← Фикх шафии

Фикх шафии · id 8648

فتاوي الخليلي على المذهب الشافعي

محمد الخليلي

Полный текст (525 стр.). Показаны 491–525 · переход к 496.

стр. 491

مكانه آخر وفي رواية: فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم فعند ذلك تقوم الساعة، فإذا سمعت ما ذكر من الأحاديث وكلام السلف والأخبار الدالة على ذلك، وعلى وجود هؤلاء السادات الكرام الأخيار علمت أنه لا التفات لقول المنكر لذلك الزاعم أنه ليس له أصل في السنة، ولأن من خصائص نبينا ﷺ أن جعل الله تعالى في أمته أقطابا وأوتادا ونجباء وبدلاء دون غيرهم من الأمم السابقة، وقد سئل العلامة القاضي زكريا رحمه الله تعالى عن شخص ادعى أن القطب ليس له وجود في زمن من الأزمنة ولا ثم شيء يقال له القطب، فهل هذه الدعوى صحيحة فأجاب رضي الله تعالى عنه أن القطب موجود في كل زمن كلما مات قطب أقام الله تعالى مقامه آخر نفعنا الله تعالى ببركاتهم وهذا أمر مشهور فالمنكر لذلك محروم من بركة الأقطاب، مبعود من درجة الأحباب والله الموفق والهادي للصواب. (باب مسائل منشورة) مطلب (سئل) هل سهى رسول الله ﷺ إلخ (سئل) هل سهى رسول الله ﷺ ؟ وما حكم سهوه؟ (أجاب) ذكر بعضهم نظما فقال: يا سائلي عن رسول الله كيف سهى ... والسهو من كل قلب غافل لاهي قد غاب عن كل شيء سره فسها ... عما سوى الله فالتعظيم لله والله تعالى أعلم. مطلب (سئل) عمن قال اللهم صل على محمد عدد خلقه إلخ (سئل) عمن قال: اللهم صل على محمد عدد خلقه مثلا، فهل تتعدد له الصلوات كذلك أو يحصل له ثواب صلاة واحدة؟ (أجاب) قيل: إن الصلوات تتعدد بعدد صلوات صلاها عدد الخلق، وقيل: لا تتعدد بل له ثواب صلاة واحدة، وكان ابن عرفة المالكي يقول: يحصل له من الثواب أكثر من ثواب من صلى واحدة لا ثواب من صلى تلك الأعداد قال: ويشهد له خبر من قال: سبحان الله عدد خلقه من حيث دلالته على أن للتسبيح بهذا اللفظ مزية وإلا لم تكن له فائدة. انتهى. وأقول: ليس الحديث مقصورا في الدلالة على قول ابن عرفة فقط، بل يدل للأول أيضا، ويشهد بذلك قاعدة الشافعي رضي الله تعالى عنه المشهورة وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال نزلت منزلة العموم في المقال المحمول على الوقائع القولية بخلاف الوقائع الفعلية، فإنها لا تعم وعليها عمل قاعدته الثانية وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال. ولكن له قاعدة أخرى، وهي أن الحمل على المتيقن واجب ويمكن أن ينزل؛ لأن في شرب الأب إلقاء النفس أي إلقاء نفس الأب إلى التهلكة أي يهلك فالابن يموت عطشا والأب يموت أسفا وحزنا على ولده، بخلاف الابن إذا شرب إلا ومات الأب عطشا فلا يتأثر بذلك تأثر الأب، وتأمل

стр. 492

قصة قرقوش مع الولد وأبيه هذا ما يفهم من العبارة من حيث المراد، وإلا فلا تخلو عن علاقة وسقط بعض ألفاظ منها والله أعلم. مطلب هل يجب على العالم أن يجيب عن كل مسألة سئل عنها إلخ (سئل) هل يجب على العالم أن يجيب عن كل مسألة سئل عنها؟ (أجاب) لا يجب عليه إلا بأربعة شروط: الأول أن يسأل السائل عما يجب عليه. الثاني: أن يخاف فوات النازلة. الثالث: أن يكون المسئول عالما بحكم الله تعالى في تلك النازلة إما بجتهاد إن كان مجتهدا، أو بنص أمامه أن كان مقلدا. الرابع: أن يكون السائل والمسئول بالغين وبحث بعضهم وصوب الجواب على البالغ المستوفي الشروط إذا سأله الصغير المأمور باالصلاة بما لايفعله ليتعلمه، وزاد بعضهم خامسا: وهو كون المسئول عنه عملا دينيا لا ماليا ولا اعتقاديا. قال بعضهم: وليس بشيء وعند استيفاء الشروط يجب الجواب والتعليم كفاية إن كان هناك غيره، وعينا إن لم يكن قلت: الظاهر أن الكتب أن توقف التعليم عليه له حكمه، وحيث وجب الجواب لم يجز له أخذ الأجرة عليه وإلا قفال الزياتي: جاز له أخذها انتهى. اللقاني من شرح العقيدة الكبير وأقول: الظاهر أن الكتابة لا تجب مجانا بل بأجرة المثل بقي شيء وهو أن المسألة قد تحتاج إلى مراجعة وعمل كثير كما في مسائل المناسخات، فالظاهر أن له أخذ الأجرة على المراجعة والعمل المذكورين. وأما الورق فعلى السائل وكذا الحبر والقلم، والله تعالى أعلم. مطلب سئل عن أول من ضرب الدراهم إلخ (سئل) عمن ضرب الدراهم والدنانير أولا؟ (أجاب) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن كعب قال: أول من ضرب الدنانير والدراهم آدم ﵇، وأما الفلوس فالتعامل بها قديم كما يؤخذ من اللغة وأول من اتخذ ألسنة الموازين من الحديد عبد الله بن عامر بن كريم، والله تعالى أعلم. مطلب عمن مات من أطفال المؤمنين إلخ (سئل) عمن مات من أطفال المؤمنين من ذكور وإناث، وعن البله أيضا ولم يتزوجوا في الدنيا، فهل يتزوجون في الجنة؟ (أجاب) لا ريب أن كل مولود نفخ فيه الروح من ذكر أو أنثى يبعث يوم القيامة وإذا بعث الخلق ودخل المؤمنون الجنة كانوا على سن واحد وقدر واحد ولا ريب أن الزواج في الجنة بمعنى التمتع هو من جملة نعيم الآخرة الذي يكون لأهل الجنة جميعا، ولا ريب أن الأحاديث صرحت ولوحت وشملت وعمت أن كل واحد من المؤمنين يزوج في الجنة صغيرا كان في الدنيا أو كبيرا؛ أخرج الترمذي وصححه البهيقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول زمرة تدخل الجنة وجوهم كلقمر ليلة البدر، والزمرة الثانيه كأحسن كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلية يرى مخ ساقها من وراء الحلل". وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أول زمرة تلج

стр. 493

الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم اللؤلؤ ورشحهم المسك، لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم، ولا تباغض بينهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا". وقد سئل بعضهم عن أطفال المؤمنين الذين لم يتزوجوا في الدنيا هل يتزوجون في الآخرة؟ فأجاب أن ظاهر الأحاديث يدل على أنهم يتزوجون، وكذلك البنات اللاتي متن أبكارا يتزوجن أيضا في الجنة من أهل الدنيا؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنهم تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال: ألم يقل رسول الله ﷺ : "ما في الجنة أحد إلا له زوجتان إنه ليرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة ما فيها عزب" وفي رواية "ليس في الجنة أعزب، وفيهما لكل من أهل الجنة زوجتان اثنتان أي من الأدميات سوى ما له من الحور العين كما صرحت بذلك رواية أبي يعلى والبيهقي فيدخل الرجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله واثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأهن الله بعبادتهما في الدنيا، وشمل عموم أحد وأعزب البله والمجانين وغيرهم، بل في ظواهر كثير من آيات القرآن ما يدل لذلك﴾ لهم فيها أزواج مطهرة ﴿والله أعلم. مطلب في رجلين أسرهما الإفرنج إلخ (سئل) في رجلين أسرهما الإفرنج، ثم إن الله تعالى حنن عليهما رجل إفرنجي اشتراهما من الذين أسروهما، وجعل عليهما مالا وأمسك واحدا، وقال للآخر: اذهب أنت هات المال الذي عليكما، وهذا يبقى هاهنا إلى أن ترسل المال الذي عليك والذى عليه، والحال أنهما فقراء، فهل يجب على المسلمين فكهما بالمال الذي صار عليهما؟ (أجاب) قال الله تعالى ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ وقال ﷺ فيما رواه أحمد والبخاري عن أبي موسى الأشعري "فكوا العاني -أي الأسير-، وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض" فحيث كان الرجل الأسير فقيرا فيعطى من الزكاة ما يفدي نفسه، ومن أموال بيت المال كالفيء والغنيمة، فإن لم يوجد فيه شيء أو كان ومنع متوليه فعلى أغنياء المسلمين؛ لأنه من باب التعاون على المعروف ودفع ضرر المسلمين، والله تعالى أعلم. مطلب في طوائف النصارى إلخ (سئل) في طوائف النصارى أخذهم الله تعالى وذلك أنهم يشهرون الخمور والأنبذة المسكرة في ديار الإسلام بين أظهر المسلمين خصوصا محروسة عكا حماها الله تعالى، ويظهرون شربها، ويتجاهرون بذلك وينقلونها في الأسواق والطرق جهارا، ويؤذون بذلك المسلمين، وأنهم يظهرون الخنزير وزبحها بين أظهر المسلمين جهارا، ويمرون بلحومها في الأسواق والطرقات، وإنهم يظهرون الأكل والشرب والقهوة والدخان في شهر رمضان في الأسواق والطرقات

стр. 494

فهل يجب على ولاة الأمور أن يعاملوهم بما يوافق الشرع القويم ويمنعوهم مما يخالفه يكون ذلك من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر المأمور به في قوله تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ المذموم تاركه بقوله تعالى ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وصح أنه ﷺ قال: "لتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده". وقال ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" الحديث. وهل يثابون على ذلك وكذلك يجب على كل من قدر على زواله أن يزيله، ويثاب على ذلك وهل إذا عضدهم أحد من المسلمين وأقرهم وعارض من يريد زوال المنكريؤدب بما يليق به أو كيف الحال؟ (أجاب) الحمد لله وحده والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده وممن أنزل القرآن نستمد التحرير والإتقان قال الله تعالى ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ والله تعالى غني عن النصر إنما النصر لدين الإسلام، وفي الحقيقة إنما النصر لنا معشر الإسلام وإذا تأملت أحوال رسول الله ﷺ وأحوال أصحابه ظهر لك من أين كان يأتي لهم النصر، وذلك بأنهم كانت لا تأخذهم في الله لومة لائم مع قلتهم وقلت ما بأيديهم من المال والسلاح والخيل والعدة مع ما نحن عليه الآن معاشر الإسلام من الكثرة والأموال والخيول والعدة وغير ذلك مع قلة الفتوح واستيلاء أهل الكفر علينا وكسر قلوب أهل الإيمان مع جبر قلوب أهل الصلبان فتأمل قول الله تعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ تجد الرعب في قلوب من يدعي الإسلام أشد من قلوب الكافرين كأنه لعدم الإيمان فاعلم وفقك الله تعالى أنه يجب على ولاة الأمر أيدهم الله تعالى أن يمنعوا جميع أهل الذمة من نصارى ويهود وغيرهما من إظهار الخمر والناقوس والخنزير والأكل في رمضان ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يبيعهم طعاما أو يمكنهم منه في رمضان، وأما فيما بينهم فلا تمنعهم من ذلك، ويراق عليهم المسكر إذا أظهروه وكل ذلك لا ريب أنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأصل ذلك للسلطان ونوابه أيدهم الله تعالى، فمتى وجدوا كان الأمر منوطا بهم وإلا فعلى أهل الحل والعقد من العلماء والصلحاء والكبراء المنع من ذلك بالمعروف، ويجب على كل مسلم ودعهم وزجرهم عن ذلك لقوله تعالى: ﴿كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾. وأخرج أبو داود: أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: ما هذا اتق الله ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه

стр. 495

ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وقال تعالى: ﴿والمؤمنين والمؤمنات بعضهم من بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ قال الغزالي: أفهمت الآية أن من هجرهما خرج من المؤمنين. وقال القرطبي: جعلهما الله تعالى فرقا بين المؤمنين والمؤمنات. وقال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ وأخرج مسلم وغيره عن ابن مسعود: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". وأخرج أبو داود واللفظ له والترمذي وقال: حسن غريب وابن ماجه: "أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر". وروى الأصبهاني: "أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم". إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايدفع رزقا ولا يقرب أجلا وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله تعالى على لسان داود وعيسى ابن مريم، ثم عموا بالبلاء، ولا ريب أن المنكر للمعاصي والمغير لها من ولي الأمر وغيره مثاب الثواب الجزيل، والمعين لهم شريك في الثواب إن أعانهم عليه، وفي العقاب إن أعانهم على المعاصي. وروى الأصبهاني: لاتزال لا إله إلا الله تنفع قائليها، وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها قالوا: يا رسول الله وما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله فلا تنكر ولا تغير. وذهب جماعة منهم أحمد رحمه الله تعالى أن ترك الإنكار بالقلب كفر، والله تعالى أعلم. مطلب في مقدار مكث عيسى في الأرض كم كان إلخ (سئل) في مقدار مكث عيسى في الأرض كم كان وقولهم: إنه كان ثلاثا وثلاثين سنة هل هو صحيح أو لا؟ وإذا قلتم بصحته يشكل بأن النبوة لا تكون إلا بعد الأربعين؟ (أجاب) نقل في سبل الرشاد عن زاد المعاد أن ما يذكر أن المسيح رفع وله ثلاث وثلاثون سنة لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه. قال الشامي: والأمر كما قال والأحاديث الصحيحة تدل على أنه رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة انتهى ملخصا. والذى وقع لابن حجر في شرح الهمزية ولما رفع عيسى إلى السماء كان سنها أي مريم ثلاثا وخمسين سنة، وبقيت بعده خمس سنين، وحين حملت به كان سنها عشر سنين بناء على القول الضعيف، فإذا قلنا بالصحيح المار اندفع الإشكال، وإذا قلنا بالضعيف الذي ذكره ابن حجر يكون على قول من لا يشترط في النبوة بلوغ الأربعين والله أعلم. مطلب فيما قتل نبينا أو قتله نبي إلخ (سئل) فيما قتل نبينا أو قتله نبي فهل هو كافر، أو من أهل النار؟ (أجاب) روى الإمام أحمد عن

стр. 496

ابن مسعود: أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا، أو قتله نبي أو رجل يضل الناس بغير علم أو مصور يصور التماثيل. وقال الله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بأيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾ ولا ريب أن قتل الأنبياء يقتضي عدم الإيمان بهم المقتضي ذلك لكفر القاتل، ولأن النبي ﵊ لا يقتل إلا مهدر الدم إجماعا لعصمته، فدل على كفر المقتول للأنبياء، وكفر قاتلهم كما ظهر لك والله أعلم. مطلب فيما يقوله العامة عند محاوراتهم فيقولون: صلوا على النبي إلخ (سئل) فيما يقوله العامة عند محاوراتهم فيقولون: صلوا على النبي، وكذلك الفران إذا خبز للإنسان عجينا يقول لصاحب الخبز: صل على النبي يفهمه أنه لم يبق له شيء، وكذا عند عرض السلع على البيع، وعند خروج الإنسان من الحمام يقول الحمامي: صلوا على النبي، وكذلك الشعراء في ابتداء شعرهم وفي أثنائه وآخره صلوا على النبي، وكذا عند غضب شخص يقول له جليسه: صل على النبي، وكذا إذا رأى شيئا تعجب منه لحسنه كآدمي وجمل وفرس وغيره من الحيوانات يقول القائل: صلوا على النبي، بل يعتقدون أن الصلاة تدفع العين وكذا ذكرها في الأماكن المستقذرة فهل ذلك جائز؟ (أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن الصلاة على النبي ﷺ مجمع على طلبها بالكتاب والسنة وجوبا واستحبابا أما وجوبا فعندنا في التشهد الأخير، وعند كل ما ذكر ذهب إليه من الأئمة ذاهب، وفي كل مجلس مرة، ولو تكرر ذكره حكاه الزمخشري وكذا حكى أنها تجب في كل دعاء. وأما استحبابها فلا كلام فيه، ولكنها تتأكد في مواضع منها عقب الأذان، ومنها أول الدعاء وأوسطه وآخره، ومنها عقب دعاء القنوت، ومنها عند دخول المسجد والخروج منه، ومنها في صلاة الجنازة، ومنها عند التلبية وعند الصفا والمروة، ومنها عند الإجماع والتفرق، ومنها عند الصباح والمساء، ومنها عند الوضوء، ومنها عند طنين الأذان، ومنها عند نسيان الشيء، ومنها عند زيارة قبره الشريف، واعلم أن الآتي بها على قصد تعظيمه ﷺ أو التبرك بها، ودفع غضب من غضب، أو إغاظة منافق أو كافر، أو دفع ضرر عين عائن فهذا كله مستحب لا نعلم فيه خلافا. وأما عند التعجب من شيء كفرس وجمل وشيء من المتاع فلا ضرر في الإتيان بها كما ذكره الحليمي من أئمتنا، بل لو قيل بستحبابه قياسا على سبحان الله فإنها وردت للتعجب كثيرا في الأحاديث، وخرجها النووي في أذكاره، وكذا لا إله إلا الله أي تأتي للتعجب نادرا ولغيره، ووجه استحبابها عند التعجب أنه ﷺ عرفنا حقائق الأشياء في الكتاب والسنة كقوله: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ فإذا قالها الإنسان تعجبا من شيء فكأنه يقول ﷺ الذي عرفنا حقائق هذه

стр. 497

الأشياء قال الحليمي: فإن صلى عليه عندما يستقدر أو يضحك منه فأخشى على صاحبه الكفر، فإن عرف أنه جعلها عجبا، ولم يجتنبه كفر انتهى. ونظر فيه القونوي قال بعض المتأخرين من أئمتنا: والذي يتجه أنه لا بد في الكفر من قيد زائد على ذلك ربما يومئ إليه كلامه، وهو أن يذكرها عند المستقذر أو المضحوك منه بقصد استقذارها وجعلها ضحكة فيفرح انتهى. ولا أظن أحدا من أهل الإسلام ممن عرف قدره ﷺ يوردها على هذا الوجه، ولكن جزم البدر العيني من الحنفية بحرمتها كالتسبيح والتكبير عند عمل محرم أو عرض سلعة أو فتح متاع انتهى. أما عند العمل المحرم كالزنا والسرقة فنقول به، وأما عند عرض السلعة أو فتح المتاع فلا مانع منه لما عملت أن قائل ذلك إما متعجب ولا منع منها له، وإما متبرك فكذلك ومثل ذلك ما يقع من فران وحمامي وشاعر في اول شعره أو آخره وكذلك قول القائل لجليسه: صل على محمد ومثل ذلك في المحاوات، وكذلك لدفع العين أو عند غضب شخص فإنها إنما تقال بمقاصد صالحة وهي التبرك، ودفع ضرر العين، ودفع الغضب، واستجلاب الصلح، وترقيق القلب، والترحم من المخاطب فلا بأس من ذكرها في هذه المواطن كلها. نعم ينبغي أن تصان عن الأماكن المستقذرة؛ لأنها كالقرآن قال الإمام النووي: ولا يؤمر بها عند الغضب خوفا أن يحمله الغضب على الكفر انتهى. وينبغي أن يقيد ذلك بأحمق أو جاهل لا يعرف قدر رسول الله ﷺ ، أما العارف والكامل فلا مانع من ذكرها له عند غضبه فإنها تحمله على الرجوع عن الغضب والله تعالى أعلم. مطلب فيما يقع في هذا الزمن في بعض القرى إلخ (سئل) فيما يقع في هذا الزمن في بعض القرى والأعراب أن الرجلين مثلا يقع بينهما نزاع في أمر ما، فيطلب أحدهما الشرع القويم، فيقول الثاني: أنا فرعي لا شرعي أو نحن لا نعرف إلا الفرع أو دعائم العرب أو دعائم الفلاحين أو هذه المسألة لا توجد في الشرع، أو ليس لها الشرع ما لها إلا قاضي العرب. وسمعت من بعضهم يقول: أن الدم هذا ليس في الشرع ولا له حكم إلا عند قاضي العرب. ولهم ألفاظ كثيرة مثل هذه وما قاربها، وجميع أهل هذه القرى عندهم هذا الأمر مشهور، وكل واحد منهم يقول به، فهل هم كفار مرتدون بذلك؟ وهل يجب قتالهم حتى يرجعوا للحق الحقيق؟ وهل يجب على كل مسلم سمع منهم ذلك الإنكار عليهم ومنعهم منه، وبعض هؤلاء يستحسن حكم قاضي العرب على حكم الشرع، ومع ذلك يغرمون لهذا الفاسق المبتدع المغير للشريعة الغراء مالا كثيرا، وتسمح نفوسهم ببذله دون ما يعطى لقاض أو مفت على بيان الحكم الشرعي أوضحوا لنا جوابا شافيا عن هذه المسألة. (أجاب) اعلم أن هذه الألفاظ وما شابهها لا تصدر عن قلب مؤمن

стр. 498

بالله واليوم الآخر عالم بأن الشرع ما شرعه الله تعالى في كتابه القويم المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بأقصر سورة من سوره، أو ما بينه محمد ﷺ بالوحي المنزل عليه من السماء قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ فكل مسلم دعي لشريعة محمد ﷺ ، ولم يرض بها فهو كافر ملعون مخلد في النار يحشر مع عبدة الأوثان والأصنام، وليس له في الإسلام من نصيب؛ لأن الإيمان هو التصديق والإذعان لما علم من دين محمد ﷺ ، فمثل هؤلاء الذين يقع منهم مثل هذه الألفاظ، وإن وجد منهم التصديق لكن لم يوجد منهم الإذعان الذي هو عبارة عن الاستسلام والانقياد إلى جميع الأحكام الشرعية، فمن لم يذعن لها فهو كافر، وهذا النوع كان كثيرا في زمن رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ ومع ذلك فهم كفار إجماعا، وتأمل قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ فإنك تجد هذه الآية صريحة في كفر هؤلاء الجماعة بلا شبهة، بل وكثير من العامة كذلك بل بعض أهل العلم كذلك فإنك قل أن تجد إنسانا يحكم عليه بالرجم أو بقطع اليد في السرقة إلا ويجد في نفسه حرجا وعدم تسليم، وقال الله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ فلا شك أن دعائم العرب والفلاحين هي حكم الجاهلية أو مما ألقاه الشيطان لهم وزينه فلا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر العمل بها أو العدول إليها عن الشريعة الغراء المطهرة التي هي خير الشرائع. وقد روى الحاكم عن أبي هريرة: تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله العزيز، وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض. فلا شك أن هؤلاء قد سلبوا من الدين كما تسلب الشعرة من العجين، فكيف يسوغ لعاقل أن يدعى لله ورسوله في حكم فيعدل عن ذلك الحكم إلى حكم أعرابي جهنمي أو فلاح ملعون مطرود مبعد عن الله ورسوله يحكم له برأيه فلعنة الله على هؤلاء وأحزابهم، ومن يقول بقولهم، ومن يرضى بما يرضونه فوالله لهم أخس حالا من الجاهلية؛ لأنهم كانوا معذورين لعدم وجود الشرع القويم، ولهذا لم يؤاخذهم الله تعالى قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. وأما بعد وجود الشرع فالناس قسمان: إما مؤمن مصدق تجري عليه الشرائع، وإما كافر معاند وهؤلاء من هذا القسم إذ لا نظر لكونهم لا ينطقون بالشهادتين، ألا ترى من ألقى مصحفا في قازورة أو علما شرعيا أو فتوى علم على الأرض مع قوله: أي شيء هذا العلم كافر وإن نطق بهما، ولا شك أن شريعة محمد صلى

стр. 499

الله عليه وسلم معلومة من الدين بالضرورة إذ هي الدين القويم، وقد جزم ابن السبكي بأن الحكم المجمع عليه المشهور بين الناس المنصوص عليه، ومثله المحل بحل البيع يكفر منكره على الأصح لإشعاره بالتكذيب. وقد أجمعوا على أن من أنكر ما هو معلوم من الدين كفر ووجب قتله إن لم يتب؛ لأن إنكاره يستلزم تكذيب النبي ﷺ فيه. والمعلوم بهذا المعنى هو ما يعرفه الخواص والعوام من غير قبول للتشكيك فالتحق بالضروريات كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنا والخمر، بل قال الشهاب في قواعده: ولا يختص ذلك بالواجبات والقربات والمحرمات، بل لو حجر بعض المباحات بالضرورة كما لو قال الله تعالى لم يبح التين والعنب انتهى. فيكفر بذلك وفيه نص الأئمة على أن نافي الإسلام كلا أو بعضا كنافي بعثة محمد ﷺ مخطئ آثم كافر عند الأشعرية بشرط تكليفه وبلوغه الدعوة، وعند المعتزلة بعد تأهله للنظر فقط، ولا ينفع تأويله ولا اجتهاده ويدخل في نافي الإسلام نافي ما ثبت من قواعده بدليل العقل مع دليل السمع كما في توحد الباري تعالى بالقدم بأن القدم لله لا لا ونحوها، ونافي ما ثبت بدليل السمع وحده كنا في الحشر والجزاء ونحوهما مما علم كونه ضرورة، ولا شك أن هؤلاء الطائفة نفوا الإسلام كلا أو بعضا، فهم كفار بلا مرية ولا تردد عندي في ذلك ولا لكل مسلم يعلم محاسن الشريعة الغراء ومواقع القرآن العظيم. غاية الأمر أنه ينبه عليهم ويعرفون حكم الله تعالى في هذه العبادة الواقعة منهم فإن تأبوا ورجعوا ورضوا بحكم الله ورسوله ساروا مسلمين بذلك وإلا فهم كفار يجب على مولانا السلطان قتالهم وسلب أموالهم وتكون فيئا لبيت مال المسلمين كأموال المرتدين. وقد قال الصديق لبعض الأعراب على أقل من هذه لمرتبة وهو منعهم الزكاة، وقال: لو منعوني أعناقا كانوا يدفعونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم. وقد نص أئمتنا على أن من امتنع من إظهار شعار الصلاة يقاتل، وعبارة المنهاج مع ابن حجر: فإن لم يظهروا الشعار كما تقرر بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم كل أهل محلة من قرية كبيرة ولم يظهروا الشعار إلا بهم قوتلوا أي قاتل الممتنعين الإمام أو نائبه لإظهار هذه الشريعة العظيمة، ويظهر على أنه لا يجوز له أن يفاجئهم بالقتال لمجرد الترك كما يومئ إليه قوله فإن امتنعوا بل حتى يأمرهم فيمتنعوا من غير تأويل أخذا مما يأتي في ترك الصلاة نفسها انتهى. وذكر ابن حجر في باب الأذان بناء على القول بأن الأذان فرض كفاية قال: وهو قوي، ومن ثم اختار جمع أنه يقاتل أهل بلدة تركوا الأذان والإقامة أو أحدهما بحيث لم يظهروا الشعار، ففي بلدة صغيرة يكفي بمحل واحد وكبيرة لا بد من محال نظير ما يأتي في الجماعة، والضابط

стр. 500

بأن يكون بحيث يسمعه كل أهلها لو أصغوا إليه، وعلى القول بأن الأذان والإقامة سنة لا قتال. وقال شيخ الإسلام في شرح الروض: فيقاتل الممتنعون أي يقاتلهم الإمام أو نائبه عليها أي على ترك الجماعة كسائر فروض الكفايات حتى يظهر الشعار أي شعار الجماعة الخ. فإذا كان السلطان يقاتل على ترك فرض الكفاية فعلى إنكار الشرع من أصله أولى بل لهم أوجه كثيرة يقاتلون عليها من عدم إرث النساء وأخذ مهورهن وخروج نسائهن كاشفات الوجوه في الأسواق، فإن استحلوا ذلك أي عدم إرث النساء وما بعده كفروا، وقد نص الأئمة على كفر من استباح الزنا واللواط أو الفرض قاعدا مع قدرته على القيام كما صرح به النووي وغيره أو الخمر، وما يوضح هذا المقام ما ذكر اللقاني في شرح عقيدته الكبير ما نصه، ومما يوضح هذا المقام أن من أنكر ما عرف بالتواتر فإن لم يرجع إنكاره إلى إنكار شريعة من الشرائع كإنكاره غزوة تبوك ووجود أبي بكر وعمر وقتل عثمان وخلافة علي رضي الله تعالى عنهم وغير ذلك مما علم بالنقل ضرورة، وليس في إنكاره جحد شريعة لا يكون إنكار ذلك كفرا؛ إذ ليس فيه أكثر من الكذب والعناد كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل ومحاربة علي رضي الله تعالى عنه من خالفه نعم إن اقترن بذلك اتهامه للناقلين، وهم المسلمون أجمع كفر كما في الشفاء وغيره لسريانه إلى إبطال الشريعة، وليس هذا كمنكر أصل الإجماع؛ لأنه لا يتهم جميع المسلمين بل ولا بعضهم، وإنما ينكر اجتماعهم وتوافقهم على شيء، وإن رجع إنكاره إلى إنكار قاعدة من قواعد الدين، أو حكم من أحكامه كإنكار الخوارج حديث الرجم كفر؛ لأنه حكم من أحكام الشريعة مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، وإن أنكروا قصته واعترفوا بأن الرجم ثابت في هذه الشريعة بدليل آخر لم يكفروا ما لم يقترن اعترافهم بمنكر كمنكر إباحة التين يكفر ككفر من أنكر كون الإباحة حكما شرعيا. وعبارة ابن حجر يعترض على قول بعض الحنفية من أنكر حلالا أو حراما كفر إلخ لاخصوصيته لهما بذلك، بل أنكر حكما من الأحكام الخمسة الواجب أو الحرام أو المباح أو المندوب أو المكروه من حيث هو كأن أنكر الوجوب من حيث هو والتحريم من حيث هو وكذا الباقي كافرا قلت: وأحترز بقيد الحيثية عن إنكارها من حيث متعلقتها فإنها لا بد فيها من العلم الضروري على ما مر انتهى. فهذا نص صريح في أن من أنكر حكما من الأحكام الخمسة يكفر فكيف بمن أنكر الشريعة كلها أو قال: لا أعرفها أو قال: أنا فرعي لا شرعي أو قال: لا نعرف الشرع، أو قال: لا نعرف إلا دعائم العرب، أو دعائم الفلاحين ويعني بالدعائم الأمور المتعارفة بينهم التي خالفت الشرع قطعا التي من جملتها عدم إرث النساء

стр. 501

وأخذ مهورهن، ومن جملتها أن الرجل يتزوج ابنة رجل ويزوجه الثاني ابنته، فإذا ماتت واحدة منهما أو لا رجع زوجها على زوج ابنته بمال معروف عندهم، ومن جملتها أن المرأة إذا مات زوجها ولها قريب أي قريب كان فيريد أخذها ولها أولاد فتريد البقاء على أولادها لكونهم صغارا ولا تريد فراقهم فيأبى قريبها ذلك حتى تبذل هي من مالها أو مال أولادها الأيتام مهرها له، فبعد ذلك يتركها وإلا فرق بينها وبين أولادها، وقد شاهدنا ذلك كثيرا، وقال ﷺ : "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة. ومن جملتها أن يكون تحت الرجل منهم أرض وقف أو لبيت المال أو مما أقطعه السلطان لأحد من الجند يزرعها، ثم يفارق البلد ويغيب مدة طويلة فيضع بعض الناس يده عليها ويغرس بها شجرا فيريد الأول رفع يد الثاني المقر على الأرض من المتكلم عليها، فيرفعه لقاضي العرب أو الفلاحين ليحكم له بها، ومن جملتها الاكتفاء برجل واحد في جميع الأمور حتى في الزنا والقتل، ومن جملتها أن الرجل منهم يعمل للشاهد مالا كثيرا ليشهد فيرجع على خصمه به، ومن جملتها أن الرجل يجعل جعلا يسمى عندهم حلاوة لمن يخبره عن السارق مثلا فيرجع به على السارق، ومن جملتها أنهم يغرمون السارق أربعة أمثال المسروق، ومن جملتها أنهم يحلفون كل متهم في شيء أربعة وأربعين كلمة ومعه خمسة من الرجال يزكونه، ومن جملتها أنهم يحلفون المتهوم على شيء بحضرة النبي أو ولي، ولكن يركب الحالف فوق القبر. وفي خبر مسلم أنه ﷺ قال: "لأن يجلس أحدكم علىجمرة فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر". وعبارة النووي في شرح مسلم في حديث: "لأن أمشي على جمرة أو سيف الخ. نصها القعود على القبور حرام والمراد بالقعود الجلوس عليه هذا مذهب الشافعي والجمهور من العلماء. وقال مالك: المراد بالقعود الحديث وهذا التأويل ضعيف أو باطل، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس، ومما يوضحه قوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور". وفي الرواية الأخرى: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" فكذلك قال أصحابنا: تجصيص القبور مكروه، والقعود عليها حرام. وكذلك الاستناد إلى القبر والاتكاء عليه، وبه تعلم أن قبور الأنبياء التي يظهر فيها عدم الخلاف والجزم بالحرمة، ومن جملتها أن بعض الأعراب يأخذ المرأة من غير انقضاء عدة، وإذا مات زوجها أو طلقها وأراد إنسان منهم يأخذها يأتي بشاة ويذبحها عند باب بيتها ويسمونها بشاة الحليلة أي حللت المرأة للزوج الثاني ولو قبل انقضاء عدتها، ومنهم من يدفع قشه أو عودا أو بعيرا ويكون ما ذكره قائما مقام العقد والشهود والولي إلى

стр. 502

غير ذلك من الضلالات التي لا تخفى وقد سئل ابن عبد العال الحنفي بما صورته في عرب البوادي نحو عرب السعادنة وبني عطية إذا طلق أحدهم امرأته، أو مات زوجها تزوجها آخر بعده بنحو جمعة أو أقل من ذلك لا يعتدون مطلقا ويستحلون ذلك، وإذا توفي أحدهم عن عشر بنات مثلا وله ابن عم أو نحو ذلك لم يورثوا البنات مطلقا، ويرثه ذلك الرجل ويستحلون ذلك ويقولون بالجهة، وهو أن أحدهم إذا حلف قال: وحياة ربنا هذا الأخضر ويشيرون إلى السماء ويعتقدون ذلك، وإذا قيل لأحدهم: بعث في هذا الزمان نبي صدق ولم يتوقف ولا يؤمنون بالبعث والنشور، وإذا قيل لأحدهم أيضا: إن ربنا يحيي الخلق بعد موتهم ويحاسبهم على الصلاة وغيرها فيقولون: لا ندري ولا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ودأبهم الفساد في الأرض وقطع الطريق فما حكم الله تعالى فيهم؟ وما يجب عن الإمام في حقهم شرعا؟ (أجاب) من استحل حكم ما علم أمر حرمته في دين نبينا محمد ﷺ فهو كافر، ثم ينظر بعد ذلك إن تاب ورجع تقبل توبته، وينبغي لولاة الأمور أن يعملوهم الأحكام لاحتمال أن يكون فعلهم للجهل، فإن لم يرجعوا حل قتلهم وأخذ أموالهم، ثم ينظر في حال نسائهم إن كن مؤمنات مكرهات لا ذنب لهن ويعلمن الأحكام، فإن لم يتبن حل سبيهن وبيعهن كالحربيات، ويجب على الأعراب تعلم الأحكام فإن الأعراب أهل جفاء بخلاف العرب؛ فإن الله تعالى ذم الأعراب وهم أهل البادية، فإن قطعوا الطريق وأخذوا الأموال وقتلوا الأنفس فللإمام أن يقطع أيديهم وأرجلهم إن أخذوا قبل التوبة وكانوا مؤمنين فإن استمروا على اعتقادهم كما في السؤال يقتلون بلا انذار. مطلب أيضا خاتمة المحققين خير الدين إلخ و (سئل) أيضا خاتمة المحققين الشيخ خير الدين عن ذلك بما صورته في طائفة من الفلاحين دعوا إلى الشرع الواضح المبين في قصة تتعلق بالجنايات من قتل وجراحات فأبوا قائليين: لا نعمل بالشرع، وإنما نعمل بدعائم العرب والفلاحين فماذا يترتب شرعا؟ (أجاب) إن قالوا ذلك لاعتقادهم عدم حقيقة الشرع أو استخفافا فلا ريب في كفرهم بإجماع المسلمين، ويجب أن يجري عليهم أحكام المرتدين، وإن لم يكن واحدا منهما فقد اختلف في كفرهم، قال في جامع الفصولين قال لخصمه: حكم الشرع كذا، فقال خصمه: من برسم كارس كتم حكم في كفره وقيل: لا ومعنى هذه الألفاظ أنا أعمل بالعادة لا بالشرع وأبدل القول الأول بفرع عن عماد الدين مثل ما في جامع الفصولين في كثير من كتب المذهب، وأما عقوبة المذكورين وإهانتهم فواجب على حكام المسلمين؛ لأن العرب والفلاحين غلب عليهم إهمال الشرع والرجوع إلى الدعائم وربما تطرقوا إلى هدم الشريعة بالكلية

стр. 503

إن تركوا أمرهم فلا يجوز فيه الإهمال خصوصا فيما يتعلق بهذا الشأن الذي طال ما ضربت الصحابة دونه بسيوفها حتى استقام وباعوا فيه النفوس حتى شد صلبه وقام، فالمتعين على حكام المسلمين والإسلام وولاة سائر الأنام تدارك هذا الخطر المشكل وتلافي هذا الشأن الصعب المذهل والتيقظ له برد مثل هؤلاء إلى الشرع المحمدي وترك ما عداه مما لم ينزل الله به من سلطان، ومن أبى وتمادى منهم في الضلال يجب أن يعامل بالقتل والقتال ولا حول ولا قوة إلا بالله المهيمن المتعال إليه مرجعنا ومردنا وعليه اعتمادنا في سائر الأحوال اللهم قوي متن سماء الشريعة، وارفع عمدها، وثبت قوائمها يا ممسك السماء أن تقع على الأرض أمين اللهم أمين. مطلب سئل عن نحو عرب السعادنة وبني عطية إلخ و (سئل) رحمه الله تعالى في نحو عرب السعادنه وبني عطية وغيرهم من عرب الشام ومصر والحجاز وغيرهم من عرب البوادي الذين يطلقون أزواجهم فيتزوج الرجل منهم زوجة الآخر المدخول بها بعد طلاقه بجمعة أو أقل، وكذلك بعد الموت لا يعتدون مطلقا ويستحلون ذلك، وإذا مات أحدهم عن عشر بنات مثلا وله ابن عم ونحو ذلك من العصبة وإن بعد لا يورثون البنات مطلقا معه، بل يمنعوهن بأنفسهن ميراثا ويورثون ذلك لعصبته فقط، ويستحلون ذلك ويصدقون ببعثته ﷺ ، ولكنهم ينكرون البعث والنشور وإذا قيل لأحدهم: إن ربنا سبحانه يحيي الخلق بعد موتهم، ويحاسبهم على أعمالهم فيقولون: لا ندري ذلك ولا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ودأبهم الفساد في الأرض وقطع الطريق وقتل النفس التي حرمها الله تعالى بغير حق ويبيعون الحر، ويقول بائعه: هذا فلاحي أبيعه لمن شيئت كيف شيئت وأتصرف فيه بالرهن كيف شيئت مستحلين ذلك، ومن قبائحهم أن الواحد منهم إذا جاءته زوجة الغير مغضبة من زوجها وكان بينها وبينه أدنى قرابة يذبح شاة ويطعمها لأهل حيه، ويدخل عليها في الحرام، ويجعلها زوجة له معتقدا حل ذلك فما حكم الله تعالى فيهم؟ وما يجب على الحكام في حقهم شرعا مع نهيهم لهم عن ذلك مرارا وأمرهم بالاستسلام والانقياد لأحكام الله تعالى فما يزدادون إلا مخالفة وخروجا عن أمرهم؟ (فأجاب) قد سئل عن مثل هذه المسألة شيخ مشايخنا الزاهد الورع العالم الشيخ أمين الدين محمد بن عبد العال الحنفي رحمه الله تعالى (فأجاب) بما حاصله المرقوم في فتواه من استحل حكما عام أمره وحرمته في دين نبينا محمد ﷺ فهو كافر، وحيث نهوا ووعظوا مرارا حل قتلهم وقتالهم وأخذ أموالهم، ثم ينظر في حال نسائهم إن كن مؤمنات مكرهات معهن لا ذنب لهن فيعلمن الأحكام، وإن لم يكن

стр. 504

كذلك حل سبيهن وبيعهن كالحربيات انتهى. وحيث قطعوا الطريق وقتلوا النفس وأخذوا الأموال فجزاؤهم ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز قال عز من قائل: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ هذا حكمهم مع كونهم كفارا، وبه يعلم حل قتلهم مطلقا والحالة هذه ويثاب قاتلهم، وأجر المقاتل لهم كأجر المقاتل لأهل الحرب مع خلوص النية؛ لأنه مجاهد في سبيل الله والله أعلم. ومن جملة قبائح هؤلاء المجرمين المارقين من الإسلام مروق السهم أن الرجل منهم يأخذ البنت البكر أو المرأة الثيب قهرا عليها وعلى أهلها، وذلك أنه يجدها في بادية فيهددهابالقتل، ثم يذهب بها لبلدة أخرى فيدخلها بيت رجل من أهل القرية فيمكنه منها مع وجود جميع أهل البلد وشهادتهم لذلك، فلا ريب عندي أنهم كلهم فسقة أشقياء مستحقون القتل لإقرارهم على هذه الفاحشة العظيمة التي لا تقع بين المسلمين. فقد نص أئمتنا متونا وشروحا على أن الصائل على الفرج يجب قتاله ولو قتل فدمه كدم الكلب هدر، وعبارة المنهج مع شرحه لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري بل يجب أي الدفع في بضع وفي نفس ولو مملوكة قصدها غير مسلم بقيد زدته بقولي محقون الدم، وكتب عليه المحشى الزيادي قوله في بضع ومقدماته وغير أقاربه؛ لأنه لا مجال للإباحة فيه، بل يقع منهم أشد من هذا الأمر الفظيع الشنيع الذي لا يقع في بلاد الإسلام وهو أن أحدهم يأخذ زوجة الرجل التي في عقد نكاحه قهرا عليه بالوجه السابق وله منها أولاد، فيدخل عليها وتصير زوجة للغاصب فحسبنا الله ونعم الوكيل، ولولا حلم الله تعالى لكادت السماء أن تقع على الأرض ولكن عذاب الله شديد ولعذاب الآخرة أشد. وغالب نسائهم بهذا الوجه القبيح المخالف لملة الإسلام وكلهم متواطئون على هذا المعنى، وقل من ينكره منهم، وإذا أنكره أحد إنما ينكر بلسانه لا بقلبه، وإذا وقع له هذا فعله بنفسه إلا من عصمه الله تعالى، وربما قد غصبها زوج المرأة الأول فيأخذها أيضا قهرا ولها من الثاني أولاد، ويزعمون أنهم أهل عرض وحسب كلا والله إنهم لأهل الفسق والفواحش والفجور. وهنا ميزان تعلم به أنهم أقبح حالا من الجاهلية بل من اليهود والنصارى أما الجاهلية فمعذرون بعدم وجود الشرع، فلما ورد كان هو العهدة، وأما اليهود فإن موسى مرسل لهم بالتوراة، والنصارى أرسل لهم عيسى بالإنجيل فلهم بحسب الأصل نوع عذر عند الله وعند الناس وإن كان محمد ﷺ نسخ جميع الشرائع فليس لهم الآن عذر أصلا، وأما هؤلاء

стр. 505

الفجار فما مستندهم إلا الشيطان أو جهنم وبئس المصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فلا يحشرون مع أمة محمد ﷺ ؛ لأنهم لا يذعنوا لشرعه ولم يعملوا به ولا مع اليهود؛ لأنهم لم يعملوا بالتوراة ولا مع النصارى؛ لأنهم لم يعملوا بالإنجيل ولا مع الجاهلية فإنهم بلغتهم الدعوة بخلاف الجاهلية ولا مع عبدة الأصنام والأوثان لأنهم غيرهم فالله تعالى أعلم بحالهم يوم القيامة، لكن نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتوب عيهم، وأن يهديهم الطريق المستقيم، ويعملوا بالشرع القويم شرع محمد ﷺ حتى يحشروا مع أمته، ويفوزوا بسعادته وحسن طلعته ويتلذذوا بالجنة ونعيمها، وإنما قلنا ذلك شفقة عليهم وخوفا أن يموتوا على الكفر فيهلكوا. وقال الإمام مالك: بلغني أنه يجب على العلماء التبليغ كما يجب على الرسل فالله يتوب عليهم إنه هو التواب الرحيم. ومن جملة قبائحهم أنهم إذا أرادوا أن يحلفوا أحدا جعلوا له دائرة في الأرض شملة ونملة وقدرا مقلوب ورمحا وروثا، ثم يدخل المتهم في الدائرة فيحلف، وهذه هي اليمين العظمى عندهم. ومن قبائحهم أن الرجل يزوج ابنته فيحتاج الزوج أن يدفع لكل أقاربها مالا مخصوصا يسمى عندهم بلعة ومن قبائحهم أن الرجل يكون عند آخر مال فيأخذ دابته مثلا على ذلك المال ولكن يمنعها الأكل والشرب حتى تموت فلا يضمنها، ويأتي بأخرى كذلك إلى أن يأخذ الذي له فإن علفها وساقها ضمن على كفرهم الذي أسسوه وتبعوه، ومن قبائحهم الشنيعة التي ما وقعت في الجاهلية ولا في الإسلام أن شأنهم يأخذون امرأة فاجرة فاسقة، ويذهبون بها إلى خارج القرى في الجبال وبين الشجر، ويصنعون بها أنواع الفواحش من زنا وغيره، ويسرقون أموال المسلمين ويأكلون ويطعمون كل من يرد عليهم، ويقال لهم في عرفهم شباب المغنية قبح الله سعيهم في الدنيا والآخرة وجميع أهل البلاد تعلم ذلك، وقل من ينكر عليهم مع أنه يجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر قتالهم، ولا يتوقف على حكام بل كل من علم ذلك من المؤمنين لزمه قتالهم، ثم كل من كان منهم محصنا وجب رجمه حتى يموت، ومن كان غير محصن وجب جلده مائة جلدة وتغريب عام، والمرأة كذلك إن كانت محصنة وجب رجمها وإلا فجلدها وتغريبها. ومن قبائحهم أن الرجل يأتي لواحد منهم فيقول: أنا مستجير بك فيلزمه في غرضهم الباطل سبعة قروش أسدية، ومن قبائحهم أن الرجل إذا كفل آخرا في أمر له كذلك، ويلزمه له سبعة قروش أو تسعة قروش أسدية، ومن قبائحهم أن الرجل إذا عرف دابة له مع آخر، وأثبتها بالوجه الشرعي يأخذ من مالكها من هي تحت يده نصف القيمة.

стр. 506

ومن قبائحهم أن الرجل منهم تذهب له دابة أو تسرق أو يأخذها العدو لهم فيأخذها إنسان منهم قهرا أو سرقه فيغرم لها مالكها أيضا نصف القيمة، ومن قبائحهم أن الواحد منهم يكون له الحق على بلد أو قرية أو أقارب مخصوصين، فمتى ظفر بواحد من هؤلاء أخذ حقه منه أو أخذ دابته أو غنمه أو بقره، ثم إن ما يأخذه من الحيوانات يمنعه من الأكل والشرب حتى يموت، ومع ذلك يرجع على الغريم بدينه ولا يغرم له قيمه ما تلف عنده من الحيوان، بل ربما أخذ له حيوانا آخر وتلف عنده أيضا، ومع ذلك يرجع بدينه كما مر، ومن قبائحهم أن رجلا أجنبيا يرمي امرأة بالزنا فلا بد من قتلها من غير بينة تشهد بذلك، ومن غير فرق بين محصنة وغيرها. ومن قبائحهم أن غالب البلاد لهم قاض يقضي لهم بأمور اصطلاحية فيما بينهم لا توافق الشرع القويم، وهنا خاتمة نسأل الله تعالى حسن الخاتمة في الأحكام المتعلقة بهم وهي أنهم إن استمروا على ما هم عليه من اعتقاد الدعائم وعدم اعتقاد الشرع القويم والعمل به لا تحل ذبائحهم، ولا تجوز مناكحتهم إن كانت نساءهم تعتقد ذلك أو انعقدت في حال ردة آبائهن، ولا تقبل شهادتهم، ولا تجوز الصلاة خلف أئمتهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين، ولا تجوز الصلاة على موتاهم ولا يغسلون ولا يكفنون بل يجوز إغراء الكلاب على جيفهم وإن تضررنا بهم وأريناهم في التراب، ولا تجوز مجالستهم ومن جالسهم فهو فاسق؛ لأن مجالسة الفاسق لغير ضرورة فسق، ولا يجوز لمسلم أن يزوجهم ابنته أو من له عليها الولاية، ويجب استتابتهم ذكورا وإناثا حالا، فإن أصروا قتلوا لخبر البخاري: من بدل دينه فاقتلوه أو أسلموا بأن اعتقدوا بطلان دعائمهم وأذعنوا للشرع القويم صح إسلامهم، وتركوا لخبر فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام. وملكهم موقوف كبضع زوجاتهم إن ماتوا على ذلك بأن زواله بالردة وإلا فلا يزول وتصرفهم إن لم يحتمل الوقف بأن لم يقبل التعليق كبيع وهبة ورهن وكتابة وسلم وإجارة باطل لعدم احتمال الوقف، وإن احتمله بأن قبل التعليق كعتق وتدبير ووصيه فموقوف إن أسلم نفذ، فإن ماتوا على ذلك يكون مالهم فيئا لبيت مال المسلمين، ولا يكون لورثتهم؛ لأن المرتد لا يرث ولا يورث. ومن أحاط بالشريعة الغراء علما علم بقية أحوالهم ولولا الاشتغال كنت أطلت القول في هذا السؤال، ولكن فيه ما يطلع اللبيب على غالب أحوالهم، بل وأحوال غيرهم كمن يقول بالخالية وخالية الخالية كعسكر مصر، وذلك أن الظلم ونحوه إذا مضى عندهم عليه سنتان صار مما لا يعارض فيه؛ لكونه مرت عليه السنة المعينة والتي قبلها وهما المراد بالخالية وخالية الخالية، ومثل ذلك من يقول بالقوانين السلطانية حيث كانت مخالفة للشرع القويم كان

стр. 507

قيل لواحد ممن يعرف القوانين: شرع الله يحكم بيننا فقال: لا أعرف الشرع إنما أعرف قوانين السلطان أوليس لهذه المسألة إلا قانون السلطان أو ليس لها شرع أو حكمها لا يوجد في الشرع ونحو ذلك، ولكن الغالب على القوانين السلطانية عدم مخالفه الشرع الشريف وفي هذا القدر كفاية والله تعالى أعلم. مطلب يا سائلي عن أحاديث من العجب إلخ (سئل) يا سائلي عن أحاديث من العجب قد حار فيها ذوو الأفكار والأدب ... عمن تزوج أنثى ثم طلقها ثلاثة قد مضت حقا بلا عطب ... وعن قريب أتاها ثم راجعها على الصحيح الذي في سائر الكتب ... فجامع الأم والأختين جمعاء في فرد وقت ولم يخش من العطب ... أعمامها أربع والجد خامسهم أخ لها زوجها هذا من العجب ... وعن صبي بلا أم وليس له أب ويلحق في الميراث في النسب ... وقائلا لأخيه حين قابله أهلا بعمي وخالي وابن أخت أبي (أجاب) رحمه الله تعالى: فالزوج ميل قد زوج لمكحلة طلاقها كحل عين يا أخا الأدب ... فالميل جامع هذا لمكحلة وبعد ذلك لعيني صاحب الشنب ... إن راجع الأم طلق عين غانية وإن يطلق يطا للعين والهدب ... أصابع أربع أعمام مكحلة إبهام يرى فذاك الجد في النسب ... وإن تكن جامعا خمسا بمكحلة زوج وخال هما مع وسطة العجب ... أما الصبي فما للعين عنه غنى والإرث للكحل فافهم غاية الطلب ... هما صبيان في عينين جدهما رأس وكل له عم بمنتسب ... وخالاه أذنان العين أمهما والكل أخ لها فافهم بذا طرب ... والعين أخت لرأس والصبي لها ابنا يقينا بلا شك ولا كذب ... هذا جوابي فكن للحق مستمعا ولا تجادل أخا علم بلا سبب ... ثم الصلاة على خير الأنام ومن قد قرأ الضيف مع ولد ذوي حسب والله أعلم. مطلب سئل كم عدد الملائكة الموكلين ببني آدم إلخ (سئل) كم عدد الملائكة التي الموكلة على بني آدم، وكيف صورة كتابتهم، وفي أين محلهم، وما اسم الكتابين، وإذا مات الآدمي فأين تذهب الملائكة الموكلة به؟ (أجاب) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في عدد الملائكة التي موكلة على بني آدم روي أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه سأل النبي ﷺ كم ملك على الإنسان؟ فقال: عشرون ملك منهم ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمين على الذي عن يسارك، فإذا عملت حسنة كتبت

стр. 508

عشرا وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب فيقول: لا لعله أن يتوب، فإذا لم يتب قال: نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله تعالى وأقل استحياءه لقوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ فاسم الملك الذي على اليمين رقيب وهو الذي يكتب الحسنات، واسم الملك الذي على الشمال عتيد وهو الذي يكتب السيئات، وملكان بين يديك ومن خلفك لقول الله تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ وملك قابض على ناصيته إذا تواضع لله تعالى رفعه وإذا تجبر على الله تعالى قصمه، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي ﷺ ، وملك على فيك لا يدع الحية أو الهوام تدخل فيك، وملكان على عينيك ويقال: إن اسمهما شوية فهؤلاء عشرة أملاك على آدمي فتنزل ملائكة الليل على ملائكة النهار فهؤلاء وهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي. وقال مجاهد: ما من عبد إلا وملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما منهم شيء يأتيه إلا قال له الملك: وراءك إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه. وقال كعب الأحبار: لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفنكم الجن. وقال الفاكهاني: إن قلت: الملائكة التي ترفع عمل العبد في اليوم أهم الذين يأتون غدا أم غيرهم قلت: الظاهر أنهم هم وأنهم لا يتغيرون عليه ما دام حيا. واختلفوا في موضع جلوس الملكين من الإنسان فقال الضحاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. قال البغوي: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته. وروى أبو نعيم في تاريخ أصبهان أنه ﷺ قال: "نقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجلس الملكين الحافظين، وإن مدادهما الريق وقلمها اللسان، وليس عليهما شيء أضر من بقايا الطعام بين الأسنان". وذكروا أنهما يكتبان كل شيء حتى الأنين في المرض كما قال صاحب الجوهرة: لكل عبد حافظون وكلوا وكاتبون خيرة لن يهموا ... من أمره شيئا فعل ولو ذهل حتى الأنين في المرض كما نقل وإذا كانت الكتبة لا تهمل شيئا فحاسب نفسك لتربح الملائكة من التعب، وفائدة جعل الملائكة موكلين بالإنسان أنه إذا علم أن له حافظا من الملائكة موكلا به يحفظ عليه أقواله وأفعاله في صحائف تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد كان زاجرا له عن القبيح وترك المعاصي. وقال عكرمة: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه ويوزر. وروي أنه إذا كان الليل قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: تعال ألاقيك فاطرح أنا حسنة وأنت عشرا حتى يصعد صاحب السيئات

стр. 509

ولا معه سيئة والمعنى إذا عمل الإنسان عشرة سيئات وعمل حسنة واحدة فتمحى ذلك ويقال في ذلك: ويل لمن غلبت أحاده أعشاره فالآحاد السيئات والأعشار الحسنات؛ لأن الحسنة الواحدة تكفر عنه عشرة سيئات، فإذا زادت السيئات فالويل له إن لم يعف الله عنه، وروي أن آدم ﵇ لما خرج من الجنة قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض وسلطت علي إبليس فاجعل لي عليه سلطانا قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت له ملكين يحفظانه قال: يا رب زدني قال: الحسنة بعشرة وأزيدها والسيئة بواحدة وأمحوها قال: يا رب زدني قال: باب التوبة مفتوح ما دام في الجسد روح. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى وكل بعبده ملكين يكتبان عليه، فإذا مات قال: يا رب قد قبضت عبدك فلان فإلى أين قال: سمائي مملوءة من ملائكتي يعبدونني وأرضي مملوءة من ملائكتي يطيعونني اذهبا إلى قبر عبدي فسبحاني وكبراني وهللاني، واكتبا ذلك في صحيفة عبدي إلى يوم القيامة وهذه بشارة عظيمة لهذه الأمة المحمدية حيث منحها الله تعالى بهذا الفضل العظيم والعطاء الجسيم والله تعالى أعلم. مطلب سئل فيما يفعله الناس من القيام لبعضهم إلخ (سئل) فيما يفعله الناس من القيام لبعضهم بعضا فهل هو جائز أو لا؟ (أجاب) قد رفع هذا السؤال للعلامة سيدي الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمهما الله تعالى وهو في القيام الذي أحدثه أهل زمننا مع أنه لم يكن في زمن السلف هل يجوز أو يحرم فكتب الجواب قال رسول الله ﷺ : "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا". وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدا. وقال اللقاني رحمه الله تعالى: ثم إنه منهي عنه نهي تفرقة إذا فعل تعظيما لمن لا يحبه؛ لأنه يشبه فعل الجبابرة، ويوقع الفساد في قلب الذي يقام له ومباح إذا فعل إجلالا لمن لا يريده، ومندوب للقادم من سفر فرحا بقدومه يسلم عليه أو يشكر إحسانه أو القدم المصاب ليعز به بمصيبته، والله تعالى أعلم. مطلب فيمن يرى المصطفى ﷺ إلخ (سئل) فيمن يرى المصطفى ﷺ يقظة ومناما هل هي جائزة، ويرى ذاته الشريفة حقيقة، وما الحكم إذا رآه اثنان في آن واحد وأحدهما بالمشرق والثاني بالمغرب؟ (أجاب) اتفق الحفاظ رحمهم الله تعالى أن رؤيته ﷺ يقظة ومناما جائزة، لكن اختلفوا هل يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة أو يرى مثالا يحكيها، فذهب إلى الأول جماعة، وذهب إلى الثاني الغزالي واليافعي وآخرون. واحتج الأول بأنه ﷺ سراج الهدى ونور الظلام وشمس المعارف كما يرى نور السراج والشمس من بعد المرئي جرم الشمس بأعراضه وخواصه فكذلك الجسم الكريم والبدن الشريف

стр. 510

فلا تلزم مفارقته الروضة الشريفة ولا خلو الضريح منه بل يخترق الله تعالى الحجب للرائي ويزيل المانع حتى يراه وهو في مكانه، ويمكن على هذا أن يراه اثنان في آن واحد ومكان واحد أحدهم بالمشرق والثاني بالمغرب، أو يجعل تلك الحجب شفافة لا تواري وراءها. وقال القرافي رحمه الله تعالى: محل النزاع ما إذا رآه الرائي في بيته بالشرق وآخر في ذلك الوقت في بيته بالمغرب فإن الشمس إنما يرى في البيت شعاعها، وأما جرمها فهو في مكانه من السماء ولو حصرها محل الرائي لاستحالة كونها في ذلك الآن في محل غيره فوجب القول بالثاني بالمثال. وقد قال جماعة من أكابر الصوفية بالعالم المثالي سواء وافق صورته ﵊ الحقيقية أو لا؛ لأن المرئي على خلافها إنما هو على صورة الرائي المنطبعة في مثاله ﵊ الذي هو كالمرآة للصورتين. وتوسط بعضهم فقال: رؤياه على صورته وصفته الحقيقية رؤيا لا تحتاج إلى تعبير، ورؤياه على غيرها رؤيا تحتاج إلى تعبير وهي حقيقة في الوجهين جميعا لا تلبيس فيها من الشيطان باتفاق العموم، بل هي حق وإن رؤي بغير صفته إذا تصور كل تلك الصور من قبل الله تعالى، فمن رآه شيخا فهو في غاية سلم، ومن رآه شابا فهو في غاية حرب، ومن رآه متبسما فهو متمسك بسنته، ومن رآه على حاله وهيئته كان دليلا على صلاح الرائي، كمال حاله وجاهه وظفره على أعدائه، ومن رآه متغير الحال كان على سوء حال الرائي حتى إن الموحد يراه حسنا والملحد يراه قبيحا؛ لأنه كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها كلما قابلها وإن كانت ذاتها على أحسن حال وأكمله، والله تعالى أعلم. مطلب فيما يفعله بعض فقهاء البر إلخ (سئل) فيما يفعله بعض فقهاء البر ونحوهم إذا جاء إليهم الداعي والمدعي ليحكم بينهما فيقول لهما: لا أحكم بينكما حتى تحطا البسملة فهل لا يجوز له ذلك، وهل يحل له أن يأخذ من الخصمين أجرة على الحكم بينهما؟ وما يصدر على يدهم من العملة المسماة الآن بعملة المثالثة، ويجعلون حيلة لها لأجل الخلاص من إثم الربا، فهل لا يجوز لهما ذلك، وما يفعله بعض جهلة الفلاحين من عدم توريث الإناث وأخذ مهورهن وخروجهن سافرات الوجوه، ومقاوضتهم بإناث بعضهم بعضا، وجعلهم الإناث كالبهائم من جملة الميراث ويقتسمونهن ويكلفونهن من العمل ما ليس بواجب عليهن ويخرجوهن معهم في الحرب والقتال وغير ذلك من الأفعال القبيحة، فهل لا يحل ذلك ولا يجوز الإقرار عليه خصوصا فقهائهم يشاهدون هذه الأفعال منهم ويقرونهم عليه فما حكم الله تعالى في ذلك؟. (أجاب) ما ذكر في هذا السؤال من قبائح هذه الأفعال فيلحق فاعلها الوبال والنكال والدمار وغضب الجبار وتلعنه الملائكة الكرام هذا إذا لم يستحل ما ذكر، وأما إذا استحل ذلك والعياذ بالله تعالى فنعاملهم معاملة المرتد وقال

стр. 511

أبو ذر ﵁: تمام التقوى ترك بعض الحلال خوفا من أن يكون حراما لما في ذلك من ترك الريبة؛ لأن تركها ورع كبير عظيم. وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال لرجل: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فقال: وكيف لي بالعلم بذلك فقال له: إذا أردت أمرا فضع يدك على صدرك؛ فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال، ولأن المسلم يدع الصغيرة مخافة الكبيرة". والمعنى افعل الذي يحمدك الناس على فعله، ودع الذي يذمك الناس على فعله وقوله في السؤال: هل يجوز أخذ الأجرة على الحكم قال الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى: إذا ابتلي إنسان بالقضاء لا يحل له أن يأخذ شيئا إلا أن يرزقه الإمام أو يكتب مكتوبا يستحق أجرة مثله إذا لم يكن كتابة ذلك واجبة عليه، ولا يجوز له أن يأخذ على الحكم ولا على تولية نيابة القضاء، ولا على مباشرة وقف أو مال يتيم شيئا، وكذلك حاجب القاضي وكل من يلي أمور المسلمين، ومن فعل خلاف ذلك فقد غير فريضة الله تعالى، وباع عدله الذي بذله لعباده بثمن قليل، ولذا تجد بعض الفجرة الذين يفعلون ذلك يأخذونه خفية، وهذه علامة الحرام فإن الحلال يأخذه صاحبه، ولا يستحي من أخذه والله يعلم المفسد من المصلح انتهى ذلك ملخصا. وجزم الضميري في الإيضاح فقال: ومن قال يجوز للحاكم أن يأخذ شيئا من أعيان الخصوم وجب أن يستتاب. وذكر العلامة الشمس الرملي في فتاواه أنه يجوز للمفتي أن يأخذ أجرة مثله إن كان فقيرا، والأولى في حقه التبرع بالفتوى، ولا يأخذ من مستفت أجرة وإن لم يكن له رزق، ومتى أخذ شيئا مع عدم رضاه لم يحل له ذلك. وذكر أيضا في فتاواه أن لفظ الحكم وأداء الشهادة لا يأخذ عليه أجرة، فإن احتاج القاضي إلى النظر بين الخصمين وتعطلت به مصالحه وهو فقير أو احتاج الشاهد إلى ركوب وإن لم يركب كان له أخذ أجرته وبذل أجرة ما يركبه انتهى. وذكره في شرحه على المنهاج بقوله: وجاز له أي للقاضي طلب أجرة مثل عمله فقط وأخذها وامتنع عند آخرين والأول أقرب والثاني أحوط انتهى. وما يفعلونه الآن من المعاملة للناس بكتب الصكوك والتمسكات لأصحاب الأموال، واشتهرت بمعاملة المثالثة يدفعون العشرة بخمسة عشر إلى البيدر مثلا، ويأتون إلى فقيه ويعمل لذلك حيلة بأن يبيع المديون دواته أو كتابا أو محرمة أو سجادة أو غير ذلك؛ لأجل الخلاص من الربا وهذه الحيلة مكروهة عندنا كراهة شديدة ومحرمة عند الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فالله تعالى لا يخفى عليه شيء. وقد ورد وعيد شديد لآكل الربا قال الله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا﴾ الآية أي يعاملون به وإنما خص الآكل لأنه معظم الأمر المقصود من المال؛ لأن المال لا يؤكل إنما يصرف في المأكول

стр. 512

ثم يؤكل فمنع الله تعالى التصرف في الربا والذين يأكلونه لا يقومون من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه أي يصرعه الشيطان من المس أي الجنون. والمعنى أن آكل الربا يبعث يوم القيامة كالمصروع الذي لا يستطيع الحركة الصحيحة؛ لأن الربا ربا في قلوبهم وبطونهم فثقلهم فلا يقدرون على الاستطاعة وقال ابن عباس: لا يقبل الله تعالى من آكل الربا صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلاة، ومما يفعلونه أصحاب الأموال الآن إذا أراد أحدهم أن يقرض غيره مائة قرش مثلا ويجعل عليه فائدتها كل شهر رطلا زيتا أو قفة رزا مثلا فيقول له: هب ذلك لي كل شهر فيوهبه كل ذلك وهذه الهبة باطلة لما ورد في الخبر: كل قرض جر نفعا فهو ربا. وقد كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يجلس تحت ظل شجرة غريمه، ومن ذلك القرض لمن يستأجر ملكه بأكثر من قيمته لأجل القرض، وإن وقع ذلك شرطا إذ هو حرام بالإجماع، ومن بعض فعلهم القبيح أنهم يورثون الذكور دون الإناث، وهو ما كان عليه أهل الجاهلية ويخالفون قول الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فالله تعالى جعل للبنات حصة في أموال آبائهن، وقسم لهن مع الذكور خلافا لما كانوا عليه في الجاهلية، وذلك لضعفهن وترغيبا في نكاحهن. وقد عدل حيث جعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الذكر ذو حاجتين حاجة لنفسه وحاجة لعياله، والأنثى ذات حاجة فقط. وقد روي أن جعفرا الصادق ﵁ مطلب عن تفضيل الذكر على الأنثى إلخ (سئل) عن تفضيل الذكر على الأنثى فقال: إن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلت وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم ﵇، فلما جعلت نصيبها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل وقيل إنه قيل: كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى فلا ينبغي له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة بالكلية انتهى. ومن بعض فعلهم القبيح أنهم يرسلون نساءهم إلى المدن يبيعون ويشترون في الأسواق وهن كاشفات وجوهن متشبهات بالرجال، ولا يستحين من الله تعالى ولا من عباده وقال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ الآية أي عما لا يحل لهم النظر إليه لقوله ﷺ : " يا علي لا تتبع النظرة النظرة؛ لأن الأولى لك، وليست الثانية لك". وقال تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ الآية عما لا يحل لهن نظره؛ لقوله ﷺ لأم سلمة وميمونة بنت الحارث لما دخل عليهما ابن أم مكتوم احتجبن منه فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال رسول الله ﷺ : أفعمي أنتما ألستما تبصرانه". وقد اتفق المسلمون على منع النساء أن يخرجن

стр. 513

سافرات الوجوه؛ لأن النظر إليهن مظنة الفتنة، ومحرك الشهوة فاللائق بمحاسن الشريعة سد الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال، ومن بعض فعلهم أنهم يرسلون نساءهم إلى الهيش يحتطبن ويحملنه على رؤوسهن ويكلفونهن إلى الطحن بأنفسهن وإلى حمل القش من السهل إلى البيادر وغير ذلك من الأفعال الشاقة قائلين: من الواجب عليهن فلا والله ما يجب عليهن من هذا شيئا، ومن بعض جهلهم أنهم يلبسون نسائهم السراويل عند الممات، وأما في حياة الدنيا فلا يلبسونهم ذلك؛ لأنه عار عندهم لبس أزواجهن اللباس في الدنيا ويخالفون قول النبي ﷺ وهو قوله: اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم وحصنوا بها نسائكم إذا خرجن أي استروهن وصونوهن بلبس السروال خصوصا إذا خرجن من بيوتهن لما فيها من الأمن من انكشاف العورة بنحو سقوط أو ريح فهي كحصن مانع. وأما فعل هؤلاء المذكورين فإنهم يسترون نسائهم بلبس السروال في القبور ولا يلبسونهن ذلك في الدنيا خصوصا عند خروجهن وتراهن أيها الإنسان في الشتاء وهن ماشيات في الأسواق رافعات ثيابهن إلى ركبهن وما عليهن إلا ثوب واحد فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومن بعض جهلهم أن أحدهم إذا كان متزوجا امرأة واحدة وأخذ ثانية فالغالب أنه يترك الأولى، وأنه يأخذ الجديدة إلى قرية ثانية يسكن بها ويترك الأولى من غير نفقة ولا كسوة ولا يخف من الله تعالى ولا يخشى عقابه. ذكر العلامة الرملي رحمه الله تعالى في شرحه على المنهاج: ومن له زوجات وبات عند بعضهن لزمه فورا أن يبيت عند من بقي منهن تسوية بينهن للخبر الصحيح: " إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل". أي ساقط وقد كان ﷺ على غاية من العدل في القسم، وإذا دخل على إحداهن في نوبة الأخرى، وطال مكثه قضى من نوبتها مثله؛ لأنه مع الطول لا يسمح به وحق الآدمي لا يسقط بالعذر. ومن بعض أفعالهم أنه إذا كان لأحدهم امرأتان فيجمعهما في بيت واحد مع أنه يحرم عليه ذلك بغير رضاهن. ذكر العلامة الرملي رحمه الله تعالى في شرحه على المنهاج: ويحرم عليه أن يجمع ضرتين في مسكن أو خيمة ولو ليلة لما بينهما من تباغض إلا برضاهما؛ لأن الحق لهما ولهما الرجوع ويكره له أن يطأ واحدة مع علم الأخرى، ولا يلزمها الإجابة؛ لأن الحياء والمروءة يأبيان ذلك ومن ثم صوب الأذرعي التحريم. ومن بعض أفعالهم القبيحة أنه إذا مات رجل وترك ذكورا وإناثا ودواب ومواشي وأسبابا وأملاكا فالذكور يجعلون البنات من جملة الميراث مع الدواب والمواشي والأملاك والأسباب ويقتسمون ذلك، والورع فيهم يدفع

стр. 514

للأنثى بعدما تقسم مع الميراث بعض أشجار زيتون وبعض أشياء حتى أنها تبرئ ذمته من الباقي فلا والله العظيم إنها ما تبرئ ذمته عن طيب قلبها وانشراح صدرها فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومن بعض أفعالهم القبيحة أنهم يقايضون ببناتهم كالجحاش، وكل من تستحق الزود عن الأخرى بكبر أو حسن أو جمال أو غير ذلك يزيدونها وهذا يسمى نكاح الشغار للنهي عنه ففي خبر الصحيحين مأخوذ من شغر الكلب رجله إذا رفعها ليبول فكأن كلا منهما يقول للآخر: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك وهو زوجتك بنتي على أن تزوجني أو تزوج ابني مثلا ابنتك. وبضع كل واحدة صداق للأخرى فيقبل وعلة البطلان التشريك في البضع؛ لأن كلا جعل بضع موليته مورد للنكاح وصداقا للأخرى فأشبه تزويجها من رجلين. ومن بعض قبحهم وأفعالهم الشنيعة أنهم يبيعون بناتهم وأخواتهم وبنات أعمامهم لأزواجهن كبيع الأرقاء ويأكلون مهورهن ويقولون: إنهن يبرئن ذمتهن من ذلك فلا والله العظيم ورسوله الكريم أنهن لا يبرئن ذمتهم عن طيب قلب وانشراح صدر، وإنما هو قهر عليهن وغصبا. ومن بعض أفعالهم أن بعضهم يأتي إلى عند بعض التجار، ويستدين منه أقمشة وكسوة مختلفة الألوان وبعد قطع ذلك وتفصيله يذهب إلى قريته، فإن استعمل ذلك وألبسه لأهله فيماطل التاجر بثمنه ويعده إلى البيدر، فإذا جاء البيدر يتعلل له بأمور واهية ويصبره إلى البيدر الثاني، فإذا جاء البيدر يتعلل له بأمور أيضا ويصبره إلى الزيت، فإذا جاء له الزيت يقول له: ما حمل زيتوني وأنت فيك التحمل ويصبره إلى البيدر وهلم جرا. وإن كان له غنى عن الحوائج أو أنه طلق زوجته التي أخذ لها الكسوة والقماش فيعاود القماش على صاحبه بعد قطعه وتفصيله، ولم يخش الله تعالى، ولم يستح من عباده، ولم يختش من كلام ولا ملام. وقد وقع لي مثل هذه المادة وهو أن فقيها من فقهاء البر عقد نكاحه على بنت، وأراد الدخول بها فجاء لعندي وأخذ لها كسوة العرس ليجيب لي بثمنها زيتا، ثم بعد ذلك طلقها ورد الكسوة منها ما هو مفصل، ومنها ما هو مخيط عامله الله تعالى بعدله والحمد لله تعالى بضاعتنا ردت إلينا. ومن بعض قبحهم وأفعالهم الشنيعة أنه إذا وقع بينهم وبين أعدائهم حرب فيلبسون نسائهم أفخر ما عندهم من الملبوس ويزينوهن، ويديرون بينهم في الحرب ويحرضونهم على القتال ويحملن لهم المأكل والمشرب وكل من جبن أو فشل عن القتال من الرجال تأتي إليه إلا مرأة ومرادها أن تأخذ سلاحه لأجل ما تحرضه على القتال وتقويه على قتل النفس التي حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق. ومن بعض قبحهم وأفعالهم الشنيعة أنه إذا صار عندهم فرح يجتمع شبابهم

стр. 515

وجهالهم في محل متسع ليلا ويقيمون نارا ويتحلقون كحلقة الذكر، ثم تتجمل امرأة منهن وتلبس أحسن الملبوس وتدخل في وسط الحلقة ترقص لهم وهم يصفقون مادين أبصارهم لها، وتجلس على حجورهم أحيانا ويسمونها بعزيزة النساء، وتكون هذه عندهم من أفخر نسائهم وأطهرهن. ومن بعض جهلهم أنهم يعظمون أميرهم أو شيخهم أو المتكلم عليهم ولا يحلفون إلا بحياته، ويكون الحلف بحياته عندهم قسم عظيم ليس فيه كذب ولا خلف. ومن بعض أفعالهم الشنيعة أنه إذا ترملت امرأة فيأتي إليها والدها أو أخوتها أو أولاد عمها ويقولون لها: مرادنا نزوجك لأجل أن يأخذوا مهرها، وهي لم ترض بالزواج أو يكون لها أولاد صغار من شفقتها عليهم تخاف عليهم الضياع فتدفع لأقاربها قدر مهرها حتى إنهم ما يزوجوها، ثم إنهم يغفلون عنها مدة ويأتون إليها خصوصا إذا كانت مليئة. ويقولون لها: مرادنا نزوجك لإنك عرضنا، ونخاف على عرضنا وما مرادهم إلا حتى يأخذوا مهرها أو يأخذوا منها قدر مهرها وهكذا ثالثا ورابعا. ومن بعض قبحهم وأفعالهم الشنيعة أنهم إذا اتهموا امرأة عندهم بالفاحشة قتلوها من غير ثبوت ذلك عليها، ولا يغسلونها ولا يكفنونها ولا يصلون عليها، وإنما يرمونها في بئر وسواء كانت محصنة أو غير محصنة ولهم أفعال كثيرة أضربنا عنها خوف الإطالة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعلى ولاة الأمور ضاعف الله تعالى لنا ولهم الأجور وعلى أهل الحل والعقد وأرباب الكلام من المشايخ والمتكلمين أيد الله تعالى بهم الدين ووفقهم للصراط المستقيم المنع من هذه النزغات والأباطيل؛ لأن عليهم حفظ الدين الذي هو أحد الكليات الخمس الذي أجمع على حفظها كل ملة، وهي الدين والنفس والمال والعرض والعقل. والمتعين على حكام المسلمين والإسلام وولاه سائر الأنام تدارك هذا الأمر الخطر المشكل وتلافي هذا الشأن الصعب المذهل والتيقظ له نسأله سبحانه أن يجنبنا الزيغ والضلال ولا حول ولا قوة إلا بالله المعين المتعال إليه مرجعنا ومردنا وعليه اعتمادنا في سائر الأحوال والله تعالى أعلم بالصواب. مطلب عن الزغاريت هل كانت في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلخ (سئل) عن الزغاريت هل كانت في زمن المصطفي ﷺ ؟ وهل هي مباحة في الأفراح؟ وهل يجوز فعلها من الذكور أو لا؟ (أجاب) قيل: إن أصل الزغاريت عن أمنا حواء رضي الله تعالى عنها لما اجتمعت بآدم ﵇ بعدما أخرجا من الجنة، فلما رأته فمن شدة فرحها به زغرتت وهي مباحة في كل فرح وسرور من النساء، وتكره من الرجال؛ لأنه مخصوص بالنساء والأولى حرمته من الرجال لتشبهه بالنساء، والله تعالى أعلم. مطلب هل الأفضل على المكلف الدعاء إلى الله تعالى إلخ (سئل) هل الأفضل للمكلف الدعاء إلى الله تعالى

стр. 516

أو تركه؟ (أجاب) ورد من الكتاب والسنة استحباب طلب الدعاء ومزيد فضله والحث عليه؛ لأنه ينفع الداعي لقول صاحب الجوهرة: وعندنا إن الدعاء ينفع كما من القرآن وعدا يسمع ولما فيه من إظهار المذلة والافتقار إلى الله تعالى وكونه صلى الله عيه وسلم لم يأمر أحدا بتركه، وإنما الذي أمر به الصبر وهو لا ينافي الصبر فقد دعا أيوب عليه الصلاة السلام بكشف ضره مع قوله تعالى: ﴿إنا وجدناه صابرا﴾ والله تعالى أعلم. مطلب هل يجوز إكراه المريض على الأكل إلخ (سئل) هل يجوز إكراه المريض على الأكل والشرب وعلى التداوي أو لا وهل الدواء سنة أو لا؟ (أجاب) إكراه المريض على الأكل والشرب مكروه لخبر: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم". ويلحق بالأكل والدواء وإذا تداوى المريض فلا بأس به؛ لأنه من السنة لخبر: "إن الله تعالى لم يضع داء إلا وأنزل له دواء". وأجهله من جهله وعلمه من علمه، فإن ترك التداوي وتوكل على الله تعالى فلا بأس به، ولكن من قل صبره وضعفت نفسه فالتداوي له أفضل والله تعالى أعلم. مطلب في النوم في المسجد فهل يجوز أم لا إلخ (سئل) في النوم هل هو جائز في المسجد وإذا قلتم بالجواز فهل يجوز إخراج الريح فيه أو لا؟. (أجاب) لا بأس في النوم في المسجد لغير الجنب ولو غير أعزب فقد ثبت أن أصحاب الصفة رضي الله تعالى عنه كانوا ينامون في زمنه ﷺ ولم ينكر عليهم مالم يضيق على المصلين أو يشوش عليهم، ولا يحرم إخراج الريح في المسجد لكن الأولى اجتنابه؛ لأن الملائكة تتأذى به، والله تعالى أعلم. مطلب المباحثة التي تقع بين الطلبة تجوز أم لا إلخ (سئل) في المباحثة التي تقع بين الطلبة للعلم هل تجوز أو لا؟ (أجاب) إن قصدوا بالمباحثة امتحان بعضهم بعضا فإنه يحرم عليه للإيذاء، وإن لم يقصدوا استمحانا بل قصدوا التفهيم فلا بأس والله تعالى أعلم. مطلب إذا عطس الإنسان إلخ (سئل) إذا عطس الإنسان ولم يحمد الله تعالى هل يجوز تشميته أو لا؟ (أجاب) إذا لم يحمد الله تعالى فإنه يكره للإنسان أن يشمته لما روي في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه" انتهى. وإذا سبق المشمت العاطس بالحمد يأمن من ثلاثة أوجاع كما قال بعضهم: من يبتدئ عاطسا بالحمد يأمن من ... شوص ولوص وعلوص كذا وردا فالشوص وجع الضرس واللوص وجع الأذن والعلوص وجع البطن وقيل وجع الدبر. ويكره التشميت إلى ثلاث، ثم يدعو له بعده بالشفاء، ويسن للعاطس وضع شيء على وجهه وخفض صوته ما أمكن وأجابه مشمته بنحو يهديكم الله ولم يجب بخلاف رد السلام والله تعالى أعلم. مطلب هل يجوز للداعي أن يقول اللهم اغفر لي إلخ (سئل) هل يجوز للداعي أن يقول اللهم اغفر لي

стр. 517

ولجميع المسلمين؟ (أجاب) نعم يجوز ذلك بل هو مسنون للأخبار الواردة في ذلك لخبر الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة. وكيف لا يجوز ذلك، وقد قال الله تعالى حكاية عن نوح ﵊: ﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾ الآية وكان ﷺ يقول: "اللهم اغفر لحينا وميتنا". الحديث وكما أفتى بذلك القاضي زكريا رحمه الله تعالى والله أعلم. مطلب في السبحة هل لها أصل في السنة إلخ (سئل) في السبحة هل لها أصل في السنة وهل الأفضل التسبيح بعقد الأصابع أو بالسبحة أو في ذلك تفضيل؟ (أجاب) الأصح أن للسبحة أصلا في السنة، فمن ذلك ما صح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيده. وما صح عن صفية ﵂ أنها قالت: دخل رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال: ما هذا يا بنت حيي؟ قلت: أسبح بهن فقال: قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا قلت: علمني يا رسول الله فقال ﷺ : قولي: سبحان الله عدد ما خلق من شيء. انتهى. وقد ألف في السبحة الجلال السيوطي رحمه الله تعالى، وعن بعض العلماء: أن التسبيح بعقد الأنامل أفضل من السبحة، وفصل بعضهم فقال: إن أمر المسبح من الغلط كان تسبيحه بعقد الأنامل أفضل، وإن لم يأمن من الغلط فالسبحة أفضل كما أفتى بذلك العلامة الشهاب بن حجر رحمه الله تعالى والله أعلم. مطلب فيما يستعمله الناس من شراب القهوة إلخ (سئل) فيما يستعمله الناس من شراب القهوة والمداومة على شربها هل هي قديمة في الزمن الأول أو محدثة؟ وهل شربها واستعمالها على هذه الهيئة التي يفعل بها حلال مباح كغيرها من المباحات ولا التفات إلى ما حرمها وحرم استعمالها بالحرق أم كيف الحال؟ (أجاب) أما القهوة المستعملة الآن فهي حادثة بالنسبة إلى هذا الزمان وقديمة بالنسبة إلى زمن وجودها لما حكي أن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام كان إذا أتى إلى بلد خرج إليه أهلها يتبركون به ويحضرون عنده العلماء والصلحاء وأهل الحاجات منهم فيقضي حوائجهم فمر يوما على عدن بلد باليمن فلم يقابله أهلها فسأل عنهم فأخبر أن أهلها بهم أمراض شديدة شتى، ومنها حب الإفرنج وهو أعظمها وكل منهم يستحي أن يقابلك وهو على تلك الحالة فاتفق أن جبريل ﵇ نزل عليه في ذلك الوقت فسأله عن دواء لهم يحصل لهم به الشفاء فأخبره عن البن أنهم إذا استعملوا قشره مطبوخا بالبهرات أو الحبة مقلوا بالنار مخلوطا بسمن البقر عافاهم الله تعالى وشفاهم من أمراضهم ففعلوا فشفاهم الله تعالى وصاروا يزرعونه من ذلك الوقت في بلادهم وهو مستمر إلى هذه الأيام. وقال الشهاب بن حجر رحمه الله تعالى: حدث قبل هذا القرن

стр. 518

العاشر شراب يتخذ من قشر البن يسمى بالقهوة، وطال الاختلاف فيه حلا وطهارة وضدهما، فمن مفرط يفتي بالإسكار والنجاسة نظرا إلى أنها تورث نشاطا وطراوة تؤثر في البدن عند تركها، ومن مفرط يفتي بأن بأن شربها قربة فضلا عن الحل والطهارة نظرا إلى أنها تزيل ما في النفس من فتور وكسل وتعين على السهر والعبادة، والحق في ذلك أنه لا إسكار فيها ولا تخدير، والحاصل بعد كلام طويل أن ذاتها مباحة ما لم يقترن بها عارض يقتضي التحريم كإدارتها على هيئة الخمر المخصوص بها مجرد الإدارة فإنها لا حرمة فيها، فقد أدار النبي ﷺ اللبن على أصحابه وكاستعمال مخدر معها، ولكن إذا قصدت للإعانة على قربة كانت قربة أو على مباح كانت مباحة أو على مكروه كانت مكروهة أو على حرام كانت حراما وحينئذ فتأتي فيها الأحكام الخمسة. وذكر بعض المتأخرين من البلغاء في ذلك كلاما طويلا خلاصته: وأما القهوة فخلاصة القول فيها أنها من الجائز تناوله مباح شربه كسائر المباحات مثل اللبن والعسل ونحوهما لدخولها في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية. ولا التفات إلى من ادعى تحريمها فدعواه في ذلك أوهى من بيت العنكبوت. وذكر الأطباء إن شرب القهوة يطرد النوم والفتور والكسل ويعين على ما يريده شاربها مما يتعلق بالعبادة كذكر وقراءة قرآن واشتغال بالعلم وتهجد وغير ذلك، وأن منافعها لا تحصى وفضائلها لا تستقصى منها أنها تذهب البلغم وتمنع القيء والعي والرطوبة وتقطع البواسير وتطرد الريح وتذهب القولنج والصداع وتهضم الطعام وتنبه الشهوة للغذاء وتمنع بعض أنواع الرمد وتذهب الجرب من الجفن وتمنع الأبخرة الرديئة المتصاعدة إلى الدماغ، ولأجل ذلك كانت معينة على السهر وتصفي الحواس من الكدر. قال بعض البلغاء: وأحسن ما فيها اجتماع الإخوان والمحبين على شربها خصوصا مع المروءة والصفاء والمحادثة بما فيه رضى الله تعالى، والله تعالى أعلم. مطلب ما مقدار سعة الأرض إلخ (سئل) ما مقدار سعة الأرض وكم عدد أقاليمها؟ (أجاب) ذكر الإمام فخر الدين أن طول الأرض ما بين المشرق والمغرب وعرضها ما بين الشمال والجنوب لأن الذي جهة مطلع سهيل يسمى جنوبا والمقابل له يسمى شمالا والمشرق والمغرب معلوما، وقد اختلف أهل الهيئة والفلاسفة في مقدار الأرض ففي المسالك للبكري: إن الأرض كلها مسيرة خمسمائة عام ثلث عمران وثلث بحار وثلث براري غير مسكونة. وفي رواية مسيرة ما بين أقصى الدنيا إلى أدناها مسيرة خمسمائة سنة مائتان من ذلك في البحر ومائتان ليس يسكنها أحد وثمانون فيه يأجوج ومأجوج وعشرون فيه سائر الخلق ذكره في الخريدة. وفي عين الأخبار

стр. 519

لابن قتيبة: الدنيا كلها أي المعمور منها أربعة وعشرون ألف فرسخ اثنا عشر ألفا للسودان وثمانية آلاف للروم وثلاثة آلاف للعرب. وأما مقدار سعة الأرض بالمراحل فذكر في الخريدة أن من مصر إلى أقصى الغرب نحو مائة وثمانين مرحلة، وإذا قطعت من العلوم شرقي مصر إلى حد الصين على خط مستقيم كان مقدار تلك المسافة نحو مائتي مرحلة فجملة ما بين أقصى الغرب إلى أقصى الشرق نحو أربعمائة مرحلة هذا طول الأرض، وأما عرضها من أقصاها في حد الشمال إلى أقصاها في حد الجنوب فمن ناحية يأجوج ومأجوج إلى الأرض بلغار وأرض الصقالبة نحو أربعين مرحلة ومن أرض الصقالبة من بلد الروم إلى الشمال نحو ستين مرحلة ومن أرض الشام إلى مصر نحو ثلاثين مرحلة، ومنها إلى أقصى النوبة نحو ثمانين مرحلة حتى ينتهى إلى البرية فذلك مائتان وعشرة مراحل كلها عامرة. وأما ما بين يأجوج ومأجوج إلى البحر المحيط، وما بين براري السودان إلى البر المحيط فقفر خراب ليس فيه نبات ولا طير ولا وحش ولا شيء من المخلوقات ولا يعلم مسافة هاتين البريتين كم هي إلا الله تعالى، وذلك لأن سلوكها غير ممكن لفرط البرد الذي يمنع من العمارة في الشمال وفرط الحر المانع من ذلك في الجنوب. وأما عدد أقاليم الأرض فسبعة وطول كل إقليم تسعمائة فرسخ في مثلها، فالأول فيه أرض بابل وخراسان وفارس والأهواز والموصل وأرض الجبل، وله من البروج الحمل ومن النجوم المشترى والثاني السند والهند والسودان، وله من البروج الجدي وزحل، والثالث مكة والمدينة والحجاز واليمن وله العقرب والزهرة، والرابع مصر وأفريقيه والبربر والأندلس وله الجوزاء وعطارد، والخامس الشام والروم والجزيرة وله الدلو والقمر، والسادس الترك والحرز والديلم والصقالبة وله السرطان والمريخ، والسابع الديل والصين وله الميزان والشمس فسبحان الخالق الرزاق والله تعالى أعلم. مطلب عن خلق أمنا حواء ﵍ إلخ (سئل) عن أمنا حواء ﵍ هل على ما يقال أنها خلقت من ضلع آدم؟ وفي أي محل خلقت؟ ولم سميت حواء؟ وما كان مهرها من آدم ﵇؟ وكم ولدت من الأولاد؟ وكم عاشت من السنين؟ وفي أي محل دفنت؟ (أجاب) حكى الفخر الإجماع على أنها خلقت من ضلع آدم ﵇، واختلف متى خلقت فقيل: خلقت قبل دخول الجنة وقيل: إنها خلقت في الجنة وآدم نائم من ضلعه الأيسر ووضع مكانه لحم فاستيقظ آدم فوجدها جالسة عند رأسه فقال لها من أنت؟ قالت: امرأة فقال: لم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي وأسكن إليك فقالت الملائكة: يا آدم ما اسمها؟ قال: حواء فقالوا له: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن المرأة

стр. 520

خلقت من ضلع أعوج لا تستقيم لك على طريقة، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت على عوج". وذكر ابن الجوزي رحمه الله تعالى أن حواء طلبت من آدم المهر فأمر بالصلاة على محمد ﷺ عشرين وفي بعض الروايات لما مد يده إليها قالت له الملائكة: يا آدم حتى تؤدي مهرها قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلي على محمد ﷺ ثلاث مرات. وفي تاريخ ابن جريج أن حواء ولدت أربعين ولدا في عشرين بطنا، وقيل: مائة بطن وعشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى. وذكر أهل التاريخ أن آدم ما مات حتى رأى من ذريته من أولاد وأولاد أولاده أربعين ألفا، وأما عمر حواء ففي التواريخ أنه تسعمائة سنة وسبع وتسعون سنة وعاشت بعد آدم سبع سنين، وعاش آدم ألف سنة، وأن آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام دفنا بجانب البيت بمكة ذكر جميع ذلك المرحوم الشيخ مرعي الكرمي في بهجته والله تعالى أعلم بالصواب. مطلب إبليس من الجن أو من الملائكة إلخ (سئل) في إبليس لعنه الله تعالى هل هو من الجن أم من الملائكة؟ وما كان سبب طرده وبعده ولعنه؟ (أجاب) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في إبليس قيل: إنه من الجن وهو قول أكثر المتكلمين وجماهير المعتزلة ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾ الآية. وقيل: إنه كان من الملائكة، وبه قال كثير من الفقهاء، وقال كثير من المفسرين: إن الله خلق السماوات والأرض وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فعبدوا الله تعالى دهرا طويلا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فاقتتلوا وفسدوا فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم الجن ومنهم إبليس اللعين وهم من خزان الجنان اشتق لهم اسما من الجنة فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن على وجهها وألحقوهم بشعاب الجبال وجزائر البحار، وسكنوا الأرض وخفف الله تعالى عنهم العبادة فأحبوا البقاء في الأرض لذلك فأعطى الله تعالى إبليس ملك الأرض وملك السماء وخزائن الجنان وكان تارة يعبد الله تعالى في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله الكبر والعجب وهذا سبب طرده ولعنه، ثم قال في نفسه: ما أعطاني الله تعالى هذا الملك إلا أني أكرم الملائكة عليه وأعظمهم منزلة لديه، فلما أظهر الكبر عزله الحق جل وعلا عن ملكه، وقال الله تعالى له ولجنده: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فلما قال لهم ذلك كرهوا العزل؛ لأن العزل شديد فقالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ الآية فقال لهم الحق جل وعلا: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ من كبر إبليس ذكر ذلك المرحوم الشيخ مرعي الكرمي في بهجته، ثم قال بعد ذلك: قلت: لعمري إن هذه القصة موعظة للمتعظين ومدهشة

стр. 521

لعقول العارفين فانظر يا أخي في أي مرتبة كان اللعين فيها، وانظر إلى أي حالة أصبح اليوم عليها نعوذ بالله تعالى من ذلك ومن السلوك في المهالك، وفيها موعظة لمن قدمه ملك من الملوك على جنوده وجعله أميرا على جموعه وعبيده أن لا يأمن عاقبة الأمور، وأن يكون على حذر من المقدور قبل أن لا يتعد الغرور والله تعالى أعلم. مطلب فيما يفعله السحرة إلخ (سئل) فيما يفعله السحرة من زرع البذر في أرض وطلوعه ونموه بالثمر في ساعة واحدة ونقل المتاع من محل إلى محل ونحو ذلك، فهل هو تخييل للناظر أو فعل حقيقة؟ (أجاب) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تأثير السحر وفي حقيقته على قولين قيل: إنه لا يغير حقيقة وإنما هو تخييل لقوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ وحكى الأوزاعي أن يهوديا صحبه في سفر فأخذ ضفدعا وسحره خنزيرا، وباعه لنصارى، فلما ساروا به إلى قريتهم وجدوه ضفدعا فلحقوا اليهودي فلما قربوا منه رأوا رأسه قد سقط عن جثته ففزعوا وولوا هاربين وبقي الرأس يقول للأوزاعي: هل غابوا إلى أن بعدوا عنه فصار الرأس في الجسد، وأما طلوع الزروع في الحال ونقل الأمتعة والقتل على الفور والعمى والصمم وتعلم الغيب فلا يقع بالسحر؛ لأنه قد وقع القتل في السحرة ولم يبلغ أحد منهم هذا المبلغ ولم تستطع سحرة فرعون الدفع عن أنفسهم، وجوز بعضهم أن يسترق جسم الساحر حتى يلج في كوة ويجري على خيط مسترق ويطير في الهواء ويقتل غيره ويغير الخلق، وينقل الإنسان إلى صور البهائم لكن قال بعضهم: الأصح خلاف ذلك؛ لأنه لم يقع ولا سمع عن عاقل من آدم ﵇ إلى وقتنا أن ساحرا غير خلق الرحمن عن صورة إنسان إلى صورة حيوان من حمار أو فرس أو سرحان. والحكايات في مثل ذلك خرافات تتحدث بها العجائز والبنيات لا تروى بأحاديث صحيحة وهي على المتحدث بها أعظم فضيحة، ومما يؤيد هذا أنهم لو قدروا على تحقيق الحقائق لقلبوا الأحجار ذهبا والصخور إبلا أم شاءو استغنوا عن سؤال الناس، وذلك منتف والله تعالى أعلم. مطلب في أبوي المصطفى ﷺ مؤمنان إلخ (سئل) في أبوي النبي ﷺ هل هما في الجنة لكونهما من أهل الفترة وماتا فيها ولم تبلغهما الدعوى أو أنه ﷺ يشفع لهما ويدخلان الجنة بشفاعته ﷺ ، أو إن الله تعالى أحياهما له وآمنا به ﷺ وما يستحق من العقوبة من قال: إنهما في النار؟ (أجاب) لا ريب ولا شك أن أبويه ﷺ في الجنة، ومن قال بخلاف ذلك فقد باء بغضب من الله تعالى. وقد صنف العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رسائل جمة منهم العلامة الجلال السيوطي رحمه الله تعالى ألف في ذلك رسائل منها السبل الجلية في الآباء العليه، وسأذكر منها ما هو المقصود

стр. 522

بالاختصار السبيل الأول أنهما لم تبلغهما الدعوة؛ لأنهما كانا في زمن الجاهلية التي عم فيها الجهل طبق الأرض وفقد فيها من يبلغ الدعوة على وجهها خصوصا وقد ماتا في حداثة السن، فإن والده ﷺ عاش من العمر نحو ثمانية عشر سنة ووالدته ماتت في حدود العشرين تقريبا ومثل هذا العمر لا يسع الفحص عن المطلوب في مثل ذلك الزمان، وحكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجيا ولا يعذب ويدخل الجنة هذا مذهبنا لا خلاف فيه بين أئمتنا ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ السبيل الثاني: أنهما من أهل الفترة وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار ولا شك أن الله تعالى يوفقهما عند الامتحان للإجابة بشفاعة النبي ﷺ ؛ لقوله ﷺ : إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي. وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ قال: من رضى محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهله النار. السبيل الثالث: أن الله تعالى أحياهما له حتى آمنا به، ثم أماتهما والله قادر على كل شيء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه ﷺ أهل أن يختصه بما شاء من فضله وينعم عليه بما شاء من كرامته. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: فضائل النبي ﷺ لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله الله تعالى وأكرمه به وقال: وليس إحياؤهما وإيمانهما به بممتنع عقلا ولا شرعا فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى وكذلك نبينا ﷺ قال، وإذا ثبت هذا فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائمها زيادة في كرامته وفضيلته ﷺ . السبيل الرابع: أنهما كانا على الحنفية دين إبراهيم ﵊ وأن آباءه ﷺ كلهم إلى آدم كانوا على التوحيد لقوله تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ قيل: معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد لساجد؛ لقوله ﷺ : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات. وقد سئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية عن رجل قال إن أبا النبي ﷺ في النار فأجاب بأنه ملعون؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ الآية. قال: ولا أدري أذية أعظم من أن يقال عن أبيه أنه في النار، ولقوله ﷺ : لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات والله أعلم. (سئل)

стр. 523

ما الحكمة في أن الله تعالى خلق آدم من تراب ولم يخلقه من غير التراب؟ (أجاب) ذكر الحكماء في خلق آدم من تراب وجوها؛ منها أن يكون متواضعا، ومنها ليكون مطفئا لنار الشهوة والغضب لأن التراب يطفئ النار، ومنها إظهار لقدرته تعالى؛ لأنه تعالى خلق الشياطين من النار التي هي أضعف الأجسام وأعطاهم كمال الشهوة والقوة وخلق آدم من التراب الذي هو أكثر الأجسام ثم أعطاه الخفة والمعرفة والنور والهداية وخلق السماوات من أمواج مياه البحار معلقة في الهواء حتى يكون خلقه لهذا الأجرام برهانا، ودليلا ظاهرا على أنه تعالى هو المدبر للخلق بغير احتياج إلى مزاج وإلى علاج، وعن رسول الله ﷺ إنه قال: "إن الله تعالى خلق آدم من تراب وجعله طينا، ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا، ثم خلقه وصوره حتى كان صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه من روحه. قال الفخر رحمه الله تعالى ولا شك أن الله تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجناس، بل قادر على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة أو لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الخلق والله تعالى أعلم. مطلب سئل في أي موضع كان خلق آدم ﵇ إلخ (سئل) في أي موضع كان خلق آدم ﵇؟ (أجاب) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في موضع خلقه على أقوال قال السدي: خلق في سماء الدنيا. وقال ابن سعيد: خلق في جنة من جنان الدنيا. والذي عليه الجمهور من العلماء أنه خلق في جنة عدن، ومنها أخرج وأنزل إلى الأرض والله تعالى أعلم. مطلب سئل هل كان آدم ﵇ وقت تعليم الأسماء نبيا إلخ (سئل) هل كان آدم ﵇ وقت تعليم الأسماء نبيا مبعوثا قبل ما وقع له ما وقع من المخالفة وأكله من الشجرة أو أنه بعث بعد ذلك؟ (أجاب) قال بعض العلماء: إنه كان نبيا لما ظهر له من المعجزات من تعليم الأسماء، وقال الفخر: والأقرب أن يكون مبعوثا في ذلك الوقت إلى حواء، ولا يبعد أيضا أن يكون مبعوثا إلى من يتوجه إليه من الملائكة، وقيل: إن آدم لم يكن ذلك الوقت نبيا؛ لأن أكله من الشجرة لا يليق أن يكون بعد نبوته لقوله تعالى: ﴿ثم اجتباه ربه وهدى﴾ أي بعد أكله الشجرة فوجب أن يقال لم يكن قبل ذلك مجتبى والله تعالى أعلم. مطلب سئل عن الأطفال الذين يموتون في الصغر يكبرون في الجنة أم لا إلخ ؟ (سئل) عن الأطفال الذين يموتون في الصغر إذا دخلوا الجنة هل يكبرون ويصيرون في سن واحد أو يبقون على حالهم عند آبائهم؟ (أجاب) أخرج الترمذي وأبو يعلى وابن أبي سعيد مرفوعا قال: من مات من أهل الدنيا من صغير أوكبير يردون بين ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وأخرج الطبراني عن المقداد بن الأسود مرفوعا يحشر الناس ما بين السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة في خلق آدم وحسن يوسف وقلب أيوب مكحلين ذوي أفانين أي شعور وجم ولعل

стр. 524

المراد بقوله يحشر أي عند دخول الجنة وإلا فالأطفال يأتون الموقف كهيئتهم، وعند الدخول يكونون في الجنة كالبالغين؛ قال القرطبي: تكون الآدميات في الجنة على سن واحد وأما الحور فأصناف مصنفة صغار وكبار على ما اشتهت أنفس أهل الجنة والله تعالى أعلم. مطلب سئل هل في الجنة نوم أم لا إلخ (سئل) هل في الجنة نوم؟ (أجاب) ذكر بعضهم نظما في صفة أهل الجنة: وستة ليست لأهل الجنة ... لا بول لا غائط لا أجنة كذلك لا نوم ولا إسنانا ... ولا لحا أيضا كما أتانا واستثنى منهم ستة قد خصوا ... بلحية قد جاء فيهم نص هم آدم ونوح وإبراهيم ... هارون والصديق والكليم والله تعالى أعلم. مطلب سئل هل السماء خلقت قبل الأرض أو بالعكس إلخ (سئل) هل السماء خلقت قبل الأرض أو بالعكس؟ (أجاب) اختلف المفسرون في ذلك فمذهب ابن عباس ﵄ أن الأرض خلقت قبل السماء لقوله تعالى: ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين﴾ إلى أن قال ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات﴾ الآية. وإن ثم للترتيب ومذهب قوم آخرين أن السماء قبل الأرض وأن لفظة ثم في قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ ليست للترتيب وإنما هي لتعداد النعم كما يقول الرجل لغيره أليس قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت الخصوم عنك والله تعالى أعلم. مطلب سئل عن الكفار إذا فعلوا في الدنيا خيرا إلخ (سئل) عن الكفار إذا فعلوا في الدنيا خيرا هل ينفعهم يوم القيامة ويثابون عليه وهل يتفاوتون في العذاب؟ (أجاب) انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم الحسنة ولا يثابون عليها بنعيم، ولا يخفف عنهم عذاب لكن بعضهم أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم والله تعالى أعلم. مطلب سئل فيمن أشبه المصطفى ﷺ إلخ (سئل) فيمن أشبه المصطفى ﷺ ؟ (أجاب) نظمهم بعضهم وعدهم خمسة: فقال وخمسة أشبهوا المختار من مصر ... أعظم بهم من شبيه نعما حسنوا هم جعفر وابن عم المصطفى فثم ... أسامة وأبو سفيان والحسن والله تعالى أعلم. مطلب سئل عن مقدار أعمار الأئمة الأربعة وأصحاب السنن وعام إلخ (سئل) عن مقدار أعمار الأئمة الأربعة وأصحاب السنن وعام وفاتهم؟ (أجاب) ﵁ عن ذلك نظما، وبيان معرفة ذلك أن الكلمة الأولى الواقعة بعد اسم الإمام يحسب حروفها بالجمل فعدتها سنة وفاة ذلك الإمام والكلمة الثانية لمدة عمره وحياته كما قال

стр. 525

أبو حنيفة سيف ... لو يصد يوما فيردا ومالك قطع وكس ... كسي من الفخر مجدا والشافعي درند ... قد فاق في الأفق سعدا وأحمد مار عز ... قد أظهر للدين مجدا محمد نور بين ... وهو البخاري المفدا ومسلم رأس نهى ... وعطره فاح ندا أب لداود هرع ... يحبس للحرب وعدا والترمذي عطركن ... من أحمد حاز رشدا محمد جرع كمد ... لماجة لن يردا وذو نساء بارق ... بعلمه تبدا قد تم طبع كتاب فتاوى العلامة الشهير بالخليلي على مذهب سيدنا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على أحسن طبع على نسخة مقابلة على نسخة المؤلف في غاية التحري والدقة والمراجعة لبعض العلماء الأعلام بتصحيح جملة من الأعلام الأفاضل الكرام، وعند استقرائها يظهر لمطالعها فضل تصحيحها. وقد وافق إتمام الطبع في أحد وعشرين يوما من شهر صفر الخير المبارك سنة ١٢٨٤ على ذمة فخر النجباء والطلبة أحد تجار الشوام وهو السبب لإنشائها في الطبع في غاية التحري والضبط الشهير بالشيخ محمود أفندي القط في مطبعة المفتقر لربه المعين محمد شاهين كان الله له ولإخوانه وأحبته وجيرته حافظا وأمين على يد رئيس ضبطها وتصحيح مبانيها حضرة محمد أفندي شاهين في محروسة مصر السعيدة في دولة صاحب السعادة والسيادة ولي أمرنا المفخم لا زال مجد سيادته مقرونا بأوفر النعم آمين وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والسالكين على منواله.