نموذج للمقال التحليلي المبني على قالب الهرم المعتدل:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- اختار الكاتب أن تكون مقدمة مقاله التحليلي حول أهمية حدث من الأحداث الجارية؛ وهو الإضراب الذي قام به عمال بولندا:
إن ما حدث في بولندا أمر لا يكاد يصدق، وهو أخطر من أن يمر بلا تعليق!
إن عامل الكهرباء المفصول الذي يشبه في شكله وثيابه وحياته إحدى شخصيات "ماكسيم غوركي"، والذي ترك زوجته وأطفاله الخمسة بعد
стр. 212
بدء الإضراب، وتسلق سور مصنع لينين. وتولى فورًا قيادة الإضراب.. هذا العامل جلس وجهًا لوجه أمام نائب رئيس وزراء بولندا، وتحت أضواء كاميرات تليفزيون العالم، يوقع اتفاقًا وكأنه حفل توقيع معاهدة دولية.. ولكنه اتفاق عن دولة شيوعية بين زعيم إضراب عمال وبين ممثل حزب الطبقة العاملة في بولندا!
وسواء نفذ الاتفاق أم لم ينفذ، فإن الحدث المثير قد تم، وقد تم بواسطة عمال بولندا ومثقفيها وحدهم دون فضل لأي أحد عليهم؛ بل وربما برغم أنف العالم كله، وهو حدث سياسي وذهبي وثوري من الدرجة الأولى -وتطور- ولو قبله المعسكر الشرقي، فسوف يكون مدخلًا لتطورات هائلة.. توقعها كثيرون.. ولم يتصور أحد "كيف" يمكن أن تحدث.
- أما جسم المقال، فقد بدأ بفقرة تمهيدية أشار فيها الكاتب إلى جانب من تفاصيل الخبر ورد فعله على بعض التكتلات السياسية العالمية؛ مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، وغرب أوربا، والفاتيكان:
في بداية الإضراب، وضع العمال البولنديون العالم كله -دون استثناء- أمام امتحان خطير!
وقد خذلهم العالم كله، أيضًا دون استثناء!
ألم تكن أمريكا -مثلًا- تحرض شعوب شرق أوربا على التمرد؟ ألم تكن دول غرب أوربا تنتظر ساعة تشقق المعسكر الشرقي؟ ألم يكن الفاتيكان يذكي شعلة الكاثوليكية ضد الدولة هناك؟ إلى آخره ... إلى آخره ...
وفجأة بدأ إضراب منظم بشكل مثير في أكثر دول شرق أوربا حساسية؛ وهي
стр. 213
بولندا! وإذا بالعالم كله يصاب بالذعر!! وإذا بأهل الشرق وأهل الغرب وأهل الحياء يحبسون أنفاسهم!
أمريكا وألمانيا الغربية قررتا الإسراع بالقروض المتلكئة إلى "حكومة بولندا"؛ وذلك لمساعدتها في التغلب على الأزمة الاقتصادية التي كانت هي السبب المباشر فيما حدث.
والفاتيكان والكادرينال ويزنسكي يوجهان نداء إلى العمال المضربين "بالاتزان والتعقل". وإذا كانت روسيا ودول شرق أوربا -وهذا مفهوم- قد تمنت الهدوء، والاتفاق دون حاجة إلى صدام، فإن يوغوسلافيا ورومانيا بالذات، وبحكم رقعهما شعار الاستقلال عن موسكو، كانتا أكثر قلقًا واضطرابًا، فها هو شعب من شعوب شرق أوربا يطالب عماله بنوع آخر من الاستقلال أكثر خطورة وعمقًا!
وإذا كان هناك خوف ما -في المعسكر الشرقي- على النظرية الماركسية اللينينية. إلا أن الخوف الأكبر في المعسكر الشرقي والغربي والعالم كله، كان على شيء آخر: هو الوفاق، أو ما يشبهه، الذي يسود بين الدول الكبرى في العالم ...
روسيا لا تريد أن تصل الأمور إلى درجة تهدد أمنها القومي، فتضطر إلى التدخل العسكري في بولندا، كما فعلت في المجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان، ليس لأن عندها ذرة من الشك في قدرتها العسكرية على إخماد الإضراب بسرعة؛ ولكن لأن النصر العسكري هنا سيكون هزيمة سياسية، وسيؤدي إلى اتساع الهوة بين الشرق والغرب، وبالتالي انقطاع
стр. 214
العون الغربي اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وتجاريًّا، وتصاعد نفقات التسلح، وبالتالي أيضًا سينعكس هذا كله على الأحوال المعيشية الداخلية لروسيا نفسها، بعد أن قطعت منذ خروشوف مسافة طويلة في طريق "الانفتاح".
وأمريكا أيضًا لا تريد اضطرابًا مثل هذا يجعل الروس يقدمون على حل عسكري؛ ذلك أن أمريكا تعرف أنها ستقف أمامه مكتوفة اليدين؛ فيكون ذلك هزيمة أخرى لأمريكا، ويكون ضربة قاضية لآمال كارتر في إعادة انتخابه.
ودول غرب أوربا لا تريد أن ترى حلًّا عسكريًّا سوفيتيًّا في بولندا؛ ذلك أن أوربا هي أكثر من يتحمل آثار عودة جو الحرب الباردة، ولأن روسيا والمعسكر الشرقي عامة صار أهم سوق اقتصادي وتجاري لغرب أوربا. ولو تأثر ذلك لتدهور مستوى الإنتاج والتصدير والمعيشة في غرب أوربا إلى حد هائل.
هكذا، نحن في عالم تراجعت فيه حرب المذاهب العقائدية، وتقدمت فيه اعتبارات المصالح المادية، فإذا قام في وسط هذا كله شعب صغير يتمرد ويهدد رخاء الآخرين، فإن كل الآخرين يطالبونه بالسكوت والاحتمال، فمصالحه لا يجوز أن تفسد مصالح من هم أقوى وأكبر وأهم.
أما الفقرة الثانية من جسم المقال الافتتاحي، فقد حشدها الكاتب بكمية من المعلومات الخلفية التاريخية عن الموقع الجغرافي لبولندا، وتأثير هذا الموقع على وضعها السياسي:
стр. 215
وقد كان هذا حظ بولندا بالذات، فوجودها بين روسيا وألمانيا عبر التاريخ جعلها أكثر شعب تتعرض خريطته للتغير.. وأحيانًا للمحو التام من على خريطة أوربا.. وجعله بالتالي -كرد فعل- شعبًا شديد الوطنية إلى حد الرومانتيكية، ينتج "شوبان" وأمثاله عبر تاريخه الطويل في الاستشهاد.
فمنذ ٤١ سنة -باليوم- قامت الحرب العالمية الثانية؛ بسبب مدينة "دانزنغ" التي هي نفسها مدينة "غدانسك" مركز التمرد الحالي، لا لأن "دانزنغ" -أو غدانسك- بالغة الأهمية في حد ذاتها؛ ولكن لأنها بمثابة "بيضة القبان" في ميزان التوازن العالمي.. ليس مسموحًا لها أن تميل قيد أنملة عن مكانها المحدد لها!
هكذا رأينا العالم كله يناشد عمال بولندا "التعقل" و"عدم المبالغة" والاكتفاء بما حدث.
ذكرني هذا بالفصل التاريخي الشهير الذي كتبه "سيتفان زفايغ" بعنوان "أمة تتآمر على شرف امرأة"، روى فيه قصة الكونتيسة البولندية الحسناء "ماري فاليسكا" التي رآها نابليون في حفلة وهو في طريقه إلى غزو روسيا. وكان كل نبلاء بولندا يحاولون انتزاع وعد من نابليون بمنح بولندا استقلالها في حالة انتصاره.. وفهموا أن نابليون قد جُن غرامًا بالكونتيسة الحسناء، وأنه يريدها وأنها امتنعت عليه ... وتوالى النبلاء والأمراء عليها يقنعونها بأن تسلم نفسها لنابليون.. وأن تضحي من أجل بولندا.. حتى رضيت بذلك وهي دامية العينين.
стр. 216
وقد أحبها نابليون بعد ذلك وأحبته ومنحته ابنه الوحيد، وكانت آخر من ودعه على الشاطئ وهو ذاهب إلى منفاه في جزيرة القديسة هيلانة.
وتلك قصة أخرى؛ ولكنني تذكرتها وأنا أرى العالم كله "يتآمر على عفاف بولندا"، ويطلب من بولندا التنازل عن طموحها، في سبيل هناء بقية العالم.. أي: أقوياء هذا العالم.
وفي الفقرة الثالثة من جسم المقال، أشار الكاتب إلى التركيب الاجتماعي والطبقي لقائد الإضراب العمالي البولندي:
على أن هناك من الأحداث ما تبقى نتائجه هامة ومؤثرة، سواء انتهى بالقمع أو بالنجاة..
فقد تم في القرن التاسع عشر -مثلًا- قمع "كومونة باريس" قمعًا رهيبًا؛ ولكن الحادث نفسه ترك بصماته على كل تفكير اشتراكي أو ديمقراطي بعد ذلك..
وفي تقديري أن أحداث بولندا من هذا النوع، أيًّا كان مصيرها..
وقد يصبح هذا العامل الكهربائي المفصول من عمله، والذي تسلق أسوار المصنع صبيحة يوم الإضراب في ثياب رثة، تاركًا خلفه زوجة وخمسة أطفال، وتولى على الفور قيادة حركة الإضراب البالغة الدقة والتنظيم.. قد يصبح "فاليسا" هذا اسمًا في سلسلة أسماء: ماركس وليفين وستالين وبريجنيف. وقد يصبح ورقة مهملة في سلة التاريخ، رمز محاولة فاشلة مهما كانت صحيحة أم خاطئة، في سلسلة أسماء: تروتسكي ودوبتشيك وغيرهما؛ ولكن المؤكد
стр. 217
هو أن كل العمالقة الكبار اليوم.. من هوا كيو فينغ إلى بريجنيف.. إلى كارتر، يحاولون أن يحسبوا كل حركة لهذا العامل الذي كان مغمورًا ومفصولًا من عمله منذ ثلاثة أسابيع.
وفي الفقرة الرابعة من جسم المقال، بدأ الكاتب في تحليل نتائج الحدث البولوني، فأشار إلى أثر هذه الأحداث على الوفاق الدولي من ناحية، وعلى الاتجاهات الفكرية والمذهبية في الدول الشيوعية من ناحية ثانية، وعلى مستقبل الدور الذي يلعبه العمال في الحركة الشيوعية من ناحية ثالثة:
فالنظام الشيوعي كما قام وتدعم في روسيا.. ثم تكرر بصور مشابهة في الصين شرقًا إلى المجر غربًا.. هذا النظام الذي يضم أقل من نصف سكان العالم بقليل.. هناك دائمًا "الجامدون" الذين يعتبرونه نظامًا نهائيًّا للمستقبل. وكان هناك دائمًا الجامدون من ناحية أخرى -مدرسة فوستر دلاس- التي لا ترضى بأقل من تدميره تمامًا. ثم كان هناك من الماركسيين إلى بعض اليمينيين -مثل ديجول- من يراهنون على أن الحرب العالمية ليست الحل؛ ولكن المستقبل هو تطور هذا النظام من الداخل..
ودعاة "الوفاق الدولي" رهانهم على هذا التطور في الشرق والغرب.. حين يزول خوف الزوال في الغرب.. وخوف الحصار في روسيا.. ويتم تبادل المنافع؛ وبالتالي أسباب البقاء بين المعسكرين.. فيبدأ النظام في المعسكر الشرقي يتغير من الداخل.
ولكن كيف؟
لقد أخذت انتفاضات المجر وتشيكوسلوفاكيا شكلًا معاديًا للاتحاد السوفيتي؛ وبالتالي برزت
стр. 218
أسباب الأمن تدخل روسيا وسكوت أمريكا، فهناك في أوربا خط تقسيم اتفق عليه بين الشرق والغرب في "يالطا"، وليس لأحد أي حق في اجتيازه.
ولكن اضرابات بولندا كان لها طابع آخر تمامًا.
فهي منظمة بشكل مذهل.. منضبطة بطريقة تدل على سابق وجود عمل تنظيمي عميق في معزل عن علم السلطة.. وهي منصبة على قضية داخلية محضة. وقد فجرها فرار داخلي معيشي، هو رفع سعر اللحوم.
وقد كسبت الحركة جولة هائلة بمجرد اعتراف الدولة بزعامة الحركة كطرف آخر تدخل معه في مفاوضات رسمية وعلنية، الأمر الذي لم يحدث قط في دولة شيوعية، يحتكر فيها الحزب الشيوعي السلطة كلها، ولا يقبل حتى التغيير إلا من خلاله.
ويجب أن نعترف ويعترف العالم أن هذه المطالب كانت تبدو صعبة التحقيق، مستحيلة القبول من السلطة الشيوعية.
ولكن حكومة بولندا وقعت على أخطر حدث داخل المعسكر كله، حين قبلت أمرين:
الأول: حرية تكوين نقابات العمال بشكل ديمقراطي.
والثاني: حقهم في الإضراب دفاعًا عن مصالحهم.
стр. 219
صحيح.. إن هذا تم في إطار اعتراف النقابات العمالية بوَحْدَة الحزب الشيوعي وسلطته، ونظام الحزب الواحد؛ أي: بالأسس السياسية الراهنة للدولة. ولكن ما تم، رغم ذلك، هو خطوة هائلة نحو التعددية والديمقراطية..
فالدولة لا تناقش الآن نقابات مصنوعة بواسطتها وزعامات لا وزن لها.. ولكنها تناقش نقابات كونت نفسها بنفسها.
وقد كان هناك "جيريك" رئيس الدولة والحزب بمفرده.. الآن صار زعيم آخر يوازنه ويقابله هو "فاليسا"، الذي كان عاملًا مفصولًا، وصار خلال ثلاثة أسابيع زعيمًا شعبيًّا غير منازع في بولندا.
ما معنى هذا "مذهبيًّا"؟
معناه: أن "الطبقة العاملة" الصناعية المستنيرة، التي كانت في خيال "كارل ماركس" تثور على "حزب الطبقة العاملة" أي: الحزب الشيوعي الحاكم، على أساس أن أي حزب شيوعي يعتبر نفسه -أوتوماتيكيًّا- حزب الطبقة العاملة..
ومعناه: أن "الطبقة العاملة" تريد أن تفاوض الدولة -دولة العمال- على أجورها وسياساتها الاقتصادية.. كما تفاوض نقابات الحزب أصحاب العمل.. فكأن "الطبقة العاملة" البولندية المضربة تعتبر الدولة بمثابة "صاحب العمل"، تفاوضه، وتضرب أحيانًا المضغط عليه.
стр. 220
ثم أشار الكاتب إلى تأثير الحدث البولندي على مركزية السلطة في الدولة الشيوعية:
ومعناه: أن "مركزية السلطة" في الدولة الشيوعية وحصرها في يد حزب واحد، مطالبة اليوم بأن تقبل صورة من "تعدد مراكز السلطة".. بوجود مركز آخر قوي يوازيها، ويعادلها، ويناقشها، هو نقابات العمال ...
فهل يمكن أن يقبل "المعسكر الشرقي" هذا التطور الخطير؟
إن المشكلة هي أن من يسمون أنفسهم "الاشتراكيين العلميين" كثيرًا ما لا يدركون أن "العلمية" معناها دراسة كل واقع جديد. وقد أنتج النظام في بولندا طبقة عاملة جديدة قوية مستنيرة لم تكن موجودة من قبل. وبالتالي لا بد من قبول ظروف جديدة وصياغات جديدة تناسبها، أما إذا غفلوا عن التطور، وتمسكوا ببيروقراطية الحزب الحاكم الواحد، فسوف يستمر الصدام بين "حزب الطبقة العاملة" وبين "الطبقة العاملة" ذاتها في صور متزايدة.
وفي فقرة أخرى من جسم المقال.. لجأ الكاتب مرة أخرى إلى المعلومات التاريخية الخلفية عن موقف الاتحاد السوفيتي في عصر البلاشفة من بولندا.. مستفيدًا من هذه الخلفية في طرح تساؤل عن موقف الاتحاد السوفيتي من المشكلة البولندية، وهل سيتدخل لقمع الاضطرابات أم يتفهم التغيرات التي حدثت في المجتمع البولندي؟:
إن في تاريخ الكتابات الشيوعية معركة شهيرة حول بولندا نفسها بين "روزالوكسمبرج" التي دعت إلى ضرورة ضم بولندا إلى الاتحاد السوفيتي؛ لأن بولندا المستقلة سوف تحكمها البورجوازية وليس الطبقة العاملة.. وبين لينين الذي رفض هذا التفكير بشدة وصمم
стр. 221
على حق بولندا في الاستقلال أولًا، ثم في القيام بثورتها بعد ذلك..
ولكن لينين كان رجل ثورة، في حين أن حكام الكرملين الحاليين هم قادة دولة عظمى، لها فوق الحسابات المذهبية حسابات الدول الكبرى؛ من أمن قومي، وتوازن دولي، وخطط استراتيجية ...
ومع ذلك، فلو أن الاتحاد السوفيتي ترك بولندا لتطورها الآن، فإنه سوف يكون قد أقدم على الحل التاريخي للخوف البولندي من "روسيا".. ذلك الخوف الذي يرجع عمره إلى ألف سنة.
وفوق ذلك، قد يكون في نجاح هذا النموذج مخرج للنظم الشيوعية إلى مجال آخر للتطور، بعد أن بقيت حبيسة نموذج واحد طيلة ستين عامًا.
- أما خاتمة المقال فقد حملت خلاصة رأي الكاتب في الأزمة البولندية.. كذلك تضمنت الخاتمة محاولة من الكاتب لاستثارة أذهان القراء ودفعهم للاهتمام بهذه القضية ومتابعتها في المستقبل:
لقد تطورت تلك البلاد اقتصاديًّا بشكل هائل؛ وبالتالي تطورت اجتماعيًّا؛ وبالتالي تراجعت صيغة "دكتاتورية البروليتاريا"؛ حيث لم يعد عمالها "بورليتاريون" بالمعنى الماركسي؛ إنما صارت أحزابهم تتباهى بأن في عضويتها كذا في المائة خبراء فنيين، وكذا في المائة مهندسين، وعمالًا مهرة، فهي طبقة عاملة جديدة.
وكثير من النظم -عبر التاريخ- كان مقتلها في نجاحها في تطوير البلاد اجتماعيًّا واقتصاديًّا. ثم عجزها عن التطوير السياسي الذي يلائم هذه الظروف الجديدة..
"فاليسا" تسلق أسوار مصنع لينين، وفتح الباب لهذا التطور..
وعلينا أن نراقب بعد ذلك ردود الفعل في الشهور القادمة.
стр. 222
الفصل الخامس: الحملة الصحفية
المبحث الأول: تعريف الحملة الصحفية
الحملة الصحفية ليست فنًّا من فنون التحرير الصحفي.. وإنما هي فن استخدام فنون التحرير الصحفي المختلفة في تحقيق الهدف الذي أُعدت الحملة من أجله.
فقد تبدأ الحملة الصحفية بخبر، ثم تتطور إلى تقرير صحفي، ثم إلى تحقيق صحفي.. وقد يجذب الموضوع عددًا من كتاب المقالات في الصحيفة حتى يتحول الموضوع إلى حملة صحفية.. وهو عندما يتحول إلى حملة صحفية لا يصبح فنًّا قائمًا بذاته من فنون التحرير الصحفي؛ وإنما هو فن توظيف فنون التحرير الصحفي لخدمة موضوع الحملة!..
فالحملة الصحفية ليست سوى شكل من أشكال الاستخدام الجيد لفنون التحرير الصحفي.
وعلى هذا الأساس فالحملة الصحفية قد تأخذ شكل الأخبار الصحفية، وقد تأخذ شكل الأحاديث الصحفية، وقد تأخذ شكل التحقيقات الصحفية، أو المقالات الصحفية، أو التقارير الصحفية.. بل وقد تأخذ هذه الأشكال كلها معًا.. بل وقد تتضمن أيضًا الرسوم والصور الفوتوغرافية والكاريكاتير وبقية الفنون الصحفية الأخرى١.
وظائف الحملة الصحفية:
١- تعبئة الرأي العام مع سياسة معينة أو قانون معين أو قرار معين أو اتجاه معين أو فكرة معينة.. أو تعبئته ضد هذه السياسة أو ضد هذا القانون أو ضد هذه الفكرة.
стр. 223
٢- تنظيف المجتمع من الفساد ومن ألوان الانحراف المختلفة١.
أنواع الحملات الصحفية:
وهناك نوعان من الحملات الصحفية؛ وهما:
النوع الأول: الحملة الصحفية المخططة:
وهذه الحملة يخطط لها جهاز التحرير في الصحيفة، ويشرك فيها أكبر عدد من محرري وكُتَّاب الصحيفة، ويدعمها بالوثائق والأدلة والدراسات والأبحاث.. ولا تبدأ هذه الحملة إلا بعد أن تستكمل الصحيفة إعدادها إعدادًا كاملًا للنشر٢.
ومثال ذلك الحملة التي أعدتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عام ١٩٧١ ضد فظائع الجيش الأمريكي في فيتنام؛ حيث قامت الصحيفة بالحصول على سبعة آلاف وثيقة سرية من أوراق البنتاجون "وزارة الدفاع الأمريكية" تكشف أسرار هذه الفظائع وتدل عليها، وقد حصلت الصحيفة على هذه الوثائق عن طريق "دانيال الزبرج" الذي حصل على هذه الوثائق من البنتاجون نفسه؛ حيث كان يعمل موظفًا به. وقد نجحت هذه الوثائق في تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد حرب فيتنام؛ مما أدى بعد ذلك إلى انسحاب أمريكا من فيتنام.
النوع الثاني: الحملة الصحفية المفاجئة:
وهي الحملة التي تقوم بدون إعداد مسبق، والتي يفرضها تطور الأحداث في المجتمع، فقد ينشر خبر صغير تمسك الصحيفة بأحد خيوطه وتظل تتابعه في مجموعة من الأخبار المتتالية حتى ينفجر الموضوع في حملة صحفية تهز المجتمع كله٣.
ومثال ذلك حصول أحد المحررين المبتدئين في صفحة الحوادث بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية على خبر صغير عن وقوع سطو على المقر الانتخابي للحزب الديمقراطي المعارض في ذلك الوقت. وبمتابعة الخبر مرة تلو المرة اكتشفت الصحيفة تورط الرئيس الأمريكي "الجمهوري" نيكسون في هذا السطو على المقر الانتخابي للحزب المعارض؛ وذلك لتركيب أجهزة تجسس على اجتماعاته الانتخابية.. وتحول الخبر الصغير إلى حملة صحفية قادتها صحيفة الواشنطن بوست، وانتهت باستقالة نيكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية..!
стр. 224
عناصر الحملة الصحفية:
وتقوم الحملة الصحفية على ثلاثة عناصر لا بد أن تتكامل وتتفاعل؛ لكي تحقق الحملة الصحفية أهدافها.. وهذه العناصر هي:
١- موضوع الحملة:
يجب أن يكون قضية أو مشكلة تهم الرأي العام وتمس مصالح الشعب في نفس الوقت.
٢- هدف الحملة:
لا بد أن يكون هدف الحملة واضحًا ومحددًا من البداية؛ بحيث يصبح من السهل على القارئ العادي أن يتبينه؛ ذلك أن عدم وضوح هدف الحملة قد يؤدي إلى بلبلة الرأي العام، وعدم اقتناع القارئ بموقف الصحيفة.
٣- جمهور الحملة:
من الضروري أن تنجح الصحيفة في إشراك الرأي العام في تبني القضية أو المشكلة أو الرأي الذي تطرحه الصحيفة في حملتها الصحفية؛ بحيث تنجح في أن تجعل الرأي العام يتحمس للقضية، وبذلك يشكل الرأي العام قوة ضاغطة تساعد الصحيفة على تحقيق الهدف الذي أُعدت الحملة الصحفية من أجله١.
عوامل نجاح الحملة الصحفية:
١- الإعداد المسبق للحملة عن طريق جمع أكبر كمية من المعلومات والبيانات والتفاصيل والأدلة الكافية لإقناع الرأي العام.
وفي الحملات الصحفية المفاجئة لا بد أن تسرع الصحيفة أيضًا بجمع المعلومات والأدلة الكافية لتدعيم موقف الصحيفة.
٢- المتابعة المستمرة للموضوع وعرض جوانبه المتعددة وتحليل فرعياته، فلو تكاسلت الصحيفة عن متابعة الحملة الصحيفة لفقدت حيويتها وفقدت بالتالي تأثيرها على الرأي العام٢.
стр. 225
٣- أن تفسح الصحيفة صدرها للرأي الآخر وتمنحه فرصة الرد على الاتهامات الموجهة إليه ... إن ذلك سوف يكسبها احترام القراء ويزيد من ثقتهم في صحة موقف الصحيفة وشجاعتها الأدبية١.
٤- أن تجند الصحيفة كل إمكانياتها لإنجاح الحملة الصحفية، فتشرك فيها أبرز محرريها وكُتَّابها الكبار.
٥- الالتزام بالموضوعية، واحترام الخصم، وعدم توجيه الاتهام بدون أدلة كافية، وعدم الدخول في المهاترات، وعدم الإساءة إلى الأبرياء٢.
стр. 226
المبحث الثاني: التغطية الصحفية للحملة
إن التغطية الصحفية للحملة.. تعني عملية جمع المعلومات والوثائق والبيانات المتعلقة بموضوع الحملة.. وهي عملية شاقة، وخاصة إذا كان هدف الحملة الكشف عن قضايا الفساد أو الانحراف.. إذ لا بد للصحفي أن يعمل على الحصول على الوثائق والأدلة التي تؤكد دعواه من ناحية.. والتي تحميه أمام القانون.. فلا يتهم بالقذف أو التشهير من ناحية ثانية.. ونجاح الصحيفة يقاس اليوم بمقدار ما تحصل عليه من أمثال هذه الأحداث الغامضة التي تزيح الستار عن حوادث هامة، أو وقائع مثيرة، أو بيانات مجهولة، أو يوجد من يتعمد إخفاءها لتحقيق مصالح شخصية، أو منافع مادية، أو التستر على جرائم، أو فضائح مالية أو خلقية، أو انحرافات في مجال سوء استخدام السلطة، وغير ذلك من القضايا التي تكشف عن الفضائح والجرائم المتنوعة.
فمثل هذه الحملات تهم القراء وتثير انتباههم بما تكشفه من حوادث الاختلاس أو الرشوة أو المحسوبية والإهمال أو استغلال النفوذ. وترضي رغبتهم في تنظيف المجتمع من الفساد١، وعندما تثبت الصحيفة للقارئ أنها صحيفة شجاعة لا تخشى شيئًا من أجل الكشف عن الفساد، ولو أدى الأمر دخولها في مواجهة مع عدد من أصحاب النفوذ، ففي مثل هذه الحالة فإن القارئ سيتطوع ليمد الجريدة بكثير من المعلومات والحقائق، ويكشف لها عن العديد من الأخطاء والانحرافات وأوجه الفساد في المجتمع، ويتحول القراء إلى مندوبين صحفيين في خدمة الجريدة، ومن الضروري أن يدرك الصحفي عندما يتصدى للكشف عن الانحراف والفساد أن تغطيته لمثل هذا الخبر ليس لمجرد حب الاستطلاع، ولا لمجرد استعراض مهارته الصحفية؛ وإنما لا بد أن يتأكد من أن هذه التغطية
стр. 227
ستكون في خدمة المجتمع والقراء؛ لأنه ليس من السهل تلطيخ سمعة الناس من أجل إشباع رغبة حب الاستطلاع عند الصحفي أو حتى عند القراء. وعلى سبيل المثال، فإن الصحفي الذي يهتم بالكشف عن تاريخ حياة سياسي بارز سبق اتهامه في سن الشباب في قضية ما، فمثل هذه القصة الخبرية لا تفيد أحدًا، ولا تصلح شيئًا في المجتمع؛ وإنما هي تهدم سمعة رجل بارز، وربما تدمر حياته العائلية؛ بسبب غلطة سبق أن ارتكبها ودفع ثمنها وهو شاب صغير. نفس الأمر عندما يحاول الصحفي أن يكشف أن لأحد الوزراء شقيق أو قريب سبق اتهامه في قضية تمس الشرف أو النزاهة؛ إذ ما مدى مسئولية هذا الوزير عن انحراف شقيقه أو قريبه.. فهل يصح الإساءة لسمعة الوزير بدون ذنب جناه؛ ولكن الأمر يختلف إذا كان هذا الشقيق مدان في تهم تمس استغلاله لنفوذ شقيقه وتستر الشقيق الوزير على هذا الاستغلال أو شاركه فيه!
ولكن يظل هذا النوع من الحملات الصحفية التي تكشف عن الانحرافات والفساد إحدى المهام الرئيسية للصحافة الناجحة، وخاصة في المجتمعات الديمقراطية١. وفي أوربا وأمريكا استطاعت الصحافة أن ترسل بالعديد من السياسيين والنقابيين وكبار رجال الأعمال المنحرفين إلى السجون، ولعل أبرز الأمثلة لذلك الحملة التي كشفت فيها صحيفة الواشنطن بوسط الأمريكية في يونيو ١٩٧٢ فضيحة ووتر جيت، وتورط الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في التجسس على المقر الانتخابي للحزب الديمقراطي، وهو الحزب المنافس للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس نيكسون. وقد انتهت حملة الواشنطن بوسط باستقالة نيكسون من رئاسة الولايات الأمريكية إحدى الدولتين العظميين في عالمنا المعاصر!..
كذلك فإن الصحافة الأمريكية هي التي كشفت عن تهرب سبيرو أجينيو نائب الرئيس الأمريكي السابق نيكسون من الضرائب، وحصوله على رشاوي من بعض كبار رجال المال؛ لتسهيل صفقاتهم مع الحكومة، بالإضافة إلى عدد آخر من التهم، والتي انتهت بإجباره على الاستقالة من منصبه الهام!
ثم هناك الدور الذي لعبته الصحافة في الكشف عن فضيحة رشاوي شركة لوكهيد، والتي أطاحت برئيس وزراء اليابان وعدد آخر من كبار السياسيين في العالم، الذين ثبت تقاضيهم رشاوي من هذه الشركة؛ لتسهيل صفقاتها
стр. 228
التجارية مع الحكومات التي ينتمي إليها مَن أشارت إليهم أصابع الاتهام.
وفي مصر استطاعت دار أخبار اليوم الكشف عن الانحرافات في الاتحاد التعاوني الزراعي؛ حيث انتهت الحملة الصحفية بعزل المسئولين عن الاتحاد وتحويلهم إلى المحاكمة.
كذلك نجحت صحيفة أخبار اليوم في الكشف عن الانحرافات في هيئة الأوقاف المصرية، انتهت بعزل كبار المسئولين فيها، ثم تحويلهم إلى القضاء.
وهناك العديد من الصعوبات التي تواجه الصحفي عندما يتصدى لتغطية حملة تمس حالة من حالات الانحراف أو الفساد في المجتمع، فهناك كثير من المواطنين الذين يعرفون بعض التفاصيل عن هذه القضية قد يمتنعون عن الحديث؛ بل قد يقفون ضد الصحفي، ويحولون بينه وبين الوصول إلى الحقيقة، وذلك إما لخوفهم من التورط في الفضيحة أو لمجرد الخوف من أن تذكر أسماؤهم مقرونة بمثل هذه الفضيحة، أو قد تكون رغبة في حماية أو تعاطف مع جار أو زميل أو رئيس سبق أن عمل معه فترة من حياته، أو خوفًا من تهديد محتمل١؛ ولكن من ناحية أخرى قد يجد الصحفي مساعدات قيمة من رجال البوليس أو رجال النيابة؛ رغبة منهم في الشهرة أو المجد، حين تذكر أسماؤهم في الصحف مقرونة بأنهم يحاربون الفساد في المجتمع؛ بل إن الصحفي قد يجد مساعدات قيمة عن بعض نواب البرلمان أو بعض كبار المسئولين حين يتقدموا ببعض معلوماتهم عن الفساد.
والمذكرات أو البيانات التي يسجلها الصحفي في "النوتة" الخاصة به ليست كافية لإثبات أن المعلومات أو البيانات التي أدلى بها إليه بعض الشهود صحيحة، ونادرًا ما يعتد بها أمام القضاء، كذلك فإن أجهزة التسجيل غير معترف بها في المحاكم لسهولة تزييفها أو تعديلها؛ ولكنها مفيدة خارج المحكمة؛ إذ إنها كثيرًا ما تؤدي إلى انهيار المتهم واعترافه في حالة سماعه تسجيلًا لنفسه يكشف عن انحرافه؛ ولكن يجب الحرص على استعمال هذه الوسيلة في إطار القانون.
أما أهم الوسائل التي يلجأ إليها الصحفي لحماية نفسه من الاتهام بالقذف أو التشهير، ولإثبات الانحراف أو الفساد، هي أن يحاول ضمان أكبر عدد من الشهود في القضية؛ ولكن بشرط أن يتأكد الصحفي من صلابة الشاهد
стр. 229
وعدم إمكانية تغييره لشهادته من أجل المال أو تحت ضغط التهديد، وهناك بعض الصحفيين الذين يلجئون إلى تسجيل أقوال الشهود أمام أحد المحلفين، وذلك في أمريكا وأوربا١؛ ولكن المهم في كل الحالات هو دراسة الشهود دراسة دقيقة ووافية من جميع الوجوه قبل الوصول إليهم وتسجيل أقوالهم. وفي الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الغربية يستخدم الصحفيون أجهزة تسجيل دقيقة لتسجيل بعض الاعترافات أو تسجيل جوانب من ألوان الانحراف أو الفساد. وبعضهم يعمد إلى إخفاء هذه الأجهزة في أزرار القميص أو الجاكت أو في دبوس ربطة العنق؛ ولكن لا بد من الحرص على عدم استخدام الوسائل غير القانونية؛ كمراقبة مكالمات التليفون، وغير ذلك من الوسائل التي تضع الصحفي تحت طائلة القانون؛ لتدخله في حريات الآخرين.
كذلك يجب على الصحفي أن يحرص على عدم الاعتماد على الشهود الذين يستعدون للشهادة من أجل المال، حتى لو كانت شهادتهم صحيحة؛ فإن صحافة دفتر الشيكات -كما تطلق الصحف البريطانية٢ على بعض الصحف الأمريكية- غير مضمونة العواقب؛ لأن الشاهد قد يغير أقواله من أجل مزيد من النقود. إن صحافة دفتر الشيكات قد تدفع بعض الصحفيين إلى تزوير الفضائح من أجل الحصول على الشهرة أو المال؛ كما حدث مع صحيفة الديلي ميل البريطانية في قضية اللورد ليلاند في صيف عام ١٩٧٧ ٣، وحقيقة القضية أن أحد محرري صحيفة الديلي ميل نشر خبرًا عن اللورد ليلاند، وهو أحد أثرياء إنجلترا، وله مجموعة من الشركات الدولية التي تتعامل في صفقات بمئات الملايين من الجنيهات، ونشر محرر الديلي ميل خطابًا باسم اللورد ليلاند يوصي فيه بمنح رشوة لعدد من كبار السياسيين والمسئولين في عدد من الدول؛ لتسهيل عدة صفقات لإحدى شركاته، وهددت فضيحة العديد من السياسيين والمسئولين في إنجلترا أو بعض دول العالم بفقد مناصبهم، واحتمال تقديمهم إلى القضاء؛ ولكن لم يستمر الأمر طويلًا، واكتشف زيف الحملة التي نشرتها الديلي ميل، فقد اتضح من تحليل مضمون الخطاب المنسوب إلى اللورد ليلاند أنه مزور؛ لأنه وجد بالخطاب أخطاء إملائية؛ بينما عرف اللورد ليلاند بتمكنه من اللغة الإنجليزية، وهكذا انهارت الحملة كلها. وتم القبض على محرر الديلي
стр. 230
ميل الذي اعترف بأنه اختلق الحملة، وأنه استعان بأحد المديرين العاملين في إحدى شركات اللورد ليلاند؛ ليزور له الخطاب مقابل عدة آلاف من الجنيهات، وكان موقفًا للديلي ميل لا تحسد عليه، واستغلت الصحف البريطانية الأخرى الفرصة وطالبت باستقالة مستر ديفيد انجلش رئيس تحرير الديلي١..
ولا بد أن ننتبه إلى أن الشهود الذين يقبلون الشهادة من أجل النقود قد يبالغون في شهادتهم من أجل الحصول على أموال أكثر، وهو الأمر الذي يمكن أن يعرض الصحيفة إلى إدانة شخص بريء.
كذلك فإن الصحيفة التي تتعهد بإعطاء الشاهد الرئيسي أموالًا قد تجد نفسها في موقف مدان في المحكمة بتهمة التأثير على العدالة. مثل ذلك: فضيحة بروفيمو وزير البحرية البريطانية، الذي تورط في علاقة غير شرعية مع كريستين كيلر، استغلها أحد الجواسيس السوفيت للحصول على معلومات عن الجيش البريطاني، فقد كشفت الحملة شهود مزيفين كذبوا مقابل أموال دفعت إليهم، وقد كشفتهم الصحافة وقدمتهم إلى المحاكمة٢.
كذلك فمن الضروري أن يلجأ الصحفي الذي يهتم بتغطية حملة عن انحراف أو فساد أو يكشف فضيحة نقابية أو مالية أو أخلاقية إلى محامي أو مستشار قانوني يحدد له مدى قانونية تحركاته أثناء تغطية الحدث، والمحامي الرديء هو الذي سيقول للصحفي ما يجب أن يمتنع عن نشره، أما المحامي الذكي فهو الذي يبين للصحفي إلى أي مدى يمكن أن يذهب في النشر.
ومن الأفضل أن يعمل الصحفي في مثل هذه الحالات على أن تكون جميع الأقوال والتصريحات التي يحصل عليها موقعة من أصحابها وفي حضور شهود، كذلك عليه أن يعمل نسخًا مصورة من المستندات التي يحصل عليها كلما أمكنه ذلك، وعليه ألا يستخدم مستندات مسروقة، وإلا تعرضت شهرته للخطر وعرض نفسه للمحاكمة. مثال ذلك: أن دانيال الزبرج الذي سرق سبعة آلاف وثيقة من وثائق وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" عام ١٩٧١ الخاصة بفظائع
стр. 231
الجيش الأمريكي في فيتنام، ونشرها متتابعة في صحيفة النيويورك تايمز، قد عرَّض نفسه للسجن عدة سنوات من أجل حصوله على وثائق مسروقة١.
وفي مثل هذه الأخبار أيضًا لا بد أن يحرص الصحفي على البحث عن أكبر عدد من الأدلة غير الشهود، وهو يمكن أن يجد بعض هذه الأدلة في سجلات وثائق الحكومة الرسمية المسموح بالبحث فيها ونقلها؛ مثل: سجلات الوزارات والمحاكم والهيئات والمؤسسات العامة وأرشيف الحكومة نظير رسم معلوم، ففي بريطانيا مثلًا هناك مكتب الوثائق العامة؛ حيث يوجد به جميع وقائع وسجلات المجالس البلدية والمحلية في بريطانيا، ويمكن الاطلاع عليها، وهي تبين تفاصيل مدفوعات الشركات ومرتبات الموظفين الرسميين وامتلاك الأسهم والسندات ونصوص العقود الخاصة بالبيع والشراء وغير ذلك من الأمور المشابهة.
وفي هذه السجلات الرسمية المصرح بالبحث فيها يمكن للصحفي الكشف عن النمو في ثروات بعض المسئولين.. وظروف وملابسات حصولهم على ثرواتهم، وما إذا كانوا قد أساءوا استخدام سلطتهم في الحصول عليها٢.
ومن المؤسف أن مثل هذه المعلومات غير متوفرة للصحفي العربي؛ حيث لا توجد سجلات أو أرشيف به هذه المعلومات في بلادنا، وإذا وجد بعضها فهي تعتبر سرًّا من أسرار الدولة لا يباح للصحف البحث فيه، فقد عجزت الصحافة المصرية مرة عن الحصول على أسماء مَن يفتحون مكاتب الاستيراد والتصدير من أقارب المسئولين؛ بسبب عدم وجود المعلومات المنظمة عن مثل هذه الأشياء.
وفي مثل هذه الحالات يمكن للصحفي أن يطلب هذه المعلومات من القراء أنفسهم، فمن يعرف شيئًا يبعث به للصحيفة، وقد نجحت هذه الوسيلة في حالات كثيرة، فقد استطاعت صحيفة وستيرن ميل البريطانية أن تكشف طرق التحايل في ملكية الأراضي في مدينة كاردف، عن طريق كشفها لإحدى حالات التزوير في ملكية قطعة أرض حكومية والاستيلاء عليها، وطلبت من القراء موافاتها بالحالات المماثلة، وكان أن وجدت بين يديها عشرات الحالات معتمدة بالوثائق والمستندات٣. ونفس الأمر كررته نفس الصحيفة في الشكوى
стр. 232
من أن اختيار نظار المدارس في جنوب ويلز يتم عن طريق الرشوة بالنقود، وحققت الصحيفة في الاتهام، وطلبت من القراء أن يشاركوها في كشف الحقائق والأسرار المتعلقة بالموضوع. وقد مد القراء الصحيفة بالمعلومات المطلوبة؛ ولكن في طريق عكسي؛ إذ أثبتوا أن الاتهام غير صحيح، وقد اتضح ذلك بالفعل باستثناء حالة واحدة فقط تم فيها تعيين أحد النظار مقابل رشوة١.
ففي مثل هذه الحالات لا بد للصحفي أثناء تغطيته للحملة أن يتخذ الاحتياطات الكافية لعدم الإساءة إلى الأبرياء.
стр. 233
المبحث الثالث: نموذج تطبيقي للحملة الصحفية
"حملة الأسلحة الفاسدة"
تعتبر قضية الأسلحة الفاسدة -التي أثارها إحسان عبد القدوس في منتصف عام ١٩٥٠ بمجلة روزاليوسف المصرية الأسبوعية- واحدة من أشهر الحملات الصحفية في تاريخ الصحافة العربية.. وأكثرها تأثيرًا.. ويكفي أنه ينظر إليها باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية في قيام ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ بمصر.
وتنتمي حملة الأسلحة الفاسدة من الناحية الصحفية إلى الحملات الصحفية المفاجئة.. أي: تلك التي تقوم بدون تخطيط مسبق، والتي يفرضها تطور الأحداث.. وهي بذلك تختلف عن الحملات الصحفية المخططة.. أي: تلك التي يخطط لها جهاز التحرير في الصحيفة.. ولا يبدأ نشر شيء منها قبل أن تستكمل الصحيفة إعداد موضوعاتها إعدادًا كاملًا للنشر.
ويعترف إحسان عبد القدوس بخاصية "المفاجأة" لحملة الأسلحة الفاسدة.. فهو يقول: "كيف بدأت قضية الأسلحة الفاسدة؟ في أحد الأيام ذهبت إلى مجلس النواب.. وفي شبابي الصحفي كنت عندما أسمع أن أحد الشخصيات المهمة سوف تتحدث في المجلس كنت أذهب بنفسي، وفي مجلس الشيوخ كان المتحدث هو المحامي الكبير مصطفى مرعي١.. ولم يكن يتحدث عن الأسلحة
стр. 234
الفاسدة؛ إنما عن استيراد الأسلحة، وذكر في كلامه أن الأسلحة كلها خردة، وبدا واضحًا من حديثه أن يتهم "فاروق" نفسه بأنه مشترك في هذه العملية.
وبعد أن استمعت إلى حديثه خرجت من الجلسة وأنا أغلي، ورحت أفكر في الموضوع وأقلبه من كافة زواياه، ثم كتبت مقالًا.. مقال ليس تحقيق.. مقال عنيف جدًّا.. أيدت فيه مصطفى مرعي، وعرضت القضية، لقد وجدت أخيرًا ما يخفف عني ألم الهزيمة المرة التي عانينا منها في سنة ١٩٤٨"١.
وهكذا بدأت حملة الأسلحة الفاسدة في مجلة روزاليوسف بالمقال التالي:
مَن هو الضابط الذي يملك قصرًا في جزيرة كابري؟
وزير الدفاع يوجه اتهامًا إلى جميع أسلحة الجيش.
الصحف المصرية تترافع عن المليونير المتهم..
كان استجواب الأستاذ مصطفى مرعي بك عن أسباب استقالة رئيس ديوان المحاسبة السابق شهادة مجد وفَخَار لضباط وجنود الجيش المصري، فقد أثبت المستجوب أن هؤلاء الضباط والجنود لم تهزمهم جرأة العدو وحنكته؛ إنما هزمتهم جرأة موردي السلاح والذخيرة الذين تعاملت معهم وزارة الدفاع الوطني.
إنها شهادة يعتز بها كل ضابط وكل جندي، وتعتز بها كل أرملة شهيد، وكل يتيم مات أبوه في ساحة فلسطين، وكل ثكلى مات ولدها في سبيل العروبة.. فهؤلاء الذين ماتوا كانوا في حياتهم أقوى من قنابل اليهود؛ ولكنهم كانوا أضعف من القنابل التي وصفها مصطفى مرعي بك بأنها تنطلق إلى الوراء، وأنها تصيب من يطلقها، وكانوا أضعف من الرصاص "الخردة" الذي تنقطع أنفاسه في منتصف الطريق، فيخر صريعًا على الأرض قبل أن يصل إلى هدفه من صدور العدو.
وأذكر أنني سألت المرحوم القائمقام أحمد عبد العزيز قائد الكوماندوس في حرب فلسطين عن اليوم الذي لا ينساه من أيام القتال، فأجابني والدموع
стр. 235
تلمع في عينيه: "إني لا أستطيع أن أنسى يوم كان الباشجاويش يطلق مدفعه على مواقع العدو، وقد وقف من حوله "طاقم" المدفع من الجنود.. فإذا بإحدى القنابل تنفجر إلى الوراء فتحطم المدفع، وتقتل الباشجاويش وجميع رجاله، فيخروا صرعى فوق حطام المدفع وابتسامة الاستشهاد تضيء وجوههم".
وقد سبق أن أشرت أكثر من مرة إلى أن حديث صفقات الأسلحة التي عقدت في إيطاليا لم يعد سرًّا، وأنه حديث تستطيع أن تسمعه في كل شارع من شوارع روما ونابلي وميلانو، وأشرت إلى أن هناك مندوبًا خاصًّا لا يزال يقيم في روما -وأكتفي بأن أقول أن اسمه "أمين"- يستطيع أن يتحدث طويلًا عن هذه الصفقات التي كان اليهود أنفسهم يحاولون بيعها إلى الجيش المصري ليحاربهم بها!! وأشرت إلى أن هذا المندوب الخاص قاسى الأمرين، وهو يحاول أن يؤدي واجبه بصدق وأمانة.. ولم يقاسِ ما قاساه من عملاء دولة إسرائيل؛ بل من عملاء مصر الذين يشترون السلاح باسمها، والذين كانوا كل منهم يستر على الآخر، وكل منهم يدافع عن الآخر في الإثم.
وسبق أن صرخت على صفحات هذه المجلة، وعلى صفحات مجلات أخرى، مطالبًا بإجراء تحقيق سريع لننقذ سمعة مصر، والتي أصبح معروفًا في جميع أنحاء العالم أنها دولة مغفلة، وأصبحت إدارتها الحكومية شعارًا للرشوة وفساد الخلق والذمم.. وقلت: إني لا أستطيع أن أذكر أسماء؛ لأنه ليس لدي مستندات؛ ولكني أعرف أن أحد ضباط الجيش أصبح يمتلك قصرًا في جزيرة كابري -مصيف أصحاب الملايين- يدعو إليه كل عام شخصيات مصرية كبيرة للتمتع بالجمال والراحة والهدوء، على حساب شهداء فلسطين الذين قتلهم الرصاص المغشوش، وعلى حساب الشعب المصري الكريم الذي ابتزت أمواله باسم العروبة والشهامة.. ثم ناشدت معالي الوزير أن يدعو إليه هذا الضابط ويسأله: "من أين لك هذا؟ " وأن يراجع حسابات جميع الضباط والمتعهدين في البنوك المحلية والأجنبية، لعله -على الأقل- يجد مجالًا للشك!
إلى أن تولى مصطفى مرعي بك شرح استجوابه، فأخرج من تقرير رئيس ديوان المحاسبة السابق مستندات دامغة تثبت التلاعب الخطير الذي حدث في شراء هذه الصفقات، وثبت أنها كانت تتم مع علم رجال وزارة الدفاع بما فيها من تلاعب، ومع علمهم أنها أسلحة مغشوشة، ومع علمهم أن هذه الأسلحة المغشوشة ستوضع في يد جنود وضباط مصريين؛ ليحاربوا
стр. 236
بها في حين أنها لا تكفي لا للحرب ولا للدفاع عن النفس!! ورغم ذلك فقد حاول معالي وزير الدفاع أن يدافع عن هذه الصفقات.
لم ينتظر معاليه حتى يجري بنفسه تحقيقًا دقيقًا.. ولم يسمح معاليه بأن يترك في نفسه حتى مجالًا للشك وسوء الظن الذي يدل على حسن الفطنة! بل أعد دفاعًا -أو أُعِدَّ له دفاع- قام يلقيه في مجلس الشيوخ، وعندما رفض المجلس أن يستمع إليه؛ لأن الوثائق كانت أقوى من أن تحتمل دفاعًا، نشر معاليه هذا الدفاع في الصحف.
وماذا قال معاليه في دفاعه؟
قال: "وقد اتضح لي أن هناك أفرادًا كثيرين، كما أن هناك جهات متعددة، أملت عليها مصالحها الخاصة إثارة الشكوك في كل أعمال التوريدات، كما أن قيام لجنة الاحتياجات بالأعمال الخاصة بالتوريدات من جهة وقيام الجهات المختصة في القوات المسلحة باستلام وفحص ما يورد من جهة أخرى كان ذلك سببًا في حدوث بعض الاحتكاك، وإثارة منافسات أدت إلى التقدم ببعض البيانات التي استند إليها ديوان المحاسبة في مناقضاته".
ولا أظن أن معالي الوزير كان يقصد المعنى الواضح الذي تدل عليه هذه الفقرة، فهو في سبيل الدفاع عن لجنة الاحتياجات التي كانت تتولى عقد الصفقات، اتهم جميع أسلحة الجيش التي كانت تتسلم هذه الصفقات.
المعنى المفهوم من هذه الفقرة؛ هو أن أسلحة الجيش المختلفة "غارت" من لجنة الاحتياجات، وحسدتها على ما تتمتع به من نفوذ ومن اعتمادات، فظنت في الصفقات التي عقدتها حتى أن سلاح المهمات قال في تقرير رسمي: إن هناك "مؤامرة" تدبر ضد الجيش المصري.
ويمكن أن يفهم أيضًا -وهو معنى ليس ببعيد- أن أسلحة الجيش المختلفة كانت تريد أن تتساوى في فرص الاستفادة من هذه الصفقات، فلما أعجزها وأعجز قوادها تطبيق مبدأ "تكافؤ الفرص" في "الإشراف" على اعتمادات حملة فلسطين.. أثاروا هذه الزوبعة، لا باسم الوطنية، ولا باسم مصلحة الجيش، ولا باسم الحرص على أرواح الضباط والجنود المحاربين؛ ولكن لمجرد أنهم لم يستفيدوا كما استفاد غيرهم!!
لا نظن أن معالي الوزير يقصد هذا المعنى الخطير الذي تدل عليه هذه الفقرة الخطيرة من دفاعه..
стр. 237
لا نظن ذلك؛ لأن واجب الوزير يقتضيه أن يصون لها احترامها.. وواجب المحامي يقتضيه ألا يرد تهمة السرقة عن موكله بتوجيه تهمة القتل إليه، وهذا الدفاع هو رد تهمة بتهمة أفظع منها.. تهمة تمس ضميره وخلق ووطنية أسلحة الجيش المختلفة، فلا يمكن أن يكون الوزير قد قصده؛ إنما هي غلطة يحسن بالوزير تصحيحها.
تولى معالي الأستاذ فؤاد سراج الدين باشا الدفاع باسم الحكومة، فبدأ كلامه في مجلس الشيوخ منشدًا معجبًا بسحر بيانه قائلًا: "لم نرَ في هذه القاعة استجوابًا انتحل فيه المتهم صفة المدعي، وصفق المطعون فيه للطاعن، وأحسن المضروب فيه لجلاده، كما وقع في هذا الاستجواب"..
ويريد معاليه أن يقول: إن الاتهامات التي وردت في الاستجواب وقعت كلها في عهد الحكومة السابقة، لا في عهد حكومة الوفد.. وهذا صحيح، إن المتهم هي الحكومات السابقة، والذي وجه الاتهام كان وزيرًا من وزراء هذه الحكومة، فهو يعترف بولايتهم.
لنقل هذا..
إذن لماذا تحمس معالي سراج الدين باشا كل هذا الحماس الذي كاد يفقده أعصابه في الدفاع عن الاتهامات التي وردت في تقرير رئيس الديوان؟!
هل كان يدافع عن السعديين والدستورييين، وعن وزراء السعديين والدستوريين، ومَن عاونهم في حكوماتهم؟! وما هذا الحب المفقود الذي تحرك فجأة في قلب سراج الدين باشا، ودفعه لأن يدافع عن فضائح وقعت في عهد حكومات غير وفديه؟
ولماذا لم يؤيد هذه الاتهامات حتى يدمغ حكم "الأقليات" بفضيحة لا تُمحى على مدى الدهر ما يدعوه إليه واجبه وتعصبه الحزبي؟!
إن هناك سرًّا..
وهو سر ليس في حاجة لأن يفصح عنه فؤاد باشا، لأنه سر مفضوح!!
وقد كان مجرد دفاع فؤاد باشا سراج الدين عن هذه الاتهامات -مع اعترافه بأن حكومته غير مسئولة عنها- كافية لإثباتها.. ولإثبات
стр. 238
أن الجرائم التي يدل عليها الاتهام هي جرائم مستمرة، أكبر من أن تتحملها حكومة واحدة.. ولو أن معاليه اقتصر في دفاعه على نفس مسئولية حكومة الوفد عن هذه الجرائم، فربما كان هذا أفضل له، وأفضل لحكومته، وأفضل لمصر المسكينة التي ضاعت بين مختلف عهودها..
وبعد فإن الرأي العام كله يؤمن بأن هناك جريمة وطنية قد وقعت، وكل جريمة لا بد لها من فاعل..
فأين الفاعل؟
أين المجرم؟
لقد أثار مصطفى مرعي بك غبار الاتهام حول المليونير المصري المدعو عبد اللطيف أبو رجيلة، ومن تعامل معه في الصفقات التي باعها للجيش المصري..
وقد كانت إثارة هذا الاتهام في الوقت الذي لم تبرد فيه بعد جثث الشهداء، ولم تجف دماؤهم من فوق رمال فلسطين -كافية ليثور الرأي العام، وتثور الهيئات مطالبة برأس المتهم.. كان هذا يحدث في أي بلد من بلاد العالم، أما في مصر فلم يحدث منه شيء؛ بل لم يبقَ الاتهام معلقًا أربعة وعشرين ساعة حتى تتولى الحكومة التحقيق؛ إنما ظهرت الصحف كلها في اليوم التالي وقد نشرت دفاعًا مجيدًا يعدد فيه أبو رجيلة الخدمات الجليلة التي أداها لوطنه، ولم ترفض صحيفة واحدة نشر هذا الدفاع؛ بل رأت إحدى الصحف أن ليس من اللياقة أن تنشر اسم "أبو رجيلة" في محضر جلسة مجلس الشيوخ، وهو على ما هو عليه من ملايين، فحذفت اسمه من بين أقوال مصطفى مرعي بك، وأكتفت بأن تشير إليه بكلمة "واحد من الناس"، وبذلك اطمأن صاحب الملايين إلى أن الرأي العام معه، أو على الأقل قد سكت عنه، ما دامت الصحافة قد سكتت عنه؛ بل وأشادت بوطنيته.
ويستطيع أبو رجيلة بعد ذلك أن يتفرغ لبناء قطعة الأرض التي اشتراها -في شارع سليمان باشا- ودفع ثمنها نصف مليون جنيه "كاش"، واستقدم لها خمسة من كبار المهندسين لوضع رسوماتها، ويستطيع بعد ذلك أن يكتفي بابتسامة يوجهها إلى كل مصري يزور إيطاليا، وبخدمة أو خدمتين يقدمها له، فيطمئن إلى أن كل مصري سيشيد بكرامته
стр. 239
وحماسته الوطنية..
وهذا حرام..
حرام في حق مصر، وفي حق الأخلاق، وفي حق المستقبل ... ولولا نقص المستندات لقلت كثيرًا، ولتحدثت عن شبان كان يُرجى منهم خير كثير لولا أن شجعهم سكوت الصحف وتضليل الرأي العام على اتباع طريق الحرام، ولتحدثت عن وزراء سابقين ورجال كبار كان يمكن أن يضعوا مواهبهم في خدمة مصر، لولا أنهم وجدوا في البيئة التي تحيط بهم ما يشجعهم على أن يعيشوا في خدمة أنفسهم على حساب مصر، وهم شبان ورجال اشتركوا جميعًا في صفقات الأسلحة التي كانت محل الاستجواب ...
وحتى لو كانت لدي المستندات الكافية لأقول كل شيء فماذا يجدي ما أقول، إذا وقفت وحيدًا، وليس في يدي سوى قلمي الضعيف، ماذا يجدي أن أصرح وأثور على الورق؛ بينما الكل من حولي قد سدوا آذانهم، وأعمى الجشع عيونهم؟!!
وقد يكون عبد اللطيف أبو رجيلة ومَن على شاكلته أبرياء؛ ولكن براءتهم التي قد تثبت فيما بعد، لا تنفي أنهم اليوم محل اتهام في جريمة لم تستطع أقوال الحكومة أن تنفيها أو تردها.. وهي جريمة لن يقضى على أثرها، إلا ظهور فاعلها وإدانته.. وعندما أطالب بأن تسعى الحكومة جهدها، وأن تنسى جميع الاعتبارات؛ لتكشف عن هذا الفاعل، وتحصر مسئوليته، وتحاكمه بتهمة الخيانة العظمى، فإني لا أرمي إلى الانتقام للجريمة؛ بل أرمي إلى ما هو أهم وأسمى وأخطر.. أرمي إلى إعادة الثقة والاطمئنان إلى ضباط الجيش وجنوده.. فإن كل ضابط وجندي -وأقولها صريحة- لم يعد يطمئن بعدما سمعه في قاعة مجلس الشيوخ إلى سلاحه وذخيرته.. وعندما يفقد الجندي ثقته بسلاحه، فقد ثقته بنفسه، وفقد روح القتال.
وضاع مستقبل مصر!! ولن يستعيد الجندي المصري ثقته بسلاحه وبنفسه إلا إذا اطمأن إلى أن الحكومة جادة في اتهامات ديوان المحاسبة -وهو الرقيب الأعلى في الدولة- واطمأن إلى أن وزارة الدفاع قد طهرت، وطهر المتعاملون معها من كل شائبة، ومن كل شك..
واتقوا الله في مصر، وفي جنود مصر، وفي ضباط مصر١..
стр. 240
- ويلاحظ أن حملة الأسلحة الفاسدة بدأت بمقال صحفي.. ولم تبدأ بخبر أو حديث أو تحقيق أو تقرير صحفي.. ويعود ذلك إلى أن الطابع العام الذي كان يميز هذه المرحلة في تاريخ الصحافة المصرية هو طابع الرأي.. فقد كانت الصحافة المصرية في هذه الفترة صحافة رأي وليست صحافة خبر.. لذلك كان من الطبيعي أن يكون المقال هو الأداة الصحفية المناسبة لبدء هذه الحملة.
وهناك ملاحظة أخرى.. أن المقال الذي بدأت به الحملة.. قدم وجهة نظر بدلًا من المعلومات والبيانات والوثائق الخاصة بالموضوع.. وهي نقطة ضعف خطيرة في مثل هذه الحملات التي تهدف إلى تنظيف المجتمع من الفساد.. إذ لو كانت الحكومة قد ردت على المقال بوثيقة واحدة تؤكد سلامة الأسلحة لانهارت الحملة قبل بدايتها.. ولكن وجد عاملان هامان ساعدا على استمرار الحملة ونجاحها فيما بعد:
العامل الأول: أن الأسلحة التي استخدمت في حرب فلسطين كانت فاسدة بالفعل.. وهو الأمر الذي أضعف موقف الحكومة في الرد.
العامل الثاني: أنه رغم أن كاتب الحملة قد بدأ الكتابة دون أن يملك سندًا واحدًا يثبت به دعواه.. إلا أنه كان يعتمد على أن مجرد نشر المقال.. سوف يدفع بعض من يملكون الأدلة والوثائق من قراء الصحيفة أن يتقدموا بها إليه.. وقد يكون ذلك بفعل الرغبة في خدمة العدالة ومصلحة الوطن.. أو قد يكون بفعل مصالح خاصة ولتصفية حسابات شخصية.. وقد تحقق ما توقعه الكاتب بالفعل.. فيذكر إحسان عبد القدوس في مذكراته:
بعد عدة أيام، فوجئت بأحد الأشخاص، كنت أعرفه منذ فترة طويلة أثناء الطفولة، جاءني في روزاليوسف، كان شابًّا ولكنه يبدو عليه أنه ميسور الحال، اسمه علي عبد الصمد، وبدأ يحكي لي عن عمليات استيراد الأسلحة. وإذا به يحضر لي مستندات عن عمليات قام بها عدد من الضباط والأمير عباس حليم، لاستيراد أسلحة قديمة، من إسبانيا، من فرنسا، من بلاد أخرى.
وأثناء حديثه وقعت مفاجأة أخرى بالنسبة لي.. أنه هو نفسه يقوم بعمليات استيراد أسلحة، وأن هذه المستندات التي
стр. 241
أحضرها لي، الهدف منها هو التشهير بآخرين أخذوا منه عمليات استيراد كان المفروض أن يقوم بها هو.. يعني: هو خسر في عملية، فأراد مني أن أشنع بالذين كسبوها. طبعًا فرحت جدًّا؛ لأن المستندات التي قدمها لي، لم يكن من الممكن الحصول عليها بسهولة. ولم أكن أستطيع أن أقوم بإثارة قضية ضخمة كهذه إلا إذا كان تحت يدي مستندات تثبت ذلك، خاصة وأنني بسبيل تحديد أشخاص بعينهم، وضع علي عبد الصمد أمامي كل هذه المستندات، وبدأت أستعد لنشر الفصل الأول.
وفي نفس الوقت، أثار مقالي الأول العديدين، من بينهم هيئة الضباط الأحرار، لم أكن أعرف أي شخص منهم، لم أكن أعرف عبد الناصر أو غيره؛ لكنني أعرف عددًا كبيرًا من الضباط كأفراد، أعرف مصطفى لطفي، وعبد المنعم أمين، وغيرهما، بدأ الضباط يتصلوا بي، قالوا لي: إن لديهم عمليات مهمة جدًّا، وسوف نحضر لك تفاصيلها ومستنداتها، الذي عرفته أن القائم بعملية جمع هذه المستندات هو المرحوم صلاح سالم -أحد قادة ثورة يوليو فيما بعد- لأنه كان يعمل مع الفريق حيدر في وزارة الحربية، وكان يستطيع من موقعه أن يحصل على هذه المستندات، وبالفعل جاءوني بتفاصيل عديدة لعمليات أخرى مدعومة بالوثائق، ثم جرى اجتماع بيني وبينهم في منزل صديق عزيز لي اسمه حافظ صدقي، وشفت منهم شخصيات عديدة، لا أذكرهم بالتحديد، ولا أدري هل رأيت منهم جمال عبد الناصر أو لا، لم تكن تهمني الأسماء؛ إنما كانوا بالنسبة لي شبان ثوريين، يجمعنا هدف واحد، تكلمنا طويلًا حول الموضوع، وترتيب الأوراق، ثم بدأت الحملة١.
- وكان للحملة رد فعل عنيف على الحكومة المصرية وفي الرأي العام المصري، وبعد ثلاثة أعداد من النشر في المجلة ... تولت النيابة التحقيق في القضية.. وأصدرت أمرًا بمنع نشر أي تفاصيل عن الأسلحة الفاسدة. وإلى هنا تعتبر الحملة.. من الناحية الصحفية.. حملة ناجحة.. فهي قد أثارت الرأي العام وجعلته يتحمس للقضية؛ بحيث استطاع أن يشكل قوة ضاغطة ساعدت على تحويل القضية إلى سلطات التحقيق.
وقد تولى محمود عزمي النائب العام في ذلك الوقت الإشراف على سير التحقيق.. وفي البداية كان جريئًا إلى أقصى حد.. واشتهر بالنزاهة والأمانة
стр. 242
إلى درجة أنه أمر بالقبض على ضباط من ذوي الرتب الكبيرة في الجيش.. بل أمر بالقبض على النبيل عباس حليم.. وكان أحد المتهمين في القضية؛ ولكن لم تمضِ فترة طويلة حتى أخذ النائب العام يتعرض لضغوط كبيرة انعكست على سير التحقيق، فقد أخذ يتباطأ وينحرف مجراه لصالح المتهمين من أصحاب النفوذ.. بل لقد أفرج عن المتهمين مع الاستمرار في القضية.. وقد أثار هذا التطور المريب في سير التحقيق الرأي العام داخل الجيش وخارجه بين صفوف المجتمع كله.
لذلك لم يجد كاتب الحملة في مجلة روزاليوسف سوى أن يعود لإثارة القضية من جديد.. ولكنه ووجه بقرار النيابة بعدم النشر في الموضوع.. فتحايل على القرار بأن بدأ حملة أخرى تدور حول الجيش وعلى حيدر باشا قائد الجيش.. وقد حققت الحملة الجديدة هدفين هامين:
الهدف الأول: تحقيق المتابعة المستمرة لموضوع حملة الأسلحة الفاسدة، وإن كان بشكل غير مباشر امتثالًا لأمر النيابة.. ذلك أن التوقف عن متابعة الحملة معناه فقدانها لحيويتها؛ وبالتالي فقدانها لقوة تأثيرها على الرأي العام.
الهدف الثاني: كشف الانحرافات داخل قيادة الجيش.. وهي نفس القيادات المسئولة عن استخدام الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين.
لقد بدأ إحسان عبد القدوس الجزء الثاني من حملة الأسلحة الفاسدة بمقال يهاجم فيه قيادة الجيش ممثلة في الفريق محمد حيدر باشا، ويحمله مسئولية الهزيمة في حرب فلسطين١.
وفي المقال الثاني طالب الكاتب صراحة باستقالة الفريق حيدر ... ثم التحقيق معه.. وهذا نص المقال:
- إني أطالب بالتحقيق مع الفريق محمد حيدر باشا..
- أخطاء حيدر باشا وأخطاء إبراهيم عطا الله باشا..
- كيف عين حيدر باشا وزيرًا؟! وكيف عين قائدًا للجيش؟!
- الضابط الصغير الذي لم يستطع حيدر أن يحاكمه!..
- إن الجيش ملك للشعب، وولاؤه يكون للدولة!..
- ماذا قال النقراشي في الجلسة السرية؟ ثم لماذا عدل عن رأيه؟
- المواوي يقول: كان الجيش يقوم بأعمال تتعارض مع التدريب!
стр. 243
- الجبهة الثانية التي فتحها حيدر باشا وهزم فيها!..
إن الذين يطالبون باستقالة الفريق حيدر باشا يترفقون به أكثر مما يحقدون عليه.. وأنا من المترفقين بحيدر باشا المشفقين عليه؛ ولكني رغم ذلك لا أطالبه بالاستقالة؛ وإنما أطالب بالتحقيق معه.. فاستقالة سعادته ليست سوى اعتراف منه بالخطأ أو بالفشل، وهو اعتراف بينه وبين نفسه لا يستفيد منه الجيش، ولا تاريخ الجيش، ولا يصون التقاليد المتبعة في جميع جيوش العالم، والتي تقضي بالتحقيق في أسباب الفشل أو الخطأ أو الهزيمة، ثم تسجيل هذه الأسباب في ملف رسمي يرجع إليه عندما يحتاج القادة إلى موعظة أو إلى درس يوفر عليهم الوقوع في نفس الخطأ ويجنبهم هزيمة جديدة..
وقد أخطأ من قبل قائد آخر هو الفريق عطا الله باشا، وتكررت أخطاؤه حتى ثار عليه بعض ضباط الجيش كما هو معروف، فماذا كانت نتيجة هذه الأخطاء؟
لقد استقال سعادته أو طلب إليه أن يستقيل، ثم نُسي كل شيء بعد حين!!
وكان أن تكررت نفس الأخطاء بعينها في عهد قيادة حيدر باشا؛ بل إننا لو استعرضنا الأيام والحوادث، لظننا أن هذه الأخطاء قد تكررت عن عمد، وأن سياسة المشرفين على الجيش هي سياسة التمادي في كل ما هو خطأ.. ولو كان الفريق عطا الله باشا قد قدم إلى مجلس تحقيق، وسجلت عليه أخطاؤه، وبحثت أسباب هذه الأخطاء لانتهت استقالته -أو إقالته- بتعديل نظم الجيش، وتعديل السياسة المشرفة عليه، ولاستطاع حيدر باشا أن يرجع إلى ملف هذا التحقيق؛ ليوفر على نفسه ما تعرض له سلفه!
وقد قلت: إني مشفق على حيدر باشا.. وإني مشفق عليه من ألسنة الناس، سواء منهم الحكوميون أو المعارضون، وسواء منهم الرسميون أو غير الرسميين، وسواء منهم الكبار أو الصغار، وهي ألسنة حداد لم ترحم حيدر باشا، ولم تحفظ له هيبته ووقاره، وهو الرجل الذي عاش عمره لا يملك سوى الهيبة والوقار..
стр. 244
وإني مشفق على معاليه من همسات ضباطه وجنوده.. هل يريد معاليه أن أترجم له هذه الهمسات؟
ولكنها لم تعد همسات، فقد أصبحت صرخات لا بد أنها وصلت إلى أذني حيدر باشا، رغم أنه حرص في الأيام الأخيرة على أن يغلق على نفسه النوافذ والأبواب.. صرخات سجلها الضباط في منشورات يوزعونها على دور الصحف، وتصل بالبريد إلى آلاف الشخصيات، وسجلها ضباط إدارة المخابرات الحربية في تقاريرهم التي يرفعونها إلى رؤسائهم، والتي يطلع عليها حيدر باشا لو كان مواظبًا على الاطلاع.. وفي كل يوم أتلقى خطابات تحوي هذه الصرخات، ويطلب أصحابها نشرها موقعة بإمضائهم، وأصحابها هم من ضباط الجيش، وهم يذكرون مع أسمائهم رتبهم والوحدات التابعين لها.. وقد أبيت دائمًا أن أنشر هذه الخطابات منسوبة إلى أصحابها؛ لأني أحترم تقاليد الجيش التي تصون الحدود بين المرؤسين والرؤساء، والتي تقوم على هيبة القائد والاحترام الواجب له..
ورغم ذلك فقد ضاق صدر أحد الضباط، وهو اليوزباشي مصطفى كمال صدقي، حتى لم يعد يحتمل السكوت، ورغم إيمانه بتقاليد الجيش، فنشر باسمه الكامل مقالًا مطولًا في مجلة "الاشتراكية" قال فيه بالحرف الواحد: "والمطلوب الآن من حيدر باشا إيقاف زياراته غير المرغوب فيها للوحدات، والتي تأخذ شكلًا استفزازيًّا، قد ينتج عنه أضرار كثيرة!! ".
وقال كلامًا كثيرًا لا أستطيع أن أتحمل مسئولية نشره؛ لأني لا أعرف الظروف التي احتمى بها مصطفى كمال صدقي من القانون حتى أحتمي بها معه!!..
فماذا كان مصير هذا الضابط الصغير؟
لقد قدم إلى مجلس تحقيق في ٧ أكتوبر، وانعقد هذا المجلس في إدارة الإمدادات والتموين برياسة الأميرالاي عبد الحميد محمد، وأخذ في استجواب الضابط المتهم..
وهذا هو نص الأسئلة والأجوبة التي دارت في التحقيق:
س: لماذا لم تحاول الحصول على إذن بالنشر في الجرائد؟
ج: إن الدافع الذي دفعني للكتابة في الجرائد دون الحصول على إذن
стр. 245
بالنشر من الجهات المختصة، هو أن ما كتبته لا يمكن أن تسمح لي الرئاسات بنشره؛ لأن هذه الرئاسات كثيرًا ما تنشر بلاغات يظهر فيما بعد كذبها، بدليل البلاغ الذي نشره حيدر باشا، والذي جاء فيه أن صفقات الأسلحة كانت خالية من أي غش ومطابقة للمواصفات، ثم ظهر بعد ذلك عدم صحة هذا الكلام؛ بدليل وجود ضباط الآن مسجونين ومتهمين بالسرقة شكلًا والخيانة العظمى موضوعًا..
س: هل لم يكن هناك طريقة قانونية لرفع صوتك إلى الرئاسات؟
ج: إنني لا أثق برئاسة على رأسها حيدر باشا.
س: ما الذي دعاك لكتابة ما كتبت؟ علمًا بأن التحقيق الآن بين يدي القضاء، ولم يبت فيه بعد.
ج: درجت منذ أن التحقت بالكلية الحربية وبعد تخرجي ضابطًا بالجيش على أن أكون مسئولًا -كما تقضي الأصول العسكرية- عمن هم تحت قيادتي؛ ولذلك أعتبر حيدر باشا مسئولًا عن كل ما اقترفته لجنة مشترواته؛ لأن هذه اللجنة كانت تحت رئاسته المباشرة، ثم إنني رغبت أن يشترك الجيش في التحقيق الموجود الآن بين يدي الهيئة القضائية؛ أي: إثارته بين من تحملوا التضحيات الجسيمة بسبب خيانات لجنة المشتروات..
س: لماذا تهاجم حيدر باشا بالذات؟
ج: ليس بيني وبينه أي عداء شخصي ولكنني هاجمته، وبيده السلطة والقوة، وبإمكانه البطش بشخصي الضعيف، مضحيًا بذلك بمصلحتي الشخصية في سبيل الصالح العام، وحتى يمكن تناول مأساة فلسطين.
س: ما هي الأسباب التي تدفعك إلى هذا الهجوم؟
ج: أولًا: لإبقائه على مساعدي رئيس أركان حرب الجيش السابق في نفس مراكزهم، وتوسيعه لاختصاصاتهم -هنا جملة رأيت حذفها- ثانيًا: لعدم قدرته على اختيار القائد الذي يمكن أن تنجح المعركة على يديه، وإن شئتم أوضحت وأسهبت بما يملأ مجلدًا ضخمًا..
هذا، هو بعض ما جاء في محضر التحقيق مع اليوزباشي مصطفى كمال صدقي -مع احتفاظي برأيي في إجاباته- وقد يعتبر هذا الضابط جريئًا في تحديه للقائد العام للقوات المسلحة إلى هذا الحد؛ ولكن الذين حققوا معه كانوا أجرأ منه، فقد أوقفوا التحقيق معه فجأة، وقبل أن يتم، ودون
стр. 246
أن يحيلوا الضابط المتهم إلى مجلس عسكري، كما يقضي بذلك القانون، ثم اكتفوا بأن منحوه إجازة مرضية يقضيها في بيته..
ماذا بقي للجيش بعد هذا؟!
ماذا بقي للجيش إذا كان ضابط صغير في رتبة يوزباشي يستطيع أن يتحدى القائد العام علنًا، ثم يتحداه مرة ثانية في تحقيق رسمي، ولا يستطيع القائد العام أن يرد تحديه إلا بأن يمنحه إجازة مرضية؟!
لماذا يخاف حيدر باشا من التحقيق مع هذا الضابط؟
وأي قوة في الأرض تستطيع أن تمنعه من محاكمته؟! إلا أن يكون سعادته -أي: حيدر باشا -يخشى أن يمنح هذا الضابط فرصة ليقول فيها أمام هيئة المحكمة أكثر مما قال.
وإذا كان هذا الكلام يستطيع الضباط اليوم أن يقولوه علنًا، فماذا يمكن أن يقولوه همسًا؟!
إن هذه الواقعة وحدها تكفي للتحقيق، لا مع الضابط الصغير؛ بل مع حيدر باشا نفسه، الذي ترك منصبه كقائد عام للقوات المسلحة يتعرض لمثل هذه الجرأة دون أن يحاول الدفاع عنه؛ بل يعمل على أن يصون شخصه قبل أن يصون كرامة المنصب!!
دخول فلسطين:
ولكن هذه الواقعة -للأسف- ليست هي كل الوقائع التي يجب أن يحقق فيها مع حيدر باشا، وكنت قد وعدت سعادته في مقالي الأول أن أجيب له على سؤال: "هل كان الجيش المصري مستعدًّا لدخول فلسطين؟ ". وفهم من هذا المقال أني أحمل حيدر باشا مسئولية دخول الجيش فلسطين بلا استعداد، وقد تطوعت بعض الزميلات بالإجابة على هذا السؤال قبل أن أجيب عليه، ونسب بعضها الخطأ إلى حيدر باشا بوصفه الوزير المسئول، ونسب البعض الآخر الخطأ إلى المغفور له النقراشي باشا بوصفه رئيس الوزارة التي تتحمل المسئولية العامة..
стр. 247
وأحب أولًا أن أسجل أني عندما أكتب عن الجيش أرفعه فوق مستوى الأحزاب، فالجيش -كما قال مونتجمري في إحدى المناسبات- هو "ملك الشعب"، ويجب أن يبتعد عن السياسة وأن يظل كذلك، ويجب أن يكون ولاؤه للدولة؛ ولذلك فإني لا أريد أن أزج بقلمي في اتهامات حزبية، وسيان عندي أن يكون النقراشي أو حيدر أو إبراهيم عبد الهادي أو أي رجل من رجال العهد السابق هو المسئول عن حملة فلسطين، وإني أرحب بالتحقيق مع أي منهم إذا كان هناك وجه للتحقيق معه؛ ولكني أخص حيدر باشا وحده بما أكتبه؛ لأنه لا يزال متمتعًا بسلطانه رغم فشله، ولأني أكتب عن المسئولية الإدارية والفنية والعسكرية..
أما المسئولية الدستورية، فمن أراد أن يبحثها من الزملاء الأعزاء فليبدأ بما نشر في بعض الصحف "وثيقة الاتصال"، وبعد تعيين حيدر باشا وزيرًا للحربية؛ من أن معاليه سيكون وزيرًا دائمًا للحربية؛ أي: وزيرًا للحربية في كل وزارة، ولينته الزملاء الأعزاء عند الأزمة الصامتة السريعة التي قامت عند تأليف وزارة الوفد الحالية، والتي كان من جرائها تعيين حيدر باشا قائدًا عامًّا للقوات المسلحة!!
أما أنا فإذا امتنعت عن الكتابة في المسئولية الدستورية؛ فلأني تعهدت أمام النيابة في قضية سابقة بعدم التعرض لهذه الناحية.
ولنعد إلى مسئولية حيدر باشا..
إن معاليه كان يعلم مدى النقص في أسلحة الجيش وذخيرته ومعداته وتدريب جنوده، ويعلم أن هذا النقص وصل إلى حد أن أوقفت التدريبات السنوية لضرب النار، وحدد الضرب بأقل من "المرتب" المعتاد في بعض الوحدات؛ وذلك لعدم وجود طلقات..
وقد حدث في إبريل عام ٤٨ -أي: قبل إعلان الحرب بشهر واحد- أن جاء اللواء أحمد محمد علي المواوي بك إلى القاهرة من مركز قيادته من العريش ليحضر مؤتمرًا لقواد الأسلحة، عقد في مكتب عثمان باشا المهدي رئيس هيئة أركان حرب، وحضره مدير مكتب حيدر باشا نائبًا عن معاليه.. وأبدى قواد الأسلحة -بما فيهم المواوي بك- في هذا المؤتمر مدى النقص الخطير في الأسلحة والعتاد بين جميع الوحدات، وحُمِلَ محضر هذا المؤتمر إلى معالي حيدر باشا.
стр. 248
وبعد أيام عقد في بلودان مؤتمر مثلت فيه جميع الدول العربية، وتقرر فيه عدم دخول الجيوش النظامية فلسطين؛ اكتفاء بالقوات المتطوعة من بين هذه الجيوش، واكتفاء بمساعدة مجاهدي فلسطين مساعدات فعالة واسعة المدى.
وبعد أيام أخرى وقف المغفور له النقراشي باشا في مجلس النواب وقال في جلسة سرية: إنه تقرر ألا يدخل الجيش المصري النظامي فلسطين، لا لعدم استعداده؛ بل لأن ليس من كرامة الجيوش النظامية أن تحارب عصابات يهودية غير منظمة، ولأنه قد يكون هناك احتمال واحد في الألف، ألا ينتصر الجيش المصري انتصارًا مشرفًا ساحقًا فينتقص هذا من سمعته؛ ولذلك فقد تقرر الاكتفاء بدخول قوات المتطوعين ومساعدتها بالسلاح والرجال.. وبعد أيام أخرى وقف النقراشي باشا في البرلمان المصري مرة ثانية ليقول: إنه قد تقرر دخول الجيش المصري فلسطين، وليقول: إن الجيش مستعد لهذه الحملة التأديبية تمام الاستعداد..
وبذلك تحمل حيدر باشا المسئولية الإدارية والفنية والعسكرية لحملة فلسطين؛ بوصفه الوزير المختص، والوزير الذي يبلغ مجلس الوزراء والبرلمان حقيقة حالة الجيش..
حالة الجيش:
ولكي أبين حقيقة حالة الجيش عند بدء الحملة وفي خلالها، أنقل للقارئ فقرات من محضر رسمي بأقوال سعادة المواوي بك سجل بتاريخ ١١ نوفمبر عام ٤٨ "سعت ٦٠٠":
١- أبان المواوي بك أن العجز الظاهر في مقدرة الوحدات عمومًا -ولا سيما وحدات المشاة- راجع إلى انعدام تدريب هؤلاء الجنود قبل إحضارهم إلى الميدان.
٢- اعترف المواوي بك أنه لم يشأ في وقت ما أن يخجل من إظهار هذه الحقيقة السافرة لرؤساء الجيش، حين كلف بقيادة الجيش في العمليات..
٣- أظهر المواوي بك أنه وقد خدم في الجيش في منطقة العريش قبل قيام الحملة فترة طويلة من الزمن لم يكن لديه أي تسهيلات لإجراء تدريب مشترك للوحدات التي كانت وقتئذ بالعريش.
стр. 249
٤- سجل عزته أن لواء التدريب بعد إنشائه بالقاهرة لم يتفرغ في وقت ما لإتمام تدريبه، وكانت تطلب وحداته للقيام بأعمال تتعارض مع التدريب، وكانت النتيجة الحتمية لذلك أنه لم يستطع أن ينهض بذلك اللواء إلى الدرجة التي كان ينشدها، وإلى الدرجة التي كانت تمكن الجيش في وقت ما من خوض معركة ما..
٥- "غير قابل للنشر"..
٦- انتقل بعد ذلك إلى الكلام عن بقية أسلحة الجيش، فبدأ بسلاح خدمة الجيش الذي كان عاجزًا تمامًا في بدء العمليات عن إمداد الوحدات بالعربات اللازمة مما أجبره على استئجار عربات مدنية لمساعدته في أعمال الحملة..
٧- "غير قابل للنشر"..
٨- تكلم عن حالة الطائرات، فأبان أنها كانت على درجة عالية من التحكم في الجو حين لم يكن للعدو نشاط جوي نذكره، ولما طال الزمن وخسرنا العدد الكثير من الطائرات والطيارين تمكن العدو بعد أن جلب طائرات عديدة حديثة النوع من انتزاع السيطرة الجوية بالكلية.
٩- الفرسان كانت عريانة قديمة الأزل، والدبابات الخفيفة كانت بحالة يُرْثَى لها، ولم تستطع أن تؤدي واجبها على ما يجب..
١٠- أطنب سعادته في مدح المدفعية قائلًا: إنها أدت واجبها إلا أنها قليلة بالنسبة لعدد الجيش..
واختتم المواوي بك كلامه قائلًا: "ليس عندي ما أضيفه إلى ما ذكرت سوى: إن كانت مصر ترغب في أن تقوم بعمليات واسعة النطاق بعد ذلك، فليس لدى السلطات المسئولة من حل سوى أن تفكر تفكيرًا جديًّا في إصلاح الجيش إصلاحًا شاملًا".
الجبهة الثانية:
كانت هذه هي حالة الجيش عند بدء حملة فلسطين وخلالها، ورغم ذلك لم تكن الحملة خطأ كاملًا، فقد استطاع هذا الجيش أن ينتصر في المواقع الأولى،
стр. 250
وأن يصل إلى أبواب تل أبيب، وكان يمكن أن يتم له النصر النهائي لو أن حيدر باشا استطاع أن يستفيد من الهدنتين اللتين أعلنتا خلال الحملة، ولو أن سعادته استطاع أن ينتصر في الميدان الخارجي، أو الجبهة الثانية التي فتحها في أسواق أوربا لشراء الأسلحة والذخيرة.. ولكن معاليه هزم في الجبهة الثانية كما هزم في الجبهة الأولى، وكانت هزيمته ترجع إلى سوء اختياره للرجال، وإلى سوء التصرفات، وهي التصرفات التي يحمل معاليه مسئوليتها، سواء كان يدري بها أو لا يدري، وكما يقول الشاعر القديم:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
وكانت هزيمته في هذه الجبهة الثانية بمثابة تحطيم مخازن الأسلحة للجيش، وكان انتصار العدو في هذه الجبهة معناه انتصارهم في ميدان فلسطين دون حاجة منهم لأن يطلقوا طلقة واحدة..
ولكن، هل كان هذا هو كل ما يتحمله حيدر باشا من مسئولية؟
والخطة الحربية نفسها التي اتبعت، هل كانت خطة عاقلة؟
إني لا أدعي علمًا بالخطط الحربية، ولا أستطيع أن أناقش حيدر باشا وهو القائد العام العبقري الهمام.. ولكني لن أناقشه؛ بل سأكتفي بأن أنقل إلى سعادته صورًا من الأوراق التي يحتفظ بها في وزارته.. وليبق سعادته في منصبه سبعة أيام أخرى ليقرأ المقال التالي!! ١