ونموذج لذلك ما كتبه كامل زهيري في عموده اليومي "من ثقب الباب"، الذي ينشر يوميًّا في الصفحة الأخيرة بالجمهورية.. حيث بدأ العمود قائلًا:
"توقفت عند خطاب الأستاذ خالد الحسن رئيس وفد فلسطين في المؤتمر البرلماني العربي حين قال: إنه وُلد في يافا ولا يستطيع العودة إليها..
وكثيرون من الفلسطينيين الذين أعرفهم ولدوا على أرض فلسطين -مثل خالد الحسن- ولا يستطيعون العود إليها"١.
ثانيًا: جسم العمود الصحفي:
وهو يضم جوهر المادة التي يحتويها العمود الصحفي.. وقد يشمل النقاط التالية:
١- الأدلة أو الشواهد أو الحجج التي يؤكد بها الكاتب رأيه.
٢- تفاصيل الحدث أو الصورة الحية أو القصة أو المشكلة أو القضية التي يطرحها الكاتب على القراء.
٣- وعندما يكون العمود عبارة عن سؤال من القارئ وإجابة من الكاتب، فإن جسم العمود الصحفي يتضمن إجابة الكاتب على سؤال القارئ.
ثالثًا: خاتمة العمود الصحفي:
وهي كالمقال الافتتاحي أهم جزء فيه؛ حيث تتضمن رأي الكاتب وخلاصة ما يريد قوله للقراء، وقد تشمل خاتمة العمود الصحفي على النقاط التالية:
١- خلاصة رأي الكاتب في الحدث أو القضية أو المشكلة التي يعرضها.
٢- العبرة أو الموعظة أو الحكمة التي يخرج بها الكاتب.
٣- النصيحة التي يقدمها الكاتب للقراء بعد أن يجيب على سؤال يقدم له من قارئ في الأعمدة التي يكون موضوعها الإجابة على بعض أسئلة القراء٢.
стр. 177
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة العمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للعمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل
стр. 178
نموذج للعمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
شكل اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- بدأ الكاتب عموده الصحفي بحكمة فقال:
الطريق إلى النار محفوف بالنيات الطيبة. كلمة حكيمة، ويقال: إنها حديث شريف.
- أما جسم العمود الصحفي فقد حشده الكاتب بالأدلة والشواهد والحجج المنطقية التي تؤكد المعنى الذي أراد الوصول إليه من خلال هذه الحكمة:
أي: من الممكن أن يكون الإنسان حسن النية، ومع ذلك يكون ضارًّا تمامًا، كأن تشفق على ابنك المريض فتعطيه طعامًا ممنوعًا. فأنت بمنتهى حسن النية قد أصبته بضرر بليغ!
من مثل ذلك يقال في التليفزيون للشباب: فالشباب لا يعجب الآباء والمربين والساسة ورجال الدين. فهم "متعصبون" أو "متشددون" في دينهم؛ ولذلك لا بد من شفائهم من هذا المرض!
ولقد سمعت أستاذًا فاضلًا يطالب بفتح الساحات الشعبية للشباب؛ لكي يلعب الكرة. فالشباب لديه طاقة هائلة لا يعرف كيف ينفقها. ولا علاج له إلا الرياضة التي تهد حيله. فإذا عاد إلى البيت ارتمى على الفراش نائمًا خامدًا، وبذلك لا يفكر في دينه أو في دنياه؟!
стр. 179
وهو كلام مفيد؛ ولكنه ليس العلاج، تمامًا كما يصف الطبيب لأحد المرضى أن يتعاطى القطرة مع أنه يشكو من أوجاع في بطنه.
فالقطرة دواء؛ ولكنها ليست لهذا المرض!
وعيب هذا الذي يقال للشباب هو أننا ننظر إليهم على أنهم مرضى شواذ ووحوش ضارية، يجب أن نقلم أظافرها وأنيابها، ونكتم أنفسها ونبدد طاقتها، مع أن الذي نواجهه ليس مرضًا. فهم شباب مؤمن بالله؛ ولذلك فهو متمسك بالقيم الأخلاقية التي يطالب بها الذين هم أكبر سنًّا؛ إذن فالمرض -إن كان هناك- هو التمسك المتشدد بتعاليم الدين. وليس الدين، أي دين. إذن العلاج هو: كيف تخفف قبضهم على دينهم؟ أي: كيف نطلق سراحهم من هذه الأقفاص الحديدية التي حبسوا أنفسهم فيها؟
- أما خاتمة العمود، فقد حملت خلاصة رأي الكاتب في الموضوع، والعبرة أو النصيحة التي يقدمها في الموضوع:
العلاج هو أن نناقشهم، وأن نفكر معهم، وأن نحترم عقولهم، فهم صغار، وكانت لنا أفكار أسخف من ذلك كثيرًا!
أنيس منصور
- أنواع العمود الصحفي:
هناك خمسة أنواع من العمود الصحفي؛ وهي:
١- العمود الصحفي الذي يغلب عليه الاهتمام بالشئون العامة.. فيتعرض لمختلف القضايا كالسياسة أو الاقتصاد، أو لشئون الأدب والفن، أو لقضايا الحب والزواج والطلاق ومشاكل الحياة الاجتماعية اليومية.. ولكن من الزاوية التي تهم القراء.. وتمس مشاعرهم.. ومن أمثلة هذا العمود في الصحافة العربية: فكرة لمصطفى أمين، ومواقف لأنيس منصور، ومن القلب لمحسن محمد، ومن ثقب الباب لكامل زهيري، وغيرهم.
стр. 180
ونقدم نموذجًا لهذا النوع: العمود الذي كتبه مصطفى أمين عن المشاكل العاطفية للشباب، وذلك في عموده اليومي "فكرة" بصحيفة الأخبار القاهرية.
شكل اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
شباب كثيرون يكتبون لي رسائل دامية. كلماتها تذرف دموعًا. سطورها تقطر دمًا. إنها دائمًا القصة الدائمة: طالب أحب طالبة وتعاهدا على الحب إلى الأبد. ولكن الأبد لا يستمر طويلًا! ثم يموت الحب فجأة بالسكتة القلبية في قلب الفتاة، أو تغير رأيها، أو يضغط أهلها عليها لتتزوج العريس "الجاهز" الواقف بالباب!
وكل واحد من هؤلاء يقول: إن الصدمة قد حطمته، وإن الخيانة قضت عليه، بعضهم كره الحياة، وبعضهم كره النساء، وبعضهم أصيب بمرض مزمن، وبعضهم يفكر في الانتحار. وكل هذا كلام فارغ، فليس في استطاعة أي امرأة أن تقضي على رجل. وكل واحد من هؤلاء الشبان سعيد الحظ؛ لأنه لم يتزوج الفتاة التي تخلت عنه. فخير لك أن تتركك المرأة وأنت على شاطئ البحر، من أن تتخلى عنك وأنت في وسط البحر..
وكل واحد منا محتاج لامرأة تصمد معه في العواطف، لا تطير أمام هبوب الرياح. في حاجة إلى جبل يقاوم أعاصير الحياة، لا إلى امرأة من قش يحرقها عود ثقاب، في حاجة
стр. 181
إلى شريكة حياة تسير معه فوق الشوك، تقتحم الصعوبات، تتغلب على أزمات الحياة. أما الحب الذي لا يصمد للإغراء، ولا يصمد للضغط، ولا يصمد أمام مغريات الحياة، فهو حب زائف.
الفجيعة في الحب لا تجعل الرجل ينتحر؛ بل تجعله يتحدى، ويبدأ من جديد، ويثبت للمرأة التي أحبها أنها هي التي لا تستحقه، فهو يضاعف اهتمامه بدراسته ولا يتخلى عنها، ولا يكره كل النساء؛ لأن امرأة واحدة تخلت عنه. نحن لا نمتنع عن أكل البرتقال؛ لأننا وجدنا برتقالة واحدة مليئة بالدود!
وقبل أن تحكم على امرأة أحببتها اسمع دفاعها عن نفسها. فليس أسوأ من الظالم الذي يحكم على الناس دون أن يسمع دفاعهم. وليس أسوأ من القاضي الذي يحكم وهو غاضب. انتظر حتى تهدأ، وفكر في موقف هذه الفتاة. ضع نفسك مكانها. أنت تتصور أنكما تستطيعان أن تعيشا على الحب. الحب أهم من الغرفة وأهم من المهر وأهم من الطعام. ولكن غيرك يرى أن الحب لا بد أن يجد غرفة يسكنها، ولا بد أن يجد فراشًا ينام فيه، ولا بد أن يجد طعامًا يأكله. إنه من الممكن أن نعيش على الحب وحده شهرًا وشهرين، ونجوع ونتعرى ونتشرد. ولكن بعد الشهرين لن نستطيع أن نقاوم الجوع، ولا بد أن نجد مأوى، ولا بد أن نغطيه خشية أن يصاب بالبرد. ربما تستطيع أن تصبر عشر سنوات حتى تعد نفسك لهذا الزواج، ومن سوء الحظ أن آباء الفتيات وأمهاتهن لا يؤمنون بأن في التأني السلامة
стр. 182
وفي العجلة الندامة. أغلب الأمهات يرغبن في زواج بناتهن في أقرب فرصة ممكنة!
سوف تدهش، أن الحياة سوف تعوضك عما فقدت. ستعطيك الأيام عروسًا أجمل وأذكى وأكثر صبرًا واحتمالًا!
والزوجة الصبورة المؤمنة هي أحسن زوجة في العالم!
مصطفى أمين
٢- العمود الصحفي الذي يغلب عليه الاهتمام بالنقد الاجتماعي اللاذع والقائم على السخرية "المضحكة المبكية" من الظواهر السلبية في المجتمع، مثال ذلك عمود "صندوق الدنيا" لأحمد بهجت في صحيفة الأهرام.. وعمود "١/٢ كلمة" لأحمد رجب في صحيفة الأخبار.
ونقدم نموذجًا لأحمد بهجت، وهو عن أزمة المرور في شوارع مدينة القاهرة، ويلاحظ عليه الطابع الساخر المصاغ في قالب شبه أدبي:
стр. 183
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
٣- العمود الصحفي الذي يقوم على ذكر أسئلة أو خطابات تصل إلى الكاتب من القراء.. ثم يتولى الرد أو التعليق عليها، أو يكتفي بنشر الأسئلة أو الخطابات دون رد أو تعليق بما يعني موافقته على ما جاء بها من أفكار أو آراء.
وأبرز الأعمدة الصحفية التي تقوم على هذا الأسلوب عمود "ما قل ودل" لأحمد الصاوي محمد.. في صحيفة الأخبار.. وهذا نموذج منه:
стр. 184
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
٤- العمود الذي يقوم على الحوار الذي يخلقه الكاتب، سواء على لسانه أو لسان غيره.. وهو قد يأخذ شكل المونولوج؛ أي: الحوار مع نفسه، أو يأخذ شكل الديالوج؛ أي: الحوار مع غيره.. فمرة يأخذ العمود شكل الحوار بين أستاذ وتلميذه.. ومرة يأخذ شكل الحوار بين عجوز وشاب.. ومرة يأخذ شكل الحوار بين رجل وامرأة.. وفي كل
стр. 185
الحالات فإن الكاتب يحرص على جذب اهتمام القارئ بالموضوع عن طريق التجديد في البناء الفني للعمود.
ومثال ذلك ما كتبه محمد زكي عبد القادر في عموده اليومي "نحو النور" في صحيفة الأخبار عن الإرهاق الذي يعانيه الطلاب في المذاكرة استعدادًا للامتحانات:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
стр. 186
٥- العمود الصحفي الذي يقوم على وصف الطرائف والمفارقات.. وهو يهدف إلى تسلية القارئ عن طريق التركيز على الوصف الكاريكاتوري للجوانب الغريبة أو الطريفة في الحياة وفي المجتمع. ومثال ذلك عمود "صباح الخير" الذي يكتبه جهاد الخازن في صحيفة الشرق الأوسط:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
стр. 187
فن اليوميات الصحفية:
اليوميات الصحفية ليست في حقيقة الأمر سوى مجموعة من الأعمدة الصحفية يكتبها كاتب واحد.. ومرة واحدة في الأسبوع.. فالفقرات التي تضمها اليوميات إذا أخذت كلًّا منها على حدة.. لما اختلفت كل فقرة منها عن العمود الصحفي في شيء.. سواء في موضوع اليوميات أو لغتها أو في بنائها الفني القائم على الهرم المعتدل، فموضوعات اليوميات الصحفية يمكن أن تستوعب السياسة والاقتصاد والاجتماع وقضايا الفكر والفن والأدب، وكذلك مشاكل الناس وهمومهم.
ولغة اليوميات تجمع -شأنها شأن العمود الصحفي- بين بساطة اللغة الصحفية وجمال اللغة الأدبية، وكذلك في كونها تقوم على التجربة الذاتية للكاتب.
وقد انتشرت اليوميات الصحفية في الصحافة العالمية والعربية في النصف الأول من هذا القرن.. وخاصة في أوقات ازدهار صحافة الرأي.. ولكن كثيرًا من الصحف بدأت تخلي صفحاتها من هذا الفن الصحفي مع بداية ربع القرن الأخير.. حيث بات من النادر أن تجد صحيفة تفرد مساحة من صفحاتها لهذا الفن. وبعد أن كان فن اليوميات بابًا رئيسيًّا من أبواب الصحف والمجلات العربية -وغالبًا ما تفسح له صفحتها الأخيرة- صار من النادر أن تجد صحيفة أو مجلة عربية ما زالت تحتفظ بهذا اللون من الألوان الصحفية. ويمكن أن نرجع هذه الظاهرة إلى عاملين:
أولهما: أن فن العمود الصحفي صار يؤدي جميع وظائف اليوميات، بالإضافة إلى تميزه بصغر المساحة التي يشغلها من الصحيفة.
وثانيهما: تراجع صحافة الرأي وغلبة صحافة الخبر على الصحافة المعاصرة.
وعلى سبيل المثال فإن الصحيفة اليومية الوحيدة في مصر التي ما تزال تحتفظ بفن اليوميات هي صحيفة الأخبار القاهرية، والتي ما تزال تفسح له مساحة كبيرة من صفحتها الأخيرة.
стр. 188
والنموذج الذي اخترناه من فن اليوميات الصحفية.. هو إحدى يوميات صحيفة الأخبار.. وهو يحتوي على ثلاث فقرات.. كل منها أشبه بالعمود الصحفي.
شكل يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- في الفقرة الأولى من هذه اليوميات تناول الكاتب بالتعليق والمناقشة قضية ارتفاع الأسعار، وقد وضعها تحت خواطر يوم "الجمعة"، ويلاحظ أن البناء الفني لهذه الفقرة يتماثل تمامًا مع البناء الفني للعمود الصحفي، فقد أثار الكاتب في المقدمة قضية الأسعار؛ حيث ذكر:
الجمعة:
لا نغالي إذا قلنا: إن القاسم المشترك الأعظم في كل حديث يجري بين اثنين أو أكثر في أي مكان من بلادنا هذه الأيام، هو حديث الأسعار وزمامها الذي أفلت، وأحال حياة الجانب الأعظم من أبناء شعبنا إلى عذاب وهم مقيم.
- أما جسم الفقرة، فقد حوى على الأدلة والشواهد التي يؤكد بها خطورة القضية التي يثيرها.. أي: قضية ارتفاع الأسعار:
ولن أحاول أن أعفي المسئولين عن إفلات زمام الأسعار الذي شمل كل شيء؛ بل وأصبح يجري بصورة آلية دون قواعد ولا روابط.. وبلا أسباب أو مبررات في أغلب الأحيان.
стр. 189
بيد أننا لا نستطيع في الوقت ذاته أن نعفي المستهلكين أنفسهم من جانب كبير من المسئولية عن تفشي هذه الظاهرة التي تمس حياة كل فرد منا، فإن موقف اللامبالاة الذي يقفه أغلبنا تجاهها، هو المشجع الأكبر على فتح شهية الجشع الذي لا يرتوي، والذي نرى آثاره في ذلك الارتفاع الحلزوني الذي لا يجد رادعًا يوقفه.
ولست أدعو المواطنين إلى التصدي فرادى للباعة والتجار الجشعين، فإني أعلم جيدًا ما يمكن أن يصيبهم من أذى وعدوان في تلك الحالة، وهو ما يحول دون الإقدام على أي مواجهة مع هؤلاء التجار، وخاصة إذا كان الزبون واهن القوى أو سيدة حريصة على كرامتها.. ومن ثم فإن أسلم الطرق وأكثرها فاعلية في هذا المجال، هو تضافر جمهور المستهلكين في كل حي أو جزء من حي لتكوين جماعة تدافع عن حقوقهم ومصالحهم، وتتصدى بصورة إيجابية لكل محاولة جشعة لاستغلال جماهير المواطنين دون مبرر.
مثل هذه الجمعيات التي تدافع عن المستهلكين موجود في دول عديدة متقدمة، لم يفلت فيها زمام الأسعار بالصورة التي نشهدها اليوم في مختلف مدننا الكبرى والصغرى على السواء.. وكثير من هذه الجمعيات يضم ربات البيوت باعتبارهن أول من يكتوى بموجة الغلاء وارتفاع الأسعار.
ومنعًا لحدوث أي احتكاك مباشر بين جمعيات المستهلكين والتجار، فإن من الأفضل أن تكون مهمة هذه الجمعيات ومندوبيها في البداية مجرد المراقبة ولفت النظر في هدوء
стр. 190
إلى محاولة لاستغلال المواطنين، وفي نفس الوقت إبلاغ المسئولين عن مراقبة الأسعار للقيام بواجبهم لوقف هذا الاستغلال مستخدمين قوة الدولة وسلطانها.
ولا شك أن عدم الالتزام بوضع السعر على كل سلعة، وتقديم إيصالات بثمنها -كما هو الحال في كل دول العالم- يشجع الكثيرين ممن ماتت ضمائرهم على التلاعب في هذه الأسعار، وفقًا لأهوائهم وجشعهم.. والحل هنا هو تشديد العقوبات على عدم وضع السعر فوق كل سلعة مهما كان ثمنها، ففي الخارج نجد هذا السعر موضوعًا في كل شيء يعرض للبيع، ولو كان ثمنه لا يتجاوز بضعة قروش أو ملاليم.
- أما خاتمة الفقرة، فقد تضمنت خلاصة رأي الكاتب واقتراحاته في قضية ارتفاع الأسعار:
شيء آخر نرجوه فيما يتعلق بالحماسة السائدة اليوم حول الأسعار وعلاج ظاهرة ارتفاعها المستمر.. وهو ألا تكون صورة أخرى من أسبوع النظافة، وأسبوع المرور، وأسبوع منع الضجيج ... إلخ، ثم يعود كل شيء كما كان.. وألعن!
- أما الفقرة الثانية في هذه اليوميات، فقد حملت عنوانًا فرعيًّا هو "لمسة وفاء تثير الشجون"، ووضعت تحت خواطر يوم السبت، وهي تماثل تمامًا العمود الصحفي الذي يقوم على إبراز الأسئلة أو الخطابات التي تصل إلى الكاتب من القراء، والتي يتولى الرد والتعليق عليها.. بحيث تضمنت مقدمة الفقرة الإشارة إلى رسالة القارئ:
стр. 191
لمسة الوفاء تثير الشجون
السبت:
مست كلمتي عن تكريم العاملين الذين أفنوا زهرة شبابهم وعمرهم كله في وظائفهم عند تقاعدهم وترًا حساسًا لدى الكثيرين ممن مروا بهذه التجربة، وقد أعربوا في رسائلهم عن أحاسيسهم بالمرارة وخيبة الأمل التي أصابتهم بعد أن بلغوا سن المعاش.
- أما جسم الفقرة، فهو يتضمن نص رسالة القارئ أو جانبًا منها، ثم رد الكاتب عليها:
يقول الأستاذ محمد عزازي المسيري من الإسكندرية: لقد هزتني كلمتك بعنوان "لمسة وفاء نفتقدها.." وجعلتني أستعرض سنينًا من عمري جاوزت الثلاثين في خدمة هذا البلد. منها ما يقارب العشرين عامًا في ديوان محافظة كفر الشيخ، هي عمر الحكم المحلي كله. ثم أتذكر أيامًا كانت تدنيني من سن الستين في يونيو ١٩٧٩، وانتظرت في أمل أن يكون هذا اليوم جديرًا بمن عمل للدولة كل هذا العمر الطويل، وبتقارير لا تقل عن امتياز.. وانتظرت أن يدخل الوزير المحافظ -الذي كان رجل بروتوكول عندما عمل مديرًا لمكتب رئيس الوزراء السابق- مكتبي ليقول كلمة رقيقة بهذه المناسبة، وأن يحذو حذوه وكيل الوزارة السكرتير العام..
ولكن اليوم مر مع الأسف والألم، ومرت كل الأيام حتى اليوم دون أن يحدث شيء من ذلك.
وأستعرض وأنا أقرأ كلمتك أنواعًا من البشر أقيمت لهم حفلات، وقدمت الهدايا السخية التي جمع ثمنها بالأمر من العاملين.. وأتذكر نوعية هؤلاء وسلوكهم.. ونوعية أولئك الذين خدموا بإخلاص وأمانة.. ولم يقل لهم أحد: "شكرًا ومع السلامة".
стр. 192
وتمر الذكريات.. وفي حفل أقامه خريجو كلية فيكتوريا بالإسكندرية، وقد دعيت إليه كأستاذ أمضى عامين فقط مدرسًا بها، ويقف الابن البار العزيز الوزير منصور حسن ليقدمني أكرم تقديم، ويعترف بفضل أستاذه وأستاذ الكثيرين ممن حضروا هذا اللقاء، بكلمات لم أتمن يومًا أن يقال عني ولو بعضها، مما جعل الدموع تترقرق في عيني.
وعزائي الوحيد يا أخي أنني أرضيت الله والأخيار من خلق الله، فأكرمني الله وبارك لي في أسرتي وفيمن علمتهم.. وتكفيني نظرة حب أقرأها في عيون الأحباب في ديوان المحافظة تعبر عما في قلوبهم من عرفان وتقدير.. وكأنها تقول: الله موجود.
- أما ختمة الفقرة، فقد تضمنت رأي الكاتب واقتراحاته حول الموضوع:
أما آن للشيوخ المصريين أن ينالوا من العطف والتكريم مثلما ينال إخوانهم هؤلاء؟ إنني أرجو أن تتبنى أخبار اليوم الدعوة لمؤتمر لشيوخ مصر يعقد في العام القادم.
- أما الفقرة الثالثة والأخيرة في هذه اليوميات، فقد جاءت تحت عنوان "هذا التشويه للروائع العالمية" وهي عن خواطر نقدية يسجلها الكاتب عن إحدى تمثيليات التليفزيون، وقد وصفها تحت خواطر يوم "الأحد"، وقد اختار الكاتب أن يضع في مقدمة هذه الفقرة القضية التي تثيرها هذه التمثيلية.. وهي تشويه التليفزيون للروائع العالمية:
هذا التشويه.. للروائع العالمية:
الأحد:
إن ما أراه الآن على شاشة التليفزيون من حلقات يقال: إنها مأخوذة عن هذه الرواية التي خلدت اسم صاحبتها شارلوت برونتين
стр. 193
منذ كتبتها من حوالي قرن ونصف قرن، رغم أنها إنتاجها الوحيد في عالم القصة.. يثير في نفسي آلامًا شديدة لهذا التشويه العجيب الذي أراه في أحداث القصة التي تناولها المسرح المصري والسينما العالمية والمصرية، ونالت نجاحًا ما زال مشهودًا به في عالم الفن.
- أما جسم الفقرة، فقد تضمن الأدلة والشواهد والحجج التي يؤكد بها الكاتب رأيه، وذلك من خلال الخلفية التي يقدمها عن هذه التمثيلية، وكذلك من خلال رأيه في التشويه الذي أصابها عندما تحولت إلى عمل تليفزيوني:
"مرتفعات ويذرنج" رواية لها ذكرى عزيزة في قلبي ونفسي منذ أن ترجمتها لأول مرة في مصر في مطلع الأربعينات، وقد شدتني بما فيها من صراع العواطف البشرية والانفعالات والتحليل الدقيق لمختلف المشاعر الإنسانية بما فيها من حب ونضال وثأر للكرامة الجريحة.. وقد أشار علي بتقديمها للقارئ العربي يومئذ أستاذي الفنان العريق زكي طليمات، وأحضر لي نسختها الإنجليزية من صديقه المرحوم القصصي الكبير محمود تيمور.
وإذا كان مجرد التذرع بتمصير القصة الخالدة حجة كافية في نظر مَن قاموا بهذا التشويه، فقد كان في الإمكان الالتزام بالأسس التي قام عليها الصراع الأصلي في القصة بصورة أكثر توفيقًا من هذا، إلى جانب عدم التوفيق في اختيار الملابس والعادات والديكور التي تناسب الحياة في الريف المصري في مطلع الثلاثنيات كما أراد مقتبس القصة.
стр. 194
ولست أدري هل كاتب السيناريو هو المسئول عن عدم تقمص أحمد زكي شخصية بطل القصة الأصيلة "هيثكليف" الذي كان يشبه بالجواد البري الجامح أو الإعصار العنيف الذي تدفعه مشاعره الجارفة إلى اكتساح كل شيء في طريقه.
أما محيي إسماعيل، فقد قلب دور شقيق البطلة إلى صورة كاريكاتير هزلية، يقترب بها كثيرًا من شخصية الكوميدي الراحل عبد السلام النابلسي.
- أما خاتمة الفقرة، فقد حوت خلاصة رأي الكاتب في هذه الظاهرة:
وقد يكون ذلك شيئًا يثير البسمة على شفاه المتفرجين؛ ولكنها بسمة سخرية؛ لأن هذا هو أبعد شيء عن هذه الشخصية كما أرادتها شارلوت برونتين في قصتها الممتازة.
- ومن هذا النموذج لفن اليوميات الصحفية يتضح لنا فعلًا أن هذا الفن ليس سوى مجموعة من الأعمدة الصحفية.. وضعت في مساحة واحدة.. وتحت عنوان واحد.. وبقلم كاتب واحد.
стр. 195
المبحث الثالث: فن العمود الصحفي
...
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة العمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للعمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل
стр. 196
المبحث الرابع: فن المقال النقدي
المقال النقدي: هو الذي يقوم على عرض وتفسير وتحليل وتقييم الإنتاج الأدبي والفني والعلمي.. وذلك من أجل توعية القارئ بأهمية هذا الإنتاج، ومساعدته في اختيار ما يقرأه أو يشاهده أو يسمعه من هذا الكم الهائل من الإنتاج الأدبي والفني والعلمي الذي يتدفق كل يوم، سواء على المستوى المحلي أو المستوى الدولي١.
مجالات المقال النقدي:
تتسع مجالات اهتمام المقال النقدي لتشمل غالبية النشاط الإنساني الأدبي والفني والعلمي.. ويمكن أن نشير إلى أبرز هذه المجالات في النقاط التالية:
١- الإنتاج الأدبي من قصص وروايات وشعر وأغانٍ.
٢- الإنتاج المسرحي، سواء كان إنتاجًا مطبوعًا أو إنتاجًا معروضًا على المسرح.
٣- الإنتاج السينمائي من أفلام طويلة وأفلام قصيرة.. وأفلام كارتون وأفلام تسجيلية.
٤- الإنتاج الإذاعي والتليفزيوني من تمثيليات وأغانٍ وبرامج منوعة، وغير ذلك من ألوان الإنتاج الإذاعي والتليفزيوني.
٥- الفنون التشكيلية من رسوم وصور ونحت وغيرها مما يدخل في مجال الفنون التشكيلية.
стр. 197
٦- الإنتاج العلمي ممثلًا في المؤلفات والكتب الجديدة، أو المقالات والأبحاث والدراسات، سواء ما كان منها يرتبط بالعلوم الاجتماعية؛ كالتاريخ والفلسفة والاجتماع وعلم النفس والسياسة والاقتصاد وغيرها، أو ما كان متعلقًا بالعلوم الطبيعية؛ كالطب والكيمياء والفيزياء، وغيرها من العلوم١.
وظائف المقال النقدي:
يقوم المقال النقدي في الصحافة بأداء الوظائف التالية:
١- عرض وشرح وتفسير وتحليل الأعمال الأدبية الفنية والعلمية، والكشف عن أبعادها ودلالاتها المختلفة.
٢- تقييم شكل ومضمون العمل الفني والأدبي والعلمي، وذلك بالكشف عن جوانبه الإيجابية والسلبية.
٣- إرشاد القارئ ومعاونته على اختيار أفضل الأعمال الفنية أو الأدبية أو العلمية المناسبة وذات المستوى المرتفع.. فالمقال النقدي هو الذي يشير مثلًا على القارئ بالفيلم الذي يستحق أن يشاهده والفيلم الذي لا يستحق.. وكذلك الأمر بالنسبة للمسرحيات وبرامج التليفزيون ... والناقد في كل حالة من هذه الحالات يقدم للقارئ نصحيته من خلال الحجج المنطقية التي يدعم بها وجهة نظره.
٤- الكشف عن آثار ونتائج العمل الفني والأدبي على الجمهور المتلقي، فالناقد السينمائي لا يهتم فقط بإبراز نواحي الجمال أو القبح، ولا بنواحي الجودة أو الرداءة في الفيلم الذي ينقده ... وإنما يمكنه أن يقوم أيضًا بالإشارة إلى تأثير هذا الفيلم على جمهور المشاهدين، فإذا كان بالفيلم جرعة زائدة من الجريمة أو الجنس أو الانحراف مما يشكل خطرًا على الشباب؛ لكان من حق الناقد أن يكشف عن مثل هذه الآثار، وله أن يقترح من الآراء ما هو كفيل بمعالجة هذه العيوب؛ كأن يطالب بمنع عرض الفيلم مثلًا أو حذف الأجزاء التي يرى خطورتها، أو يكتفي بالمطالبة بمنع عرض الفيلم لمن هم أقل من ١٦ سنة! ٢..
стр. 198
لغة المقال النقدي:
إذا كان المقال الافتتاحي يمثل اللغة الصحفية الخالصة.. أي: تلك اللغة العربية الفصحى التي يستعملها المواطن العادي في حياته اليومية.. وإذا كان كاتب العمود الصحفي يجمع بين اللغة الصحفية واللغة الأدبية.. فإن المقال النقدي يجمع بين اللغة الصحفية واللغة العلمية١.
وذلك أن النقد نفسه -سواء كان نقدًا أدبيًّا أو فنيًّا أو علميًّا- يقوم على أساسين:
الأول: النظريات والقواعد والأصول العلمية.. والناقد الأدبي أو الفني أو العلمي ملتزم في كتابته للمقال النقدي بقواعد وأصول ونظريات العلم الذي تخصص فيه.
الثاني: انطباعات الكاتب الذاتية وذوقه الفني ورؤيته الفنية والفكرية الخاصة، فالمقال النقدي ليس مجرد عملية ميكانيكية لتطبيق قواعد علمية صارمة والخروج منها بنتائج محددة.. وإنما هو في نفس الوقت علم وفن.. ومزيج بين موضوعية العالم وذاتية الفنان، ولعل هذا هو الذي يفرق بين ناقد وآخر، رغم أنهما قد يتصديان لنقد عمل واحد.
ونخرج من ذلك بأن لغة المقال النقدي لا بد أن تجمع بين موضوعية ودقة اللغة العلمية وبين جمال وذوق اللغة الأدبية٢؛ ولكن لا يجب أن ننسى في الوقت نفسه أن المقال النقدي هو في النهاية من صحفي ينشر في الصحف ليفهمه قراء الصحف؛ وهو لهذا لا بد أن تتوفر فيه أيضًا ملامح وخصائص اللغة الصحفية؛ أي: البساطة والوضوح والسهولة.
بناء المقال النقدي:
يقوم بناء المقال النقدي على طريقة الهرم المعتدل٣، تمامًا كالمقال الافتتاحي والعمود الصحفي؛ بحيث يتضمن ثلاثة أجزاء:
стр. 199
١- مقدمة المقال النقدي:
وهي تشمل النقاط التالية:
١- القضية أو المشكلة أو الفكرة الهامة التي يثيرها موضوع العمل الفني أو الأدبي أو العلمي.
وعلى سبيل المثال، فإن أكثر الذين تعرضوا بالكتابة النقدية لمسرحية "بكالوريوس في حكم الشعوب" كان مدخلهم إلى الموضوع كونها أول مسرحية عربية تطرح بصراحة أزمة الحكم العسكري في دول العالم الثالث.
٢- التجديد أو التطوير أو العصر الجديد الذي يطرحه شكل ومضمون هذا العمل.
وعلى سبيل المثال، فإن أكثر المقالات النقدية التي كتبت عن أغنية "أنت عمري"، التي جمع لأول مرة بين موسيقى عبد الوهاب وصوت أم كلثوم.. وقد ركزت مقدماتها جميعًا على أهمية المقدمة الموسيقية الطويلة للأغنية، باعتبارها تطويرًا في شكل الأغنية العربية بما يعطي للموسيقى دورًا أكبر من الأداء من الكلمات.
٣- مدى إقبال الجمهور على العمل أو مدى إدباره عنه!
فالذين كتبوا عن فيلم "رجل لكل العصور" بدءوا مقالاتهم النقدية بإبداء الدهشة من عدم إقبال الجمهور على الفيلم، لدرجة أنه لم يمكث سوى أسبوع واحد في دار العرض! في حين يعتبر الفيلم من الناحية الفكرية والفنية من أهم الأفلام التي أنتجت في السنوات الأخيرة!
٢- جسم المقال النقدي:
وهو يضم النقاط التالية:
١- عرض موضوع العمل الفني أو الأدبي أو العلمي.
٢- تحليل وتفسير وشرح الأبعاد المختلفة للعمل.
٣- تقديم المعلومات الخلفية أو التاريخية للعمل نفسه أو الأشخاص المشتركين فيه.
٤- المقارنة بين هذا العمل وغيره من الأعمال المشابهة.
стр. 200
٣- خاتمة المقال النقدي:
وهي تشمل النقاط التالية:
١- التقييم النهائي للعمل وتحديد مستواه بالنسبة لغيره من الأعمال المشابهة.
٢- دعوة القارئ إلى سماع أو مشاهدة أو قراءة هذا العمل، أو دعوته إلى عدم الاهتمام به١.
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة المقال النقدي المبني على قالب الهرم المعتدل:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للمقال النقدي المبني على قالب الهرم المعتدل
стр. 201
ولنحاول مثلًا تحليل نموذج للمقال النقدي، وهو المقال الذي نشرته صحيفة الأخبار عن الفيلم الأمريكي "الجانب الآخر من منتصف الليل" أو "الرغبة المدمرة"، كما جاء في الترجمة العربية لاسم الفيلم حين عرض في إحدى دور العرض بالقاهرة:
الجانب الآخر من كل امرأة رجل ... والعكس! ١
- أكد الفيلم الأمريكي: "الجانب الآخر من منتصف الليل".. أن الجانب التقليدي في السينما ما يزال هو الأكثر نجاحًا ... وهذه مصيبة! وأن ميلودراما الحدوتة والسرد الطبيعي والأحداث المتلاحقة ... هو الأسلوب الفائز.. وهذه كارثة! ... وأن كل ما حاولت السينما الحديثة أن تحققه من تطور لم ينل نجاحًا يذكر أمام ذلك الأسلوب القديم الذي اتبعته السينما العالمية منذ اللحظة التي نطقت فيها!! فالفيلم يروي من ناحية "الموضوع" تاريخ حياة امرأة جميلة منذ بدأت حياتها العملية وهي لا تزال شابة صغيرة.. إلى أن استسلمت مع عشيقها للحكم بإعدامها رميًا بالرصاص.. ثم هو يتخذ من ناحية "الشكل" طريق بدء الرواية من نهايتها عن طريق فلاش باك طويل يمثل كل أحداث الفيلم عدا مشاهدة النهاية!.. وهذه الطريقة في كل من "الشكل والموضوع" هي النموذج الخالد للأسلوب التقليدي.. ورغم ذلك، فإن الفيلم قد حقق عند عرضه في أمريكا وأوربا أرقامًا قياسية في الإيرادات.. وهو ما يحققه الآن في مصر أيضًا! ولكن يشفع له من أسباب نجاحه أيضًا.. تلك المهارة الواضحة في كل حرفيات السينما..
стр. 202
فالسيناريو "هيرمان روشير" و"دانيل تاراداس" متقن تمامًا، يجذب المشاهد في انهبار مستمر من مشهد لآخر.. والإخراج "شارل جاروت" يحرص على تحقيق الجو المناسب لطبيعة كل مشهد.. والموسيقى "ميشيل ليجران" تضفي مزيدًا من الدراما للمواقف ... كما بلغت كل من الفرنسية "ماري فرانس بيزيه" التي لعبت شخصية "نويل" والأمريكية "سوزان ساراندون" التي لعبت شخصية "كاترين" مستوى رائعًا في القدرة على الأداء بكل مراحل الشخصية المختلفة ... والفيلم مأخوذ عن كتاب حقق شهرة واسعة للروائي الأمريكي "سيدني شيلدون".. وقد رأيته في لندن في بداية العام الماضي.. ولاحظت ذلك الحشد الذي لا داعي له لمشاهد الجنس.. والتي التهمها مقص الرقيب قبل عرض الفيلم في مصر.. إلا أن كاتبا السيناريو قد التزما التزامًا كبيرًا بالنص الأدبي.. حتى في تقديم كل من شخصيتي "نويل" و"كاترين" بالتوازي.. كل منهما فصلًا أو فصلين على التوالي.. حتى تلتقيا مع أحداث النصف الأخير من الفيلم!
وتبدأ أحداث "الجانب الآخر من منتصف الليل" -ترجموه "رغبة مدمرة"- بالفتاة "نويل باخ" عام ٤٧ في أحد سجون اليونان تؤكد للمليونير اليوناني "ديميريس" الممثل "راف فالون" أنها بريئة من قتل "كاترين".. ثم تتوالى أحداث الفيلم من خلال فلاش باك طويل.. حيث نراها صغيرة جميلة ابنة أسرة فقيرة في مارسيليا عام ٣٩.. والحرب العالمية تدق الأبواب.. واسم هتلر يثير الهلع.. والأب الفقير يبيع ابنته لأحد التجار مقابل مبلغ من المال يشتري به راديو وبعض الملابس!.. إن الفتاة تكتشف هذه الحقيقة.. وتواجه بها
стр. 203
أباها.. فيؤكد لها أن مصالحهما مشتركة.. هو حصل على المال.. وهي ستحقق السعادة.. أنه ينصحها أن سلاحها الوحيد الذي يجب أن ترفعه في مواجهة مجتمع الحرب ... هو جمالها!
ورغم أن "نويل" تبكي وهي تهمس في وجه أبيها: "إنني حزينة عليك".. ورغم أنها تتركه وتهرب من وقع هذا الدرس الأول الذي ألقاه على مسامعها.. إلا أنها لم تنسَ هذا الدرس لحظة.. فقد عرفت كيف تستغل هذا السلاح.. حتى تحولت في باريس إلى عارضة أزياء.. وفي أمريكا إلى نجمة سينما.. وفي اليونان إلى خليلة لأخطر مليونير -وقد أعطى كل من مؤلف الكتاب سيدني شيلدون وكاتبا السيناريو الشبيه الواضح بأوناسيس! - ولكنها لم تنسَ أبدًا حبها الأول.. ذلك الطيار "لاري دوجلاس" -الوجه الجديد "جون بيك"- الذي أنقذها من الوَحْدَة والفقر الكامل لدى وصولها باريس.. وغمرها بحبه.. وقضت معه أجمل أيام حياتها.. لكنه طار في الهواء وتركها تحمل منه جنينًا بعد أن وعدها بالعودة في ميعاد محدد.. طالبًا منها أن تشتري فستان الزفاف!
لقد انتظرت طويلًا.. حتى علمت أنه قد اشترك في الحرب.. وأسقط من طائرات الأعداء أكثر مما سبق له أن أسقط من الفتيات.. وعندما تستغل "نويل" سلاح أنوثتها وتصبح خليلة المليونير اليوناني.. تتوصل بنفوذها ومالها إلى أن تعرف أن حبيبها الأول قد تزوج "كاترين".. وأنه يعمل بالطيران المدني.. فتشتري الهواء أن ترشي كل شركات الطيران.. حتى يفصل وتستأجره قائدًا لطائرتها الخاصة.. ثم تعيد معه أيام الهوى.. وتطلب منه أن يقتل زوجته؛ ليسعدا سويًّا بمال المليونير.
стр. 204
وتتوالى المفاجآت في الجزء الأخير من الفيلم.. فالزوج العاشق يفشل في قتل الزوجة.. لكنها من خلال الرعب تهرع إلى قارب في البحر الهائج وتختفي في خضم الأمواج! وعندما يتهم كلًّا من "نويل ودوجلاس" بقتلها.. يتدخل المليونير الذي يريد أن ينتقم بدوره من عشيقته ... فيشتري المحامي الذي يقنعهما بالاعتراف؛ كي يخفف الحكم إلى ستة شهور.. ولكن عندما يعترفان يصدر الحكم بإعدامهما.. ويكتشفان أن هناك من تآمر على مؤامرتهما.. ثم تبقى المفاجأة النهائية.. عندما تظهر الزوجة التي انتشلتها الراهبات من البحر وانضمت معهن إلى الدير.. حيث يلتقي بها المليونير اليوناني.. ويصافحها.. وكأنه يؤكد أنه قد تمت تصفية كل المؤامرات لصالحهما.
إن قدرة هذا الفيلم في "اصطياد" المتفرج أنه وضع "توليفة" متكاملة بها كل ما يثير ويمتع الجماهير.. الحب والرغبة والعواطف الساخنة ومشاهد الجنس والجريمة والانتقام والقتل والسخاء البالغ في الإنتاج بين مشاهد في أطراف العالم، والرومانسية الشفافة والعنف في نفس الوقت.. توليفة تجارية مضغوطة ومكدسة من خلال حبكة فنية للسيناريو.. بحيث تمر مدة الفيلم التي تتجاوز الساعتين والمتفرج في حالة متعة فعلًا.. إلا أنه بعد أن يخرج يتساءل: ماذا يقول هذا الفيلم؟
فلا يجد سوى الكلام المعاد في السينما منذ أن كانت صامتة.. حول عواطف المرأة ودهائها وشيطانها الذي يخرج ليبتلع كل شيء إذا ما قررت الانتقام.
стр. 205
لقد انتصرت "مليوداراما الحدوتة" بالفعل.. ولكن انتصارها لم يأتِ إلا بسبب تفوق في "الحرفية السينمائية".. وقدرات متميزة في كل عناصر الفن السينمائي ... وهذا يكفي!.
ولنحاول تطبيق المبادئ النظرية لفن المقال النقدي على هذا المقال:
أولًا: لقد اختار الكاتب أن يبدأ مقاله بمقدمة تطرح القضية الهامة -من وجهة نظر الكاتب- التي يثيرها الفيلم؛ وهي أن الجانب التقليدي في السينما -ويقصد به ميلودراما الحدوتة- ما زال ناجحًا!
ثانيًا: أما جسم المقال النقدي فقد احتوى على النقاط التالية:
أ- موضوع الفيلم وفكرته.
ب- رد الفعل الجماهيري؛ حيث أشار الناقد أنه حقق الأرقام القياسية في الإيرادات عند عرضه في أمريكا وأوربا.
ج- رأي الكاتب في حرفيات الفيلم، وشمل ذلك السيناريو والإخراج والموسيقى والتمثيل.
د- معلومات خلفية عن الكتاب الذي أخذت عنه قصة الفيلم، والروائي الأصلي كاتب القصة، ومدى نجاح القصة كعمل أدبي قبل تقديمها في السينما.
هـ- عرض تفصيلي لقصة الفيلم.
ثالثًا: أما خاتمة هذا المقال فقد حوت نقطة "واحدة" وهي: خلاصة حكم الناقد على الفيلم وتقييمه النهائي لمستوى الفيلم ... وهو الأمر الذي لا يحمل دعوة مباشرة للقارئ لمشاهدة الفيلم، وإن كانت هذه الدعوة موجودة في المقال؛ ولكن بشكل مستتر، وخاصة عندما يشير الناقد إلى النجاح الجماهيري للفيلم.. وهذا كفيل وحده بجذب القارئ إلى مشاهدة الفيلم.
стр. 206
الهرم المقلوب:
ومن الضروري أن نشير إلى أن هناك من النقاد في الصحافة من يلجئون في بعض الأحيان إلى كتابة مقالاتهم النقدية في قالب الهرم المقلوب؛ وذلك بأن يضعوا رأيهم النهائي في العمل أو حكمهم النقدي عليه في مقدمة المقال، ثم يضمنوا جسم المقال مجموع الأدلة والشواهد والحجج التي تدعم هذا الرأي، وبذلك قد لا يحتاج هذا المقال إلى خاتمة، وإذا حدث وكانت له خاتمة فهي ليست سوى إعادة تأكيد نفس الحكم الذي بدأ به الكاتب مقاله النقدي.
стр. 207
المبحث الخامس: فن المقال التحليلي
تعريف المقال التحليلي:
المقال التحليلي: هو أبرز فنون المقال الصحفي وأكثرها تأثيرًا.. وهو يقوم على التحليل العميق للأحداث والقضايا والظواهر التي تشغل الرأي العام. والمقال التحليلي يتناول الوقائع بالتفصيل، ويربط بينها وبين غيرها من الوقائع التي تمسه من قريب أو بعيد.. ثم يستنبط منها ما يراه من آراء واتجاهات١. والمقال التحليلي لا يقتصر فقط على تفسير أحداث الماضي أو شرح الوقائع الحاضرة.. وإنما يربط بين الاثنين؛ ليستنتج أحداث المستقبل. ولأن المقال التحليلي يقوم على التحليل العميق والمدروس للأحداث.. فهو غالبًا ما يكون أسبوعيًّا.. ولو كان ينشر في صحيفة يومية.. وليس هناك حجم معين للمقال التحليلي.. ولكنه قد يحتل ساحة صفحة كاملة من الجريدة.
وهناك فاروق جوهري بين المقال التحليلي وبين المقال الافتتاحي -غير الفارق في الحجم والمساحة والمكان الثابت- وهو أن المقال التحليلي لا يعبر عن سياسة الصحيفة وإن كان يجب ألا يختلف معها.. فهناك مساحة كبيرة من الحرية تُمنح لكتاب المقال التحليلي تسمح لهم بالتميز عن رأي الصحيفة٢.
ولقد لعب المقال التحليلي دورًا متميزًا في تاريخ الصحافة العربية.. بل إن تاريخ الصحافة العربية هو في واقع الأمر تاريخ كتاب المقال التحليلي
стр. 208
منذ رفاعة رافع الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وحتى محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين في النصف الثاني من القرن العشرين.. وبين الفترتين برزت عشرات الأسماء اللامعة في كتابة المقال التحليلي في الصحافة العربية١. الشيخ محمد عبده وعبد الله النديم وأديب إسحاق ورشيد رضا ومصطفى كامل والشيخ علي يوسف وأحمد لطفي السيد وأمين الرافعي وعبد القادر حمزة والدكتور محمد حسين هيكل وطه حسين والعقاد.
وظائف المقال التحليلي:
للمقال التحليلي عدة وظائف هامة؛ ولكن يبرز في مقدمتها الوظائف الثلاث التالية:
١- عرض وتحليل الأحداث الجارية، والكشف عن أبعادها ودلالاتها.
٢- مناقشة وطرح القضايا والظواهر التي تشغل الرأي العام المحلي أو الدولي، ومساعدة القراء على فهمها ومتابعتها.
٣- التعبير عن السياسات والاتجاهات السائدة في المجتمع، وطرح وجهات نظر القوى السياسية والاجتماعية في البلد الذي تصدر به الصحيفة٢.
موضوعات المقال التحليلي:
يتسع المجال أمام كُتَّاب المقال التحليلي -شأنهم شأن كُتَّاب العمود الصحفي- للخوض في مختلف مجالات النشاط الإنساني من سياسة واقتصاد واجتماع وثقافة وفكر.. ولكن ينفرد النشاط السياسي بالاستحواذ على غالبية ما يكتب من مقالات تحليلية.
ولعل في هذا ما يكشف عن فرق هام بين المقال التحليلي وبين العمود الصحفي، فعلى حين تغلب السياسة على المقال التحليلي.. نجد المسائل الاجتماعية تغلب على العمود الصحفي.
стр. 209
كذلك فإن هذه الحقيقة تكشف عن فاروق آخر بين المقال التحليلي والمقال الافتتاحي.. إذ يغلب على المقال الافتتاحي طابع "التعليق السريع" على الأحداث الجارية، في حين يغلب على المقال التحليلي طابع "التعليق العميق" على نفس الأحداث الجارية.. لذلك كان في إمكان الكاتب أن يكتب المقال الافتتاحي كل يوم، في حين لا يستطيع غالبًا أن يكتب المقال التحليلي إلا كل أسبوع.
كتابة المقال التحليلي:
يكتب المقال التحليلي -شأنه في ذلك شأن جميع أنواع المقال الصحفي- في قالب الهرم المعتدل.. أي: يحتوي على مقدمة وجسم وخاتمة؛ ولكن المقال التحليلي يتميز عن كل من المقال الافتتاحي والعمود الصحفي بكبر حجم مساحته في الصحيفة.. وهو الأمر الذي يسمح لكاتبه بأن يحشد في جسم المقال أكبر كمية من التفاصيل والحجج المنطقية والأدلة والشواهد التي تشرح موضوع المقال.
كذلك فإن كبر حجم مساحة المقال التحليلي تسمح لكاتبه بحشد كمية كبيرة من المعلومات الخلفية التي تتعلق بموضوع المقال.
فمقدمة المقال التحليلي يمكن أن تحتوي على العناصر التالية:
١- إبراز حدث من الأحداث الهامة الجارية.
٢- طرح قضية تشغل الرأي العام وتمس مصالح الجمهور.
٣- تقديم اقتراح جديد يثير اهتمام القراء.
أما جسم المقال التحليلي فيتضمن العناصر التالية:
١- المعلومات الخلفية للموضوع الذي يناقشه المقال.
٢- حشد الأدلة والشواهد والحجج التي تؤكد وجهة نظر الكاتب.
٣- كشف أبعاد الموضوع ودلالاته المختلفة.
٤- عرض الآراء المؤيدة أو المعارضة لوجهة نظر كاتب المقال والرد عليها.
أما خاتمة المقال التحليلي فهي تحتوي على العناصر التالية:
١- خلاصة وجهة نظر الكاتب في الموضوع.
٢- استثارة ذهن القارئ ودفعه للاهتمام بالقضية التي يطرحها الكاتب.
стр. 210
٣- فتح حوار بين الكاتب والقراء من ناحية، وبينه وبين غيره من الكُتَّاب من ناحية ثانية حول موضوع المقال.
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة المقال التحليلي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للمقال التحليلي المبني على قالب الهرم المعتدل
стр. 211
نموذج للمقال التحليلي المبني على قالب الهرم المعتدل:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- اختار الكاتب أن تكون مقدمة مقاله التحليلي حول أهمية حدث من الأحداث الجارية؛ وهو الإضراب الذي قام به عمال بولندا:
إن ما حدث في بولندا أمر لا يكاد يصدق، وهو أخطر من أن يمر بلا تعليق!
إن عامل الكهرباء المفصول الذي يشبه في شكله وثيابه وحياته إحدى شخصيات "ماكسيم غوركي"، والذي ترك زوجته وأطفاله الخمسة بعد
стр. 212
بدء الإضراب، وتسلق سور مصنع لينين. وتولى فورًا قيادة الإضراب.. هذا العامل جلس وجهًا لوجه أمام نائب رئيس وزراء بولندا، وتحت أضواء كاميرات تليفزيون العالم، يوقع اتفاقًا وكأنه حفل توقيع معاهدة دولية.. ولكنه اتفاق عن دولة شيوعية بين زعيم إضراب عمال وبين ممثل حزب الطبقة العاملة في بولندا!
وسواء نفذ الاتفاق أم لم ينفذ، فإن الحدث المثير قد تم، وقد تم بواسطة عمال بولندا ومثقفيها وحدهم دون فضل لأي أحد عليهم؛ بل وربما برغم أنف العالم كله، وهو حدث سياسي وذهبي وثوري من الدرجة الأولى -وتطور- ولو قبله المعسكر الشرقي، فسوف يكون مدخلًا لتطورات هائلة.. توقعها كثيرون.. ولم يتصور أحد "كيف" يمكن أن تحدث.
- أما جسم المقال، فقد بدأ بفقرة تمهيدية أشار فيها الكاتب إلى جانب من تفاصيل الخبر ورد فعله على بعض التكتلات السياسية العالمية؛ مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، وغرب أوربا، والفاتيكان:
في بداية الإضراب، وضع العمال البولنديون العالم كله -دون استثناء- أمام امتحان خطير!
وقد خذلهم العالم كله، أيضًا دون استثناء!
ألم تكن أمريكا -مثلًا- تحرض شعوب شرق أوربا على التمرد؟ ألم تكن دول غرب أوربا تنتظر ساعة تشقق المعسكر الشرقي؟ ألم يكن الفاتيكان يذكي شعلة الكاثوليكية ضد الدولة هناك؟ إلى آخره ... إلى آخره ...
وفجأة بدأ إضراب منظم بشكل مثير في أكثر دول شرق أوربا حساسية؛ وهي
стр. 213
بولندا! وإذا بالعالم كله يصاب بالذعر!! وإذا بأهل الشرق وأهل الغرب وأهل الحياء يحبسون أنفاسهم!
أمريكا وألمانيا الغربية قررتا الإسراع بالقروض المتلكئة إلى "حكومة بولندا"؛ وذلك لمساعدتها في التغلب على الأزمة الاقتصادية التي كانت هي السبب المباشر فيما حدث.
والفاتيكان والكادرينال ويزنسكي يوجهان نداء إلى العمال المضربين "بالاتزان والتعقل". وإذا كانت روسيا ودول شرق أوربا -وهذا مفهوم- قد تمنت الهدوء، والاتفاق دون حاجة إلى صدام، فإن يوغوسلافيا ورومانيا بالذات، وبحكم رقعهما شعار الاستقلال عن موسكو، كانتا أكثر قلقًا واضطرابًا، فها هو شعب من شعوب شرق أوربا يطالب عماله بنوع آخر من الاستقلال أكثر خطورة وعمقًا!
وإذا كان هناك خوف ما -في المعسكر الشرقي- على النظرية الماركسية اللينينية. إلا أن الخوف الأكبر في المعسكر الشرقي والغربي والعالم كله، كان على شيء آخر: هو الوفاق، أو ما يشبهه، الذي يسود بين الدول الكبرى في العالم ...
روسيا لا تريد أن تصل الأمور إلى درجة تهدد أمنها القومي، فتضطر إلى التدخل العسكري في بولندا، كما فعلت في المجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان، ليس لأن عندها ذرة من الشك في قدرتها العسكرية على إخماد الإضراب بسرعة؛ ولكن لأن النصر العسكري هنا سيكون هزيمة سياسية، وسيؤدي إلى اتساع الهوة بين الشرق والغرب، وبالتالي انقطاع
стр. 214
العون الغربي اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وتجاريًّا، وتصاعد نفقات التسلح، وبالتالي أيضًا سينعكس هذا كله على الأحوال المعيشية الداخلية لروسيا نفسها، بعد أن قطعت منذ خروشوف مسافة طويلة في طريق "الانفتاح".
وأمريكا أيضًا لا تريد اضطرابًا مثل هذا يجعل الروس يقدمون على حل عسكري؛ ذلك أن أمريكا تعرف أنها ستقف أمامه مكتوفة اليدين؛ فيكون ذلك هزيمة أخرى لأمريكا، ويكون ضربة قاضية لآمال كارتر في إعادة انتخابه.
ودول غرب أوربا لا تريد أن ترى حلًّا عسكريًّا سوفيتيًّا في بولندا؛ ذلك أن أوربا هي أكثر من يتحمل آثار عودة جو الحرب الباردة، ولأن روسيا والمعسكر الشرقي عامة صار أهم سوق اقتصادي وتجاري لغرب أوربا. ولو تأثر ذلك لتدهور مستوى الإنتاج والتصدير والمعيشة في غرب أوربا إلى حد هائل.
هكذا، نحن في عالم تراجعت فيه حرب المذاهب العقائدية، وتقدمت فيه اعتبارات المصالح المادية، فإذا قام في وسط هذا كله شعب صغير يتمرد ويهدد رخاء الآخرين، فإن كل الآخرين يطالبونه بالسكوت والاحتمال، فمصالحه لا يجوز أن تفسد مصالح من هم أقوى وأكبر وأهم.
أما الفقرة الثانية من جسم المقال الافتتاحي، فقد حشدها الكاتب بكمية من المعلومات الخلفية التاريخية عن الموقع الجغرافي لبولندا، وتأثير هذا الموقع على وضعها السياسي:
стр. 215
وقد كان هذا حظ بولندا بالذات، فوجودها بين روسيا وألمانيا عبر التاريخ جعلها أكثر شعب تتعرض خريطته للتغير.. وأحيانًا للمحو التام من على خريطة أوربا.. وجعله بالتالي -كرد فعل- شعبًا شديد الوطنية إلى حد الرومانتيكية، ينتج "شوبان" وأمثاله عبر تاريخه الطويل في الاستشهاد.
فمنذ ٤١ سنة -باليوم- قامت الحرب العالمية الثانية؛ بسبب مدينة "دانزنغ" التي هي نفسها مدينة "غدانسك" مركز التمرد الحالي، لا لأن "دانزنغ" -أو غدانسك- بالغة الأهمية في حد ذاتها؛ ولكن لأنها بمثابة "بيضة القبان" في ميزان التوازن العالمي.. ليس مسموحًا لها أن تميل قيد أنملة عن مكانها المحدد لها!
هكذا رأينا العالم كله يناشد عمال بولندا "التعقل" و"عدم المبالغة" والاكتفاء بما حدث.
ذكرني هذا بالفصل التاريخي الشهير الذي كتبه "سيتفان زفايغ" بعنوان "أمة تتآمر على شرف امرأة"، روى فيه قصة الكونتيسة البولندية الحسناء "ماري فاليسكا" التي رآها نابليون في حفلة وهو في طريقه إلى غزو روسيا. وكان كل نبلاء بولندا يحاولون انتزاع وعد من نابليون بمنح بولندا استقلالها في حالة انتصاره.. وفهموا أن نابليون قد جُن غرامًا بالكونتيسة الحسناء، وأنه يريدها وأنها امتنعت عليه ... وتوالى النبلاء والأمراء عليها يقنعونها بأن تسلم نفسها لنابليون.. وأن تضحي من أجل بولندا.. حتى رضيت بذلك وهي دامية العينين.