاهم عما يرونه فرضا عليهم، ويأمر المسلمين بالمحافظة على الفرائض والسنن ولا يعترض عليهم في تأخيرها والوقت باق؛ لاختلاف العلماء في فضل تأخيرها، ويأمرهم فيما يعم نفعه كعمارة سور البلد وشربه ومعونة المحتاجين من أبناء السبيل وغيرهم، ويجب ذلك من بيت المال إن كان فيه مال، وإلا فعلى من له مكنة، وينهى الموسر عن مطل الغريم إن استعدى؛ أي استعداه الغريم عليه، ولو قيل أنه ينهاه من حيث المعصية وإن لم يستعد، لم يكن بعيدا. وينهى الرجل عن الوقوف مع المرأة في طريق خال لأنه موضع ريبة، فينكر عليه ويقول له: إن كانت محرمك فصنها عن مواقف الريب، وإلا فخف الله تعالى من الخلوة معها، ويأمر بنكاح الأكفاء وإيفاء العدد والرفق بالمماليك وتعهد البهائم، وينكر على من تصدى للتدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله، ويشهر أمره لئلا يغتر به، وينكر على من أسر في صلاة جهرية أو زاد في الأذان، وعكسهما، ولا يطالب الدائن بحق قبل الاستعداء من ذي الحق عليه، ولا يحبس للدين ولا يضرب عليه، وينكر على القضاة إذا احتجبوا عن الخصوم أو قصروا في النظر في الخصومات، وعلى أئمة المساجد المطروقة إن طولوا الصلاة، كما أنكر ﷺ على معاذ ذلك، ويمنع الخونة من معاملة النساء لما يخشى فيها من الفساد. ولا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بمسموع القول بل عليه - أي على كل مكلف - أن يأمر وينهى وإن علم بالعادة أنه لا يفيد، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، فلا يسقط ذلك عن المكلف هذا العلم؛ لعموم خبر «من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» والله تعالى أعلم. مطلب هل كان له ﷺ ظل إذا مشى (سئل) هل كان ﷺ له ظل إذا مشى؟ وما سر ذلك؟. (أجاب) لم يكن له ﷺ ظل أصلا، كما نص على ذلك، وسر ذلك أن ذاته الشريفة نورانية لا كثافة فيها أصلا، فلم يظهر لها ظل كما وقع في بعض الأوهام أن الظلال تحكي قدم وجود النفوس، كما وقع لبعض مدعي الفضل وهو منه بريء؛ لأنه باطل لأنا لا نقول بقدم النفوس بل الكل حادث من النفوس والأجسام والأعراض، وهذا يقتضي قدم نفوس غير الأنبياء وحدوث نفوسهم، وذلك باطل بالعقل والنقل، قال صاحب الهمزية: ... شمس فضل تحقق الظن فيه أنه الشمس رفعة والضياء ... فإذا ما ضحى محى نوره الظلـ ـل وقد أثبت الظلال الضحاء

стр. 55

أي أنه ﷺ شمس فضل يستمد من فضله أرباب الفضائل، صار الظن فيه محققا، وأن ذاته بالنسبة إلى ذواتهم الشمس رفعة في الرتبة، وأن نوره بالنسبة إلى أنوارهم الضياء المفيض تلك الأنوار عليهم، فبسبب أن ذاته الشمس ونوره الضياء اختص من غيره بأنه إذا ما ضحى محى نوره الظل؛ أي ظل ذاته الكريمة، والحال أنه قد أثبت الظلال للذوات الضحاء، وما ذكرناه من حمل الظل في كلامه على ظل ذاته الكريمة هو الموافق للمنقول في سيرته الشريفة، وفهم الناظم رحمه الله تعالى أن المراد به ظل ذاته وغيرها، وأن نوره يمحو كل ظل، فمن ثم أجاب عما يرد على ذلك من أن الغمامة أظلته قبل النبوة، وكأن الغمامة بقاء ظلها مع نوره استودعته أي استودعت النبي ﷺ من أظلتهم من ظله ﷺ الرفقاء؛ أي رفقاءه أي إخوانه من المرسلين، والمراد بمن أظلتهم المرسلون من ظله أممهم المؤمنون بهم وبإظلالهم لهم إدخالهم تحت ظلهم المعنوي الذي هو من ظله ﷺ فإن شرائعهم المبعوثين بها هي شرائعه وهم نوابه فيها، وحاصل الجواب أن بقاء ظلها مع نوره استيداعها؛ أي استحفاظها إياه ﷺ للموجودين من الأمم السابقة؛ لأنهم مأمورون باتباعه ﷺ وقد أخذ عليهم أنبياؤهم لئن أدركوه ليؤمنن به وليحفظنه ولينصرنه من الأعداء، كما وقع لبحيرا الراهب، وقال في تائيته السبكي: لقد نزه الرحمن ظلك أن يرى ... على الأرض يلقى فانطوى كمزية وأثر في الأحجار مشيك ثم لم ... يؤثر برمل أو ببطحاء مكة قال شارحها المحلي: قيل: إنه ﷺ لا يقع ظله على الأرض تشريفا؛ لأنه ﷺ كان نورا شريفا روحانيا، وجسما لطيفا نورانيا، والنور لا ظل له كما أن الملائكة ﵈ حالين بين أظهرنا لا ينكر ذلك عاقل، ولذلك لا نراهم ولا نرى لهم ظلا للطافتهم ونورانيتهم؛ لأنهم خلقوا نورا صرفا. وقيل: بل تكرما لذاته الشريفة أن يوطأ ظلها بالأرجل ولا يمتهن، وشبه هذا ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان مسافرا يسايره يهودي، فلما أراد المفارقة قال عبد الله بن عمر لليهودي: بلغني أنكم تدينون بإيذاء المسلمين، فهل قدرت على شيء من ذلك؟ وأقسم عليه، فقال له اليهودي: إن أمنتني أخبرتك، فقال له: قد فعلت، فقال له: لم أقدر عليك بأكثر من أني كنت إذا رأيت ظلك وطئته بقدمي وفاء بأمر ديننا. وقيل: بل كانت الغمامة تظله ﷺ فلا يرى له ظل. وعن النيسابوري: إنما لم يكن له ظل لأنه ﷺ كان لا يكتب، وهو نبي؛ أي لم يقع ليده الكريمة ظل على اسم

стр. 56

الله تعالى بعد التخلق بما ينبغي له التخلق به من أسماء الله تعالى، فرفع الله تعالى ظله أن يقع على الأرض. وقيل غير ذلك. وأما كونه ﷺ كان يؤثر مشيه في الأحجار ولا يؤثر في الرمل، قيل: كان ذلك ليلة دعائه ﷺ إلى غار ثور، كان إذا وضع قدمه على الرمل يقول لأبي بكر ﵁: ضع قدمك موضع قدمي، فإن الرمل لا ينم عليه، وكان طريقه ﷺ أكثرها رملا، فأراد الله تعالى إخفاء أثر سيره في مسيره ليتحير المشركون في طلبه ويرجعوا بسوء منقلبهم. وقيل غير ذلك. وأما الحجر فكان يلين لمكان قدميه ﷺ ليكون شاهدا لتشريفه بمروره عليه، ويشبه هذا أن وليا من أولياء الله تعالى طاف بالكعبة فسمع أحجار المطاف يفتخر بعضها على بعض ويقول ما معناه: قد تشرفت بوطء أقدام ولي الله تعالى في عبادته وملامسة جسده لجسدي. وقيل: بل يلين الحجر ليكون فيه سمة وعلامة ينجو بها دون غيره من الأحجار من نار وقودها الناس والحجارة. وفي بعض الآثار أن نبيا من الأنبياء صلى الله على سيدنا محمد وعليهم وسلم، مر بحجر يخرج منه الماء فسأل ربه عن ذلك فأنطق الله تعالى له الحجر فقال: منذ سمعت أن لله تعالى نارا وقودها الناس والحجارة، وأنا أبكي بهذا الدمع خوفا من تلك النار، فاشفع لي عند ربك، فشفع له فشفع فيه، ثم بشره بقبول الشفاعة فيه وتركه مدة، ثم مر به ذلك النبي فوجد الماء يخرج من الحجر فقال له ﵊: ألم أبشرك أن الله تعالى أنجاك من النار، فما هذا الماء؟ فقال: يا نبي الله ذاك بكاء الخوف والخشية وهذا بكاء الفرح والمسرة. ولا يبعد أن يتفق ذلك لرسول الله ﷺ لأن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ ولا يبعد أن يكون نزل معناها على بعض المرسلين، صلى الله عليهم وسلم. وقيل أنه لان الحجر لقدمه ﷺ حياء من أن يستقسى أو يتصلب على شريف قدميه، ﷺ . وقيل: بل إظهارا لقوة النبي ﷺ وشدة بأسه، فلا يثبت لبطشه الحجر فكيف أجساد البشر. وقيل: في لين الصخر لقدميه ﷺ إشارة إلى أن يكون الكفار أقسى من صم الأحجار، وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وقلوب الكفار قاسية جافلة غليظة غلف التفظيع عليها ختم الله تعالى عليها غشاوة عليها حجاب إلا إذا أدركتها العناية فألحقتها بأهل الهدايه فأزالت الموانع ومنعت العوائق، فوقع عليها إكسير الرضا فصير الزئبق ذهبا والمدر جواهرا، والله تعالى أعلم. مطلب هل ورد حديث أنا جد كل تقي أم لا (سئل) هل ورد حديث: أنا جد كل تقي؟. (أجاب) هذا الحديث بهذا اللفظ المذكور لم يرد، ولكن روى أنس ﵁ قال:» سئل رسول الله ﷺ : من آل محمد؟

стр. 57

فقال: كل تقي من أمته «ولفظ الديلمي «آل محمد كل تقي، ثم قرأ: ﴿إن أولياؤه إلا المتقون﴾» وقوله ﷺ «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين» والله أعلم. مطلب آية الكرسي ربع القرآن (سئل) عن قوله ﷺ : آية الكرسي ربع القرآن، ما الحكمة من ذلك؟. (أجاب) إنما كانت ربع القرآن لاشتماله على التوحيد والنبوات وأحكام الدارين، وآية الكرسي ذكر فيها التوحيد، فهي ربعه بهذا الاعتبار، والمراد أن ثواب قراءتها يعدل قراءة ربع القرآن، وفي حديث أنها سيدة القرآن؛ أي من حيث دلالتها على الصانع تعالى وعلمه وقدرته، والله أعلم. مطلب آية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح الخ (سئل) ما معنى قوله ﷺ «آية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح، لا يستطيعونهما»؟. (أجاب) يعنى أن المؤمن يحضر الجماعة لصلاة العشاء والصبح ويفعلهما بنشاط وانبساط بغير كلفة في حضور المسجد لصلاتهما جماعة، وأما المنافق فيراهما ثقيلين فلا يستطيع فعلهما بخفة ونشاط، كما يوضح ذلك حديث الشيخين «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والصبح» وذلك لأن العشاء وقت الاستراحة، والصبح وقت لذة النوم صيفا وشدة البرد شتاء، وأما المتمكنون في إيمانهم فتطيب لهم هذه المشاق لنيل الدرجات؛ لأن نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة في مقابلة ذلك، تستخف لأجله المشاق وتستلذ بسببه المتاعب، كما تعتقد في ذلك من الفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم، ومن طاب له شيء ورغب فيه حق رغبته احتمل شدته ولم يبال بما يلقى من مؤنته، ومن أحب شيئا حق محبته أحب احتمال محنته حتى إنه ليجد بتلك المحنة ضروبا من اللذة. ألا ترى أن جاني العسل لا يبالي بلسع النحل لما يتذكر من حلاوة العسل؟ وكذلك الأجير لا يعبأ بارتقاء السلم الطويل مع الحمل الثقيل طول النهار؛ لما يتذكر من أخذ الأجرة آخر النهار، وكذلك الفلاح لا يتكدر بمقاساة الحر والبرد ومباشرة المشاق والكد طول السنة؛ لما يتذكر من أوان الغلة، فكذلك المؤمن المخلص إذا تذكر الجنة في طيب مقيلها وأنواع نعيمها، هان عليه ما يتحمله من مشقة هاتين الصلاتين وحرص عليهما، بخلاف المنافق، والله تعالى أعلم. مطلب آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر الخ (سئل) ما معنى قوله ﷺ آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر مع أنه نهى عن التطير؟. (أجاب) قال السهيلي: نحوسة يوم الأربعاء على من تشاءم وتطير، بأن كان عادته التطير، وتلك صفة من قل توكله، فذلك الذي يضره نحوسته في تصرفه فيه، أما من اعتقد أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله تعالى، فليس هو بنحس عليه، ويجوز كون الأربعاء نحس على طريق التخويف والتحذير؛ أي احذروا ذلك اليوم لما نزل فيه من العذاب وكان فيه من الهلاك

стр. 58

وحدود الله تعالى قوية، خوف أن يلحقكم فيه نكد وبؤس، كما وقع لمن قبلكم. وقال في البحر: وليس في قوله: نحس، على جهة الطيرة، وكيف يريد ذلك والأيام كلها لله تعالى، وقد جاء في تفضيل بعض الأيام على بعض أخبار كثيرة، وهو من الفأل الذي يحبه المصطفى ﷺ وأما الطيرة فيكرهها ﷺ وليست من الدين، بل من فعل الجاهلية، وأما حمل الحديث على الأربعاء الذي أرسل فيه الريح على قوم عاد بخصوصه فمنافر للسياق، مع أنه لا يلزم من تعذيب قوم فيه كونه نحسا على غيرهم، وحمله على أنه نحس على المفسدين لا على المصلحين، والحاصل أن توقي يوم الأربعاء على وجه الطيرة وظن اعتقاد المنجمين، حرام شديد التحريم؛ إذ الأيام كلها لله تعالى لا تضر ولا تنفع بذاتها، وبدون ذلك لا خير ولا محذور، ومن تطير أحاطت به نحوسته، ومن أيقن أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله تعالى لا يؤثر فيه شيء، وقال الشاعر: فتعلم انه لا طير إلا ... على متطير وهو الشرور والله أعلم. مطلب أبعد الناس من الله تعالى يوم القيامة القاص (سئل) عن قوله ﷺ : أبعد الناس من الله يوم القيامة القاص الذي يخالف إلى غير ما أمر به، ما معنى ذلك؟. (أجاب) معرفة القاص الذي يأتي بالقصص ويتبع ما حفظ منها شيئا فشيئا، وقيل: القص: تتبع أثر الوقائع والأخبار، والمعنى أيضا الذي يخالف قوله فعله، ويعدل إلى غير ما أمر به من التقوى والاستقامة، والمراد به من يعلم الناس العلم ولا يعمل به، ومن هو كذلك لا ينتفع بعلمه غالبا، قال تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ وقال تعالى: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ وأوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم أن عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح مني. وإذا لم يعمل العالم بعلمه زلت موعظته من القلوب كما يزل القطر عن الصفا، فحق الواعظ أن يتعظ ثم يعظ ويهتدي ثم يهدي ويبصر ثم يبصر، ولا يكون دفترا يفيد ولا يستفيد، ومنزلة الواعظ من الموعوظ كالمداوي من المداوى، وإذا قال الطبيب للناس: لا تأكلوا كذا فإنه سم، ثم رأوه يأكله يصير كلامه سخرية وهزوا، فلا أحد يعبأ بكلامه، كذا الواعظ من الموعوظ، والله أعلم. مطلب أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم الخ (سئل) عن قوله ﷺ «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» ما المراد بالألد الخصم؟. (أجاب) الألد هو شديد الخصومة بالباطل، والخصم: المولع بالخصومة الماهر فيها الحريص عليها المتمادي في الخصام بالباطل، لا ينقطع جداله، وهو يظهر أنه على الحسن الجميل، ويوجه لكل شيء من خصامه وجها ليصرفه عن إرادته من القباحة ويزين شقشقة الباطل، بحيث صار ذلك عادته وديدنه، ومنه قوله تعالى: ﴿لتنذر به قوما لدا﴾ والله أعلم. (سئل) ما معنى قوله ﷺ إذا مررتم بأهل الشره

стр. 59

فسلموا عليهم، تطفى عنكم شرتهم ونائرتهم؟. (أجاب) يعنى: إذا مررتم بأهل الفساد والفسق إن سلمتم عليهم تخمد عنكم شرهم ونايرتهم؛ أي عداوتهم وفتنتهم، وذلك لأن السلام أمان، فإذا سلمت وردوا فبردهم حصل الأمان منهم، وأن السلام عليهم يؤذن بعدم احتقارهم، فيكون سببا لسكون شرهم، وقال لقمان لابنه: يا بني إذا مررت بقوم فارمهم بسهام الإسلام؛ أي السلام، والله تعالى أعلم. مطلب معنى قوله ﷺ : ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء (سئل) ما معنى قوله ﷺ «ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء»؟. (أجاب) المعنى: ارحم خلق الله تعالى الذين على وجه الأرض من آدمي ووحش وطير وناطق ومبهم وبر وفاجر، يرحمك من أمره نافذ في السماء؛ لأنه تعالى لا يحل في مكان، والمعنى أيضا: ارحموا من في الأرض شفقة، يرحمكم الله تعالى تفضلا، وإنما ينسب إلى السماء لعلوها وارتفاعها أو لأنها قبلة الدعاء. روي: إن العبد ليقف بين يدي الله تعالى، فيطول وقوفه حتى يصيبه من ذلك كرب شديد، فيقول: يا رب ارحمني اليوم، فيقول له: هل رحمت شيئا من خلقي من أجلي فأرحمك؟ وفيه ندب إلى العطف على جميع أنواع الحيوان، وأهمها وأشرفها الآدمي المسلم. وقال وهب: من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يجهل يغلب، ومن يعجل يخطئ، ومن يحرص على الشر لا يسلم، ومن يكره الشر يعصم. وقال عيسى ﵇: لا تنظروا في عيوب الناس كأنكم أرباب، انظروا فيها كأنكم عبيد، إنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية. ورؤى الغزالي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال: بم جئتني؟ فذكرت أنواعا من الطاعات، فقال: ما قبلت منها شيئا، لكنك جلست تكتب فوقفت ذبابة على القلم فتركتها تشرب من الحبر رحمة لها، فكما رحمتها رحمتك؛ اذهب فقد غفرت لك، والله تعالى أعلم. مطلب ما معنى استح من الله تعالى استحياءك من رجلين الخ (سئل) ما معنى قوله ﷺ «استح من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك»؟. (أجاب) المعنى بأن تعظم الله تعالى وتحذر من أن يراك حيث نهاك ويفقدك حيث أمرك، كما تستحي أن تفعل ما تعاب به بحضرة جمع من قومك، وذكر الرجلين لأنهما أقل الجمع والإنسان يستحي من فعل القبيح بحضرة الجماعة أكثر، وخص عشيرته لأن الإنسان يستحي من المعارف أكثر من الأجانب، وقد مثل به تقريبا للأفهام، والمقصود أن حق الحياء منه أن لا يذكر العبد معه غيره ولا يتكل على أحد سواه، ولا يشكو إلا إليه، والله أعلم. مطلب استرشدوا العاقل ترشدوا (سئل) ما معنى قوله ﷺ استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوا فتذموا؟ (أجاب) المعنى: اطلبوا الإرشاد من كامل العقل يحصل لكم الرشد والسداد ولا تخالفوه فيما يرشدكم إليه من

стр. 60

الرأي فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، وقد أمر الله تعالى نبيه بالاستشارة مع كونه أرجح الناس عقلا، فقال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ وأثنى على فاعلها في قوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وقال بعض الحكماء: من استعان بذوي العقول فاز بدرك المأمول. وقيل لرجل من بنى عبس: ما أكثر صوابكم، فقال: نحن ألف رجل فينا حازم ونحن نطيعه، فكأننا ألف حازم. فيتعين على العاقل أن يسترشد إخوان الصدق الذين هم ضياء القلوب، ولا يستشير امرأة لأن طاعة النساء ندامة، والله أعلم. مطلب أشد الناس بلاء في الدنيا نبي أو صفي الخ (سئل) عن قوله ﷺ «أشد الناس بلاء في الدنيا نبي أو صفي» ما الحكمة في عذاب أحبابه؟. (أجاب) الحكمة في ذلك لأجل تصفيته، ألا ترى إذا كان عند أحدكم فضة وفيها غش، هل تستقيم على حال؟ فإذا صفاها استقامت، وكذلك الآدمي لأنه خلق من طين وشأن الطين أن لا يخلو من الكدر إلا بعد معاناة شديدة، قال القرطبي: أحب الله تعالى أن يبتلي أصفياءه؛ تكميلا لفضلهم ورفعة لدرجاتهم عنده، وليس ذلك نقصا في حقهم ولا عذابا، بل كمال رفعة مع رضائهم بجميل ما يجريه الله تعالى عليهم. وقال الجيلاني إنما كان الحق يديم على أصفيائه البلاء والمحن ليكونوا دائما بقلوبهم في حضرته لا يغفلوا عنه؛ لأنه يحبهم ويحبونه، فلا يختارون الرخاء لأن فيه بعدا عن محبوبهم، وأما البلاء فقيد للنفوس يمنعها من الميل لغير المطلوب وتنكسر به القلوب، وأيضا لتتضاعف أجورهم ولتتكامل فضائلهم، ويظهر للناس صبرهم ورضاهم، فيقتدى بهم، ولئلا يفتتن الناس بدوام صحتهم فيعذبونهم، ولأن البلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد، كما ورد «يبتلى الرجل على حسب دينه» أي بقدر قوة إيمانه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه. وقيل أن الدودة كانت تقع من جسد أيوب ﵇ فيعيدها إلى محلها، ويقول لها: كلي من رزق الله حتى يفرج الله. ومن ظن أن شدة البلاء هوان بالعبد، فقد ذهب لبه وعمي قلبه، فقد ابتلي من الأكابر ما لا يحصى ز ألا ترى إلى ذبح نبي الله يحيى بن زكريا، وقتل الخلفاء الثلاثة والحسين وابن الزبير، وقد ضرب أبو حنيفة وحبس ومات بالسجن، وجرد مالك وضرب بالسياط، وجذبت يده حتى انخلعت من كتفه، وضرب أحمد بن حنبل حتى أغمي عليه وقطع من لحمه وهو حي، وأمر بصلب سفيان فاختفى، ومات البويطي مسجونا في قيوده، ونفي البخاري من بلده، وغير ذلك مما وقع لمثل هؤلاء السادات، ومع ذلك فإنهم صبروا صبر الكرام لأجل الثواب، ولقد كان أحدهم يبتلى بالفقر الذي هو قلة المال حتى ما يجد إلا العباءة يخرقها في عنقه ويراها مع ذلك من أعظم النعم عليه؛ لعلمه بأن المال ظل زائل وعارية مستردة، وليس في كثرته فضل،

стр. 61

ولو كان فيه فضيلة لمنحه لأوليائه، وقد كان أكثر الأنبياء - مع ما خصهم به من كرامته وفضله على خلقه - فقراء جدا لا يقدرون على شيء، ولقد كان أحدهم يبتلى بالقمل فيأكل من بدنه حتى يقتله، وإن أحدهم كان أشد فرحا بالبلاء أكثر من فرح غيره بالعطاء؛ لأن المعرفة كلما قويت بالمبتلى هان عليه البلاء، ولا يزال يرتقي في المقامات حتى يتلذذ بالضراء أعظم من التذاذه بالسراء، ويعد عدم الضراء مصيبة، والله تعالى الموفق والهادي للرشاد. مطلب اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية الخ (سئل) ما معنى قوله ﷺ اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية؟. (أجاب) يعنى احذروا إنكار القدر، ويجب عليكم أن تعتقدوا أن ما قدر في الأزل لا بد من وقوعه، وأن الله تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق، وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره، خالق كل شيء، والمراد: احذروا الخوض في القدر. قال أبو الليث: إن استطعت أن لا تخاصم في القدر فافعل، فإن الشارع نهى عن الخوض فيه، فكما أن الخوض في ذلك البحر المتلاطم أمواجه والغوص في جوف الليل منهي عنه، فكذا الجدال فيه؛ إذ لا يخلو عن الخلل، ولأنه شعبة من النصرانية؛ أي فرقة من فرق دين النصرانية لأن المعتزلة الذين هم القدرية أنكروا إيجاد البارئ فعل العبد، فجعله بعضهم كالجبائية غير قادر على عينه، وجعلوا العبد قادرا على فعله، فهذا إثبات للشريك كقول النصارى، فالإيمان والكفر من فعل العبد لا من فعل الرب، وبذلك كفرهم وإنما كانت القدرية مجوس هذه الأمة لأن طائفة منهم يقولون: الخير من الله والشر من العبد، فهم أشبه بالمجوس، والله أعلم. مطلب أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما كتب له (سئل) ما معنى قوله ﷺ » أجملوا في طلب الدنيا فإن كل ميسر لما كتب له منها «؟. (أجاب) المعنى: اطلبوا الرزق طلبا جميلا بأن ترفقوا وتحسنوا السعي في نصيبكم منها بلا كد ولا تعب ولا تكالب وشقاق، وأن لا يطلب الدنيا بحرص وقلق وشره ووله، حتى لا ينسى ذكر ربه، ولا يتورط في شبهة، فيدخل فيمن أثنى الله تعالى عليهم بقوله: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ ولأن كل أحد من الخلق ميسر ومهيأ لما قدر له من الرزق، فالمقدر له يأتيه ولا بد؛ فإن الله تعالى قسم الرزق وقدره لكل أحد لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص، بحسب عمله الأزلي، وقوله ﷺ : أجملوا، وما قال: اتركوا؛ إشارة إلى أن الإنسان وإن علم أن رزقه المقدر له لا بد منه لكن لا يترك السعي، فإن من عوائد الله تعالى تعليق الأحكام بالأسباب، وهو وإن كان قادرا على إيجاد الأشياء اختراعا وابتداء لا بتقدير سبب وسبق علة بأن يشبع الإنسان بلا أكل ويرويه بغير شرب وينشئ الخلق بلا جماع، لكنه أجرى حكمته أن الشبع

стр. 62

والري والولد يحصل عقب الأكل والشرب والجماع، فلهذا قال ﷺ : أجملوا؛ إيذانا بأنه وإن كان هو الرزاق لكنه قدر حصوله بنوع سعي ورفق وحالة من الطلب جميلة، والله أعلم. مطلب أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها الخ (سئل) عن قوله ﷺ «أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» ما معنى ذلك؟. (أجاب) أما المساجد فلأنها بيوت الطاعة وأساس التقوى ومحل تنزلات الرحمة، وأما الأسواق لأنها مواطن الغفلة والحرص والغش والفتن والطمع والخيانة، والإيمان الكاذبة والأغراض العامة القاطعة عن الله تعالى. وقال الطيبي: تسمية المساجد والأسواق بالبلاد خصوصا تلميح إلى قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ وذلك أن وراد المساجد رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وقصاد الأسواق شياطين الجن والإنس من الغفلة والشدة والحرص، وذلك لا يزيد إلا بعدا من الله تعالى، اللهم إلا من يغدو إلى طلب الحلال الذي يصون به دينه وعرضه، ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ وقال جمع: المراد بمحبة المساجد ما يقع فيها من القرب، وببغض الأسواق بغض ما يقع فيها من المعاصي، مع ما غلب على أهلها من استيلاء الغفلة على قلوبهم وشغل حواسهم بما وضع لهم من التدبير، فإليه ينظرون وإليه يطلبون، والأسواق معدن النوال ومظان الأرزاق والأفضال، وهي مملكة وضعها الله تعالى لأهل الدنيا يتداولون فيها، لكن أهل الغفلة إذا دخلوها تعلقت قلوبهم بهذه الأسباب، فاتخذوها دولا، فصارت عليهم فتنة، فكانت أبغض البقاع من هذه الجهات، وإلا فالسوق رحمة من الله تعالى، جعله معاشا لخلقه يذر عليهم أرزاقهم فيها، ولو لم تكن ذلك لاحتاج كل منا إلى تعلم جميع الحرف والترحال إلى البلاد ليلا ونهارا، فوضع السوق نعمة، وأهل الغفلة صدوا عن هذه الرحمة ودنسوا أنفسهم بتعاطي الخطايا فصارت عليهم نقمة، وأما أهل اليقين فهم وإن دخلوها فقلوبهم معلقة بتدبير الله تعالى، فسلموا من فتنها، ومن ثم كان المصطفى ﷺ يدخل السوق ويشتري ويبيع، والله تعالى أعلم. مطلب اللبن أفضل أو اللحم الخ (سئل) أيما أفضل اللبن أم اللحم؟ وهل الزيت أفضل من السمن أو بالعكس؟. (أجاب) اللبن أفضل من اللحم لأن اللبن منشأ الإنسان ونحوه من الحيوانات، ولا يعيش الشخص بدونه، وأنه ﷺ ليلة الإسراء لما أتى له جبريل بقدح من خمر وقدح من لبن فأخذ اللبن. وفي رواية أن اللحم أفضل؛ لقوله ﷺ : سيد الطعام اللحم. والزيت الطيب أفضل من السمن؛ لأنه مبارك ويخرج من شجرة مباركة، والله أعلم

стр. 63

(باب ما يتعلق بالنحو) مطلب المفعول معه هل يتقدم (سئل) عن حكم المفعول معه، هل يتقدم؟. (أجاب) اعلم أن المفعول معه له ثلاث صور؛ إحداهم: تقدمه على عامله، والثاني: تقدمه على الواو، وهذان لا يجوز تقدمهما اتفاقا، والثالث: تقدمه على مصاحبه وفيه خلاف، والأصح المنع، وجوزه بعضهم مستدلا بقوله: جمعت وفحشا غيبة ونميمة وبقوله: أكنيه حيث أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة واللقبا والله تعالى أعلم. مطلب هل يجوز تقدير أداة الشرط بعد غير الأجوبة الثمانية الخ (سئل) هل يجوز تقدير أداة الشرط بعد غير الأجوبة الثمانية غير النفي؟ (أجاب) نعم يقع ذلك للفقهاء كثيرا، يقدرون أداة الشرط تحقيقا للعبارة، وصرح أهل المعاني أنه يجوز تقديرها عند وجود قرينة دالة عليها، نحو قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي﴾ أي أن أرادوا أولياء بحق فالله هو الذي يجب أن يتخذ وليا وسيدا وحده، والله أعلم. (سئل) عن قول القائل: ما اسم أرض فريد وإن تشا فهو جمع ... ففيه للفعل وقفه وفيه للحرف وقع وفيه للجمع صرف ... وفيه للصرف منع (أجاب) رحمه الله تعالى: فحلب هي الفريد لجمع حالب ذا الجمع ... وحلب الشاة وما لحرف وقع والجمع مصروف وفرد منع ... وإن تشا فاصرف كمصر سمع والله تعالى أعلم. مطلب الفرق بين الكلام والكلم (سئل) عما وقع في شرح التوضيح وعبارته التي نقلها عن العز ابن جماعة عند قول الموضح: إن بين الكلام والكلم عموما وخصوصا من وجه، بعبارة موجزة مفيدة لنكتبها على هامش نسختنا، وهى قوله: لا بد في اللذين بينهما عموم وخصوص من وجه من معرفة أمور معروضين وعارضين، وثلاث ماصدقات ومادة ومتعلق، وأيضا يا سيدي ما عرفت وجه الأخصية في قول الأشموني الرابع: إنما قال: وما يتألف، ولم يقل: وما يتركب؛ لأن التأليف كما قيل أخص، فما الجواب عن ذلك بعبارة شافية للمراد؟. (أجاب) أعلم أن المراد بالمعروضين المفهومان، والعارضين العموم والخصوص، والثلاث ماصدقات محل اجتماعهما وانفراد كل منهما، والمادة هي الملفوظات التي تتركب المفهومات منها، والمتعلق النسبة؛ أي الصورة الحاصلة، فالمعروضان هنا ماهية الكلام والكلم، والعارضان الإفادة، وجمع الكلمات الثلاثة، فالإفادة عارض الكلام وجمع الكلمات عارض الكلم والماصدقات الثلاثة الصور ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ قام زيدان. قام زيد. والمادة: الكلمات الثلاثة: الاسم والفعل والحرف؛ إذ الأسماء والأفعال والصور هي المتعلقة، والمراد بها الصور

стр. 64

الحاصلة من اجتماع كلمتين أو كلمات، والنسبة الحكمية حالة في هذه الصور، وأما قول الأشموني أن التأليف أخص، ظاهر؛ لأن كل مؤلف مركب ولا عكس؛ إذ لا يشترط في التركيب وجود ألفة ولا ترتيب في الرتبة العقلية، فهو أعم مطلقا، بخلاف التأليف، فيشترط فيه وجود الألفة وإن لم يوجد ترتيب فهو أخص منه. قال شيخ الإسلام: والألفاظ الموضوعة للدلالة على ضم شيء إلى آخر ثلاثة: التركيب والتأليف والترتيب، فالتركيب: ضم الأشياء، مؤتلفة كانت أو لا، مرتبة الرفع أم لا، فهو أعم من الآخرين مطلقا، والتأليف ضمها مؤتلفة سواء كانت مرتبة الوضع كما في الترتيب وهو جعلها بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعضها نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر في الرتبة العقلية، وإن لم تكن مؤتلفة أم لا، فهو أعم من الترتيب من وجه وأخص من التركيب مطلقا، وبعضهم جعل الترتيب أخص مطلقا من التأليف، وبعضهم جعلهما مترادفين، والله أعلم. مطلب لفظة نص بما تتعدى ولفظة صرح أيضا الخ (سئل) عن لفظة: نص، بما تتعدى؟ وعن لفظة: صرح، أيضا بماذا تتعدى؟. (أجاب) عبارة المصباح: وصرح بما في نفسه تصريحا: أظهره. انتهى وعبارة القاموس: والتصريح خلاف التعريض، وتبين الأمر كالصرح والإصراح، وانكشاف الحق لازم متعد. انتهى. فقوله: لازم، معناه: يتعدى بالباء، وقوله: متعد، معناه: يتعدى نفسه، والتصريح مصدر صرح، وفي المصباح أيضا: نص الشيء: رفعه، ونص الحديث إلى فلان: رفعه إليه، ومثله عبارة القاموس. قال: والعروس أقعدها على المنصة، بالكسر، وهى ما ترتفع عليه، بمعنى أظهرها، فقد عداه إلى مفعولين؛ أحدهما بنفسه والثاني تارة بإلى وتارة بعلى، ومنه ما يستعمله الفقهاء من قولهم: نص عليه فلان؛ أي أظهره ظهور العروس على المنصة، والله أعلم. مطلب علم العربية ما أصله وما ورد فيه من المدح (سئل) عن علم العربية ما أصله وما ورد فيه من المدح؟. (أجاب) علم العربية الذي هو النحو جمال الألسنة وكمال العلماء، يعلم منه معاني الكتاب والسنة ومخاطبة العرب بعضهم ببعض، وبه يخاطب الله تعالى عباده في الجنة، وقال ﷺ «تعلموا العربية وعلموها الناس فإنها لسان الله تعالى الذي يخاطب به عباده يوم القيامة» وفائدته صون اللسان عن الخطأ، وأصوله المرفوعات والمنصوبات والمخفوضات، والأصل فيه ما قيل أن أبا الأسود سمع قارئا يقرأ: أن الله بريء من المشركين ورسوله، بالجر عطفا على المشركين، فذهب إلى الإمام علي كرم الله وجهه، وأخبره بذلك فقال له: ذلك بمخالطتهم العجم صاروا يلحنون. أقسام الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره، والفاعل مرفوع وما سواه فرع عليه، والمفعول منصوب

стр. 65

وما سواه فرع عليه، والمضاف إليه مجرور وما سواه فرع عليه، انح لهم هذا النحو يا أبا الأسود، فلهذا سمي هذا العلم نحوا، والله تعالى أعلم. مطلب وضع من وما للعاقل وغيره (سئل) في أصل وضع (من وما) في الاستعمال في العاقل وغيره؟. (أجاب) الذي نص عليه النحاة أن أصل وضع (من) للعاقل مثل ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه﴾ ﴿ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ إلى غير ذلك، ووضع (ما) لغير العاقل، مثل ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ وقوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ فإن وردت (من) لغير العاقل مثل: ﴿ومنهم من يمشي على أربع﴾ وقول الشاعر: أسرب القطا هل من يعير جناحه و (ما) للعاقل مثل: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ وجب تأويلهما، والله أعلم. مطلب كل نوع خاصة لجنبه ولا ينعكس (سئل) ما معنى قول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى في شرح ايساغوجى: وكل خاصة نوع خاصة لجنسه ولا ينعكس؟. (أجاب) نقول: لا يخفى أن النوع مندرج تحت الجنس؛ لأن الجنس جزؤه، أي نوع والنوع فرع الجنس، فكل خاصة للنوع كالضحك للإنسان خاصة لجنسه وهو الحيوان، بمعنى أنها ثابتة له في الجملة لا تخرج عنه إلى غيره، وليس كل خاصة لجنس خاصة لكل أنواعه، مثلا الضحك خاصة الإنسان، وهو أيضا خاصة للحيوان الذي هو جنس، ولا يصح أن تكون هذه الخاصة في الجملة للجنس ثابتة لكل أنواعه، كالفرس والشاة؛ لأن الأنواع إنما تتميز بخواصها، فخاصة نوع لا تثبت لغيره من سائر الأنواع، والله أعلم. مطلب ما وقع في عبارة الحنفية وشرط كون الذابح مسلما أو كتابيا الخ وما يرد عليه (سئل) عما وقع في عبارة بعض فقهاء الحنفية من قوله في كتاب الذبائح: وشرط كون الذابح مسلما أو كتابيا ولو حربيا أو امرأة أو مجنونا أو صبيا يعقل ويضبط، أو أقلف أو أخرس، لا من لا كتاب له كالوثني والمجوسي، وكتب عليه القهستاني قوله: (لا من) حال من (مسلما) فإنه اسم غير محصل لا كجزئه، فإن (لا) مخصوصة به، كما ذكره الرضي، فليس من التسامح في شيء كما ظن، به وكتب عليه أبو المكارم: (لا) في هذا المحل إما عطف على (مسلما) وفيه تسامح كما لا يخفى أو ابتداء جملة بتقدير الفعل أن يكون الذابح لا من لا كتاب له، بينوا لنا الجواب عن العبارتين وما وجه التسامح؟. (أجاب) اعلم أن التركيب وأشباهه، أعني قوله: لا من لا كتاب له، يقع كثيرا للمصنفين، كقولهم: هذا ماء طاهر لا طهور، وهذا بالغ لا رشيد، وهو مشكل من جهة أنه يجب فيه وفي مثله تكرارها؛ لأنها داخلة على الخبر، فقد صرح في المغني بأن (لا) هذه يجب تكرارها إذا وليها مفرد خبر أو صفة أو حال، وكذلك يجب تكرارها إذا وليها فعل ماض لفظا وتقديرا، أو جملة صدرت باسم معرفة أو وليها نكرة لا تصلح للعمل فيها، فهذه ست صور يجب تكرار (لا) فيها، مثال الخبر: زيد

стр. 66

لا شاعر ولا كاتب، وكما هنا لأن من لا كتاب له خبر عن الكون وإن كان منفيا، ومثال الحال: جاء زيد لا ضاحكا ولا باكيا، ومثال الصفة: ﴿أنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ ﴿وظل من يحموم لا بارد ولا كريم﴾ ﴿وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ ﴿من شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية﴾ ومثال الاسم المعرفة: ﴿لا لشمس ينبغي لها أن تدرك الليل ولا الليل سابق النهار﴾ ومثال النكرة التي لم تعمل (لا) فيها نحو ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ ومثال الفعل الماضي ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ وفي الحديث:» فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ﴿وقول الهزلي: كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل. هذه وما أشبهها يجب التكرار فيها، ومثل هذه العبارة - أعني (لا) من (لا كتاب له) - تقع كثيرا للعلماء، ثم يرد عليهم الاعتراض بأنه يجب تكرارها ولم تكرر، فهذا هو المشار إليه بالتسامح، فمن الناس من يتأولها ويمشي على طريق المناطقة ويجعل حرف السلب جزءا من الاسم بعده ويصير الحكم فيها بالعدم، وحمله على ذلك فرارا من عدم تكرارها، وفيه نظر من وجهين؛ أحدهما أن الأمور اللغوية التي يمكن أن تحمل على محمل لغوي صحيح لا تخرج عن قواعد المناطقة. الثاني: قوله: حال من (مسلما) إن أراد أن لفظ من حال من (مسلما) ففيه نظر من وجهين؛ أحدهما أن (من) اسم جامد ولا يقبل تأويلا، والحال إما مشتقة أو مؤولة بالمشتق. الثاني: أنه يصير المعنى أن المسلم له حالان، حال كونه يصح ذبحه وحال كونه لا يصح، وهذا باطل. وإن أراد أن الجملة حال من مسلم، ورد عليه أن يصير المعنى أن المسلم له حالان: حال له كتاب وحال لا كتاب له، وهو فاسد وباطل؛ لأن المسلم له كتاب إجماعا، فالصواب أن الجملة حال من الذابح، والمعنى أن الذابح حال كونه لا كتاب له لا تصح ذبيحته، لا يقال أن الذابح وقع مضافا إليه، ولا تجيء الحال من المضاف إليه، قلنا: بل تجيء في ثلاث صور؛ إحداهم أن يكون المضاف يصح عمله في المضاف إليه، نحو ﴿إليه مرجعكم جميعا﴾ فـ (مرجع) مصدر عامل في الكاف، كما أن الكون هنا عامل لأنه مصدر. والثانية أن يكون المضاف مثل جزء ماله أضيف، نحو ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ لأن الملة ليست جزءا لكنها كجزء إبراهيم للزومها له ولزومه لها. الثالثة: أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه، نحو قوله تعالى ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ فلو حذف (لحم) وقيل: أيحب أحدكم أن يأكل أخاه ميتا؛ لصح الكلام، وهذا هو الفرق بين الجزء وما هو مثل الجزء، فدفع القهستاني التسامح من عدم تكرار (لا) بجعله (لا) جزءا من جزء القضية، وأنها ليست (لا) التي يجب تكرارها، لكنه وقع في المحذورين المذكورين، وقول أبي المكارم في دفعه: إما عطف الخ، لا يصح أما العطف فإن (لا) هنا ليست عاطفة كما يعلم ذلك

стр. 67

الواقف على كلام النحاة، ولا سيما مغني اللبيب، فإنه جعل (لا) هذه مغايرة للعاطفة والنافية للجنس والوحدة والجوابية، وشرط النحاة للعاطفة شروطا، منها: أن لا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر، فلا يجوز: جاءني زيد لا رجل، وعكسه؛ أي: جاءني رجل لا زيد، وكأنه أشار بالتسامح إلى ذلك، وقوله: أو ابتدأ جملته بتقدير الفعل أن يكون الذابح من لا كتاب له، ظن بذلك دفع التسامح، ولا يندفع به لأنه وإن كان مضارعا وهو لا يجب فيه التكرار، كقوله تعالى ﴿لا يحب الله الجهر﴾ مع أنه لا يندفع؛ لأن ما قدره مفرد لأن (يكون) في تأويل المفرد لدخول (أن) الصدرية، وما فر منه وقع فيه لأنه يؤول إلى ما يجب فيه التكرار ويلزمه حذف (يكون) مع اسمها وهو قليل، وإذا علمت ذلك وما فيه من التسامح والنظر علمت أن الصواب ما ذهب إليه بعضهم من أن (لا) هنا بمعنى (غير) صفة لما قبلها، ظهر إعرابها فيما بعدها لكونها بصورة الحرف، وقول السعد: (لا) هذه يحتمل أنها حرف الخ، لا يرد عليهم لأنه احتمال بعيد جدا ولا ينافي ذلك ما نقل عن المغني لأن محله ودلت عليه مثلهم فيما إذا أريد الإخبار أو الوصف أو الحال لنفي متقابلين، فيجب تكرار (لا) حينئذ لأن عدمه يوجب أن القصد نفي المجموع، كما صرح به السعد في نحو: (لا ذلول) أنها اسم بمعنى (غير) لكونها بصورة الحرف، ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن تكون حرفا كما تجعل إلا بمعنى غير، كما في قوله تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ مع أنه لا قائل باسميتها؛ أي الاسم، قال في قول الكشاف: لا الثانية من يده لتأكيد الأولى الثانية حرف لتأكيد النفي والتأكيد لا ينافي الزيادة، على أنه يفيد التصريح بعموم النفي وبدونها يحتمل اللفظ على نفي الاجتماع، ولهذا تسمى (لا) المذكورة للنفي. انتهى. ولم ينظر السعد إلى اعتراض أبي حيان على الزمخشري بقوله ما ملخصه: زعمه التأكيد مع الزيادة ليس بشيء لأن (لا ذلول) صفة منفية بلا، فيجب تكرار (لا) فيه لما دخلت عليه، وتقديره يؤول إلى أن التقدير: لا ذلول مثيرة ولا ساقية، وهو ممتنع كجاءني رجل لا كريم؛ لأن الحق ما ألزم به الزمخشري لا يلزمه؛ إذ الزيادة لأجل تأكيد النفي لئلا يوهم ما مر لا ينافي وجوب التكرير، ولا يوجب أن تقدير الآية ما ذكره، ولا أنه مثل جاءني رجل لا كريم، فتأمله ليظهر لك أن الزيادة والتأكيد هنا غيرهما في نحو ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ بدليل حذفها في﴾ ما منعك أن تسجد ﴿ومن ثم قال ابن جني: (لا) هنا مؤكدة قائمة مقام إعادة الجملة، وفى المغني في نحو: ما جاءني لا زيد ولا عمرو، يسمونها زائدة وليست بزائدة البتة إذ مع حذفها يحتمل نفي مجيء كل منهما على كل حال ونفي اجتماعها في وقت فإذا جيء بها صار نصا في المعنى الأول بخلاف﴾ وما يستوي

стр. 68

الأحياء ولا الأموات ﴿وهو موافق لما مر عن السعد ومؤيد كما وردت على أبى حيان. واعلم أن (لا) في كل ما ذكر بمعنى (غير) فما وقع لبعضهم أن (لا) التي بمعنى (غير) قسيمة لما يجب تكرارها، غير مراد، وقد صرحوا بأن (لا) العاطفة والجوابية لم يقعا في القرآن العظيم، والله تعالى أعلم. مطلب فيمن يقرأ القرآن وهو جاهل بالتجويد (سئل) فيمن يقرأ القرآن على وجه صحيح وهو جاهل بالتجويد وعلم العربية، فهل يثاب على قرائته ويثاب سامعه؟. (أجاب) أفتى العلامة الشمس الرملي - رحمه الله تعالى - بأنه يثاب هو وسامعه على ذلك، مع جهله بالتجويد والعربية، والله أعلم. مطلب اسم الله همزته للقطع أو الوصل إذا قال له شخص أخطأت ماذا يلزمه الخ (سئل) في شخص قرأ قوله تعالى ﴿الم الله لا إله إلا هو﴾ بهمز القطع في اسم الله مع عدم علمه بها هل هي همزة قطع أو وصل، فقال شخص: أخطأت، فماذا يترتب على القارئ مع عدم عمله؟. (أجاب) ذكر العلامة الشمس الرملي - رحمه الله تعالى - في فتاواه بقوله: حركت الميم لالتقاء الساكنين، وهو الميم ولام التعريف في اسم الله، ولم تحرك لسكونها وسكون الياء قبلها لأن جميع هذه الحروف التي على هذا المثال تسكن إذا لم يلقها ساكن بعدها، كقوله﴾ الم ذلك الكتاب ﴿و (حم) و (طس) ونحوها، وفتحت لوجهين، أحدهما: كثرة استعمال اسم الله بعدها، والثاني نقل الكسرة بعد الياء والكسرة وأجاز الأخفش كسرها، وقيل: فتحت لأن حركة همزة (الله) ألقيت عليها، وهذا يبعد لأن هذا الوصل لا حظ لها في الثبوت في الوصل حتى تلقى حركتها على غيرها، وقيل: الهمزة في (الله) همزة قطع وإنما حذفت لكثرة الاستعمال، فلهذا ألقيت حركتها على الميم لأنها تستحق الثبوت، وهذا يصح على قول من جعل أداة التعريف أنه لا إله إلا هو الحي القيوم. انتهى، والله أعلم. مطلب علم العربية تعلمه فرض عين أو كفاية (سئل) عن علم العربية، هل تعلمه فرض عين أو فرض كفاية؟. (أجاب) أجمع أهل العلم على أن تعلم علم العربية فرض كفاية، ويكون على قارئ الحديث فرض عين؛ لأن علم الحديث لا يقرأ بدونه، ومن البدع الواجبة تعلم النحو المتوقف عليه فهم ما يجب عليه معرفته من الكتاب والسنة، فهو واجب لأن ضبط الشريعة واجب ولا يتأتى ضبطها إلا بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ذكره الشمس الرملي في فتاواه، والله أعلم. مطلب ما معرفة النحو الخ (سئل) ما معرفة النحو؟. (أجاب) هو في الاصطلاح علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أجزائه التي يتألف منها، ويقال أيضا: هو علم بأصول يعلم منها أبنية الكلام إعرابا وبناء، وموضعه الكلمات لأنه يبحث عن عوارضه الذاتية من حيث الإعراب والبناء، وغايته الاستعانة على فهم كلام الله تعالى وحديث رسوله، وفائدته معرفة صواب الكلام من خطئه وإنما سمى الإعراب

стр. 69

إعرابا لكونه مخصوصا بالعربية، وسمي البناء بناء لطوله، والبناء في اللغة هو وضع للشيء على صفة أريد ثبوتها، والله تعالى أعلم. (باب ما يتعلق بالتوحيد) مطلب أول واجب على الإنسان معرفة الإله الخ (سئل) عن معنى قول صاحب الزبد: أول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان. أوضحوا لنا ذلك أثابكم الله تعالى. (أجاب) يعنى أول ما يجب على الإنسان البالغ العاقل معرفة الله تعالى يقينا؛ لقوله تعالى ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ وقوله تعالى ﴿وليعلموا أنما هو إله واحد﴾ وغير ذلك من الآيات، ولأن هذه المعرفة مبنى سائر الواجبات؛ إذ لا يصح بدونها واجب ولا مندوب، والمراد بمعرفة الله تعالى معرفة وجوده تعالى وما يجب له من إثبات أمور ونفي أمور، وهى المعرفة الإيمانية أو البرهانية لا الإدراك والإحاطة بكنه الحقيقة؛ لأن ذلك ممتنع عقلا وشرعا. وسئل بعض العلماء عن الله تعالى فقال: إن سألت عن أسمائه فقوله ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وإن سألت عن صفاته فقوله تعالى ﴿قل هو الله أحد﴾ الخ، وإن سألت عن أقواله فقوله تعالى ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ وإن سالت عن أفعاله تعالى﴾ كل يوم هو في شأن ﴿وإن سألت عن نعته فقوله تعالى ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾ وإن سألت عن ذاته فقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ وسئل أعرابي عن دليل وجود الصانع فقال: البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على العليم الخبير. وعن أبى هريرة مرفوعا: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق؛ فانه لا تحيط به الفكرة» والله تعالى أعلم. مطلب هل الإيمان يزيد وينقص أو لا (سئل) عن الإيمان هل يزيد وينقص؟. (أجاب) نعم الإيمان يزيد وينقص، يزيد بزيادة الطاعات وينقص بنقصانها، والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾ وقوله تعالى ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانا﴾ وقال الشيباني في عقيدته: وإيماننا قول وفعل ونية، ويزداد بالتقوى وينقص بالردا. وقال أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: في الإيمان ما لا يزيد ولا ينقص، وإيمان يزيد ولا ينقص، وإيمان يزيد وينقص، فأما ما لا يزيد ولا ينقص فهو إيمان الملائكة عليهم الصلاة والسلام، فإنهم مكلفون بعمل لا يزيدون عليه ولا ينقصون، لقوله تعالى ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ فإيمانهم معتدلة لا تزيد ولا تنقص، وأما ما يزيد ولا ينقص فهو إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يزيد بزيادة الطاعة، وليس عليهم معصية ينقص إيمانهم بها لأنهم معصومون، وأما ما يزيد وينقص فهو

стр. 70

إيمان المسلمين، يزيد بزيادة الطاعات وينقص بارتكاب المعاصي. وقيل: إن حقيقة الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأنه تصديق قلبي، وهو لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان؛ لأن من حصل له حقيقة التصديق سواء عمل الطاعات أم ارتكب المعاصي فتصديقه لا يغير أصلا، والآيات الدالة على زيادة الإيمان محمولة على زيادته في عصره ﷺ بزيادة ما يؤمنون به مما يتجدد من الفرائض. وهذا ممنوع عند السادة الشافعية، كيف وقد قال الله تعالى عن السيد الجليل إبراهيم الخليل ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ وقال تعالى ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ فدل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما عليه الأشاعرة، والله تعالى أعلم. مطلب لم خلق الله الخلق الخ (سئل) لم خلق الله تعالى الخلق؟. (أجاب) في ذلك خلاف، قيل: خلقهم لأجل محمد ﷺ وقيل: خلقهم ليعبدوه؛ لقوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وقيل: خلقهم للاختلاف الواقع بينهم؛ لقوله تعالى ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ وقيل: خلقهم ليعرف، فلو لم يخلق لم يعرف، ويؤيد هذا ما ورد في بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى: كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق، تحببت إليهم بالنعم حتى عرفوني. وقال بعضهم: خلق الخلق ليظهر معرفته، ويرزقهم ليظهر إحسانه، ويميتهم ليظهر سلطانه، ويحييهم ليظهر قوته، ويعذبهم ليظهر نقمته، ويدخلهم الجنة ليظهر رحمته. وقال بعضهم: خلق الخلق من عظم غيبه عنهم، قال تعالى ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾ ولذلك قيل: إن بالمشرق ملكا وبالمغرب آخر ينادي أحدهما: ألا ليت هذا الخلق لم يخلقوا، فيجيبه الآخر يا ليتهم إذا خلقوا عرفوا لما خلقوا. والله أعلم. مطلب هل للعبد قدرة واختيار في أفعاله وحركاته (سئل) من المعلوم المحقق عند أهل السنة والجماعة أن الله تعالى منفرد بخلق عباده وتدبير أمورهم، فهل يكون للعبد قدرة واختيار في أفعاله وحركاته وسكناته؟. (أجاب) الذي يجب اعتقاده أن الله منفرد بالخلق واختراع الأعيان والآثار والجواهر والأعراض، لا يخرج حادث عن أن يكون مخلوقا له تعالى، فجميع أحوال العباد وأفعالهم الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله تعالى أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا، وهو منفرد بالتدبير للأمور دون مشارك ولا معين، فلا يحدث حادث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي إلا بتدبيره وإرادته وقضائه وحكمته، وهو تعالى عالم بعواقب الأمور كلها من غير نظر ولا فكر، يعلم ما يكون قبل أن يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان، فالخلق جميعا في قبضته على إرادته. قال أبو عبد الله بن إسحاق بن منذر في كتاب الصفات: من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى تقلب أحوال العبد من حالة

стр. 71

المرض والصحة والموت والحياة والنوم والانتباه والفقر والغنى والعجز والقدرة، ومن علم أن الله تعالى منفرد بالخلق والتدبير فلا يفكر في تدبير نفسه، بل يكل تدبيره إلى خالقه كما قال تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ لأنه إذا كان يخلق ما يشاء فهو مدبر ما شاء، فمن لا خلق له لا تدبير له،﴾ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴿﴾ ما كان لهم الخيرة ﴿جل أن يكون لهم خيرة معه في شيء من أمورهم، فمن ادعى الاختيار في شيء من التدبير فهو مشرك منازع للربوبية بلسان حاله، وإن تبرأ من ذلك بمقاله. قال أهل المعرفة: من لم يدبر دبر له، وإن كان لا بد من التدبير فدبر أن لا تدبر، والله تعالى أعلم. مطلب هل يجوز الخروج على ولاة الأمور ولو جاروا (سئل) هل يجوز الخروج على ولاة الأمور وعدم طاعتهم فيما يأمرون وينهون عنه، ولو كانوا جائرين في حكمهم وأمورهم؟. (أجاب) يحرم الخروج على ولاة الأمور لما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه، وقتالهم حرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث على ذلك، وأجمع أهل السنة أن السلطان لا ينعزل بالفسق، وتجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم تخالف حكم الشرع، وإن كان جائرا؛ لخبر: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وفى خبر: «أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد» المعنى: أطيعوا أولي الأمر ولو كان على سبيل الفرض والتقدير عبدا؛ لأن العبد لا يكون واليا، ويجوز أنه ﷺ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله، حتى توضع الولاية في العبد، فإذا كان فاسمعوا وأطيعوا تغليبا لأهون الضررين، وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته؛ ليلا يؤدي عدم الطاعة إلى فتنة صماء عمياء لا دواء لها ولا خلاص منها، وقد تكاثرت الروايات عنه ﷺ أن أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور إنما هو في طاعة الله تعالى؛ لقوله صلى الله علية وسلم: «إنما الطاعة في المعروف» وخطب عمر بن عبد العزيز حين استخلف فقال في خطبته: أطيعوني ما أطعت الله تعالى، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، والله تعالى أعلم. مطلب الإيمان هل هو مخلوق أو لا الخ (سئل) عن الإيمان هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وما تعريفه؟. (أجاب) الإيمان عند جمهور المحققين تصديق القلب بما علم ضرورة مجيء الرسول ﷺ من عند الله تعالى به، والإقرار باللسان إنما هو شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، وقيل: إنه الإقرار والتصديق معا، وقيل: إنه الإقرار والأعمال، وعلى كل قول منها هو مخلوق لأنه فعل العبد المخلوق، وقول أبي الليث السمرقندي في جواب أنه مخلوق أو لا: الإيمان إقرار وهداية، والإقرار صنع العبد، وهو مخلوق، والهداية صنع الرب، وهو غير

стр. 72

مخلوق. فيه تسامح؛ لأن هداية الله تعالى للعبد سبب الإيمان لا جزء منه، والمسؤول عنه نفس الإيمان لا هو وسببه معا. ذكر ذلك العلامة الشمس الرملي - رحمه الله تعالى - في فتاواه، والله أعلم. مطلب الطاعة والمعصية الواقعان من العبد الخ (سئل) في الطاعة والمعصية والخير والشر الواقعان من العبد، هل هما مخلوقان لله وبقضاء الله تعالى وقدره أم كيف الحال؟. (أجاب) لا شك ولا ريب أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، وهو فعال لما يريد من الخير والشر، قال تعالى ﴿فعال لما يريد﴾ أي من الخير والشر، وهذا رد على المعتزلة حيث قالوا: إنما يريد الخير فقط، فهو فعال للخير دون الشر، وأنكروا إرادة الله تعالى للشر، وقالوا أنه أراد من الكافر الإيمان لا الكفر، ومن العاصي الطاعة لا المعصية؛ زعما منهم أن إرادة القبيح قبيحة، فعندهم أكثر ما يكون من أفعال العبد على خلاف إرادة الله تعالى، وقد دلت الآيات على خلاف قولهم، منها قوله تعالى ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ وقوله تعالى ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ وروي أنه ﷺ قال لأبي بكر: لو أراد ربك أن لا يعصى لما خلق إبليس، وقد أشار إلى مذهبهم القاضي عبد الجبار مخاطبا للأستاذ أبى إسحاق بقوله: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فأجابه الأستاذ بقوله: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال القاضي عبد الجبار: أيشاء ربنا أن يعصى؟ فقال الأستاذ: فيعصى ربنا قهرا؟ فقال القاضي: ألا ترى أن منعنا الهدى وقضى علينا بالردا، أحسن إلينا أم أسا؟ فقال الأستاذ: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء، والله تعالى أعلم. مطلب السعادة والشقاوة هل هما أزليتان أو لا الخ (سئل) عن السعادة والشقاوة هل هما أزليتان عنده ؟. (أجاب) نعم، السعادة والشقاوة أزليتان مقدرتان مقدرتان في الأزل، لا يتغيران ولا يتبدلان، فالسعادة الموت على الإسلام والشقاوة الموت على الكفر؛ لتعلق العلم الأزلي بهما، كذلك فالسعيد من علم الله تعالى في الأزل موته على الإسلام، وإن تقدم منه كفر، والشقي من علم الله تعالى في الأزل موته على الكفر وإن تقدم منه إسلام، ويترتب على السعادة الخلود في الجنة وتوابعه، وعلى الشقاوة الخلود في النار وتوابعه، وعلى هذا يصح أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى نظرا للمآل، وعند الماتريدية لا يصح ذلك نظرا للحال؛ إذ السعيد عندهم هو المسلم والشقي هو الكافر، والسعادة: الإسلام، والشقاوة: الكفر، فيتصور في السعيد أن يشقى بأن يرتد بعد الإيمان ويسعد الشقي بأن يؤمن بعد الكفر، فليس كل من السعادة والشقاوة أزليا، بل يتغيران ويتبدلان، والله أعلم. مطلب هل يجوز في حق الله أن يثيب العاصي ويعذب الطائع (سئل) هل يجوز في حق الله تعالى أن يثيب العاصي ويعذب الطائع، ولا اعتراض عليه سبحانه

стр. 73

وتعالى في ذلك؟ ولا يكون منه ظلم كما زعمته المعتزلة، قبحهم الله تعالى؟. (أجاب) نعم يجوز له أن يعاقب الطائع ويثيب العاصي؛ لأنه ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، لكنه لا يقع ذلك منه لإخباره بإثابة المطيع وتعذيب العاصي، وهذا رد أيضا على المعتزلة - قبحهم الله تعالى - حيث قالوا: يجب على الله تعالى أن يفعل بعباده ما هو الأصلح في حقهم، فهذا باطل؛ لأنه تعالى لو وجب عليه الأصلح لعباده لما خلق الكافر الفقير يعذب في الدنيا بالفقر وفي الآخرة بالعذاب الأليم المخلد، سيما المبتلى في الدنيا بالأسقام والمحن والآفات، وأيضا لو وجب عليه الأصلح لما بقي للتفضل مجال ولم يكن له تعالى خيرة في الأفعال، وهو باطل لقوله تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾﴾ يختص برحمته من يشاء ﴿وقال صاحب الجوهرة: وقولهم أن الصلاح واجب ... عليه زور ما عليه واجب يعنى أن هذا القول من المعتزلة قول باطل زور، مزين الظاهر فاسد الباطن، وليس عليه تعالى لخلقه شيء واجب من فعل أو ترك؛ لأن أفعاله كلها جائزة بالنظر إلى ذاتها، واقعة على سبيل الإحسان والفضل، أو على وجه المؤاخذة والعدل، لا يجب منها شيء عقلا ولا يستحيل؛ لأنه تعالى فاعل بالاختيار، فلو وجب عليه فعل شيء أو تركه لما كان مختارا فيه؛ لأن المختار هو الذي يتأتى منه الفعل والترك، وله أن يؤلم الأطفال والدواب كما يشاهد به من لا ذنب له من الأطفال والدواب وشدة مرضهم وطول أوجاعهم، حتى الأطفال الرضع من غير عمل منهم سابق، وذلك عدل منه يتصرف في ملكه ما يشاء وأراد، فلا يتخيل متخيل أن ذلك ظلم منه، فإن وصفه بالظلم مستحيل استحال ذلك عقلا وسمعا، أما العقل فلأن الظلم إنما يعرف بالنهي عنه، ولا يتصور في أفعاله تعالى ما ينهى عنه؛ إذ لا يتصور له ناه ولا آمر؛ لأن العالم العلوي والسفلي ملكه وخلقه، ولا يتصور الظلم في ملك الإنسان لأنه وضع الشيء في غير محله، وذلك مستحيل على المحيط بكل شيء علما. وأما السمع فمما لا يحصى من الآيات والأحاديث، منها قوله تعالى ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ وقوله ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ وخبر: «يقول الله تعالى: اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري» وخبر: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» والله أعلم. مطلب في الملائكة هل يأكلون ويشربون وينامون (سئل) عن الملائكة هل يأكلون ويشربون وينامون؟ وهل عندهم ليل أو نهار؟ أوضحوا لنا ذلك أثابكم الجنة. (أجاب) الملائكة أجسام نورانية قادرون على التشكل بأشكال مختلفة، وقوتهم التسبيح، فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، والظاهر أن لا ليل عندهم لأن نورهم يأباه، والليل إنما هو في هذا العالم بدليل أن الجنة

стр. 74

لا ليل فيها، وإنما يعرفون وقته بإرخاء الستور، ودليل أنهم لا ينامون قوله تعالى ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ وقال القاضي البيضاوي: النوم حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث يغيب الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا. انتهى. وقال القرطبي: وبالجملة فالنوم فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله. انتهى، والله أعلم. مطلب الجن فوق الأرض أو تحتها وهل يأكلون كأكلنا الخ (سئل) عن الجن هل هم فوق الأرض أو تحتها؟ وهل يأكلون كأكلنا ويتناسلون ويموتون كالإنس؟ وهل يمكن رؤيتهم على أصل خلقتهم؟ وما حكمة إخفائهم؟. (أجاب) أفتى العلامة الشمس الرملي رحمه الله تعالى بأن مسكن الجن تحت الأرض، ولهم آجال، ويموتون ويتناسلون، ولهم بعض أطعمة مختصة بهم، وإخفاؤهم عنا رحمة من الله تعالى، ومن ادعى رؤيتهم على أصل خلقتهم كفر لأنه يخالف نص القرآن العظيم بقوله تعالى ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ والله تعالى أعلم. مطلب في عبادته ﷺ قبل النبوة (سئل) عن عبادته ﷺ قبل النبوة بغار حرا وغيره، هل كانت بوحي أو بشريعة أحد من الأنبياء أم بغير ذلك؟. (أجاب) ذكر العلامة الشمس الرملي رحمه الله تعالى في فتاواه أنه اختلف العلماء في أنه ﷺ هل كان مكلفا قبل النبوة بشرع أو لا؟ فمنهم من نفى ذلك ومنهم من أثبته، وعزي إلى الجمهور، وعلى الإثبات فقد اختلف في تعيين الشرع، فقيل: بشريعة نوح، وقيل: إبراهيم، وهو الصحيح، وقيل: موسى، وقيل: ما ثبت أنه شرع، وقيل بالتوقيف تأصيلا وتفريعا، وعلى الإثبات أيضا اختلف في كيفية التعبد، فقيل: كانت ما يلقى إليه من نور المعرفة، والذي اختاره ابن الحاجب والبيضاوي أنه كلف التعبد بشرع معلوم قبل النبوة، أما بعد النبوة فلا، والمختار المنع. انتهى. (سئل) ما معنى قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾؟. (أجاب) ليس المراد بالاستواء معناه الحقيقي الذي هو الاستقرار والجلوس؛ لأن هذا من خواص الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك، بل اختلف أهل السنة في معناه على قولين؛ أحدهما: التأويل، ونقل عن الأكثرين، فعلى هذا المراد بالاستواء الاستيلاء، ويعود هذا المعنى إلى القدرة؛ أي استولى على العرش الذي هو أعظم المخلوقات. وبالاستيلاء عليه مستوليا على الوجود بأسره. تقول: استوى الأمر لزيد: إذا كمل له وصار مستوليا عليه. والقول الثاني: إنما نفوض أمر معناه إلى الله تعالى مع اعتقاد أنه تعالى منزه عن الجهة متعال عن الجسمية، وهذا الطريق أسلم لكن الأول أحكم، ويروى كل من هذين القولين عن الشيخ أبي الحسن الأشعري، ويجري هذا الخلاف في جميع ما ورد من الآيات والأحاديث التي يمتنع إجراؤها على ظاهرها، كقوله تعالى:

стр. 75

﴾ يد الله فوق أيديهم ﴿وقوله تعالى ﴿ويبقى وجه ربك﴾ فمن أول قال: المراد باليد القدرة، وبالوجه الوجود، ونحو ذلك من التأويلات اللائقة بجلال الله تعالى الموافقة لما دلت عليه الأدلة القطعية على ما ذكر من كتب التفسير والحديث والتوحيد؛ سلوكا للطريق الأحكم الموافق للوقف على قوله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ وهذا هو مذهب الخلف. ومن لم يؤول قال: نفوض علمها إلى الله تعالى مع الجزم بالتنزيه والتقديس واعتقاد عدم إرادة الظاهر جزما على الطريق الأسلم، وهذا هو مذهب أكثر السلف، ولهذا يقفون على قوله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ثم يبتدئون بـ﴾ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴿وقد روى البيهقي بسنده أن رجلا جاء إلى الإمام مالك رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا عبد الله﴾ الرحمن على العرش استوى ﴿كيف استوى؟ قال: فأطرق الإمام مالك رأسه حتى علاه الرمضاء - أي العرق - ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا. فأمر به أن يخرج. ونقل نحو هذا الكلام عن غير الإمام مالك أيضا. ومعنى قوله: الاستواء غير مجهول، أنه غير مجهول الوجود؛ لأن الله تعالى أخبر به وخبره صدق يقينا لا يجوز الشك فيه، وفي ذلك كلام طويل، والله أعلم. مطلب الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد (سئل) عن الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد؟ أو أنهما شيئان؟. (أجاب) قال بعضهم أنهما شيئان، واحتج بقوله تعالى ﴿قالت الأعراب آمنا﴾ الآية، وقال بعضهم أنهما شيء واحد، واحتج بقوله تعالى ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ والأصح أنهما شيئان لما جاء في الحديث الشريف «أن جبريل ﵇ نزل في صورة أعرابي فقال للنبي ﷺ : أخبرني عن الإسلام، فقال له النبي ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت يا محمد، ثم قال له: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره» إلى آخر الحديث، والله تعالى أعلم. مطلب ما الحكمة في عدم رؤية الله تعالى في الدنيا (سئل) ما الحكمة في عدم رؤية الله تعالى في الدنيا ورؤيته في الآخرة؟ وما يترتب على من ادعى رؤيته في الدنيا؟. (أجاب) الحكمة في ذلك ما روي عن الإمام مالك ﵁ أنه قال: إنما لم ير في الدنيا لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رؤي الباقي بالباقي، ومن ادعى الرؤية في الدنيا فهو زنديق مخالف لكتاب الله تعالى لقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ وقد أطبق المشايخ على تضليل مدعيها
следующие страницы →