المبحث الرابع: في أن السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم
أنزل الله القرآن الكريم هداية للناس في أمور دينهم، ودنياهم ولكن بأسلوب إجمالي في الغالب لا يمكن الوقوف منه على مراد الله ، بطريق الوضوح وقد وكل الله إلى نبيه محمد ﷺ ، أن يبلغ القرآن الكريم للناس وأن يبين لهم بقوله، وفعله ما يحتاج إلى البيان فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، وهو ﷺ ، إذ يبين للناس كتاب الله لا يصدر عن نفسه، ولكنه يتبع ما يوحى إليه من ربه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، فالسنة النبوية وظيفتها تفسير القرآن الكريم
стр. 37
والكشف عن أسراره وتوضيح مراد الله تعالى من أوامره، وأحكامه ونحن إذا تتبعنا السنة من حيث دلالتها على الأحكام التي اشتمل عليها القرآن إجمالا، أو تفصيلا وجدناها ترد على هذه الوجوه الأربعة.
الأول: أن تكون موافقة لما جاء في القرآن، فتكون واردة حينئذ مورد التأكيد ومن أمثلة ذلك:
١- قوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم، إلا بطيب من نفسه"، رواه الديلمي فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ .
٢- قوله ﷺ : "اتقوا الله في النساء فإنهم عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله"، فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
٣- قوله ﷺ : "إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته"، يوافق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ .
الثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن، ومن أمثلة هذا النوع:
١- بيان المجمل في مثل الأحاديث، التي جاء فيها تفصيل أحكام الصلاة والزكاة والصيام، والحج وغيرها.
٢- تقييد المطلق كالأحاديث التي بينت المارد من اليد في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، وأنها اليمنى وأن القطع من الكوع لا من المرفق.
٣- تخصيص العام كالحديث، الذي بين أن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ، هو الشرك فإن بعض الصحابة فهم منه العموم حتى قال: "أينا لم يظلم" فقال النبي ﷺ : "ليس بذاك إنما هو الشرك".
стр. 38
٤- توضيح المشكل كالحديث، الذي بين المراد من الخيطين في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، فهم منه بعض الصحابة العقال الأبيض، والعقال الأسود، فقال ﷺ : "هما بياض النهار وسواد الليل".
الثالث: أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن، ومن أمثلة هذا النوع:
١- قوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
٢- قوله ﷺ في الجنين، الخارج ميتا من بطن أمه المذكاة: "ذكاة الجنين ذكاة أمه".
٣- الأحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل.
٤- الأحاديث الواردة في تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحوم الحمر الأهلية.
الرابع: أنها تكون ناسخة لحكم ثبت بالكتاب على رأي من يجوز نسخ الكتاب بالسنة، ومثال ذلك حديث: "لا وصية لوارث" فإنه ناسخ لحكم الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين الثابت بقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ، على أحد الوجوه في تفسير الآية، وحديث: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"، فهو ناسخ لآية النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ، الآية على أحد الوجوه أيضا.
والأمثلة كثيرة لا سيما على مذهب الحنفية، الذين يقولون: إن الزيادة على الكتاب من قبيل النسخ. والمسألة مختلف فها بين الفقهاء على ما هو معروف في الأصول.
стр. 39
هذا والنسخ من قبيل البيان؛ لأنه بيان انتهاء أمد الحكم، ولذلك يطلق عليه بعض علماء الأصول "بيان التبديل".
هل السنة النبوية تستقبل بالتشريع؟؟
وقد يقول قائل: أن الوجه الثالث، الذي ذكرته يفيد أن السنة قد يثبت بها أحكام لم ترد في القرآن إجمالا، ولا تفصيلا، وهو يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، فإنه يفيد أن السنة إنما تبين القرآن، ولا تتعداه إلى غيره، ولنا عن ذلك جوابان:
الجواب الأول:
أنا لا نسلم خلو القرآن عن الأحكام المذكورة في الوجه الثالث من أوجه البيان، ولكنه اشتمل عليا بطريق الأجمال، فصح أن تكون السنة بيانا للقرآن بهذا الاعتبار. وتوضيح ذلك أن الأحكام التي جاءت بها السنة، وسكت عنها القرآن ظاهرا، يمكن أن تكون بيانا له إما بطريق الإلحاق، وإما بطريق القياس وإما بطريق استنباط القواعد العامة من الجزئيات، وإليك توضيح ذلك:
البيان بطريق الإلحاق:
قد ينص القرآن على حل شيء، وحرمة آخر، ويكون هناك شيء ثالث لم ينص على حكمه، وهو آخذ من كل منهما بطرف، فيكون ثم مجال للاجتهاد في إلحاقه بأحدهما، فيعطيه النبي ﷺ حكم أحدهما، وحينئذ يتبين أنه كان من مشمولاته. ومن الأمثلة على ذلك:
١- أحل الله الطيبات وحرم الخبائث، وبقي بين هذين الأصلين أشياء يمكن إلحاقها بأحدهما، فبين ﵊ في ذلك ما اتضح به الأمر، فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وقال أنها رجس. ونهى ﵊ عن أكل الجلالة وألبانها ذلك لما في لحمها ولبنها من أثر
стр. 40
الجلة، فهذا كله راجع إلى معنى الإلحاق بأصل الخبائث، كما ألحق ﵊ الضب والحبارى، والأرنب وأشباهها بأصل الطيبات.
٢- أباح الله من صيد الجارح المعلم ما أمسك عليك وعلم من ذلك أن ما لم يكن معلما، فصيده حرام إذ لم يمسك إلا على نفسه، فدار بين الأصلين ما كان معلما، ولكنه أكل من صيده، فالتعليم يقتضي أنه أمسك عليك، والأكل يقتضي أنه اصطاد لنفسه لا لك، فتعارض الأصلان، فجاءت السنة ببيان ذلك فقال ﵊: "إن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون، إنما أمسك على نفسه"، أخرجه الشيخان.
٣- أحل الله صيد البحر فيما أحل من الطيبات، وحرم الميتة فيما حرم من الخبائث، فدارت ميتة البحر بين الطرفين، وأشكل حكمها فقال ﵊: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" أخرجه أصحاب السنن.
٤- حرم الله الميتة وأحل المذكاة، فدار الجنين الخارج من بطن المذكاة ميتا بين الطرفين، فاحتمل أن يلحق بكل منهما، فقال النبي ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، رواه أبو داود والترمذي، وحسنه وهذا منه ﷺ ترجيح لجانب الجزئية على جانب الاستقلال.
٥- قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ، فبقيت البنتان مسكوتا عنهما، فنقل في السنة حكمهما، وهو إلحاقهما بما فوق البنتين.
فهذه أمثلة يستعان بها على ما سواها، وبها يتبين أن السنة في هذا النوع مبينة للقرآن الكريم.
البيان بطريق القياس:
قد ينص القرآن على حكم شيء، فيلحق به الرسول صلى الله عليه
стр. 41
وسلم مااجتمع معه في العلة بطريق القياس، وذلك راجع في الحقيقة إلى دلالة القرآن، فإن النص القرآني المقرر لحكم الأصل، وإن كان خاصبا به في الصورة، فهو عام في المعنى من حيث عموم العلة، وسواء علينا أقلنا أن النبي ﷺ ، قاله بالقياس أم بالوحي إلا أنه جار في أفهامنا مجرى القياس.
ومن أمثلة هذا النوع:
١- أن الله حرم الربا. وربا الجاهلية الذي قالوا فيه: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ هو فسخ الدين في الدين يقول الطالب: إما أن تقضي وإما أن تربي، وهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ولما كان المنع فيه من قبل كونه زيادة بلا عوض، ألحقت السنة به كل ما فيه زيادة بهذا المعنى، فقال ﵊: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".
٢- حرم الله الجمع بين الأختين ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، فجاء نهيه ﷺ عن الجمع بين المرأة، وعمتها أو خالتها من باب القياس؛ لأن المعنى الذي من أجله حرم الجمع بين الأختين موجود هنا، وقد روي هذا المعنى في الحديث: "فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" رواه ابن حبان.
٣- بين القرآن بعض المحرمات من الرضاع بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فألحقت السنة بهاتين سائر القرابات بالرضاعة من اللاتي كن يحرمن بالنسب كالعمة، والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، فقال ﷺ : "إن الله حرم من الرضاع
стр. 42
ما حرم من النسب" أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح وهذا الإلحاق بطريق القياس من باب نفي الفارق بين الأصل والفرع.
البيان بطريق استنباط الواعد العامة من نصوص القرآن الجزئية في المواضع المختلفة:
قد تأتي نصوص من القرآن الكريم في معان مختلفة، لكن يشملها معنى واحد، فتأتي السنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد، فيعلم أو يظن أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك النصوص القرآنية، ومن أمثلة ذلك:
١- قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، فهاتان القاعدان تؤخذان من الآيات، التي تحث على الإخلاص وتذم الرياء، وتبين أنه ليس للإنسان إلا ما سعى مثل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ، ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ ، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ، إلى غير ذلك.
٢- قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" فهذه القاعدة مأخوذة من عدة أوامر، ونواه متفرقة في القرآن الكريم في جزئيات مختلفة منها: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ ، ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ ، ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ، ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنّ﴾ ، ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ ، وما في معناها.
٣- قوله ﷺ : "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه"، وقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، فكل من الحديثين معناه سد ذرائع الفساد، وهو منتزع من آيات كثير منها: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ
стр. 43
لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ، ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ ، ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ ، ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
ومن ذلك كله يعلم أن السنة موضحة للقرآن، ومبينة لمقاصده الكلية والجزئية.
الجواب الثاني:
فإن أبيت إلا أن تجعل الأحكام، التي جاءت بها السنة زيادة عما في القرآن من قبيل استقلال السنة بالتشريع، فلا يضيرنا ذلك بعد ما نطق القرآن نفسه بأن طاعة الرسول صل الله عليه وسلم، إنما هي طاعة لله ، وأنه لا ينطق عن الهوى، فلو كان لا يطاع إلا فيما يوافق القرآن لم تكن له طاعة خاصة وقد قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، كرر الفعل في الآية الأولى وجعل طاعته في الثانية طاعة لله إشارة إلى ما ذكرنا، وأنه يجب طاعته مطلقا وأما قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، فلا يفيد قصره ﷺ على البيان، بل يستفاد من هذه الآية ومن الآيتين السابقتين، أنه يبين للناس كتاب الله، وأنه إذا جاوز البيان إلى غيره من الأحكام، التي لم يتعرض لها القرآن لا ينطق عن الهوى، وقد صرح بهذا طائفة من علماء السلف، فمن ذلك ما روي عن عبد الرحمن بن يزيد، أنه رأى محرما عليه ثيابه، فنهاه فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي فقرأ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، وما روي عن طاوس أنه كان يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اتركهما فقال: إنما نهى عنهما أن تتخذا سنة، فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله ﷺ ، عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتعذب عليها أم
стр. 44
تؤجر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية، وكذلك ما روي عن ابن مسعود حينما لعن الواشمة والمستوشمة، وقد تقدم "الموافقات٤-٢٤ إلى ٤٨".
هذا ونحن نرى أنه لا تخاف بين الجوابين على أصل الاعتراض، فمن قال: إن السنة لا تأتي بأحكام زائدة عما في القرآن، أراد أن القرآن اشتمل على جميع الأحكام، إما بطريق التفصيل، وإما بطريق الإجمال، ومن قال: إن السنة تأتي بأحكام زائدة عما في القرآن أراد بها الأحكام التفصيلية، التي لم ينص عليها صراحة في القرآن، وبذلك يلتقي القولان عند نقطة واحدة.
بيان السنة للقرآن في غير الأحكام: يقع على ثلاثة أضرب:
الأول: ما يرد موافقا لما في القرآن، فيكون مؤكدا له، ولا يخلو مع ذلك عن شرح، وبيان كحديث الخضر مع موسى ﵇ في البخاري وغيره، فإنه يوافق القصة المذكورة عنهما في سورة الكهف.
الثاني: ما يرد مورد التوضيح والشرح، ومثاله قول النبي ﷺ : "يدعى نوح فيقال: هل بلغت فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال: من شهودك فيقول: محمد وأمته قال: فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ "، أخرجه البخاري، والترمذي.
الثالث: ما يرد على طريق الاستقلال، ومن أمثلته حديث جريج العابد، وحديث الأبرص والأقزع، والأعمى وحديث الصخرة، فهذه الأحاديث وما في معنها مؤكدة للمقاصد، التي جاء بها القرآن وحكمتها تنشيط المكلفين وتنبيه الغافلين.
стр. 45
السنة في أدوارها المختلفة
الدور الأول: السنة على عهد النبي ﷺ
المبحث الأول: استعداد الصحابة لحفظ السنة ونشرها
...
السنة في أدوارها المختلفة:
الدور الأول: السنة على عهد النبي ﷺ
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: استعداد الصحابة ﵃ لحفظ السنة ونشرها.
المبحث الثاني: مجالس النبي ﷺ العلمية.
المبحث الثالث: كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن رسول الله ﷺ .
المبحث الرابع: البعوث والوفود، وأثرها في انتشار الحديث النبوي.
المبحث الأول: "استعداد الصحابة لحفظ السنة ونشرها"
كان العرب قبل البعثة المحمدية في جهالة جهلاء وضلالة عمياء. بلغ بهم الجهل أن نحتوا من الحجارة أصناما آلهة، يعبدونها من دون الله وبلغ.
بهم الضلال، والقسوة أن كان يقتلون أولادهم خشية العار أو الفقر.
وبلغت بهم الهمجية أن كانوا يشنون الغارات لأتفه الأسباب. الحمية الجاهلية بعض صفاتهم والعصبية القبلية متمكنة من نفوسهم يعاقرون الخمور، ويتعاملون بالميسر كثيرا ما تنشب الحرب بينهم أعواما طوالا
стр. 46
حتى تأتي على الأخضر واليابس. لا حاكم يزجرهم ولا دين يردعهم.
وبالجملة فقد كانوا في فتن مدلهمة، وظلمات بعضها فوق بعض، حتى ضجت الجزيرة العربية من الحروب المتلاحقة، واشتكت الأرض إلى ربها من هذه الدماء المسفوكة. وتشوقت النفوس إلى من ينتشلها من ظلمات الحيرة، وينقذها من أحضان الجهل والوحشية. وجعلوا يلتمسون الخلاص مما هم فيه، فلا يستطيعون كالذي يبسط إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه.
فكان من رحمة الله بهم وبالإنسانية جمعاء، أن بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وهذا الرسول هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أشرف الناس نسبا، وأكرم قريش أصلا ومحتدا. بدأ رسول الله ﷺ ، الدعوة إلى الله سرا، حتى لا يفاجأ القوم بها وهم على ما وصفنا غارقون، فيجهلهم هائمون في غيهم، فتبعه منهم أفراد قلائل لا يتجاوزون أصابع اليد، ثم جهر بالدعوة إلى الله ، فدخل في الدين من علية القوم خلق كثير.
دخلو الإسلام على بينة من أمره، واستمعوا إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم فخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، لا سيما وهم متعطشون إلى ما ينقذهم من ظلمات الشرك، ويهديهم إلى سبل السلام، فصادف الإسلام قلوبا مستعدة، ونفوسا متلهفة متهيأة، فتمكن منها كل التمكن، وجرى الإيمان فيهم مجرى الدم في عروقهم. ذلك أنهم عرفوا من الرسول ﷺ ، أن هذا الدين هو منبع سعادتهم، ومعقد عزهم وسبب نهضتهم، فعقدوا عليه خناصرهم، وأحبوا رسول الله حبا، يعلو على حب الآباء والأبناء، وانكبوا على ما جاءهم به من القرآن
يحفظونه، وعلى ما حدثهم به من بيان للكتاب، أو تشريع للأحكام فجمعوه في صدورهم
стр. 47
وطبقوه على جميع أحوالهم. ثم كانت الهجرة إلى المدينة، فانفسح المجال لاستماع القرآن، وحضور مجالس النبي ﷺ .
علم أصحاب رسول الله ﷺ للسنة مكانها من الدين، وأنها الركن الثاني في بنائه القويم بعد الكتاب العزيز، كما علموا وصية الله تعالى باتباعها وتحذيره الشديد من مخالفتها. وأن من فرط في أمرها، أو تهاون بشأنها فهو محروم ومن حفظها، وعمل بها فهو سعيد مشكور.
ولم يخف عليهم أن القرآن العزيز رفع من شأن العلم، والعلماء وحط من شأن الجهل والجهلاء فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ، وحث على التفقه في الدين، وتبليغه إلى الناس فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .
كما لم يخف عليهم الوعيد الشديد على كتمان العلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ ، وكما جاءت الآيات القرآنية، حاثة لهم على تعليم الدين وأحكامه، ودرسه ونشره كذلك جاءت الأحاديث النبوية محببة إليهم حمل العلم، والتفقه في الدين محذرة لهم من كتمانه خاصة على تبليغه إلى الناس، فقال ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، متفق عليه: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيا، إلا ذكر الله، وما والاه وعالما ومتعلما"، حسنه الترمذي: "نضر الله امرءا سمع منا شيئا، فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع"، صححه الترمذي: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى
стр. 48
الجنة" رواه مسلم: "من سئل عن علم فكتمه، جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار"، رواه أبو يعلى ورواته ثقات. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة وشهيرة.
ملكت هذه الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم، وأخذت عليهم ألبابهم وأفعمت قلوبهم حبا لله، ورسوله ﷺ ، وألهبت نفوسهم نشاطا نحو العلم والعمل، فلم يدخروا وسعا في حفظ الأكام، والسنن وضحوا في سبيل ذلك بأموالهم وأنفسهم.
وإلى جانب هذه الحمية الدينية استعداد فطري، ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة، ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر، وقوة الذكاء وكمال العبقرية.
فالصحابة عرب خلص أميون لا يقرؤون، ولايكتبون فكل اعتمادهم على ملكاتهم في الحفظ، وقوة شأنهم فيه، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية، فقد حفظوا أنسابهم ومناقبهم وأشعارهم، وخطبهم وكثيرا ما كانت تقع بينهم المفاخرة بالأنساب، والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم، وأخبار خصومهم مما يرفع من شأنهم، ويحط من شأن أعدائهم. فكان كل امرئ منهم على مقدار حفظه، وقوة وعيه ترجمان قبيلته يرفع من قدرها، ويتحدث عن مفاخرها وأحسابها، والقوم من ورائه كأنهم سجل ملئ بالحواد والأخبار، وكتاب شحن بالتواريخ والآثار. ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب، والأنساب والتنابز بالمثالب والألقاب مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ، والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوفر لأمة من الأمم.
وكأن الله تعالت قدرته، هيأ هذه الأمة العربية على هذا الاستعداد الهائل، إرهاصا لنبوة محمد ﷺ ، فكانت هذه الصدور.
стр. 49
الحافظ مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي الكريم، فاندفع هؤلاء الصحابة الأجلاء إلى تلقي حديث، رسول الله بنهم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله وكان أمر الله قدرا مقدورا.
نعم تظاهر هذا العاملان العامل الروحي، والعامل الفطري فأتى القوم بما لم تأت به أمة من يوم أن بعث الله تعالى رسله إلى الخلق، فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم، واتخذوا شريعته نبراسا في أمر معاشهم، ومعادهم وبلغوها إلى الناس على وجهها غضة طرية.
стр. 50
المبحث الثاني: "مجالس النبي ﷺ العلمية "
رأيت فيما سبق كيف، كان النبي ﷺ يبين أحكام القرآنالعزيز وضربنا لك المثال، التي أوضحت وظيفته ﷺ في التبليغ والبيان، ولم يكن للنبي ﷺ مدرسة مشيدة، ولا معهد للتعليم يجلس فيه إلى أصحابه بل كانت مجالسه العلمية، كيفما اتفق فهو في الجيشمعلم وواعظ يلهب القلوب بوعظه، ويحسن الجنود بقوله، وهو في السفر مرشد، وهاد وهو في البيت يعلم أهله. وهو في المسجد مدرس، وخطيب وقاض ومفت. وهو في الطريق يستوقفه أضعف الناس ليسأله عن أمر دينه فيقف. وهو على كل أحواله مرشده وناصح ومعلم. ألا أنه كثيرا ما كان يعقد لأصحابه المجالس العلمية بالمسجد، حيث يجتمعون فيه في أغلب الأوقات لأداء فريضة الصلاة، فكان يتخولهم بالموعظة تلو الموعظة، والدرس تلو الدرس حتى لا يملو ويسأموا. روى البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنه قال:
"كان النبي ﷺ ، يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة
стр. 51
علينا"، وفي هذه المجالس كان ﷺ ، يفيض على أصحابه من الكلم الطيب والعلم النافع، والهدى الرشيد ما يشرح صدورهم ويفعم قلوبهم. وكانوا يحضرون أولادهم مجالس الرسول ﷺ لسماع حديثه، والتأدب بآدابه، وكان ﵇ كثيرا ما يستفتي فيفتي أو يسأل، فيجيب أو تقع أمامه الحادثة، فيكشف عن حكم الله فيها، أو تنزل عليه الآية من القرآن، فيفصح عن مراد الله منها، أو يقع من بعض الصحابة عمل لم يكن يعرف حكمه، فيسكت إيذانا منه بأنه جائز في الدين.
ولا تظن أن رسول الله ﷺ ، كان ملكا محجوبا عن رعيته، أو سلطانا مترفعا عن الاختلاط بأفراد أمته. بل كان على عكس ذلك متقلبا بين ظهرانيهم يبلغ رسالة ربه، ويعود مرضاهم، ويشيع موتاهم ويفصل في قضاياهم، ويفض منازعاتهم، ويقضي على اختلافاتهم، وهم في كل ذلك مقبلون عليه بآذان صاغية وقلوب واعية.
هذا ولم تكن الصحابة ﵃ في حضور مجالسه العلمية، سواء بل كان منهم من يلازمه، ولا يتخلف عنه في الحضر، ولا في السفر كما كان من أبي بكر، وأبي هريرة ﵄. وكان منهم من يتخلف عنه في بعض الأوقاف لقضاء مصالحه المعيشية كزراعة، أو تجارة أو نحوها، أو الخروج في سرية إلى غير ذلك. ومع ذلك فكانوا حريصين على ما فاتهم من دروس النبي ﷺ ، فإذا ما حضروا سألوا واستفسروا. وكان من الصحابة من يشتد به الحرص على حديث رسول الله ﷺ ، فيتناوب حضور مجالسه مع جار له يحضر هذا يوما، وهذا يوما ثم يخبر كل منهما صاحبه عما سمعه في يومه، كما جاء ذلك في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب أنه كان هو، وجار له من الأنصار يتناوبان مجالس رسول الله ﷺ ، ويخبر كل منهما صاحبه بما رآه أو سمعه.
стр. 52
أما من بعدت عليهم الشقة، فكانوا إذا نزلت بهم نازلة، وأشكل عليهم حلها فإنهم يضربون أكباد الإبل إلى مدينة الرسول ﷺ ، ليقفوا على حكم الله فيما عرض لهم من الحوادث، وربما مكثوا في أسفارهم الأيام، والليالي ذوات العدد. يروي لنا البخاري في صحيحه، عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه، فركب من فوره -وكان بمكة- قاصدا المدينة حتى بلغ رسول الله ﷺ ، فسأله عن حكم الله، فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما، فقال له النبي ﷺ : "كيف وقد قيل"، ففارق زوجته لوقته.
علم النبي ﷺ أن أصحابه، سيخلفونه من بعده، وسيقع على كاهلهم أمر الإرشاد والتعليم، فأتى في دروسه التعليمية بأمور كان لها أكبر الأثر في توجيه الصحابة، وتعليمهم كيف يضطلعون بمهمة التعليم فيما بعد، ولنذكر لك أمثلة من هديه التعليمي الذي كان منارا اهتدى به أصحابه ﵃.
كان من هديه التعليمي ﵇ أنه إذا سئل عما لا يعلم يسكت منتظرا الوحي من الله بذلك، وكان من هديه ﷺ ، أنه إذا قال كلمة أعادها ثلاثا، حتى تفهم عنه وكان من هديه ﵇، أنه ربما طرح المسألة على أصحابه، ليختبر ما عندهم من العلم، وليشحذ أذهانهم للفهم. وكان إذا سئل عن مسألة، فأجاب عنها، فإنه قد يفيض في مسائل أخرى لها مناسبة بالمقام، أو صلة بالجواب، فيستطرد إليها ليفيد السائل والحاضرين علما جديدا، وكان يتخولهم بالموعظة كراهة الملل، حتى أن أصحاب ابن مسعود طلبوا منه أن يحدثهم كل يوم فأبى، وقال: إنما تتخولكم بالموعظة، كما كان رسوله الله ﷺ يتخولنا.
كراهة السآمة علينا. وكان ﷺ ، يخص بع أصحابه بالعلم دون بعض مخافة ألا يفهموا فيفتنوا. إلى غير ذلك من الأمثلة، التي إذا تتبعناها في حديث رسول الله ﷺ ، اطلعنا منه على خطة حكيمة في توجيه الصحابة، حتى كانوا أساتذة في التعليم أمناء على أحكام الدين، كما ستطلع عليه عند الكلام على السنة في الدور الثاني إن شاء الله.
стр. 53
المبحث الثالث: كيف كان الصحابة يتلقون الحديث، عن النبي ﷺ
لم يكن في أصحاب رسول الله ﷺ ، من يحسن الكتابة إلا نفر قليل، فقد كانت الأمية غالبة عليهم، فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه ﷺ ، على استعدادهم في الحفظ على ما سبق لك آنفا، كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر، خوف اختلاطه بالقرآن الكريم. وكان الصحابة يتلقون الحديث، عن النبي ﷺ ، إما بطريق المشافهة، وإما بطريق المشاهدة لأفعاله وتقريراته، وإما بطريق السماع ممن سمع منه ﷺ ، أو شاهد أفعاله وتقريراته؛ لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه ﷺ ، بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته.
هذا ولما كان عدد الحاضرين للسماع من حضرة النبي ﷺ ، يختلف قلة وكثرة اختلف لذلك المروي عنه، فبعضه بلغ درجة التواتر، وهو ما نقله عنه ﷺ ، جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، وهذا نوعان متواتر لفظا، وهو قليل من الأحاديث كحديث: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، ومتواتر معنى وهو كثير، ومن ذلك الأحاديث الواردة في أحكام الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم
стр. 54
والحج والبيوع والنكاح، والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام. وبعضه لم يبلغ درجة التواتر، وهو الذي يسميه العلماء "خبر الآحاد".
كان الصحابة يحفظون الحاديث عن ظهر قلب، ويبلغونها للناس بطريق المشافهة، إلا ما كان من بعض أفراد قلائل كعبد الله بن عمرو بن العاص، فقد أذن له النبي ﷺ في كتابة الحديث عنه.
روى الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن عمرو هذا أنه قال: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ ، أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق".
هذا ولاختلاف الصحابة في معرفة الكتابة، وعدم معرفتها وكثرة حضورهم مجالسه ﷺ ، وقلة حضورهم اختلفوا في تحمل الحديث، وأدائه قلة وكثرة، فكان منهم المقل ومنهم المكثر هذا أبو هريرة ﵁ يقول فيما رواه عنه البخاري في كتاب العلم: "ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحد، أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب".
وكما اختلف الصحابة في صفة الأخذ، عن رسول الله ﷺ وفي كثرة المروي، وقلته لأسباب أشرنا إليها كذلك اختلفوا في فقه الحديث حسب اختلافهم في الفهم، والاستعداد الفطري،
فلم يكونوا سواء في معرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، ونحو ذلك إلا أنهم، كانوا كثيرا ما يرجعون إلى الرسول
стр. 55
صلى الله عليه وسلم عند ما يقع الاختلاف بينهم، فيصدر حكمه الفصل وقضاءه العدل.
أثر النساء في نشر الحديث:
لم تكن مجالسه صلى الله عله وسلم، قاصرة على الرجال بل كان كثير من النساء، يحضرن المسجد أيضا، ويستمعن إلى حديثه الشريف، وفي الاحتفالات العامة كالاحتفال بصلاة العيد، كن يخرجن جميعا إلى المصلى لاستماع الموعظة النبوية، وكان النبي ﷺ ، بعد أن يلقى خطبة العيد في الصفوف الأمامية للرجال، ينتقل إلى صفوف النساء، يتحدث إليهن، ويعلمهن إلا أن المجالس النبوية بوجه عام، كانت الغلبة فيا للرجال دون النساء لذلك، جاء وفد النساء إلى رسول الله ﷺ ، وطلبن إليه أن يجعل لهن يوما يعلمهن فيه، فكان النبي ﷺ يجيبهن إلى ذلك. على أن هذه الدروس كلها من عامة، وخاصةلم تكن قائمة بحوائج النساء الدينية، فكثيرا ما كانت تتجدد لهن شئون لا سيما، وهن حديثات عهد بالإسلام، فكانت المرأة تقصد رسول الله ﷺ ، فيما يعرض لها من أمر دينها، ولا تستحي أن تسأله لعلمها، أنه لإحياء في التعليم، وربما قدمت بين يدي سؤالها قولها: "يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق"، ثم تذكر حاجتها فتقول -كماجاء في البخاري- مثلا: "هل على المرأة من غسل، إذا هي احتلمت، وكثيرا ما يكون ذلك في نساء الأنصار، حتى امتدحتهن عائشة زوج النبي ﷺ بقولها: "نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين"، أما من كان يغلب عليها الحياء منهن، فكان لها من أمهات المؤمنين أعظم وسيط، لدى رسول الله ﷺ ، يستوضح لها عن جواب سؤالها.
стр. 56
أمهات المؤمنين يبلغن الحديث عن رسول الله:
ولا ننس ما لزوجاته ﷺ ، من فضل كبير في تبليغ أحكام الدين، ونشر السنن بين نساء المؤمنين، لا سيما ما كان من عائشة ﵂، التي كانت على مقدار عظيم من الذكاء، والفهم فقد كانت تسأله ﷺ ، وتناقشه في بعض المسائل، التي قد تخفى عليها، وتستوضح عن كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، روى البخاري في كتاب العلم عن ابن أبي مليكة، أن عائشة زوج النبي ﷺ ، كانت لا تسمع شيئا لاتعرفه، إلا راجعت فيه حتى تعرفه.
وأن النبي ﷺ ، قال: "من حوسب عذب". قالت عائشة: أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ . قالت فقال: "إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك". ولعل من الحكم التي لأجلها أباح الله لنبيه ﷺ ، الزواج بأكثر من أربع قيام هؤلاء الزوجات بالتبليغ عنه ﷺ ، وبخاصة في الأمور، التي لا توجد منه ﷺ بين أصحابه، أو يستحي من فعلها بينهم، ولا يمكن الاطلاع عليها لأحد غير أمهات المؤمنين، ﵅ لذلك نجد أصحاب رسول الله ﷺ من بعده، إذا اختلفوا في شيء من الأحكام كالغسل، والحيض والجماع، ونحوها يلجأون إلى أمهات المؤمنين، ويرجعون إلى أقوالهن، عن رسول الله ﷺ ، وبذلك يزول ما بينهم من خلاف.
هذا ولا ريب في أن نساءه، ﷺ ، كن على جانب عظيم من العلم فقد أمرهن الله تعالى بالاستقرار في بيوتهن، ومدارسة القرآن والسنة في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ، إلى أن قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ .
لذا كان لأمهات المؤمنين أثر فعال في نشر السنة، ولولاهن لضاعت أحاديث، وأحكام ما كنا لنطلع عليها من غيرهن، ولا سيما الأفعال التي تقع بين النبي ﷺ ، وأزواجه مما لا يمكن لأحد الاطلاع عليها، والوقوف على أحكامها.
стр. 57
المبحث الرابع: البعوث والوفود، وأثرها في انتشار الحديث النبوي:
بعوثه ﷺ ، وأثرها في نشر الحديث:
بدأت الدعوة المحمدية سرا، كما رأيت واستمرت على ذلك ثلاث.
سنين ثم أمر الله نبيه بأن يجهر بها، بعد أن تكونت نواة صالحة من المسلمين، فما كان من قريش إلا أن ناصبوه العداء، واستمر الأمر على ذلك حينا من الزمان، حتى دخل الإسلام كثير من أهل المدينة، فأمر الله نبيه بالهجرة إليها فانتقل إليها مع أصحابه، وأصبحت المدينة من ذلك الوقت مهبط الوحي، وقاعدة الإسلام. غزا منها النبي ﷺ أعداء الدين، وحدث بها أكثر حديثه إلا أن القتال، كان حائلا دون دخول كثير من القبائل في الإسلام، كما كان مانعا من وصول الدعوة إلى أطراف الجزيرة، فما أن وقع صلح الحديبية بين النبي ﷺ ، وأهل مكة حتى أمن الناس بعضهم بعضا، وجالس بعضهم بعضا، وتحدثوا في شأن هذا الدين الجديد، وفي ظل هذه الهدنة المباركة، دخل كثير من العرب في الإسلام، فانتهز النبي ﷺ هذه الفرصة، وأرسل كتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وبعث بعوثه إلى القبائل المسلمة لتعليمهم السنن والأحكام، فبعث منهم إلى اليمن وإلى البحرين وإلى اليمامة، وإلى حضرموت وإلى عمان، وغير ذلك من بلاد العرب.
стр. 58
كانت هذه البعوث رسل رحمة، وهداية للناس بما حملوه إليهم من القرآن، والسنة اللذين هما حياة النفوس والأرواح، كما كانت هذه البعوث عاملا مهما في نشر حديث النبي ﷺ ، بين المسلمين في أنحاء الجزيرة. وقد كان النبي ﷺ ، يتخير لهذه المهمة من كان على جانب عظيم في العلم بالقرآن، والسنن وكان يزودهم بحديثه الشريف، وإرشادهم الحكيم، ويعلمهم كيف يدعون إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة. أنظر إلى قوله لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى اليمن:
"إنك تأتي قوما أهل كتاب فقل لهم: إن الله فرض عليكم في اليوم والليلة خمس صلوات، فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في السنة صوم شهر رمضان، فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فإن أطاعوك فقل. أن الله فرض عليكم في أموالكم صدقة تؤخذ من أغنيائكم فترد في فقرائكم"، إلخ وبطبيعة الحال كان المبعوث يبين أحكام كل ذلك، بما سمعه من حديث النبي ﵊. وبسب هذا الهدي النبوي آتت هذه البعوث ثمرتها الطيبة، في نشر الحديث الشريف بين ربوع المسلمين.
٢- وفود القبائل إليه ﷺ ، وأثر ذلك في نشر الحديث:
لما تم لرسول الله ﷺ هذه الانتصارات الباهرة، والفتوح المتكاثرة، وفرغ من غزوة تبوك جاءته الوفود من أطراف الجزيرة العربية تضرب إليه أكباد الإبل، يحفزها الشوق إلى لقاء هذا النبي الأمين ليأخذوا الدين من منبعه الأول، فقد عرفت هذه القبائل أنه لا طاقة لها بحرب، محمد ﷺ بعد أن انضوت قريش تحت لواء الإسلام. وقريش هي هي في نظهم لها الإمامة والسيادة، فدخلت هذه القبائل في الدين أفواجا، ووفدوا على رسول الله ﷺ زرافات، ووحدانا مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
стр. 59
وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ .
جاءت الوفود تترى إلى رسول الله، كما جاءته الكتب والرسل من الملوك تخبره بإسلامه، ومفارقتهم للشرك وأهله، وكلما جاء وفد أكرمهم ﷺ وأرشدهم، وعرفهم أمر دينهم، وبشرهم أنهم أطاعوا وحذرهم، وأفهمهم بما لهم وما عليهم. وكان قدوم الوفود سنة تسع من الهجرة، حتى سميت هذه السنة بسنة الوفود. ولم تكن هذه الوفود تأتي لنيل عطاء، وإن كان النبي ﷺ يكرمهم، ويعطيهم من مال الله الذي آتاه، بل كانوا يأتون إليه، فيسألون عن أحكام الإسلام أصوله، وفروعه وكان النبي ﷺ ، يتحدث إليهم في كل ذلك، ويجيبهم على أسئلتهم، ويخطب فيهم ويرشدهم ويعلمهم، ويوصيهم بتقوى الله والسمع، والطاعة.
وأن من يقرأ كتب السيرة النبوية، يجد أن وفودا كثيرة جدا، أقبلت عليه ﷺ ، حتى كأنه لم تبق قبيلة من قبائل العرب، إلا قدم منها وفد على رسول الله ﷺ ، ولقد عرف الصحابة ﵃ تلك الوفود وفدا وفدا، وحفظوا ما حدثهم به النبي ﷺ من حديث، وما خطبهم من خطب وما بثه فيهم من مواعظ، ونصائح وأحكام وسنن، حتى إنك لتجد كتب الحديث والسير، والمغازي مملوءة بذكر هذه الوفود، وما كان لها من أثر عظيم في نشر الدين، والسنن سواء ما كان من هذه الوفود في سنة تسع، وما كان قبلها.
وهاك بعض الوفود التي أقبلت عليه ﷺ :
١- وفد بني سعد بن بكر، وكان وافدهم إلى النبي ﷺ هو ضمام بن ثعلبة، وفد على رسول الله سنة تسع من الهجرة، ولما
стр. 60
قدم المدينة وجد النبي ﷺ جالسا بين أصحابه ولا يعرفه. فقال: أيكم ابن عبد الطلب؟ فأشاروا إلى النبي ﷺ ، فدنا منه وقال: إني سائلك، فمشدد عليك في المسألة. قال: "سل عما بدالك". فقال: يا محمد جاءنا رسولك، فذكر لنا أنك تزعم أن الله أرسلك.
قال: "صدق". فقال: أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك، قال: "اللهم نعم".
قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي خمس صلوات في كل يوم وليلة؟، قال: "اللهم نعم".
قال: فأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا؟ قال: "اللهم نعم". قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من اثني عشر شهرا؟ قال: "اللهم نعم". قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن يحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا؟ قال: "اللهم نعم". قال: فأنا قد آمنت وصدقت، وأنا ضمام بن ثعلبة"، ثم رجع ضمام إلى قومه فأسلموا جميعا.
٢- وفد عبد القيس، لما قدموا على النبي ﷺ ، قالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك، إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من مضر، فمرنا بأمر فصل نختبر به من وراءنا، وندخل به الجنة وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع. أمرهم بالإيمان بالله وحده. قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس".
ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدباء، والنقير والمزفت. وقال: "احفظوهن وأخبروا بهن من رواءكم"، رواه البخاري في كتاب الإيمان.
٣- وفد تجيب، وكانوا ثلاثة عشر رجلا، ساقوا معهم صدقات أموالهم، التي فرض الله عليهم، فسر النبي ﷺ بهم، وأكرم مثواهم، وقالوا: يا رسول الله، إنا سقنا إليك حق الله في أموالنا، فقال لهم
стр. 61
"ردوها فاقسموها على فقرائكم". قالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك، إلا بما فضل عن فقرائنا. قال أبو بكر: يا رسول الله ما قدم علينا وفد من العرب مثل هذا الوفد، فقال ﵇: "إن الهدى بيد الله ، فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان"، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن.
فازداد رسول الله ﷺ فيهم رغبة. وأرادوا الرجوع إلى أهليهم، فقيل لهم: ما يعجبكم قالوا: نرجع إلى من وراءنا، فنخبرهم برؤية رسول الله ﷺ ، وتلاقينا إياه وما رد علنيا، ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله علهي وسلم، فودعوه فأرسل إليهم بلالا، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود. ثم قال لهم رسول الله ﷺ : "هل بقي منكم أحد"، قالوا: غلام خلفناه على رحالنا، وهو أحدثنا سنا. قال: فأرسلوه فلما حضر قال: يا رسول الله أنا من الرهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي، قال: "وما حاجتك"، قال: تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، ويجعل غناي في قلبي، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه"، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه. ثم إنهم بعد ذلك وافوا رسول الله ﷺ بمنى في الموسم إلا ذلك الغلام، فسألهم ﷺ عنه، قالوا: يا رسول الله ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله. لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها.
فقال النبي ﷺ : "الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعا".
فقال رجل منهم: أو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعل الأجل يدركه في بعض تلك الأودية، فلا يبالي الله في أيها هلك".
من هذا ترى أن الوفود، كانت تقدم على رسول الله صلى الله عليه
стр. 62
وسلم لتنهل من معين العلم، ولنتفق في دين الله وتقف على أحكام الإسلام، ثم يرجعون إلى أوطانهم، يعلمون من وراءهم من قبائلهم وعشائرهم.
فهذه الوفود إلى جانب البعوث، التي كان يرسلها النبي ﷺ إلى القبائل، والملوك كان لها أكبر الأثر في نشر السنة النبوية في أنحاء الجزيرة العربية.
حجة الوداع وأثرها في نشر الحديث:
هذا ولما استتب لرسول الله ﷺ الأمر في الجزيرة، قصد حج بيت الله الحرام، وقد حج معه من المسلمين أربعون ألفا، فألقى فيهم النبي ﷺ ، خطة عظيمة جمع فيها أحكاما غزيرة، وسننا كثيرة، ووضع من آثار الجاهلية ما أبطله الإسلام. ولكثرة الناس في ذلك اليوم، اتخذ ربيعة بن أمية بن خلف مبلغا عنه. وافتتح هذه الخطة بعد حمد الله بقوله: "أيها الناس اسمعوا قولي، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا"، وهي خطبة طويلة بين للناس فيها مناسك الحج، وكأنه ﵇ كان يشعر بدنو أجله، فلم يترك شيئا لم يكن بينه للناس إلا بينه وأظهره، فكانت هذه الخطبة الحافلة في هذا الجمع الحاشد، من أكبر العوامل في ذيوع السنن الكثيرة بين قبائل العرب وعشائرهم، وهي كمنهاج ختامي للدعوة الإسلامية عامة، ولحديث رسول الله ﷺ خاصة، وقد نزل في هذا الوقت قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ .
стр. 63
الدور الثاني: السنة في زمن الخلافة الراشدة
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية لهذا العهد
...
الدور الثاني: السنة في زمن الخلافة الراشدة
وفيه مباحث:
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية لهذا العهد.
المبحث الثاني: منهج الصحابة في رواية الحديث.
أ- أمرهم بتقليل رواية الحديث.
ب- تثبتهم في رواية الحديث.
ج- منعهم الناس من التحديث بما يعلو على مدارك العامة.
المبحث الثالث: رد شبه واردة على منهج الصحابة في رواية الحديث، والعمل به.
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية لهذا العهد
قبض رسول الله ﷺ ، ولم يوص بالخلافة لأحد من أصحابه، فوقع بين المهاجرين والأنصار النزاع، فيمن تكون الخلافة أفي المهاجرين أم في الأنصار؟، فاجتمعوا يوم السقيفة، فأقنعهم أبو بكر بأن الخلافة في المهاجرين أول الناس إسلاما، فتقدم عمر بن الخطاب، وبايع أبا بكر الصديق وتوافد الناس على بيعته، وتم الأمر وقضى على الخلاف في مهده.
وما أن تقلد أبوبكر الخلافة، حتى اشرأب النفاق بالمدينة، وارتد كثير
стр. 64
من القبائل عن الإسلام ومنع بعضهم الزكاة، فنشط أبو بكر لحربهم وتأهب لقتالهم، فقالوا نصلي ولا نؤدي الزكاة. فقال الناس: أقبل منهم يا خليفة رسول الله، فإن العهد حديث والعرب كثير، ونحن شرذمة قليلون ليس لنا طاقة بهم. وقد قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله". فقال أبو بكر: هذا من حقها لا بد من القتال. وكان على رأيهم عمر بن الخطاب، فلم يقبل منه أبو بكر وقال له كلمته المشهورة: "أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا ابن الخطاب. والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. ولو لم أجد أحدا أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي، حتى يحكم الله بيني وبينهم، وهو خير الحاكمين"، فشرح الله صدورهم لرأي أبي بكر.
سار أبو بكر ﵁ في طريقه لا يهن، ولا يلين فقاتل بمن أطاعه من عصاه، وضرب من أدبر منهم بمن أقبل، حتى أصاخوا جميعا لحكم الله ودخلوا الإسلام طوعا وكرها، وأدوا زكاة أموالهم إلى بيت مال المسلمين.
فانتظم أمر الإسلام، وحمد الناس لأبي بكر رأيه، وعرفوا له مكانته وفضله.
واستمر الأمر على هذا الحال زمن الشيخين، وصدرا من خلافة عثمان ﵃ هدوء، واستقرار في جميع نواحي الحياة سياسية، كانت أم اجتماعية فاستكمل صغار الصحابة علومهم الدينية، وتحمل كثير من التابعين الحديث والأحكام، وفتاوى الصحابة وأقضيتهم.
ثم لما أخذ الناس على عثمان ﵁ أمورا، قد يكون فيها معذورا دخل في الدين قوم من اليهود، التحفوا بالإسلام ولم يتبطنوه
стр. 65
وكان على رأسهم ذلك الطاغية المدعو بعبد الله بن سبأ اليهودي الحميري. جعل هذا الخبيث ينفخ في بوق الفتنة، ويؤلب الناس على عثمان في مختلف الأقطار، حتى كان ما كان من قتل الخليفة في بيته ظلما بلك الأيدي الأثيمة. ومن ذلك الحين انفتح على المسلمين باب شر عظيم، ودب فيهم داء الخلاف الذي أطاح برءوس الكثير، من أصحاب رسول الله ﷺ . فما كاد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، يتولى الخلافة حتى قام معاوية يطالب بدم عثمان، فوقعت بينهما حروب مزقت المسلمين، وفرقت كلمتهم، وانتهت بمعركة صفين، التي كان على أثرها انشقاق أصحاب علي إلى خوارج وشيعة. فاستغل هذا النزاع طوائف من الأمم المغلوبة على أمرها من يهود، وفرس وغيرهم، وأخذوا يكيدون للإسلام، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
стр. 66
المبحث الثاني: منهج الصحابة في رواية الحديث
طالما كان النبي ﷺ بين ظهراني أصحابه، يعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم كانوا سعيدين به في أمر دينهم، ودنياهم فلم يعد هناك خوف على حديث رسول الله ﷺ ، من أعمال المنافقين ودجل الكذابين. فالوحي ما دام يتنزل على نبي الله يفضح أمرهم ويكشف سرهم، والسنة في أمن من عبثهم وكيدهم: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ، كما أنه لم يكن هناك مجال لنقد الحديث، وروايته بدون الرجوع إلى صاحب الرسالة، فقد كانوا إذا جد بينهم خلاف لجأوا إلى حضرة النبي ﷺ ، كما أمرهم الله بذلك: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، هذا عمر بن
стр. 67
الخطاب يسمع هشام بن حكيم، يقرأ سورة الفرقان على غير ما يقرؤها هو فيلببه بردائه، ثم يأتي به الرسول ﷺ ويقول له: هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فيأمر النبي ﷺ هشاما بالقراءة، ويقول: "هكذا أنزلت"، ثم يأمر عمر بالقراءة، ويقول: "هكذا أنزلت ثم يقول: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه". والحديث مروي في البخاري، وغيره إلى غير ذلك من الأمثلة والحوادث، التي كان النبي ﷺ يقضي فيها على النزاع، أو يصحح فيها الرواية عنه.
ومن ذلك نرى أن حياته ﵊، كانت قاضية على الخلاف إذا نشب، والشك إذا عرض بل والخاطر إذا هجس.
فلما قبض رسول الله ﷺ ، لم يعد هناك حارس للسنة إلا صدور الصحابة، فقد انقطع الوحي واشرأب النفاق، وارتد كثير من العرب، ومنع بعضهم الزكاة، فلا نعجب إذن من منافق يملي عليه نفاقه أن يكذب على رسول الله، ولا نعجب من بعض الأعراب، الذي يدعي أن رسالة محمد تنتهي بموته، أن يعبث بحديث رسول الله.
ولكن أبا بكر وقف وقفة الحيطة والحذر، فكما قلم أظفار المرتدين ومانعي الزكاة كذلك سد الباب في وجوه الكذابين، بما وضعه من قوانين الرواية.
وجاء عمر من بعده سائرا على نهجه، فأرهب الكذابين وخوف المكثرين وإليك طرفا من تلك الأعمال الجليلة.
أ- أمر الصحابة بتقليل الرواية:
نظر الخلفاء الراشدون، وتابعهم سائر الصحابة إلى السنة الشريفة، فألفوها كنوزا ثمينة في صدور الذين أوتوا العلم فلم، يشاءوا أن يعرضوها في سوق الرواية، لئلا يتخذ المنافقون من شيوع الحديث
стр. 68
صلى الله عليه سلم ثلاث سنين، وأتى من الرواية عنه ما لم يأتب به أحد من السابقين الأولين، فلما أخبرهم بأنه كان ألزمهم لرسول الله ﷺ ، وأنه لم يشغله عن مجالسته تجارة، ولا بيع، ولا زرع ولا غرس، فحظ ما لم يحفظوا سكتوا عنه. ومع ذلك فقد كان أبو هريرة يمسك عن التحديث زمن عمر، الذي كان شديدا على الرواة حذرا من خطر الإكثار. فقد قيل لأبي هريرة: أكنت تحدث في زمن عمر هكذا؟، قال: لوكنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته".
كان عمر بن الخطاب يأمر الناس بتقليل الرواية، وكان مهيبا عند جميع الصحابة، روى الشعبي عن قرظة بن كعب أنه قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر إلى صرار فتوضأ، فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا. فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن، كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، امضوا وأنا شريككم فلما قدم قرظة، قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب"، وإنما ذكرنا هذه الرواية على فرض صحتها، وإلا فقد طعن فيا ابن عبد البر.
وهذا عبد الله بن الزبير يسأل الزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان، فيقول له: أما أني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار"، وها زيد بن أرقم يقال له حدثنا فيقول: كبرنا ونسينا والحديث عن رسول الله ﷺ شديد"، والسائب بن يزيد يقول: صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة فما سمعته يحدث عن النبي ﷺ حديثا واحدا"، والشعبي يقول: جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ شيئا"، وكان أنس بن
стр. 69
مالك يتتبع الحديث، عن النبي صلى اله عليه وسلم بقوله: "أو كما قال" حذرا من الوقوع في الكذب عليه.
من هذه الآثار -وغيرها كثير- تجد أن الصحابة، وقفوا على حذر في شأن الحديث، فأقلوا من الراوية خشية أن يتخذها المنافقون مطة لأغراضهم الخبيثة، ولغير ذلك مما سبق، وهم مع ذلك واقفون عند قوله ﷺ : "إياكم وكثرة الحديث، ومن قال عني فلا يقولن إلا حقا" ١ واقفون عند سنة الخلفاء الراشدين المهديين، كما أمرهم النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين".
ب- تثبت الصحابة في رواية الحديث:
وكما أشار الصحابة بالإقلال من رواية الحديث، وأمسكوا عن الإكثار منها كذلك ساروا على منهاج التثبت في الراوي والمروي، مستضيئين في ذلك بكتاب الله مسترشدين بما تواتر، أو اشتهر من سنة رسول الله.
فأخذوا الحديث بحيطة بالغة وحذر شديد. فما اطمأنت قلوبهم إليه من الحديث بأن كان متواترا، أو مشهورا أو آحادا لم يكن في رواته من يشك، في حفظه وضبطه قبلوه، وعملوا به ولم يطلبوا عليه شهيدا ولا دليلا. وما وقع فيه شك طلبوا عليه ظهيرا. وما لم تقم البينة على صدقه مما وقع فيه الشك، أو كان مخالفا لكتاب الله ردوه على قائله.
ونحن ذاكرون لك طرفا من الروايات توضح ذلك.
١- روى الحافظ الذهبي في تكرة الحفاظ في ترجمة أبي بكر الصديق قال: كان أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة أن الجدة، جاءت إلى أبي بكر تلتمس أو تورث. قال: ما أجد
стр. 70
لك في كتاب الله شيئا. وما علمت أن رسول الله ﷺ ، ذكر لك شيئا. ثم سأل الناس فقام المغيرة، فقال: كان رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال له هل معك أحد، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنقذه لها أبو بكر ﵁.
٢- وروى في ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، قال: وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد، إذا ارتاب روى الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن أبا موسى، سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات. فل يؤذن له فرجع، فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت. قال: سمعت رسول الله ﷺ .
يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثا، فلم يجب فليرجع"، قال: لتأتيني على ذلك بينة أو لأفعلن بك. فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس فقلنا: ما شأنك فأخبرنا وقال: فهل سمع أحد منكم فقلنا: نعم كلنا سمعه فأرسلوا معه رجلا منهم فأخبره.
٣- وروى الذهبي أيضا، عن هشام عن أبيه عن المغيرة بن شعبة.
أن عمر استشارهم في أملاص المرأة -يعني السقط- فقال المغيرة:
قضى فيه رسول الله ﷺ بغرة١. فقال له عمر: إن كنت صادقا فأت واحد يعلم ذلك. قال: فشهد محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ قضى به.
٤- وروى الذهبي أيضا أن عمر قال لأبي -وقد روى له حديثا- لتأتيني على ما تقول بينه، فخرج فإذا ناس من الأنصار، فذكر لهم.
قالوا: قد سمعنا هذا من رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أما إني لم أتهمك، ولكن أحببت أن أثبت.
стр. 71
٥- وفي ترجمة أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب يروي الذهبي، عن أسماء بن الحكم الفزاري أنه سمع عليا يقول: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ ، حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني به.
وكان إذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم يذنب ذنبا، ثم يتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له".
٦- وهذه عائشة، أم المؤمنين ترد حديث رؤية النبي ﷺ لربه، ليلة المعراج بظاهر قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ، وتقول: من زعم أن محمدًا رأى ربه ليلة الإسراء، فقد أعظم على الله الفرية. وهذا اجتهاد منها ﵂، وقد خالفها بعض العلماء في ذلك، وتأولوا الآية على معنى لا تحيط به الأبصار، وبذلك لا تتنافى الآية مع الحديث -وكما كان لعائشة ﵂ نظرة في متن الحديث، حيث تنقده بعرضه على القرآن، كذلك كان لها نظرة في الراوي، فكانت تختبر حفظه لتقف على مبلغ ضبطه للحديث. جاء في الصحيحين عنها، أنها قالت لعروة بن الزبير. يا بن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو سار بنا إلى الحج، فألقه فاسأله فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا. قال: فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن النبي ﷺ . قال عروة: فكان فيما ذكر: أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن يقبض العلماء، فيرفع العلم معهم. ويبقى في الناس رؤوس جهال يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون"، قال عروة: فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك، وأنكرته قالت: أحدثك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال عروة: نعم. حتى إذا كان عام قابل قالت لي: أن ابن عمرو قد
стр. 72
قدم فألقه، ثم فاتحه حتى تأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم.
قال: فلقيته فسالته فذكر لي نحو ما حدثني به في المرة الأولى. قال عروة: فلما أخبرتها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدق أراه لم يزد فيه شيئا، ولم ينقص. "ا. هـ. من أعلام الموقعين ١-٤٣".
فهذا من عائشة ﵂، اختبار لحفظ عبد الله بن عمرو، فأول مرة تشككت في ضبطه ثم لما وجدته في المرة الثانية، لم يزد في الحديث حرفا ولم ينقص، وقد مضى على ذلك عام كامل، علمت أنه حافظ للحديث جيد الضبط فصدقته وقبلت حديثه.
وهذه الآثار -وغيرها كثير- تدل دلالة واضحة على أن الصحابة، كانوا يتثبتون في أمر الحديث، ويزنون الراوي والمروي بميزان النقد العلمي الصحيح، وهذا أمر طبيعي بعد أن لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، فقد كان في حياته، يكفيهم هذه المهمة كما أشرنا من قبل.
ج- منع الصحابة الرواة من التحديث بما يعلو على فهم العامة:
تقدم لك الإشارة إلى أن النبي ﷺ ، كان يخص بنوع من العلم من يرى عليه أثر النبوغ، والفهم من الصحابة، وكان يمنعهم من أن يحدثوا العامة بذلك، خشية ألا يفهموه فيفتتنوا. روى البخاري في كتاب العلم من صحيحه، أن النبي ﷺ كان راكبا، ومعاذ رديفه على الرحل فقال: "يا معاذ بن جبل". قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار". قال معاذ: يا رسول الله أفلا أخبر الناس فيستبشروا. قال: "إذن يتكلوا". وأخبر بذلك معاذ عند موته تجنبا لإثم كتمان العلم.
وهذا عمر بن الخطاب يرد أبا هريرة -وقد أمره النبي ﷺ ، أن يبشر الناس بمثل ما في حديث معاذ- ويقول: ارجع
стр. 73
يا أبا هريرة، ويدخل عمر من فوره على النبي ﷺ ، يقول له:
يا رسول الله أنت قلت لأبي هريرة كذا وكذا، فقال له النبي ﷺ : "نعم"، فقال عمر: لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس فخلهم يعملون. وقد أقره النبي ﷺ على ذلك، وقال: "فخلهم"، رواه مسلم في كتاب الإيمان. وروى في مقدمة صحيحه عنه ﷺ أنه قال: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"، وذلك؛ لأن تحديث العامة بكل شيء -ومعلوم أن عقولهم لا تهضم كل شيء- مدعاة إلى تكذيبهم للمحدث فيما لا يفهمونه، وبذلك تضيع ثقتهم به، ولعلهم إن لم يكذبوه، وعملوا بما فهموا تركوا بعض الأحكام الشرعية، وكان هو كالكاذب على الله ورسوله، فقد صرفهم عن العمل بأحكام الدين بسبب تحديثهم بما يعلو على أفهامهم، وكفى بذلك كذبا.
بل نقول: أن تحديث العامة بما يعلو على أفهامهم، مدعاة لارتيابهم في الدين نفسه، ولهذا قال ابن عباس: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله".
هذا وقد سار الصحابة على هذا الهدي النبوي، في ذلك العصر فامتنعوا عن التحديث بما لا تدركه عامة الناس، خشية أن يفتنوا فيتركوا بعض الفرائض الدينية. يروي مسلم في مقدمة صحيحه، عن ابن مسعود أنه قال: "ما أنت محدث قوماحديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة"، ويروي البخاري عن أبي هريرة أنه كان يقول: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم"، ويروى عن علي أيضا، "حدثوا الناس بما يعرفون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله"، وروى ابن عبد البر مثل ذلك، عن ابن عباس ﵄، وما زال الصحابة والتابعون، والأئمة من بعدهم يكرهون التحديث بما يكون مثار فتن، وقلاقل بسبب قصور بعض الناس
стр. 74
في الفهم أو استغلال أصحاب الأهواء، والسلاطين ظاهر النصوص لتأييد بدعهم وتسويغ ظلمهم وغشمهم. ولقد أنكر الحسن البصري تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يفعله من المبالغة في سفك الدماء، ولا حجة له في ذلك سوى تأويلاته الواهية.
وهذا أحمد بن حنبل، يكره التحديث بعض الأخبار، التي يكون ظاهرها الخروج على الأمير. وهذا أبو يوسف يكره التحديث بالغرائب. وكان ذلك منهم ﵃، محافظة على سلامة الدين من أصحاب الأهواء، وسلامة الأمة من أهل الشغب والفتن. فكثيرا ما تعلل المبطلون والإباحيون بظواهر أحاديث، غير ماردة فتحللوا من أحكام الإسلام، وخرجوا إلى صريح الكفر من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وكثيرا ما يوجد ذلك في أقوام ينصبون أنفسهم دعاة للدين، سواء أكانوا مغرضين أم غير مغرضين وصدق القائل: وآفة الأديان من جهل الدعاة.
لذلك أمسك الصحابة عن التحديث بما يكون ذريعة للتقصير، والتهاون بسبب قصور النظر، أو يكون سلما لأهل الأهواء والبدع، ومن هو على شاكلتهم حتى لا تكون فتنة في الأرض وفساد كبير١.
стр. 75
المبحث الثالث: رد شبه واردة على منهج الصحابة في رواية الحديث، والعمل به
رب قائل يقول: إن الصحابة كانوا يزهدون في رواية الحديث، بل ويرغبون عنها؛ لأنهم ما كانوا يعملون إلا بالقرآن، وما اشتهر من السنن ثم يحكمهم آراءهم فيما سوى ذلك، ولهذا أشاروا بتقليل الرواية، عن رسول الله ﷺ ، ونقل عنهم العمل بالرأي في كثير من الحوادث، التي كانت تعترضهم، كما نقل عنهم أنهم ردوا بعض الأخبار وطلبوا البينة على صحة بعض آخر منها، أو استخلفوا الرواة على أنهم سمعوها من النبي ﷺ . فهذا منهم رغبة عن الرواية ورد للسنة الآحادية، وتقديم للرأي على النص وهو خلاف ما عرف عنهم.
والجواب عن ذلك:
١- أن أمرهم بتقليل الرواية، إنما كان خشية أن يحدث المكثر بما لم يحفظه؛ لأن ضبط المقل أكثر من ضبط المكثر. كما كرهوا الإكثار لئلا يتخذه المغرضون من المنافقين مطية لأهوائهم، فيدسوا في الحديث ما ليس منه. ثم هناك أقوام لم يكونوا أحصوا القرآن، فخافوا عليهم الاشتغال بغيره، وهو الأصل الأول في الدين.
٢- وأما طلبهم شاهدا على السماع، أو استحلافهم الراوي عليه، فلم يكن ذلك شأنهم المستمر، بل كان يحصل منهم ذلك، إذا ما ارتابوا في ضبط الراوي بدليل أنهم كانوا يقبلون أخبارا عن أفراد من الصحابة، لم يروها غيرهم إذا ما اطمأنوا لحفظهم، فقد قبل عمر رواية الضحاك بن سفيان، "أن رسول الله ﷺ ، كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته"، ولم يطلب منه بينة على ذلك، ورجع من"سرغ" لما بلغه أن الوباء نزل بالشام لحديث عبد الرحمن بن عوف، ولم يوجد الحديث عند غيره من المهاجرين والأنصار، ممن كانوا مع عمر، ولم يطلب على ذلك بينة، وعلي كرم الله وجهه يقول في حديثه السابق: "وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر"، فلم يستحلفه لما كان صادقا عنده وعمر يقول لأبي: أما أني لم أتهمك، ولكن أحببت أن أتثبت"، إلى غير ذلك.
٣- وأما أنهم كانوا يعملون بآرائهم، ويتركون الحديث فهذا