← Фикх шафии

Фикх шафии · id 8648

فتاوي الخليلي على المذهب الشافعي

محمد الخليلي

Полный текст (525 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المرض والصحة والموت والحياة والنوم والانتباه والفقر والغنى والعجز والقدرة، ومن علم أن الله تعالى منفرد بالخلق والتدبير فلا يفكر في تدبير نفسه، بل يكل تدبيره إلى خالقه كما قال تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ لأنه إذا كان يخلق ما يشاء فهو مدبر ما شاء، فمن لا خلق له لا تدبير له،﴾ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴿﴾ ما كان لهم الخيرة ﴿جل أن يكون لهم خيرة معه في شيء من أمورهم، فمن ادعى الاختيار في شيء من التدبير فهو مشرك منازع للربوبية بلسان حاله، وإن تبرأ من ذلك بمقاله. قال أهل المعرفة: من لم يدبر دبر له، وإن كان لا بد من التدبير فدبر أن لا تدبر، والله تعالى أعلم. مطلب هل يجوز الخروج على ولاة الأمور ولو جاروا (سئل) هل يجوز الخروج على ولاة الأمور وعدم طاعتهم فيما يأمرون وينهون عنه، ولو كانوا جائرين في حكمهم وأمورهم؟. (أجاب) يحرم الخروج على ولاة الأمور لما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه، وقتالهم حرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث على ذلك، وأجمع أهل السنة أن السلطان لا ينعزل بالفسق، وتجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم تخالف حكم الشرع، وإن كان جائرا؛ لخبر: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وفى خبر: «أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد» المعنى: أطيعوا أولي الأمر ولو كان على سبيل الفرض والتقدير عبدا؛ لأن العبد لا يكون واليا، ويجوز أنه ﷺ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله، حتى توضع الولاية في العبد، فإذا كان فاسمعوا وأطيعوا تغليبا لأهون الضررين، وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته؛ ليلا يؤدي عدم الطاعة إلى فتنة صماء عمياء لا دواء لها ولا خلاص منها، وقد تكاثرت الروايات عنه ﷺ أن أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور إنما هو في طاعة الله تعالى؛ لقوله صلى الله علية وسلم: «إنما الطاعة في المعروف» وخطب عمر بن عبد العزيز حين استخلف فقال في خطبته: أطيعوني ما أطعت الله تعالى، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، والله تعالى أعلم. مطلب الإيمان هل هو مخلوق أو لا الخ (سئل) عن الإيمان هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وما تعريفه؟. (أجاب) الإيمان عند جمهور المحققين تصديق القلب بما علم ضرورة مجيء الرسول ﷺ من عند الله تعالى به، والإقرار باللسان إنما هو شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، وقيل: إنه الإقرار والتصديق معا، وقيل: إنه الإقرار والأعمال، وعلى كل قول منها هو مخلوق لأنه فعل العبد المخلوق، وقول أبي الليث السمرقندي في جواب أنه مخلوق أو لا: الإيمان إقرار وهداية، والإقرار صنع العبد، وهو مخلوق، والهداية صنع الرب، وهو غير

стр. 72

مخلوق. فيه تسامح؛ لأن هداية الله تعالى للعبد سبب الإيمان لا جزء منه، والمسؤول عنه نفس الإيمان لا هو وسببه معا. ذكر ذلك العلامة الشمس الرملي - رحمه الله تعالى - في فتاواه، والله أعلم. مطلب الطاعة والمعصية الواقعان من العبد الخ (سئل) في الطاعة والمعصية والخير والشر الواقعان من العبد، هل هما مخلوقان لله وبقضاء الله تعالى وقدره أم كيف الحال؟. (أجاب) لا شك ولا ريب أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، وهو فعال لما يريد من الخير والشر، قال تعالى ﴿فعال لما يريد﴾ أي من الخير والشر، وهذا رد على المعتزلة حيث قالوا: إنما يريد الخير فقط، فهو فعال للخير دون الشر، وأنكروا إرادة الله تعالى للشر، وقالوا أنه أراد من الكافر الإيمان لا الكفر، ومن العاصي الطاعة لا المعصية؛ زعما منهم أن إرادة القبيح قبيحة، فعندهم أكثر ما يكون من أفعال العبد على خلاف إرادة الله تعالى، وقد دلت الآيات على خلاف قولهم، منها قوله تعالى ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ وقوله تعالى ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ وروي أنه ﷺ قال لأبي بكر: لو أراد ربك أن لا يعصى لما خلق إبليس، وقد أشار إلى مذهبهم القاضي عبد الجبار مخاطبا للأستاذ أبى إسحاق بقوله: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فأجابه الأستاذ بقوله: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال القاضي عبد الجبار: أيشاء ربنا أن يعصى؟ فقال الأستاذ: فيعصى ربنا قهرا؟ فقال القاضي: ألا ترى أن منعنا الهدى وقضى علينا بالردا، أحسن إلينا أم أسا؟ فقال الأستاذ: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء، والله تعالى أعلم. مطلب السعادة والشقاوة هل هما أزليتان أو لا الخ (سئل) عن السعادة والشقاوة هل هما أزليتان عنده ؟. (أجاب) نعم، السعادة والشقاوة أزليتان مقدرتان مقدرتان في الأزل، لا يتغيران ولا يتبدلان، فالسعادة الموت على الإسلام والشقاوة الموت على الكفر؛ لتعلق العلم الأزلي بهما، كذلك فالسعيد من علم الله تعالى في الأزل موته على الإسلام، وإن تقدم منه كفر، والشقي من علم الله تعالى في الأزل موته على الكفر وإن تقدم منه إسلام، ويترتب على السعادة الخلود في الجنة وتوابعه، وعلى الشقاوة الخلود في النار وتوابعه، وعلى هذا يصح أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى نظرا للمآل، وعند الماتريدية لا يصح ذلك نظرا للحال؛ إذ السعيد عندهم هو المسلم والشقي هو الكافر، والسعادة: الإسلام، والشقاوة: الكفر، فيتصور في السعيد أن يشقى بأن يرتد بعد الإيمان ويسعد الشقي بأن يؤمن بعد الكفر، فليس كل من السعادة والشقاوة أزليا، بل يتغيران ويتبدلان، والله أعلم. مطلب هل يجوز في حق الله أن يثيب العاصي ويعذب الطائع (سئل) هل يجوز في حق الله تعالى أن يثيب العاصي ويعذب الطائع، ولا اعتراض عليه سبحانه

стр. 73

وتعالى في ذلك؟ ولا يكون منه ظلم كما زعمته المعتزلة، قبحهم الله تعالى؟. (أجاب) نعم يجوز له أن يعاقب الطائع ويثيب العاصي؛ لأنه ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، لكنه لا يقع ذلك منه لإخباره بإثابة المطيع وتعذيب العاصي، وهذا رد أيضا على المعتزلة - قبحهم الله تعالى - حيث قالوا: يجب على الله تعالى أن يفعل بعباده ما هو الأصلح في حقهم، فهذا باطل؛ لأنه تعالى لو وجب عليه الأصلح لعباده لما خلق الكافر الفقير يعذب في الدنيا بالفقر وفي الآخرة بالعذاب الأليم المخلد، سيما المبتلى في الدنيا بالأسقام والمحن والآفات، وأيضا لو وجب عليه الأصلح لما بقي للتفضل مجال ولم يكن له تعالى خيرة في الأفعال، وهو باطل لقوله تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾﴾ يختص برحمته من يشاء ﴿وقال صاحب الجوهرة: وقولهم أن الصلاح واجب ... عليه زور ما عليه واجب يعنى أن هذا القول من المعتزلة قول باطل زور، مزين الظاهر فاسد الباطن، وليس عليه تعالى لخلقه شيء واجب من فعل أو ترك؛ لأن أفعاله كلها جائزة بالنظر إلى ذاتها، واقعة على سبيل الإحسان والفضل، أو على وجه المؤاخذة والعدل، لا يجب منها شيء عقلا ولا يستحيل؛ لأنه تعالى فاعل بالاختيار، فلو وجب عليه فعل شيء أو تركه لما كان مختارا فيه؛ لأن المختار هو الذي يتأتى منه الفعل والترك، وله أن يؤلم الأطفال والدواب كما يشاهد به من لا ذنب له من الأطفال والدواب وشدة مرضهم وطول أوجاعهم، حتى الأطفال الرضع من غير عمل منهم سابق، وذلك عدل منه يتصرف في ملكه ما يشاء وأراد، فلا يتخيل متخيل أن ذلك ظلم منه، فإن وصفه بالظلم مستحيل استحال ذلك عقلا وسمعا، أما العقل فلأن الظلم إنما يعرف بالنهي عنه، ولا يتصور في أفعاله تعالى ما ينهى عنه؛ إذ لا يتصور له ناه ولا آمر؛ لأن العالم العلوي والسفلي ملكه وخلقه، ولا يتصور الظلم في ملك الإنسان لأنه وضع الشيء في غير محله، وذلك مستحيل على المحيط بكل شيء علما. وأما السمع فمما لا يحصى من الآيات والأحاديث، منها قوله تعالى ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ وقوله ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ وخبر: «يقول الله تعالى: اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري» وخبر: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» والله أعلم. مطلب في الملائكة هل يأكلون ويشربون وينامون (سئل) عن الملائكة هل يأكلون ويشربون وينامون؟ وهل عندهم ليل أو نهار؟ أوضحوا لنا ذلك أثابكم الجنة. (أجاب) الملائكة أجسام نورانية قادرون على التشكل بأشكال مختلفة، وقوتهم التسبيح، فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، والظاهر أن لا ليل عندهم لأن نورهم يأباه، والليل إنما هو في هذا العالم بدليل أن الجنة

стр. 74

لا ليل فيها، وإنما يعرفون وقته بإرخاء الستور، ودليل أنهم لا ينامون قوله تعالى ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ وقال القاضي البيضاوي: النوم حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث يغيب الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا. انتهى. وقال القرطبي: وبالجملة فالنوم فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله. انتهى، والله أعلم. مطلب الجن فوق الأرض أو تحتها وهل يأكلون كأكلنا الخ (سئل) عن الجن هل هم فوق الأرض أو تحتها؟ وهل يأكلون كأكلنا ويتناسلون ويموتون كالإنس؟ وهل يمكن رؤيتهم على أصل خلقتهم؟ وما حكمة إخفائهم؟. (أجاب) أفتى العلامة الشمس الرملي رحمه الله تعالى بأن مسكن الجن تحت الأرض، ولهم آجال، ويموتون ويتناسلون، ولهم بعض أطعمة مختصة بهم، وإخفاؤهم عنا رحمة من الله تعالى، ومن ادعى رؤيتهم على أصل خلقتهم كفر لأنه يخالف نص القرآن العظيم بقوله تعالى ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ والله تعالى أعلم. مطلب في عبادته ﷺ قبل النبوة (سئل) عن عبادته ﷺ قبل النبوة بغار حرا وغيره، هل كانت بوحي أو بشريعة أحد من الأنبياء أم بغير ذلك؟. (أجاب) ذكر العلامة الشمس الرملي رحمه الله تعالى في فتاواه أنه اختلف العلماء في أنه ﷺ هل كان مكلفا قبل النبوة بشرع أو لا؟ فمنهم من نفى ذلك ومنهم من أثبته، وعزي إلى الجمهور، وعلى الإثبات فقد اختلف في تعيين الشرع، فقيل: بشريعة نوح، وقيل: إبراهيم، وهو الصحيح، وقيل: موسى، وقيل: ما ثبت أنه شرع، وقيل بالتوقيف تأصيلا وتفريعا، وعلى الإثبات أيضا اختلف في كيفية التعبد، فقيل: كانت ما يلقى إليه من نور المعرفة، والذي اختاره ابن الحاجب والبيضاوي أنه كلف التعبد بشرع معلوم قبل النبوة، أما بعد النبوة فلا، والمختار المنع. انتهى. (سئل) ما معنى قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾؟. (أجاب) ليس المراد بالاستواء معناه الحقيقي الذي هو الاستقرار والجلوس؛ لأن هذا من خواص الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك، بل اختلف أهل السنة في معناه على قولين؛ أحدهما: التأويل، ونقل عن الأكثرين، فعلى هذا المراد بالاستواء الاستيلاء، ويعود هذا المعنى إلى القدرة؛ أي استولى على العرش الذي هو أعظم المخلوقات. وبالاستيلاء عليه مستوليا على الوجود بأسره. تقول: استوى الأمر لزيد: إذا كمل له وصار مستوليا عليه. والقول الثاني: إنما نفوض أمر معناه إلى الله تعالى مع اعتقاد أنه تعالى منزه عن الجهة متعال عن الجسمية، وهذا الطريق أسلم لكن الأول أحكم، ويروى كل من هذين القولين عن الشيخ أبي الحسن الأشعري، ويجري هذا الخلاف في جميع ما ورد من الآيات والأحاديث التي يمتنع إجراؤها على ظاهرها، كقوله تعالى:

стр. 75

﴾ يد الله فوق أيديهم ﴿وقوله تعالى ﴿ويبقى وجه ربك﴾ فمن أول قال: المراد باليد القدرة، وبالوجه الوجود، ونحو ذلك من التأويلات اللائقة بجلال الله تعالى الموافقة لما دلت عليه الأدلة القطعية على ما ذكر من كتب التفسير والحديث والتوحيد؛ سلوكا للطريق الأحكم الموافق للوقف على قوله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ وهذا هو مذهب الخلف. ومن لم يؤول قال: نفوض علمها إلى الله تعالى مع الجزم بالتنزيه والتقديس واعتقاد عدم إرادة الظاهر جزما على الطريق الأسلم، وهذا هو مذهب أكثر السلف، ولهذا يقفون على قوله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ثم يبتدئون بـ﴾ والراسخون في العلم يقولون آمنا به ﴿وقد روى البيهقي بسنده أن رجلا جاء إلى الإمام مالك رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا عبد الله﴾ الرحمن على العرش استوى ﴿كيف استوى؟ قال: فأطرق الإمام مالك رأسه حتى علاه الرمضاء - أي العرق - ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا. فأمر به أن يخرج. ونقل نحو هذا الكلام عن غير الإمام مالك أيضا. ومعنى قوله: الاستواء غير مجهول، أنه غير مجهول الوجود؛ لأن الله تعالى أخبر به وخبره صدق يقينا لا يجوز الشك فيه، وفي ذلك كلام طويل، والله أعلم. مطلب الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد (سئل) عن الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد؟ أو أنهما شيئان؟. (أجاب) قال بعضهم أنهما شيئان، واحتج بقوله تعالى ﴿قالت الأعراب آمنا﴾ الآية، وقال بعضهم أنهما شيء واحد، واحتج بقوله تعالى ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ والأصح أنهما شيئان لما جاء في الحديث الشريف «أن جبريل ﵇ نزل في صورة أعرابي فقال للنبي ﷺ : أخبرني عن الإسلام، فقال له النبي ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت يا محمد، ثم قال له: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره» إلى آخر الحديث، والله تعالى أعلم. مطلب ما الحكمة في عدم رؤية الله تعالى في الدنيا (سئل) ما الحكمة في عدم رؤية الله تعالى في الدنيا ورؤيته في الآخرة؟ وما يترتب على من ادعى رؤيته في الدنيا؟. (أجاب) الحكمة في ذلك ما روي عن الإمام مالك ﵁ أنه قال: إنما لم ير في الدنيا لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رؤي الباقي بالباقي، ومن ادعى الرؤية في الدنيا فهو زنديق مخالف لكتاب الله تعالى لقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ وقد أطبق المشايخ على تضليل مدعيها

стр. 76

وتكذيبه، وصنفوا في ذلك كتبا ورسائل، وزعموا أن من ادعى ذلك لم يعرف الله تعالى، وقال الكواشي في تفسير سورة والنجم: ومعتقد رؤية الله تعالى هنا بالعين لغير محمد ﷺ يكفر. وقال الشيخ جمال الدين الأردبيلي في كتابه الأنوار في فقه إمامنا الشافعي رضى الله عنه: ولو قال: إني أرى الله تعالى عيانا في الدنيا ويكلمني شفاها، كفر. انتهى. وقد دل الكتاب والسنة على رؤية المؤمنين لله تعالى في الدار الآخرة قبل دخول الجنة وبعده، أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وأما السنة فقوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» والمراد بهذه الرؤية أنه تعالى ينكشف لعباده المؤمنين في الآخرة انكشاف البدر المرئي، بمعنى أنه يجعل لنا علما بذاته، نسبة ذلك العلم إلى العلم الحاصل لنا الآن نسبته بالبدر المرئي بعد رؤيته إلى العلم به قبل رؤيته، من غير ارتسام أو اتصال شعاع به، وإنما خصت الرؤية بالمؤمنين لأن الصحيح أن الكفار لا يرونه؛ لقوله تعالى ﴿كلا إنهم عن ربهم لمحجوبون﴾ وخالفت المعتزلة - قبحهم الله تعالى - في رؤية الله تعالى في الآخرة واستدلوا لذلك بأدلة مردودة، كما بين ذلك في الكتب المطولة، وقد وقع الخلاف أيضا في رؤية الله تعالى في المنام، فمنهم من منعه، لكن الأصح ثبوته؛ لما حكي عن كثير من السلف أنهم رأوه ، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب بم يتقرب المتقربون إليك؟ قال: بكلامي يا أحمد، قلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ قال: بفهم أو بغير فهم. فهذا يدل على أن مذهب الإمام أحمد الجواز، ونقل أن الإمام أبا حنيفة رضى الله عنه قال: رأيت رب العزة في المنام تسعا وتسعين مرة، ثم رآه مرة أخرى تمام المائة، وقصتها طويلة، والله أعلم. مطلب هل ورد في عدة الملائكة شيء أو لا (سئل) هل ورد في عدة الملائكة شيء أو لا؟. (أجاب) أما عدد الملائكة فلا يعلم عددهم إلا الله تعالى؛ لما روي أن موسى ناجى ربه فقال: يا رب من عبدك قبل آدم؟ قال: الملائكة، قال: يا رب كم هم؟ قال: اثنا عشر ألف سبط، قال: كم السبط؟ قال: مثل الجن والإنس والطير والبهائم، اثنا عشر ألف مرة. وفى رواية: كم عدد كل سبط؟ قال: عدد التراب. وفى تذكرة الإمام الرازي أن رسول الله ﷺ لما عرج به إلى السماء رأى ملائكة في محل عال مشرف، ورأى صفهم يمشي تجاه بعض فسأل جبريل: أين يذهبون؟ فقال له: والذي بعثك بالحق نبيا لا أدري إلا أني أراهم هكذا منذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك. وفى الفتوحات: لا يزال الحق يخلق من أنفاس العالم ملائكة ماداموا متنفسين، وقيل: إن المكلفين أربعة أصناف: الإنسان والملك والجن والشياطين، فبنو آدم عشر الجن،

стр. 77

والجن عشر حيوان البحر والطير، والكل عشر ملائكة سماء الدنيا، وكلهم عشر ملائكة السماء الثانية، وهكذا إلى السبع سماوات وإلى العرش والكرسي، والآثار والأخبار الدالة على أكثرية الملائكة لا تكاد تحصى، والله تعالى أعلم. مطلب أمور الدين ما هي (سئل) عن أمور الدين ما هي؟. (أجاب) ذكر النووي أنها أربعة: صحة العقد؛ أي بأن تعتقد اعتقادا صحيحا خاليا عن الترديد والتشبه من ضلالات أهل الأهواء. وصدق القصد؛ أي بأن تكون صادقا في قصدك «إنما الأعمال بالنيات» والوفاء بالعهد؛ أي إذا عاهدت عهدا تفي به لئلا يكون فيك خصلة من النفاق؛ لأن من خصال المنافق إذا عاهد غدر. واجتناب الحد؛ أي بأن تجتنب ما فيه حد، والظاهر أن المراد اجتناب المعاصي كلها، وقد نظمت هذه في بيتين بقولي: أمور دين صحة بعقد ... صدق بقصد والوفا بالعهد والحد فاحذر يجمع الجميعا ... أتاكم الرسول فكن مطيعا مطلب فرق الضلال كم هي (سئل) عن أصول فرق الضلال كم هي؟. (أجاب) هي ستة: الخوارج والروافض والقدرية والجبرية والجهمية والمرجئة، وكل فرقة تفرق منها اثنا عشر فرقة، جمعت في بيت لنا: خوارج روافض جبرية ... والمرجئة مع قدر جهمية مطلب كرامات الأولياء هل واقعة أم لا (سئل) عن كرامات الأولياء هل هي جائزة وواقعة أحياء وأمواتا؟ وما حكم منكرها؟ وهل فرق بين الكرامة والمعجزة؟ وهل يصلون في كراماتهم إلى وجود ولد من غير أب وإحياء الموتى؟. (أجاب) نعم هي واقعة وجائزة لهم - نفعنا الله بهم - أحياء وأمواتا، بقصد منهم وبغير قصد، يؤيدهم الله تعالى، لا ينكرها إلا أحد رجلين إما سيئ الاعتقاد كالمعتزلة والزادلية، وإما كثير المعاصي والذنوب والغفلة، فلا يشاهدها منهم، فيؤدي ذلك إلى إنكارها، وإذا تأملت الكتاب والسنة وما نقل تواترا معنويا عن السلف والخلف، بل في كل عصر من الأعشار بل في كل يوم من الأيام؛ إذ ما من يوم إلا ويقع فيه كرامات لا تحصى ولا تعد، ولو جمعت لصارت تواترا معنويا، ومثلوا له بإعطاء حاتم لرجل فرسا ولآخر جملا ولآخر دينارا ولآخر درهما ولآخر طعاما، فثبت بذلك وجوده بالتواتر المعنوي، ولا عجب من قوم ينكرونها لأمور؛ إما لقلة الأولياء ببلادهم. ألا ترى أن البلاد التي ورد أن بها أولياء أهلها لا ينكرون ذلك، كالغرب فإن به النقباء وهم سبعون، ومصر وبها النجباء وهم سبعون، والشام وبها الأبدال وهم أربعون رجلا وأربعون امرأة، ومكة المشرفة وبها القطب والإمامان، والعراق وبها العصائب، وأما رجال الغيب فليس لهم مكان معين يختصون به،

стр. 78

وفى الفردوس للديلمي أن لله ثلاثمائة، قلوبهم على قلب آدم، وله أربعون قلوبهم على قلب موسى، وله سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم، وله خمسة قلوبهم على قلب جبرائيل، وله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل، وله واحد قلبه على قلب إسرافيل، وحكم منكرها أنه مبتدع، كالمعتزلة فإنهم أنكروها وحالهم معلوم، ويساويهم في ذلك من أنكرها بعد موتهم. والفرق بين المعجزة والكرامة أن المعجزة فيها تحد؛ أي دعوى المعارضة﴾ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ﴿وكرامات الأولياء هى معجزات للأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم إنما وصلوا إليها بقوة العزم باتباعهم وشدة المحافظة على أمرهم، والحاصل أن كرامة الولي من بعض معجزات نبيه، لكن لعظم اتباعه له أظهر الله بعض خواص النبي على يد وارثه ومتبعه في سائر حركاته وسكناته، وقد نزلت الملائكة لاستماع قراءة أسيد بن حضير، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صفحة فسبحت الصفحة أو ما فيها، ثم الصحيح أنهم ينتهون إلى إحياء الموتى خلافا لأبي قاسم القشيري، ومن ثم قال الزركشي: ما قاله مذهب ضعيف، والجمهور على خلافه، وقد أنكروه عليه حتى ولده أبو نصر في كتابه المرشد، فقال عقب تلك المقالة: والصحيح تجويز جملة خوارق العادات كرامة للأولياء، وكذا في إرشاد إمام الحرمين، وفى شرح مسلم للنووي: تجوز الكرامات بخوارق العادات على اختلاف أنواعها، وخصها بعضهم بمثل إجابة دعوة ونحوه، وهذا غلط من قائله وإنكار للحسي، بل الصواب جريانها بقلب الأعيان ونحوه. انتهى. وقد مات فرس بعض السلف في الغزو فسأل الله تعالى أن يحييها له حتى يصل بيته فأحياها فلما وصل بيته قال لولده: خذ سرجه فإنه عارية عندنا، فأخذه فخر ميتا. وقال اليافعي: صح بالسند المتصل إلى الشيخ القطب عبد القادر الجيلي - رحمه الله تعالى - أن أم شاب عنده دخلت عليه وهو يأكل في دجاجة فأنكرت أكل الدجاج وإطعامه ابنها أرذل الطعام فقال لها: إذا صار ابنك يقول لمثل هذه الدجاجة: قومي بإذن الله تعالى، فقامت ولها أجنحة فطارت بها حق له أن يأكل الدجاج. ولا ينافى إحياء الميت الواقع كرامة كون الأجل محتوما لا يزيد ولا ينقص؛ لأن من أحيي كرامة فمات إذا بأجله، وحياته وقعت كرامة، وكون الميت لايحيى إلا للبعث، هذا عند عدم الكرامة أما عندها فهو كإحيائه في القبر للسؤال كما صح به الخبر، وقد وقع الإحياء للعزير وحماره وللذين﴾ خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴿إذا تقرر ذلك فمن أحيي كرامة فتارة يتيقن موته يقينا ضروريا بنحو قطع رأسه وإبانة حشوته، وهذا إحياؤه لا يعيد له شيئا من زوجاته ولا مما اقتسمته ورثته

стр. 79

من أمواله؛ لما تقرر أن هذا كالإحياء الذي في القبر، وتارة لا يتيقن كذلك فتبين أنه لم يزل شيء عن استحقاقه فيعود له، والحاصل أن الإحياء بعد الموت المراد به الإحياء للبعث لا الكرامة أو سؤال الملكين، والله تعالى أعلم. مطلب ما حد التوحيد وما الواجب على المكلف (سئل) عن حد التوحيد وما الواجب على المكلف اعتقاده في حق الله تعالى وفى حق الرسل عليهم الصلاة والسلام؟. (أجاب) حد التوحيد عند علماء الكلام إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا وصفات وأفعالا، كذا ذكروا وفيه نظر؛ لأنهم أرادوا التوحيد الاصطلاحي فلم يدخل فيه بقية ما يجب لله تعالى مثل العلم والقدرة والإرادة، وما يجب للرسل من الصدق والأمانة ونحوهما، وقد يجاب بأن ذلك داخل في العبادة، ورد بأن اعتقاد ذلك وإن كان في الحقيقة عبادة إلا أنه لا يسمى في العرف عبادة، وبأنه يلزم أن يكون التعريف أعم، وإن أرادوا اللغوي فهو أعم مما ذكر، ولو قيل: إن التوحيد هو اعتقاد ما يجب لله ورسله وما يجوز وما يستحيل شرعا، كان أسلم، وأما عند أهل التصوف فهو أن لا يرى إلا الله تعالى، بمعنى أن كل فعل وحركة وسكون واقع في ذلك الكون، فمن الله تعالى وحده لا شريك له، لا يرون لغيره فعلا أصلا. وأما الواجب اعتقاده في حق الله تعالى الذي قام لنا عليه الدليل فأخذوا أربعين عقيدة، منها عقيدة واحدة وهى الوجود، ومنها خمس صفات سلبيات وهى القدم والبقاء والقيام بالنفس والوحدانية ومخالفته تعالى للحوادث، ومنها سبع صفات معنوية وهى القدرة والإرادة المتعلقتان بالممكن من الأشياء، والعلم والكلام المتعلقان بالواجب والجائز والمستحيل، والسمع والبصر المتعلقان بجميع الموجودات، والحياة وهى لا تتعلق بشيء، ومنها سبع صفات معنوية ملازمة لتلك السبع، وهى كونه تعالى قادرا ومريدا وعالما ومتكلما وسميعا وبصيرا وحيا، فهذه عشرون واجبة وضدها عشرون مستحيلة، وهى العدم والحدوث وطرو العدم والمماثلة للحوادث، وأن لا يكون قائما بنفسه، وأن لا يكون واحدا، والعجز وإيجاد شيء من العالم مع كراهته لوجوده، والجهل وما في معناه بمعلوم ما، والموت والصمم والعمى والبكم، وكونه عاجزا وكارها وجاهلا وميتا وأصم وأعمى وأبكم، والجائز في حقه تعالى صفة واحدة وهى فعل كل ممكن وتركه، فهذه أحد وأربعون عقيدة واجبة لله تعالى. وأما الرسل فيجب في حقهم الصدق والأمانة وتبليغ ما أمروا بإبلاغه للخلق، ويستحيل في حقهم عليهم الصلاة والسلام أضداد هذه الصفات وهى الكذب والخيانة بفعل شيء مما نهى عنه نهي تحريم أو كراهة وكتمان شيء مما أمروا بتبليغه للخلق، ويجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام ما هو من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى

стр. 80

نقص في مراتبهم كالمرض ونحوه، فهذه ثمانية وأربعون عقيدة تجب لله ورسله صلى الله عليهم وسلم، وأما الأنبياء فالواجب لهم الصدق والأمانة، ويستحيل في حقهم الكذب والخيانة، وأما التبليغ فلم يؤمروا بالبلاغ، والله تعالى أعلم. مطلب من الأفضل الأنبياء أو الملائكة ؟ (سئل) هل الأفضل الأنبياء أو الملائكة؟. (أجاب) اعلم أن المسألة فيها ثلاث مذاهب: مذهب الأشاعرة أن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولم يفصلوا، وذهب جمهور المعتزلة وبعض أصحابنا إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ أي غير نبينا ﷺ فقد نقل الرازي الإجماع على أنه أفضل الخلق حتى عند المعتزلة، وبه تعلم خطأ الزمخشري في التقسيم حتى لمحمد ﷺ ومذهب الماتريدية التفصيل، وهو المرتضى عند المتأخرين، وهو أن خواص بني آدم وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة، وخواص الملائكة كرسلهم أفضل من عوام البشر، وهم غير الأنبياء، كأبي بكر وعمر رضى الله عنهما، وعوام البشر أفضل من عوام الملائكة، وبعض هؤلاء الأصناف يفضل بعضا، إذا علمت ذلك علمت معنى قوله تعالى ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ وهو أن يقال: عوام بني آدم أفضل على الكثير من الخلق، وأما القليل وهو مفهوم الكثير وهو الملائكة، فيقال فيه تفصيل وهو أن خواص البشر مفضلون عليهم وخواص الملائكة مفضلون على عوام البشر، وهو محل مفهوم القلة التي فهمت من الآية الشريفة، والله تعالى أعلم. ما يجب على الولي تعليمه للصبي الخ (سئل) عما يجب على الولي وغيره تعليمه للصبي من أوصاف رسول الله ﷺ ؟. (أجاب) اعلم أنه يجب على الولي على ترتيب ذكره ابن حجر وغيره، وكذا غير الولي بناء على أن الآتي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تعليم الصبي ما يضطر إلى معرفته من الأمور الضرورية التي يكفر جاحدها ويشترك فيها العام والخاص، منها أن النبي ﷺ بعث بمكة ودفن بالمدينة ولا بد أن يذكر له من أوصافه ﷺ الظاهرة المتواترة ما يسره ولو بوجه، فيجب أن يبين له النبوة والرسالة وان محمدا ﷺ من قريش واسم أبيه عبد الله وأمه آمنة، وبعث بمكة ودفن في المدينة المنورة، نبي الله ورسوله إلى الخلق كافة، ويتعين ذكر لونه لئلا يزعم أنه أسود فيكفر، هذا خلاصة ما ذكره الفقهاء، فهو ﷺ أكمل الخلق خلقا، وهى الأوصاف الظاهرة، كوجهه الشريف وعينيه وأنفه وبقية أعضائه، وخلقا وهى الأوصاف الباطنة كالعلم والجود والشجاعة والحلم والفصاحة، فلو وزن

стр. 81

- ﷺ بجميع أمته التي هي خير الأمم لرجحهم، فينبغي أن تعلم الأولاد في المكاتب وغيرها رواية الشمائل المنقولة عن أبى هالة، وكان وصافا لرسول الله ﷺ وصورتها: كان ﷺ فخما - أي عظيما في نفسه - مفخما، أي معظما في صدور الصدور وعيون العيون، يتلالأ، أي يضيء وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب البائن الطول، عظيم الهامة رجل الشعر لا سبط ولا جعد، إذا انفرقت عقيقته، أي شعر رأسه فرق وإلا فلا يجاوزه شحمة أذنه إذا هو وفره، أزهر اللون نيره واسع الجبين وهو ما أكشف الجبهة، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن بينهما عرق يذره الغضب، أقنى العرنين طويل الأنف، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، مرتفعا قصبة الأنف، كث اللحية سهل الخدين ضليع الفم عظيمه، أنسب، أي أبيض، مفلج الأسنان دقيق المسربة، ما دق من شعر الصدر، كأن جيد ريمه، في صفاء الفضة، معتدل الخلق بادنا، أي ضخم البدن، متماسكا سواء البطن عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أي رؤوس العظام، أنور المتجرد موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر كثير شعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر، طويل الزندين عظيم الذراعين رحب الراحة سبط العصب، كل عظم أجوف، شثن الكفين والقدمين سائل الأطراف، خمصان الأخمصين، فسيح القدمين بحيث ينبو عنهما الماء إذا أزال أزال تعلقا، ويخطو تكفؤ ويمشى هوينا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام، صلى الله عليه وعلى إله وأصحابه وسلم، والله تعالى أعلم. مطلب في رجلين اختلفا على بيت الله فما الحكم (سئل) في رجلين اختصما على بيت الله، أحدهما قال: يستحيل على الله الجهة والمكان، والآخر يقول: لا ربنا اتخذ له بيتا، ما نعرف أيا منهما على الحق؟. (أجاب) هاتان العبارتان بظاهرهما لا خطأ فيهما؛ لأن الكعبة شرفها الله تعالى بيت الله، واتخذها الله تعالى بيتا، قال تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة﴾ لأن الإضافة في قولنا: بيت الله؛ للتشريف، ومعنى الاتخاذ أن الله تعالى جعل الكعبة مثابة للناس وأمنا، وإنما الخطأ أن يراد بالبيت ما يراد ببيت أحدنا الذي ينام فيه ويأوي إليه، فمن اعتقد هذا من القائل الأول والقائل الثاني فهو كفر يجب اجتنابه، والمشهور أن المساجد بيوت الله، بمعنى أن الله تعالى يعبد فيها، لا بمعنى حلول الله تعالى بها، فهذا لا يجوز لأحد اعتقاده، وهذا السؤال غير محرر، وفيه

стр. 82

مخالفة لكلام النحاة، ولا ريب أن المكان والجهة محالان على الله تعالى، بمعنى حلوله بهما، وأما ما يقع في الكتاب والسنة من نسبة الجهة والمكان مثل ﴿وهو الذي في السماء إله وفى الأرض إله﴾ ومثل: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» الخ، فمؤول الأول بمعنى أنه مألوه؛ أي معبود في الأرض، والثاني بمعنى نزول رحمته أو ملائكته. انتهى، والله تعالى أعلم. مطلب في شخص خلقه الله تعالى كما اختار ثم استعمله فيما اختار، فإن أدخله النار عدل أم جار الخ (سئل) عن شخص خلقه الله تعالى كما اختار ثم استعمله فيما اختار، إن شاء أدخله الجنة وإن شاء أدخله النار أعدل أم جار؟. (أجاب) اعلم وفقك الله تعالى للحق أن أصل هذا التشكيك للمعتزلة قبحهم الله تعالى، ونقول: إن الأمر كما ذكر في السؤال، والجواب أن الاختيار صادق بالاختيار إلى عمل الجنة، فيختار له عملها، إما عملا لا يتغير أصلا أو يتغير، وفى الحديث الصحيح: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون ما بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» وكل ذلك على ما في العلم القديم الذي لا يتغير ولا يتبدل، فريق في الجنة وفريق في السعير، وبالاختيار إلى النار يختار له عملا، إما عملا لا يتغير أو عملا يتغير فله أن يدخل جميع الخلق الجنة بكرمه وحلمه، وله أن يدخل الجميع النار بعدله ولا ينسب له ظلم ولا جور، فتصرفه في ملكه كيف يشاء، فهو الفاعل المختار، وأصل هذا السؤال للمعتزلة أذلهم الله تعالى، كما حكي أنه دخل القاضي عبد الجبار المعتزلي دار الصاحب فرأى الأستاذ أبا إسحاق الإسفرائيني فقال له على الفور: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الأستاذ على الفور: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء، فالتفت إليه عبد الجبار وعرف أنه فهم مراده وقال له: أيريد ربنا أن يعصى؟ فقال له الأستاذ: أفيعصى ربنا قهرا؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى أحسن إلي أم أسا؟ فقال له الأستاذ: إن كان منعك ما هو لك فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء. فانصرف، فقال الحاضرون: والله ليس عن هذا جواب، والله تعالى أعلم. مطلب عبد الله في جهة ومكان أم لا وهل يكون معبودا في الجهة أم للجهة الخ (سئل) هل عبد الله تعالى في جهة ومكان أم لا؟ وهل عبد الله تعالى في جهة القبلة أم لا؟ فهل يكون معبودا في الجهة أم للجهة؟. (أجاب) الله تعالى ﷻ وعظم سلطانه معبود لذاته وجلاله وكماله لما وقر في قلوب المقربين وثبت في عيون العارفين﴾ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ﴿﴾ وهو معكم أينما كنتم ﴿فعابده في الجهة مجسم ضال مضل قاصر النظر قاصر الدليل مطرود عن ساحة الجليل،

стр. 83

ومثل الجهة المكان والزمان؛ لأنه كان ولا مكان ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان، القديم بذاته وصفاته لا يماثل الحوادث بوجه؛ لأنه أحدثها وهو صانعا، وأين للصنعة أن تماثل الصانع، بل هو ﷻ مخالف للمصنوعات مكانا كانت أو زمانا جسما أو عرضا، فاتق الله أيها السائل ولا تكن من الغافلين فتلحق بالأخسرين أعمالا﴾ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴿فلو علمت القدم لمولانا تعالى ومخالفته للحوادث لما سألت هذا، والله هو الكبير المتعال، وإنما نتوجه للقبلة لأمره تعالى لنا بذلك، لا لأنه في جهة القبلة، تعالى علوا كبيرا عن الجهة والمكان والزمان، وعما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ولا يكون معبودا في الجهة ولا لجهة، فالله معبود لذاته وصفاته لما له من الكمال والجلال والإنعام والإفضال، فمن عبده للذات فهو كامل الصفات متأدب مع رب الأرض والسماوات، ومن عبده لنعمه فهو أسير الشهوات ناقص الرتبة عن مقام الأول، ومن عبده لأمره ونهيه فذاك من أقل المقامات ومن أنزل الحالات، فهو كحمار الرحى يدور معها بالندهة ويقف عند أمره بالوقوف، فهو أسير لذلك قاصر النظر واقف مع الأثر غائب عن الخبر، وما عدا هذه الثلاث مراتب فكلها ضلال ووبال وخيبة وخسران ومرتكبها حيران وفى الآخرة ندمان؛ لأنه ضل عن الطريق ولم يجد له من رفيق ولا صديق لأنه ضل عن سواء الطريق، فإني لك من الناصحين والمحذرين، فارجع عن هذا الوهم الذي ينزل بك إلى أسفل السافلين، فأنت معه على شفا جرف هار، والله هو الواحد القهار، وهذا السؤال يدل على أن سائله جاهل غافل لا يعقل، فليرجع عما سول له شيطانه فأوقعه في ضلال مبين، والله هو الموفق أعلم. مطلب: كتاب الطهارة (كتاب الطهارة) مطلب الفأرة والكلب إذا ماتا في الماء ما حكمه الخ (سئل) عن نحو فأرة أو كلب يقع في الماء الكثير فيموت فيه، ثم تارة يخرج منه قبل التغير، وتارة بعد تغيير الماء وتارة لا يخرج إلا بعد أن ينهري وتتقطع أجزاؤه، فما الحكم في ذلك؟. (أجاب) أما في الحالة الأولي فهو طهور على حالته قبل الوقوع لا فرق بين أن يكون الواقع كلبا أو غيره؛ لعدم سلب الطهورية، وأما في الحالة الثانية ولو كان التغير يسيرا فالماء ما دام متغيرا نجس إجماعا، والتغير المؤثر طعم أو لون أو ريح أخذا من مفهوم حديث: «ما لم يغلب على طعمه أو لونه أو ريحه» المقيد ذلك بمنطوق: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» وأما في الحالة الثانية فقال في الروض وشرحه لشيخ الإسلام: وإن كثر الماء وتمعط فيه فأرة مثل عبارة الأصل وتفتت فيه شيء نجس كفارة تمعط شعرها ولم يتغير فهو طاهر، بمعنى طهور تعذر، وفى نسخة:

стр. 84

لكن يتعذر استعماله باغتراف شيء منه بدلو أو نحوها إذ لا يخلو دلو، وفى نسخة: كل دلو منه، أي مما تمعط، فلينزح ما يغلب على الظن خروجه فيه، عبارة الاصل، فيستقي الماء كله ليخرج الشعر معه، فإن كانت العين فوارة وتعذر نزح الجميع نزح ما يغلب على الظن أن الشعر كله خرج معه، فإن اغترف قبل النزح ولم يتيقن فيما اغترفه شعرا لم يضر، وإن ظنه كما صرح به الأصل عملا بتقديم الأصل على الظاهر، وبهذا علم أن المراد بالتعذر فيما مر التعسر. انتهى. ولكن نحن سبرنا ذلك فوجدنا الأجزاء ترسب في أسفل الماء، فإني امتحنت بئرا بالتصفية فلم نر للشعر أثرا، فالظاهر أنا نستقي من ذلك الماء، فإن تحققنا شعرا وعينا من النجس الواقع، فإن كان عينا نحو كلب أريق الماء وغسل الدلو، وإن كان نحو كلب فلا بد من التسبيع، إحداهن بالتراب، ولكن إذا قل الماء فينبغي أن يصير نجسا لكون النجاسة في المقر، والله تعالى أعلم. مطلب ما القصد من الطهارة التي هي الوضوء أو الغسل الخ (سئل) ما القصد من الطهارة التي هي الوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة؟. (أجاب) الطهارة لغة: النظافة والخلوص من الأدناس، حسية كانت أو معنوية، فلما كان القصد من ورود الشرع طهارة القلوب ليصلح العبد لتجلي أسرار علام الغيوب بإزالة حسدها ورياها وعجبها وغيها وضلالها وارتكاب آثامها، طلب منا طهارة ظاهرة؛ لأن طهارة الظاهر تدل على طهارة الباطن، حتى نكون في عبادتنا على طهارة حسية كالوضوء والغسل، ومعنوية كالتبري من العيوب، ولهذا قال الغزالي قدس سره أن معرفة حدود نحو العجب والرياء والكبر وعيوب النفس وعلاجها والتبري منها، فرض عين على كل مكلف. وقد يقال: إن أسبابها وهى الحدث والجنابة والنجاسة، لما كانت صادرة عن مخالفة وهى الأكل من الشجرة الناشئ عنه الحدث والشهوة طلب منا إزالة آثارها وما قاربها، والله أعلم. مطلب ما حد الطهارة الشاملة الوضوء (سئل) ما حد الطهارة الشاملة للوضوء والغسل والتيمم، الواجب والمندوب من ذلك؟. (أجاب) اعلم أنها عرفت بتعاريف كثيرة وكلها لا تخلو عن نقص، ولو قيل في تعريفها بأنها فعل مطلوب شرعا على وجه مخصوص يلزمه وصف تصح معه نحو الصلاة، فيدخل في الوجه المخصوص مندوب الطهارة، لكان أسلم، والله تعالى أعلم. حكم الفرق من الماء القليل أو المائع الخ (سئل) عن إنسان غرف من مائع أو ماء قليل من دنين بمغرفة واحدة، فوجد في المشترك الخارج منهما فأرة أو نجاسة، فكيف الحكم؟. (أجاب) الحكم في ذلك أنه يجتهد، فإن ظنها في الأول واتحدت المغرفة ولم تغسل بين الاغترافين، حكم بنجاستهما، وإن ظنها من الثاني أو من الأول، اختلفت المغرفة أو اتحدت، وغسلت بين الاغترافين، حكم بنجاسة ما ظنها فيه. انتهى، والله

стр. 85

تعالى أعلم. مطلب ما مقدار القلتين بالرطل القدسي والشامي وغيرهما الخ (سئل) ما مقدار القلتين بالرطل القدسي؟. (أجاب) اعلم أن ابن رسلان ذكر أنهما فوق ثمانين قريب رطل، وذكر ابن علان أنهما بالمقدس ثمانون رطلا وثلث رطل وربع أوقية ودرهمان وثلث درهم وثلث سبع درهم، وهذان القولان بناء على ما كان زمنهما، وأما الآن فهما بالرطل المقدسي وهو تسعمائة درهم: اثنان وسبعون رطلا وتسعا رطل، ومثل ذلك رطل الرملة والخليل ونابلس، وبالدمشقي مائة رطل وسبعة وسبع رطل، والله أعلم. مطلب في عنب درس وعصر ووجد به نجاسة الخ (سئل) في عنب درس وعصر ثم أفرد درسه ليدرس ثانيا، وذهب الدارسون عنه فوجد بأعلاه ضفضع ميتة جافة، فألقيت وما حولها، فهل يحكم على باقي الدريس أو الماء النازل منه أنه نجس؟ (أجاب) حيث كان الأمر كذلك فلا يحكم على الدريس ولا على الماء النازل من العنب بالنجاسة؛ لأن هذا حادث والأصل أن يقدر بأقرب زمن، على أن جفافها دال على أنها لم تكن في العنب حال درسه ولا حال عصره لاحتمال أن طائرا رماها أو علقت برجل إنسان ووقعت على الدريس، والله تعالى أعلم. مطلب في بئر واسع الأطراف إذا مر الماء النازل فيه على نجاسات ما حكمه ؟ (سئل) في بئر واسع الأطراف بعيد الأكناف، بحيث يكون قللا عديدة، ومساحته بعيدة تزيد على عشر في عشر، صفا ماؤه وخلا عن الكدر، ولكن ماؤه النازل فيه يمر من الطرقات مع اشتمالها على النجاسات، وربما وقع فيه نجس العين، ومع ذلك لم يتغير له طعم ولا لون ولا ريح، فهل يجوز استعماله في العادات والعبادات كالوضوء والغسل أو لا؟. (أجاب) حيث كان الماء لا يوجد فيه طعم النجاسة ولا لونها ولا ريحها، فهو طاهر طهور يجوز استعماله في العادة والعبادة، في الوضوء والغسل وغيرهما، فقد سئل ﷺ عن بئر من آبار المدينة المنورة تلقى فيه خرق الحيض والجيف، فقال: «الماء لا ينجسه شيء ما لم يغلب على طعمه أو لونه أو ريحه» وبعمومه أخذ مالك أن الماء لا ينجس ولو قل إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه، وقال الشافعى: بشرط أن يكون الماء قلتين فأكثر، وقدرهما تقريبا خمس قرب صغار، وأبو حنيفة شرط أن يكون عشرا في عشر، فعلم أن الماء إذا استبحر لا ينجس اتفاقا، إلا إذا تغير لونا أو طعما أو ريحا. انتهى، والله أعلم. مطلب في حكم البئر الواسعة جدا وقال قائل أنها نجسة ولم توجد النجاسة ما حكمه ؟ (سئل) في بئر ماء واسع جدا فيها ماء صاف غير متغير الطعم أو اللون والريح، فهل يعمل بقوله من قال أنها نجسة والحالة هذه أو لا؟. (أجاب) مثل هذا الماء الكثير البعيد الأقطار المنتفي عنه التغير طعما ولونا وريحا، طاهر باتفاق الأئمة الأربعة، فلا نظر لقول جهول مع الحمير يرتع ولا يعرف يسجد ويركع. انتهى والله أعلم. مطلب البئر الكبيرة إذا وقع بها كلب وخرج حيا ما حكمه ؟ (سئل) عن بئر كبير فيه ما يزيد على قلتين أضعافا مضاعفة، وقع فيه كلب وأخرج منه ميتا ولم يغير

стр. 86

الماء طعما ولا لونا ولا ريحا، فما حكم هذا الماء؟. (أجاب) حيث لم يحصل تغير طعم أو لون أو ريح فالماء طاهر طهور يجوز استعماله في الطهارة في الثوب والبدن، والوضوء والغسل والشرب، وغير ذلك، والله تعالى أعلم. مطلب بئر يزيد ماؤه على القلتين مكث فيه كلب أربعة أيام ولم يتغير ماؤه (سئل) في بئر فيه ماء يزيد عن القلتين بشيء كثير، وقع فيه كلب مكث نحو أربعة أيام، ثم أخرج من غير تغير بالماء، ثم ورد عليه ماء من المطر حتى أملاه وفاض منه، أي نزل لآبار تحته ملأها، فما حكم الماء الأول والثاني الوارد؟ ز (أجاب) الماء الأول الذي وقع فيه الكلب ولم يتغير به، طاهر لكثرته، وكذلك الماء النازل فيه من المطر طاهر، وكل ماء نازل منه لغيره طاهر طهور، نعم باب البير إن أصابه الكلب حال خروجه مع الرطوبة يغسل سبعا بتراب طهور، ويكفيه ماء المطر النازل فيه مع التراب الطاهر من الأرياح، والله تعالى أعلم. مطلب ماء النيل إذا نفذ من حانوت لم تعلم نجاسة الحانوت ما حكمه ؟ (سئل) في نيل مائع نفذ في أرض حانوت لم تعلم نجاسته، فهل ينجس النيل المائع بأرض الحانوت؟. (أجاب) من القواعد المقررة أنا لا ننجس بالشك، ولهذا لا يحكم على مصاب طين الشارع بالنجاسة، والمكان الذي لا تعلم نجاسته بأن علم طهارته أو شك في طهارته، فلا تنجس به، فحيث لم يعلم بأرض الحانوت نجاسة لامسها النيل فلا يحكم عليه بالنجاسة، والله أعلم. مطلب حكم القصرمل الذي هو رماد الأرواث الخ (سئل) ما قول مولانا وسيدنا الذي تصدر لإلقاء الدروس وانجلت مشكلات المسائل حين تجلت بين يديه ظاهرة كالعروس، وازدحم السائلون ببابه والمنهل العذب كثير الزحام، وبين بفتاويه معضلات الأحكام من حلال وحرام، فيما عمت به البلوى بالديار المباركة القدسية من تطيين الأسطحة بالقصرمل، ويحصل الدلف في زمن الشتاء فيصيب الأبواب ويعسر التحذر عن ذلك، هل تصح الصلاة في ذلك الثوب المصاب عند من يقول بنجاسة عينه أو لا؟ أفيدوا الجواب لتنالوا الثواب من الله العزيز الوهاب، بالنقول من كلام الأئمة الأنجاب، لا زالت فتاويكم طائرة بأجنحة الأوراق في سائر الأفاق وتفتخر بكم الديار القدسية على غيرها من الأمصار وتشرق بوجودكم إشراق الدنيا لشمس النهار. (أجاب) نص أئمتنا على أن ذلك ومثله مما يعسر الاحتراز عنه يعفى عنه؛ لأن المشقة تجلب التيسير، ومما يعفى عنه أواني الفخار المعمول برماد الزبل، نص الشافعي رضى الله عنه على العفو، ومن ذلك الخبز الذي يخبز بالزبل الموقود، فيعفى عنه مع وجود الرطوبة، ومن ذلك ما يصيب القمح ونحوه حال الدياسة من روث البقر وبولها، وكذلك ما يصيب الحراث من بولها حال الحرث، والضابط أن كل ما يعسر الاحتراز منه ويشق الأمر فيه يعفى عنه، كما في طين الشارع النجس يقينا، ومسائل العفو كثيرة مذكورة في المبسوطات ولابن العماد فيها رسالة تراجع، والله تعالى أعلم. مطلب إناء الفخار إذا دهن أسفله بدم وشيد الذي هو الجير ما حكمه الخ (سئل) في إناء فخار يسمى سفلا، دهن أسفله بدم وشيد، فهل

стр. 87

هو نجس؟ وهل يطهر أو لا؟. (أجاب) لما عجن الشيد بالدم صار ذلك نجس العين لامتزاج الدم بالشيد، ولا يمكن طهره بعد ذلك لأنه صار نجس العين، فداخل السفل طاهر وما يوضع فيه من مائع وماء طاهر أيضا وأما أسفله الذي دهن بالشيد مع الدم فنجس لا يطهر، فإن اتصل به مائع أو ماء أو رطب تنجس، والله أعلم مطلب في آداب الخلاء (فصل في آداب الخلاء) مطلب الاستبراء من البول واجب (سئل) هل الاستبراء من البول واجب أم مستحب من الرجال والنساء؟. (أجاب) اعلم أن المراد انقطاع البول بحيث يغلب على الظن انقطاعه، سواء كان ذلك باستبراء أو غيره، من رجل أو امرأة، فإن علم أنه لا ينقطع إلا باستبراء وجب بنثر ذكر أو مشي أو تنحنح، وإلا استحب، وعلى هذا التفصيل يحمل القولان، والله أعلم. مطلب المقدم في الاستنجاء القبل أم الدبر (سئل) هل المقدم في الاستنجاء القبل أم الدبر؟ (أجاب) اعلم انه يسن تقديم القبل على الدبر في الاستنجاء بالماء وعكسه في الحجر، على المعتمد، هذا إذا اقتصر على أحدهما، وإذا جمع بينهما فالأقرب أن يقدم القبل لأنه أقرب لإزالة النجاسة، والله تعالى أعلم. مطلب الاستنجاء تعتريه الأحكام الخمسة (سئل) عن قول ابن حجر في شرح الإرشاد: الاستنجاء تعتريه الأحكام الخمسة، يكون واجبا من ملوث ويكون حراما بالعظم والمأكول، ويكون مكروها باليمين ومن الريح، ومستحبا بالجمع بين الماء والحجر، ويكون مباحا وهو الأصل، فقد يتوقف في تصوير المباح. (أجاب) اعلم أن الواجب مقيد بما إذا أراد القيام للصلاة، فإذا لم يرد القيام لها كان مباحا، والله تعالى أعلم. مطلب حكم ما لو جف الخارج أولا ثم جف (سئل) عما لو خرج الخارج أولا وجف ثم خرج ثانيا وعم ما عمه الأول، هل يجزئ الحجر ولو من غير جنسه أو لا؟. (أجاب) نعم يجوز الاستنجاء بالحجر إذا عم الخارج ما عمه الأول أو زاد عليه، ولو من غير الجنس، كأن خرج الأول بول ثم خرج مذي أو ودي أو دم، فيجزئ الحجر، والله أعلم باب الوضوء (باب الوضوء) مطلب هل الوضوء من خصائص هذه الأمة (سئل) هل الوضوء من خصائص هذه الأمة؟ (أجاب) ليس من خصائص هذه الأمة وإنما الخاص بها الغرة والتحجيل والكيفية المخصوصة، ولا ينافي قول ابن حجر أما الغرة والتحجيل والكيفية، لأن (أو) مانعة خلو، فتجوز الجمع أو لأن الغرة والتحجيل داخلان في الكيفية، ويدخل فيها الترتيب على مذهب من ذهب، فإن قلت: لا نرى أحدا من الأمم السابقة يتوضأ، لا من اليهود ولا من النصارى، قلت: نفي الخصوصية عنا بالنظر للأنبياء، وأما بالنظر لأممهم فهو خاص بنا مطلقا، قال الجلال في إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة: وقد خصت هذه الأمة من بين سائر الأمم بخصائص لم تكن لأحد سواها إلا للأنبياء فقط، من ذلك الوضوء

стр. 88

فإنه خصوصية لهذه الأمة ولم يكن أحد من الأمم يتوضأ إلا الأنبياء فقط. انتهى. أقول: ويرشد لذلك قوله ﷺ : «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» وفى ذلك فضيلة ومزية لهذه الأمة حيث ساوت الأنبياء في هذه الفضيلة دون أممهم، والله تعالى أعلم. مطلب لو كان له شعر طويل ومسح عليه (سئل) عما لو كان له شعر طويل ومسح عليه، هل يكفي أو لا؟. (أجاب) نعم يكفى المسح عليه، لكن بشرط أن يكون في حد الرأس بأن لا يخرج بالمد عنه من جهة نزوله، فلو خرج به عند مسحها لم يكف المسح على الخارج، والله أعلم. مطلب شافعي دعته الضرورة لمس حليلته الخ (سئل) عن رجل شافعي المذهب دعته الضرورة في أغلب الأوقات لمس حليلته، فلم يبق له وضوء وأئمتنا السادة الأبرار صرحوا بأن المس من النواقض، وعند الإمام أبي حنيفة المس لا ينقض الوضوء، فهل يسوغ للشافعي أن يقلد مذهب الإمام أبي حنيفة في المس فقط أم لا يجوز؟ وإن قلتم بالجواز هل يشترط أن يقلده في أشباهه أم كيف الحال؟ أزيلوا عنا ما أهمنا من هذا الأمر ولكم الثواب. (أجاب) نعم يجوز تقليد كل واحد من الأئمة الأربعة ولا سيما الإمام الأعظم أبي حنيفة، قدس سره العزيز، ولكن بشرط أن لا يتتبع الرخص، وبشرط أن لا يأتي بحقيقة لا يقول بها أحد من الأئمة، مثل أن يمس زوجته ويتفصد ويمسح بعض شعرات من رأسه ولا ينوي ويصلي، فلا بأس إذا قلد الإمام المذكور أن يراعي خلاف مذهبه، والله أعلم مطلب باب مسح الخفين (باب مسح الخفين) مطلب إذا انتهت المدة أو تخرق الخف ما حكمه الخ (سئل) إذا انتهت مدة المسح أو تخرق الخف أو انخلع وظهر محل الفرض، والشخص على طهر، ووجب غسل قدميه، فهل يحتاج لنية غسل قدميه؟. (أجاب) نعم يحتاج لها إلى نية لأن نيته في الوضوء لم تشمل غسل قدميه، بل المسح، ويظهر أنه يستحب له صلاة ركعتين لاستباحة الصلاة بما فعله ولم أر هذه منقولة لكنها مقتضى القياس والأولى، ذكرها الشيخ الشنواني في حاشيته على المنهج، والله تعالى أعلم مطلب باب الغسل وهل الغسل من خصائص هذه الأمة أو لا (باب الغسل) (سئل) هل الغسل من خصائص هذه الأمة؟ (أجاب) في كلام بعضهم أنه ليس من خصائص هذه الأمة، بل هو من شرع إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الملك الجليل، والله أعلم. (سئل) عما لو انغمس جنب في ماء قليل وارتفع حدثه، ثم حصل له حدث آخر، فهل له أن يرفعه إذا لم ينفصل عن الماء؟. (أجاب) نعم له رفع الحدث سواء كان أكبر أو أصغر ثانيا، بشرط أن لا ينفصل عن الماء لأنه لا يصير مستعملا إلا إذا انفصل، والله تعالى أعلم. مطلب رجل اغتسل من الجنابة الخ (سئل) في رجل اغتسل من الجنابة ولما لبس ثيابه وجد في كعبه لمعة ناشفة، فهل سقطت عنه الجنابة؟. (أجاب)

стр. 89

يغسل هذا الموضع الذي وجده ناشفا، فقد تم بذلك غسله وإلا فالجنابة باقية إن لم يغسله، والله أعلم. مطلب رجل يقرأ القرآن ويخل به فهل إذا حلف رجل أنه لم يكن قرآنا لا يحنث الخ (سئل) في رجل يقرأ القرآن ولا يحسن قراءته، ويخل به إعرابا وأحكاما، فهل إذا حلف إنسان بالطلاق الثلاث أو غيره انه لا يسمى قرآنا، لا يحنث؟ وهل إذا قرأه جنب كذلك لا يحرم عليه؟. (أجاب) سألت شيخنا الشيخ محمد البقري عمن يقرأ القرآن ولا يغن فيه بالنون المشدودة والميم، فقال: سألت شيخنا اليمني شيخ القرى في ذلك الوقت عمن يقرأ القرآن ولا يغن فيه، فقال لي: لو حلف حالف بالطلاق أنه لا يسمى قرآنا لا يحنث، فهذه أولى بعدم الحنث، ويظهر أن الجنب إذا قرأه كذلك لا يحرم عليه لما علم أنه ليس بقرآن، والله تعالى أعلم. مطلب من رأى في نومه أنه يباشر أو يلامس أو يجامع من غير إنزال لا يجب عليه الغسل (سئل) في رجل يرى في منامه أنه يباشر أو يلامس أو يجامع فتحصل له لذة ويستيقظ عليها بعد صحوه من النوم ويجزم أنه حصل له الإنزال والتدفيق، فبعد أن يسكن التدفق يفتش حاله في ثوبه وبشرته وفى المنفذ حالا، فلا يجد شيئا لا عينا ولا أثرا، فيحصل له الشك، فيعصر الفرج فربما خرج شيء يرطب المنفذ من غير لذة وتدفق ولا فيه صفة من صفات المنى. (أجاب) لا ريب أن هذا الرجل شاك في حصول الإنزال الموجب للغسل، وقد ذكر ابن حجر أن مثل هذا مخير، ولو بالتشهى، أن يجعل ما ذكر منيا فيغتسل أو مذيا ووديا فيتوضأ، وعبارته: نعم لو شك أمني هو أو مذي، تخير ولو بالتشهي، فإن جعله منيا اغتسل أو مذيا ووديا توضأ؛ لأنه إذا أتى بأحدهما صار شاكا في الآخر ولا إيجاب مع الشك، وقد أفتى الرملي أنه لو اختار كونه منيا لا يحرم عليه ما يحرم على الجنب؛ للشك في الجنابة، ثم قال ابن حجر: ولو رأى منيا محققا في نحو ثوبه لزمه الغسل وإعادة كل صلاة تيقنها بعده ما لم يحتمل الإعادة فيما يظهر حدوثه من ميزه والله أعلم. مطلب باب النجاسة وإزالتها (باب النجاسة وإزالتها) مطلب زيت وجد فيه فأرة ما حكمه (سئل) عن زيت ببئر السيد الخليل عليه صلوات الملك الجليل، وجد فيه فأر ميت وهو جامد، إذا أخذ منه شيء لا يتراد عن قرب، فهل هو طاهر يجوز إيقاد المسجد به أو لا؟. (أجاب) إذا كان الزيت الموجود في البئر إذا أخذ منه شيء لا يتراد عن قرب، فيلقى الفأر وما حوله والزيت طاهر يجوز إيقاد المسجد المذكور وغيره منه، وكذلك يجوز غير الإيقاد كالأكل، وقد سئل ﷺ عن الفأرة تموت في السمن فقال: «إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فاستصبحوا، أو فانتفعوا به» ولكن استثني من الاستصباح المساجد لشرفها، والله أعلم. مطلب بئر زيت وجد فيه فأرة بعد أن أخذ منه فما حكم ما أخذ (سئل) في بئر زيت أخذ منه حصة ثم بعد ساعة أرادوا إخراج بقية ما فيه فوجدوا فيه فأرا،

стр. 90

فهل يكون ما أخذ منه سابقا نجسا أو لا يحكم إلا بنجاسة الباقي في البئر وقت الاطلاع على الفأر؟. (أجاب) هذا حادث ويقدر تقديره بأقرب زمن، فلا يحكم إلا على الباقي بالنجاسة لاحتمال حدوثه بعد أخذ الأول منه، وما أخذ منه أولا لا يحكم عليه بالنجاسة، ولأنا لا ننجس بالشك، والله أعلم. مطلب النشادر هل هو طاهر أو نجس (سئل) عن النشادر هل هو طاهر؟. (أجاب) عبارة ابن حجر في باب الوضوء في ذكر شروطه: ولا يضر اختلاط الخضاب بالنشادر، ولأن الأصل فيه الطهارة، فقد أخبرني بعض الخبراء أنه يعقد من الهباب من غير إيقاد عليه بالنجاسة، فغايته أنه نوعان، وعند الشك لا نجاسة، على أن الأول منه مادة طاهرته طاهرة، وهي التين ونحوه، ولا يضر الوقود عليه بالنجاسة. انتهى باختصار، والله أعلم. مطلب القلى إذا نقع بماء نحس وطبخ به ماحكمه (سئل) فيما إذا نقع القلى بماء نجس وطبخ بذلك الماء واستخرج وعمل زجاجا، فهل يكون ذلك الزجاج نجس العين ولا يطهر بالغسل أو يطهر بالغسل؟ وهل يطهر ظاهره وباطنه أو ظاهره فقط؟. (أجاب) نص أئمتنا على السكين إذا سقيت بماء نجس تطهر بالغسل، مع أنا نقطع بدخول الماء النجس باطنها بدليل برده بعد حرارة الباطن، وكذلك اللحم إذا طبخ في الماء النجس يطهر بصب الماء عليه وإن لم يعصر، فالظاهر أن الزجاج هنا يطهر بالغسل ظاهرا وباطنا؛ لأن الماء النجس رطوبات قد جفت ولا عين للنجاسة موجودة حتى يحكم عليه بالنجاسة، ولا يحكم بطهارته مثل تراب المقبرة لاختلاطه بصديد ودم الموتى، على أنه لو ذهب ذاهب إلى طهارته بالاستحالة كما في الخمر خلا ودم الظبية مسكا، لم يكن بعيدا لأنها إلى استحالة لا إلى فساد، بل لصلاح ولكن لم نره، والله أعلم مطلب: كتاب الصلاة (كتاب الصلاة) مطلب الصلاة تجاه قبور الأنبياء أو غيرهم ما حكمها (سئل) عما يقع في الأرض المقدسة من صلاة أهلها عند قبر داود على نبينا وعليه وسائر الأنبياء الصلاة والسلام، وصلاة أهل الخليل في مسجد الخليل ﵊، وصلاة زائري موسى ﵊، في مسجده الشريف، هل تبطل الصلاة أو تحرم أو تكره؟ وهل تؤخذ من قوله ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؟. (أجاب) الذي نص عليه الأئمة أن المصلي إذا توجه لقبر النبي ﵊ وقصد الصلاة إليه فإنها تحرم، ولكن تنعقد لأن الحرمة الراجعة للمكان لا تقتضي البطلان لعدم لزوم مكان معين للصلاة، بخلاف الزمان فإن النهي المتعلق به يقتضي البطلان للزومه للعبادة، وهذا مأخوذ من لفظ الحديث لأن الاتخاذ لغة يكون بالقصد، أخذا من «قوله ﷺ في جواب سؤالهم: أنتخذ الخمرة خلا؟ قال: لا» أى لا تعالج

стр. 91

بالقصد بالأدوية، بخلاف ما إذا تخللت بنفسها، ولا يخفى على أديب منصف يريد الحق أنه ليس أحد من أهل تلك البلاد يتوجه بالقصد لإيقاع صلاته للنبي ﷺ وغالب هذه الأماكن المنسوبة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام محل الصلاة فيها خارج عن قبورهم، كما يعلم بالمشاهدة؛ لأن الواضعين لها جعلوا للصلاة محلا، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم محال مخصوصة، وإن كان يمكن الصلاة إليها فلا قصد لأحد من الناس على الوجه المذكور، نعم بعضهم يصلي فيها بقصد التبرك بالأنبياء الكرام لا إليهم عليهم الصلاة والسلام، على أن المراد من الحديث احترام الأنبياء الكرام وتعظيمهم بأن تصان أماكنهم عن كثرة دخول الناس لها، وإن فرض وقدر أن رجلا صلى إليهم بالقصد نمنعه من ذلك ونقول له: هذا حرام لا يجوز، فقد ظهر لك أن الحديث دال على القصد، فإن وجد حرمت الصلاة وإلا فلا تحرم، والأخذ بظاهر الحديث خطأ كما علم، والله تعالى أعلم. ملطب الأدلة التي بينت أوقات الصلاة به الخ (سئل) عما بين به أوقات الصلوات من الأدلة التي يغلب على الظن صحتها. (أجاب) أما وقت الظهر فيعرف بالزوال ويعرف ذلك بأن تقف على جهة القبلة ناظرا إلى الشمس، فإن رأيتها على عينك اليسرى فقبل الزوال وإن رأيتها بين عينيك فوقت الاستواء، أو على عينك اليمنى فبعد الزوال وقد دخل وقت الظهر، وبأن تنصب شاخصا على بسيط الأرض ويصير الظل معه مستويا، فما دام الظل في النقصان فقبل الزوال، وإن وقف فوقت الاستواء، وإن أخذ في الزيادة فوقت الزوال، والظل المنكوس قبل الزوال يزيد ظله ثم يذهب وهو ظل ما كان معترضا على سطح الأرض مثل الأوتاد المثبتة في الحيطان، ثم تأخذ الشاخص الذي هو قائم على سطح الأرض فإذا صار ظله مثله غير ظل الاستواء دخل وقت العصر، ويعرف ذلك بالأقدام من الظل، وقد نظمت ذلك في قولي: وللظهر مع عصر حروف يا أخي طزه جبا أبدو حى ... وذلك من كانون فابدأ يا +ول مرتبة فادر المراتب يا صفي ... وزدها في عصر مقدار قامة بأقدام سبع غير ثلث وذاك لي وذلك بأن تقف مستقبل القبلة كاشفا رأسك فإذا كنت في كانون الأول مثلا وكان ظل قامتك تسعة أقدام عدد الطاء، فيدخل وقت الظهر، فإذا زدت قدر قامتك وهو سبعة أقدام إلا ثلثا دخل وقت العصر، ولكانون الثاني سبعة أقدام للظهر وخمسة أقدام لشباط، وتزيد قدر قامتك للعصر، وهكذا بقيه الحروف على بقية أشهر الروم، فإن الحروف اثنا عشر، وكذلك الأشهر، والله تعالى أعلم.

стр. 92

مطلب باب الأذان (باب الأذان) (سئل) ما معنى ألفاظه إفرادا وإجمالا وعن أول من زاد الصلاة والسلام بعد الأذان وأول من أحدث التسبيح على المنابر، وما سبب مشروعيه الأذان؟. (أجاب) معنى قول المؤذن: الله أكبر؛ أي من كل شيء، أي من ناقوس تدعو به النصارى ومن نار تدعو بها المجوس، بل ومن صلاتك أيها المؤمن المدعو لها، فالله أجل وأعظم من ذلك، فإذا سمع الموحد ذلك تحرك منه باعث قوي دعاه إلى الإقبال على الله تعالى وعلى عبادته، واحتقر نفسه وعبادته في جانب الله تعالى، واستغرق فيه جلال الله وعظمته، وكرر التكبير زيادة في الألفاظ والتنبه للعابدين والمردع للغافلين والخيبة والخسران للمشركين، ولهذا شرع الأذان عند الفرح كالمولود وعند الهم وتمرد الجن، أو يقال: الله أكبر، الأول من معبودات العابدين غير الله، وأفضل ليس على بابه، والثاني، أي من صور المصورين، والثالث من عبادة العابدين، والرابع من خواطر العارفين، وأشهد، معناه أعلم، وأذعن، وكرر الأولى إعلاما والثانية إغاظة للمشركين وردعا وزجرا للمخالفين، وجمع بين الشهادة لله ولرسوله ﷺ ليكون آتيا بما يتم به الإيمان، وقدم الشهادة لله على الشهادة لرسوله لترتيبهما كذلك في الإيمان. ومعنى حي: أقبل، فالمعنى: أقبلوا على الصلاة، والأولى إعلاما والثانية إغاظة وردعا، والفلاح: الفوز بالمطلوب؛ أي أقبلوا على سبب ذلك وهو الصلاة، وفي تكريرها ما مر، وأما ذكرها بعد الصلاة فإشارة إلى أن الصلاة هي الفوز لا غيرها، ولهذا ورد: «أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإن سلمت له نجا وإلا فلا /: ومعنى الأذان إجمالا أنك أيها المؤمن إذا علمت أن الله تعالى أكبر من كل شيء فأذعن له ولرسوله، وأقبل على عبادته التى هي فلاحك وفوزك وظفرك بالمقصود، وأعاد التكبير إشارة إلى أنك لا تقف مع سيرك على حال من أحواله التي تظهر لك، بل كلما ظهر لك حال فقل: المقصود أمام، الله أكبر، ولهذا شرع لك التكبير في أول الصلاة والإقامة أيضا، وختم بلا إله إلا الله؛ ليختم بالتوحيد كما بدأ بالتعظيم، وكذلك أن المقصود والمحط هو التوحيد المسبوق بالتعظيم. وأول ما زيدت الصلاة والسلام بعد كل أذان على المنارة في زمن السلطان المنصور حاجي ابن الأشرف شعبان بن حسين بن محمد قلاوون، بأمر المحتسب نجم الدين الطسدي، في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وكان حدث قبل ذلك في زمن صلاح الدين ابن أيوب؛ إذ يقال قبل أذان الفجر في كل ليلة بمصر: الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ واستمرت إلى سنة سبع

стр. 93

وستين وسبعمائة، فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين البرلسي أن يقال: الصلاة والسلام عليك، كما مر. وأول ما حدث التسبيح على المنابر في الأسحار في زمن موسى ﵇ حين كان بالتية فاستمر إلى بناء داود ﵇ بيت المقدس، فرتب فيه عدة يقولون به على الآلات، وبعده بلا الآلات من ثلث الليل الأخير إلى الفجر إلى أن خرب بيت المقدس بعد قتل يحيى، وحدوثه في مسألتنا بمصر زمن سلمة بن مخلد الصحابي أمير مصر، لما اعتكف بجامع عمرو بن العاص سمع أصوات النواقيس عالية فشكى ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين فقال: إني آمرهم بالأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر، كأنهم ينغضون إذا أذنت. وأما سبب مشروعية الأذان ما روى أبو داود وغيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال «لما أمر النبي ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به الناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: ما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، إلى آخر الأذان، ثم استأخر عنى غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر، إلى آخر الإقامة، فلما أصبحت أتيت النبي ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: إنها رؤيا حق إن شاء الله تعالى، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فإنه أندى منك صوتا، فقمت مع بلال فجعلت ألقي عليه فيؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج وهو يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق نبيا يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال ﷺ : فلله الحمد» لا يقال أن الأحكام لا تثبت بالرؤيا؛ لأنا نقول: رؤيا صادفها وحي كما روى البزار أن النبي ﷺ رأى الأذان ليلة الإسراء وسمعه مشاهدة فوق سبع سماوات، ثم قدمه جبريل فأم أهل السماء وفيهم آدم ونوح عليهم أفضل الصلاة والتسليم، فأكمل له الشرف على أهل السماوات والأرض، والله تعالى أعلم. مطلب عن أول من أذن في السماء (سئل) عن أول من أذن في السماء وأول من أذن في الأرض في الإسلام وأول من أذن في مكة وأول من بنى المنابر؟. (أجاب) أول من أذن في السماء جبريل، وأول من أذن في الإسلام بلال بن رباح، وأول من أذن في مكة حبيب بن عبد الرحمن، وأول من بنى المنابر بمصر سلمة بن مخلد الصحابي، والله تعالى أعلم مطلب باب التوجه للقبلة (باب التوجه للقبلة) مطلب ما المراد بوجوب التوجه (سئل) ما المراد بوجوب التوجه للكعبة في الصلاة؟ هل المراد العين أو الجهة

стр. 94

يقينا أو ظنا؟. (أجاب) الواجب عندنا في المذهب وجوب إصابة عين الكعبة بصدره كله، بحيث لا يخرج منه شيء عن محاذاتها يقينا في القرب، وظنا في البعد الشامل لما إذا حال بينه وبينها حائل وضع بحقه، والله أعلم. مطلب تعلم الأدلة الموصلة إلى معرفة القبلة (سئل) عن تعلم الأدلة الموصلة إلى معرفة القبلة، هل هي فرض عين أو كفاية؟. (أجاب) اعلم أنه تارة يقل العارفون بها فيكون التعلم فرض عين على كل مكلف؛ إذ لا تتم صلاته إلا به، وتارة يكثر العارفون فيكون فرض كفاية، وتعبيرهم بالسفر والحضر جرى على الغالب، وعند الإمام أبى حنيفة التوجه يكون بجزء من قاعد مثلث، وعند الإمام مالك الجهة مطلقا في القرب والبعد، وعند الإمام أحمد العين في القرب والجهة في البعد، فمذهب الإمام أبي حنيفة أوسع المذاهب في أمر القبلة، وبعده مذهب مالك وأضيقها مذهب الشافعي؛ إذ لا بد من العين عنده مطلقا في القرب يقينا وفى البعد ظنا، والإمام أحمد قد توسط، وأصل الاختلاف نشأ من قوله تعالى ﴿شطر المسجد الحرام﴾ والله أعلم. مطلب لو صلى أربع ركعات لأربع جهات ما حكمه (سئل) عما لو صلى أربع ركعات لأربع جهات باجتهاد، فهل تصح الصلاة؟ وهل في ذلك دلالة على جواز الاجتهاد في إثبات ما اختلف فيه من قبور الأنبياء الكرام والأولياء العظام؟. (أجاب) نعم الصلاة المذكورة صحيحة باتفاق الأئمة الأربعة، إذا صدر ذلك عن اجتهاد من أهله، إذا علمت ذلك وأن الصلاة عبادة بنيت لرب العالمين، وقد وقع منها ثلاث ركعات يقينا إلى غير القبلة، ومع ذلك حكم الأئمة بصحتها، فكيف لا يجوز ذلك ولا يصح في قبور الأنبياء العظام والأولياء الكرام، ولا سيما مع ما يحصل في أماكنهم من الخير والصدقة والدعاء والتوسل بهم إلى رب العالمين، وقراءة القرآن مع إظهار شعائرهم وتذكر معاهدهم، فلا يمنع ذلك إلا مبتدع مضل فاسق شقي يريد أن يطفئ نور الله بفمه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، مثلا السيد موسى الكليم أخبر ﷺ أنه عند الكثيب الأحمر، وأنه على الطريق وأنه سأل ربه أن يدنيه من بيت المقدس رمية حجر، فنظرنا واجتهدنا فما رأينا هذه العلامات وهي الكثيب الأحمر بقرب الطريق قرب بيت المقدس إلا هذا المكان الذي اشتهر به، مع ما ظهر فيه من الكرامات والأنوار الساطعة التي لا ينكرها إلا أعمى البصر والبصيرة، الذي أضله الله تعالى، والله أعلم. مطلب باب صفة الصلاة (باب صفة الصلاة) مطلب إذا زاد في التكبير واوا بعد لفظ الجلالة ما حكمه (سئل) عن شخص كبر للإحرام وزاد واوا ساكنة بعد لفظ الجلالة مثلا، فهل تنعقد صلاته والحالة هذه؟. (أجاب) اعلم أن مفتاح الصلاة التكبير، للحديث

стр. 95

الصحيح فيه، وكان أول الصلاة لإشعاره تعظمة من يقف بين يديه المقتضي للخشوع، ولهذا كرر في نحو ركوع وسجود ليدوم للمصلي استحضار معناها الدال على عظمة من تهيأ لخدمته، حتى تتم له الهيبة والخشوع، ويشترط لها خمسة عشر شرطا، وهي إيقاعها بعد الانتصاب في الفرض بلغة العربية للقادر عليها، ولفظ الجلالة ولفظ أكبر، وتقديم لفظ الجلالة على أكبر، وعدم مد همزة الجلالة، وعدم مد أكبر، وعدم واو قبل الجلالة، وعدم وقفة طويلة بين كلمتيه، وعدم تشديد باء أكبر، وعدم زيادة واو ساكنة أو متحركة بين الكلمتين، وأن يسمع نفسه في جميع حروفها إن كان صحيح السمع، ولا مانع من لفظ أو غيره، وإلا فيرفع صوته بقدر ما يسمع لو لم يكن أصم، ودخول وقت الفرض لتكبير الفرائض والنفل المؤقت وذي السبب، وإيقاعها حال الاستقبال حيث شرطناه، وتأخيرها عن تمام تكبيرة الإمام في حق المقتدي، فهذه خمسة عشر شرطا، متى أخل بشرط من هذه لم تنعقد صلاته، فمتى أتى بواو ساكنة بعد الجلالة كقوله: الله وأكبر، أو متحركة لم تنعقد صلاته، والله تعالى أعلم. مطلب صلاة النفل (باب صلاة النفل) مطلب من شرط التراويح أن تقع بعد صلاة العشاء (سئل) عن شرط التراويح أن تقع بعد صلاة العشاء، وإذا صلاها بعدها، ثم ظهر فساد العشاء، فهل يعتد بالتراويح؟ (أجاب) نعم، شرط الاعتداد بالتراويح وقوعها بعد فعل العشاء، فلو أوقعها قبلها عامدا عالما، لم تصح ويحرم عليه ذلك لتلاعبه، وإن أوقعها بعدها ناسيا، معتقدا أنه فعل العشاء، فبان خلافه وقعت نفلا مطلقا، وكذلك إذا ظهر فساد العشاء فإنها تقع نفلا مطلقا، قال في المنهج: وتراويح وقت وتر، وقال أيضا قبل ذلك: ويدخل وقت الرواتب قبل الفرض بدخول وقته وبعده، ولو وترا بفعله، ويخرجان أي وقت الرواتب التي قبل الفرض وبعده بخروج وقته، ففعل القبلية فيه بعد الفرض أداء، والله أعلم. مطلب صلاة الليل يقرأ فيها سرا أو جهرا إلخ (سئل) في صلاة الليل يقرأ فيها سرا أم جهرا، وما فضلها، وهل تصلى أول الليل أم آخره أم وسطه؟ (أجاب) نافلة الليل المطلقة يتوسط فيها بين الإسرار والجهر إن لم يشوش على نائم أو مصل أو نحوه، والإسرار ومحل الجهر والتوسط في المرأة والخنثى، حيث لا يسمع أجنبي. ولا حصر للنفل المطلق بليل أو نهار، فيصلي ما شاء متى شاء من ليل أو نهار، ما عدا وقت طلوع الشمس، وعند اصفرارها، ووقت الزوال وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، فهذه الأوقات الخمس لا يصلى فيها إلا في مسجد مكة شرفها الله تعالى، والنفل المطلق الذي لا سبب له، أو له سبب، ولكن متأخر، وصلاة النفل في الليل أفضل لخبر مسلم: أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل. وأوسطه أفضل من طرفيه، حيث قسم الليل أثلاثا؛ لأن الغفلة

стр. 96

فيه أكثر، والعبادة فيه أثقل، وأفضل منه السدس الرابع والخامس للخبر المتفق عليه: أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، فإن قسم الليل نصفين فالنصف الأخير أفضل لخبر: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له. ومعنى ينزل ربنا أي أمره، والأفضل للمتنفل ليلا أو نهارا أن يسلم من كل ركعتين بأن ينويهما ابتداء، أو يقتصر عليهما في حالة الإطلاق، لخبر صلاة الليل مثنى مثنى، ويسن التهجد، وهو النفل بعد النوم بالإجماع لقوله تعالى ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ ولمواظبته عليه ﷺ ويكره ترك التهجد إن اعتاده من غير ضرورة لخبر: يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، ثم تركه. رواه الشيخان. ويسن أن لا يخل بصلاة الليل، وإن قلت، كما في المجموع، وأن يكثر فيه من الدعاء والاستغفار، ونصفه الأخير آكد وأفضله عند السحر، وأن يوقظ من يطمع في تهجده، حيث لا ضرر، ويسن كما في المجموع أن ينوي الشخص القيام عند النوم، وأن يمسح المستيقظ من النوم وجهه، وأن ينظر إلى السماء، وأن يقرأ﴾ إن في خلق السماوات والأرض ﴿الخ، وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين، وإطالة القيام أفضل من تكثير الركعات. واعلم أن الصلاة خير موضوع، فاستقل أو استكثر، وورد: أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإن أحسنها نجا وإلا فلا. وورد في الحديث: "تعرضوا لله في أيامكم، فإن لله نفحات، عسى يصيبكم منها واحدة، ولا تشقون بعدها أبدا". انتهى، والله أعلم. مطلب صلاة الجماعة (باب في صلاة الجماعة) مطلب هل يجوز تعدد الجمعة في بلد واحدة أو لا إلخ ؟ (سئل) في بلد تتعدد فيه الجمعة زيادة على قدر الحاجة، ولم تعلم جمعته سابقة، وقلتم معاشر الشافعية بلزوم صلاة الظهر، فهل يستحب له الإتيان بسنته القبلية والبعدية؟ (أجاب) نعم يستحب له فعل سنة الظهر القبلية والبعدية، وعبارة الشبراملسي: فرع، وما مر من أنه حيث جوز حصول الجمعة في بلد تعددت فيه فوق الحاجة جاز له فعل راتبتها القبلية دون المتأخرة، ثم إن حصلت له، فلا كلام، وإلا وقعت الراتبة نفلا مطلقا، وفعل الظهر برواتبها القبلية والبعدية، والله تعالى أعلم. مطلب: هل يجب إظهار شعائر الدين في المساجد كالأذان والصلاة وعمارتها وإزالة القذرات منها وترتيب خدمة لها ؟ (سئل) ما قول أئمة الدين أعلى الله قدرهم في عليين، وقمع بهم المعاندين والملحدين في مساجد المسلمين، هل يجب إظهار شعائر الإسلام بها مثل الصلاة والأذان، واحترامها وعمارتها ومرمتها وإزالة القذرات منها كالقمامات والنجاسات، وصيانتها عن كل ما يؤذيه، وترتيب خدمة لها مثل شعال وكناس ومؤذن وبواب إن كان لها

стр. 97

وقف، وإلا فمن أين يؤخذ مثل ذلك، وهل يجب على ولاة الدين أيدهم الله تعالى رب العالمين، أو على صلحاء الأمة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل يجب إظهار الجماعات في القرى، وهي البلد الكبير، هل يكفي فيه جماعة واحدة، وإذا امتنع أهل بلدة من إقامة الجماعة، فهل يقاتلون؟ (أجاب) قال الله جل ذكره وعظم ثناؤه ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾. قال البيضاوي: إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها تزيينها بالفرش وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر، ودرس العلم بها، وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا، وعن النبي ﷺ قال الله تعالى: إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زوارها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره. وقال تعالى﴾ وَأَن المَسَاجدَ لله ﴿/، وقال ﷺ فيما رواه مسلم عن علي كرم الله وجهه: "من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة". وروى أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن عثمان: "من بنى لله مسجدا، يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة". وروى أحمد عن ابن عباس: "من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة". وروى الطبراني عن أبي أمامة: "من بنى لله مسجدا بنى الله له في الجنة أوسع منه". وروى الترمذي عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وأحمد، والشيخان، والنسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد:" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله، فاجتمعا على ذلك، وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". ولا شك أن المساجد من عماد الدين، وقوام أمر المسلمين، وقيام الصلاة بها، وبذلك يظهر الدين، ويقمع المعاندون، وتظهر الشعار التي إظهارها واجب شرعا، ولهذا كانت صلاة الجماعة فرض كفاية بشرطه لقوله ﷺ في الخبر الصحيح: "ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، ولا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان" أي غلب. فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فيجب إظهار الجماعة، بحيث يظهر بها الشعار في ذلك المحل البادية أو غيرها، وضبط بأن يكون مريدها لو سمع إقامتها، وتظهر أمكنة إدراكها، وفيه ضيق، والظاهر أن الأمر أوسع من ذلك، وأنه يكفي أن يكون كل من أهل محلها، لو قصد من منزله محلا قريبا من محلها لا يشق عليه مشقة ظاهرة، فعلم أنه يكفي في القرية

стр. 98

الصغيرة أي التي فيها نحو ثلاثين رجلا إقامتها بمحل واحد، وأن الكبيرة لا بد من تعددها فيها كما تقرر، فإن لم يظهر الشعار بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم كأهل محلة من قرية كبيرة، ولم يظهر الشعار إلا بهم قوتلوا، أي قاتل الممتنعين الإمام أو نائبه لإظهار هذه الشعيرة العظيمة، والجماعة بالمسجد لغير المرأة والخنثى أفضل منها خارجه للخبر المتفق عليه: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". أي، فهي في المسجد أفضل، هذا بالنقل الصريح عن الأئمة المعتبرين، والعلماء الراشدين مثل الإمام النووي والرملي وابن حجر وغيرهم، وأما المساجد، فيجب عمارتها وترميمها ونصب ما يحتاج إليه الشعار، كالإمام والمؤذن والشعال، والذي يعمر المسجد، ويجب صيانتها عن النجاسة والقذرات؛ لأنها محل العبادة ونزول الملائكة الروحانية، ولا يقبلون إلا الطيب، وأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فإن كان لها وقف صرف لذلك من ريعه، وإن لم يكن لها وقف فمن بيت مال المسلمين، فإن لم يوجد فيه شيء، أو منع متوليه من ذلك، فيؤخذ من الأموال العامة التي أصلها لبيت المال، ويصرف ذلك الرجل الصالح كما يصرفه الإمام العادل، والظاهر كما قال ابن عبد السلام: وجوبه عليه، وهو مأجور على ذلك، ويثاب الثواب الجزيل، فإن لم يوجد، فعلى أغنياء المسلمين؛ لأن ذلك من الأمور الضرورية، ولا شك أن منصب السلطان أعزه الديان، ونصره الرحمن، وكذلك نوابه الكرام، إنما هو الأمور العامة، كالغزو لقتال الكفار، ومنع قطاع الطريق، والمعاندين والمعارضين، ورد الناس إلى الشريعة الغراء والملة البيضاء، وإظهار شعائر الإسلام كالحج لبيت الله الحرام، والمساجد وعمارتها، والمدارس والربط، والخانات والقناطر، ودفع ضرر المعصوم، وكل ذلك لإظهار هذا الدين القويم، وعملا بأمر الله ﷻ ، وعظم سلطانه، وأمر رسله، وبذلك يظهر حسن نظام العالم، وأمر معاشهم، ويترتب على ذلك معادهم، المحصلان للفوز بالسعادة الدنيوية والأخروية، ويرجع الكافر خائبا خاسرا، والمعاند بائرا، والمؤمن لله ناصرا، ولنبيه مظاهرا، والله تعالى أعلم. مطلب: صلاة الجمعة (باب صلاة الجمعة) مطلب: يوم عرفة أفضل أو يوم الجمعة ؟ (سئل) هل الأفضل يوم الجمعة، أو عرفة؟ (أجاب) اعلم أنه ورد ما يقتضي تفضيل الجمعة على عرفة، من ذلك ما رواه كثيرون منهم أحمد "أن يومها سيد الأيام وأعظمها، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى" وفي رواية بإسناد حسن: "أفضل الأيام عند الله يوم الجمعة" رواه البيهقي، وفيه خلق آدم، وإهباطه إلى الأرض، وموته، وساعة الإجابة، وقيام الساعة، وفي خبر الطبراني "وفيه دخل الجنة، وفيه خرج".

стр. 99

وصحح ابن حبان خبر "لا تطلع الشمس، ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة"، وعند مسلم: "فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وأنه خير يوم طلعت عليه الشمس"، وصح خبر: "وفيه تيب عليه، وفيه مات" وأخذ أحمد أنه أفضل حتى من عرفة، وفضل كثير من الحنابلة ليلته على ليلة القدر. والصحيح أن يوم عرفة وليلتها، أفضل من يوم الجمعة وليلتها؛ لما ورد فيها من الأدلة الصحيحة الصريحة الخاصة فقدم الدليل الخاص على ذلك، والله أعلم. مطلب: لو خطئ من يدعو لسيدي عبد القادر الجيلاني أو أثمه أو كفره ماذا حكمه ؟ (سئل) عن رجل سمع خطيب بيت المقدس يدعو للسيد عبد القادر قدس سره فخطأ الخطيب، بل أثمه، بل كفره، فهل هو مصيب، أو مخطئ؟ (أجاب) هذا رجل ملحد ملئ قلبه نفاقا، وبغضا لأولياء الله تعالى، ولا ريب أن عبد القادر قدس سره من أعظم أولياء الله تعالى، ومن أعظم المؤمنين والمؤمنات، والدعاء لهم مطلوب، إجمالا وتفصيلا، واعلم أن هذا الرجل هو المخطئ، بل هو الآثم، بل هو الكافر؛ لأن من كفر مؤمنا معتقدا لذلك بلا تأويل، فهو كافر، واعلم أن أئمتنا جعلوا أركان الخطبتين خمسة، ثلاثة مكررة في كل من الخطبتين: حمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ بلفظهما، والوصية بتقوى الله تعالى، وقراءة آية مفهمة، وهي في الأولى أولى، ودعاء للمؤمنين بأخروي في الخطبة الثانية، وعللوا ذلك باتباع السلف، والخلف، فعبد القادر هل خرج عن كونه من المؤمنين الذين الدعاء لهم شرط في صحة الخطبة، ففي تخطئة الخطيب المذكور طعن في السلف والخلف، وهو من البدع المذمومة والخصال الخبيثة. وأما الدعاء للسلطان بخصوصه، فلا يسن كما نقله في المجموع عن اتفاق الأصحاب قال: والمختار أنه لا بأس به، إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه، والله أعلم. مطلب: أربعون رجلا في قرية ومن أهلها المقيمين بها لا يصلون الجمعة ماذا يلزمهم إلخ ؟ (سئل) عن أهل قرية فيها أربعون رجلا أحرار مقيمون لا يظعنون صيفا، ولا شتاء، وجدت فيهم شروط إقامة الجمعة، ولكن علم من حالهم أنهم لا يصلونها من قديم الزمان، وإنما يصلون الظهر جماعة وفرادى، ولا نية لهم بالاجتماع لها، ولا قرينة دالة على ذلك، كما في غالب قرى بلاد الشام والقدس وغيرها، فهل يصح ظهر من تلزمه من أول الوقت، أو لا بد من تأخيره حتى لا يمكن فعلها؟ (أجاب) عبارة ابن حجر: أربعون كاملون ببلد علم من عادتهم أنهم لا يقيمون الجمعة، فهل من تلزمه إذا علم ذلك أن يصلي الظهر إذا لم ييأس من الجمعة، قال بعضهم: نعم، إذ لا أثر للمتوقع، وفيه نظر، بل الذي يتجه لا لأنها الواجب أصالة للمخاطب بها يقينا، فلا يخرج عنه إلا باليأس يقينا وليس من من تلك القاعدة؛ لأنها في متوقع لم يعارض يقينا، وهنا عارضه يقين الوجود، فلم يخرج عنها إلا بيقين اليأس منها، ثم رأيتهم صرحوا بذلك حيث قالوا: لو تركها أهل بلد لم يصح ظهرهم حتى يضيق الوقت عن

стр. 100

واجب الخطبتين والصلاة. انتهى. والمعتمد الثاني، وهو تأخير الظهر حتى ييأس من فعل صلاة الجمعة بأن يضيق الوقت عن واجب الخطبتين مع الاجتماع والصلاة، ووجهه أن الجمعة هي المخاطب بها حالا، وبه يلغز فيقال لنا: صلاة لا يصح فعلها أول الوقت، ويجب تأخيرها إلى آخره، وهي الظهر هنا، والله أعلم. (فصل في اللباس) مطلب: في اللباس ولبس الأحمر ما حكمه؟ الخ (سئل) عن لبس الأحمر ما حكمه، فإن رجلا أعجميا يخطئ الناس بلبسه تارة بالكفر وتارة بالحرمة، فهل هو مخطئ أو لا؟ (أجاب) اعلم وفقني الله وإياك، أن جميع الألوان والأنواع من الثياب كلها جائزة إلا الحرير كله، أو أكثره وزنا، غير ما استثني حله، مثل فجأة الحرب والجرب، والحكة والصبي والمجنون، وإذا لم يجد غيره وما طرف، أو سجف، وإلا المزعفر كله، أو أكثره للتشبه بالنساء، وإلا المعصفر على ما ذهب إليه البعض، والأصح حله، وبقية الألوان الأصفر والأخضر كلها حلال لقول الله تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ وقوله تعالى ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. وفي شمائل الترمذي حدثنا محمود بن غيلان، أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن عوف بن أبي جحيفة عن أبيه قال: "رأيت النبي ﷺ في بطحاء مكة في حجة الوداع - كما صرح به في رواية البخاري - وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بريق ساقيه". قال شارحه المناوي: ولبس ﷺ الأحمر القاني مع نهيه عنه ليبين جوازه، وأن النهي للتنزيه، وعلى هذا المنوال ما ورد "أنه يصبغ بالورس والزعفران ثيابه حتى عمامته" رواه أبو داود، مع كونه نهى عنه، وروى الطبراني من حديث ابن عباس ﵄: "أنه كان يلبس يوم العيد بردة حمراء". قال الهيتمي: ورجاله ثقات. وروى البيهقي في السنن "أنه كان يلبس بردة حمراء في العيدين والجمعة"، فقد ظهر لك من هذه الأدلة جواز لبس الأحمر، وأن النهي الوارد للتنزيه، قال ابن حجر: ويجوز الثوب المسبوغ بأي لون كان إلا المزعفر وكذا المعصفر، ولكن خولف فيه، فشمل كلامه الأحمر، وفي حديث رواه الحسن مرسلا الحمرة من زينة الشيطان، وقد نهى النبي ﷺ عن المعصفر للرجال، واعلم أنه زينة الشيطان، والتختم بالحديد، واعلم أنه حلية أهل النار، ولذلك تعلق بهذا من ذهب إلى تحريم لبس الأحمر، وقد علمت بطلان هذا التعلق، وأن النهي محمول على كراهة التنزيه، وللسلف فيه سبعة أقوال: الأول: الجواز مطلقا، وهو مذهب الجمهور. الثاني: المنع مطلقا. الثالث: يحرم المشبع بالحمرة، ويحل ما سبغه خفيف. الرابع: يكره الأحمر بقصد الزينة، والشهرة، ويجوز في البيوت. الخامس: يجوز لبس ما صبغ غزله، ثم نسج

стр. 101

دون ما صبغ بعد نسجه. السادس: يحرم ما صبغ بالعصفر، دون غيره. السابع: يحرم صبغ كله، لا ما فيه لون غير أحمر. فقد علمت أن هذا الرجل آثم مخطئ مبتدع، والله أعلم. (باب الاستغفار) مطلب: باب الاسغفار ومن شروط التوبة رد المظالم إلى أهلها (سئل) من شروط التوبة رد المظالم إلى أهلها، وفيه مظالم لا يمكن ردها، مثل ما لو كسر عظم ميت، ونحو ذلك، وقد تكثر المظالم جدا نهبا، وقتلا، وإحراقا، فما المخلص من ذلك؟ (أجاب) إنها بالاستغفار، كما في حديث "كفارة من اغتبته أن تستغفر له"، وأما إذا كثرت المظالم، فعلى الناسي أن يتحرى ما أمكن الخلوص منه، إما بدفع بدل، وإما باستحلال، وإما باستغفار، وإما بغير ذلك، والله أعلم. (كتاب الجنائز) مطلب: كتاب الجنائز وما حكم زيارة القبور إلخ (سئل) ما حكم زيارة القبور من الأنبياء، وغيرهم، وما حكم من قال: إن قبر رسول الله ﷺ لا يزار، وهل في ذلك من شيء؟ (أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن زيارة قبور المسلمين مستحبة بإجماع من يعتد بإجماعه، ولا عبرة بهولاء الفرقة الضالة الزالة رئيسهم ابن تيمية أضله الله، وخذله، وعلى قوله جماعة ببلاد الروم، وسبب ذلك عدم ممارسة الكتاب والسنة، والأخذ عن المشايخ المطلعين والأئمة المعتبرين، ولو فهموا قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" لما وسعهم هذا الإنكار، وأبلغ من ذلك إنكارهم زيارة قبر رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، وذلك مبني على أصلهم الفاسد، وقولهم الكاسد أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، تنقطع كراماتهم وفضلهم بموتهم، وما شاهدوا أنوار النبوة، ولا ما وقع لهم من الكرامات والآيات بعد موتهم، فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد جاء "أن عليا وأبا بكر جاءا لزيارة قبر رسول الله ﷺ بعد وفاته بستة أيام، فقال علي: تقدم يا خليفة رسول الله، فقال أبو بكر ﵁: ما كنت لأتقدم رجلا سمعت رسول الله ﷺ يقول فيه: علي مني بمنزلتي من ربي"، ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة فصار إجماعا. وقد زار ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى الناس حوله. والسلف والخلف على ذلك، وفي ذلك من الرقة وشرح الصدر، وفرج الهم، والاعتبار ما يدعو العاقل اللبيب إلى الإكثار من ذلك، والتردد إلى قبور الأنبياء، والعلماء، والصلحاء، والأقارب، وأما زيارة قبور أهل الذمة فمباحة، والله أعلم. مطلب: المرأة كفنها على الزوج إلخ (سئل) عن امرأة ماتت ولها زوج، فهل تجهز من تركتها، أو يجب تجهيزها من

стр. 102

مال زوجها؟ (أجاب) تجهيز الزوجة على زوجها، ولو كانت غنية، حيث كان قادرا على تجهيزها، ولو مما يخصه من تركتها، والله أعلم. مطلب: هل يسأل الميت في قبره الصغير والكبير إلخ (سئل) عن سؤال الميت في قبره، هل يشمل الكبير والصغير والمنافق والكافر، وهل يقعد الميت في قبره، وهل تعم الروح جميع الجسد، وقد يقع في الساعة الواحدة ألوف من الأموات، والسائل لهم ملك، أو ملكان، فكيف يتصور منهما ذلك في الساعة الواحدة، وهل إذا سئل الميت يكشف له عن رسول الله ﷺ فيراه، وهل يسأل قبل الدفن أم بعده، وإذا مات على حاله، هل يبعث عليها مثل السكران؟ (أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن سؤال القبر واقع إجماعا، ففي الصحيحين، وغيرهما من طريق قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم، قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ". وعند ابن مردويه: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي كان بين أظهركم الذي يقال له محمد؟، قال: فأما المؤمن فيقول: إنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي ﷺ : فيراهما جميعا". قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خضرا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت، ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين، أما الكبير المؤمن، أو المنافق المنسوب للإسلام بالشهادة فيسألان بلا خلاف، وأما الكافر، فقال ابن عبد البر: لا يسأل، إذ لا فائدة لسؤاله. وقال القرطبي وابن القيم: يسأل لأن الأحاديث فيها التصريح بسؤاله، ويعبر عنه في بعضها بالمنافق المراد منه الكافر، أو المرتاب. وأما الصغير الذي لم يكلف، فقال الحافظ ابن حجر: إنه لا يسأل، والسؤال خاص بالمكلف، وهو ظاهر كلام الروضة، وجزم القرطبي، وجماعة بسؤال الأطفال كالبالغين، وأن العقل يكمل لهم ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه، قال: وهذا ما تقتضيه ظواهر الأخبار، وقد جاء أن القبر ينضم عليهم كما ينضم على الكبار، قال اللقاني: قلت: وظاهر الرسالة يشهد له، وهو أحد قولي الحنابلة، والآخر: أنهم لا يسألون، واختاره الجلال تبعا لشيخه ابن حجر، وذكر أن فتاوى أئمتهم عليه، وبعض من شرح عقيدة النسفي من الحنفية جزم بأن كل ميت يسأل صغيرا كان، أو كبيرا، قال: وتوقف أبو حنيفة في سؤال الأطفال المشركين، ودخولهم الجنة، وهم عند غيره يسألون. وأقول: الحق عندي في مسألة الأطفال الوقف، إذ ليس فيها خبر مقطوع به،

стр. 103

والعقل وإن جوزها إلا أنه معزول هناك، وأما الأنبياء فالحق أنهم لا يسألون، ولا ينبغي عندي أن يكون ذلك محل توقف، فضلا عن الخلاف، وقد ورد أن جماعة لا يسألون، فهو يخصص عموم ما تقدم: الأول: المرابط يموت مرابطا، وأحاديثه في مسلم وغيره، والمرابطة ملازمة ثغر من ثغور الإسلام لحفظه، والحناطه مدة لا بأهل، ولا لتكسب وإلا كان حاميا، لا مرابطا. والثاني: الشهيد، وحديثه في النسائي وغيره. والثالث: الملازم على قراءة تبارك الملك كل ليلة، وحديثه في الترمذي وغيره. الرابع: المريض بالبطن، وحديثه في ابن ماجه والنسائي وغيرهما، وهل هو من يصيبه الضرب، وهو الإسهال، أو الذي يصيبه الاستسقاء قولان، قال القرطبي: والثاني هو أظهر القولين، قال: وصاحب الاستسقاء قل أن يموت إلا بالضرب، فهو جامع لكل ضعيف. الخامس: الميت ليلة الجمعة، أو يومها، وحديثه متصل في نوادر الأصول للترمذي، وغيره، قال القرطبي: وإذا كان الشهيد لا يفتن يعني: لا يسأل، فالصديق أجل خطرا وأعظم أجرا، وإذا لم يسأل المرابط الأدنى من الشهيد، فالصديق الأعلى منه المقدم عليه في آية﴾ أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ﴿لا يسأل من باب أولى، فجملتهم ستة، وزيد الميت بالطاعون، أو في زمنه، ولو بغير طعن صابرا محتسبا، قال الفاكهاني: إن الظاهر عندي سؤال الملائكة، وجزم الجلال السيوطي بسؤال الجن لتكليفهم، وعموم الأدلة، وتوقف الفاكهاني في أهل الفترة والمجانين والبله، وقد نظم الذين لا يسألون بعضهم، فقال: عليك بخمس فتنة القبر تمنع ... وتنجا من التعذيب عنك وتدفع رباط بثغر ليلة ونهارها ... وموت شهيد شاهد السيف يلمع ومن سورة الملك اقتري كل ليلة ... ومن روحه يوم العروبة تنزع كذاك شهيد البطن جاء ختامها ... مع الهدم محروقا كذا يتنوع وفي كلام ابن حجر آخر الجنائز مناقشة في ذلك، والذي أجاب به الحافظ ابن حجر أن الميت يقعد في قبره ويسأل، وأجاب أيضا أن الروح تلبس جميع البدن، وقال: ولكن ظاهر الأخبار أنها تحل نصفه الأعلى، وأما مخاطبة الملك، أو الملكين جميع الموتى في الأماكن المتباعدة في الوقت الواحد، فالجواب عنه أن عظم جثتهما يقتضي ذلك، فيخاطبان الخلق الكثير في الجهة الواحدة مخاطبة واحدة بحيث يخيل لكل واحد من المخاطبين أنه المخاطب دون من سواه، ويمنعه الله عن سماع جواب بقية الموتى. قال السيوطي: قلت: ويحتمل تعدد الملائكة المعدة لذلك، كما في الحفظة، ورأيت الحليمي من أصحابنا ذهب إليه، فقال في منهاجه: والذي يشبه

стр. 104

أن يكون ملائكة السؤال جماعة كثيرين يسمى بعضهم منكرا وبعضهم نكيرا، فيبعث لكل ميت اثنان منهم، وأما كون الميت يكشف له عن رسول الله ﷺ ، فأجاب عنه الحافظ ابن حجر: إنه لم يرد في حديث، وإنما دعاه بعضهم بغير مستند سوى قوله في هذا الرجل، ولا حجة فيه؛ لأن الإشارة إلى الحاضر في الذهن، انتهى. أقول: وقد وقع لي بالأزهر مرض شديد حتى رأيت ملائكة عظاما تمر بالأنبياء واحدا بعد واحد فيقولون لي: هذا نبيكم، فأقول: لا، فيقولون لي: صدقت، هذا فلان. وهكذا، وربما أيدت القول الأول، وأما كون السؤال قبل الدفن أم بعده فالصحيح بعده، فإن قدر أنه لم يدفن بأن أغرى عليه الكلاب، أو أكلته الوحوش، أو ألقي في البحر سئل قبل الدفن، ولو بحضور الناس، ولا يعلمون سؤاله، كما يقع للنائم من الرؤيا بحضور الناس مع تكلمه فيها، ولا يسمع الحاضرون له كلاما. وأما إذا مات على حالة، فإنه يبعث عليها كالميت بالسكر يبعث سكران، وقد أخرج الأصبهاني في الترغيب من طريق أبي هدبة عن أشعث الحراني عن أنس مرفوعا "من فارق الدنيا، وهو سكران دخل القبر سكران" وأخرجه أبو الفضل الطوسي في عيون الأخبار من طريق أبي هدبة عن أنس، وفيه أنه يعاين ملك الموت سكران، ويعاين منكرا ونكيرا سكران، والله أعلم. مطلب: تمنع اليهود والنصارى من زيارة قبور الأنبياء لما يفعلونه من عدم الاحترام إلخ (سئل) في مراقد مشهورة للأنبياء الكرام والرسل العظام، مثل مرقد العزير، وشمويل، وشعيب وغيرهم من الأنبياء الكرام على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فهل تمكن اليهود والنصارى من زيارتها مع ما يفعلونه في مراقد الأنبياء من القذرات، وحرق الثياب النفيسة مع ما فيها من القترة والدخان، كما يقع لليهود في مقام شمويل، وركوب أضراحها الشريفة بالجزم والبوابيج، كما يفعله اليهود في مقام شعيب بقرية حطين، وغير ذلك مما يقع منهم فيها مما يخالف الكتاب والسنة، بل والإجماع، والطريقة المألوفة لزيارة القبور لأهل الإسلام، ولما نص عليه العلماء من طريق زيارة الأنبياء الكرام من الآداب والخشوع والخضوع تجاه القبر الشريف لأحدهم؟ (أجاب) نص العلماء الأعلام أن أسماء الأنبياء تصان عن اليهود والنصارى، فلا يمكنون منها لأنهم، وإن اعتقدوا المسمى فاعتقادهم فيه باطل، كما في اعتقاد النصارى في عيسى أنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وكذلك في أمه قال تعالى ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ وقولهم فيه ثالث ثلاثة، ونحو ذلك مما لا يقول به عيسى، ولا أمه. ومثل ذلك قول اليهود في عزير أنه ابن الله، تعالى الله علوا كبيرا، وكذلك ضرائحهم الشريفة تصان عن كفرهم وضلالهم، قال تعالى ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾، فإذا منعوا من

стр. 105

المسجد الحرام، وهو لا يعقل، فما بالك بالأنبياء الكرام الذين هم أشرف الخلق وأفضلهم، فقد قالوا في تعريف النبي الشامل للرسول أنه أفضل معاصريه خلقا وخلقا وعقلا وفطنة وقوة، وأنه معصوم، ولو من صغيرة سهوا، ولو قبل النبوة سليم من دناءة أب وخناء أم وإن عليا، ومن منفر كعمى وجذام وبرص، ولا يرد بلاء أيوب وعمى يعقوب بناء على أنه حقيقي لطروه بعد الإنباء، ومن قلة مروءة كأكل بطريق، ومن دناءة صنعة كحجامة إلى آخر ما ذكروه في تعريف النبي والرسول. إذا علمت ذلك علمت أن الأنبياء الكرام ينزهون عن القذرات، ولو كانت طاهرة، ولو من أهل الإسلام، فما بالك بأهل الكفر والنفاق، بل نفس أبدان أهل الكفر قذرة، ولو كانت نظيفة بحسب الظاهر،﴾ إنما المشركون نجس ﴿، فيجب على كل مؤمن بالله واليوم الآخر أن يصون مراقد الأنبياء الكرام من قذرات اليهود والنصارى، وإن اعتقدوه نبيا وعظموه؛ لأنه اعتقاد باطل مخالف للشرع القويم، ولما هو واجب للأنبياء الكرام من التعظيم والتكريم والاحترام، فلا تمكن اليهود والنصارى من الدخول فضلا عن الركوب على مراقد الأنبياء الكرام، فقد رأينا اليهود تفعل من القذرات في مقام النبي شمويل ﵇، كحرق الثياب والقذرات والروائح الكريهة، فمما يجب صيانة أقل قبر ومقام لغير الأنبياء الكرام فضلا عن مراقد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسألنا اليهود عن ذلك فقالوا: إنه كان يحب ذلك، فانظر لجهلهم، وقبيح فعلهم، لعنهم الله تعالى﴾ إن هم إلا كَالأَنعَام بَل هم أَضَل سَبيلا ﴿فلذلك منعناهم من زيارته ولله الحمد، وأما ركوب القبور والجلوس عليها من غير الأنبياء، فالجمهور على منعه، فقد روى أحمد ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي عن أبي هريرة ﵁: "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر". وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة "لأن يطأ الرجل على جمرة، خير له من أن يطأ على قبر" وعبارة ابن حجر مع المنهاج: ولا يجلس على القبر الذي لمسلم، ولو مهدرا فيما يظهر، ولا يستند إليه، ولا يتكئ عليه احتراما له إلا لضرورة كأن لم يصل إلى قبر ميته، أو لا يتمكن من الحفر إلا به. انتهى. هذا في قبور غير الأنبياء مع أن الجالس مسلم، فكيف بالكافر مع الأنبياء الكرام، فيمنع ويعزر التعزير اللائق به، فقد قال العلماء: إن الزائر، يحترم الميت احترامه له حيا، فيتأدب معه مثل ما لو كان حيا، ولو كانت الأنبياء أحياء كان يجب تباعد هؤلاء الكفرة عنهم، وقد قالوا في كيفية زيارة قبر رسول الله ﷺ أن الزائر يقف قبالة وجهه الشريف جاعلا ظهره إلى القبلة المشرفة ووجهه لوجه رسول الله ﷺ قائلا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته،

стр. 106

وقائلا ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ ويشاهد أنه حي في قبره الشريف بتأدب معه ﷺ مع خشوع وخضوع، وأدب مصليا عليه ﷺ ومسلما داعيا بما يناسب الحال، وبما يشرح الله به صدره، ويقاس بذلك سائر الأنبياء، ولا يخفى عليك ما وقع لهذه الأمة المحمدية في تعظيم نبيها، وامتثال أمره والمسارعة لأمره الشريف حتى لو دعاهم إلى ما فيه الهلاك بادروا إليه وأجابوا له سريعا، وتأمل في أحوال اليهود مع موسى ﵊ كم فعل معهم من خير وأنقذهم من فرعون وجنوده، وجعل الله البحر لبني إسرائيل يبسا، ومع ذلك مروا بقوم يعبدون أصناما لهم فقالوا ﴿يَا موسَى اجعَل لنَا إلَهًا كَمَا لَهم آلهَةٌ﴾، وقالوا﴾ أَرنَا اللهَ جَهرَةً ﴿، وقالوا له: اذهب أنت وربك فقاتلا، وقالوا: إن الله بخيل. وقالوا ﴿إن اللهَ فَقيرٌ﴾، فكل ذلك أذية لموسى، وعدم احترام وتوقير. وانظر قولهم في البقرة ﴿أتتخذنا هزوا﴾، فكيف يليق بقوم يقولون لنبيهم ذلك مع قوله ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، فما احترموا الأنبياء حال حياتهم، فكيف يحترمونهم بعد موتهم فاتق الله، وكن من المانعين واحذر أن تكون من المساعدين، أو المعينين، أو الآذنين لهم فتلحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والله تعالى أعلم. (كتاب الزكاة) مطلب: كتاب الزكاة، وهل يكفر منكر الزكاة ؟ (سئل) هل يكفر منكر الزكاة؟ (أجاب) نعم، هي أحد أركان الإسلام، فإن أنكر أصلها كفر، وكذا إذا أنكر فرعا منها مجمعا عليه لا حيث اختلف فيه، أو كان غير مكلف، وزكاة تجارة وركاز وفطرة، والله أعلم. (باب زكاة النابت) مطلب: زكاة النابت، وهل تجب الزكاة في الأرض المستأجرة أو الخراجية؟ إلخ (سئل) هل يجب إخراج الزكاة في الأرض المستأجرة، والخراجية، وعلى الأرض التي تقسم، كما في بعض البلاد والأرض التي تفصل؟ (أجاب) قال في العباب: الأرض المستأجرة، والخراجية كالمملوكة، فتجب زكاة نباتها مع الأجرة، والخراج، وما تصير به الأرض خراجية يأتي في الجهاد والجزية، ومن بيده أرض يؤدي خراجها، وجهل كيفية أصلها حكم بجواز أخذها، وبملكها الذي اليد. وأخذ الخراج من الأرض العشرية ظلم، ولا يجزئ عن الزكاة إلا إن أخذه الإمام بنية البدلية متأولا كأخذ القيمة، فإن نقص عنها تممها المالك. انتهى. وما يؤخذ من الأرض قسما كالربع والثلث، أو فصلا هو في معنى الأجرة، فتجب زكاة نبات الأرض المأخوذ منها القسم والفصل، والله أعلم. مطلب: لو أخرج زكاة النابت وادخره لحول ثان، هل يجب عليه زكاته أيضا إلخ ؟ (سئل) عما لو ادخر النابت إلى الحول الثاني، وقد أخرج زكاته

стр. 107

أولا، فهل تجب فيه الزكاة ثانيا؟ (أجاب) لا تجب فيه الزكاة؛ لأن المعتبر نموه، وقد أخرج زكاته، والله أعلم. مطلب: ما بذره لو أمحل وخرج بمقدار الأصل المزكى عنه فهل تجب فيه زكاة ؟ (سئل) عما لو بذر بذرا كثيرا فأمحل، فلم يزد على الأصل، بل إما نقص، أو كان مساويا، أو زاد شيئا قليلا، وكان الحاصل نصابا، فهل تجب فيه الزكاة؟ (أجاب) نعم، تجب فيه الزكاة حيث بلغ نصابا؛ لأنه كله نماء والبذر تلف في الأرض، والله أعلم. (باب زكاة المعدن) مطلب: زكاة المعدن، وفي رجل اتهم أنه وجد كنزا وغرمه المشايخ مالا إلخ (سئل) في رجل اتهم بأنه وجد كنزا، وتكلم أهل بلده بذلك على عادة الناس، فبلغ الخبر إلى شيخ البلاد المتكلم عليها من طرف الحكام، فأخذ الرجل المتهوم وغرمه جريمة، ثم إن واحدا من جماعة الشيخ قال للمغرم: إن الذي تعاون عليك فلان لرجل من أهل بلده، وقال: أنا أشهد عليه بذلك، فهل يعمل بهذه الشهادة، ويلزم المغرم المخبر للشيخ بالمال المذكور؟ (أجاب) لا ريب أن إخبار تابع الشيخ، ولو كان عدلا بصورة الشهادة لا يعمل بها؛ لأن المخبر للشيخ على فرض صدقه، وإن أخبر يقينا لا يلزم المخبر مما أخذه الشيخ شيء من المال؛ لأنه لم يستول عليه، وإنما ارتكب إثما في إخباره، ولا غرم عليه أصلا، هذا كله بناء على صدق تابع الشيخ وعدالته، وإلا فقوله مردود، وفعله غير محمود؛ لأنه لا يخاف الرب المعبود، وسيرى فعله في اليوم الموعود، وحسبه القاهر الودود، والله أعلم. (باب زكاة الفطر) مطلب: زكاة الفطر، وفي قرية مختلف أكلها من بر وشعير وذرة وزبيب فما الواجب عليهم في زكاة الفطر ؟ (سئل) في قرية مختلف أكلها من بر وشعير وذرة وزبيب، فما الواجب في زكاة الفطر على أهلها؟ (أجاب) ينظر في كل بلدة على حدة، فيجب على أهلها إخراج زكاة الفطر من غالب قوتهم تلك السنة، فإن كان الغالب فيها البر تعين، أو الشعير تعين، أو الذرة تعينت، أو الزبيب، فكذلك من كل قوت سليم من العيب، ويجزئ الأقط واللبن والجبن ما لم ينتزع زبدهما إن غلب قوتهما، ويجزئ الأعلى كالبر على الأدنى كالشعير، والله تعالى أعلم. مطلب: الحيلة في أخذ الشريف الزكاة أن تدفع لفقير غير شريف ويدفعها الفقير له إلخ (سئل) في رجل شريف يريد أخذ زكاة الفطر من أهل قرية، فما الحيلة في أخذه له؟ (أجاب) الحيلة أنه تدفع الزكاة لرجل فقير غيره، ثم يدفعها الرجل الفقير للرجل الشريف، فيحصل المراد على أن بعض العلماء ذهب إلى أن الأشراف إذا منعوا من خمس الخمس الذي لهم، جوز أخذهم الزكاة وله أيضا أن يقلد هذا القول الضعيف ويدفع له، والله تعالى أعلم. (باب أداء زكاة المال) مطلب: باب زكاة المال، والرجل إذا كان له مال في بلد غير بلده أمانة هل يزكي عنه في بلد المال؟ إلخ (سئل) في رجل له مال في بلد غير التي هو فيها، موضوع أمانة، فهل يجب عليه

стр. 108

أن يزكي عنه؟ (أجاب) حيث كان المال نصابا وجب فيه الزكاة، ولكن مذهب أمامنا الشافعي أنه يزكي عنه في البلد التي المال فيها؛ لأنه لا يجوز عنده نقل الزكاة، وعند الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد يجوز أن يزكي في أي بلد أراد؛ لأنهم يجوزون نقل الزكاة، والله أعلم. مطلب: أخذ المكوس هل يحسب من الزكاة ويقع عنها فيه تفصيل . (سئل) عما يقع من أخذ المكوس من التجار برا وبحرا، هل يكفي ذلك عن الزكاة؟ (أجاب) إن ما يقع في زمننا من أخذ المكوس، لا يكفي ذلك عن الزكاة؛ لأن غالب القابضين له نصارى، أو يهود، ولا يجوز دفع الزكاة لكافر، والسلطان نصره الديان لا يوليهم أخذها، ولا يذكره لهم، فإذا أخذها المكاس باسم الزكاة، فهو فضولي لا يصح قبضه لها، والغالب قصد الظلم حتى لو فرض أن رجلا تاجرا، قال لهم: أدفع لكم باسم الزكاة، لم يقبلوا منه ذلك، ويأنفون من ذلك، فإن فرض أن القابض مسلم، وشملت ولايته قبضها، وأخذها باسم الزكاة أجزأت، والله أعلم. مطلب: حال الحول على مال الزكاة ولم ينم وتنازلت أثمانه فهل يكلف بيعها بأبخس الأثمان ليؤدي الزكاة ؟ (سئل) عما لو حال الحول على مال التجارة، ولم ينم، وكان الزمن زمن كساد، فهل يكلف التاجر بيعها بالرخص، وعلى القول بأن الزكاة تتعلق تعلق شركة إذا باع مال التجارة بعد الحول، فهل يبطل البيع في نصيب الفقراء منها؟ (أجاب) لا يكلف التاجر بيع مال التجارة بالخسران، أو بجنس القيمة وله بيع مالها ولو بعد الحول، وإن قلنا تعلق الزكاة تعلق شركة؛ لأن زكاة التجارة تتعلق بالقيمة، وعبارة ابن حجر: هذا كله أي تعلق الزكاة تعلق شركة في زكاة الأعيان إلا التمر بعد الخرص والتضمين؛ لما مر من صحة تصرف المالك فيه. أما زكاة التجارة فيصح بيع الكل، ولو بعد الوجوب لكن بغير محاباة؛ لأن تعلق هذه الزكاة بالقيمة، وهي لا تفوت بالبيع، ولكن لو وهب، أو أعتق منها هو غير موسر، فإن باعه بمحاباة بطل البيع فيما قيمته قدر الزكاة من المحاباة، وإن أفرز قدرها. وأفتى الجلال البلقيني وغيره بأنه لا يكلف عند تمام الحول ببيع عروض التجارة بدون قيمتها، أي بما لا يتغابن به، كما هو ظاهر ليخرجها عنها لما فيه من الحيف عليه، بل له التأخير إلى أن يساوي قيمتها ويخرج منها حينئذ. انتهى. ولكن يبقى النظر في أنه كلما باع شيئا أخرج زكاته، وهذا عسر جدا، أو أنه إذا باع قدر الزكاة أخرجه، وهذا ظاهر سهل. بقي ما إذا كان على التاجر ديون وطلبت منه وطلبت الزكاة، فهل يقدم الديون أم الزكاة؟ الظاهر تقديمه الزكاة؛ لأن تعلق الفقراء بالزكاة أشد من تعلق الغرماء، والله تعالى أعلم. مطلب: الشريكان إذا أخرج أحدهما زكاة المال يكفي وإن لم يأذن الآخر إلخ (سئل) عن شريكين في مال تجارة، أو زرع، أو تمر، أو ماشية، فهل لأحدهما إخراج الزكاة، وإن لم يأذن له الآخر؟ (أجاب) نعم له الإخراج في جميع المال الزكوي. قال ابن حجر في آخر كتاب الزكاة: ولكل من الشريكين إخراج

стр. 109

زكاة المشترك بغير إذن الآخر وقضيته، بل صريحه أن نية أحدهما تغني عن نية الآخر، ولا ينافيه قول الرافعي: كل حق يحتاج لنية لا ينوب فيه أحد إلا بإذنه؛ لأن محله في غير الخليطين لإذن الشارع فيه، والقول بتخصيصه بالإخراج من المشترك مردود بأنه مخالف لظاهر كلامهم والخبر لأن الخلطة تجعل ماليهما كمال واحد وقضية قولهم لإذن الشارع فيه أن يرجع على شريكه، ومر في الخلطة، وزكاة النبات ما له تعلق بذلك، والله أعلم. (باب تعجيل الزكاة) مطلب: باب تعجيل الزكاة لو عجل رجل زكاة ماله قبل تمام الحول وانتقل لمحل آخر ماذا عليه إلخ؟ (سئل) في رجل دفع زكاة ماله قبل تمام الحول إلى مستحق، ثم انتقل الرجل المزبور إلى مكان هو وماله، فإذا تم الحول في ذلك المكان الذي انتقل إليه، فهل يجب حينئذ على الرجل الإخراج ثانيا، أو لا يجب حيث بقي الدافع من أهل الوجوب، والقابض من أهل الاستحقاق إلى تمام الحول، وهل في مثل ذلك كله زكاة البدن أو لا؟ (أجاب) صرح الرملي في باب تعجيل الزكاة بالإجزاء في الصورة المذكورة، وانتقاله هو ليس بشرط؛ لأن الغرض كون المال في غير بلد الإخراج؛ لأن الزكاة المعجلة يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها، وأخذ من ذلك الشبراملسي أن زكاة الفطر مثل زكاة المال، إذ لا يظهر فرق بينهما، وإن كان تردد في ذلك ابن قاسم رحمه الله تعالى ونفعنا به، والله أعلم. (كتاب الصوم) مطلب: كتاب الصوم. لو رأى هلال رمضان يوم الثلاثين من رمضان أو شعبان ماذا حكمه؟ الخ (سئل) فيما لو رؤي الهلال نهار الثلاثين من رمضان، أو شعبان، فهل يعمل بهذه الرؤية، ويجب الإفطار في الأول، والصوم في غد في الثاني؟ (أجاب) قال ابن حجر بعد قول المنهاج، أو رؤية الهلال بعد الغروب بعد أن ذكر منفيات لا يثبت بها رمضان، فعطف عليها قوله، ولا برؤية الهلال في رمضان وغيره قبل الغروب، سواء ما قبل الزوال وما بعده بالنسبة للماضي والمستقبل، وإن حصل غيم، وكان مرتفعا قدرا لولاه لرؤي قطعا خلافا للأسنوي؛ لأن الشارع إنما أناط بالرؤية بعد الغروب، ولما يأتي أن المدار عليها لا على الوجود، والله أعلم. مطلب: لو حكم حاكم مخالف لمذهب الشافعي بإثبات الرؤية مع اختلاف المطالع فهل يجب على الشافعي الصوم أم لا إلخ . (سئل) عما لو حكم حاكم مخالف لمذهب الشافعي بإثبات الرؤية مع اختلاف المطالع، فهل يجب علينا معاشر الشافعية الصوم بناء عنده على أنه إذا ثبت في مصر لزم في سائر الأمصار، ونحن لا نقول بلزومه إلا إذا اتحدت المطالع، وهل يجب علينا قضاء ذلك اليوم الذي حكم برؤيته الهلال، وهل القضاء فوري؟ (أجاب) نعم يجب علينا الصوم، ويجب قضاء ما أفطرناه بناء على إثبات المخالف، وعبارة ابن حجر في أول كتاب الصوم نصها:

стр. 110

إذا أثبت مخالف الهلال مع اختلاف المطالع لزمنا العمل بمقتضى إثباته؛ لأنه صار من رمضان حتى على قواعدنا أخذا من قول المجموع محل الخلاف في قبول الواحد ما لم يحكم حاكم بشهادة الواحد يراه، وإلا وجب الصوم، ولا ينقض الحكم إجماعا، ومن مقتضى إثباته أنه يجب قضاء ما أفطرناه عملا بمطلعنا، وأن القضاء فوري بناء على ما قاله المتولي وأقره المصنف والأسنوي وغيرهما، إذا ثبت أثناء يوم الشك أي ثلاثين شعبان، وإن لم يتحدث برؤيته أنه من رمضان لزمه قضاؤه فورا، كما يأتي انتهى، أي قضاء يوم الشك، والظاهر أن قول المجموع إجماعا أنه راجع للأمرين، أعني وجب، ولم ينقض، أي وجب الصوم إجماعا، ولم ينقض حكم الحاكم؛ لأن الحاكم إذا حكم في فصل مختلف فيه صيره متفقا عليهما إلا ما استثني مما ينقض فيه حكم الحاكم، كما ذكروه في القضاء، وليست هاتان الصورتان مما استثني، والله أعلم. مطلب: إذا حصل للصائم جراحة بسببها حصل له مشقة فأفطر ماذا عليه إلخ ؟ (سئل) عن رجل حصل له جراحة، وحصل له بسببها مشقة، فأفطر في رمضان، فما يترتب عليه شرعا؟ (أجاب) يجب عليه قضاء ما أفطره من أيام رمضان فقط، والله أعلم. (سئل) عما لو دل الحساب على كذب الشاهد في أول رمضان، أو آخره بأن شهد في الأول برؤية هلال رمضان، ودل الحساب على كذب الشاهد، وشهد في الثاني برؤية هلال شوال ودل الحساب على كذبه، فهل يجب في الأول الصوم، وفي الثاني الإفطار عملا بالرؤية المعلق بها الحكم في الإخبار وإلغاء الحساب لاحتمال الغلط فيه، أم لا يجب صوم في الأول، ولا إفطار في الثاني عملا بالحساب؛ لأنه مبني على قواعد وضوابط، وأهله حرروه، ونسبة الغلط إلى الشهود أولى من نسبته إلى الحساب، أم يفصل، فيجب الصوم، ولا يجب الإفطار احتياطا للعبادة فيهما؟ (أجاب) اعلم أن هذه المسألة وقع فيها خلاف بين علماء أهل المذهب مثل الأذرعي والسبكي والأسنوي وغيرهم، وتبعهم خلق كثير، فمن ذاهب إلى العمل بالحساب وإلغاء الشهادة مطلقا كالسبكي، ومن ذاهب إلى قبولها وإلغاء الحساب مطلقا عن أن يكون أهل الحساب بلغوا عدد التواتر أم لا، والذي اختاره ابن حجر وغيره هو أنه إن اتفق أهل الحساب على أن مقدماته قطعية، وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة، وإلا بأن اختلف أهل الحساب في مقدماته بين كونها قطعية وظنية، بأن قال بعضهم: إنها قطعية وبعضهم بأنها ظنية، أو قالوا جميعا إنها ظنية، أو لم يبلغوا عدد التواتر فالعمل بالشهادة هذا ظاهر كلامهم في أول رمضان، والذي يظهر جريان مثله في أول شوال فيعمل بالحساب إذا وجدت شروطه الثلاث، وبالشهادة إذا انتفى أحد منها، وكل هذا مع استيفاء الشهود الشروط المعتبرة، وصحة الضبط، وصحة النظر
следующие страницы →