← Фикх шафии

Фикх шафии · id 8648

فتاوي الخليلي على المذهب الشافعي

محمد الخليلي

Полный текст (525 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

لم يفارقوه بحيث يقع التمليك في غيبتهم، وكانوا صاغين لجميع ما وقع فطنين حاذقين لا ينسبون للغفلة فتعارض البينتان فلا يعمل بهما، فيرجع الحال للأولاد فإن كانوا فقراء لا يملكون حال الصداق فعقد الأب على البكر بالإجبار والحال ما ذكر باطل؛ قال ابن حجر: ولو زاد بعض الحاضرين أي على بعض صفة للمجلس قبل إلا إن احتفت القرائن الظاهرة على أن البقية ضابطون له من أوله إلى آخره وقالوا: لم نسمعها مع الإصغاء إلى جميع ما وقع، وكان مثلهم لا ينسب للغفلة في ذلك فحينئذ يقع التعارض كما هو ظاهر؛ لأن المحصور يعارض الإثبات الجزئي كما صرحوا به وإن علم بطلان العقد، وثبت ما ذكر فلا يطالب الأولاد ولا الوالد بشيء لما علم، والله تعالى أعلم. مطلب في رجل له على جماعة دين فأفلسوا إلخ (سئل) في رجل له على جماعة دين فأفلسوا ولم يجدوا سدادا إلا بيتا لهم فباعوه له بالدين، ثم مكثوا مدة نحو عشرين سنة، فادعى بعضهم أنه كان قاصرا فطلب منهم الرجل دينه ويتركه لهم فما قدروا عليه، ثم وقع منهم بيع ثانيا بشهود تشهد بذلك، ثم مات المشتري وترك أولادا والبائعون يدعون أن البيت رهن، فهل بينة الشراء تقدم على بينة الرهن؟ (أجاب) تقدم بينة البيع؛ لأن معها زيادة علم، ولا تنافي بينة الرهن لو قامت لما علم أن بينة البيع تقدم، والله تعالى أعلم. مطلب في رجل من أهل قرية صار عليه ضيم فرحل إلخ (سئل) في رجل من أهل قرية صار عليه ضيم فرحل إلى قرية أخرى، ثم اعتدل حاله فرجع إلى قريته وله فيها أراضي وأشجار ومزارع وغير ذلك فوجد رجلا من أهل القرية قد وضع يده على حصة من أرضه، ومعه بينة شرعية تشهد له بأن الأرض من مزارعه ومزارع آبائه وأجداده، ومعه أيضا بينة أخرى تشهد بأن أبا الواضع أقر واعترف بأنها لنوفل الخارج من البلد، فهل إذا قامت بينة يجب رفع يده عنها ويطالب بريعها؟ (أجاب) حيث حدد الرجل الأرض بحدودها الأربع، وشهدت بينة أن الأرض المذكورة المحدودة المعلومة من مزارعه ومزارع آبائه وأجداده قضي له بالأرض المذكورة، فإن أقام واضع اليد بينة أن الأرض من مزارعه ومزارع آبائه وأجداده رجحت بينة المدعي المذكور الذي كان طائحا؛ لأن ذلك اعتراف منه بغصبها، وإذا أقام كل من المتداعيين بينة رجحت بينة واضع اليد إلا إن قال المدعي: هو غصبها مني وإقرار المدعى عليه صريح في غصبها، وخروج الرجل من بلده لا يزيل يده عن أرضه؛ لقول الصديق: ولا ترفع يد الزارع عن الأرض فإن خرجوا وعادوا فهي لهم، وهم أحق بها وأولى وله ريعها مدة وضع يده، والله تعالى أعلم. مطلب في رجل دفع لامرأته في صداقها أرضا واستغلتها إلخ (سئل) في رجل دفع لامرأته في صداقها أرضا واستغلتها نحو خمس عشرة سنة، وللدافع أهل نازعوه في دفع الأرض فقال لهم على رؤوس الأشهاد: هي ملكي ودفعتها لها، ثم مات وله أقارب

стр. 457

يدعون أنه دفع شيئا لا يملكه ومن هي تحت يده معه بينة أنها ملك الدافع، فهل تقدم بينته أو بينتهم؟ (أجاب) لا ريب أن بينة واضع اليد تقدم على بينة القريب الخارج، ومما يدل على بطلان دعواه أن ابن عمه لما أقر أنها ملكه وأنه دفعها في صداق زوجته لم يبطل دعواه، وأيضا سكوته هذه المدة دليل على بطلان دعواه على أن الدعوى بعد خمس عشرة سنة لا تسمع، والله تعالى أعلم. مطلب في رجل غصب له بهيمة فوجدها في يد آخر إلخ (سئل) في رجل غصب له بهيمة فوجدها في يد آخر فأقام عليها بينة أنها بهيمته التي غصبت، فأقام واضع اليد أن هذه ليست بهيمة المدعي التي غصبت؛ لأن بها علامة ليست بهذه المدعاة فأفتاه مفتي أن هذا من تعارض البينتين فترجح بينة واضع اليد، فهل هو صحيح أم لا؟ (أجاب) هذا الإفتاء خطأ من وجهين: الأول: أن هذا ليس من تعارض البينتين؛ لأن شرطه الاتفاق في المدعي إثباتا ونفيا، وهذا ليس منه بل من تعرض النفي الذي يدعيه واضع اليد والإثبات الذي يدعيه الخارج؛ لأنه يقول: إن هذه دابتي غصبت مني، وواضع اليد يقول: ليست دابتك والإثبات مقدم على النفي لما معه من زيادة العلم فتقدم هنا بينة الرجل المدعي للغصب. الثاني: سلمنا أن هذا من تعارض البينتين ففي مثل هذه الصور تقدم بينة الخارج وعبارة ابن حجر وكذا قدمت بينة الخارج لو شهدت أنها ملكه، وإنما أودعه أو أعاره للداخل أو باعه أو غصبه منه وأطلقت بينة الداخل انتهى. فهنا غاية الأمر أن المدعي يقول للمشتري: إن بائعك غصبني فتقدم بينة الخارج هنا من وجهين: من كون بينته مثبتة وقائلة إن بائع المشتري غصبها، والله تعالى أعلم. مطلب في رجل تحت يده حمارة بنت حمارته إلخ (سئل) في رجل تحت يده حمارة بنت حمارته ولدت في ملكه ومعه بينة تشهد له بذلك، ورجل يدعي أنها حمارته وسرقت من نحو ثلاثة سنين، ومعه بينة تشهد له بذلك فأي البينتين تقدم؟ (أجاب) لا ريب أن بينة واضع اليد المدعي للنتاج تقدم عند الإمام الشافعي ﵁ لوضع يده وعند أبي حنيفة ﵁ لدعواه النتاج كما نص على ذلك متونا وشروحا، والله تعالى أعلم. مطلب في رجل ادعى أن لأبيه عند فلان مقدارا من الزيت إلخ (سئل) في رجل ادعى أن لأبيه عند فلان مقدارا من الزيت، فتحاسب معه على يد رجل فأقر له بقدر معلوم أنه لأبيه في ذمته، ثم أقام شاهدا على أن أب المدعي ليس له عند المدعى عليه حق، فهل يعمل بشهادة الشاهد بالإقرار بعد الموت أو بشهادة براءة الذمة؟ (أجاب) يقدم الشاهد بالإقرار بعد الموت؛ لأن معه زيادة علم، ولا تعارضه شهادة الشاهد بالبراءة لاحتمال معاملة سابقة تركها الخصم، ثم شغلت ذمته بدين آخر أقر به بعد الموت نعم إن ادعى أن هذا الإقرار لم يكن عن حقيقة فله أن يحلف المدعي أن هذا الدين لوالدي عندك، ويحلف

стр. 458

أيضا يمينا أخرى على صدق شاهده، والله تعالى أعلم. مطلب في أولاد ميت تلقوا زيتونا إلخ (سئل) في أولاد ميت تلقوا زيتونا عن أبيهم كان واضع اليد عليه وتصرف أولاده من بعده، برز جماعة هم أولاد أخ لصاحب الزيتون الأصلي يدعون أن عمهم لم يبع الزيتون، فهل إذا أقام الأولاد الوارثون بينة أن أباهم اشترى يعمل بها؟ (أجاب) حيث وجدت البينة الشرعية العادلة أن أباهم اشترى من عمهم عمل بها على أن وضع اليد مشعر بصحتها وصحة الدعوى فيبرهن عليها، والله تعالى أعلم. مطلب في ثلاثة اشتروا ثورا إلخ (سئل) في ثلاثة اشتروا ثورا، واثنان منهم يقولان: إن البيع وقع مؤجلا بأجل فاسد يريدان إبطال البيع، والثالث يقول: إن البيع وقع من غير أجل أصلا، ومعه بينة تشهد له بذلك فأي البينتين تقدم؟ (أجاب) حيث شهدت البينة بالبيع الخالي عن الأجل أصلا عمل بها على أنه إذا لم يوجد بينة، واختلف البائع والمشتري في مثل هذه الصورة صدق مدعي الصحة؛ لأن الأصل في العقود الصحة إلا إذا تحقق المبطل، والله تعالى أعلم. مطلب في رجل واضع يده على دار تلقاها إلخ (سئل) في رجل واضع يده على دار تلقاها عن أبيه عن جده لا يعرف له منازع، وظهر الآن له منازع فيها يدعي أن له فيها له حصة، فهل يعمل بمجرد قوله من غير بينة أو لا؟ (أجاب) لا يعمل بقول المدعي المجرد عن البينة بإجماع المسلمين؛ لقوله ﷺ : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. وعلى أن الدعوى بعد خمس عشرة سنة لا يسمعها القاضي بناء على ورود الأمر السلطاني، والله تعالى أعلم. (فصل في القائف) مطلب هل ورد في القائف شيء يعتد به إلخ (سئل) هل ورد في القائف شيء يعتد به؟ وهل يعمل به في زمننا هذا؟ وهل يوجد الآن أحد عنده من الفراسة ما يعرف به النسب؟ (أجاب) نعم ورد فيه الخبر الصحيح الذي رواه إماما الفن الإمام البخاري والإمام مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ مسرورا فقال: ألم تر أن مجزرا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وقد بدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض انتهى. وسبب ذلك أن المشركين كانوا طعنوا في صحة نسبهما، ويعمل به في زمننا وغيره؛ لأن الفقهاء عولوا عليه عند اشتباه النسب وقد سمعنا في زمننا هذا، بل شاهدنا من له غاية المعرفة بذلك منها أني توجهت لمصر مع رجل يقال له سعد، فأخبروني عن امرأة عندهم في البيوت، وذلك أن غلاما سرق منها خروفا وهي ترعى فسألها عنه فقالت: تبعث أثره فرأيت أمه تربانيه وأباه سويركيا، ثم ظهر كذلك. وحكي عن قاضي

стр. 459

العرب أن شيخا كبيرا تزوج بكرا صغيرة، ثم جامعها ومات، ثم أخذها بعده قبل انقضاء العدة شاب، ثم ولدت ولدا، ثم وقع بين أهل الشيخ والشاب خلاف في الولد كل منهم يدعيه له فترافعا عند قاضيهم فأمر القاضي الولد المختلف فيه أن يذهب ويسرق من ابنة من العرب خروفا فسرق ذلك الولد خروفا من بنت غير أنها لم تره، فجاءت البنت صائحة فسألها القاضي وقال لها: أما عرفت السارق؟ فقالت: لا فقال لها: أما قصصت أثره؟ فقالت: نعم إنه غلام أمه شابة وأباه شيخ فان فقضى قاضي العرب بالولد وألحقه بالشيخ ونفاه عن الشاب والله أعلم. (كتاب أمهات الأولاد) مطلب التسبب في الإلقاء هل هو جائز إلخ (سئل) عن التسبب في الإلقاء هل هو جائز أو لا؟ (أجاب) قال الرملي في باب أمهات الأولاد بعد كلام طويل: الراجح تحريمه أي الإلقاء بعد نفخ الروح مطلقا وجوازه قبله انتهى. أي سواء كانت حرة أم أمة محترما أم غير محترم، والذي في الأحاديث أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر مائة وعشرين يوما والله تعالى أعلم. (باب ما يتعلق بالتصوف) مطلب في رجال من الصوفية يدعون أنهم على قدم إلخ (سئل) في رجال من الصوفية يدعون أنهم على قدم القوم وأحوالهم مخالفة للشريعة باطنا وظاهرا، ومن أحوالهم الذميمة استحلال المحرمات لا سيما الخلوة بالنساء، وشيخهم يدعي العصمة ومن تبعه، ويصومون أيام العيدين وأيام التشريق، ولهم أوراد خارقة للشريعة اخترعوها من تلقاء أنفسهم، ويخرج الشيخ المذكور بالعصبة على النساء مسفرات الوجوه ويقبلن يديه وأقدامه، ويختلي بهن من غير حضور محرم، ويأمرهن باجتناب أزواجهن خوفا من الحمل، وهذه النساء المذكورات التي يختلي بهن من المترفات ويخرجن إلى خلوته، ويجلسن معه من غير إذن أزواجهن ويهديهن إليه من الرياحين والطيب ما لا يوصف، ويجعلون لهن مسجدا في مقبرة شيخهم الأول ويطوفون بقبره فإن أنكر عليهم أحد يتقولون ذلك في الشريعة حرام وفي الحقيقة حلال، فهل يجوز أن ندعهم على ما هم عليه من المنكر واستحلال المحرمات، ومن أزواج النساء موافقونهم على ما هم عليه، وإذا استدل عليهم أحد بحديث يقولوا يكذب، وأيضا إذا أحد جاء لهم بالنقل يقولون يكذب مصنفه وتكذب أنت، فماذا يترتب عليه؟ (أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن طريق التصوف مضبوط معلوم عند أهله طبق الكتاب والسنة لا مخالفة لأهله في حكم من الأحكام، ولكن كثير من حملة الصوفية والذين هم باسم الضلالة والبدعة أحق ما بينوه؛

стр. 460

لأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون فعلم التصوف علم نفيس شريف أحكم أساسه، وعلا في الخافقين رأسه وعظم في المشارق والمغارب نبراسه، ولكن بعزته عند أهله وعلو قدره وفضله قد ترجم عن أصوله ومبادئه وغوامض معارفه ومبانيه بعبارات خفيات وإشارات دقيقات فهو كعلم الكيمياء، فأين المتقنون مع كثرة كتبه ومتعاطيه، وكم من زغلي وخسيس علته كامنة وما ظفر بما يعنيه. وهؤلاء المتصوفة في هذا الزمن مثلهم من يتعاطى الزيف والزغل فيقع في الباطل والزلل، وهنا أصل ضل عنه جميع متصوفة هذا الزمن فحل بهم الوبار والوهن وهو إتقان ظاهر الشريعة الذي عليه الفقهاء، فهذا لا بد منه لكل صوفي وغيره، ولا يخرج عنه إلا كل مبتدع وضال بل كافر؛ لأن رسول الله ﷺ إنما كان يحكم بالظاهر المناسب للعام والخاص والعرب والعجم والألكن والفصيح. وأما الذي عليه الصوفية من الدقة والغموض والغوص على المعاني البديعة الأحوال الرفيعة الناشئ عنها الجد والاجتهاد، والقيام على قدم السداد والصوم والسهر وإتعاب النفس وقهر الشيطان والقيام بما يرضي الرحمن، وقد قال ابن زروق في قواعد الصوفية: للفقيه أن يعترض على الصوفي كما ذكر، وليس للصوفي أن يعترض على الفقيه؛ لأن الذي هو عليه هو المطالب به العامة والخاصة، ثم ظهر زنادقة أرادوا أن يقتفوا أولئك الأعلام فضلوا عن الطريق القويم، وحادوا عن الصراط المستقيم فركبوا متن عميا وخبطوا خبط عشوا فضلوا وأضلوا، فهل سمعت أو نقل إليك عن أجل ممن يقتدى به في التصوف استحلال محرم أو استباحة محظورا، وأنه ادعى العصمة فأبو الحسن الشاذلي قدس سره يقول: نسألك العصمة في الحركات والسكنات والكلمات والإرادات فها هو سبيل العصمة ولم يدعها، ومع ذلك أعترض عليه بأن لا تكون إلا للأنبياء فأجيب عنه بأن سؤالها بمعنى عدم الوقوع مع جوازه لا بمعنى امتناع الوقوع؛ لأنه لا يكون إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأما صوم العيدين وأيام التشريق فيدل على جهله وربما جره ذلك إلى الكفر لورود النهي في الصحيحين وغيرهما عن صوم العيدين؛ لأنه أعراض عن ضيافة الله تعالى والنهي في صوم التشريق في خبر أبي داود بإسناد صحيح فمن صام هذه الأيام فهو آثم مخطئ مخالف لما عليه إجماع المسلمين الذي هو حجة اتفاقا؛ لقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة". ولا يصح الصوم المذكور عند الإمام الشافعي ﵁ وإن كان يصح عند أبي حنيفة ﵁ لكنه يأثم عند الصائم لما مر. والأوراد المخالفة للكتاب والسنة لا يجوز استعمالها، ولا يجوز الخروج على النساء

стр. 461

سافرات الوجوه؛ لأنه خلاف نص القرآن وما عليه الإجماع، فمخالفه إن كان عن قصد وتحر فهو كافر، وإن كان يعلم الإثم ويرتكبه فقد ركب إثما كبيرا. وتقبيل اليد والرجل من الأجنبيات للأجنبي حرام؛ لأن كل ما حرم نظره حرم مسه، وأما الخلوة بالنساء فإن كن متعددات فيجوز مع الحجاب وإن كانت واحدة فلا يجوز وأما أمره لهن باجتناب الأزواج فهو حرج كبير وخطر عظيم لما فيه من داعية النشوز المنهي عنه في الكتاب العزيز، وإن نص على ذلك خوف الحمل فقد ارتكب بهتانا عظيما كيف والشارع أمرنا بالتزوج لأجل كثرة النسل لمباهاة الأمم يوم القيامة، ويؤدي ذلك لقطع النسل ومضاهات النصارى في الترهب المنهي عنه في شرعنا المخالف للتناسل فلا شك أن القائل بذلك زنديق يريد ضعف الأمة وإدخال الضرر على المسلمين، فيجب زجره وتنكيله ورده عن ضلالته وبدعه. وأما هدية الرياحين والطيب فلا بأس بها، وأما جعل المقبرة مسجدا فقد ورد في الشرع لعن المتخذ لذلك؛ قال ﷺ : "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". فإذا منع ذلك في قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف بغيرهم ولا سيما مثل هذا الضال المضل الملحد المخذول البائع لهواه نفسه، الغافل عن النصوص الشرعية والسنة المحمدية الخائض في أودية الضلال، النازل مع الشيطان في كل مقام. وأما قوله: ذلك في الشريعة حرام وفي الحقيقة حلال هذا زور وبهتان وضلال وحرمان فيا أيها المحروم الولهان من قال بهذا الخسران، وأي دليل عليه من سنة أو قرآن أو كلام إمام ممن يقتدى به في الأديان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولعمري إن هذه فرية ما فيها مرية فيجيب سدها ومنعها وإزالة أساسها وقلمها، فلو سلمت هذه المقالة لكان ذلك جوابا لكل مرتكب أي محظور، فإذا قيل له في ذلك يقول: هذا جائز في الحقيقة فالله حسيب هذا القائل الخبيث، فالله يطهر الدين منه ويسلم أهل الإسلام من ضلاله وبدعته، فيجيب على كل مؤمن بالله واليوم الآخر الإنكار على هذا الشقي وزجره وردعه من بدعته وضلاله، بل إنه يستفسر عن أقواله وأفعاله فإن ظهر فيها ما يقتضي الردة عاملناه معاملتها، أو ما يقتضي التأديب أدبناه تأديبا لائقا به وبأمثاله زجرا له عن غيبته ومحاله، وهؤلاء قوم لم يمارسوا الشرع القويم والدين المستقيم بل قلدوا آراءهم فوقعوا في خلل كبير فوجب لهم الوبار والدمار وغضب الجبار، ثم المصير إلى النار والله تعالى أعلم. مطلب في جماعة النساء هل ورد فيهن مدح عن الشارع إلخ (سئل) في جماعة النساء هل ورد فيهن مدح عن الشارع يمدحهن به أو ورد فيهن ذم يذممن به وما حكمهن، وما ورد عن الشارع في حقهن

стр. 462

من ذم أو مدح؟ (أجاب) لا ريب أن النساء شقائق الرجال، وما ورد عن الشارع أمر ونهي إلا والرجال والنساء فيه مشتركون إلا ما كان مما اختص به الرجال من أمر المناصب والجهاد وغير ذلك، وما اختص به النساء من أمر الحيض والنفاث والولادة ونحوها، فمن عمل صالحا وصام وصلى وحج البيت وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وأدى ما عليه من الزكاة فهو من أهل الجنة من رجل وامرأة، ومن أعرض عن ذلك كله فهو من أهل النار من رجل وامرأة. نعم الرجال فضلوا على النساء بأمور من كون الرجل له في الميراث مثلا ما للمرأة ويلي الناصب وحكم المرأة بيده؛ قال الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ وكم في النساء من امرأة توازن ألوفا من الرجال كمريم بنت عمران وآسيه امرأة فرعون وخديجة وبنتها فاطمة وعائشة وصفية وسائر سائر أزواج رسول الله ﷺ والسيدة سارة ورابعة العدوية وغير ذلك، وكم من الرجال لا يعادله جميع النساء ولا جميع الرجال كسيدنا رسول الله ﷺ وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وغيرهم؛ روينا في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قالت النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: "ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كانوا لها حجابا من النار" فقالت امرأته: واثنين؟ فقال: "واثنين -وفي رواية واحد- فقال: أو واحد". وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "إلا أخبركم برجالكم في الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله فقال: النبي ﷺ في الجنة، والصديق في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحبة مصر لا يزوروه إلا لله في الجنة، ألا أخبركم بنساء في الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: كل ودود ولود إذا عفيت أو أوسي+ إليها أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى". ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن بعض ثقاة أهل الروم وهو أنه وقع في إسلامبول حريق قبل هذا الحريق وكان في القدس قاضيا يقال له عمر أفندي كان سنة ألف ١١٢٥ والحريق سنة ١١٢٤ فأخبرني جوخداره أنه لما وقع الحريق هرع جميع الناس حتى الوزير الأعظم فجاء إلى باب دار امرأة وأمروها بالفتح لطفي النار عنها وعن غيرها فامتنعت وأغلظت عليهم بالترك فتركوها فاحترق جميع ما حولها إلا بيتها لم يحترق منه ولا قلامة ظفر فاعتقدها الوزير وأهل إسلامبول جمعا فأرسل لها الوزير كم من بغل محمل من الخير فامتنعت فقالت لهم في الجواب: أنا لو قبلت مالكم حرقت مثلكم فرجعوا وأخبروا الوزير بذلك فقال: لا بئس ولكن اذهبوا واسألوها

стр. 463

لنا الدعاء وما السبب في مصابرتها على النار، فجاءوا إليها وسألوها فقالت لهم: إن زوجي له أربع سنين مسافر فما خرجت من بيتي بغير إذنه فكيف ربي يحرقني، فالمرأة التي تحفظ نفسها ودينها وزوجها فهي من أهل الجنة، ولا تحرقها نار الدنيا ولا نار الآخرة كهذه المرأة. ويدل على ذلك ما رواه عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الدنيا متاع وليس من المتاع شيء أفضل من المرأة الصالحة". وعنه قال: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة". وعنه أن رسول الله ﷺ : "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة تعين زوجها على الآخرة مسكين مسكين رجل لا امرأة له مسكينة مسكينة امرأة لا زوج لها". وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها أسرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله". رواه ابن ماجه عن علي بن يزيد عن القاسم عنه. وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرا؛ فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقومه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوجا فاستوصوا بالنساء خيرا". ورواه البخاري ومسلم وغيرهما. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي". رواه ابن ماجه والحاكم إلا أنه قال: "خيركم خيركم للنساء". وقال: صحيح الإسناد. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أن رسول الله ﷺ : "إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها دخلت من أبواب الجنة حيث شاءت". رواه ابن حبان في صحيحه. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي من أي أبواب الجنة شئت". رواه أحمد والبزار ورواية أحمد رواية الصحيح، وقد ورد في ذمهن أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ : "رأيت النساء أكثر أهل النار قالوا: لماذا يا رسول الله؟ قال: لأنهن يكفرن العشيرة -يعني الزوج- لو أنفقت على إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا". وقال علي -كرم الله وجهه-: دخلت على النبي ﷺ أنا وفاطمة ﵂ فوجدناه يبكي بكاء شديدا فقلنا له: فداك أبي وأمي يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ قال: "يا علي ليلة أسري بي إلى السماء رأيت نساء من أمتي يعذبن بأنواع العذاب فبكيت لما رأيت من شدة عذابهن رأيت امرأة معلقة من شعرها يغلى دماغها، ورأيت امرأة معلقة بلسانها والحميم يصب من حلقها، ورأيت امرأة قد

стр. 464

شد رجلاها إلى ثدييها ويدها إلى ناصيتها، ورأيت امرأة معلقة بثدييها، ورأيت امرأة رأسها رأس خنزير وبدنها بدن حمار عليها ألف ألف نوع من العذاب، ورأيت امرأة على صورة الكلب والنار تدخل من فيها وتخرج من دبرها والملائكة يضربون رأسها بمقامع من نار، فقالت فاطمة الزهراء ﵂: يا حبيبي وقرة عيني ما كان أعمال هؤلاء حتى وقع عليهن هذا العذاب؟ فقال ﷺ : "يا بنية أما المعلقة بشعرها فإنها كانت لا تستر وجهها من الرجال، وأما المعلقة بلسانها فإنها كانت تؤذي زوجها، وأما التي شد رجلها إلى ثدييها ويدها إلى ناصيتها وقد سلط عليه الحيات والعقارب فإنها كانت لا تغتسل من الجنابة والحيض وتستهزئ بالصلاة، وأما التي رأسها رأس خنزير وبدنها بدن حمار فإنها كانت نمامة كذابة، وأما التي كانت على صورة كلب والنار تدخل من فيها وتخرج من دبرها فإنها كانت نمامة حسادة، يا بنية الويل لامرأة تعصي زوجها" انتهى. نقله ابن حجر في الزواجر. وقال ﷺ : "أيما رجل صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله تعالى من الأجر مثل ما أعطى أيوب ﵊ على بلائه، أيما امرأة صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله تعالى مثال ما أعطى آسية امرأة فرعون بنت مزاحم"، والله تعالى أعلم. مطلب في رجل من العلماء من أزرون دأبه سب العلماء والأولياء (سئل) في رجل من العلماء من بلاد الأزرون دأبه سب العلماء والأولياء في غيبتهم، ويكفرهم ويلعنهم ويتكلم عليهم بكلام قبيح ويغير أسمائهم بأسماء القسيسين والرهبان، وكلما ظهر له رجل متصوف يسبه ويسب شيخه، وينكر كرامات الأولياء في حياتهم وبعد مماتهم، ويحرم دق الطبول الباز في ذكر الله تعالى ويحرم قراءة الأوراد والدعاء للسلطان نصره العزيز الرحمن، وثم بعض أناس من الذين استولت عليهم الغفلات وتركوا الآخرة وراء ظهورهم وانهمكوا في فسقهم يجالسونه، ويعملون بقوله ويساعدونه على سب العلماء وأهل التصوف فماذا يترتب عليهم بالوجه الشرعي؟ وهل لولاة الأمور زجرهم وتعزيرهم؟ وهل يجوز التوسل بالأنبياء والأولياء بعد مماتهم؟ وهل كراماتهم ثابتة بالكتاب والسنة؟ وهل تصريفهم ينقطع بالموت؟ وهل لذلك دليل من الكتاب والسنة؟ (أجاب) الحمد لله الذي نور قلوب أوليائه وطمس قلوب أعدائه فهم لا يبصرون اعلم زادك الله توفيقا ومحبة لأولياء الله تعالى وبعدا من أعداء الله تعالى أن هذا رجل مخزول مطرود من كرم الله إلى سخطه، ومن أنواره إلى الغفلة والوبار وفي الحديث الشريف: "إذا قال أحدكم لصاحبه يا كافر فقد باء بها أحدهما". ونحن نقطع بأن الذين يكفرهم هم أهل الإيمان فظهر أن القائل من حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، وكفاه خزيا

стр. 465

ومقتا وبعدا من الله ورسوله معاداته للأخيار والأبرار، فهذا رجل أعمى الله قلبه وبصره فأصبح في ضلاله يتردد، وعن الله ورسله يتباعد، وعن فعل الخير يتقاعد ولا عرف علما ودرسه، ولا عرف الخبر ولا مارسه، وكفاه ذلا وغضبا أن بلاده سلبها الله تعالى من النبوة والرسالة والولاية والكرامة فلا عجب على أعمى أن ينكر الشمس، ولا مسلوب أن ينكر اللمس بل العجب من قوم وجدوا في بلاد الأنبياء والأولياء وهم له تابعون وبقوله قائلون وبمذهبه يتمذهبون فوالله إنهم لأحق بالإبعاد منه، ولغضب الله لاحق بهم قبل، وإن كان هو المغوي لهم والموقع لهم ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك﴾. واعلم أن هذا الخبيث لم يكن في الأرض أشد بدعة منه ولا ضلالا أشد من ضلاله، واعلم أن الذي يجب علينا اعتقاده إثبات كرامات الأولياء أحياء وأمواتا كما قال السعد التفتازاني وغيره من أهل التحقيق، وقال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ لهم البشرى في الحياة الدنيا بإظهار كراماتهم أحياء وأمواتا وقع معاديهم وإلحاق العار والوبار وغضب الجبار لمن يؤذيهم، وفي الآخرة بوضع الدرجات وإعظام المشويات، وإن كل معادي للأولياء والعلماء حقيق بالطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ويستحق التعزير الشديد إن لم يكن في أفعاله واعتقاده ما يوجب الكفر، وإلا عاملناه معاملة المرتد. هذا الرجل وأتباعه لا تظن أنهم من أهل البدع، بل من أهل الكفر والضلال فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ ففي الحديث الصحيح: "يأتي أقوام حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة فوالله الذي لا إله إلا هو لا نعلم خلالا يدخل في ملك العثملي أشد بدعة من هذا الرجل نسأل الله تعالى أن يؤيد هذه الدولة العلية بإزالة هذا المنكر، وإلا فهذا موجب لخلل كبير وخرق لا ينسد إلى يوم القيامة، فإذا فرض بلاد العرب الكبيرة كمصر والشام والعراق سمعوا قوله أدى ذلك إلى خروجهم وبروزهم والله الموفق والهادي. وهنا كلام طويل وقال السعد أسعده الله وقال الأستاذ: نكفر من كفرنا فهذا الضال الملحد يكفر أهل الإسلام فهو الكافر حقا وصدقا، ومما بلغنا عنه قبحه الله تعالى أنه يضلل أهل مصر وهي خزانة العلم ومجمع العلماء، ويضلل أهل الشام وهم سوط الله في أرضه ينتقم الله بهم من يشاء من عباده، ولا يموت منافقهم إلا هما وغما وغيظا وحزنا كما نطق بذلك الحديث الشريف، ويضلل أهل القدس وهي صفوة الله من بلاده، ويضلل أهل مكة زادها الله شرفا على شرف، ويضلل أهل المدينة زادها الله نورا على نور وهذه

стр. 466

البلاد هي خير البلاد وأهلها خير العباد، وهم أهل الإيمان والإسلام، واعلم وفقك الله تعالى أنه تعالى منذ خلق الخلق بعث فيهم رسلا مبشرين ومنذرين هادين مهديين دالين على الله تعالى لم يكونوا من أهل العرب، فتأمل من زمن إبراهيم ومن بعده من الأنبياء إلى خاتم الرسل كلهم من أرضنا هذه، ثم جاءت الأولياء والعلماء على أثرهم ومددهم ساروا سيرا سويا، والفرق بينهما بالاستقلال في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والاتباع في غيرهم، وهؤلاء هم أهل الله وأهل الدين. أما يخرجون الدين أو يجددونه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وما سمعنا ولا نقل إلينا أن رجلا من أزرون جدد للناس دينهم حتى نقول: إن هذا الزنديق يريد أن يضاهي ذلك الصديق، واعلم وفقك الله تعالى أن هذا الشقي ضال من وجوه لا تحصى؛ منها أن هذه الأمور التي يقولها كلها برأيه وعقله، ويعارض الناس ولا يسأل الرجل عن مذهبه فإن هذه الأباطيل التي يقولها ليست ثابتة عن أبي حنيفة إمام الأئمة حتى يكون لكلامه وجه ولا للشافعي كذلك ولا للمالكي كذلك ولا للحنبلي كذلك، بل هي محض زور وبهتان ليس لها سند إلا الشيطان، وليست هي من عقائد أهل الإيمان؛ لأن اعتقاد أهل السنة والجماعة أمران: أحدهما الفروع وهو ما عليه الأئمة الأربعة وهو مخالف لهم، ونصوصهم ناطقة بتكذيبه. الأمر الثاني: العقائد والناس فيه على عقيدتين أحدهما ما عليه إمام أهل السنة والجماعة وهو أبو الحسن الأشعري ﵁ وهو معتقد الشافعية والمالكية، والثانية ما عليه أبو منصور الماتريدي وهو ما عليه السادة الحنفية والحنابلة فزاد الله تعالى هذا الشقي مقتا وسخطا، فمن الذي يقول من هذين الإمامين بهذه العقائد التي يقولها فهذه كتبهم بين أيدينا، ومن الذي يكون من الأئمة الأربعة بهذه الفروع التي يبديها، والمنصوص عليه في كتبنا أن طبل الباز جائز عندنا، ولا يحرم من الطبول إلا الكوبة وهو طبل واسع الرأسين ضيق الوسط أو واسع الرأس فقط والأوراد المتداولة بين الناس التي ليس فيها ما يخالف الكتاب والسنة مثل حزب الإمام الشاذلي قدس سره العزيز وحزب النووي وحزب عبد القادر وأحزاب سيدي محيي الدين فكلها جائزة بل مندوبة؛ لأنها توسلات لرب العالمين وأدعية وآيات لا يمنعها إلا كل عتل جواظ لا يؤمن بيوم الحساب جاهل بالسنة ومواقعها ففي حديث ابن مسعود: قل كلما أصبحت وإذا أمسيت: بسم الله على ديني ونفسي وأهلي وولدي ومالي. وعن أبي طارق الأشجعي: قل: اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني. فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك. وفي حديث رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمرو عن أبي بكر الصديق: قل: اللهم إني ظلمت

стр. 467

نفسي كثيرا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. وفي حديث رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي: قل: أمنت بالله ثم استقم. ففي هذه الأحاديث تصريح بالأوراد وتعليمها، ولم يزل السلف والخلف على ذلك، وقد اجتمعت الأئمة على ذلك والإجماع أقوى الحجج، وقال ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة". فهذا الشقي يضلل الأمة وهو الضال المخزول لا ذاق للسنة طعما، ولا عرف لها لذة ولا أخذ العلم عن قوم منورين ولا أشياخ موقرين، وإنما هم في غفلات وظلمات فهم لا يبصرون ولا يعقلون، وإنما الحامل لهم على ذلك طمس البصر وعمى البصيرة والبغض والحسد والمعاداة لأهل العلم والإسلام، ولا يخفى أن الدعاء عندنا أهل السنة والجماعة مطلوب محبوب للعامة، فكيف لا يدعى للسلطان وهو أمير المؤمنين أعز الله شأنه ورفع سلطانه وأعز أعوانه إلى يوم الدين، وأظن أن هذا الرجل أعجمي حسود لمولانا السلطان، فإنه منصور مؤيد على جميع ملوك الأرض فقالت العجم: ما نظن أن هذا الأمر حاصل له إلا بالدعاء وخدمة الأنبياء الكرام فأرسلوا هذا المخزول حتى تقع الناس في الأنبياء، ولا يدعو للسلطان نصره العزيز الرحمن فيكون ذلك تأييدا لهم، ونعوذ بالله من الضلال. وقد وقعت أنه لما جاءت الانكشارية للقدس الشريف كان معهم رجل منور قال لي: يا شيخ لي نحو خمسة عشر سنة عندي إشكال وهو أننا نتوجه للسفر ونحن قليلون، ويقاومنا سبعة ملوك من النصارى فكيف يكون لنا طاقة بهم، فلما جئنا بلادكم ورأيناكم تدعون للسلطان بهذه الأدعية قلنا بأن هذه الأدعية ننصر، فالدعاء للسلطان إنما كان واجبا وكل من أتباع هذا الضال فهو مثله ليس هو من أهل السنة والجماعة، وإنما هو من أهل البدعة وعلى ولاة الأمور أيد الله بهم الدين الذي هو أحد الكليات الخمس التي أجمع على حفظها كل ملة وهي الدين والنفس والمال والعرض والعقل، ولهذا شرع لهذه حدود وزواجر وجوابر. واعلم أن لحوم أهل العلم مسمومة فكل معاد لهم هالك في الدنيا والآخرة فلا دين له؛ لأنه لم يعتقد العلماء حتى يأخذ عنه دينه ولا يرجى له نجاة؛ لأن العلماء أعداؤه فلا يشفعون له. والتوسل بالأنبياء والأولياء جائز عقلا ونقلا إذ هم الواسطة بين العبد وربه فهذا رب السماوات والأرض ينادي السماوات والأرض والجبال واليهود والناس والمؤمنين فكيف نحن لا ننادي الأنبياء والأولياء ونتوسل بهم، فالقائل بعدم ذلك جاهل آثم ما درس الكتاب ولا دراه، ولا عرف النص ولا معناه، والذي يجب علينا اعتقاده أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم يرزقون

стр. 468

ويصومون ويصلون ويحجون وينكحون ولا ينكر ذلك إلا من ابتلي بالحرمان، واستحوذ عليه الشيطان فكم ذكر ذلك من العلماء والأعلام أئمة الإسلام كما في الشفا للقاضي عياض وشروحه المواهب اللدنية والسير النبوية والخصائص وغير ذلك، ولهذا الرجل أقاويل كلها باطلة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل ولكلام أهل المعاني والبيان ولنصوص الفقهاء والمحدثين والأئمة المعتبرين حتى إنه يخالف اللغة وعلومها وهو أعجمي أبكم، فهل سمعتم أن الدين جاءنا من أزرون أو قرآن أو غيرهما، فإذا كان يضلل أهل العرب الذين نقلوا الدين ودونوه، فمن أين جاء له هو الدين؟! هل تخطى بلاد العرب سيد الرسل وعلمه الدين وترك العرب؟! فهذه بلاد الإسلام مصر والشام والحجاز والعراق والروم والهند والأزبك والداغستان والأكراد والأعراف والغرب والشرق فما منهم أحد معتقد هذه الأمور التي يقولها، بل حتى الأرفاض والمعتزلة والكرامية والشيعة، بل حتى اليهود والنصارى فإنهم يعظمون إبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام، وهو يريد هدم أماكنهم هدمه الله تعالى وقبحه أما علم أن مسجد إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كان موجودا في زمنه ﷺ ، ومر به ليلة الإسرى وصلى فيه، وأمره جبريل بالنزول فنزل وهو ﷺ لا يقر على منكر وكيف يكون منكرا وسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام هو الباني له، ومر عليه قرون من الصحابة والعلماء والأولياء والأتقياء والصلحاء فما سمع من أحد الإنكار والاعتراض، فهل يسوغ لهذا التكلم بذلك القبيح، بل سمعناه عنه لما قدم له بعض الصالحين زبيبا من مدينة السيد الخليل، وقال له: كل من بركة الخليل فقال: لا تقل ذلك؛ فإن الخليل لا بركة له لانقطاعها بالموت؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾ وقال ﷺ : كما باركت على إبراهيم حتى ولو وضعنا الحجارة في هذه الديار بالبركة لا حرج. قال تعالى: ﴿الذي باركنا حوله﴾ وقال تعالى: ﴿إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾ وقال تعالى: ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها﴾ وقال تعالى: ﴿ولسليمان الريح تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها﴾ وبذلك تعلم أنه جاهل أبكم لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يدري ولا يعقل، وإنما قصده لا غراب بما هو باطل في كل باب، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم الحق أن كرامات الأولياء وتصرفهم ثابت لا ينقطع بعد الموت ولا قبله لأمور: منها ما نقل من كراماتهم حتى بلغ التواتر المعنوي الذي لا يسع لأحد من الناس إنكاره وذلك أن العلماء من أهل الأصول جعل التواتر المفيد للعلم قسمين أحدهما تواتر لفظي، والثاني تواتر معنوي

стр. 469

فالأول مثل ما بلغنا عن القرون السابقة والأمم والملوك الفانية والمدن العانية، والثاني مثل أن يقال: حاتم الطائي أعطى زيدا فرسا ويقول آخر: أعطى عمر جملا ويقول آخر: أعطى ذهبا ويقول آخر: أعطى فضة فيفيد ذلك أن حاتما كريم وذلك تواتر معنوي لإفادته العلم. وكرامات الأولياء وتصرفهم ولو بعد الموت من الثاني، وبلغني أنه أنكرها واستدل على ذلك قبحه الله بقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقه جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ظنا منه أن الكرامة من فعل العبد، وما فهم الأعجمي الأبكم أن الكرامة ليست من عمل العبد، بل هي محض إكرام الله تعالى لعبده، كما أنه عظم ربه بالعبادة حفظه كما أنه حفظ ربه بالقيام بأوامره واجتناب نواهيه. وكما أخطأ هنا بالاستدلال أخطأ باستدلاله أن رسول الله ﷺ وكذلك سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يزارروهم لا يزاون لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد". فوجه خطأه أن هذا استثناء، وقد صرح النحاة وأهل المعاني أن المستثنى منه هنا مقدر وموافق للمذكور في جنسه وصفته، فالمعنى: لا تشد الرحال لمسجد من مساجد الدنيا إلا لثلاثة مساجد فغير هذه مساجد الدنيا لا تشد له رحال ففهم الأعجمي الأبكم العوام فلزمه أن يلزم هدم الدين ورفع معالم الصديقين فإذا لا حج ولا جهاد ولا غزو ولا تجارة ولا يزار نبي ولا ولي ولا يطلب العلم بشد الرحال. فتأمل بإنصاف رحماك الله تعالى الثاني من الأدلة ما تقدم من الآية لقوله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ لو لم يكن المراد من البشرى أمر زائد على غيرهم لم يكن لذكرها فائدة، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولا فائدة إلا إثبات الكرامة والتصريف لهم، وقد نطق الكتاب بذلك في قصة مريم القول بأنها ولية لا نبية على الصحيح وصاحب سليمان ﵊ وقول عمر: يا سارية الجبل تحذيرا من ورائه، وأيضا من السنة ما نقله الحافظ عبد العظيم المقتدر في كتاب الترغيب والترهيب حيث قال: عن ابن عباس: ضرب بعض الصحابة خباء على قبر ولا يحسب أنه قبر إنسان فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا هو قبر إنسان قرأ سورة الملك حتى ختمها، فقال ﷺ : "هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر". رواه الترمذي. قال شارحه الفاضل الفيومى: وهذا دليل على وقوع الكرامة بعد الموت؛ لتقريره ﷺ وأخرج أحمد وابن أبي دنيا والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: إن

стр. 470

الميت يعرف من يغسله ويحمله ويكفنه ومن يدليه في حفرته، وإذا طالعت كتاب السيوطي شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور وجدت أشياء كثيرة يضيق عنها الحصر، واعلم أيها المؤمن الموحد أنا قد روينا الحديث المتواتر المقطوع بصحته عند أهل الحق والباطل الشائع في جميع الكتب المعتبرة عند أهل الإسلام أن رسول الله ﷺ قال: "افترقت اليهود على أحد وسبعين فرقة، وستفترق النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة قالوا: يا رسول الله، أين نكون؟ قال: مع الجمهور". فلله الحمد الغرب على سعتها وقوة أهلها كلها أهل سنة وجماعة الأقرية صغيرة تقال لها جربا، وجميع إقليم مصر والبربر والتكرور والزيلع والحبشة كلها أهل سنة وجماعة وأهل الهند وجاوى وإشته وقشمير والأيكن والداغستان أهل سنة وجماعة، ومن مكة المشرفة إلى جينين أهل سنة وجماعة الداخل في ذلك القدس الشريف وغزة والرملة ونبلس وجميع أهل البادية والشام أهل سنة وجماعة إلا حارة بها، وغالب قراها أهل سنة وجماعة، وكذلك حلب والعراق وبغداد والبصرة والكوفة أهل سنة وجماعة إلا حارة ببغداد وإلا بعض عربها وبعض أهل مكة والمدينة وعربها وقراها أهل سنة وجماعة إلا فيها فرقة زيدية، وليس لها في الفروع كبير خلاف وفي الأصول على أصولنا وأهل اليمن أهل سنة وجماعة إلا فيها فرقة شيعة، وليس لها كبير خلاف إلا أنهم يبالغون في محبة أهل البيت، وبلاد العجم أهل سنة وجماعة إلا لما ولي فيها الشاء وكان فاسد العقيد فتبعه بعض الجند على اعتقاده وجميع قراها ومدنها شافعية أهل سنة وجماعة، وبلاد الروم كلها أهل سنة وجماعة إلا أنه حدث فيها في هذا الزمن فرقتان زادلية وحمزاوية وكل هذه الفرق محقها ومبطلها يعظم الأنبياء والأولياء أحياء وأمواتا إلا المعتزلة، فإن منهم من أنكر كرامات الأولياء مطلقا، ومنهم من أنكرها بعد الموت إذا تأملت ذلك، وأراد الله تعالى أن يثبت عليك دينك وإيمانك علمت أن هذا الزنديق الذي خرج في هذا الزمان من أشر البدع ولا نعلم له فرقة نلحقه بها إلا الشيطان وجنوده، فإنه ورد: "لا تقوم الساعة حتى يخرج إبليس في صورة رجل علم يدعو الناس إلى نفسه يقول: أنا وأنا. وأيضا روينا في زوائد الجامع الصغيرة من حديث البشير النذير أنه قال: "يأتي أقوام حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة". وورد إلى لعن آخر هذه الأمة أولها فانتظروا الساعة، ثم أنا أعرضنا اعتقاد هذا الزنديق على

стр. 471

اليهود فأبوا جميعا؛ لأنهم يعظمون إبراهيم وأماكنه، ويقولون: إنها مباركة وذريته كذلك وهو ينكرها، ويريد هدم مكانه والنصارى مثلهم بل أجل، وجميع أهل الإسلام على اعتقاد ذلك، فقد علمتم أنه ليس له فرقة من بني آدم تحويه إلا شيطان يغويه ونفس تطغيه، وقد علمتم أيها المؤمنون أن الله تعالى منذ خلق الخلق جعل هذه البلاد أعز العرب يخرج منها أنبياء وأولياء وعلماء يعلمون الناس دينهم من زمن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد ﷺ ، وكذلك العلماء والأولياء وما علمنا أن أزرون خرج منها أحد هذا الناس إلا هذا المضل الملحد، وما خرج إلا محنة لقلوب كثير من الناس الذي إيمانه على شفا جرف هار وما على مثله يعد الخطأ؛ لأنه أعجمي عنيد وشيطان مريد لا يفهم ما يقول، ولا يعول عليه في النقول، ولا نشأ عند قوم معظمين، ولا أخذ العلم من أشياخ منورين، وليس في بلاده ولي حتى يعرف قدره ولا نبي حتى يعظم أمره، بل صور وأجسام كأنها الأصنام، وقلوب طمسها علام الغيوب، ونفوس لوامة حركاتها ملامة، وأنفاسها ندامة حتى تلقيها في النار وتلحقها العار والوبار وغضب الجبار، وليس العجب منه؛ لأنه لا يعرف له أصل ولا سريرة، ولا سمع ولا مرمى ولا حقيقة ولا مبنى، بل العجب من أقوام تبعوه وزادوه ضلالا ووبالا ونكالا فتركوا دين محمد ﷺ القويم الذي عليه الجماهير، وتبعوا دين الشياطين، وبذلك تعلم أن الدجال إذا خرج يكثر تبعوه فيعز مخالفوه، والله تعالى يعصم ديننا من التغيير، وإيماننا من التحويل، وأظن أن من تبعه قل منهم من يسلم من الوبار وغضب الجبار، ولا بد أن يلحقه العار ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ ومثلهم من تبع السامري على عبادة العجل فقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى وقد عالجهم موسى ﵇ ومع ذلك أشربوا حب العجل وما خرج من قلوبهم وهؤلاء أشربوا حب العجل وقل أن يخرج من قلوبهم ولو أن كاتبا كتب كرامات الأنبياء والأولياء أحياء وأمواتا لملأ الأسماع وأشاع وذاع فلا عجب من أعمي البصران ينكر الشمس ولا من الميت أن ينكر اللمس ولا من المصروف عن طريق الحق أن ينكر الحس فقد أنكرت السوفسطائية حقائق الأشياء والله الموفق والهادي للصواب. مطلب فيما اعتاده السادة الصوفية من التوجه إلى زيادة الأنبياء إلخ (سئل) فيما اعتاده السادة الصوفية من التوجه إلى زيارة الأنبياء والأولياء وتقبيل ضرائحهم والتوسل والاستغاثة بهم ويذهبون بالأعلام ويدقون طبول الباز والمزاهر هل ذلك حرام أم لا وإذا قلتم حرام فما الموجب لحرمته؟ (أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن زيادة القبور مستحبة مطلوبة لغير الأنبياء الكرام فما بالك بخيرة الله من خلقه وصفوته من عباده

стр. 472

ولا يمنعها إلا كل شقي بغيض عدو للإسلام مغيض قال القطب الرباني والعالم الصمداني محيي الدين النواوي قدس سره العزيز مع شرح ابن حجر له ويندب زيارة القبور التي للمسلم للرجال إجماعا وكانت محظورة لقرب عهدهم بالجاهلية فربما حملهم على ما لا ينبغي ثم لما استقرت الأمور نسخت وأمروا بقوله ﷺ كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة وأما النساء فإن الزيارة لغير الأنبياء لهن مكروهة وقبور الكفار لا تسن زيارتها قال: يسن للنساء زيارة قبور الأنبياء وقبره ﷺ أشد استحبابا ويسن لهن زيارة الأولياء والعلماء وتقبيل ضرائحهم غير ممنوع والتوسل بالأنبياء والأولياء مطلوب محبوب كما عليه السلف والخلف وجميع الطبول جائزة إلا الدربكة وهي طبل واسع الرأس ضيق الوسط فليس شيء من ذلك ممنوعا بل هو مطلوب محرك للقلوب إلى علام الغيوب لا ينكره إلا كل ملحد مبتدع من أهل الضلال والله أعلم. مطلب ورد عن بعض علماء السادة الحنابلة إلخ (سئل) ورد عن بعض علماء السادة الحنابلة حفظهم الله تعالى سؤال صورته فيما اشتهر في بلادنا في هذا الزمن من العملة المسماة بعملة المثالثة وهو أن يدفع إنسان لآخر مائتي قرش قرضا بثلاثمائة إلى أجل ويأتيان إلى فقيه من فقهاء السادة الشافعية يعمل لهما حيلة لأجل الخلاص من الربا فيقول الفقيه للمعطي: بع الآخذ محرمتك أو سكينك أو بيتك أو هذا الكتاب أو المسبحة أو السواك أو نحو ذلك بالمائة الزائدة ويكتب على الآخذ صكا بالثلاثمائة قرش أو يقول الفقيه للآخذ أنذر له بالقدر الزائد أو يقول له هبه كل مدة كذا مثلا فهل هذا البيع والنذر والهبة صحيح مع الشرط ويخلص من الربا مع أن هذا نفع وقد ورد في الحديث الصحيح كل قرض جر نفعا فهو ربا، وهل الإثم على الآخذ والمعطي أم على الفقيه الذي حلل لهما ذلك مع أن غالب الفقهاء الفاعلين لذلك من أهل التصوف ومنسوبين للعلماء الصوفية وملازمين على الذكر والأوراد والخلوات وغير ذلك فهل يجوز منهم ذلك وهل يجوز إقرارهم على ذلك وماذا يترتب على ذلك من الأحكام ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح أفيدوا جوابا كافيا تعطوا أجرا وافيا لا زلتم لكشف المعضلات ودفع البليات. (أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أولا أن زمننا هذا كثر فيه الجهل بأقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين حتى صار علماؤه يفسرون الكلام وينسبونه إلى أصحاب المذاهب من أئمة الدين ويضعون الأحاديث والأكاذيب بحسب أغراضهم الفاسدة ولا يبالون وسبب ذلك قصورهم في العلم وعدم الاطلاع على كتب العلماء من الفقهاء وغيرهم وها أنا أنقل لك ما ذكره العالم العلامة شيخ المذهب الشمس الرملي رحمه الله تعالى

стр. 473

في كتابه المعتمد في المذهب شرح المنهاج المقبول عند أهل الإسلام فذكر رحمه الله تعالى أن هذا البيع والنذر والهبة بهذه الصورة باطل قطعا فذكر في كتاب البيع أنه ﷺ نهى عن بيع وشرط كبيع بشرط بيع أو بيع دار مثلا بألف بشرط قرض مائة لأنه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمنا واشتراطه فاسد فبطل مقابله من الثمن وهو مجهول فصار الكل مجهولا انتهى، وذكر أيضا فبيع بشرط إجارة أو إعارة باطل لذلك سواء قدم ذكر الثمن على الشرط أم أخره عنه انتهى وذكر في باب القرض بقوله ولا يجوز قرض نقد أو غيره بشرط رد صحيح عن مكسر أو رد زيادة على القدر المقترض أو رد جيد عن رديء أو غير ذلك من كل شرط جر منفعة للمقرض كرده ببلد آخر أو رهنه بدين آخر فإن فعل فسد العقد لخبر فضالة بن عبيد ﵁ كل قرض جر منفعة أي شرط فيه عمل يجر إلى القرض منفعة فهو ربا والمعنى فيه أن موضوع القرض الإرفاق فإذا شرط فيه لنفسه حقا خرج عن موضوعه فمنع صحته انتهى، وذكر أيضا ومنه القرض لمن يستأجر ملكه مثلا بأكثر من قيمته لأجل القرض إن وقع ذلك شرطا إذ هو حرام بالإجماع وإلا كره عندنا وحرم عند كثير من العلماء انتهى وذكر أيضا في كتاب النذر وقد اختلف من أدركناه من العلماء في نذر من اقترض شيئا لمقرضه كل يوم كذا ما دام دينه أو شيء منه في ذمته فذهب بعضهم لعدم صحته لأنه على هذا الوجه الخاص غير قربة بل ليتوصل به إلى ربا لنسيئة وذهب بعضهم وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى إلى صحته لأنه في مقابلة نعمة ربح المقرض أو اندفاع نقمة المطالبة إن احتاج لبقائه في ذمته لارتفاق ونحوه ولأنه يسن للمقرض رد زيادة عما اقترضه فإذا التزمها بالنذر لزمته فهو مكافأة إحسان لا وصلة للربا إذ هو لا يكون إلا في عقد كبيع ومن ثم لو شرط عليه النذر في عقد القرض كان ربا انتهى وذكر في كتاب الهبة ولا تصح الهبة بأنواعها مع شرط مفسد انتهى فقد علمت أيها الإنسان ما ذكره العالم العلامة المذكور فيا علماء المسلمين ويا قضاة الموحدين ويا فقهاء يا مدرسين يا أصحاب الدين المتين يا حضر يا بدو يا فلاحين رحمكم الله تعالى ووفقكم للحق المتين هل سمعتم أن المحرمة التي قيمتها مثلا نصفا فضة تباع بمائة قرش، وهل المشتري يأخذها بهذا الثمن إلا لأجل أن يدفع له بائعها مثلا مائتي قرش قرضا أو أن المقرض يدفع للمقترض شيئا إلا أن يشرط عليه أن ينذر له الفائدة أو أنه يدفع له شيئا إلا أن يقول له تهب لي مثلا شيئا قدر الثلث ونحوه وهل يخال لكم أن يدخل في عقولكم أن المقترض يشتري بهذا الثمن أو ينذر أو يهب إلا لأجل القرض ويشرط عليه الدافع له ذلك ومراده يتخلص من الربا وهو الربا بعينه فحسبنا الله تعالى

стр. 474

على من فعل ذلك وحلله من الفقهاء ونعم الوكيل وجازاه الله تعالى بهذا الفعل الشنيع الجزاء المثيل وعامله بعدله حيث أنشأ عملة المثالثة بغير دليل وأباح مال زيد لعمرو بلا سبيل وأظهر الربا في هذا العصر ولم يخش الجليل وأغضب الرحمن وأرضى الشيطان بثمن قليل فهو من الذين استحوذ عليهم الشيطان ألا إن حزب الشيطان هو الخاسر الذليل والآخذ لذلك إن كان مضطرا فسيكون سالما من الإثم وأما الآكل لذلك وهو صاحب المال المعطي أظن أيضا أنه كذلك ليس عليه إثم لأنه قلد في ذلك فقيها وإنما جميع الإثم والوبال والنكال وغضب الجبار على الفقيه الذي حلل هذا الحرام وكاتب الوثيقة الذي أباح هذه الآثام والشاهد الذي يجر بشهادته للغير مال الغير باطلا ظلام أولئك ملعونون على لسان محمد ﷺ بدر التمام كما ورد بذلك في الحديث الشريف عن سيد الأنام ولقوله ﵊: من قضي له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وقوله ﷺ : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ويلحق بذلك كل من حضر وأقر على ذلك لما ورد في الخبر الصحيح عن صاحب القدر الرجيح من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ويجب على كل مسلم أن ينكر ذلك لما ورد في الخبر عن سيد البشر: لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله تعالى بعذاب من عنده وأي منكر أعظم من هذه الفعلة الشنيعة لأن الربا من الكبائر بل قال بعضهم إنه من أكبر الكبائر وعلامة على سوء خاتمة آكله والعياذ بالله تعالى ولم يحل في شريعة من الشرائع قط، وما من نبي من الأنبياء إلا وقد حذر قومه منه، قال تعالى: ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عن وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ وعلى الفرض والتقدير أن هذا الفقيه الفاعل ما ذكر إذا وجد له قولا ووجها محللا لذلك عند إمامنا الشافعي ﵁ أليس أن هذا ربا وحرام وباطل غير صحيح عند الإمام أحمد بن حنبل قدس سره العزيز، والعوام لا مذهب لهم فكيف يسوغ له الإقدام على مخالفة مثل الإمام أحمد بن حنبل ﵁، قال بعض العارفين والله لو علمت أن شرب الماء البارد يخل بمروءتي ما شربت، وأي خلل للمروءة من أن يشاع بين الناس أن الفقيه الفلاني حلل عملة المثالثة وأيضا شيوع هذا الأمر وظهوره يلزم منه وقوع الناس في عرض مثل هذا الفقيه المحلل لهذا الأمر وقد قال أبو هريرة ﵁ حفظت من رسول الله ﷺ وعائن من العلم أحدهما بثثته في الناس والثاني لو بثثته لأزيل هذا البلعوم وقوله صلى الله عليه

стр. 475

وسلم: أمرنا باتباع الظاهر والله يتولى السرائر، وقال ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. قال بعض شراح هذا الحديث: المعنى اترك ما في حله شك إلى ما لا فيه طلبا لبراءة دينك وعرضك، ودع ما تشك فيه إلا ما لا تشك فيه من الحلال البين الظاهر الصافي المصفى الذي يحمدك الناس على فعله، ودع الذي تذمك الناس على فعله. وقال أبو ذر ﵁: تمام التقوى ترك بعض الحلال خوفا أن يكون حراما لما في ذلك من ترك الريبة؛ لأن تركها ورع كبير عظيم في الدنيا والآخرة. وروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لرجل: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك قال: وكيف لي العلم بذلك؟ قال: إذا أردت أمرا فدع يدك على صدرك؛ فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال، وإن المسلم يدع الصغيرة مخافة الكبيرة". وقال حسان بن سنان: ما شيء أهون من الورع إذا رابك شيء فدعه، وفي رواية: من عرض نفسه للتهم فلا يأمن من إساءة الظن به، فمن طلب البراءة لدينه فقد صان عرضه عن كلام الناس فيه بما يصيبه ويشينه. وقوله ﷺ : "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، فاتقوا الله عباد الله ولا تكونوا من الغافلين فتلحقوا بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى ويجنبنا الفساد والردى ويهدينا للصراط المستقيم بحرمة محمد ﷺ سيد المرسلين. ويتعين على الفقيه الصوفي بل يجب عليه أن يتجنب إساءة الظن به خصوصا هذه الأفعال ولو كانت على الصواب، وأن يكون جوهري الفكر جوهري الذكر جميل المنازعة قريب المراجعة لا يطلب من الحق إلا الحق، ولا يتمذهب إلا بالصدق مذكرا للغافلين معلما للجاهلين، لا يؤذي من يؤذيه ولا يخوض فيما لا يعنيه ورعا من المحرمات متوقيا عن الشبهات والشهوات، لا يكشف أمرا ولا يهتك سترا، لطيف الحركة نامي البركة حلو المشاهدة سخيا بالفائدة حسن الأخلاق طيب المذاق، حليما إذا جهل عليه، صبورا على من أسى إليه أمينا على أمانته، بعيدا عن خيانته ثابت الجنان صدوق اللسان تأمن بوائقه الجيران والله تعالى الموفق أعلم. مطلب فيما يفعله السادة الصوفية إلخ (سئل) فيما يفعله السادة الصوفية من إعطاء العهود للفقراء وأخذ الفقراء منهم العهد، فهل ذلك حسن مستحب؟ (أجاب) أخذ العهد حسن محبوب؛ لأن الشيخ يذكر للمريد كلاما يعاهده عليه معناه الرجوع عن المعاصي والدوام على الطاعة، وهذا الدليل أصل أصيل جاءت به الأحاديث منها عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله

стр. 476

شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا، ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك"، والله تعالى أعلم. مطلب عن رقص الصوفية عند تواجدهم إلخ (سئل) عن رقص الصوفية عند تواجدهم هل له أصل؟ (أجاب) ذكر العلامة ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: نعم له أصل فقد روي في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ﵁ رقص بين يدي النبي ﷺ لما قال له: أشبهت خلقي وخلقي وذلك من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . وقد صح التمايل والرقص في مجالس الذكر والسماع عند جماعة من كبار الأئمة؛ منهم شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى انتهى. فجعل ذلك أصلا لجواز رقص الصوفية عندما يجدونه من لذة الوجد في مجالس الذكر والسماع. وروي عن النبي ﷺ أنه قال لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض بكى ثلاثمائة عام، فأوحى الله تعالى إليه: ما يبكيك؟ قال: يا رب لست أبكي شوقا إلى الجنة ولا خوفا من النار، ولكن أبكي على فراق الملائكة الذين يطوفون على العرش سبعون ألف صف جرد مرد يرقصون ويتواجدون كل واحد منهم قد أخذ بيد صاحبه يقولون بأعلى صوتهم: من مثلنا وأنت ربنا من مثلنا وأنت حبيبنا. وذلك دأبهم إلى يوم القيامة فأوحى الله تعالى إليه أن ارفع رأسك يا آدم فانظر فرفع رأسه إلى السماء فنظر إلى الملائكة وهم يطيرون حول العرش فسكن روعه. قالت الصوفية: نقلد إخواننا في السبب وأصحابنا من أهل السماء في المذهب. ووقع سؤال في مصر المحروسة في سنة خمس ومائة وألف صورته. مطلب ما تقول السادة العلماء إلخ (سئل) ما تقول السادة العلماء ﵃ في رجل معترض يقول في حق السادة الخلوتية وغيرهم حين يقومون للذكر، ويدورون محلقين آخذين بأيدي بعضهم بعضا ويسمونها الهوية أنهم يكفرون؛ لأنهم يرقصون ويتلاعبون بالذكر، ويكفر من يقول بجواز ذلك فماذا يترتب على هذا الخبيث في إنكاره على هذه الطائفة الفائزة الناجية إن شاء الله تعالى الذين يجتمعون على تلاوة القرآن العظيم، وذكر الله تعالى، والصلاة والسلام على نبيه محمد ﷺ ، وإخراجه لهم عن دائرة الإسلام، وهل لهؤلاء الطائفة مستند من السنة المطهرة أو من أحد من السلف الصالح أم لا. ومن جملة اعتراضه وشدة افترائه أن قال لجماعة: اقضوا جميع صلاتكم التي صليتموها خلف من يفعلها أو يقول بجوازها، ومن جملة اعتراضه أيضا أن قال: من يقول: يا سيدي أحمد يا بدوي أو غيره من

стр. 477

الأولياء يكفر؛ لأنه أشرك مع الباري غيره، مع أن قائل هذا إنما يقوله بقصد التوسل بالله لقربه من الله تعالى مع اعتقاده أن الله تعالى إله واحد لا شريك له، فهل اعتراضه مردود أم لا؟ وهل التوسل بالأنبياء والأولياء جائز في الحياة وبعد الممات أم لا؟ (أجاب) قال الشيخ الإمام العلامة أبو العز أحمد بن العجمي الشافعي الوفائي الأزهري: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين هذا المعترض لا يعبأ باعتراضه، ولا يتابع في أقواله وإن اعتقد أن ما عليه هذه الطائفة كفر فقد باء به، وعليه أن يجدد إسلامه مع تعزيره وتنكيله لإساءة الأدب وتمويهه، فقد واظب هذه الطائفة جملة أعلام من مشايخ الإسلام كالعلامة المقدسي والعلامة الشرنبلالي، وحضر مجالسهم جهابذة حفاظ دأبهم النقل عن الشريعة بأوثق حفاظ فلهؤلاء الطائفة سند أي سند وسلف أي سلف. وما يفعلونه ليس برقص إنما مجرد دوران، ومع التنزل فالرقص الخالي عن التكسر والتثني لا حرمة فيه ما لم ينضم إليه محرم كآلة ومزمار، واشتمل على تكسر وتثني وأمره بقضاء الصلوات دليل سوء عقيدته إما لكونه لا يرى صحة الصلاة إلا خلف معصوم، أو اعتقاد كفرهم هذا كفر والعياذ بالله تعالى، فإن الصلاة صحيحة خلف كل بر وفاجر ولا قضاء كما لو بان أمامهم محدثا أو ذا نجاسة خفية إنما يلزم القضاء إذا بان إمامه كافرا معلنا أو خافيا. وقوله: يا سيدي أو يا شيخ ليس من الإشراك؛ لأن القصد التوسل والاستغاثة؛ قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾. مطلب سئل العلامة الشيخ محمد الشوبري عما يفعله السادة الخلوتية إلخ وقد (سئل) أستاذنا علامة الإسلام حامل لواء الشريعة الغراء على أحسن نظام الشيخ محمد الشوبري رحمه الله تعالى عما يفعله السادة الخلوتية من ذكر الله تعالى قائمين محلقين رافعي أصواتهم بقولهم: "هو هو هو" فهل لمن يعرف ذلك الاعتراض عليهم، ويدعي أنهم يمنعون من ذلك؟ (أجاب) بأن طريق السادة الخلوتية من أعظم الطرق العرفانية قصد سلوكها الكثير من الأئمة الأعلام السادة القادة العظام لتصفية السرائر، وتنوير الأفئدة والبصائر والتخلص من الدعوات النفسانية والتخلق بأخلاق تلك الأسرار العرفانية فأشرقت والله عليهم أنوارها، ودارت فيهم وبهم وعنهم أسرارها، فكملوا بالحقيقة بهذه الطريقة وصاروا هم المشار إليهم بالكمال على هذه الحقيقة فيا لها من موارد ما أعذبها ومشاهد ما أطيبها كرع من حياضها العاملون، وتلوا في مشاهدة أسرارها وما يعقلها إلا العاملون إلى أن قال: فلا منع ولا إنكار من ذلك، ولا اعتراض على أهل هذه المسالك. وفي حاوي الفتاوى لخاتمة الحفاظ والمحققين شيخ المحدثين العلامة

стр. 478

جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى. مطلب في جماعة صوفية اجتمعوا في مجلس ذكر إلخ (سئل) في جماعة صوفية اجتمعوا في مجلس ذكر، ثم إن شخصا من الجماعة قام من المجلس ذاكرا فاستمر على ذلك، فهل لأحد زجره ومنعه؟ (أجاب) لا إنكار عليه فقد (سئل) عن هذا السؤال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني رحمه الله تعالى (فأجاب) بأنه لا إنكار عليه، وليس لأحد منعه ويلزم المتعدي بذلك التعزير. (وسئل) عنه العلامة برهان الدين الأنباسي رحمه الله تعالى (فأجاب) بمثل ذلك، وزاد أن صاحب الحال مغلوب والمنكر محروم فالسلامة في تسليم حال القوم، (وأجاب) بذلك بعض أئمة الحنفية والمالكية كلهم كتبوا على هذا السؤال بالموافقة من غير مخالفة، وكيف ينكر الذاكر قائما والقيام ذاكرا، وقد قال الله تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾، وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يذكر الله تعالى في كل أحيانه وإن انضم إلى هذا القيام رقص أو نحوه، فلا إنكار عليهم فذلك من شدة الشهود بالتواجد؛ لما ورد في حديث جعفر بن أبي طالب لما رقص بين يدي النبي ﷺ لما قال له: أشبهت خلقي وخلقي كما تقدم. وقد (أجاب) العلامة الشيخ سليمان الشبراخيتي المالكي رحمه الله تعالى على ذلك بقوله: هؤلاء السادات ذكرهم مشهور مشهود ويحضرهم فيه العلماء والفقهاء قرنا بعد قرن من قديم الزمان إلى الآن، فهم على حال محمود وطريق بالخير معهود، فمن آذاهم مستحق لما في الحديث القدسي من الوعيد: "من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب". ومن لم يكن منهم وليا فهو في حمى الأولياء لحبه لهم ومشيه على طريقتهم، وما رأينا السادة الخلوتية بمصر من السادة الدمرداشية والسادة الذين هم فروع الأستاذ سيدي كريم الدين الخلوتي وغيرهم إلا في غاية من الإتقان بذكر كلمة الإيمان والنطق بالاسم الأعظم على وجهه المعظم مما استنارت به سرائرهم، وزكت به ضمائرهم، فمن نسبهم للكفر فهو الكافر، وصلاتهم في غاية الصحة فعلى من كفرهم أن يراجع إسلامه، وعلى ولي الأمر أن يدفع عن هؤلاء السادة ويكف عنهم ألسنة الجهلة المتكلمين فيهم بغير ما يجوز في حقهم، فمثل هؤلاء السادة المحيين لما اندرس من طريق القوم لا يجوز التكلم عليهم والخوض في حقهم مع ما لهم من الأذكار في الخلوات والجلوات، وما هم عليه من الصيام والقيام فهم السادة الأعلام، وممن يرحم الله بهم الأنام ولا عبرة بمن خالفهم فإنه محروم والسلام. انتهى والله أعلم. مطلب هل يجوز الاعتراض على السادة الصوفية إلخ (سئل) هل يجوز الاعتراض على السادة الصوفية فيما يفعلونه في الذكر من رفع الصوت والرقص والهوية والتحلق لذلك أو لا

стр. 479

وهل يجوز التوسل بالأنبياء والأولياء والصلحاء؟ وهل يجوز الاهتزاز حالة الذكر؟ وهل السماع لهو باطل أو حلال؟ وهل قول المعترض: الحصر الذي يرقص عليه لا يصلى عليها حتى تغسله ونقله عن قاضي خان أله أصل أو لا؟ وقوله أن الرقص والتواجد أحدثه السامري، وينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد؟ وهل يكره المشي في الذكر والدوران؟ وهل قال بعضهم بكفر فاعله؟ وهل ورد أنه لما رأى ﷺ رجلا مشى في حال الذكر، وسقط على الأرض وصار كالخشبة فقال لأصحابه: اذبحوه أو ألقوا عليه هذا العمود لا أبرح من مكاني حتى أجدد إيمانه؛ هل ليس له أصل في السنة؟ وهل ذكر في كتاب البزازية أن دوران الصوفية في مجلس الذكر لعب وتشبه بفعل المشركين في أيام كفرهم؟ وهل قال الطحاوي: دوران الصوفية حرام والحضور معهم حرام؟ وقال صاحب الفتاوى: دوران الصوفية حرام ولو استحلوا ذلك كفروا؟ وقال الطرطوسي: دورانهم رقص أحدثه السامري أولا فهل هو حرام، وتشبه بالكفرة الضالين فالمأمول من سيدي تتفضلوا علينا بالجواب عن هذه الأسئلة حتى نكون في ذلك على بصيرة، وتزيلوا منا الشك في ذلك؛ لأجل أن ندحض المعترض أثابكم الله تعالى الجنة؟ (أجاب) لا شك أن من عارض السادة الصوفية فيما هم فيه من ذكر وعبادة وغيرهما إنما مراده إبطال نظام الإسلام، ولا شك أن هذا ابتداع يجب رد من أراده وزجره وتنكيله بما يليق بحاله، وأن هذا المعترض لا يخلو إما أن يكون اعتراضه لغرض نفساني، فهذا لا نظر إلى اعتراضه، ويترتب على أفعاله مقتضاها، وإما أن يكون لحسد أهل الطريق وبغضهم فلا يخفى ابتداعه وضلاله فإن السادة الصوفية على حق وطريقهم مسدد مبني على التفويض والتسليم وقول القائل أن الذاكرين على تلك الحالة يكفرون، فإن قال بكفرهم عن تصحيح واعتقاد فلا يخفى إثمه بل كفره؛ لأن من كفر مسلما عن اعتقاد بلا تأويل كفر وإن قال ذلك لما اشتمل عليه فعلهم من الرقص والهوية، فهذا لا يقتضي التأثيم فضلا عن التكفير فقد صرح أئمتنا بأن الرقص لا حرمة فيه ولا كراهة؛ لما ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم أنه ﷺ وقف لعائشة يسترها حتى تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون ويزفنون، والزفن الرقص، ولأنه مجرد حركات على استقامة أو اعوجاج، نعم إن كان بتكسر حرم وهم لا يفعلونه بتكسر كما هو مشاهد منهم، ثم لا يخفى على كل أحد أن الذكر بسائر أنواعه محمود سواء كان بتسبيح أو تقديس أو ذكر أو غير ذلك، كما ورد في ذلك آيات وأحاديث وآثار جمة واعلم أن الاعتراض على القوم مما يوجب

стр. 480

الخذلان فيوقع فاعله في واد من الخسران كما نص على ذلك العلامة ابن حجر من أئمتنا فمن اعترض عليهم يخشى عليهم سوء الخاتمة كما وقع لكثير من الناس أنهم مقتوا بذلك ولم يفلحوا ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾. وأما التوسل بالأنبياء والأولياء والعلماء فقد نص أئمتنا أنه يجوز التوسل بأهل الخير والصلاح سواء كانوا أحياء أو أمواتا، ولا ينكر ذلك إلا من ابتلي بالحرمان وسوء العقيدة نعوذ بالله تعالى من المنكر ومن سيرته، وأما الاهتزاز في حالة الذكر فمندوب إليه؛ لما روى الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني بسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه وصف الصحابة يوما فقال: كانوا إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجر في اليوم الشديد الريح وجرت دموعهم على ثيابهم قال أهل اللغة: ماد يميد إذا تحرك، ومادت الأغصان تميد تمايلت. قال شيخنا العارف جمال الدين عبد الله بن حسام الدين خليل الاسترابادي البسطامي قدس الله تعالى روحه: وهذا صريح على أن الصحابة ﵃ كانوا يتحركون في الذكر حركة شديدة يمينا وشمالا؛ لأنه شبه حركتهم بحركة الشجر يوم الريح، ومن المعلوم أن الشجر في يوم الريح يتحرك حركة شديدة، فثبت مطلقا إباة الميلان بهذا الأثر على أن الرجل غير مؤاخذ بما يتحرك ويقعد ويقوم ويلبث على أي نوع كان لا يكون منهيا عنه، ولم يرد عنه ﷺ نهي عن الحركة في الذكر، ولو كان فيها كراهة لبينها لأمته فيما ورد عنه. ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وورد عنه ﷺ أنه قال: "اذكروا الله حتى يقولوا مجنون". وفي حديث: "اذكروا الله حتى يقول المنافقون أنكم مراءون". ومقتضى هذا أن لا يذكر الله تعالى سرا؛ لعدم الإخلاص وإذا جهر مراآة وقد وصفه الله تعالى بالقلة حيث قال فيهم: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ فسرهم بمقتضى النفاق معدوم وجهرهم قليل، فالإكثار من الجهر محمود عند الله تعالى وعلامة الإيمان، والإقلال منه مذموم وعلامة النفاق، وأما السماع فهو محمود كما أفتى بذلك أئمة الشافعية وغيرهم بخلاف السماع الذي يجتمع عليه الفساق بالألات المنكرة مع الخمر والزنا ونحو ذلك. وأما قوله في الرقص والتواجد أول ما أحدثه أصحاب السامري فكيف يجوز لمسلم أن يشبه الذاكرين الله كثيرا بالكافرين؛ قال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ وقال تعالى: ﴿أفحسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ٣٠ وأيضا من يعلم أن أصحاب السامري كانوا يفعلون ذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله على

стр. 481

المعترض ونعم الوكيل، وأما قوله: ينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد نسأل الله تعالى أن يحفظ السلطان ونوابه من وساوس هؤلاء الجهال شياطين الأنس أهل الضلال والإضلال، وكيف يسوغ لهم منعهم، وقد قال الله تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولائك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خز ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾. وأما قوله: ويكره المشي في الذكر والدوران وقيل: يكفر فاعله فهذا كلام لا معنى له ولا له أصل فإن المشي في الذكر مباح بأن يذكر الله تعالى ماشيا لا مانع منه شرعا ولا عقلا، ونقل الحاوي أن ما روي عن سعيد باطل. وأما قوله فيمن مشى ودار وسقط على الأرض وسار كالخشبة ورآه ﷺ فقال لأصحابه: اذبحوه أو القوا عليه هذا العمود لا أبرح من مكاني حتى أجدد إيمانه فانظروا ما أجهل هذا الكاذب على رسول الله ﷺ كيف أتى بما هو مخالف للعقل والنقل كيف يجدد إيمانه من إتيانه بذكر الله تعالى، وكيف يكفر من يأتي بذكر الله تعالى الذي هو سبب الإيمان، وكيف ينهى النبي ﷺ عما جاء داعيا إليه حتى قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث فكيف يحكم بكفر من قالها، ويجدد إيمانه، وقد ورد في الحديث عن أسامة بن زيد لما قتل من قال لا إله إلا الله في الحرب واعتذر بأنه قالها خوفا من السيف فقال له ﷺ : "هلا شققت على قلبه". فنسبة الأمر بالذبح إليه ﷺ وإلقاء العمود عليه أمر شنيع لا يصح نسبة ذلك إليه ﷺ ممن يؤمن بالله واليوم الآخر. وأما قوله: ذكر في كتاب البزازية أن دوران الصوفية في مجلس الذكر لعب وتشبه بفعل المشركين في أيام كفرهم فهو كلام لا أصل له فقد صرح في البزازية من كتاب الكراهية والاستحسان بما صورته في الفتاوى للقاضي خان: رفع الصوت بالذكر حرام، وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنة أنه سمع قوما اجتمعو في مسجد يهللون ويصلون. وأما رفع الصوت بالذكر جائز كما في الأذان والخطبة والحج؛ وأما قوله قال الطحاوي: دوران الصوفية حرام والحضور معهم حرام وقال صاحب جامع الفتاوى: دوران الصوفية حرام ولو استحلوا ذلك كفروا. وقال الطرسوسي: دورانهم رقص أحدثه السامري أولا فهو لهو حرام بالاتفاق وتشبه بالكفرة الضالين فإن أراد بالدوران ما تفعله فقراء الدراويش في طريق الميلوية فهو رقص الصوفية وتواجدهم وقد ذكرنا أنه جائز وله أصل في السنة في رقص جعفر بن أبي طالب ﵁ لما قال له ﷺ : أشبهت خلقي

стр. 482

وخلقي وهلا كان تشبيه الذاكرين الله كثيرا بالملائكة الطائفين حول العرش وهم سبعون ألف صف جرد مرد يرقصون ويتواجدون، كل واحد منهم قد أخذ بيد صاحبه يقولون بأعلى صوتهم: من مثلنا وأنت ربنا من مثلنا وأنت حبيبنا، وذلك دأبهم إلى يوم القيامة وتشبيه أهل الذكر بهم أولى وأحق من تشبيههم بعباد العجل الكافرين بالله تعالى، وكيف يسوغ لمسلم أن يشبه ذكر الله تعالى بكفر الكافرين، ويشبه الذاكرين الله كثيرا بالكافرين به على أن هذه النقول المذكورة عن الطحاوي وعن صاحب جامع الفتاوى وعن الطرسوسي أمور باطلة غير صحيحة، وهي كذب وافتراء على العلماء أئمة الدين، فإن من يكذب على الله تعاللى ورسوله بتحريم ما لم يحرم وبالنهي عن عبادته تعالى، بل عن أفضل عباداته وهو ذكره تعالى، ويكذب أيضا على نبيه ورسوله ﷺ ، وعلى أصحابه الكرام يسهل عليهم الكذب على علماء ملة الإسلام، وعلى فرض صحة النقل عنهم فلعل مرادهم صوفية مخصوصون في زمانهم اطلعوا عليهم أنهم يرقصون بالتثني والتكسر كفعل الفسقة في حال الفسق مع الغناء المناسب لأفعال الفسق، وعلموا أنهم يتخذون ذلك عادة وإلا فكيف يتصور ممن يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يحكم بأن الخشوع القلبي بذكر الله تعالى منكر حرام، وقد قال الله تعالى ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ وقال تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ فإن صاحب الخشوع القلبي والوجل بذكر الله تعالى قد يغيب عقله عن احترام الناس واعتبار أهل المجلس فيقوم ويدور ويتواجد وربما ينصرع إلى الأرض على حسب استعداده لتحمل الواردات الإلهية عليه فهو في طاعة وعبادة من غير شبهة عن أحد من عامة أهل الإسلام والإيمان، فضلا عن غيرهم من العلماء الأعيان. ولا يجوز حمل كلام العلماء على معاني سوء الظن في جميع الصوفية الموجودين في زمانهم والذين ليسوا بموجودين في زمانهم ممن هم الآن في هذا الزمان، وإلا كانو يقولون: ذكر الله تعالى واجتماع الناس عليه من جميع الصوفية والخشوع فيه بالقلب والجوارح، وإن أدى ذلك الخشوع إلى الغير المضبوطة حرام منكر يكفر مستحله، ولو قالوا ذلك لحكمنا بكفرهم وقلنا إنهم حكموا بتحريم ما هو طاعة بإجماع المسلمين وهو ذكر الله تعالى المأمور به في الكتاب والسنة، وعليه إجماع الأمة، بل عليه اعتقاد جميع الملل بأن ذكر الله تعالى عبادة وطاعة خصوصا في المساجد التي بنيت لذكر الله والصلاة، فلا يمنع الذاكر فيها على كل حال، والحاصل أن أصحاب هذه النقول من الفقهاء إذا أساؤوا ظنونهم

стр. 483

في طائفة من الصوفية فحملوا أحوالهم في ذكر الله تعالى على اللهو واللعب، وطعنوا في شأنهم مما يعلمه الله تعالى لا يلزمنا نحن أن نتبعهم في سوء الظن في كل أهل الذكر في جميع الأزمان، ونرتكب هذه المعصية كما ارتكبوها ونعتقد أنها طاعة، وقد قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن﴾ الآية. فإن سوء الظن بالمسلم حرام قطعي، والتأويل واجب في أفعاله وأقواله كما قاله العلماء، والسماع عند طائفة الصوفية غير السماع عند الفقهاء من علماء الأحكام الشرعية فإن طائفة الصوفية قلوبهم فارغة من سوء الظن في أحد من البرية، والفقهاء قلوبهم مملوءة من سوء الظنون واتهام الناس بما يكون منهم وما لا يكون، ودأبهم التنقيب على أهل الإسلام والتفتيش عليهم في كل حلال وحرام، ويتعللون بأن علومهم لحفظ الأمة من الضلال فيتسلطوا بها على الناس خائفين من ذنوب الناس لا من ذنوب أنفسهم القبيحة الفعال، والله تعالى أعلم بحقائق الأحوال. ولنا على هذه الأسئلة رسالة اختصرنا هذا الجواب منها، وقد عمل عليها أيضا رسالة نفيسة العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي المقدسي، وقد أجاد وأفاد وأتى فيها بالقصد والمراد، جزاه الله تعالى خيرا،، والله تعالى أعلم. مطلب فيما اعتاده السادة البسطامية إلخ (سئل) فيما اعتاده السادة البسطامية وغيرهم من السادة الصوفية كالقادرية والسعدية والصمادية والرفاعية ونحوهم من حلق الذكر والجهر به في المساجد، وقد ورثوا ذلك عن آبائهم وأجدادهم وأشياخهم، وينشدون القصائد الصوفية والأشغال بالألحان المطربة والأنغام الموسيقية، ويحصل لهم وجد عظيم وحال يقعد ويقيم، فيرفعون أصواتهم بالذكر ويرقصون ويقولون: يا أبا يزيد يا بسطامي يا عبد القادر يا كيلاني يا أحمد يا رفاعي ويقولون: شيء لله يا عبد القادر ونحو ذلك، فهل ذلك حلال؟ وهل يجوز الاعتراض عليهم في هذه الأحوال أم كيف الحال؟ (أجاب) قد رفع شبه هذا السؤال للعلامة الشيخ خير الدين الحنفي الرملي رحمه الله تعالى، وسطر في فتاواه فأجاب بما ملخصه: اعلم أولا أن من القواعد المشهورة التي في كتب الأئمة مقررة مذكورة أن الأمور بمقاصدها، والشيء الواحد يتصف بالحل والحرمة باعتبار ما قصد له، وهي مأخوذة من الحديث الذي رواه الشيخان: "إنما الأعمال بالنيات". ومدار غالب أحكام الإسلام عليه إلى أن قال: وبعد فإن لله تعالى عبادا إذا قاموا قاموا بالله، وإذا نطقوا نطقوا بالله وحقيقة ما عليه الصوفية لا ينكرها إلا كل نفس جاهلة غية، فأما حلق الذكر والجهر به في المساجد وإنشاد القصائد فقد جاء في الحديث ما اقتضى طلب الجهر نحو: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه". رواه البخاري ومسلم

стр. 484

والترمذي والنسائي وابن ماجه والذاكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر وكذا حلق الذكر وطواف الملائكة بها وما ورد فيها من الأحاديث، فإن ذلك إنما يكون في الجهر بالذكر، وهناك اقتضت طلب الأسرار والجمع بينهما بأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وذكر بعض العلماء أن الجهر أفضل؛ لأنه أكثر عملا، ولتعدي فائدته إلى السامعين ويوقظ قلب الذاكر، ويطرد النوم ويزيد النشاط، وأما قوله تعلى ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ أجيب عنه بأنها مكية كآية الأسرى﴾ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴿نزلت لئلا يسمعه المشركون فيسبوا القرآن ومن أنزله فأمر به سدا للذريعة كما نهى عن سب الأصنام لذلك، وقد زال إلى أن قال: وأما رفع الصوت بالذكر فجائز، وفي المسألة للعلماء كلام يتحمل مجلدا، وأما إنشاد الأشعار في المسجد فلو لم يكن إلا حديث كعب وقصيدته المشهورة وإشارته ﷺ إلى الخلق أن اسمعوا لكفى، وقد ثبت بالنصوص الصحيحة الغناء في بيته ﷺ وضرب الدف في حضرته ورقص الحبوش في مسجده وإنشاد الشعر بالأصوات الطيبة بين يديه، وكان ﷺ مع أصحابه مكان المائدة يتحلقون حلقة دون حلقة فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء والأخبار فيما يشهد لهذا كثيرة والأثر به مستفيض، وقول العلماء إنما الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، فما جاز على النثر جاز عليه. وأما قولهم: يا شيخ عبد القادر فهو نداء وإذا أضيف إليه شيء لله فهو طلب شيء إكراما لله تعالى فما الموجب لحرمة ذلك، وأما الرقص ففيه للفقهاء كلام منهم من منعه ومنهم من لم يمنعه؛ حيث وجد اللذة له وغلب عليه الوجد، واستدلوا بما وقع لجعفر بن أبي طالب لما قال له ﵊: أشبهت خلقي وخلقي فرقص من لذة هذا الخطاب ولم ينكر ﵊ عليه، وجعل ذلك أصلا بجواز رقص الصوفية عند ما يجدونه من لذة المواجيد ومجالس الذكر والسماع، وقد قال بجواز السماع من الصحابة والتابعين خلق كثير وجم غفير، ونقل صاحب النهاية في شرح الهداية من الحنفية إباحة الغناء إذا كان يتغنى ليستفيد به نظم القوافي، ويصير فصيح اللسان، وقد كان الإمام أنس بن مالك رحمه الله تعالى يتغنى في بيته ولا يفعل ذلك تلهيا، ولأن السماع يرقق القلب. وسئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن السماع الذي يعمل في هذا الزمان في مجلس الذكر فأجاب ما صورته: سماع ما يحرك الأحوال السنية المذكرة للآخر مندوب إليه، ولا يجوز الاعتراض على السادة الصوفية ولا الإنكار عليهم، وقد ورد في الأثر: من كفر مسلما فقد كفر ومن حرم الحلال فقد وقع

стр. 485

في الضلال واستوجب العقوبة والنكال والله الموفق للصواب. مطلب فيما هو معتاد بين السادة الصوفية إلخ (سئل) فيما هو معتاد بين السادة الصوفية من إلباس الخرقة من الشيخ لمريده كأن يلبسه قباء أو يلف له عمامة بهية مختصة به، أو يلبسه دلقا ويشده ويعطيه العهد، ويلقنه الذكر ويؤدبه ويعلمه طريق الفقراء ونحو ذلك، فهل لذلك دليل؟ وما معرفة جميع ما ذكر مفصلا؟ (أجاب) لا ريب أن التزيي بزي الصالحين مطلوب مرغوب فيه، والذى يظهر أن الغالب على أهل هذا الزمان في لبسهم الخرقة إنما هو للتبرك ممن يلبس منه لحسن اعتقاده فيه؛ ليتسم بوسمة فيكون نظره عليه وخاطره معه لعل أن يحصل له نفحات دعواته وأوقات قربه من الله تعالى، وربما كان الشيخ ممن كان له جاه ووجاهة وكلمة نافذة بين الناس فيتقرب إليه بلبس زيه؛ ليدخل تحت كنفه لأجل مصلحة دنياه، ومنهم من يبلغه ماجاء عنه ﷺ أنه قال: "من تشبه بقوم فهو منهم، ولا يحب رجل قوما إلا حشر معهم، ولا يحب الرجل قوما إلا جعله الله تعالى منهم". والتزيي بزي الصالحين وأهل الخير محبوب مطلوب، كما أن التزيي بزي أهل الشر غير محبوب ولا مطلوب. والأصل في لبس الخرقة ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليلة أسري بي أخذني جبريل، وأدخلني قبة من نور، وأخرج لي صندوقا مقفولا ففتحته، وأخرج لي منه زي الفقراء وألبسني إياه". فلما لبسه رسول الله ﷺ ألبسه لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس ابن مالك، ولم تزل الأولياء والصالحين والصوفية مستمرين على لبسه من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن. ولأن الخليفة أو النقيب أو التلميذ إذا شم الخرقة وجد فيها نفس شيخه الذي يقدمه لباب الله تعالى، ويتذكر برؤيتها نعم الله تعالى فيذداد شوقا إلى الأحوال الشريفة، ويأخذ في الاجتهاد والجد رغبة في الوصول إلى المقامات السنية، ولبس الخرقة إظهارا للتصوف وارتباطا بين الشيخ والمريد وتحكما من المريد للشيخ في نفسه حكى عن جعفر الخالدي أنه قال: دخلت على بعض شيوخي فأعطاني قلنسوة فجعلتها على رأسي، ثم خرجت عن البلد فجزت على أجمة قصب فخرج علي السباع فكان السباع يقربون مني ويتذللون فتحيرت ورجعت إلى أمري فإذا هم يفعلون ذلك للقلنسوة ويلتمسون بركتها. وثوب الفقراء أزهى ملمسا وأزكى مغرسا وأشرف جلبابا وأكثر عند الله ثوابا فهو أعظم تاج وضع على الرؤوس وأنفع عوزة دفع به كل بؤس، وقد جعل لها أقوام هم بشروطها قوام ومشايخنا تناقلوها إماما إماما ووارثا وارثا تلقوها عن أب وجد وانتهوا فيها إلى ما حدوا لهم من حدة فرحمة الله تعالى عليهم أجمعين، وذكر بعضهم للبس الخرقة

стр. 486

شروطا؛ منها ستر عورة الكذب بلسان الصدق، وستر عورة الخيانة بثبوت الأمانة، ثم بعد ذلك يتزين بزينة الله تعالى من ملابس الأخلاق المحمودة مثل الصمت عما لا يعنيه، وغض البصر عما لا يحل إليه النظر، وتفقد الجوارح بالورع وترك سوء الظن بالناس، والقناعة بأيسر الرزق وسخاء النفس، والتواضع، ولين الكلام، واحتمال الأذى، والصفح عن المسيء، وحسن الأدب، وإقراء الضيف، وتفقد المحتاجين، وإفشاء السلام، ويتجنب كثرة الكلام والتصنع والتمشتق، وكثرة المجالسة في الأسواق، والمشي فيها، ويكثر من الصيام والقيام، ويغيث اللهفان، ويفرج الكرب عن المكروب، ويكثر من زيارة القبور، وعيادة المرضى، وبذل الصدقات، وصحبة أهل الخير، ودوام الذكر والمراقبة، وخدمة الفقراء والدعاء للمؤمنين بظهر الغيب، ونحو ذلك من الفعل المحمود الذي يرضاه الله تعالى. أما تعريف الشد فهو قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ الآية. ثم يقرأ الفاتحة وسورة الإخلاص ثلاثا، ويصلي على النبي ﷺ ، ويوصي بالتقوى ونحو ذلك. وأما أخذ العهد فحسن محبوب؛ لأن الشيخ يذكر للمريد كل ما يعاهده عليه معناه الرجوع عن المعاصي والدوام على الطاعة، وله أصل أصيل جاءت به الأحاديث: منها ما وري عن عبادة بن الصامت أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفا منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا، ثم ستره الله تعالى فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك". وأما تلقين الذكر فحسن محبوب روي أن علي بن أبي طالب ﵁ سأل النبي ﷺ : أي الطرق أقرب إلى الله تعالى وأسهلها على عباده، وأفضلها عند الله تعالى فقال ﷺ : "يا علي عليك بمداومة ذكر الله تعالى في الخلوات" فقال رضي الله تعالى عنه: هكذا فضيلة الذكر وكل الناس ذاكرون، فقال ﷺ : "يا علي لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله الله فقال علي كرم الله وجهه: كيف أذكر؟ فقال ﷺ : اسمع مني ثلاث مرات، ثم قل أنت ثلاث مرات وأنا أسمع فقال ﷺ : لا إله إلا الله ثلاث مرات مغمضا عينيه رافعا صوته وعلي ﵁ يسمع، ثم قال علي ﵁ ثلاث مرات لا إله إلا الله مغمضا عينيه رافعا صوته والنبي ﷺ يسمع. وقد ورد في فضل لا إله إلا الله، والملازمة

стр. 487

على الذكر بها عدة أحاديث صحاح وحسان روى الإمام أحمد عن يعلى بن شداد قال: حدثني أبي شداد بن أوس وعبادة بن الصامت حاضر وصدقه قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: هل فيكم غريب يعني أهل الكتاب؟ فقلنا: لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب فقال: ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: اللهم بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال ﷺ : أبشروا فإن الله قد غفر لكم. قال المنذري: إسناده حسن. وأما الذي يجب على الشيخ في تأديب المريد فهو أن يقبله لله تعالى لا لنفسه فيعاشره بحكم النصيحة ويلاحظه بعين الشفقة، ويلاينه بالرفق فيربيه تربية الوالدة لولدها والوالد الشفيق الحليم لولده وغلامه فيأخذه بالأسهل ولا يحمله ما لا طاقة له به، وإذا رأى شيئا مما يكره في الشرع وعظه في السر وأدبه ونهاه عن المعاودة إلى ذلك. ومن آداب المريد أن لا يتكلم بين يدي شيخه إلا في حالة الضرورة، وألا يظهر شيئا من مناقب نفسه بين يديه، ويكون متهيئا لخدمة شيخه، ويحذر من مخالفته؛ لأن مخالفة الشيخ سم قاتل فيها مضرة عامة، وعليه الانقياد لالتزام ما يأمره به شيخه من التأديب، فإن وقع منه تقصير في القيام بما أشار إليه شيخه فالواجب عليه تعريف ذلك لشيخه ليرى فيه رأيه، ويدعو له بالتوفيق والتيسير والفلاح. واعلم أن طريقة الفقراء عشرة أشياء: الأول الذكر، والثاني الطاعة، والثالث الإيثار، والرابع القناعة، والخامس التوحيد، والسادس التوكل، والسابع التسليم، والثامن التأمل، والتاسع الشكر، والعاشر الفكر. فمن اتصف بهذه الصفات يكون فقيرا حقيقة وألا يكون مدعي ذلك زنديقا. واعلم وفقك الله تعالى أن رأس الفقر كلام رب العالمين، وروح الفقر حديث النبي ﷺ ، وجسم الفقر إشارة المشايخ العارفين، وقبلة الفقر الحقيقة، وغسل الفقر الطريقة، وصلاة الفقر الشريعة، وأصل الفقر حسن الخلق والمحبة، ومفتاح الفقر الصدق، وثمرة الفقر المعرفة، وكنز الفقر المسكنة، وجوهر الفقر معرفة نفسك، وما من شيء أقرب إليك من نفسك، وإذا ما كنت تعرف القريب فكيف تعرف البعيد. ثم اعلموا أيها المريدون الصادقون وفقنا الله تعالى وإياكم لمرضاته ورزقنا وإياكم صحبة الصالحين من عباده، وأعاذنا وإياكم من صحبة المنكرين الطاعنين على هذه الطائفة أنه جواد كريم أنه يجب على المريدالصادق أن لا يصخب ولا يلتفت، ولا يصغى إلى المبعودين المطرودين عن الله تعالى الواقعين في أوليائه المستهزئين بهم؛ لئلا يسقط من عين الله تعالى، ويستوجب

стр. 488

المقت والطرد من الله تعالى فإن هؤلاء القوم جلسوا مع الله تعالى على حقيقة الصدق وإخلاص الوفاء، ومراقبة الأنفاس مع الله تعالى وقد سلموا قيادهم إليه وألقوا أنفسهم سلما بين يديه تركوا الانتصار لأنفسهم حياء من ربوبيته واكتفاء بمعلوميته، فقام لهم بأوفى ما يقومون لأنفسهم وكان هو المحارب عنهم لمن حاربهم، والغالب لمن غالبهم كما جاء في الخبر الإلهي: "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب" أي أعلنته أني محارب له. وقال الشيوخ العارفون قدس الله تعالى أرواحهم: أقل عقوبة المنكر على الصالحين أن يحرم بركتهم ويخشى عليه سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى. وقال الشيخ شاه بن شجاع الكرماني رحمه الله تعالى: ما تعبد المتعبد بأكبر من التحبب إلى أولياء الله تعالى. وقال الشيخ أبو نصر السراج رحمه الله تعالى: إن هؤلاء الذين يطعنون على هذه العصابة لا يكون فيهم أحد يرجع إلى دين، وكلهم منسلخون من الدين أعاذنا الله تعالى وإياكم بفضله ورحمته ووفقنا لما يحب ويرضى. وقال بعضهم شعرا: أتقدح فيمن شرف الله قدره ... ولا زال مخصوصا به طيب الثنا رجال لهم حال مع الله صادق ... فلا أنت من ذاك القبيل ولا أنا والله تعالى أعلم. مطلب سئل عن الاعتقاد في السادة الصوفية إلخ (سئل) عن الاعتقاد في السادة الصوفية، وفي كل أحد من الخلق هل هو واجب أو مستحب، وهل يقال: إن في كل مسلم بركة؟ (أجاب) اعلموا أيها المسلمون وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى أننا إذا رأينا مسلما ماشيا على الطريقة المرضية مما جاء في الكتاب العزيز والسنة النبوية فاعتقاده والقرب منه والاقتداء به أمر مندوب إليه، وإذا رأينا مسلما مستورا ظاهره الخير لم نطلع منه على ما ينكره الشرع فتحسين الظن به واعتقاد خيريته واحترامه مستحب، فقد روى الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحقرن أحدا من المسلمين فإن تصغير المسلمين عند الله إثم". وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبك وأطيب رحيك ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك ماله ودمه وإن نظن به إلا خيرا، وذلك أيضا سنة السلف والخلف. وقال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: من أحب أن يقضى له بالخير فليحسن ظنه بالناس. وإذا رأينا شخصا عاقلا تاركا لبعض الواجبات أو كلها مرتكبا للمنهيات كذلك فلا نعتقده ولا نحسن الظن به، بل ننكر عليه ونأمره بالمعروف حفظا لقوانين الشريعة

стр. 489

المطهرة ولا يخفى أن في كل مسلم بركة؛ لأن البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء والمبارك ما فيه ذلك الخير، ولا شك أن المسلم فيه الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ ، وما جاء به وذلك بركة. وقد روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث عمار بن ياسر مرفوعا: "مثل أمتي كالمطر يجعل الله في أوله خيرا وفي آخره خيرا". وروى ابن عساكر في تاريخه: "خير أمتي أمة مباركة لا يدرى أولها خير أو آخرها".، والله تعالى أعلم. مطلب سئل عن علماء السادة الصوفية هل يقال لهم أولياء إلخ (سئل) عن علماء السادة الصوفية هل يقال لهم أولياء الله تعالى سواء العامل فيهم أم غير العامل، أوضحوا لنا الجواب مفصلا أثابكم الله تعالى الجنة؟ (أجاب) الولاية عامة وخاصة فالعامة ولاية الإيمان، فمن آمن بالله ورسوله وما جاء به فهو ولي، قال الله تعالى ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ ثم ولاية القيام بالمأمورات قال الله تعالى ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ والولاية الخاصة محبة الله تعالى للعبد وحفظه له؛ لقوله ﷺ في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ... " الحديث المشهور. والعلماء العاملون وغيرهم يطلق عليهم أنهم أولياء الله تعالى من حيث دخولهم في الولاية العامة، وأما الولاية الخاصة فلا تطلق إلا على العلماء العاملين، وقال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: إن لم تكن الفقهاء أولياء الله تعالى في الآخرة فما لله تعالى ولي. ومراده بذلك الفقهاء العاملون، والله تعالى أعلم بالصواب. مطلب سئل عن القطب والأوتاد والأنجاب وأرباب الدرك إلخ (سئل) عن القطب والأوتاد والأنجاب وأرباب الدرك في الأرض هل لهم وجود في الكون حقيقة ما دام الدهر والمنكر مبطل لا يعول عليه؟ وهل لذلك دليل من الكتاب والسنة أوضحوا لنا الجواب مبسوطا أثابكم الله تعالى الجنة؟ (أجاب) نعم هؤلاء السادات المذكورون موجودون في كل زمان كلما مات واحد منهم أقام الله تعالى مقامه آخر نفعنا الله تعالى ببركاتهم، ولا عبرة بقول المنكر لهم فقد ورد من الأحاديث النبوية والآثار السلفية ما يدل على وجودهم فروى الحافظ أبو نعيم بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم ﵇، ولله في الخلق أربعين قلوبهم على قلب موسى ﵇، ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم ﵇، ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل ﵇ ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل ﵇ ولله في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل، فإذا مات الواحد أبدل الله تعالى مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات من

стр. 490

من الخمسة أبدل الله تعالى مكانه من السبعة، وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة، وإذا مات من الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة فبهم يحيي ويميت ويمطر وينبت ويدفع البلاء وقيل لعبد الله بن مسعود: كيف بهم يحيي ويميت؟ قال: لأنهم يسألون الله تعالى كسائر الأمم فيكثرون ويدعون على الجبابرة فيموتون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فتنبت الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء. وقال بعضهم: لم يذكر رسول الله ﷺ أن أحدا على قلبه؛ لأنه لم يخلق الله تعالى في عالم الخلق ولأمم أعذ والطف وأشرف من قلبه ﷺ فقلوب الأنبياء والملائكة والأولياء بالإضافة إلى قلبه ﷺ كإضافة سائر الكوكب إلى كامل الشمس. وروى الخطيب عن طريق عبيد الله بن محمد العبسي قال: سمعت الكناني يقول: النقباء ثلاثمائة والنجباء سبعون والأبدال أربعون والأخيار سبعة والعمد أربعة والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمد، فإن أجيبوا وإلا ابتهل الغوث فلا تتم مسألته حتى تجاب دعوته. وقال بعض العارفين: الصالحون كثير مخالطون للعوام لصلاح الناس في دينهم ودنياهم، والنجباء في العدد أقل منهم، والنقباء في العدد أقل منهم وهم مخالطون للخواص، والأبدال في العدد أقل منهم وهم نازلون في الأمصار العظام لا يكون في المصر منهم إلا الواحد بعد الواحد فطوبى لبلدة كان فيها اثنان منهم، والأوتاد واحد في الشام وواحد في المغرب وواحد بدوره القطب في الأفاق الأربعة من أركان الدنيا كدوران الفلك في أوفق السماء. وقد سترت أحوال القطب وهو الغوث عن العامة والخاصة غيرة من الحق تعالى عليه، غير أنه يرى عالما كجاهل أبله كفطن تاركا أخذا قريبا بعيدا سهلا عسرا آمنا حذرا وكشف أحوال الأوتاد للخاصة وكشف أحوال الأبدال للخاصة والعارفين. وسترت أحوال النجباء والنقباء عن العامة خاصة وكشف بعضهم لبعض، وكشف حال الصالحين للعموم والخصوص ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وعن أنس ﵁ أنه قال: الأبدال أربعون رجلا وأربعون امرأة، كلما مات رجلا أبدل الله رجلا مكانه، وإذا ماتت امرأة أبدل الله تعالى مكانها امرأة. وفي رواية الطبراني: لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن ﵊ فبهم يسقون وبهم ينصرون ما مات منهم أحد إلا أبدله الله تعالى

стр. 491

مكانه آخر وفي رواية: فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم فعند ذلك تقوم الساعة، فإذا سمعت ما ذكر من الأحاديث وكلام السلف والأخبار الدالة على ذلك، وعلى وجود هؤلاء السادات الكرام الأخيار علمت أنه لا التفات لقول المنكر لذلك الزاعم أنه ليس له أصل في السنة، ولأن من خصائص نبينا ﷺ أن جعل الله تعالى في أمته أقطابا وأوتادا ونجباء وبدلاء دون غيرهم من الأمم السابقة، وقد سئل العلامة القاضي زكريا رحمه الله تعالى عن شخص ادعى أن القطب ليس له وجود في زمن من الأزمنة ولا ثم شيء يقال له القطب، فهل هذه الدعوى صحيحة فأجاب رضي الله تعالى عنه أن القطب موجود في كل زمن كلما مات قطب أقام الله تعالى مقامه آخر نفعنا الله تعالى ببركاتهم وهذا أمر مشهور فالمنكر لذلك محروم من بركة الأقطاب، مبعود من درجة الأحباب والله الموفق والهادي للصواب. (باب مسائل منشورة) مطلب (سئل) هل سهى رسول الله ﷺ إلخ (سئل) هل سهى رسول الله ﷺ ؟ وما حكم سهوه؟ (أجاب) ذكر بعضهم نظما فقال: يا سائلي عن رسول الله كيف سهى ... والسهو من كل قلب غافل لاهي قد غاب عن كل شيء سره فسها ... عما سوى الله فالتعظيم لله والله تعالى أعلم. مطلب (سئل) عمن قال اللهم صل على محمد عدد خلقه إلخ (سئل) عمن قال: اللهم صل على محمد عدد خلقه مثلا، فهل تتعدد له الصلوات كذلك أو يحصل له ثواب صلاة واحدة؟ (أجاب) قيل: إن الصلوات تتعدد بعدد صلوات صلاها عدد الخلق، وقيل: لا تتعدد بل له ثواب صلاة واحدة، وكان ابن عرفة المالكي يقول: يحصل له من الثواب أكثر من ثواب من صلى واحدة لا ثواب من صلى تلك الأعداد قال: ويشهد له خبر من قال: سبحان الله عدد خلقه من حيث دلالته على أن للتسبيح بهذا اللفظ مزية وإلا لم تكن له فائدة. انتهى. وأقول: ليس الحديث مقصورا في الدلالة على قول ابن عرفة فقط، بل يدل للأول أيضا، ويشهد بذلك قاعدة الشافعي رضي الله تعالى عنه المشهورة وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال نزلت منزلة العموم في المقال المحمول على الوقائع القولية بخلاف الوقائع الفعلية، فإنها لا تعم وعليها عمل قاعدته الثانية وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال. ولكن له قاعدة أخرى، وهي أن الحمل على المتيقن واجب ويمكن أن ينزل؛ لأن في شرب الأب إلقاء النفس أي إلقاء نفس الأب إلى التهلكة أي يهلك فالابن يموت عطشا والأب يموت أسفا وحزنا على ولده، بخلاف الابن إذا شرب إلا ومات الأب عطشا فلا يتأثر بذلك تأثر الأب، وتأمل

стр. 492

قصة قرقوش مع الولد وأبيه هذا ما يفهم من العبارة من حيث المراد، وإلا فلا تخلو عن علاقة وسقط بعض ألفاظ منها والله أعلم. مطلب هل يجب على العالم أن يجيب عن كل مسألة سئل عنها إلخ (سئل) هل يجب على العالم أن يجيب عن كل مسألة سئل عنها؟ (أجاب) لا يجب عليه إلا بأربعة شروط: الأول أن يسأل السائل عما يجب عليه. الثاني: أن يخاف فوات النازلة. الثالث: أن يكون المسئول عالما بحكم الله تعالى في تلك النازلة إما بجتهاد إن كان مجتهدا، أو بنص أمامه أن كان مقلدا. الرابع: أن يكون السائل والمسئول بالغين وبحث بعضهم وصوب الجواب على البالغ المستوفي الشروط إذا سأله الصغير المأمور باالصلاة بما لايفعله ليتعلمه، وزاد بعضهم خامسا: وهو كون المسئول عنه عملا دينيا لا ماليا ولا اعتقاديا. قال بعضهم: وليس بشيء وعند استيفاء الشروط يجب الجواب والتعليم كفاية إن كان هناك غيره، وعينا إن لم يكن قلت: الظاهر أن الكتب أن توقف التعليم عليه له حكمه، وحيث وجب الجواب لم يجز له أخذ الأجرة عليه وإلا قفال الزياتي: جاز له أخذها انتهى. اللقاني من شرح العقيدة الكبير وأقول: الظاهر أن الكتابة لا تجب مجانا بل بأجرة المثل بقي شيء وهو أن المسألة قد تحتاج إلى مراجعة وعمل كثير كما في مسائل المناسخات، فالظاهر أن له أخذ الأجرة على المراجعة والعمل المذكورين. وأما الورق فعلى السائل وكذا الحبر والقلم، والله تعالى أعلم. مطلب سئل عن أول من ضرب الدراهم إلخ (سئل) عمن ضرب الدراهم والدنانير أولا؟ (أجاب) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن كعب قال: أول من ضرب الدنانير والدراهم آدم ﵇، وأما الفلوس فالتعامل بها قديم كما يؤخذ من اللغة وأول من اتخذ ألسنة الموازين من الحديد عبد الله بن عامر بن كريم، والله تعالى أعلم. مطلب عمن مات من أطفال المؤمنين إلخ (سئل) عمن مات من أطفال المؤمنين من ذكور وإناث، وعن البله أيضا ولم يتزوجوا في الدنيا، فهل يتزوجون في الجنة؟ (أجاب) لا ريب أن كل مولود نفخ فيه الروح من ذكر أو أنثى يبعث يوم القيامة وإذا بعث الخلق ودخل المؤمنون الجنة كانوا على سن واحد وقدر واحد ولا ريب أن الزواج في الجنة بمعنى التمتع هو من جملة نعيم الآخرة الذي يكون لأهل الجنة جميعا، ولا ريب أن الأحاديث صرحت ولوحت وشملت وعمت أن كل واحد من المؤمنين يزوج في الجنة صغيرا كان في الدنيا أو كبيرا؛ أخرج الترمذي وصححه البهيقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول زمرة تدخل الجنة وجوهم كلقمر ليلة البدر، والزمرة الثانيه كأحسن كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلية يرى مخ ساقها من وراء الحلل". وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أول زمرة تلج

стр. 493

الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم اللؤلؤ ورشحهم المسك، لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم، ولا تباغض بينهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا". وقد سئل بعضهم عن أطفال المؤمنين الذين لم يتزوجوا في الدنيا هل يتزوجون في الآخرة؟ فأجاب أن ظاهر الأحاديث يدل على أنهم يتزوجون، وكذلك البنات اللاتي متن أبكارا يتزوجن أيضا في الجنة من أهل الدنيا؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنهم تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال: ألم يقل رسول الله ﷺ : "ما في الجنة أحد إلا له زوجتان إنه ليرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة ما فيها عزب" وفي رواية "ليس في الجنة أعزب، وفيهما لكل من أهل الجنة زوجتان اثنتان أي من الأدميات سوى ما له من الحور العين كما صرحت بذلك رواية أبي يعلى والبيهقي فيدخل الرجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله واثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأهن الله بعبادتهما في الدنيا، وشمل عموم أحد وأعزب البله والمجانين وغيرهم، بل في ظواهر كثير من آيات القرآن ما يدل لذلك﴾ لهم فيها أزواج مطهرة ﴿والله أعلم. مطلب في رجلين أسرهما الإفرنج إلخ (سئل) في رجلين أسرهما الإفرنج، ثم إن الله تعالى حنن عليهما رجل إفرنجي اشتراهما من الذين أسروهما، وجعل عليهما مالا وأمسك واحدا، وقال للآخر: اذهب أنت هات المال الذي عليكما، وهذا يبقى هاهنا إلى أن ترسل المال الذي عليك والذى عليه، والحال أنهما فقراء، فهل يجب على المسلمين فكهما بالمال الذي صار عليهما؟ (أجاب) قال الله تعالى ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ وقال ﷺ فيما رواه أحمد والبخاري عن أبي موسى الأشعري "فكوا العاني -أي الأسير-، وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض" فحيث كان الرجل الأسير فقيرا فيعطى من الزكاة ما يفدي نفسه، ومن أموال بيت المال كالفيء والغنيمة، فإن لم يوجد فيه شيء أو كان ومنع متوليه فعلى أغنياء المسلمين؛ لأنه من باب التعاون على المعروف ودفع ضرر المسلمين، والله تعالى أعلم. مطلب في طوائف النصارى إلخ (سئل) في طوائف النصارى أخذهم الله تعالى وذلك أنهم يشهرون الخمور والأنبذة المسكرة في ديار الإسلام بين أظهر المسلمين خصوصا محروسة عكا حماها الله تعالى، ويظهرون شربها، ويتجاهرون بذلك وينقلونها في الأسواق والطرق جهارا، ويؤذون بذلك المسلمين، وأنهم يظهرون الخنزير وزبحها بين أظهر المسلمين جهارا، ويمرون بلحومها في الأسواق والطرقات، وإنهم يظهرون الأكل والشرب والقهوة والدخان في شهر رمضان في الأسواق والطرقات

стр. 494

فهل يجب على ولاة الأمور أن يعاملوهم بما يوافق الشرع القويم ويمنعوهم مما يخالفه يكون ذلك من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر المأمور به في قوله تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ المذموم تاركه بقوله تعالى ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وصح أنه ﷺ قال: "لتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده". وقال ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" الحديث. وهل يثابون على ذلك وكذلك يجب على كل من قدر على زواله أن يزيله، ويثاب على ذلك وهل إذا عضدهم أحد من المسلمين وأقرهم وعارض من يريد زوال المنكريؤدب بما يليق به أو كيف الحال؟ (أجاب) الحمد لله وحده والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده وممن أنزل القرآن نستمد التحرير والإتقان قال الله تعالى ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ والله تعالى غني عن النصر إنما النصر لدين الإسلام، وفي الحقيقة إنما النصر لنا معشر الإسلام وإذا تأملت أحوال رسول الله ﷺ وأحوال أصحابه ظهر لك من أين كان يأتي لهم النصر، وذلك بأنهم كانت لا تأخذهم في الله لومة لائم مع قلتهم وقلت ما بأيديهم من المال والسلاح والخيل والعدة مع ما نحن عليه الآن معاشر الإسلام من الكثرة والأموال والخيول والعدة وغير ذلك مع قلة الفتوح واستيلاء أهل الكفر علينا وكسر قلوب أهل الإيمان مع جبر قلوب أهل الصلبان فتأمل قول الله تعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ تجد الرعب في قلوب من يدعي الإسلام أشد من قلوب الكافرين كأنه لعدم الإيمان فاعلم وفقك الله تعالى أنه يجب على ولاة الأمر أيدهم الله تعالى أن يمنعوا جميع أهل الذمة من نصارى ويهود وغيرهما من إظهار الخمر والناقوس والخنزير والأكل في رمضان ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يبيعهم طعاما أو يمكنهم منه في رمضان، وأما فيما بينهم فلا تمنعهم من ذلك، ويراق عليهم المسكر إذا أظهروه وكل ذلك لا ريب أنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأصل ذلك للسلطان ونوابه أيدهم الله تعالى، فمتى وجدوا كان الأمر منوطا بهم وإلا فعلى أهل الحل والعقد من العلماء والصلحاء والكبراء المنع من ذلك بالمعروف، ويجب على كل مسلم ودعهم وزجرهم عن ذلك لقوله تعالى: ﴿كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾. وأخرج أبو داود: أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: ما هذا اتق الله ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه

стр. 495

ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وقال تعالى: ﴿والمؤمنين والمؤمنات بعضهم من بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ قال الغزالي: أفهمت الآية أن من هجرهما خرج من المؤمنين. وقال القرطبي: جعلهما الله تعالى فرقا بين المؤمنين والمؤمنات. وقال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ وأخرج مسلم وغيره عن ابن مسعود: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". وأخرج أبو داود واللفظ له والترمذي وقال: حسن غريب وابن ماجه: "أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر". وروى الأصبهاني: "أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم". إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايدفع رزقا ولا يقرب أجلا وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله تعالى على لسان داود وعيسى ابن مريم، ثم عموا بالبلاء، ولا ريب أن المنكر للمعاصي والمغير لها من ولي الأمر وغيره مثاب الثواب الجزيل، والمعين لهم شريك في الثواب إن أعانهم عليه، وفي العقاب إن أعانهم على المعاصي. وروى الأصبهاني: لاتزال لا إله إلا الله تنفع قائليها، وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها قالوا: يا رسول الله وما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله فلا تنكر ولا تغير. وذهب جماعة منهم أحمد رحمه الله تعالى أن ترك الإنكار بالقلب كفر، والله تعالى أعلم. مطلب في مقدار مكث عيسى في الأرض كم كان إلخ (سئل) في مقدار مكث عيسى في الأرض كم كان وقولهم: إنه كان ثلاثا وثلاثين سنة هل هو صحيح أو لا؟ وإذا قلتم بصحته يشكل بأن النبوة لا تكون إلا بعد الأربعين؟ (أجاب) نقل في سبل الرشاد عن زاد المعاد أن ما يذكر أن المسيح رفع وله ثلاث وثلاثون سنة لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه. قال الشامي: والأمر كما قال والأحاديث الصحيحة تدل على أنه رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة انتهى ملخصا. والذى وقع لابن حجر في شرح الهمزية ولما رفع عيسى إلى السماء كان سنها أي مريم ثلاثا وخمسين سنة، وبقيت بعده خمس سنين، وحين حملت به كان سنها عشر سنين بناء على القول الضعيف، فإذا قلنا بالصحيح المار اندفع الإشكال، وإذا قلنا بالضعيف الذي ذكره ابن حجر يكون على قول من لا يشترط في النبوة بلوغ الأربعين والله أعلم. مطلب فيما قتل نبينا أو قتله نبي إلخ (سئل) فيما قتل نبينا أو قتله نبي فهل هو كافر، أو من أهل النار؟ (أجاب) روى الإمام أحمد عن
следующие страницы →