← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 864

أثر عمل القلب على تلاوة القرآن وتدبره

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (82 стр.). Показаны 71–82 · переход к 76.

стр. 71

بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَ ا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (١). وذكر الخطابي رحمة الله في معني الحديث: أن من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جزاه الله على ذلك بأن يشهره ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه (٢). وأضاف ابن حجر إلى ما ذكره الخطابي، فقال: "وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة ومعنى «يرائي»: يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه" (٣). وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!» (٤). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٥). وقد مر معنا حديث الذين أول من تسعر بهم النار، وذكر منهم قارئ القرآن الذي يريد مدح الناس له ويقوم بهذه العبادة من أجل الناس عياذاً بالله من حالهم.

стр. 72

المطلب الثاني: الخلل في متابعة الهدي النبوي في تلاوة القرآن وتدبره . وتلاوة القرآن وتدبره عبادة عظيمة لا تقبل إلا بالإخلاص لله تعالى، وموافقة الهدي النبوي، وسبق الحديث عن الإخلاص، والخلل في متابعة هدي النبي ﷺ في هذا العبادة يؤدي إلى عدم الانتفاع بهذا الكتاب العظيم، ويمنع أثره المبارك على صاحبه، ولهذا الخلل عدة مظاهر، منها: ١ - ختمه في أقل من ثلاثة أيام، وقد ورد النهي عن ذلك، وسبق ذكره. ٢ - السرعة في تلاوته ويكون هم القارئ آخر السورة، وهذا تؤدي إلى عدم فهمه وتدبره، والإخلال بأحكام التلاوة، وقال ابن مسعود ﵁: «اقرؤوا القرآن، وحركوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة». وقد سبق الكلام عن ذلك. ٣ - قراءته على لحون أهل الغناء مع التكلف وزيادة التمطيط في الحروف الخارج عن حدود الأداء الصحيح، ويرافق ذلك الكثير من اللغط ورفع الأصوات من قبل المستمعين، ويحصل ارتفاع للأصوات لا يحسن عند سماع كلام الله ، كهيشات الأسواق المنهي عنها، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (ثَلَاثًا) وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأسواق" (١). ومن معنى "هيشات الأسواق": ارتفاع الأصوات والصياح واللغط (٢). المطلب الثالث: عدم طهارة القلب . الانتفاع بالقرآن والتأثر به مرتبط ارتباطاً وثيقاً بطهارة القلب وسلامته، وما يحصل من نفور وبعد عن تدبر القرآن والانتفاع به يرجع إلى عدم طهارة القلب، وهي عقوبة ناتجة عن الخلل في امتثال أمر الله، وفتنة سببها الاعتراض على حكم الله ومحاولة التلاعب به، وتحريف الدين طلباً لرضا الناس، والتظاهر بأمور من الدين مع وجود البغض للحق في الباطن، وذلك يؤدي إلى فساد القلب وعدم طهارته ومن ثم عدم الانتفاع بكلام الله وقسوة القلب، وهذه

стр. 73

عقوبة يضرب الله بها تلك القلوب، قال تعالى عن حال أولئك اليهود ومن يشبههم: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. المطلب الرابع: عدم تقدير كلام الله حق قدره . وهذا المانع ناتج عن السبب السابق لما تدنست القلوب ولم تكن طاهرة لم يكن لكلام الله تقدير عندهم فلا ينتفعون به ولا يرتفعون، بل لا يرون له مكانة ولا تقدير، فيهجرونه بكل أنواع الهجر، ويرون العزة في غيره من علوم الشرق والغرب، ولهذا يحرمون من بركة تدبره والانتفاع به، والله أخبر في كتابه أن عزة المسلم والأمة في الارتباط بالقرآن والتمسك به والاقبال عليه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٤٣ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣ - ٤٤]. قال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. إنه لشرف لك ولقومك الذين اتبعوك بهذا القرآن، وإنه لفخر لكم ومنقبة جليلة، ونعمة لا يقدر قدرها إلا من عرف قيمتها (١). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠]. وإنه لشرف لمن اتبع هداه وعمل بما فيه (٢).

стр. 74

ويقول ابن كثير ﵀: " يقول تعالى منبهاً على شرف القرآن، ومحرضاً لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال ابن عباس: شرفكم" (١). وقال السعدي في تفسيره لهذه الآية: " لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - كتاباً جليلاً وقرآناً مبيناً ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم وفخركم وارتفاعكم، إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها، وامتثلتم ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي، ارتفع قدركم، وعظم أمركم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا ترضون ولا تعملون على ما فيه ذكركم وشرفكم في الدنيا والآخرة، فلو كان لكم عقل، لسلكتم هذا السبيل، فلما لم تسلكوه، وسلكتم غيره من الطرق، التي فيها ضعتكم وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما، علم أنه ليس لكم معقول صحيح، ولا رأي رجيح. وهذه الآية، مصداقها ما وقع، فإن المؤمنين بالرسول، الذين تذكروا بالقرآن، من الصحابة، فمن بعدهم، حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر، والصيت العظيم، والشرف على الملوك، ما هو أمر معلوم لكل أحد، كما أنه معلوم ما حصل، لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا، ولم يهتد به ويتزك به، من المقت والضعة، والتدسية، والشقاوة، فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب" (٢). وقال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (٣). وعلى هذا من لم يقدر القرآن حق قدره ويعمل بما فيه، فإن الله يحجبه عن بركة القرآن، ويصيبه الذل والهوان والخسارة في الدنيا والآخرة.

стр. 75

المطلب الخامس: تعلق القلب بغير الله . إن هذا القرآن عظيم كتاب عزيز قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ٤١ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. فهو كتاب محفوظ بحفظ الله له محمي بحماية الله، ليس للباطل إليه سبيل لأنه منزل من الله رب العالمين، ذو مكانة منيعة جامع لأوصاف الكمال، منيع عن كل من أراد به تحريفاً أو سوءاً ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ لا تقربه شياطين والجن بتبديل أو تحريف من زيادة أو نقص، ولا بإدخال فيه ما ليس منه، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، وقد تكفل الله بذلك، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، وأقواله، يضع كل شيء موضعه، وينزله منزله. ﴿حَمِيدٍ﴾ على ما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال، فلهذا كان كتابه، مشتملاً على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار، التي يحمد عليها، ومحمودة عواقبه وغاياته (١). وهذه بعض صفات هذا الكتاب، فإذا تعلق القلب بغير الله، حرمه الله بفعله هذا المذموم، -ولا يظلم ربك أحداً- من بركة الكتاب العزيز، ومنع من تأثيره عليه، لأن قلبه تعلق بغير منزله العظيم، وتدنس بحب غير الله من الشهوات المحرمة والشبهات، فكان جزاءاً وفاقاً أن يحال بينه وبين بركة تدبر القرآن. … المطلب السادس: الغفلة عن لقاء الله في الآخرة . ومن الأسباب العظيمة التي تحجب القلب عن تدبر القرآن والانتفاع به، غفلته عن لقاء الله التي تؤدي ولا بد إلى غفلته عن الآخرة، فيحال بينه وبين بركات تدبر القرآن العظيم، فقال تعالى عن الغافلين حين تتلى عليهم آيات الله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ

стр. 76

الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] الآية. وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ١ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ٢ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١ - ٣]. وقال تعالى عن حال الغافلين في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. وقال تعالى عن حال الغافلين في الآخرة، وما يذكرهم الله به وهم في النار من أحوال الغفلة التي كانوا فيها في الدنيا، في مشهد مهيب تكاد تنخلع منه القلوب: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ١٠٣ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ١٠٤ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ١٠٦ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ١٠٧ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ١٠٩ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ١١٠ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ١١١ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ١١٣ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ١١٤ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١٠٣ - ١١٦].

стр. 77

المطلب السابع: التقصير في أداء الفرائض، ومن ثم إهمال النوافل . للقران العظيم آثار مباركة على الذين يحبهم الله بسبب محافظتهم على الفرائض، وكثرة تقربهم إلى الله بالنوافل، فيفتح الله قلوبهم لتدبر آياته كما يحب ويرضى، ويعلمهم الله ويفتح عليهم من كنوز القرآن الكريم، لأنه يحبهم قال ﷺ : «إن الله قال: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ .. » الحديث (١). وإذا تساهل العبد في الفرائض وفرط في النوافل أبعد عن الله وتسلط عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، وعلى رأس ذكر الله تلاوة القرآن وتدبره، قال تعالى عن حال من تسلطت عليهم الشياطين: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]. قال ابن كثير ﵀: " أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله، ، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه؛ ولهذا قال أبو داود .. عن أبي الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية". قال زائدة: قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة" (٢) " (٣).

стр. 78

المطلب الثامن: مجالسة أهل الأهواء الذين يضربون القرآن بعضه ببعض، ويتبعون متشابه ويتركون محكمه . إن مجالسة أهل الاهواء تفسد القلب وتمرضه، فلا يجد لذة في تلاوة القرآن وتدبره، وتذهب منه حلاوة العبادة، وتجعله يفهم القرآن على منهج أهل البدع الذين يجالسهم، ولذا ينبغي الحذر من مجالستهم لمن أراد السلامة لقلبه، ولذا حذر النبي ﷺ من هؤلاء، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ» (١). وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» (٢). كان من منهج السلف ﵏ الحذر من مجالسة أهل البدع والأهواء والتحذير من ذلك أشد التحذير؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، من تعرض لها تعلقت بقلبه وأفسدته. وقبل ذكر أمثلة من حياة السلف تبين شدة تحرزهم من أهل والأهواء، أود أن أقدم بهذا التنبيه المهم. تنبيه مهم: وهذه المجالسة في زمننا لا يلزم منها حضور مجالسهم أو قراءة كتبهم؛ لأن مفهوم المجالسة تغير في زمننا بسبب ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعة نتاجهم الفكري الموجود على شبكة الإنترنت، أو المتابعة التي تتم من خلال البث الفضائي.

стр. 79

فيستطيع الواحد في هذا الزمن أن يجالس أهل البدع والأهواء ويرى ويسمع دروسهم وخطبهم ومحاضرتهم ويقرأ كتبهم وهو في بيته، وبينه وبينهم المسافات الشاسعة، وأضف إلى هذا ضعف العلم الشرعي وضعف التمسك بالدين عند المتلقين، وقدرة أصحاب الباطل على المحاجة وتلبيس الحق بالباطل؛ ولذا كان الخطر عظيمًا والخطب جليلًا، وحينها نعرف لماذا يحذر السلف من مجالسة أهل الأهواء، ويحرصون على عدم سماع كلامهم مع قوتهم العلمية، وتمكن الدين من قلوبهم، وقدرتهم على المحاجة والمجادلة، إلا أن السلامة لا يعدلها شيء، والقلوب ضعيفة، والشبه خطافة، والشياطين حاضرة تمد أصحابها بزخرف القول الذي قال الله عنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. قال إبراهيم النخعي ﵀: "لا تجالسوا أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البِغْضَة في قلوب المؤمنين" (١). وذكر الذهبي ﵀: "عن سفيان الثوري عليه رحمة الله: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه. وعنه: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم. قلت (٢): أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة" (٣). ومعنى كلام الإمام الذهبي ﵀: أن السلف يحذرون من سماع كلام أهل البدع؛ لأن القلوب ضعيفة سريعة التأثر بما تسمع، والشبه تخطف القلوب، وتميل بها عن طريق الهدى، ويزينها الشيطان فتزل القدم بعد ثبوتها.

стр. 80

وذكر العلماء ﵏ (١) آثارًا عن السلف في التحذير من مجالسة أهل الأهواء لخطورتها على القلوب، ومن ذلك: "قال أبو قلابة ﵀: لا تجالسوا أهل الأهواء -أو قال: أصحاب الخصومات-؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا، قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا، لتقومان عني، أو لأقومنَّهْ، فقاما. فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأ عليك آية؟! … وقال: خشيت أن يقرآ آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي. وقال رجل من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة. وكان الحسن يقول: شر داء خالط قلبًا -يعني: الأهواء-. وقال حذيفة: اتقوا الله، وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا -أو قال: مبينًا-" (٢). قال رجل لابن سيرين: "إن فلانًا يريد أن يأتيك، ولا يتكلم بشيء، قال: قل لفلان: لا، ما يأتيني، فإن قلب ابن آدم ضعيف، وإني أخاف أن أسمع منه كلمة، فلا يرجع قلبي إلى ما كان" (٣). ويروي الآجري بسنده عن مهدي بن ميمون قال: "سمعت محمدًا -يعني ابن سيرين- وماراه (٤) رجل في شيء، فقال محمد: إني أعلم ما تريد، وأنا أعلم بالمراء منك، ولكني لا أماريك" (٥). وانظر إلى هذا الإمام العظيم من أكابر أهل السنة علماً وعملاً، ومع هذا العلم

стр. 81

العظيم والقدرة على المجادلة خاف على قلبه من أن تنفذ إليه شبهة فلا يعود كما كان، وتذهب رقته وخشوعه وتلذذه بالعبادة بسبب سماع كلام أهل الباطل، فإنه يمرض القلوب ولو كانت صحيحة، ويفسدها ولو كانت سليمة فالحذر الحذر فإن سماع أو رؤية أهل الباطل تعد عقوبة عند أهل القلوب الحية، فقد دعت أم جريج الراهب على ابنها -لما بصلاة النافلة عنها- بأن يعاقبه الله برؤية وجوه العصاة من المومسات أي الزانيات، وقد عاقبه الله بذلك لأن رؤية الوجوه المظلمة يسري أثرها على القلب بشيء من الغبش في رؤية الحق، فمن سرح طرفه في تلك الوجوه وسمع لكلامها أصابت بقدر القرب ظلمة في قلبه ينعكس أثرها على نفوره من القرآن وأصحابه، وتؤثر كذلك على صفاء القلب، فتصيبه الكدورة التي تضعف فهمه للقرآن ويعجز عن تدبره، ويضيق الصدر بتلاوته، فلا يجد لذة في تدبره وفهمه، ولا ينتفع بمواعظه وزواجره ووعده ووعيده، وقد يصل الحال بقلبه أن يتلذذ بالشهوة الحرام من سماع المعازف ما لا يجده عند تلاوته أو سماعه، نسأل الله العافية والسلامة. … المطلب التاسع: ذنوب الخلوات . للذنوب أثر عظيم على عمى القلب فلا يرى حقائق القرآن، ولا يبصر نوره قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ويأتي بسبب النوب غلاف على القلب يسمى الران الذي ذكرته الآية وكما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤]»، ومن أشد الذنوب خطراً على القلب ذنوب الخلوات، فهي تفسد القلب وتهلك العمل الصالح في يوم القيامة، حتى يكون صاحبها من المفلسين، ودونك هذا الحديث العظيم الذي يبين خطورة الذنوب في حالة الخلوة مع الله وعدم الحياء، فقال ﷺ : «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ

стр. 82

مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (١). وبناء على هذا فإن القلوب التي أصيبت بمثل هذا الداء لا تنتفع بالقرآن وهي بمنأى عن التأثر به، وقد حيل بينها وبين تدبره والانتفاع به، فهي قلوب قاسية وقد ضربت الغفلة في أنحائها وأجلب عليها الشيطان بخيله ورجله، فانتهكت محارم في حال خلوتها وغفلت عن علم الله بها وسماعه ورؤيته لها، فأطلقت لنفسها العنان في الشهوات المحرمة، وهذا مثال على ذلك، فإذا خلى أحدهم بشاشة جهازه نظر حين لا يراه رقيب البشر، نظر إلى ما حرم الله مما يعرضه جهاز جواله أو حاسبوه أو القناة الفضائية متع ناظريه وسمع بأذنيه الحرام، ولو كان أحد من البشر يراقبه لما فعل ذلك خوفاً وحياء منهم، نسأل الله العافية والسلامة. المطلب العاشر: التعلق بشهوات النفس المحرمة من سماع الحرام والنظر إليه وأكل الحرام . وقد سبق الكلام عن الذنوب مراراً، ولكني هنا أقصد نوعاً من الذنوب له أثره الكبير على نفور صاحبه من القرآن وعدم الانتفاع به، وعدم القدرة على تدبره كما يحب الله ويرضى، ومنها: ١ - سماع المعازف. ٢ - النظر بشهوة إلى ما حرم الله من النساء والمردان (٢). ٣ - أكل الحرام وشربه. وصلى الله وسلم على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد عبد الله ورسوله