← Адаб

Адаб · id 8651

فن الكتابة الصحفية

فاروق أبو زيد

Полный текст (317 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة: في هذا الكتاب محاولة للجمع بين نوعين من المعرفة في دراسة فن الكتابة الصحفية. المعرفة النظرية: بما تعنيه من إحاطة شاملة بكل المؤلفات التي كتبت في الموضوع.. سواء كانت بالعربية أم بالإنجليزية.. مؤلفة أم مترجمة.. ثم استخلاص الأسس أو القوانين العلمية التي يقوم عليها كل فن من فنون الكتابة الصحفية، وذلك من خلال استخدام المنهج العلمي في البحث. والمعرفة العملية: بما تعنيه من إحاطة بالتفاصيل الدقيقة للممارسة الصحفية.. ذلك أن فن الكتابة الصحفية من أكثر الفنون عرضة للتطور أو قبولًا له.. وإذا

стр. 2

كانت أسس أو قوانين فن الكتابة الصحفية ثابتة.. فإن تطبيقات هذه الأسس أو القوانين متغيرة ... فهي تتطور بنفس السرعة التي تتطور بها مهنة الصحافة.. باعتبارها أكثر المهن التصاقًا بالحياة الاجتماعية للإنسان.. ولا خلاف في أن أبرز قانون يحكم الحياة الاجتماعية الإنساينة هو قانون التطور. وكم كان أستاذنا الدكتور عبد اللطيف حمزة مصيبًا حين قال: إنه رب كتاب يؤلف في الفن الصحفي هذا العام يصبح شيئًا قديمًا في ذاته بعد أعوام..! وعلى هذا الأساس ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، ويضم كل فصل منها عدة مباحث. ويتحدث الفصل الأول عن فن الحديث الصحفي، ويضم ستة مباحث تتناول بالترتيب تعريف الحديث الصحفي، والإعداد للحديث الصحفي، وإجراء الحديث الصحفي، وكتابة الحديث الصحفي. ويتناول المبحث الخامس الحديث التليفوني. أما المبحث السادس فهو يتناول المؤتمر الصحفي. ويتضمن الفصل الثاني من الكتاب فن التحقيق الصحفي، وهو يضم ثلاثة مباحث يتناول أولها تعريف التحقيق الصحفي.. أما المبحث الثاني فهو يتناول إعداد التحقيق الصحفي. ويتناول المبحث الثالث كتابة التحقيق الصحفي. ويتحدث الفصل الثالث عن فن التقرير الصحفي، وهو يضم خمسة مباحث؛ يتناول أولها تعريف التقرير الصحفي، ويتناول المبحث الثاني كتابة التقرير الصحفي.. أما المبحث الثالث فهو يتناول التقرير الإخباري، في حين يتناول

стр. 3

المبحث الرابع التقرير الحي، أما المبحث الخامس فهو يتناول تقرير عرض الشخصيات. ويتحدث الفصل الرابع والأخير عن فن المقال الصحفي، وهو يتضمن ستة مباحث؛ يتناول أولها تعريف المقال الصحفي.. أما المبحث الثاني فهو يتناول فن المقال الافتتاحي، ويتناول المبحث الثالث فن العمود الصحفي.. ويتناول المبحث الرابع فن المقال النقدي، أما المبحث الخامس فيتناول فن المقال التحليلي، وأخيرًا يتناول المبحث السادس الحملة الصحفية. ولقد فرضت طبيعة هذه الدراسة على المؤلف ثلاثة مناهج علمية: ١- المنهج التحليلي. ٢- المنهج المقارن. ٣- المنهج التاريخي. وكان المصدر الأساسي لنا في هذه الدراسة هو المؤلفات العربية والأجنبية الأصلية في الموضوع.. بالإضافة إلى مجموعات الصحف العربية الصادرة في الوطن العربي وخارجه.. بالإضافة إلى نماذج من الصحف البريطانية والأمريكية. وقد حاولنا بقدر الإمكان الاعتماد على الصحف العربية في تقديم النماذج التطبيقية لفنون الكتابة الصحفية.. وقد اضطررنا لاستخدام بعض النماذج التطبيقية من الصحف الأجنبية في الحالات التي لم تسعفنا فيها الصحف العربية بنماذج تطبيقية تفي بالغرض من البحث.

стр. 4

وتتبقى قضية هامة يثيرها عنوان الكتاب "فن الكتابة الصحفية"، فمنذ أصدر أستاذنا الدكتور محمود عزمي "محاضرات في فن التحرير الصحفي" وبعدما وضع أستاذنا الدكتور عبد اللطيف حمزة كتابه الرائد "المدخل في فن التحرير الصحفي" صار اصطلاح "فن التحرير الصحفي" يُذكر عادة للإشارة إلى فن الكتابة الصحفية..! ونحن نرى أن اصطلاح "فن الكتابة الصحفية" أكثر تحديدًا ووضوحًا من اصطلاح "فن التحرير الصحفي"، بدليل أن الباحثين في الفن الإذاعي والفن التليفزيوني عندما أرادوا استخدام مصطلح يشير إلى الكتابة الإذاعية والكتابة التليفزيونية استخدموا اصطلاح "فن الكتابة الإذاعية" للإشارة إلى الكتابة الإذاعية.. واصطلاح "فن الكتابة التليفزيونية" للإشارة إلى الكتابة التليفزيونية.. ولم يستخدم أي منهم اصطلاح فن التحرير الإذاعي أو فن التحرير التليفزيوني..! والأمر نفسه حدث في بقية المجالات التي تتعلق بالكتابة، فهناك فن الكتابة الأدبية وفن الكتاب المسرحية وفن الكتابة السينمائية.. ولم نرَ أحدًا يستخدم اصطلاح فن التحرير الأدبي أو فن التحرير المسرحي أو فن التحرير السينمائي..! ولا يمكن هنا الاعتداد بقضية الخلق الفني في مجالات الكتابة الأدبية أو المسرحية أو السينمائية أو الإذاعية أو التليفزيونية. فالكتابة الصحفية قضت على هذا الاعتراض عندما صارت "فن"، وأعتقد أن كون الكتابة الصحفية قد صارت فنًّا لم يعد موضع خلاف بين أحد..!

стр. 5

وإذا بحثنا عن الكلمة الإنجليزية التي تستخدم للإشارة إلى الكتابة الصحفية لوجدنا أنها "Writng"، وترجمتها العربية كما جاءت في جميع القواميس: كتابة.. تأليف.. صناعة الكتابة أو التأليف..! ويمكن ينظرة سريعة إلى أسماء الكتب الأجنبية في ثبت المراجع والمصادر بهذا الكتاب؛ لكي نكتشف أن جميع الكتب التي تبحث في موضوع الكتابة الصحفية تستخدم كلمة "Writng"..! أما كلمة "تحرير" فهي ترجمة للكلمة الإنجليزية "Edit" ومعناها يعد كتابات الآخرين للنشر.. والمحرر "Editor" وهو من يعد كتابات الآخرين للنشر.. وهي تطلق أيضًا على رئيس التحرير في الصحيفة. وهذا يعني أن عملية الإعداد تنفصل عن عملية الكتابة.. فكتابة الحديث أو التحقيق أو التقرير أو المقال شيء.. وإعدادها للنشر في الصحيفة شيء آخر.. فعملية الكتابة الصحفية يقوم بها كاتب الحديث أو التحقيق أو التقرير أو المقال.. أما عملية الإعداد للنشر فيقوم بها رئيس التحرير أو مدير التحرير أو قسم المراجعة بالصحيفة أو ما يسمى في الصحافة بالمطبخ الصحفي. ويؤكد هذا المعنى ما يذكره المعجم الوسيط في التفرقة بين كلمتي حرر.. وكتب.. فحرر الكتاب وغيره؛ أي: أصلحه وجوَّد فيه، وحرر الرمي؛ أي: أحكمه.. وحرر العبد؛ أي: أعتقه، ويقال: حرر رقبته.. وحرر الولد؛ أي: أفرد لطاعة الله وخدمة المسجد.. قال تعالى في سورة آل عمران على لسان امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ..

стр. 6

ويذكر المعجم الوسيط أن كتب الكتاب تعني خطه، وأن الكاتب هو من يتعاطى صناعة النثر، وأن الكتابة تعني صناعة الكاتب.. وأن كلمة المكاتب تعني مراسل الصحيفة..! ونخرج من ذلك كله بما نراه من أن اصطلاح "فن الكتابة الصحفية" يتميز عن "فن التحرير الصحفي" بأنه أكثر تحديدًا ووضوحًا.. ولا يسعنا في النهاية إلا أن نعترف بأن القضية تحتاج إلى مناقشة.. وأن ما طرحناه عنها قابل للمراجعة..! دكتور فاروق أبو زيد

стр. 7

الفصل الأول: فن الحديث الصحفي المبحث الأول: تعريف الحديث الصحفي الحديث الصحفي Interview فن يقوم على الحوار بين الصحفي وشخصية من الشخصيات١، وهو حوار قد يستهدف الحصول على أخبار ومعلومات جديدة٢، أو شرح وجهة نظرة معينة٣، أو تصوير جوانب غريبة أو طريفة أو مسلية في حياة هذه الشخصية٤. والحديث الصحفي قد يُجْرى مع شخص واحد.. وهو الشكل الغالب على الأحاديث الصحفية٥؛ ولكنه قد يُجْرى مع عدة أشخاص، كما هو الأمر في الاستفتاء الصحفي٦، والحديث الصحفي قد يجريه محرر واحد..

стр. 8

وهو الأمر الغالب في الأحاديث الصحفية أيضًا١؛ ولكن قد يجريه عدة محررين كما هو الشأن في المؤتمر الصحفي٢. والحديث الصحفي فن صحفي مستقل بذاته؛ ولكن هذا لا يمنع من أن يكون "أداة" للحصول على خبر صحفي٣ أو أن يكون جزءًا من تحقيق صحفي٤، فالحصول على الغالبية العظمى من الأخبار يتم عن طريق المقابلات الصحفية مع مصادر الأخبار٥؛ ولكن هناك فرق كبير بين إجراء مقابلة للحصول على خبر.. وبين اجراء مقابلة للحصول على حديث صحفي٦. إن الحصول مثلًا على خبر عن قانون جديد للإسكان من وزير الإسكان يختلف عن إجراء حديث صحفي مع وزير الإسكان عن القانون الجديد. إن الخبر يستهدف بالدرجة الأولى الإجابة على سؤال: ما هو قانون الإسكان الجديد؟ بينما الحديث الصحفي يستهدف الإجابة على سؤال: لماذا قانون جديد للإسكان؟ وتعريف الحديث الصحفي يمكن أن يتم في بعض الحالات من خلال تحديد أهدافه ووظائفه٧، فهناك حديث المعلومات والأخبار أو "الحديث الخبري"٨، وهو حديث يستهدف بالدرجة الأولى الحصول على أخبار

стр. 9

أو معلومات أو بيانات جديدة عن وقائع أو أحداث أو سياسات أو برامج أو قوانين جديدة١. مثال ذلك: إجراء حديث صحفي مع وزير التموين لشرح وتوضيح السياسة التموينية الجديدة للوزارة.. أو حديث مع وزير المالية لشرح تفاصيل قانون جديد للضرائب.. أو حديث مع وزير الإسكان لتوضيح أبعاد ودلالات قانون جديد للإسكان. إن هذا النوع من الأحاديث الصحفية الإخبارية لا يهتم بشخصية المتحدث قدر اهتمامه بالمعلومات والأخبار التي يصرح بها خلال الحديث٢. ولكن الحديث الصحفي الخبري يختلف عن الخبر الصحفي؛ فهو لا يقدم لنا ماذا حدث فقط؛ وإنما يضيف إليه: لماذا حدث؟! ٣ إن أي شخص عادي يمكنه أن يذهب إلى مصدر الخبر، ويأتي ببيان مكتوب يحمل التفاصيل الكاملة للحدث.. ولكن عندما يذهب المحرر الصحفي إلى مصدر الخبر فإنه لا يكتفي بالحصول على البيان المعد من قبل؛ وإنما يأتي أيضًا بالقصة التي وراء البيان نفسه٤. وإلى جانب "الحديث الخبري" هناك أيضًا "حديث الرأي"، وهو حديث يستهدف بالدرجة الأولى استعراض وجهة نظر شخصية ما في قضية أو قضايا معينة تهم القراء٥. مثال ذلك: إجراء حديث مع مفكر كبير حول مسألة فكرية أو سياسية هامة أو مع سياسي مرموق حول أزمة سياسية أو حديث مع أديب فاز بجائزة محلية أو عالمية.. أو حديث مع عالم له بحث جديد أو اختراع مبتكر أو حديث مع فيلسوف وضع نظرية جديدة أو صاغ منهجًا فكريًّا حديثًا.. وفي هذا النوع من الأحاديث الصحفية ينصرف الاهتمام إلى آراء الشخص الذي يُجْرى معه الحديث أكثر من الاهتمام بشخصه٦.

стр. 10

وبالإضافة إلى "الحديث الخبري" و"وحديث الرأي" هناك أيضًا "حديث التسلية والإمتاع"، وهو يستهدف البحث في حياة الشخص الذي يُجْرى معه الحديث١: نشأته وتاريخ حياته وأبرز الجوانب في شخصيته، ثم كيف يفكر، وكيف يمارس حياته، وما أحب الأشياء إلى قلبه، ثم ما أحلامه، وما طموحاته. وفي هذا النوع من الأحاديث الصحفية تكون الشخصية التي يُجرى معها الحديث هي موضوع الحديث نفسه؛ أي: أن الاهتمام ينصرف هنا إلى شخصية المتحدث أكثر من الاهتمام بأخباره أو بآرائه٢. ويندرج تحت هذا النوع من الأحاديث الصحفية الأحاديث التي تُجْرى مع كبار نجوم السينما أو المسرح أو الغناء أو نجوم المجتمع أو مع الشخصيات الطريفة والغريبة التي يجد القارئ في حياتهم وسلوكهم نوعًا من المتعة والتسلية. ولقد عرفت صحافة القرن التاسع عشر الحديث الصحفي؛ ولكنه لم يستخدم بشكل عام كفن من الفنون الصحفية إلا مع بداية القرن العشرين٣.. ثم أخذ ينمو بالتدريج وتزداد مكانته حتى أصبح واحدًا من فنون التحرير الصحفي الهامة في الصحافة الحديثة.. وقد كان لانتشار الاختزال في بداية القرن العشرين أثر كبير في التقدم الذي أحرزه فن الحديث الصحفي٤؛ ولكن اختراع أجهزة التسجيل وانتشارها في الصحافة جعل من الممكن ليس فقط تسجيل الحديث كما ينطق بالفعل٥؛ وإنما أتاح أيضًا إمكانية الاحتفاظ بنص الحديث٦، وقضى إلى الأبد على تهمة لم يسلم منها كثير من الصحفيين.. وهي تهمة اختلاق بعض الأقوال التي لم ترد على لسان المتحدث٧..!!

стр. 11

والحديث الصحفي يأخذ أشكالًا متعددة، لعل أبرزها ثلاثة أشكال، صار لكل منها ملامحه المتميزة؛ وهي: ١- الحديث المباشر. ٢- الحديث التليفوني. ٣- المؤتمر الصحفي١.

стр. 12

المبحث الثاني: الإعداد للحديث الصحفي ١- اختيار شخصية المتحدث واختيار موضوع الحديث: أول خطوة في تنفيذ الحديث الصحفي هي اختيار شخصية المتحدث واختيار موضوع الحديث١، ومن الضروري أن يُرَاعَى في هذا الاختيار أن يكون المتحدث وموضوع الحديث مجاريين للأحداث المحلية أو الدولية أو أن يرتبط هذا الاختيار بقضايا أو مشاكل تهم الرأي العام أو تمس مصالح عدد كبير من القراء٢. إن صدور قانون جديد للأحوال الشخصية مثلًا قد يكون مناسبة لإجراء حديث صحفي مع الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر حول مدى مطابقة القانون الجديد للشريعة الإسلامية. ومن ناحية أخرى، فإن فوز النادي الأهلي بمسابقة الدوري قد يكون موضوعًا لحديث صحفي مع رئيس النادي أو مع مدرب فريق كرة القدم أو مع قائد الفريق. ٢- جمع المعلومات الكافية عن الموضوع: لَا بُدَّ للمحرر الصحفي في مرحلة الإعداد للحديث الصحفي أن يعمل على الحصول على أكبر قدر متاح من المعلومات عن الموضوع الذي سيدور حوله الحديث وعن الشخصية التي سيجري معها الحوار٣.. وللمحرر أن يلجأ

стр. 13

في ذلك إلى قسم المعلومات بالصحيفة؛ حيث يوجد ملف كامل لكل شخصية من الشخصيات العامة في المجتمع ولكل موضوع من الموضوعات التي تدخل في اهتمامات الصحيفة. كذلك يمكن للمحرر أن يقرأ الكتب التي أصدرها المتحدث إذا كان سياسيًّا أو مفكرًا أو كاتبًا أو أديبًا أو شاعرًا، وأن يقرأ بعض أبحاثه إذا كان عالمًا أو باحثًا.. وأن يقرأ أيضًا الكتب التي ألفت عنه إن وُجدت١. ومن الضروري أن يحرص المحرر على قراءة أهم الأحاديث الصحفية التي سبق أن أدلى بها الشخص الذي سيجري معه الحديث حتى يعرف طريقة تفكيره ونوع اهتماماته٢، وحتى لا يكرر بعض الأسئلة التي سبق وأن وُجهت إليه في أحاديث سابقة. ويمكن للمحرر أن يحصل على معلومات قيمة عن شخصية المتحدث من خلال الاتصال بالصحفيين الذين سبق لهم مقابلته٣. وكثير من المحررين الصحفيين في الصحف التي تصدر في دول العالم المتقدم لا يكتفون بما بين أيديهم من معلومات "معلنة" عن شخصية المتحدث؛ وإنما يحاولون أيضًا الكشف عما هو مجهول في حياة هذه الشخصية٤؛ مثل محاولة الرجوع إلى أيام دراسته -الثانوية أو الجامعية- ومحاولة الالتقاء بأصدقائه القدامى الذين زاملوه في هذه الفترات؛ ليكشفوا عن جوانب من تاريخه وشخصيته٥.. فعن طريق زملائه القدامى يلتقط المحرر كمية كبيرة من المعلومات الهامة وغير المعروفة عن الشخصية التي يجري معها الحديث.. وهو ما يكسب الموضوع مزيدًا من الجدة والطرافة، أضف إلى ذلك أن إدراك المتحدث أن الصحفي يعرف هذا القدر الكبير من المعلومات

стр. 14

عنه سيزيد من ثقته به، وسيمنحه كل ما عنده من معلومات أو آراء حول موضوع الحديث. ولإدراك أهمية الإعداد المسبق للحديث الصحفي نشير إلى أنه يمكن للصحفي غير المتخصص أن يحصل على حديث صحفي جيد من شخص متخصص في مجال معين من مجالات الحياة إذا أعد نفسه للحديث إعدادًا جيدًا عن طريق الدراسة المسبقة للموضوع وللشخصية التي سيجري معها الحديث١. وعلى سبيل المثال يمكن لصحفي لم يدرس الطب أن يجري حديثًا جيدًا مع الدكتور برنارد جراح القلب العالمي إذا ما أعد نفسه للحديث عن طريق قراءة كل ما يتعلق بجراحة القلب، وبتجاربه السابقة في زرع القلوب، ونسبة العمليات الناجحة إلى العمليات الفاشلة، ويمكن لهذا المحرر الصحفي غير المتخصص في الطب أن يحصل أيضًا على معلومات لا بأس بها عن حياة الدكتور برنارد نفسه وثقافته ودرجاته العلمية وحياته الخاصة عن طريق متابعة بعض ما نُشر عنه في الصحافة العالمية وهو كثير، أو الالتقاء ببعض الصحفيين الذين سبق وأن أجروا معه أحاديث صحفية، أو التحدث مع بعض أصدقائه. ونفس الأمر ينطبق على الحالات الأخرى المشابهة التي يضطر فيها الصحفي غير المتخصص إلى إجراء حديث صحفي مع شخص متخصص. ٣- إعداد الأسئلة: إن المحرر الصحفي الذي يذهب لمقابلة مصدره بدون أسئلة معدة من قبل قد يتوه منه الموضوع الأصلي الذي جاء من أجله أثناء الحوار.. وقد ينحرف المتحدث بالحوار إلى مجالات بعيدة عن نطاق الموضوع الأصلي، كذلك فإن المحرر قد ينسى بعض الأسئلة الهامة التي بدونها يظهر الحديث إلى القراء ناقصًا٢، كذلك فإن الإعداد المسبق للأسئلة من شأنه أن يجعل المحرر الصحفي أكثر ثقة في نفسه، وأكثر دراية بموضوعه، وعلى قدر كبير من اللياقة والاستعداد للحوار والمناقشة، وأكثر قدرة على ضبط المناقشة حتى لا تبتعد إلى موضوعات خارج الموضوع الأصلي٣.

стр. 15

ومن الضروري أن تقوم أسئلة الحديث الصحفي على أساس قراءات الصحفي في الموضوع.. ودراسته لشخصية المتحدث١، ولا بد أن يوضح المحرر من خلال الأسئلة ما الموضوع الرئيسي الذي سيدور حوله الحديث٢، فمن غير المعقول أن تدور غالبية الأسئلة حول قضايا فرعية أو ثانوية في حين لا يكون من نصيب الموضوع الرئيسي غير عدد ضئيل من الأسئلة. وهناك عدة أسئلة أساسية يجب أن يقوم عليها أي حديث صحفي وهي: ماذا؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ وأين؟ ومن؟ ولا يشترط أن يجيب الحديث الصحفي عن هذه الأسئلة بنسبة واحدة؛ وإنما يتم التركيز على عدد قليل من هذه الأسئلة حسب طبيعة كل حديث وموضوعه. ومن الضروري أن تكون أسئلة الحديث الصحفي أسئلة إيجابية لا أسئلة سلبية، والمقصود بالأسئلة الإيجابية هي تلك الأسئلة التي تقدم إجاباتها أخبارًا أو معلومات أو وجهات نظر جديدة.. أما الأسئلة السلبية، فهي تلك الأسئلة التي لا تقدم إجاباتها أي شيء جديد؛ وإنما هي مجرد تَكْرَار لمعلومات معروفة. كذلك فإن كل سؤال يجب أن يكون إيجابيًّا بالنسبة للسؤال الذي سبقه مباشرة؛ بمعنى أن تقدم إجاباته إضافة على ما قدمته إجابات السؤال السابق، فلا بد أن تكمل الأسئلة بعضها بعضًا، وتدفع الحوار إلى الأمام، لا أن تقف به عند قضية واحدة تتكرر في كل سؤال؛ وبالتالي في كل إجابة، وتترك بقية القضايا المتعلقة بموضوع الحديث دون مناقشة٣. ولا بد أن تكون لغة الأسئلة دقيقة وواضحة؛ بحيث يأتي السؤال واضحًا محددًا خاليًا من أي لبس أو سوء فهم.. بحيث يساعد المتحدث على أن يقدم إجابات واضحة ومحددة أيضًا.. فلغة الحديث لا بد وأن تكون مفهومة من جميع القراء باختلاف ثقافاتهم وتعدد مستوياتهم الاجتماعية٤.

стр. 16

ولا يجب أن يخشى المحرر من إعداد أسئلة عنيفة أو مشاغبة، أو أسئلة تتضمن اختلافًا أو معارضة للشخص الذي يجري معه الحديث؛ ولكن بشرط أن يتم ذلك بطريقة لائقة، كما يجب ألا يخشى المحرر من إعداد أية أسئلة يرى أنها يمكن أن تضع يده على معلومات هامة.. حتى ولو أدى طرحه لهذه الأسئلة إلى أن يبدو جاهلًا بالموضوع؛ فقد يكون في طريقه إلى إجراء حديث صحفي مع وزير الاقتصاد ويسمع أو يقرأ وثيقة تقول: إن هناك عجزًا في ميزان المدفوعات في هذا العام.. فلا يجب أن يخشى أن يسأله عن أسباب هذا العجز.. حتى ولو لم يكن يفهم معنى كلمة: عجز في ميزان المدفوعات..! ومن الضروري أن يكتب المحرر الأسئلة قبل أن يلتقي بالمصدر.. ولكن لا يجب أن يذهب إليه ومعه الأسئلة مكتوبة.. فالأفضل أن يحفظها حتى لا يضطر لقراءتها من الورقة التي أمامه، فإن هذا قد يعطي للمتحدث انطباعًا خاطئًا بأن المحرر لم يدرس موضوع الحديث١. ٤- عندما لا يوجد وقت للإعداد المسبق للحديث: وفي بعض الحالات لا توجد فسحة من الوقت للإعداد المسبق للحديث الصحفي، سواء فيما يتعلق بالقراءة في موضوع الحديث، أو بدراسة شخصية المتحدث، أو بإعداد الأسئلة المناسبة للموضوع٢، ففي هذه الحالات لا بد أن يعتمد الصحفي على معلوماته العامة وثقافته وقراءاته السابقة وتجاربه الشخصية، بالإضافة إلى خبرته في العمل الصحفي.. كل ذلك يمكن أن يعوض بعض الشيء عن الإعداد المسبق في الحالات الطارئة٣. وعلى سبيل المثال، فإذا طلب من محرر صحفي أن يجري حديثًا صحفيًّا مع وزير خارجية الصومال الذي ستمر طائرته بمطار القاهرة بعد ساعتين، وسيمكث بالمطار ثلاث ساعات فقط أثناء تزويد الطائرة بالوقود.. وذلك وهو في طريقه إلى مقديشو بعد أن أنهى جولة في عدد من الدول العربية.

стр. 17

هذا المحرر قد لا يجد الوقت ولا الفرصة الكافية للإعداد المسبق للحديث.. إذ لا وقت لديه مثلًا للذهاب إلى قسم المعلومات بالجريدة للاطلاع على ملف وزير خارجية الصومال؛ ليعرف متى تولى منصب وزير الخارجية، وما هي مناصبه السابقة، وما هي طبيعة شخصيته وفكره أو اتجاهه السياسي. كذلك لا وقت عند هذا المحرر؛ ليعرف ما هي أسباب هذه الجولة التي قام بها وزير الخارجية الصومالي إلى بعض البلاد العربية؛ بل إنه قد لا يعرف ما هي هذه البلاد العربية التي زارها، ولماذا هذه البلاد بالذات، ثم ماذا تم في هذه الرحلة. وبالطبع فإن هذا المحرر لا وقت لديه ليعد أسئلة الحديث مسبقًا. في مثل هذه الحالة لا بد لهذا المحرر الصحفي أن يعتمد على ثقافته الخاصة، وخلفيته التاريخية عن الصومال.. فإذا كان هذا المحرر متابعًا لما يحدث حوله في العالم لعرف أن الصومال تخوض صراعًا عنيفًا ضد إثيوبيا، وأنها تساعد جبهة تحرير الصومال الغربي لتحرير مقاطعة "أوجادين" التي تحتلها إثيوبيا، وأن وزير الخارجية الصومالي لا بد أنه يزور الدول العربية طلبًا للتأييد السياسي والعون المادي والعسكري.. كذلك لا بد لهذا المحرر أن يربط هذه الزيارة بتدهور العلاقات بين الصومال والاتحاد السوفيتي الذي اختار تأييد إثيوبيا ضد الصومال.. وهو الأمر الذي دفع الصومال إلى طرد الخبراء السوفيت من البلاد؛ بل وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وعلى ضوء هذه المعلومات يمكن لهذا المحرر أن يدير دفة الحديث.. وأن يطرح الأسئلة المناسبة.

стр. 18

المبحث الثالث: إجراء الحديث الصحفي ١- تحديد موعد اللقاء: بعد الإعداد الكافي للحديث.. يبدأ المحرر بإجراء الاتصال بالشخصية التي سيتم معها الحديث، وذلك إما بالتليفون أو بالمقابلة المباشرة أو عن طريق بعض الأصدقاء أو الزملاء، وذلك لتحديد موعد اللقاء لإجراء الحديث الصحفي. ويكفي أن يتصل المحرر بالشخص الذي يريد أن يجري معه الحديث ويخبره: من هو.. وماذا يريد.. ولماذا يريده١. وفي بعض الحالات قد يجد الصحفي أنه من الأفضل له أن يتصل بالشخص الذي يريد إجراء الحديث معه عن طريق مكتب الصحافة أو قسم العلاقات العامة بالشركة أو المؤسسة أو الوزارة التي يعمل بها٢. فالمعروف أنه قد صار الآن لكل شركة أو مؤسسة أو وزارة قسم للعلاقات العامة، وظيفته تسهيل الاتصال بأجهزة الإعلام وفي مقدمتها الصحافة.. لذلك فقد يضطر الصحفي في كثير من الأحوال إلى العمل من خلال أقسام العلاقات العامة. وفي حالات كثيرة -وخاصة في غرب أوربا والولايات المتحدة الأمريكية- يحصل الصحفي من خلال تعامله مع أقسام العلاقات العامة على نتائج أفضل من تعامله مع المسئولين مباشرة! ذلك أن موظفي العلاقات العامة في هذه البلاد يدركون أكثر مما يدرك كبار الموظفين أو المسئولين في أية مؤسسة مدى أهمية الإعلام عن المؤسسة في الصحافة.

стр. 19

ولكن الوضع يختلف في كثير من دول العالم الثالث؛ فالواقع العملي يؤكد أن هذه المكاتب أو الأقسام الخاصة بالعلاقات العامة تشكل في حقيقتها عقبة تحول بين الصحفي وبين الوصول إلى كبار المسئولين في الشركة أو المؤسسة التي يتبعونها. فأقسام العلاقات العامة ما تزال تعتقد أن وظيفتها حماية كبار موظفيها من الصحافة.. بدلًا من توثيق الروابط بينهما. ومن المعروف أن البشر يختلفون في مدى الاستعداد أو القدرة أو القابلية للحديث إلى الصحافة١، وفي هذا المجال يمكن أن نقسم الأشخاص الذين تُجْرَى معهم الأحاديث الصحفية إلى ثلاث فئات متميزة: أولًا: الفئة المتعاونة: وهذه فئة مستعدة وقابلة للحديث إلى الصحافة.. وهذه الفئة لا تحاول أن تخلق أية صعوبات أمام الصحفي.. بل تعاونه في إجراء الحديث الصحفي. ولكن عيب هذه الفئة أنها غالبًا ما تكون مستعدة أن تقول أشياء مهمة وأشياء أخرى غير مهمة.. وأنها مستعدة لأن تتحدث في أي موضوع.. وهي فئة لا تعرف كيف تفرق بين الخبر الهام، والخبر الذي لا قيمة له، والرأي الجدير بالانتباه، والرأي المكرر الذي لا يقدم جديدًا.. أي أن هذه الفئة ليست لديها أية فكرة عن تقييم الأخبار أو المعلومات أو الآراء التي يدلون بها. وهذه الفئة تتطلب من الصحفي عدم ترك المتحدث يسيطر على وقت الحديث، ولا أن يوجهه حيث يشاء في قضايا فرعية أو ثانوية بعيدًا عن الموضوع الرئيسي للحديث؛ وإنما من الضروري أن يعامل المحرر هذه الفئة بحزم وقوة ويضبط مسار الحديث؛ بحيث ينصرف الحوار كله إلى جوهر الموضوع وليس إلى فرعياته٢.

стр. 20

ثانيًا: الفئة المترددة: وهي فئة قلقة متوترة، تحب الحديث مع الصحفيين؛ ولكنها في نفس الوقت تخاف من تبعات التعامل مع الصحافة، وما يمكن أن تثيره من مشاكل أو متاعب. وهذه الفئة تحتاج من الصحفي أن يبذل جهدًا في محاولة حسم ترددها لصالحه. ولتحقيق ذلك لا بد أن يكون لدى المحرر القدرة على إقناع الشخص المتردد بالفائدة التي يمكن أن يحققها إذا تحدث إلى الصحافة.. وأن تكون لديه القدرة على أن يفرض على الشخص المتردد احترامه والثقة به.. واحترام صحيفته والثقة بها. كذلك فإن المحرر مطالب بألا يقنع بموافقة الشخص المتردد على التحدث؛ بل يجب أن يستمر في محاربة تردده حتى أثناء الحوار نفسه حتى يدفعه؛ لأن يصرح بكل ما عنده. ويمكن للمحرر أن يلجأ إلى بعض الأساليب الأخرى لإقناع الشخص المتردد بالتحدث إليه؛ كأن يمتدح بعض النواحي الإيجابية "الحقيقية" في شخصية المتحدث. وكأن يظهر للمتحدث أنه يعرف بعض الأشياء الهامة عنه، سواء فيما يتعلق بتاريخ حياته أو أسلوبه في العمل. وكأن يحاول أن يقيم مع المتحدث المتردد صداقة شخصية. وكأن يظهر اهتمامًا زائدًا بالشخص المتردد، وأن يشير إلى أن الأخبار والمعلومات أو الآراء التي سيدلي بها ستكون لها أهمية كبيرة عند قراء الصحيفة. ثم يبقى الإعداد الجيد المسبق لأسئلة الحديث الصحفي، فقد تشكل عاملًا هامًّا من عوامل جذب الشخص المتردد إلى التحدث إلى الصحافة١. ثالثًا: الفئة المتهربة: وهذه فئة تكره الحديث إلى الصحافة.. وهي بطبيعتها لا تثق في أحد، ولا تثق بالصحافة والصحفيين بصفة خاصة، وهي أيضًا فئة انطوائية

стр. 21

لا تتحدث إلا بحساب.. إنها فئة قليلة الكلام١، فإذا طلبت شخصًا من النوع المتهرب إلى حديث صحفي فقد يقول لك: إنه لا يستطيع أن يقول لك شيئًا..! عندئذ: ومَن الذي يستطيع..؟! وقد يقول لك: إنه لا يعرف شيئًا عن هذا الموضوع..! فسله: ومَن الذي يعرف؟! وإذا سألت شخصًا متهربًا مبينًا له أنك تريد أن تُجْرِيَ معه حديثًا صحفيًّا لتعرف رأيه في قضية معينة.. فقد يقول لك: ليس عندي أي تعليق..! عندئذ يمكنك أن تسأله: ولماذا لا تريد التعليق؟ وهل هناك سبب خاص أو عام يمنعك من التعليق؟ ثم قل له بأنك ستكتب ذلك في الصحيفة وستقول: إنه رفض التحدث في الموضوع؛ لأن هناك ما يحول بينه وبين التعبير عن رأيه..! وقد يقول لك: إنه مشغول جدًّا، ولا وقت لديه للحديث. عندئذ أخبره بسرعة أنك لن تأخذ وقتًا طويلًا منه.. وأن الأمر لا يعدو بضعة أسئلة يمكنه أن يجيب عنها في دقائق.. وأن رأيه أو معلوماته في الموضوع مهمة جدًّا، ولا يمكن الاستغناء عنها.. ثم ادخل في الأسئلة مباشرة، ولا تتح له أية فرصة أو وقت للاعتراض أو التسويف.. فإذا كانت أسئلتك مباشرة وفي قلب الموضوع.. فإنها يمكن أن تثير اهتمامه وتدفعه إلى الإجابة.. وبهذا يكون الحديث قد تحقق..! ولكن قد يقول لك الشخص المتهرب: إنه مشغول جدًّا في هذه الأيام، وقد يطلب تأجيل الحديث إلى يوم آخر.. عندئذ لا يجب أن توافق على التأجيل إلا إذا تأكدت أنه جاد في التأجيل.. وأنه لا ينوي التهرب أو التسويف.. فإذا كان صادقًا -ويمكنك أن تكتشف ذلك عن طريق بعض الأسئلة مثل أن تحدد معه موعد المقابلة ومكانها.. وتتفق معه على التصوير.. وتأخذ رَقْم تليفونه الداخلي وتليفون المنزل، ثم تعرف مواعيده في الغد، وتحدد معه كمية الوقت الذي سيخصصه لك، وغير ذلك من الأسئلة- أَجِّل الحديث؛ ولكن ليس قبل أن تحدد وقتًا ملائمًا للقاء القادم له ولك.

стр. 22

أما إذا أحسست بأنه يتهرب فعاود محاصرته من جديد١، وأَصِر على أن يُجْرَى الحديث في نفس اللحظة.. وألح عليه لتحصل على المعلومات أو الآراء التي تريدها منه. ويجب على المحرر الصحفي أن يتدرب باستمرار على اكتشاف الشخصيات المتهربة حتى يصبح له بمرور الوقت خبرة في اكتشافهم في أسرع وقت.. بحيث لا يهرب إذا بادروه بالامتناع عن الكلام.. وإنما يهاجمهم بقوة وحزم ويطرح أسئلته على الفور.. فإن أفضل طريقة لمعاملة مثل هذه الشخصيات المتهربة.. هو الهجوم المباغت بالأسئلة المباشرة التي لا تترك لهم أية فرصة أو وقت للاعتراض أو الامتناع عن الكلام. والإعداد المسبق للحديث الصحفي هو أيضًا سلاح آخر لمهاجمة المتهربين.. فأنت تستطيع أن تدفع الشخص الصامت إلى الحديث إذا ما طلبت منه أن يصحح بعض معلوماتك عن الموضوع.. ثم بالغ في بعض المعلومات التي تعرفها.. وأخبره بأنك ستنشر هذه المعلومات في صحيفتك؛ عندئذ قد يضطر إلى تصحيح هذه المعلومات.. وبمجرد أن يبدأ في التصحيح يكون حديثك الصحفي معه قد بدأ..!

стр. 23

٢- إدارة الْحِوَار: إدارة الحوار في الحديث الصحفي يجب أن تقوم على خطة محددة مبنية على الإعداد المسبق للأسئلة٢. ولكن أول خطوة في الحوار هي أن يفكر الصحفي في الطريقة المثلى التي يجب أن يبدأ بها الحوار، وفي الأسلوب الأمثل للدخول في المناقشة مع المتحدث.. فنقطة البداية في الحوار.. سوف تؤثر دائمًا على طريقة سيره.. والانطباع الأول الذي سيأخذه المتحدث عن المحرر هو الذي يحدد بعد ذلك سلوكه طوال فترة الحوار. والخطوة الأولى تختلف من حديث صحفي إلى آخر، ومن شخصية إلى شخصية أخرى، فبداية حديث صحفي مع نجمة سينمائية غيره مع سياسي كبير أو وزير مسئول؛ لذلك لا بد للمحرر أن يختار نقطة البدء الملائمة للموضوع.. وللشخص الذي يجري معه الحديث. ويجب على المحرر أن يركز انتباهه على كل ما ينطق به المتحدث، وأن ينصت إليه جيدًا.. وأن يكون قوي الملاحظة، فربما أشار المتحدث إلى ملاحظة جانبية قد تكشف عن حقائق مثيرة١. والمحرر الصحفي يجب أن يكون مهذبًا مع المتحدث؛ ولكنه يجب أن يكون في نفس الوقت حازمًا؛ بحيث لا يتوانى عن قطع الحديث إذا أدرك أن المتحدث يتكلم خارج الموضوع.. وبالمقابل لا يجب على المحرر أن يقاطع المتحدث إذا كان يتحدث في صلب الموضوع؛ لأن المقاطعة يمكن أن تحرمك من خبر هام أو رأي مثير يمكن أن يقوله المتحدث إذا لم تقاطعه وتدفعه إلى الحديث في قضية أخرى. ويجب على المحرر أن يحرص على السيطرة على المناقشة وعلى تحديد سير الحوار في المجرى الذي يريده؛ ذلك أنه إذا سيطر المتحدث على سير المناقشة فقدت أنت السيطرة على هذا الحديث.. لأن المتحدث سيسيره حسبما يريد هو لا حسبما تريد أنت. ولا بد للمحرر الصحفي أن يحاول -بقدر الإمكان- أن يقصر أسئلته على القضايا الأساسية في موضوع الحديث، وأن يحرص على الحصول على المعلومات الجديدة والمثيرة لاهتمام القراء، والتي تمس مصالحهم، أو الآراء التي تكشف عن وجهات نظر جديدة في الموضوع الذي يجري حوله الحديث الصحفي٢، ومن الضروري أن يبتعد الحوار عن الخوض في المعلومات غير المؤكدة أو الآراء غير المسندة أو الموضوعية، كذلك لا بد أن يحرص المحرر الصحفي على إبراز التميز الذي تنفرد به شخصية المتحدث وأن يركز على أن تكون المعلومات والآراء مبنية على حقائق ملموسة.. لا على أوهام أو إشاعات.. فإن قيمة الحديث الصحفي هي في النهاية رهن بقيمة الأخبار والمعلومات، أو الآراء التي أدلى بها المتحدث.

стр. 24

وفي بعض الحالات قد يكون الحديث الصحفي جزءًا من حملة صحفية أو استكمالًا لموضوع صحفي سبق نشره.. في هذه الحالات لا بد أن يأخذ المحرر معه نسخة من الجريدة أو المجلة التي نشرت الحديث أو الموضوع أو التصريح أو الحملة الصحفية، وأن يعطيها للمتحدث حتى يعرف سير الموضوع.. إذ لا يجب أن يفترض المحرر أن المتحدث قد اطلع عليها، فعلى المحرر أن يتوقع أن المتحدث لم يطلع على ما سبق نشره في الموضوع.. ولا يجب عليه أن يحرج المتحدث ليعترف له بأنه لم يتابع الموضوع أو يضطره إلى الكذب والادعاء بأنه يتابع الموضوع؛ بينما يكون في الحقيقة غير متابع له.. وقد يدفعه ذلك إما للامتناع عن الحديث في الموضوع، أو يتحدث في الموضوع دون أن يكون له علم بما سبق نشره في الموضوع، وقد ينتج عن ذلك أن يأتي حديثه معادًا أو مكررًا لما سبق نشره. كذلك فإن من شأن هذا أن يحرم المحرر من بعض الآراء الهامة أو الأخبار المثيرة التي يمكن أن يدلي بها المتحدث في حالة قراءته لما سبق نشره حول الموضوع؛ بل إن اطلاعه على ما سبق نشره قد يدفعه إلى الرد على بعض الآراء أو تصحيح بعض المعلومات التي سبق نشرها.. وقد يخرج الصحفي من هذا الحديث بموضوع مثير١، أو بمعركة فكرية أو بسبق صحفي..!

стр. 25

٣- تسجيل الحوار: هناك طريقتان رئيسيتان لتسجيل الحديث الصحفي: الطريقة الأولى: التسجيل في النوتة أو دفتر الملاحظات: وهي طريقة صعبة وإن كانت ما تزال هي الطريقة الشائعة في العالم كله.. وصعوبتها ترجع إلى كونها طريقة مرهقة، تحتاج من المحرر الصحفي إلى يقظة تامة ودقة متناهية٢. ولكن إذا كان المحرر يفهم في الموضوع جيدًا.. وأعد نفسه إعدادًا مسبقًا للحديث، سواء أكان عن طريق القراءة في الموضوع أم عن طريق إعداد الأسئلة المسبقة. بالإضافة إلى مهارته في فن التسجيل بالنوتة.. فلن يشكل الأمر بالنسبة له أية صعوبة. والمحرر الصحفي الذي يفضل استخدام النوتة لا بد أن يحرص على الالتزام بالقواعد التالية: ١- أن ينصت جيدًا إلى الحوار، وأن يركز انتباهه على أجوبة المتحدث حتى لا يفوته شيء مما يصرح به. ٢- أن يتعلم كيف يتذكر كل ما يدور من حديث أثناء اللقاء مهما كان الوقت الذي يستغرقه الحديث.. وبعد أن تنتهي المقابلة ويغادر المكان الذي جرى فيه الحديث يجب أن يسرع إلى أقرب مكان ليكتب كل ما سمعه خلال الحديث حتى لا ينسى شيئًا. ٣- أن يتعلم كيف يختصر كلمات المتحدث، وأن يستوعب المعاني والأفكار التي يقولها في أقل عدد ممكن من الكلمات. وفي هذه الحالة فمن الأفضل للصحفي أن يتعلم "الاختزال"؛ حتى يتيح له ذلك تسجيل كل ما يدور في اللقاء.. دون أن يترك شيئًا؛ ولكن الواقع الفعلي في الصحافة العالمية يؤكد أن عدد من يتعلمون الاختزال من الصحفيين أقلية ضئيلة.. لذلك فأفضل طريقة لتسجيل الحديث الصحفي هي أن يكتفي المحرر بتسجيل بعض الأجزاء الهامة في الحديث أثناء اللقاء، ثم يستكمل ما بقي من الحديث بعد أن يغادر مكان اللقاء إلى أقرب مكان يعيد فيه كتابة كل ما بقي من الحديث. وهناك بعض الأشخاص الذين يحبون أن يروا كلماتهم كلها مدونة في النوتة كما نطقوا بها.. والصحفي الذكي يرفض ذلك، ولا يقبل أن يتحول إلى آلة تكتب كل ما يُمْلَى عليها.. فلا بد للمحرر أن يكتفي بتسجيل بعض الملاحظات أو بعض الأجزاء الهامة من الحوار فقط، حتى ولو تطلب الأمر أن ينبه المتحدث "ولكن بأدب ولطف". إن المحرر

стр. 26

هو الذي يحدد ما هي الأجزاء المهمة في الحديث وتلك غير المهمة، وما هي الأجزاء التي تستحق النشر والتي لا تستحق. ٤- ألا يدفن المحرر وجهه في النوتة؛ وإنما يجب أن يحرص على أن يظل هناك اتصال شخصي بينه وبين المتحدث. ٥- في نهاية المقابلة.. يمكن للمحرر أن يراجع مع المتحدث الأجزاء التي نقلها في النوتة.. بحيث يؤكد على النقاط غير الواضحة أو يعيد كتابة بعض النقاط الهامة التي نسي تسجيلها. ويمكن للمحرر أن يعطي المتحدث أثناء هذه المراجعة الحق في تصحيح أي خطأ أو تعديل أية معلومة أو فكرة صرح بها أثناء الحديث. ٦- في حالة الأحاديث الصحفية التي تستغرق عدة ساعات، فالأفضل عدم الاعتماد على النوتة واللجوء إلى أجهزة التسجيل١. الطريقة الثانية: استخدام أجهزة التسجيل: وهذه الطريقة لم تكن مستخدمة في العالم كله قبل ربع القرن الأخير؛ ولكن استخدام أجهزة التسجيل في نقل الأحاديث الصحفية بات من الأمور الشائعة الآن في العالم كله، ورغم أنه لا يوجد إحصاء دولي يبين نسبة مَن يستخدمون أجهزة التسجيل ونسبة من يستخدمون النوتة، إلا أنه من المعتقد أن يعتمد أغلب الصحفيين على أجهزة التسجيل وذلك في السنوات القادمة، سواء في دول العالم المتقدم أو دول العالم الثالث. ورغم انتشار آلات التسجيل فإن هناك حالات كثيرة لا يرحب فيها المتحدث باستخدام جهاز التسجيل، فهناك من لا يحبون أن تسجل كل كلمة من كلماتهم، كذلك هناك البعض الذي يرى أن جهاز التسجيل قد يدمر الجو النفسي الذي يكون بين المحرر والشخصية التي يجري معها الحديث٢. والمحرر الذي يفضل استخدام جهاز التسجيل لا بد أن يحرص على الالتزام بالقواعد التالية:

стр. 27

١- تعرف على آلتك جيدًا.. واعرف كيف تعمل.. وما الذي تستطيعه.. وما الذي لا تستطيعه. ٢- في أي مكان تنوي فيه استخدام جهاز التسجيل.. خذ معك شرائط أكثر مما تتوقع أن تستخدم. فمن المحتمل أن يستغرق الحديث وقتًا أطول مما كنت تتوقع.. وأنه أهم مما كنت تظن.. فإن أي عدد من الشرائط تأخذه معك -مهما كثر- أفضل كثيرًا من أن تترك نفسك للمصادفات المحرجة. ٣- اطلب إذنًا باستخدام جهاز التسجيل أثناء الحديث، فاستخدام "النوتة" لا يحتاج إلى إذن؛ ولكن هناك أسباب كثيرة تدعوك للحصول على إذن باستخدام جهاز التسجيل.. أولًا لكي تعرف ما إذا كان المكان الذي سيجرى فيه الحوار مناسبًا للتسجيل حتى يأتي الصوت واضحًا نقيًّا.. ولكي تحقق ثقة المصدر بك أخبره أنك ستكون سعيدًا لأن تلقي بجهاز التسجيل بعيدًا في أي وقت يطالب فيه بذلك، وفي أي وقت يريد أن يدلي ببعض الأقوال الصريحة. كذلك لا مانع من أن تخبره بأنك لن تتسبب في إحداث ضجة أو إرباك له، أو لأي شخص آخر، وفي أي شكل من الأشكال أثناء استخدامك جهاز التسجيل. ٤- اختبر آلتك قبل أن تبدأ اللقاء، كذلك يمكنك أن تختبرها مرة أخرى على الأقل أثناء الحوار نفسه. وإذا كان لديك الوقت الكافي يفضل أن تختبر جهاز التسجيل في نفس الحجرة أو المكان الذي تجري فيه الحوار.. أما إذا لم يكن لديك وقت لاختبار الآلة فيفضل أن تدير الآلة، وتسأل المتحدث أن يذكر اسمه وعنوانه ووظيفته، وعندئذ دعه يستمع إلى إعادة الشريط، وحاول أن تجعله يهتم بالكيفية التي تعمل بها الآلة.. فهذه إحدى الطرق التي يمكن أن تريح أعصابه وتوطد العلاقة الودية بينك وبينه.

стр. 28

٥- أغلق جهاز التسجيل بعد أن تختبره ولا تعد تشغيل الآلة إلا حين يبدأ المتحدث في الإجابة على أسئلتك، أو عندما يبدأ في التصريح ببعض المعلومات أو الآراء الهامة. ٦- لا تتردد في غلق جهاز التسجيل إذا بدأ الحوار ينحرف إلى قضايا جانبية بعيدة عن صلب موضوع الحديث. ٧- لا تتردد في أن تغلق جهاز التسجيل إذا استقبل المتحدث مكالمة تليفونية، أو أذا دخل أحد مكتبه أو الحجرة التي تجلسون فيها١.

стр. 29

المبحث الرابع: كتابة الحديث الصحفي أولًا: التمهيد لكتابة الحديث الصحفي: قبل البدء في كتابة الحديث الصحفي لا بد للمحرر أن يراعي الاعتبارات التالية: ١- أن يراجع بعناية نص الحديث؛ وذلك لاستيعاب المعلومات الواردة به من ناحية.. وللتأكد من أنه حصل على إجابات وافية عن جميع الأسئلة التي تحيط بموضوع الحديث من ناحية ثانية. وإذا اكتشف المحرر نقصًا في بعض الإجابات فعليه أن يحاول استكمالها، ولو احتاج الأمر إلى العودة إلى الاتصال بالمتحدث مرة أخرى. ٢- من الضروري أن يقوم المحرر بتقييم المعلومات والبيانات الخلفية للحديث؛ للتأكد من كفايتها لتغطية موضوع الحديث١. ٣- ضرورة التأكد من استكمال الحديث لجميع عناصره المساعدة مثل: الصور أو الرسوم أو الإحصائيات والجداول أو الوثائق.. وغير ذلك من العناصر التي تختلف من حديث لآخر٢. ثانيًا: القوالب الفنية للحديث الصحفي: للحديث الصحفي أربعة قوالب فنية هي:

стр. 30

القالب الأول: قالب الهرم المقلوب: ويقوم هذا القالب الفني للحديث الصحفي على أساس تشبيه البناء الفني للحديث الصحفي بالبناء المعماري للهرم مقلوبًا؛ حيث ينقسم الحديث الصحفي إلى جزأين اثنين فقط: الجزء الأول يشمل مقدمة الحديث، وهي تحتل قاعدة الهرم المقلوب.. أما الجزء الثاني والأخير فيشمل نص الحديث، وهو يحتل جسم الهرم المقلوب. وتحتوي المقدمة على أهم ما في الحديث من أخبار وآراء.. في حين يحتوي الجسم على النص الكامل للحديث، وفيه تحتل التفاصيل مكانها في جسم الحديث حسب أهميتها.. فتحتل التفاصيل الأكثر أهمية الأجزاء المتقدمة من الجسم وبعدها تأتي التفاصيل المهمة.. ثم التفاصيل الأقل أهمية.. وهكذا حتى نهاية الحديث الصحفي.. وهو الأمر الذي يوضحه الشكل التالي: شكل يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟ قالب الهرم المقلوب في كتابة الحديث الصحفي

стр. 31

وفي قالب الهرم المقلوب يفضل أن تحتوي المقدمة على أبرز الأخبار التي يتضمنها الحديث، وذلك في الأحاديث الصحفية التي يغلب عليها الطابع الخبري.. أما الأحاديث التي يغلب عليها طابع الرأي، فيفضل أن تحتوي المقدمة على إبراز الآراء التي أدلت بها الشخصية التي يُجْرَى معها الحديث١. أما جسم الحديث الصحفي فكثيرًا ما يأتي على شكل س وج، وإن كان يعيب هذا الشكل أنه صار شكلًا تقليديًّا في الصحافة المعاصرة ويحاول البعض تجنبه. ولكن يظل هذا الشكل هو أفضل الأشكال عندما يُجْرَى الحديث مع الشخصيات السياسية الهامة مثل: زعماء الدول وكبار رجال السياسة، وذلك لضمان الدقة في نقل التصريحات التي تدلي بها هذه الشخصيات الهامة، وحتى لا يساء تأويلها إذا قام المحرر بسردها أو تلخيصها. أما محاولات التجديد في كتابة جسم الحديث الصحفي، فهي تتنوع وتتسع يومًا بعد يوم.. وعلى سبيل المثال، فإن جسم الحديث الصحفي قد اتسع ليشمل بجانب الشكل التقليدي القائم على س وج قيام المحرر في بعض الحالات بتلخيص إجابات المتحدث بدلًا من سردها كاملة كما ذكرها المتحدث بنفسه. كذلك اتسع هذا التجديد ليشمل قيام المحرر بالمزاوجة بين التلخيص والاستشهاد بنصوص كاملة من أقوال المتحدث أو اقتطاع فقرات معينة من كلام المتحدث وإبرازها. كذلك اتسع نطاق التجديد في كتابة جسم الحديث الصحفي؛ بحيث يقوم المحرر بعمل ما يشبه الاستراحة بين فقرات الحديث، يقوم خلالها بوصف المكان الذي التقى فيه بالمتحدث أو وصف

стр. 32

جو النقاء نفسه، أو وصف انطباعاته الشخصية عن المتحدث؛ وبذلك لا يكتفي المحرر بنقل نص الحوار الذي دار في هذا اللقاء؛ وإنما يرسم صورة دقيقة للقاء نفسه. وقد يكون لهذا الوصف أهمية كبيرة في جذب اهتمام القارئ مما لا يقل عن أهمية الحوار الذي جرى أثناء اللقاء نفسه..! أما أبرز محاولات التجديد في كتابة جسم الحديث الصحفي، فهي التي تقوم على تقديم خلفية من المعلومات عن شخصية المتحدث أو حول الموضوع الذي يدور حوله الحديث١.. وهذه الخلفية قد تحتل مكانها في صدر جسم الحديث الصحفي.. أي بعد المقدمة مباشرة.. وقد تتناثر هذه الخلفية في أماكن متفرقة من الحديث؛ بل وأحيانًا تشكل هذه الخلفية مقدمة الحديث الصحفي نفسه.. وفي بعض الحالات قد تقدم هذه الخلفية في إطار بروز منفصل ينشر بجوار الحديث الصحفي.

стр. 33

نموذج للحديث الصحفي المبني على قالب الهرم المقلوب: مربع إسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ١ - بدأ محرر صحيفة "الشرق الأوسط" التي تصدر في لندن باللغة العربية حديثه مع الرئيس السوداني جعفر نميري بمقدمة أبرز فيها أهم الأخبار والآراء التي أدلى بها الرئيس السوداني. أجاب الرئيس نميري على أسئلة "الشرق الأوسط".. فتحدث عن العلاقات السوادنية - المصرية بعد تبادل السفراء بين مصر وإسرائيل، وقال: إن العلاقات بين شعبي مصر والسودان علاقات تتداخل، ولا يملك أحد أن ينال منها؛ لكنه أضاف: إن موقف السودان بالنسبة للقضية العربية ثابت وأصيل. وأوضح الرئيس نميري لـ"الشرق الأوسط" رؤيته حول إمكانية تضامن عربي، أو حتى إيجاد موقف عربي موحد، وأسهب في شرح ما يراه.. وقال: إننا نعيش مرة أخرى في مناخ أواخر الأربعينات والخمسينات من هذا القرن. صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟

стр. 34

- ووصف الرئيس السوداني علاقات بلده بليبيا.. بأنها دولة جارة للسودان، وموازين العلاقة معها هي حسن الجوار. ونفى إقامة قواعد عسكرية دعمًا لنفي السفير الأمريكي في الخرطوم. وتحدث عن العلاقات السعودية - السودانية.. فقال: إنها أكثر من وثيقة، فهناك الرؤية الواحدة المتطابقة في كافة القضايا العربية والإقليمية. ونفى الرئيس نميري أن تكون في السودان حكومة ومعارضة؛ وإنما هناك وَحْدَة وطنية تحققت "نص الحديث على الصفحة الرابعة". - وبعد المقدمة مباشرة دخل المحرر في جسم الحديث؛ حيث أورد نص الحوار الذي جرى بينه وبين الرئيس نميري، واختار للحوار شكل س وج، وهو شكل لا عيب فيه، وخاصة أن الحوار يُجْرَى مع رئيس دولة لا بد أن ينقل كلامه بدقة. - وقد وضع المحرر في صدر جسم الحديث القضية الأكثر أهمية في الحديث -من وجهة نظره- وهي القضية الخاصة بالعلاقة مع مصر، وخاصة أن الفترة التي أُجري فيها هذا الحديث شهدت كلامًا كثيرًا عن حدوث أزمة في العلاقات السودانية المصرية: -- فخامة الرئيس.. لوحظ من أجوبتكم في المؤتمر الصحفي الأخير، وضمن خطابكم في المؤتمر القومي الثالث أن السودان سيستمر في توطيد علاقاته بمصر رغم تطبيع العلاقات بينها وإسرائيل، وأعلنتم أن موقفكم في قمة تونس كان هو الصمت.. بينما تردد بعد قمة تونس خبر عن اتصالات سرية تمت بينكم وبين الرئيس السادات. هل لنا أن نعرف موقف السودان الواضح بعد تبادل السفراء بين مصر وإسرائيل؟ - لعل المطلوب أولًا أن نحدد ما طرحته في المؤتمر الصحفي، وقبله في خطابي أما المؤتمر الثالث، قبل أن نتناول الملاحظات والاستنتاجات كذلك.

стр. 35

لقد تحدثت في المؤتمر القومي وفي مجال السياسة العربية حول نقطتين: - أولًا: حول العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني، وهي علاقات تتداخل، ولا يملك أحد أن ينال منها مهما كانت الاختلافات والخلافات والاجتهادات والتوجهات، للدولة هنا، أو الدولة هناك. - ثانيًا: حول موقفنا بالنسبة للقضية العربية، هو موقف سبق أن التزمنا به مع الإجماع العربي في قمتي بغداد وتونس، وقبلها في الجزائر والرباط. ثم إنني تحدثت في المؤتمر الصحفي، وردًّا على سؤال حول موقف السودان بعد قمة تونس، ولما كان السؤال يتضمن إيحاء بأنه كان للسودان موقفًا بعد تونس، وموقفًا مغايرًا قبلها، فلقد بدأ السؤال استمرارًا وتكرارًا لتناول بعض الصحف والمجلات العربية لموقف السودان، وكأنه موقف ينقصه الثبات والوضوح، وذلك في إطار تصريحات مختلفة حينًا، ومشوهة في معظم الأحيان، بالإضافة إلى تحليلات لا تستند إلى الواقع، وذلك رغم أن الموقف السوداني لا ينقصه الوضوح، فهو ثابت وأصيل. ولذلك فلقد جاءت إجابتي على هذا السؤال واضحة قاطعة، فنحن في السودان لا نستطيع أن نتلاعب في العلاقات بين الشعب المصري والسوداني، والتي هي من العمق والتداخل؛ بحيث يستحيل التأثير فيها أو التصدي لاستمرارها وتواصلها، فهي علاقات قربى ورحم وجوار وأسر متداخلة، ثم أوضحت وفي نفس الوقت أن سحب السفراء إنما يمثل إجراء دوليًّا معترفًا به للتعبير عن خلافات واختلافات قائمة، وهي فيما يتعلق بالعلاقات المصرية السودانية، تتعلق بطريقة تناول القضية العربية.

стр. 36

وهذا الإجراء من جانبنا يتفق في الشكل وإن اختلف في الدرجة، مع ما اتخذته الدول العربية تعبيرًا عن رفضها للتناول المصري للقضية العربية، وإن كنا لم نصل إلى ما وصلت إليه الدول العربية في خلافها مع مصر، فإن ذلك لا يعني أننا من الممكن أن نكون طرفًا ثالثًا في العلاقات المصرية الإسرائيلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. نأتي بعد ذلك إلى جوهر سؤالك فأقول: لقد عنيت بالصمت في تونس الامتناع عن إجراء مقابلات صحفية أو الإدلاء بتصريحات مطولة، ولم أكن أعني أن موقفنا في قمة تونس هو الصمت. لقد شارك السودان في لجان المؤتمر واشترك في صياغة توصياته، وأسهم في وضع قراراته، وأعلن التزامه بها جميعًا وبدون أي تحفظ؛ بل إن السودان عضو مشارك في الوفود الذي قرر المؤتمر إيفادها إلى مختلف دول العالم؛ لشرح الموقف العربي الموحد. وفيما يتعلق بموقف السودان، بعد خطوة تبادل السفراء بين مصر وإسرائيل، فإنه سيبقى ذات الموقف. إن السودان مع الإجماع العربي يرفض التسوية الجزئية والحلول المنفردة، ويضع جهده وفي كل المجالات لتأمين الحق العربي، والانسحاب الشامل من جميع الأراضي المحتلة، وإقامة الدولة الفلسطينية، وعروبة القدس، متعاونًا في كل الحالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

стр. 37

- ثم تناول المحرر في السؤال الثاني قضية أخرى مهمة؛ وهي حول العلاقات السودانية العربية وسر المرارة التي يتحدث بها الرئيس نميري عن هذه العلاقات: - حديث المرارة: -- لوحظ كذلك في لقائكم بالصحفيين أنكم تتحدثون عن الدول العربية وتعاملها فيما بينها حديث المرارة.. ربما لتعدد النزاعات والصراعات بين العرب أنفسهم.. فما هي رؤيتكم لإمكانية تضامن عربي، أو حتى إيجاد موقف عربي موحد؟ - سوف تتضح الحقائق قريبًا وقريبًا جدًّا، عن حقيقة الدور الذي قام به السودان، ولا أقول دوري، للوصول إلى صيغة للعمل العربي الموحد، وهو دور سعت بعض الأطراف العربية إلى إجهاضه، بالمماطلة والتسويف والتأجيل وعدم الحسم والتآمر أيضًا. لقد قمت بزيارات متصلة للدول العربية، ما عدا أقل القليل منها، في رحلة استغرقت من جهدي ووقتي ما يزيد على الشهر، وذلك قبل توقيع اتفاقيات كامب ديفيد؛ حيث لم أكتفِ بمجرد العمل على تحقيق التضامن العربي؛ وإنما قبله التوصل إلى صيغة للعمل العربي الموحد نلتزم بها جميعًا، وفي إطار مقررات قمتي الجزائر والرباط؛ إلا أن هناك أطرافًا عربية قاومت هذا الجهد، وعملت على إجهاضه، وبهذا أسهمت وبصورة مباشرة، سواء ما يتعلق منها بخروج مصر من ساحة العمل العربي الموحد، أو ما يتعلق منها بحقيقة الوضع العربي الراهن، وحيث لا إجماع إلا على رفض اتفاقيات كامب ديفيد، بينما هناك خلافات وصراعات واجتهادات حول ما يمكن أن يكون بديلًا لها. ولقد حاولت خلال جولة التضامن الأولى والثانية التوصل إلى تصور عربي موحد لجهد عربي مشترك، نتفق عليه جميعًا ونساهم فيه

стр. 38

جميعًا لتأمين حقوقنا المشروعة، وفي إطار بدائل، تستوعب طاقاتنا السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتوظفها لخدمة أهدافنا التي لا خلاف عليها، إلا أن محاولتي اصطدمت بمن طالب بالتأجيل، ومن طالب بانتظار نتائج جهود السادات ومحاولاته؛ بل ولإعطائه فرصة يستخدم فيها كل جهوده للوصول إلى تسوية. ولقد حدث بعد ذلك ما حدث، ولست في موقع يتيح لي حق توزيع الاتهامات وتحديد المسئوليات؛ ولكنني أقول: إن افتقاد الرغبة لدى البعض للعمل في إطار استراتيجية عربية موحدة، كان وما زال هو السبب فيما وصل إليه الوضع العربي، وما تعاني منه الساحة العربية من جمود وشلل. وهو جمود وشلل رغم الإجماع على رفض صيغة السلام المصري الإسرائيلي؛ بل هو خطر يصل إلى حد الكارثة بالنسبة لمستقبل الأمة العربية، وأنا أملك الأسباب، وهي على النحو التالي: - أولًا: إن هناك حقيقة ماثلة لا يمكن إنكارها. إن الأمة العربية أصبحت الآن تواجه إسرائيل، مجردة من ثقل مصر العسكري والحضاري والبشري والاقتصادي، مما يعني خللًا في ميزان القوى، لا يمكن حسمه إلا من خلال موقف عربي موحد، وهو موقف -للأسف- ما زال مفتقدًا ومفقودًا حتى هذه اللحظة. - ثانيًا: إن إسرائيل رغم ما تدعيه من رغبة في تحقيق السلام، إلا أنها ما زالت بمواقفها السياسية ومواقعها العسكرية، في حالة اشتباك ساخن مع الأمة العربية، فما زالت الأرض العربية محتلة، وما زال الشعب الفلسطيني مشردًا في أرضه وخارج أرضه، وما زالت القدس سليبة وحبيسة للقضية الصهيونية؛ بل إنها ما زالت تمارس عدوانها على الجنوب اللبناني بصورة شبه

стр. 39

يومية، ومن هنا فإن غياب الموقف العربي الموحد لن يتيح لإسرائيل فرصة الاستمرار في صلفها وعدوانها فحسب؛ بل إنه قد يغريها بتوسيع دائرة هذا العدوان كذلك. - ثالثًا: إن إسرائيل وفي إطار استراتيجيتها الواضحة والمعروفة، إنما تسعى لتكريس التمزق العربي بما يتيح لها فرص المواجهة المنفردة مع مختلف الكيانات العربية، وفي سبيل هذا الهدف، فليس مستبعدًا إن تشن هجومًا يتجاوز مرتفعات الجولان ويتجاوز ضفة الأردن الغربية، ليس بهدف التوسع في المرحلة الحالية، وإنما لتأكيد غيبة الموقف العربي الموحد. - رابعًا: إن المواجهة مع إسرائيل -في غياب العمل العربي الموحد- لن تقتصر نتائجها وآثارها على ما يمكن أن يترتب عليها عسكريًّا أو حتى اقتصاديًّا بالنسبة لهذا الكيان العربي أو ذلك؛ وإنما ستمتد آثارها إلى داخل كل الكيانات العربية، فمع مشاعر العجز عن المواجهة الموحدة ضد العدوان، فسوف تشهد مختلف الكيانات العربية؛ بل وإنها قد بدأت تشهد بالفعل مرجة من التمزق الداخلي، والصراعات الطائفية والدينية والعرقية. - خامسًا: إن غياب العمل العربي الموحد في مواجهة الصلف والتعنت الإسرائيلي، قد فتح مجال المزايدات العربية بالفعل، وهي مزايدات تبدأ بالهجمات والحملات الإعلامية، لتنتهي بالتآمر ومحاولات التدخل المباشر وغير المباشر في شئون بعضها البعض، مما يهدر أموالًا ودماء، ما أحوجنا إليها في مواجهة واقع الاحتلال والاغتصاب لحقوقنا القومية. - سادسًا: إن غياب العمل العربي الموحد قد فتح الباب متسعًا للاستراتيجيات العالمية لتعمل بوفرة في الساحة العربية، مما أدى بالفعل إلى مواجهات عربية من ناحية، ومواجهات بين

стр. 40

تلك الاستراتيجيات في الساحة العربية وعلى حساب أهدافها ومصالحها. - سابعًا: إن غياب العمل العربي الموحد، والذي يسمح باستقطاب الكيانات العربية إلى ساحة الصراع الدولي وكأطراف فيه، إنما يتيح لإسرائيل المزيد من القوة والقدرة لفرض عدوانها، باعتبارها عاملًا حاسمًا لهذا الصراع، من موقعها كطرف منحاز لأحد أطرافه. - ثامنًا: إن الثروة العربية مهما كانت المبالغة في تقدير حجمها وتأثيرها، إلا أنها تظل معطلة؛ بل ومستهدفة، وذلك في غياب العمل العربي الموحد، والذي يمكن من خلاله استثمارها سياسيًّا ودوليًّا في خدمة الأهداف العربية. - تاسعًا: إنه وفي غيبة العمل العربي الموحد نجد أنفسنا في حالة تراجع حتى بالنسبة لما سبق أن أجمعنا عليه في الجزائر والرباط، وأعني به القبول بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ومن المؤسف والمؤلم أن تحظى هذه المنظمة باعتراف واحترام المنظمات العالمية والإقليمية والدول الأجنبية، في الوقت الذي يتراجع فيه الاعتراف العربي بها، وهو تراجع حتى ولو اتخذ مجرد شكل الهجوم الإعلامي عليها، وهو تراجع حتى لو اضطرت للدفاع عن نفسها في مواجهة أطراف عربية لها. - عاشرًا: إنني أكاد ألمس حقيقة المخطط الموضوع لإخضاع الأمة العربية، وهو مخطط يتستر حينًا بالتقدمية وأحيانًا باسم الدين، وهو مخطط يستهدف صرف انتباه وجهد الكيانات العربية وخاصة المؤثرة فيها سياسيًّا أو عسكريًّا أو اقتصاديًّا في المواجهة مع إسرائيل، صرف انتباه وجهد هذه الكيانات عن واجبها القومي، إلى حماية أمنها الداخلي. وإلا بماذا نفسر ما وقع في السعودية مؤخرًا، وهي الدولة العربية الأقدر على إدارة الصراع لمصلحة العرب سياسيًّا واقتصاديًّا ودوليًّا
следующие страницы →