← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 864

أثر عمل القلب على تلاوة القرآن وتدبره

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (82 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن الأدلة على عظمة الله، عظمة مخلوقاته، ومن ذلك قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ – ٧٦]. وقال النَّبِيِّ ﷺ : «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (١). وقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ" (٢). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي يَدِ اللَّهِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ» (٣). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فالسموات السبع والأرضين السبع في كفه تعالى كخردلة في كف أحدكم، يعني: السموات السبع على عظمها والأرضين السبع مثلما لو وضع الإنسان في يده خردلة -وهي حبة الخردل التي بكبر حبة السمسم- وهذا أيضا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له تعالى ليست بشيء" (٤).

стр. 37

٢ - عظمة من نزل بالقرآن الكريم وهو جبريل ﵇ أمين الله على وحيه، قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ١٩٣ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ٢٠ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]. وقال تعالى في وصف جبريل ﵇: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]. ٣ - ومما يدل على عظمة القرآن شدة تأثيره على الجمادات، فقال تعالى عنه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى مادحاً للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، ومفضلاً له على سائر الكتب المنزلة قبله: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال﴾ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك؛ لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله" (١). ٤ - ومما يدل على عظمة القرآن إقسام الله به وعليه في آيات كثيرة منها:

стр. 38

قال تعالى: ﴿يس ١ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢]. وقال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]. وقال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]. وقال تعالى: ﴿حم ١ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ٢ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ٧٥ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦﴾ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠]. وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ٣٩ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ٤١ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ٤٢ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٣]. ٥ - ومما يدل على عظمة القرآن العظيم ما ذكره الله له من صفات عظيمة، ومن ذلك: أولاً: قال تعالى عنه وهو يبين عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله: ﴿قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ٣٣ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤] ثم نزل معهم في التحدي إلى عشر سور فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، فعجزوا، فتنزل معهم إلى سورة واحدة، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ

стр. 39

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، فعجزوا «وقد سمع هذا التحدِّي من سمع القرآن وعرفه الخاص والعام، ولم يتقدم أحد على أن يأتي بسورة مثله من حين بعث النبي ﷺ إلى هذا اليوم، وإلى قيام الساعة، والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف آية ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز؛ ولهذا كان القرآن يُغني عن جميع المعجزات الحسِّية والمعنوية؛ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإعجازه في وجوه كثيرة: الإعجاز البلاغي والبياني، والإخبار عن الغيوب بأنواعها، والإعجاز التشريعي، والإعجاز العلمي الحديث؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١)» (٢). ثانياً: وقال تعالى في بيان أنه كتاب هداية: - هداية لما فيه سعادة العبد في كل شؤون الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرا﴾ [الإسراء: ٩]. القرآن تبيانٌ لكل شيء: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. - وقال تعالى في بيان أنه هدى للمتقين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ

стр. 40

- هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. «وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم» (١). - وقد وصفه الله بأنه نور يهدي من استمسك به واعتصم إلى سعادة الدنيا والآخرة ويخرجهم به من ظلمات الشك والشبه والجهل والحيرة إلى نور الهداية والى الطريق المستقيم الموصل إلى جنة النعيم، فقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ١٥ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ١ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدا﴾ [الجن: ١ - ٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ١٧٤ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيما﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥]. ثالثاً: شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].

стр. 41

وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارا﴾ [الإسراء: ٨٢]. رابعاً: من اتبعه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. عن ابن عباس ﵁ الله عنهما، قال: "تضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ " (١). وقال تعالى: ﴿طه ١ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ٢ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ٣ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ١ - ٤]. وفي المقابل من أعرض عنه فقد توعده الله بالشقاء والضنك في الدنيا والآخرة ويعمى الله بصره حقيقة في الآخرة جزاء إعراضه عن آياته، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ١٢٦ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧]. خامساً: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ٤١ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].

стр. 42

سادساً: تكفَّل الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ٦ - ومما يدل على عظمة القرآن وصية النبي ﷺ أمته بالتمسك به في أكثر من حديث للنجاة من الفتن والضلالات، ومن ذلك: يقول ﷺ : «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» (٢). وقال ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ .. " (٣).

стр. 43

المطلب السادس: حرص العبد على تدبر القرآن العظيم (١). أولاً: معنى التدبر وأنواعه . تدور عبارات المفسرين في معنى التدبر على إعمال الفكر والنظر مرة بعدة مرة، وذلك بالتأمل والتفهم في آي القرآن الكريم؛ للتوصل إلى معانيه ومقاصده والاتعاظ بها (٢). والتدبر نوعان: الأول: تدبر التلاوة: وهو أن يتدبر القارئ فيما يتلوه، فيحضر قلبه عند تلاوته، ويعمل ذهنه في فهم ما يتلوه مرة بعد مرة حتى يرسخ معنى الآية في قلبه، فيزيد الإيمان وتدمع العين من خشوع القلب وتأثره بكلام ربه سبحانه، كما سيأتي مزيد تفصيل في هذا الأمر. والثاني: تدبر الاستماع: وهو أن يستمع للقران العظيم مع إنصات كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. ويقول ابن تيمية ﵀: "ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ بعقله، وتَدَبَّره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة، والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا مَنظومِه ولا منثورِه" (٣) وقال السعدي ﵀ في تفسيره لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: "هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في

стр. 44

الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه. وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيراً كثيراً وعلماً غزيراً، وإيماناً مستمراً متجدداً، وهدى متزايداً، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير. ومن أوكد ما يؤمر به مستمع القرآن، أن يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه، فإنه مأمور بالإنصات .. " (١). وقال القرطبي ﵀: "روي عن وهب بن منبه أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها، فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم. وقال سفيان بن عيينة: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل ثم النشر (٢)، فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب، وجعل له في قلبه نوراً" (٣).

стр. 45

ثانياً: أهمية التدبر والأدلة عليه . تدبر كتاب الله له أهمية عظيمة وأثر كبير على حياة قلب المؤمن، ومن ذلك (١): ١ - اكتسب أهميته وشرفه لتعلقه بفهم كتاب الله فلذا صار من أشرف الأمور وأجلها وأفضلها. ٢ - ولأن الله أمر به وأوجبه على عباده المؤمنين، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وهذا الخطاب وإن كان في أصله موجه إلى غير المسلمين، فلزوم التدبر ووجوبه على المسلم من باب أولى، ولهذا استنبط العلماء وجوب التدبر على المسلم من قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ فقال القرطبي ﵀: "ودلت هذه الآية (٢) وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه" (٣). وقال الشنقيطي ﵀ بعد أن أورد آيات التدبر فختم الكلام عليها بقوله: "وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بدَّ منه للمسلمين" (٤). ٣ - إن الله جعل التدبر مقصوداً من إنزاله، فقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].

стр. 46

قال الشنقيطي ﵀ معلقاً على الآية السابقة: " وأما كون تدبر آياته، من حِكَم إنزاله، فقد أشار إليه في بعض الآيات، بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢]، .. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] (١). وقال ﵀ (٢) في موطن آخر معلقاً على قوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]: " وما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإِنكار على من أعرض عن تدبر كتاب الله، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢]، .. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقد ذم جل وعلا المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]. ومعلوم أن كل من لم يشتغل بتدبر آيات القرآن العظيم، أي تصفحها وتفهمها، وإدراك معانيها، والعمل بها؛ فإنه معرض عنها، غير متدبر لها، فيستحق الإِنكار والتوبيخ المذكور في الآيات، إن كان الله أعطاه فهمًا يقدر به على التدبر، وقد

стр. 47

شكا النبي ﷺ إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا﴾ [الفرقان: ٣٠]. وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بدَّ منه للمسلمين. وقد بين النبي ﷺ أن المشتغلين بذلك هم خير الناس، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح (١) من حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»، وقال تعالى: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له، من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى .. " انتهى المقصود من كلامه ﵀ (٢). ٤ - إنه الطريق إلى معرفة العبد لخالقه ﷻ معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو الطريق إلى معرفة صراطه المستقيم الذي أمر العباد بسلوكه. قال الآجري ﵀: «ومن تدبر كلامه، عرف الربَّ ، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تَفَضُّله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فَرْضِ عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذَّره مولاه الكريم، ورغب فيما رَغَّبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وَعَزَّ بلا عشيرة، وأَنِس بما يستوحش منه غيره، وكان هَمُّه عند التلاوة للسّورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلو؟! ولم يكن مراده: متى أختم

стр. 48

السّورة؟! وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟! متى أزدجر؟! متى أعتبر؟! لأن تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة» اهـ (١) " (٢). ٥ - قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة؛ فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن" (٣).

стр. 49

ثالثاً: ذم السنة لقوم اشتهروا بكثرة التلاوة بدون تدبر لمعانيه وفهمه على طريقة الصحابة . لقد ذم النبي ﷺ : في أكثر حديث القوم الذين يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، مع كثرة تلاوتهم للقرآن لدرجة أن الصحابة رضوان الله عليهم يحقرون قراءتهم أمام قراءة هؤلاء الذين ضلوا عن الحق واتبعوا الأهواء وفهموا كلام الله وفسروه على حسب أهوائهم وترك فهم الصحابة للقرآن واحتقروه لأن الشيطان لهم سوء عملهم فرأوه حسناً، قال ﷺ عن الخوارج: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الفُوقِ» (١). وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ» الحديث (٢). وفي الأحاديث إشارة عظيمة مهمة تتعلق بأمر القلب وهي قوله ﷺ : " لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ"، "يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ" أي: لم يصل إلى قلوبهم، إذن ليست العبرة بكثرة تلاوة القرآن وكثرة الصلاة والصيام بدون فهم للقرآن كما فهمه الصحابة وسلف الأمة، بل حال هؤلاء الخوارج تدين ظاهري لم يصل إلى القلب لينتفع به، بل العبرة والمطلوب هو العمل وفهم القرآن على طريقة السلف الفهم الذي يجعل الآيات تنزل إلى القلب، فينتفع بها، كما قال ابن مسعود ﵁ لذلك الرجل الذي يقرأ المفصل في ركعة -وهو يبين الخطأ

стр. 50

الذي وقع فيه-: "هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ (١)! إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ" (٢). رابعاً: وسائل التدبر . ولهذا التدبر عدة وسائل، منها: ١ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وذكر ابن القيم رحمه عدة فوائد وثمرات للاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة واختصر منها الآتي: - "ومنها، أن القرآن شفاء لما في الصدور، مُذهِبٌ لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أَثَّره فيها الشيطان، فأمر أن يطرُدَ مادة الداء، ويُخلِي منه القلب، ليصادف الدواء محلًّا خاليًا، فيتمكّن منه، ويؤثِّر فيه .. فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحمٍ ومُضادٍّ له، فينجع فيه. - ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان نارٌ يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحسَّ بنبات الخير في القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأُمر أن يستعيذ بالله منه؛ لئلا يُفسِد عليه ما يحصل له بالقرآن. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله: أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها. - … ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى

стр. 51

- الشيطان في أُمنيته، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته .. فإذا كان هذا فعله مع الرسل، فكيف بغيرهم؟ ولهذا يُغلِّط القارئ تارة، ويخلط عليه القراءة، ويشوِّشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يُشوِّش عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يَعدمْ منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: استعاذة بالله منه عند القراءة. - ومنها: أن الشيطان أحرصُ ما يكون على الإنسان عندما يهُمُّ بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذٍ ليقطعه عنه .. فالشيطان بالرَّصدِ للإنسان على طريق كل خير .. فهو بالرَّصد، ولاسيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدُوَّه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله منه أولًا، ثم يأخذ في السير" (١). ٢ - أن يشعر بأن القرآن خطاب موجه له من الله تعالى (٢). أَتَى رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بن مسعودٍ ﵁، فَقَالَ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: "إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا﴾، فَأَصْغِ لَهَا سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ تُصْرَفُ عنه" (٣). وقال الحسن البصري ﵀ عن القرآن: " .. وإن من كان قبلكم رأوه رسائل إليهم من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار" (٤). وقال محمد بن كعب القرظي ﵀: " من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي ﷺ " (٥).

стр. 52

وقال سلم الخواص ﵀: "قلت لنفسي: يا نفس، اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به، فجاءت الحلاوة" (١). وقال ابن القيم ﵀: " إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه؛ فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله" (٢). وقال أيضاً: " وبالجملة فمن قرئ عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به، فإذا حصل له مع ذلك السماع به، وله، وفيه ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيها يبدأ، فما شئت من علم وحكم، وتعرف وبصيرة، وهداية وعبرة" (٣). وقال والد محمد إقبال لابنه لما رأه يكثر من تلاوة القرآن، يا بني إذا أردت أن تفقه القرآن فأقرأه كأنه أنزل عليك (٤). فقيل: إنه كان بعد ذلك إذا قرأ القرآن يبل ورقات المصحف بدموعه (٥). ٣ - تكرار الآية أو الآيات في الموضوع الواحد. فهذا التكرار له أثره العظيم على حضور القلب، وفهم ما يتلوه، وحسن تدبره له، وهو منهج نبوي، فقد ردد النبي ﷺ آية في صلاة الليل حتى أصبح، يَقُولُ أبو ذر ﵁: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا» وَالْآيَةُ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (٦).

стр. 53

قال ابن القيم ﵀: " فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن. وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح .. فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب. ولهذا قال ابن مسعود: «لا تهذوا القرآن هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب». وقال ابن مسعود ــ أيضا ــ: «اقرؤوا القرآن، وحركوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة». وروى أيوب، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث. قال: «لأن أقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ» " (١). وعن عباد بن حمزة قال: "دخلت على أسماء وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، قال: فوقفت عليها، فجعلت تستعيذ وتدعو، قال عباد: فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو" (٢). وعَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ رَدَّدَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] (٣). وعَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، قَالَ: " لَمَّا تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ دَخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى أُخْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرِينَا عَنْهُ. فَقَالَتْ: قَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ حم، فَلَمَّا أَتَى عَلَى

стр. 54

هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] فَمَا جَاوَزَهَا حَتَّى أَصْبَحَ " (١) وقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُرَدِّدُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] (٢). وردد ابن مسعود ﵁: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٣). وردد أيضاً: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] (٤). وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى: ﴿لَهُم مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] رددها إلى السحر (٥). ٤ - أن يعيش بقلبه وأحاسيسه في معنى الآيات، ويسبح بفكره في معانيها، فيحرك قلبه بها، ويتصور مشاهدها كأنها رأي عين. وهذا يحصل مع تكرار الآية أو الآيات في الموضوع الواحد، ولابد من صفاء النية ونقائها وإخلاصها لله، مع الدعاء الذي يلح فيه على ربه أن يرزقه تدبر الآيات كما يحب ويرضى الذي يؤدي إلى خشوع قلبه وتأثره بالآيات وزيادة إيمانه وخشوع جوارحه وبكاؤه من خشية الله .. ٥ - أن يحاسب نفسه إذا لم يجد أثراً للآيات في قلبه. ولن تحصل المحاسبة للنفس إلا شعر في قلبه بأهمية تدبر القرآن، وشعر كذلك أنه ما قسى قلبه إلا بسبب ذنوبه وغفلته عن ربه فيسارع إلى الندم والاستغفار

стр. 55

والتوبة الصادقة من قلبه، ثم يقوم بلوم نفسه لماذا يا نفس لا يأثر فيك القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. ٦ - … الرجوع لتفسير مختصر لفهم بعض الآيات التي يشكل على القارئ معناها. وهي قليلة لأن أكثر آيات القرآن من الآيات المحكمة التي يفهم العربي معناها، ومع ذلك إذا احتاج إلى فهم معنى آية رجع إلى مختصر التفسير حتى يتمكن من تدبرها والانتفاع بها، ويستحسن أن يكون معه مصحف بهامشه مختصر التفسير، حتى إذا أشكل عليه فهم آية رجع من قريب. ٧ - ترتيل الآيات وتحسين الصوت بقدر الوسع بدون تكلف. وللصوت الحسن أثر في زيادة تدبر الآية أو الآيات التي يريد تدبرها مع تكراره لها يحاول أن يحسن صوته بها حتى يصل الخشوع والتأثر إلى قلبه، فينزل أثر الآيات إلى القلب ومن ثم إلى الجوارح فيقشعر الجسد وتدمع العين من التأثر الناتج عن تكرار الآية أو الآيات مع تحسين الصوت والقراءة بنبرة الحزن أكثر أثراً من غيرها ٨ - أن يحرص على الخلوة مع ربه في ظلمة الليل عند تدبره للآيات. بقدر ما يستطيع يحرص على الخلوة مع ربه عند تدبره للآيات، لأن ادعى لانقطاع الشواغل عنه وبعده عن العجب والرياء والسمعة الآفات الممرضة للقلب والقاطعة بينه وبين بركة التدبر، فهي أشد خطراً على القلب من السموم على الجسد، وتلاوة القرآن وتدبره وترتيله وتحسين الصوت به، مما ينفذ من الشيطان إذا وجد في القلب مدخلاً من حب تلك الأمور المهلكة التي ربما لا يشعر بخطرها لضعف إيمان القلب فتردية في أودية الخسارة في الدنيا والآخرة والحرمان وقلة التوفيق، ولذا على من كان لا بد له أن يتصدى للظهور إما لإمامة الناس

стр. 56

وتعليمهم أو يظهر على المواقع والقنوات ونحوها للتلاوة يلزم عليه أن يكون على حرص تام من تسرب شوائب العجب وحب السمعة والرياء إلى قلبه، دائم المحاسبة لنفسه حريصاً كل الحرص على سلامة مقاصده مجاهداً لنفسه، ينظر لها بمنظار صاف، لا يجامل مع نفسه ولا يداهن معها، ومع ذلك يكون داعياً ملحاً في الدعاء على ربه أن يرزقه الإخلاص لوجهه الكريم وأن يجيره من الرياء والسمعة والعجب بعمله. ووقت الليل أكثر صفاء من وقت النهار، يقول ابن حجر ﵀ معلقاً على مدارسة جبريل ﵇ للنبي ﷺ القرآن في كل ليلة من رمضان: "وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل مظنة ذلك؛ لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية" (١). وقال النووي ﵀: «ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر .. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة .. وإنما رُجِّحت صلاة الليل وقراءته؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشاغلات والمُلْهِيَات والتصرف في الحاجات، وأصون عن الرياء وغيره من المُحْبِطَات، مع ما جاء به الشرع من إيجاد الخيرات في الليل (٢) .. » (٣). والخلوة مع الله في ظلمة الليل واقفاً بين يديه قائماً راكعاً ساجداً لتلاوة كتابه وتدبر آياته لها طعم وحلاوة ولذة لا مثيل لها. يقول من ذاق ذلك: " أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء" (٤). عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «تَفَقَّدُوا الْحَلَاوَةَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْقُرْآنِ وَفِي الذِّكْرِ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهَا

стр. 57

فَامْضُوا وَأَبْشِرُوا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْبَابَ مُغْلَقٌ» (١). ٩ - أن يفرغ نفسه مما يشوش عليه قلبه وفكره -من الشواغل- عند التلاوة أو الاستماع لها، ويبحث عما هو أنفع لقلبه. وقد سبقت الإشارة إلى شيء من هذا فيما سبق ولكن هنا أنبه على بعض الأمور: الأول: أن يختار القارئ أو من يسمع الأنفع لقلبه، الذي يجده من خلال ما جربه مع نفسه، فبعضهم يخشع عند إسراره بالتلاوة، ومنهم من يخشع عند جهره، وبعضهم يجد خشوعاً وتدبراً عند قراءة القرآن في الصلاة، وقد سبقت الإشارة لذلك، ومنهم من هو عكس ذلك يجد خشوعاً وتدبراً عند تلاوته خارج الصلاة، وبعضهم يجد ذلك عند سماعه للآيات من قارئ يقرأ في الصلاة لأن قراءة الصلاة تختلف عن غيرها، وقد تجد عند سماعك لبعض القراء خشوعاً وتدبراً ما لا تجده عند غيره، وقد تكون بعض التلاوات لبعض القراء ترتبط بزمن جميل مر على الشخص فإذا سمعها أحدثت له أثراً في قلبه، فهو يختار الأصلح لقلبه، وأنفع ذلك ما كان في حال قيام الليل، يقول الشنقيطي ﵀: «لا يثبت القرآن في الصدر، ولا يُسَهِّل حفظه، ويُيَسِّر فهمه إلا القيام به في جوف الليل» اهـ (٢). وهكذا القراءة إذا كانت في صلاة فهي أفضل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ﵀: «الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة … ولكن من حصل له نشاط وفهم للقراءة دون الصلاة؛ فالأفضل في حقه ما كان أنفع له» (٣). «كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة، بل يكون في الصلاة بخلاف ذلك، وليس كل ما كان أفضل يشرع لكل

стр. 58

أحد، بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له» (١) (٢). ١٠ - الاطلاع على أحوال السلف مع القرآن العظيم. إن الناظر إلى أحوال السلف -من الصحابة ومن بعدهم- مع القرآن ليرى ما يشحذ همته ويقوي عزيمته على الإقبال على تلاوة الكتاب العزيز وتدبر آياته كما يحب ويرضى، فكانوا كما وصفهم الله في كتابه: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ [الأنفال: ٢] الآية. وقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانا﴾ [الفرقان: ٧٣].

стр. 59

١١ - المبحث الثالث: مظاهر ودلائل أثر عمل القلب على انتفاع العبد بالقرآن العظيم، وفيه مطالب: المطلب الأول: زيادة خشوع الجوارح تبعاً لزيادة خشوع القلب، والتأثر بالآيات الذي يؤدي إلى البكاء من خشية الله وتعظيمه وإجلاله، وإلى اقشعرار الجلد من خشيته، ومن ثَمَّ لين القلب والجلد لذكر الله . قال تعالى: ﴿وَقُرْءَانا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ١٠٦ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩]. وقال الطبري رحمه في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾: "يقول تعالى ذكره: ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان، إذا يتلى عليهم القرآن لأذقانهم يبكون، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعاً، يعني خضوعا لأمر الله وطاعته، واستكانة له .. عن عبد الأعلى التيمي، أن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه، لأن الله نعت العلماء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ " (١). وقال السعدي ﵀ في تفسيره للآيات: " أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقًا، فارقًا

стр. 60

بين الهدى والضلال، والحق والباطل. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ أي: على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه. ﴿وَنزلْنَاهُ تَنزيلا﴾ أي: شيئًا فشيئًا، مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة. ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ فإذا تبين أنه الحق، الذي لا شك فيه ولا ريب، بوجه من الوجوه فـ: ﴿قُلْ﴾ لمن كذب به وأعرض عنه: ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فليس لله حاجة فيكم، ولستم بضاريه شيئًا، وإنما ضرر ذلك عليكم، فإن لله عبادًا غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا﴾ أي: يتأثرون به غاية التأثر، ويخضعون له. ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ عما لا يليق بجلاله، مما نسبه إليه المشركون. ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا﴾ بالبعث والجزاء بالأعمال ﴿لَمَفْعُولا﴾ لا خلف فيه ولا شك. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ﴾ أي: على وجوههم ﴿يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ﴾ القرآن ﴿خُشُوعًا﴾ وهؤلاء كالذين من الله عليهم من مؤمني أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وغيره، ممن أمن في وقت النبي ﷺ وبعد ذلك" (١). وقال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾: " أي يزيدهم القرآن تواضعاً لله تعالى، وهذه مبالغة في صفتهم، ومدح لهم، وحض لكل من توسم بالعلم، وحصّل منه شيئاً أن يصل إلى هذه الرتبة، وهي رتبة الخشوع والخضوع لله . والواقع أن العبادة لله تعالى ينبغي أن تكون بقلب خاشع، ونفس خاضعة ذليلة لله ، يظهر منها معنى العبودية الخالصة لرب العزة، ويتجلى بها استحضار عظمة الله وهيبته التي تملأ النفس محبة لله، وخوفاً منه، فيصير الإنسان صالح القول والعمل، بالعبادة المرضية لربه تعالى" (٢). وقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيّا﴾ [مريم: ٥٨]. يقول القرطبي ﵀: " في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيراً في

стр. 61

القلوب" (١). يقول طنطاوي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " .. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيّا﴾ بيان لرقة مشاعرهم، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله تعالى. فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من الله تعالى أو هي خبر لاسم الإشارة ﴿أُولئِكَ﴾ و ﴿سُجَّدا وَبُكِيّا﴾ جمع ساجد وباك. أى: أولئك الذين أنعم الله تعالى عليهم، من صفاتهم أنهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن، المتضمنة لتمجيده وتعظيمه وحججه .. خروا على جباههم ساجدين وباكين. وسقطوا خاضعين خاشعين خوفا ورجاء، وتعظيما وتمجيدا لله رب العالمين. وجمع سبحانه بين السجود والبكاء بالنسبة لهم، للإشعار بأنهم مع تعظيمهم الشديد لمقام ربهم، فهم أصحاب قلوب رقيقة، وعواطف جياشة بالخوف من الله تعالى. وفي معنى هذه الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة، منه قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. فهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين، أنهم يتأثرون تأثراً عظيماً عند سماعهم لكلام الله تعالى تأثراً يجعلهم يبكون ويسجدون وتقشعر

стр. 62

جلودهم، وتوجل قلوبهم، وتلين نفوسهم" (١). وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. "والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل والخوف" (٢). وقد وصف الله حال الذين يخشون ربهم مع القرآن العظيم بأنهم إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلودهم، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم، فحقيقة حالهم أن قلوبهم تقشعر من خوفهم من الله وخشيته، وتلين عند الرجاء. عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: "كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم"، قال فقلت لها: إن ناساً اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشياً عليه، فقالت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". قال قتادة: "هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان" (٣).

стр. 63

المطلب الثاني: زيادة الإيمان في القلب الذي يظهر أثره على الجوارح بالشعور بعظمة الله وهيبته في القلوب والمسارعة والمسابقة إلى مرضات الله وجنته، ويثمر انشراح الصدر وطمأنينة القلب . ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. الآيات. يقول الطبري ﵀ في معنى هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: ليس المؤمن بالذي يخالف الله ورسوله ويترك اتباع ما أنزله إليه في كتابه من حدوده وفرائضه، والانقياد لحكمه، ولكن المؤمن هو الذي إذا ذكر الله وجل قلبه وانقاد لأمره وخضع لذكره خوفاً منه وفرقاً من عقابه، وإذا قرئت عليه آيات كتابه صدق بها وأيقن أنها من عند الله، فازداد بتصديقه بذلك إلى تصديقه بما كان قد بلغه منه قبل ذلك تصديقاً، وذلك هو زيادة ما تلي عليهم من آيات الله إياهم إيماناً " (١). وذكر القرطبي ﵀ من معاني قوله تعالى: ﴿إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ "وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة" (٢). وقال السعدي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ "ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقاً إلى كرامة ربهم، أو وجلاً من العقوبات، وازدجاراً عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان" (٣).

стр. 64

المطلب الثالث: تدبر القرآن ونزول أثره إلى القلب المؤدي إلى زيادة الاعتصام بما في الكتاب والسنة والحذر من الأهواء والابتداع . وهذه ثمرة من أعظم ثمرات التدبر والفهم لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح عليهم رضوان الله ورحمته، وما حصل من ضلال للفرق التي انحرفت عن منهج السلف ووقعت في البدع، فلعل من أسبابه الكبيرة هذا السبب، كما في أثر عبد الله بن مسعود ﵁ عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ أَلِفًا تَجِدُهُ أَمْ يَاءً: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أو ﴿من ماء غير يا سن﴾؟ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَكُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتَ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "هَذًّا كَهَذِّا الشعر؟ إن أقواما يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ. وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ، نَفَعَ" (١).

стр. 65

المطلب الرابع: التخلق بخلق القرآن . وهذا دليل بيّن على الانتفاع بالقرآن ونزوله في القلب الذي يثمر ثماره المباركة على عبادة المؤمن، وعلى رأسها امتثال القرآن سلوكاً عملياً في حسن الخلق. وسئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: " كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ" (١). وللأخلاق الحسنة مكانة عظيمة في عبادة المسلم، ولذا اعتنى القرآن العظيم بتربية المسلم على حسن الخلق، ولأنه كتاب مبارك، ومن قرب منه نال من هذه البركة بقدر قربه منه، وهذه البركة مرتبطة بتدبر آياته وفهمها والعمل بها، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وكلما ازداد قرب المسلم من كتاب ربه، وتمكن أثره من قلبه، ظهر ذلك عليه في سلوكه وأخلاقه وتعامله، وإنك لتميز صاحب القرآن المرتبط به، من سمته، وحسن تعامله، وبهاء الإيمان الذي تشرق أنواره على قسمات وجهه، وإن أهل القرآن كما قال ﷺ : " إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ " قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ " (٢). ومن كان من الله بهذا القرب لابد أن يظهر على سمته وأخلاقه وسائر أحواله أثر هذا القرب في صفاء القلب وطهارته وسلامته، فتحسن أخلاقه وتنبل أفعاله، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه صاحب القرآن، وقال عبد الله بن مسعود ﵁ الله عنه في وصف حامل القرآن: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً حكيماً حليماً عليماً سِكِّيتًا، وَلَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ جَافِيًا، وَلَا غَافِلًا، وَلَا صَخَّابًا، وَلَا صَيَّاحًا، وَلَا حَدِيدًا» (٣).

стр. 66

وانظر رحمني الله وإياك إلى المكانة العالية لأهل الأخلاق الحسنة، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ» (١). وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (٢). وفي رواية أخرى عن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال النبي ﷺ : «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا» (٣). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (٤). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» (٥). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا» (٦). ومما يدل على مكانة حسن الخلق وأثره العظيم أنه سبب لدخول الجنة مع قلة النوافل، أو العقوبة بالنار لمن ساء خلقه مع كثرة نوافله، لكنها لا تنفعه، بسبب سوء خلقه، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 67

قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (١).

стр. 68

المبحث الرابع: موانع تأثر القلب بالقرآن العظيم، وفيه تمهيد ومطالب . التمهيد: كما مر معنا في أكثر من موضع أن الرسول ﷺ ذم الذين يتلون القرآن بألسنتهم دون أن ينزل إلى قلوبهم وحذر أمته من مسلكهم، وكذلك اتباعه ﷺ من بعده حذروا من هذه المسالك، وعلى رأس هؤلاء الخوارج ومن سار على طريقهم من أهل الأهواء، واللافت في الأمر الاخبار بكثرة تلاوتهم لدرجة أن الصحابة يحقرون قراءتهم أمام قراءة هؤلاء، وإخباره ﷺ بسهولة حفظهم للقرآن كشرب اللبن والماء، فيقول ﷺ : «سَيَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الْقُرْآنَ كَشُرْبِهِمُ اللَّبَنَ» (١). وقال الفيض المناوي في شرحه للحديث: " أي يسلقونه بألسنتهم من غير تدبر لمعانيه ولا تأمل في أحكامه، بل يمر على ألسنتهم كما يمر اللبن المشروب عليها بسرعة" (٢). وفي رواية الأخرى: «سَيَخْرُجُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الْقُرْآنَ كَشُرْبِهِمُ الْمَاءَ» (٣). عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الله عنه قَالَ: " لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا حِينٌ وَزَمَانٌ، وَمَا نَرَى أَنَّ أَحَدًا يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ إِلَّا اللَّهَ ، فَلَمَّا كَانَ هَاهُنَا بِأَخَرَةَ حَسِبْتُ، أَنَّ رِجَالًا يَتَعَلَّمُونَ يُرِيدُونَ النَّاسَ وَمَا عِنْدَهُمْ، فَأَرِيدُوا اللَّهَ بِقِرَاءَتِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا نَعْرِفُكُمْ إِذْ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِذْ يَنْزِلُ إِلَيْنَا الْوَحْيُ، وَيُنَبِّئُنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ مَضَى

стр. 69

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا أَعْرِفُكُمْ بِمَا أَقُولُ: مَنْ أَعْلَنَ لَنَا خَيْرًا أَحْبَبْنَاهُ عَلَيْهِ وَظَنَنَّا بِهِ خَيْرًا، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا شَرًّا بَغِضْنَاهُ عَلَيْهِ وَظَنَنَّا بِهِ شَرًّا، سَرَائِرُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ " (١). عن أبي عبد الرحمن السلمي ﵀ قال: " إنما أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن من العمل قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعاً، وأنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار بيده إلى حنكه" (٢). عن الحسن ﵀ قال: "إن هذا لقرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وما يتدبر آياته إلا اتّباعه بعلمه، والله يَعْلَمُه، أما والله ما هو بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول قد قرأت القرآن كله فما أسقط منه حرفاً، وقد أسقطه والله كله ما بدا له القرآن في خلق ولا عمل. حتى أن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة، والله ما هؤلاء بالقراء، ولا العلماء، ولا الحكماء، ولا الورعة، ومتى كانت القراء تقول مثل هذا إلا أكثر الله في الناس مثل هذا " (٣). وبهذا يتبين لنا أموراً تمنع من أثر القرآن على صاحبه، ودونك بعضها في المطالب الآتية:

стр. 70

المطلب الأول: الخلل في النية والمقصد . وهذا المانع من أعظم موانع الانتفاع بالقرآن والتأثر به، ولذا كان لزاماً على من أراد القرب من القرآن والانتفاع به أن يحرص كل الحرص على سلامة نيته ومقصده، وأن يجاهد نفسه على ذلك، ويسأل الله دائماً أن يرزقه الإخلاص وأن يعينه عليه، وأن يجيره من السمعة والرياء والعجب، وأن يكون دائم التذكير لنفسه بخطورة الخلل في نيته ومقصده في تعامله مع كتاب الله ويحاسبها على ذلك، ويكثر دائماً من الاستغفار والتوبة، ويكثر من الدعاء الذي جاء النص عليه في إذهاب أثر هذه الأمراض على القلب، عن معقل بن يسار قال: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (١). والخلل في النيات له خطره العظيم على صاحبه، وجاء التحذير الشديد من هذا الأمر في كثير من الأدلة، وبعضها قد سبق ذكره، ومنها، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. ويقول تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ

стр. 71

بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَ ا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (١). وذكر الخطابي رحمة الله في معني الحديث: أن من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جزاه الله على ذلك بأن يشهره ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه (٢). وأضاف ابن حجر إلى ما ذكره الخطابي، فقال: "وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة ومعنى «يرائي»: يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه" (٣). وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!» (٤). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٥). وقد مر معنا حديث الذين أول من تسعر بهم النار، وذكر منهم قارئ القرآن الذي يريد مدح الناس له ويقوم بهذه العبادة من أجل الناس عياذاً بالله من حالهم.

стр. 72

المطلب الثاني: الخلل في متابعة الهدي النبوي في تلاوة القرآن وتدبره . وتلاوة القرآن وتدبره عبادة عظيمة لا تقبل إلا بالإخلاص لله تعالى، وموافقة الهدي النبوي، وسبق الحديث عن الإخلاص، والخلل في متابعة هدي النبي ﷺ في هذا العبادة يؤدي إلى عدم الانتفاع بهذا الكتاب العظيم، ويمنع أثره المبارك على صاحبه، ولهذا الخلل عدة مظاهر، منها: ١ - ختمه في أقل من ثلاثة أيام، وقد ورد النهي عن ذلك، وسبق ذكره. ٢ - السرعة في تلاوته ويكون هم القارئ آخر السورة، وهذا تؤدي إلى عدم فهمه وتدبره، والإخلال بأحكام التلاوة، وقال ابن مسعود ﵁: «اقرؤوا القرآن، وحركوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة». وقد سبق الكلام عن ذلك. ٣ - قراءته على لحون أهل الغناء مع التكلف وزيادة التمطيط في الحروف الخارج عن حدود الأداء الصحيح، ويرافق ذلك الكثير من اللغط ورفع الأصوات من قبل المستمعين، ويحصل ارتفاع للأصوات لا يحسن عند سماع كلام الله ، كهيشات الأسواق المنهي عنها، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (ثَلَاثًا) وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأسواق" (١). ومن معنى "هيشات الأسواق": ارتفاع الأصوات والصياح واللغط (٢). المطلب الثالث: عدم طهارة القلب . الانتفاع بالقرآن والتأثر به مرتبط ارتباطاً وثيقاً بطهارة القلب وسلامته، وما يحصل من نفور وبعد عن تدبر القرآن والانتفاع به يرجع إلى عدم طهارة القلب، وهي عقوبة ناتجة عن الخلل في امتثال أمر الله، وفتنة سببها الاعتراض على حكم الله ومحاولة التلاعب به، وتحريف الدين طلباً لرضا الناس، والتظاهر بأمور من الدين مع وجود البغض للحق في الباطن، وذلك يؤدي إلى فساد القلب وعدم طهارته ومن ثم عدم الانتفاع بكلام الله وقسوة القلب، وهذه

стр. 73

عقوبة يضرب الله بها تلك القلوب، قال تعالى عن حال أولئك اليهود ومن يشبههم: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. المطلب الرابع: عدم تقدير كلام الله حق قدره . وهذا المانع ناتج عن السبب السابق لما تدنست القلوب ولم تكن طاهرة لم يكن لكلام الله تقدير عندهم فلا ينتفعون به ولا يرتفعون، بل لا يرون له مكانة ولا تقدير، فيهجرونه بكل أنواع الهجر، ويرون العزة في غيره من علوم الشرق والغرب، ولهذا يحرمون من بركة تدبره والانتفاع به، والله أخبر في كتابه أن عزة المسلم والأمة في الارتباط بالقرآن والتمسك به والاقبال عليه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٤٣ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٤]. قال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. إنه لشرف لك ولقومك الذين اتبعوك بهذا القرآن، وإنه لفخر لكم ومنقبة جليلة، ونعمة لا يقدر قدرها إلا من عرف قيمتها (١). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠]. وإنه لشرف لمن اتبع هداه وعمل بما فيه (٢).

стр. 74

ويقول ابن كثير ﵀: " يقول تعالى منبهاً على شرف القرآن، ومحرضاً لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال ابن عباس: شرفكم" (١). وقال السعدي في تفسيره لهذه الآية: " لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - كتاباً جليلاً وقرآناً مبيناً ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم وفخركم وارتفاعكم، إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها، وامتثلتم ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي، ارتفع قدركم، وعظم أمركم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا ترضون ولا تعملون على ما فيه ذكركم وشرفكم في الدنيا والآخرة، فلو كان لكم عقل، لسلكتم هذا السبيل، فلما لم تسلكوه، وسلكتم غيره من الطرق، التي فيها ضعتكم وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما، علم أنه ليس لكم معقول صحيح، ولا رأي رجيح. وهذه الآية، مصداقها ما وقع، فإن المؤمنين بالرسول، الذين تذكروا بالقرآن، من الصحابة، فمن بعدهم، حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر، والصيت العظيم، والشرف على الملوك، ما هو أمر معلوم لكل أحد، كما أنه معلوم ما حصل، لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا، ولم يهتد به ويتزك به، من المقت والضعة، والتدسية، والشقاوة، فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب" (٢). وقال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (٣). وعلى هذا من لم يقدر القرآن حق قدره ويعمل بما فيه، فإن الله يحجبه عن بركة القرآن، ويصيبه الذل والهوان والخسارة في الدنيا والآخرة.

стр. 75

المطلب الخامس: تعلق القلب بغير الله . إن هذا القرآن عظيم كتاب عزيز قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ٤١ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. فهو كتاب محفوظ بحفظ الله له محمي بحماية الله، ليس للباطل إليه سبيل لأنه منزل من الله رب العالمين، ذو مكانة منيعة جامع لأوصاف الكمال، منيع عن كل من أراد به تحريفاً أو سوءاً ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ لا تقربه شياطين والجن بتبديل أو تحريف من زيادة أو نقص، ولا بإدخال فيه ما ليس منه، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، وقد تكفل الله بذلك، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، وأقواله، يضع كل شيء موضعه، وينزله منزله. ﴿حَمِيدٍ﴾ على ما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال، فلهذا كان كتابه، مشتملاً على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار، التي يحمد عليها، ومحمودة عواقبه وغاياته (١). وهذه بعض صفات هذا الكتاب، فإذا تعلق القلب بغير الله، حرمه الله بفعله هذا المذموم، -ولا يظلم ربك أحداً- من بركة الكتاب العزيز، ومنع من تأثيره عليه، لأن قلبه تعلق بغير منزله العظيم، وتدنس بحب غير الله من الشهوات المحرمة والشبهات، فكان جزاءاً وفاقاً أن يحال بينه وبين بركة تدبر القرآن. … المطلب السادس: الغفلة عن لقاء الله في الآخرة . ومن الأسباب العظيمة التي تحجب القلب عن تدبر القرآن والانتفاع به، غفلته عن لقاء الله التي تؤدي ولا بد إلى غفلته عن الآخرة، فيحال بينه وبين بركات تدبر القرآن العظيم، فقال تعالى عن الغافلين حين تتلى عليهم آيات الله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ
следующие страницы →