٥- وفي ترجمة أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب يروي الذهبي، عن أسماء بن الحكم الفزاري أنه سمع عليا يقول: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ ، حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني به.
وكان إذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم يذنب ذنبا، ثم يتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له".
٦- وهذه عائشة، أم المؤمنين ترد حديث رؤية النبي ﷺ لربه، ليلة المعراج بظاهر قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ، وتقول: من زعم أن محمدًا رأى ربه ليلة الإسراء، فقد أعظم على الله الفرية. وهذا اجتهاد منها ﵂، وقد خالفها بعض العلماء في ذلك، وتأولوا الآية على معنى لا تحيط به الأبصار، وبذلك لا تتنافى الآية مع الحديث -وكما كان لعائشة ﵂ نظرة في متن الحديث، حيث تنقده بعرضه على القرآن، كذلك كان لها نظرة في الراوي، فكانت تختبر حفظه لتقف على مبلغ ضبطه للحديث. جاء في الصحيحين عنها، أنها قالت لعروة بن الزبير. يا بن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو سار بنا إلى الحج، فألقه فاسأله فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا. قال: فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن النبي ﷺ . قال عروة: فكان فيما ذكر: أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن يقبض العلماء، فيرفع العلم معهم. ويبقى في الناس رؤوس جهال يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون"، قال عروة: فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك، وأنكرته قالت: أحدثك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال عروة: نعم. حتى إذا كان عام قابل قالت لي: أن ابن عمرو قد
стр. 72
قدم فألقه، ثم فاتحه حتى تأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم.
قال: فلقيته فسالته فذكر لي نحو ما حدثني به في المرة الأولى. قال عروة: فلما أخبرتها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدق أراه لم يزد فيه شيئا، ولم ينقص. "ا. هـ. من أعلام الموقعين ١-٤٣".
فهذا من عائشة ﵂، اختبار لحفظ عبد الله بن عمرو، فأول مرة تشككت في ضبطه ثم لما وجدته في المرة الثانية، لم يزد في الحديث حرفا ولم ينقص، وقد مضى على ذلك عام كامل، علمت أنه حافظ للحديث جيد الضبط فصدقته وقبلت حديثه.
وهذه الآثار -وغيرها كثير- تدل دلالة واضحة على أن الصحابة، كانوا يتثبتون في أمر الحديث، ويزنون الراوي والمروي بميزان النقد العلمي الصحيح، وهذا أمر طبيعي بعد أن لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، فقد كان في حياته، يكفيهم هذه المهمة كما أشرنا من قبل.
ج- منع الصحابة الرواة من التحديث بما يعلو على فهم العامة:
تقدم لك الإشارة إلى أن النبي ﷺ ، كان يخص بنوع من العلم من يرى عليه أثر النبوغ، والفهم من الصحابة، وكان يمنعهم من أن يحدثوا العامة بذلك، خشية ألا يفهموه فيفتتنوا. روى البخاري في كتاب العلم من صحيحه، أن النبي ﷺ كان راكبا، ومعاذ رديفه على الرحل فقال: "يا معاذ بن جبل". قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار". قال معاذ: يا رسول الله أفلا أخبر الناس فيستبشروا. قال: "إذن يتكلوا". وأخبر بذلك معاذ عند موته تجنبا لإثم كتمان العلم.
وهذا عمر بن الخطاب يرد أبا هريرة -وقد أمره النبي ﷺ ، أن يبشر الناس بمثل ما في حديث معاذ- ويقول: ارجع
стр. 73
يا أبا هريرة، ويدخل عمر من فوره على النبي ﷺ ، يقول له:
يا رسول الله أنت قلت لأبي هريرة كذا وكذا، فقال له النبي ﷺ : "نعم"، فقال عمر: لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس فخلهم يعملون. وقد أقره النبي ﷺ على ذلك، وقال: "فخلهم"، رواه مسلم في كتاب الإيمان. وروى في مقدمة صحيحه عنه ﷺ أنه قال: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"، وذلك؛ لأن تحديث العامة بكل شيء -ومعلوم أن عقولهم لا تهضم كل شيء- مدعاة إلى تكذيبهم للمحدث فيما لا يفهمونه، وبذلك تضيع ثقتهم به، ولعلهم إن لم يكذبوه، وعملوا بما فهموا تركوا بعض الأحكام الشرعية، وكان هو كالكاذب على الله ورسوله، فقد صرفهم عن العمل بأحكام الدين بسبب تحديثهم بما يعلو على أفهامهم، وكفى بذلك كذبا.
بل نقول: أن تحديث العامة بما يعلو على أفهامهم، مدعاة لارتيابهم في الدين نفسه، ولهذا قال ابن عباس: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله".
هذا وقد سار الصحابة على هذا الهدي النبوي، في ذلك العصر فامتنعوا عن التحديث بما لا تدركه عامة الناس، خشية أن يفتنوا فيتركوا بعض الفرائض الدينية. يروي مسلم في مقدمة صحيحه، عن ابن مسعود أنه قال: "ما أنت محدث قوماحديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة"، ويروي البخاري عن أبي هريرة أنه كان يقول: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم"، ويروى عن علي أيضا، "حدثوا الناس بما يعرفون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله"، وروى ابن عبد البر مثل ذلك، عن ابن عباس ﵄، وما زال الصحابة والتابعون، والأئمة من بعدهم يكرهون التحديث بما يكون مثار فتن، وقلاقل بسبب قصور بعض الناس
стр. 74
في الفهم أو استغلال أصحاب الأهواء، والسلاطين ظاهر النصوص لتأييد بدعهم وتسويغ ظلمهم وغشمهم. ولقد أنكر الحسن البصري تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يفعله من المبالغة في سفك الدماء، ولا حجة له في ذلك سوى تأويلاته الواهية.
وهذا أحمد بن حنبل، يكره التحديث بعض الأخبار، التي يكون ظاهرها الخروج على الأمير. وهذا أبو يوسف يكره التحديث بالغرائب. وكان ذلك منهم ﵃، محافظة على سلامة الدين من أصحاب الأهواء، وسلامة الأمة من أهل الشغب والفتن. فكثيرا ما تعلل المبطلون والإباحيون بظواهر أحاديث، غير ماردة فتحللوا من أحكام الإسلام، وخرجوا إلى صريح الكفر من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وكثيرا ما يوجد ذلك في أقوام ينصبون أنفسهم دعاة للدين، سواء أكانوا مغرضين أم غير مغرضين وصدق القائل: وآفة الأديان من جهل الدعاة.
لذلك أمسك الصحابة عن التحديث بما يكون ذريعة للتقصير، والتهاون بسبب قصور النظر، أو يكون سلما لأهل الأهواء والبدع، ومن هو على شاكلتهم حتى لا تكون فتنة في الأرض وفساد كبير١.
стр. 75
المبحث الثالث: رد شبه واردة على منهج الصحابة في رواية الحديث، والعمل به
رب قائل يقول: إن الصحابة كانوا يزهدون في رواية الحديث، بل ويرغبون عنها؛ لأنهم ما كانوا يعملون إلا بالقرآن، وما اشتهر من السنن ثم يحكمهم آراءهم فيما سوى ذلك، ولهذا أشاروا بتقليل الرواية، عن رسول الله ﷺ ، ونقل عنهم العمل بالرأي في كثير من الحوادث، التي كانت تعترضهم، كما نقل عنهم أنهم ردوا بعض الأخبار وطلبوا البينة على صحة بعض آخر منها، أو استخلفوا الرواة على أنهم سمعوها من النبي ﷺ . فهذا منهم رغبة عن الرواية ورد للسنة الآحادية، وتقديم للرأي على النص وهو خلاف ما عرف عنهم.
والجواب عن ذلك:
١- أن أمرهم بتقليل الرواية، إنما كان خشية أن يحدث المكثر بما لم يحفظه؛ لأن ضبط المقل أكثر من ضبط المكثر. كما كرهوا الإكثار لئلا يتخذه المغرضون من المنافقين مطية لأهوائهم، فيدسوا في الحديث ما ليس منه. ثم هناك أقوام لم يكونوا أحصوا القرآن، فخافوا عليهم الاشتغال بغيره، وهو الأصل الأول في الدين.
٢- وأما طلبهم شاهدا على السماع، أو استحلافهم الراوي عليه، فلم يكن ذلك شأنهم المستمر، بل كان يحصل منهم ذلك، إذا ما ارتابوا في ضبط الراوي بدليل أنهم كانوا يقبلون أخبارا عن أفراد من الصحابة، لم يروها غيرهم إذا ما اطمأنوا لحفظهم، فقد قبل عمر رواية الضحاك بن سفيان، "أن رسول الله ﷺ ، كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته"، ولم يطلب منه بينة على ذلك، ورجع من"سرغ" لما بلغه أن الوباء نزل بالشام لحديث عبد الرحمن بن عوف، ولم يوجد الحديث عند غيره من المهاجرين والأنصار، ممن كانوا مع عمر، ولم يطلب على ذلك بينة، وعلي كرم الله وجهه يقول في حديثه السابق: "وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر"، فلم يستحلفه لما كان صادقا عنده وعمر يقول لأبي: أما أني لم أتهمك، ولكن أحببت أن أتثبت"، إلى غير ذلك.
٣- وأما أنهم كانوا يعملون بآرائهم، ويتركون الحديث فهذا
стр. 76
ما ترده الوقائع المتكاثرة عنهم، والآثار المشترة على ألسنتهم. هذا عمر بن الخطاب يقول: "إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوا" ويقول: "سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله"، ويقول: "تعلموا الفرائض والسنن كما تتعلمون القرآن".
أما ما ورد عنهم من الرأي، فكان بعد أن نقبوا عن الحديث عند أصحاب رسول الله، فلم يجدوا ثم إذا رأوا قالوا: "هذا رأينا فإن كان خطأ فمنا، ومن الشيطان، وإن كان صوابا فمن الله"، ثم إذا تبين لهم بعد ذلك حديث عن رسول الله ﷺ ، رجعوا عن رأيهم إليه وعملوا به. هذا ميمون بن مهران يحدث عن أبي بكر الصديق، "أنه كان إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به. وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ﷺ ، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به. فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله، قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه بعض القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا. فإن لم يجد سنة سنها النبي صل الله عليه وسلم، جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به"، قال: "وكان عمر يفعل ذلك فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة، سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟، فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الصحابة واستشارهم. فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به".
وهذا عمر أيضا يقول لشريح وقد بعثه على قضاء الكوفة: "انظر ما تبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله، فاتبع فيه سنة رسول الله ﷺ ، وما لم يتبين لك فيه
стр. 77
السنة فاجتهد فيه برأيك"، وهذا عبد الله بن مسعود يقول: "من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى فيه نبيه ﷺ . فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه نبيه، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يجد في كل ذلك فليجتهد برأيه فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي". والآثار في الباب كثيرة جدا "أعلام الموقعين جـ١ ص٥١" و"حجة الله البالغة ١-١٢٩".
وكيف يتصور منهم العزوف عن سنة رسول الله ﷺ إلى آرائهم، وهذا علي كرم الله وجهه، يقول: لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه"، وهذا ابن عباس ﵁، ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر، وسهل بن حنيف ومعاوية وأبو بكر، وعمر وعثمان كل هؤلاء يذمون الرأي، ويشيرون باتباع السنن.
فمن هذه الآثار وغيرها ترى أن الصحابة، كانوا وقافين عند الحديث رجاعين إلى السنة، عاملين بها معنيين بأمرها، وإن أشاروا بتقليل الرواية لغرض صحيح، فلا ينبغي أن يفهم منه أنهم زاهدون في السنن، وإلا لنهوا عن الإكثار منها والإقلال. وقد سبق لك عرفان الصحابة بمكانة السنة في الدين الأمر، الذي جعلهم يعنون بها كل العناية، وهم وإن لم يدونوها، كما دونوا القرآن لأمور سنذكرها في مكانها، فقد حفظوها في صدورهم، وضبطوها كل الضبط مع ما كانوا عليه من الاستعداد الفطري في الحفظ، وسيلان الذهن.
وأما ما جاء من ردهم لبعض الأحاديث، فكان منهم إما لضعف ثقتهم بالراوي، وإما لاطلاعهم على ناسخ، أو معارض أقوى، كما حصل من عائشة في حديث رؤية الله ليلة المعراج، وكما حصل من عمر في رده حديث فاطمة نت قيس، أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها نفقة
стр. 78
ولا سكنى بعد الطلقة الثالثة، وأفتى بأن للمبتوتة النفقة والسكنى، لما وجد من قوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وقال: لا نترك كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت أحفظت أم نسيت. إلى غير ذلك من المثلة، التي يكون للصحابة فيها العذر، فيظن من لا علم له بحقيقة الأمر، أنهم لا يعملون بالسنة وحاشاهم من ذلك.
الرد على من يزعم أن الصحابة كانوا لا يعتمدون على أخبار الآحاد:
هذا، وقد استدل فريق من الناس، على أن أخبار الآحاد لا يعتمد عليها في أمر الدين بما ثبت من توقف الصحابة فيها، وعدم عملهم بها بمجرد أن رويت لهم عن رسول الله ﷺ ، وقد رد عليهم جمهو العلماء بأن هذا التوقف إنما كان لأمور طارئة، فلا يلزم منه رد جميع أخبار الآحاد.
على أن ما استدلوا به من ذلك أن صح زعمهم، إنما يدل على مذهب من يشترط العدد في الرواة، ولا يدل على مذهب من يشترط التواتر في قبول الخبر.
ثم نقول لهم إن هذه الآثار التي استندتم، إلا لا تخرج عن كونها أخبار آحاد، فكيف تستدلون بأخبار الآحاد على قولكم أن أخبار الآحاد ليست بحجة؟ هذا تناقض ظاهر. ثم إنه بالوقوف على جنس المعاذير في رد الأخبار، والتوقف فيها يزول هذا الاشتباه توقف النبي صلى الله عليه وسم، في قول ذي اليدين:
أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فهذا منه ﷺ لأحد أمرين: إما؛ لأنه استبعد على ذي اليدين أن ينفرد بذلك، دون الجمع الغفير، فكان انفراده ذلك أمارة على غلطة، إذ الأقرب في مثل ذلك جواز الخطأ على الواحد دون الجمع الكثير، وإما؛ لأنه أراد أن يعلم أصحابه وجوب التوقف في مثل ذلك -وإن كان ذو اليدين صادقا- لئلا يتخذوها سنة، فيصدقوا الواحد مع سكوت الجماعة بدون توقف لا سيما، والجماعة كانت حاضرة
стр. 79
الحادث. وقد توقف أبو بكر في حديث المغيرة السابق، لينظر هل الحكم مستقر أو منسوخ، أو ليكون الحكم أوكد برواية غيره معه أو أظهر التوقف، لئلا يكثر الإقدام على الرواية عن تساهل. فيجب حمله على شيء من ذلك، فقد ثبت عن أبي بكر قطعا قبول خبر الواحد، وترك الإنكار على القائلين به. وأما توقف عمر في حديث أبي موس في الاستئذان، فقد كان مخافة أن يتقول بعض المنافقين على رسول الله ﷺ ، فيروي الحديث على حسب غرضه، يدل على ذلك أن أبا موسى، لما رجع مع أبي سعيد الخدري، الذي شهد له، قال له عمر: أما أني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ .
ويجوز للإمام أن يتوقف مع انتفاء التهمة لمثل هذه المصلحة.
كيف وهذه الآثار التي استندوا إليها -أن سلمنا دلالتها على زعمهم- قد عارضتها أخبار هي أشهر منها، وأصح عن رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده. فقد تقدم لك أن النبي ﷺ ، كان يرسل الآحاد من الأصحاب إلى الآفاق، ويلزم الناس قبول أخبارهم عنه ﷺ ، ولم يسمع أن أحدا رد خبر مبعوث رسول الله ﷺ . نعم كانوا يرسلون الوفود لمجرد التأكد من الدعوة، وللتشرف برؤية النبي الكريم، وللتزود من نصائحه الغالية. ا. هـ عن المستصفى باختصار، وبعض زيادات.
هذا وقد سبق لك في المقدمة الكلام على خبر الواحد، والدليل على حجيته فارجع إليه إن شئت.
стр. 80
الدور الثالث: السنة بعد زمن الخلافة الراشدة إلى نهاية القرن الأول
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية وظهور الفرق
...
الدور الثالث: السنة بعد زمن الخلافة الراشدة إلى نهاية القرن الأول
ويشتمل على ثمانية مباحث:
١- وصف الحالة السياسية وظهور الفرق.
٢- الخوارج ورأيهم في الخلاف-أثر الخروج في رواية الحديث.
٣- الشيعة ومعتقداتهم-أثر التشيع في رواية الحديث.
٤- جهود الصحابة والتابعين في جمع الحديث، وروايته ومناهضتهم للكذابين من شيعة، وخوارج وغيرهما.
٥- كتابة الحديث وأول من دونه.
٦- تراجم لبعض مشاهير الرواة من الصحابة -من هم الصحابة؟.
٧- تراجم لبعض رواة الحديث من التابعين -من هم التابعون؟.
٨- رد شبه على رواية الحديث، وكتابته في القرن الأول.
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية، وظهور الفرق
لما ولي أبو بكر الصديق الخلافة، وجد من بعض القبائل نكث لحبل الدين، ونزوع إلى التحلل من أحكامه، فمنع بعضهم الزكاة، وارتد بعضهم
стр. 81
عن الإسلام زعما منهم أن الدين يموت بموت النبي المبعوث، حتى قال شاعرهم، والشعراء يتبعهم الغاوون:
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا لفهنا ما بال دين أبي بكر
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
ولكن أبا بكر ﵁، وقف لهم وقفة البطل المغوار، والقائد المحنك، فقضى على الفتنة في مهدها، وأباد جراثيمها قبل أن يستفحل أمرها، وأعاد الشاردين إلى حظيرة الدين، فظلت أعناقهم لحكم الله خاضعين. ومكث أبو بكر سنتين وبضعة أشهر نشر الإسلام فيها رايته على بلاد فارس والروم. وعني ﵁ بالقرآن فجمعه، وبالحديث فاحتاط له. ثم اختار للخلافة عمر بن الخطاب، فمد الفتوح طولا وعرضا، وشرقا وغربا. فاستولى على الشام كلها، وأخذ مصر وضم الجزيرة، وبقي في الخلافة عشرة أعوام وأشهرا لا يطمع قوي في حلمه، ولا يقنط ضعيف من عدله، بل ألزم القوي حده، وحفظ للضعيف حقه. وعمل على حفظ السنة من تقول المنافقين، وأشار على الصحابة، والبعوث بحفظ القرآن، والإفلال من الحديث، وهو في كل أموره متمسك بسنة رسول الله ﷺ .
مضى زمن عمر والمسلمون وحدة قوية وأمة فتية. فلما ولي عثمان ﵁ زاد الفتوح وتوسع فيها، وأمر بكتابة المصاحف، وفرقها على الأمصار، فقضى عل خلاف كاد يفرق المسلمين.
مكث ﵁ في الخلافة اثني عشر عاما، قضى نصفها الأول
стр. 82
والناس في رغد من العيش وسعادة وأمن، ثم لما أخذوا عليه أمورا وعابوا عليه سياسته في توليته بعض قرابته، انتهز هذه الفرصة قوم من غير المسلمين، أخذوا يذكون نار الفتنة، ويلهبون شعور المسلمين ضد خليفتهم، وقصدهم بذلك الكيد لهذه الأمة، والعمل على قلب هذه الملة، فأثاروا لذلك الغوغاء من الأمصار المختلفة، حتى قتلوا خليفة المسلمين في بيته. ومن ذلك الحين انصدع بناء الإسلام، ودب الشقاق بين جماعة المسلمين، فقد بايع الناس علي بن أبي طالب، ولكن لم تصف له الخلافة يوما واحدا، ولم تستقم له البلاد جميعها. فهذه الشام في يد معاوية الذي قام يطالب بدم عثمان، وامتنع عن بيعة علي حتى يثأر للخليفة المقتول. فوقعت حروب طاحنة بين علي ومعاوية، أكلت كثيرا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وانتهى الأمر بموقعة "صفين" التي آل أمرها إلى التحكيم فرضيه من أصحاب علي جماعة، وأنكره آخرون، وبذلك رجعوا متخاصمين بعد أن جاءوا إخوانا متحابين.
انقسم المسلمون من ذلك الحين إلى "خوارج"، وهم الذين يعدون قبول التحكيم كفرا، فحكموا بكفر علي وأصحابه لقبولهم التحكيم.
"وشيعة"، وهم الذين شايعوا عليا، وقبلوا التحكيم وأصبح لهم عقيدة في الإمامة خاصة بهم "وجمهور"، وهم الذين لم يتلوثوا ببدعة الخروج أو التشيع. وكان منهم فريق مع علي، وفريق مع معاوية وفريق وقف على الحياد، فلم يغمس يده في تلك الفتنة أو يلوثها بهذه الدماء.
أصبح الخوارج خطرا على جيش علي، فاشتغل بحروبهم فكان ذلك قوة لمعاوية الذي كان في أطوع جند. ثم إنه لم يطل الحال على ذلك، حتى تطوع ثلاثة من الخوارج بقتل هؤلاء الثلاثة، الذين كانوا سببا في هذه المنازعات علي ومعاوية، وعمرو بن العاص فنجا من القتل عمرو ومعاوية وأصيب خليفة المسلمين علي كرم الله وجهه، بطعنة من خارجي أثيم يدعى عبد الرحمن بن ملجم. وبقتل علي اجتمع أهل الكوفة، وبايعوا ابنه الحسن فمكث في الخلافة ستة أشهر وأياما. ثم تنازل عنها لمعاوية على صلح أبرم بينهما حقنا للدماء، وذلك سنة إحدى وأربعين التي سميت بعام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية. ولكن رغم تنازل الحسن لمعاوية عن الخلافة لم تخمد جذوة الشيعة، ولم تهدأ ثورة الخارج، بل تعالى كل فريق في رأيه واشتط كل حزب في عقيدته، حتى أصبح لكل طائفة منزع ديني خاص، كان له أثره في الحديث والفقه. وسنفرد لكل فرقة فصلا نبين فيه أشهر تعاليمها، وعقائدها وآثارها في الحديث فنقول:
стр. 83
المبحث الثاني: الخوارج ورأيهم في الخلافة
هذه الطائفة هي التي خرجت على علي كرم الله وجهه، لما أن قبل التحكيم. ومن عجيب أمرهم أنهم قبلوا التحكيم أولا وارتضوه، في حين أن عليا كرهه وأباه، وحذر أصحابه عواقبه فلم يستجيبوا له.
مبدؤهم العام:
كان من رأيهم أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر، فإذا ما اختير الإمام فليس له أن يتنازل أو يحكم، وأن الخلافة ليست في بيت بعينه، فهي ليست في قريش وحدهم ولم يفرق الخوارج بين كافر، وفاسق بل كل من تعدى حدود الله فهو فاسق والفاسق كافر؛ لأن العمل عندهم جزء من الإيمان، فمرتكب الكبيرة في نظرهم كافر.
اعترف الخوارج بصحة خلافة الشيخين أبي بكر، وعمر لصحة
стр. 84
انتخابهما. وبصحة خلفة عثمان في سنيه الأولى، التي سار فيها سيرة الشيخين، فلما آثر قرابته بالولاية نقموا عليه. كذلك أقروا بصحة خلافة علي ﵁ إلى أن قبل التحكيم بينه، وبين معاوية في "صفين"، فحكموا بكفره؛ لأنه حكم الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله مستندين إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، وأنكروا على معاوية استبداده بالخلافة، فهو في نظرهم غاصب لها، وكان من مذهبهم أن من تعاون مع معاوية، ولم يبرأ من علي وعثمان فهو كافر يستباح دمه. فعلي وشيعته ومعاوية، وأعوانه وعثمان، ومن لم يبرأ منه كل هؤلاء في نظر الخوارج كفار تستحل دماؤهم.
والذي يظهر أن الخوارج في مبدئهم، كانوا قوما من الأعراب الجفاة الغلاظ، الذين قال الله تعالى في شأنهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ، فليس فيهم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين استضاءوا بنور النبوة وفهموا القرآن على وجهه الصحيح. فلا عجب أن يغتر الخوارج بظواهر القرآن، ولو كلفوا أنفسهم النظر في وحده لاهتدوا إلى آيات تأمر بالتحكيم، فالله تعالى يقول في سورة النساء: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، فالتحكيم أمر مشروع، والحكمان إنما يحكمان حسب ما ما أمر القرآن العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، وإنما لم يرض علي بالتحكيم أولا؛ لأنه كان يرى الحق معه، وأن طلب التحكيم إنما هو خدعة من معاوية وعمر بن العاص، يريدان بها توهين جيش علي وتخدير أعصابهم، لما رأياه من تفوقهم في الموقعة، فرفعوا المصاحف على أسنة الرماح طالبين تحكيم كتاب الله.
ولو أن أصحاب علي أطاعوه في عدم قبول التحكيم
стр. 85
لتغير وجه التاريخ ولوقع معاوية وأهل الشام في براثن الأسد، ولكن أراد الله ما قد كان ولا راد لقضائه. قال العلامة ابن حزم في كتابه الفصل "٤-١٥٦" "إنما حكم علي ﵁ أبا موسى، وعمروا ليكون كل منهما مدليا بحجة من قدمه، وليكونا متخاصمين عن الطائفتين، ثم حاكمين لمن أوجب القرآن الحكم له. وإذ من المحال الممتنع الذي لا يمكن أن يفهم لغط العسكريين، أو أن يتكلم جميع أهل العسكر بحجتهم، فصح يقينا لا محيد عنه صواب علي في التحكيم، والرجوع إلى ما أوجبه القرآن، وهذا الذي لا يجوز غيره، ولكن أسلاف الخوارج، كانوا أعرابا قرءوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولم يكن فيهم أحد من الفقهاء، لا من أصحاب ابن مسعود ولا من أصحاب عمر، ولا أصحاب علي، ولا أصحاب عائشة، ولا أصحاب أبي موسى، ولا أصحاب معاذ بن جبل، ولا أصحاب أبي الدرداء، ولا أصحاب سلمان، ولا أصحاب زيد وابن عباس وابن عمر، ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضا عند أقل نازلة، تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها، فظهر ضعف القوم وقوة جهلهم". ا. هـ.
استحل الخوارج قتال جمهور المسلمين، وقتلهم فحاربوا خلفاء بني أمية، وظلوا شجى في حلق الدولة الأموية، طيلة أيامها يقاتلونها في شجاعة نادرة، حتى أوشكوا أن يقضوا عليها. واستمر المهلب بن أبي صفرة ينازلهم الحروب، وهم مستبسلون في حربه لا يفترون عنها، حتى أروه الأهوال. واستمروا على ذلك حتى جاءت الدولة العباسية، فناوءوها في أول أمرها، ولكن أطاحت بهم تلك الحروب الطويلة، فخمدت جذوتهم، وانكسرت شوكتهم وأراح الله المسلمين من شرهم.
стр. 86
فقه الخوارج:
كان جهلهم بالحديث وعدم تحملهم له عن غيرهم؛ لأنه متهم في نظرهم سببا في أن فقههم، جاء مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية، بل منه ما جاء من النصوص القرآن الكريم. فمنهم من يرى أن التيمم جائز، ولو على رأس بئر، ومنهم من يرى أن الواجب من الصلاة، إنما هو ركعة واحدة بالغداة، وأخرى بالعشي، ومنهم من يرى الحج في جميع شهور السنة.
ومنهم من يبيح دم الأطفال، والنساء ممن لا ينتمي إلى عسكرهم. ومنهم من أباح نكاح بنات البنات وبنات البنين، مما يدل على جهل عميق، حتى بالقرآن الكريم، وأكثر ذلك أتاهم كما قلنا من أنهم لا يعتدون برواية جمهور المسلمين، وكيف يأخذون دينهم عن قوم هم كفار في نظرهم، وإنما يعتمدون ما رواه لهم أئمتهم، وهم كما قلنا خلو من العلم بسنة رسول الله ﷺ ، بل خلو من فهم أحكام القرآن على وجهها الصحيح، ثم لا يغيب عن البال، أن هذا الحكم لا يسري على جميع أفراد الخوارج، بل قد وجد منهم فيما بعد أفراد، وأئمة تفقهوا في الدين ورووا الحديث، واعتمدهم كما قال ابن الصلاح في مقدمته: بعض أئمة الحديث كالبخاري، فقد احتج بعمران بن حطان، وهو من الخوارج لا سيما، إذا علمت أن الخوارج يحكمون بكفر من يكذب؛ لأن مرتكب الكبيرة كافر في ينظرهم والكذب من الكبائر.
الخوارج، ووضع الحديث:
هذا ومع أن الخوارج يحكمون بكفر الكاذب، فقد وجد من بعضهم الوضع في الحديث، والكذب على رسول الله ﷺ لتأييد
стр. 87
مذاهبهم الباطلة، حتى تروج لدى أتباعهم، فابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات، يروي عن ابن لهيعة أنه قال: سمعت شيخا من الخوارج تاب ورجع فجعل يقول: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا، وهذا عبد الرحمن بن مهدي، يقول فيما نسبوه إلى النبي صلى الله علهي وسلم من قولهم: "إذا أتاكم الحديث عني، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته" إلخ: أن الخوارج والزنادقة، وضعوا ذلك الحديث. وهذا ليس ببعيد من قوم وقفوا عند ظواهر الكتاب وردوا الحديث، إذا جاء من غير من ينتمون إليه. إلا أن وضع الخوارج للحديث لم يكن بالكثرة، التي جاءت عن الشيعة وذلك لأمور:
١- أن الخوارج كان من مذهبهم تكفير الكاذب، وذلك مما يجعل الكذب فيهم قليلا.
٢- أنهم كانوا لبداوتهم وجفاء طبعهم، وغلظتهم غير مستعدين لقبول أفراد من الأمم الأخرى، كالفرس، واليهود الذين اندسوا في الشيعة، ووضعوا كثيرا من الأحاديث.
٣- كان عماد الخوارج في محاربة خصومهم، إنما هو أسلحتهم وقوتهم وشجاعتهم، وكانوا مع ذلك صرحاء لا يعرفون التقية، التي استخدمها الشيعة. لذلك تراهم لم يلجأوا إلى الكذب لانتقاص أعدائهم؛ لأنهم في نظرهم كفار، وليس بعد الكفر عيب ينتقص به صاحبه فلم يبق سوى السيف يعملونه في رقابهم من غير مداهنة، ولا مداجاة.
فكل هذه العوامل كان لها أثر في تقليل الكذ في الحديث، من الخوارج بالنسبة إلى غيرهم من الفرق الأخرى. ومع ذلك لم يعدموا أفرادا منهم اصطنعوا الأكاذيب، واختلقوا الأحاديث كما رأيت.
стр. 88
المبحث الثالث: الشيعة ومعتقداتهم
لم يوص النبي ﷺ لعلي، ولا لغيره بالخلافة، ولم يرد عنه في حديث صحيح أنه عين عليا للخلافة. كما أنه لم يرد من طريق صحيح أن عليا ادعى شيئا من ذلك، ولو كان عنده في ذلك شيء لذكره للصحابة، الذين كانوا لا يتوقفون في إنفاذ وصية نبيهم ﷺ . بل على عكس ذلك، فقد بايع علي أبا بكر بالخلافة، كما بايع عمر ثم عثمان ﵃.
كانت الفكرة الأولى في التشيع لعلي أن جماعة من الصحابة، يرون بعد موت رسول الله ﷺ ، أن الخلافة ميراث أدبي لعلي بن أبي طالب، وأنه أولى بها لعدة أمور منها أنه أقرب عاصب لرسول الله بعد عمه العباس، ومنها سبقه إلى الإسلام، وشهوده بدرا، وغيره من المشاهد، ومنها كونه زوج فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ومنها مزاياه الخلقية والعلمية، فقد كان ذا شجاعة وقوة، وعبقرية قضائية نادرة حتى قيل "قضية ولا أبا حسن لها" أما عمه العباس، فقد تأخر إسلامه إلى فتح مكة، وشهد بدرا إلى جانب المشركين، ولم تتوفر لديه تلك المزايا. إلا أن أنصار علي لم يظهروا برأيهم هذا محافظة على وحدة المسلمين، فلم يتأخروا عن بيعة أبي بكر، والخليفتين من بعده فلا وقعت الفتنة بقتل عثمان، كان أنصار علي أول من ألح عليه في تولي الخلافة.
ثم لما قام معاوية يطالب بدم عثمان، ووقعت بينه وبين علي حروب انتهت بمعركة "صفين" على ما سبق راينا أن فكرة التشيع لعلي تلبس ثوبا
стр. 89
جديدا، وينضم إليها كثير من الزنادقة، وأرباب الأهواء والمنافقين بقصد الإفساد في الدين، ويظهر على لسان هؤلاء الذين عرفوا بالشيعة، فيما بعد أن الخلافة حق شرعي، لعلي أستحقه بوصية من رسول الله ﷺ ، ومن أجل ذلك كانوا يطلقون عليه اسم "الوصي"، وأن الخلافة من بعده حق لبنيه من أخرجها عنهم فهو غاصب ظالم. وقد حدا بهم هذا إلى انتقاص الشيخين أبي بكر وعمر؛ لأنهما غصبا عليا حقه، وقد تولوا الحسن، ثم الحسين وبعد مقتل الأخير، اختلفوا لمن تكون الخلافة من أولاد علي، فبعضهم جعلها في أكبر أولاده، فتولوا بعد الحسين ابنه عليا زين العابدين. وبعد وفاته تولوا ابنه محمد الباقر. وبعد وفاة الباقر انقسموا، فمنهم من تولى زيد بن علي، وهم المعروفون بالزيدية. ومنهم من تولى جعفر الصادق بن محمد الباقر. إلا أن الزيدية كانت أعدلهم رأيا، وأخفهم غلوا فإنهم لم يتبرأوا من الشيخين، وكانوا يقولون: أن الخلافة في أولاد علي من فاطمة.
والإمام في نظرم يتعين بالوصف لا بالاسم، كما يقول أتباع جعفر الصادق. فمن استكمل صفات الإمامة من أولاد علي، وجبت عليهم نصرته. وعلى الجملة فقد افترقت الشيعة ثلاث فرق "الكيسانية"، وتولوا محمد بن الحنفية. و"الإمامية الجعفرية"، وتولوا جعفر الصادق. و"الإمامية الزيدية"، وتولوا زيد بن علي بن الحسين.
هذه هي أشهر فرقهم، وهناك فرق كثيرة منهم لا يهمنا سردها، ولكنا نشير إلى بعض عقائد الشيعة بوجه عام فنقول:
من عقائد الشيعة:
أولا: الرجعة يعتقد أصحاب هذه العقيدة، أن عليا لم يمت بل هو حي مختف، وسيعود فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وبعضهم
стр. 90
يجعل ذلك لإمامهم من أولاد علي كالكيسانية، الذين اعتقدوا أن محمد بن الحنفية حي بجبال رضوى، عن يمينه أسد وعن يساره نمر، تحدثه الملائكة يأتيه رزقه غدوا وعشيا، ولا يموت حت يملأ الأرض عدلا، كما ملئت جورا.
ثانيا: النبوة ادعى بعض فرق الشيعة النبوة لعلي بعد النبي ﷺ ، وبعضهم يقول أن جبريل، أخطأ في النزول بالرسالة على محمد، وإنما هي لعلي، وبعض هؤلاء يعتذر عن جريل بأن محمد يشبه عليا، وبعضهم ينحى عليه باللائمة ويكفرونه.
ثالثا: الألوهية. ذهبت فرقة من الشيعة إلى تأليه علي. وهم أصحاب ابن سبأ الحميري، ويقال: أنهم أتوا عليا فقالوا له: أنت هو، قال لهم علي: وما هو؟ قالوا: أنت الله، فاستعظم الأمر وأمر بنار فأحرقهم.
ومنهم فرقة ادعت الألوهية لمحمد ﷺ .
رابعا: التقية. وهي المداراة والمداجاة. فكانوا يظهرون الطاعة لمن بيدهم الأمر، ويخفون عنهم أمر إمامهم المختفي في زعمهم، ويعملون على نشر دعوتهم في الخفاء، حتى إذا ما كثر أنصارهم قلبوا ظهر المجن للدولة الحاكمة، وشهروا عليها
السلاح، وهم يعتقدون أن الأخذ بالتقية جزء من الدين، ويتكلفون لإثباتها تأويلات باطلة لبعض الآيات كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ ، أي بما صبروا على التقية.
أثر التشيع في الحديث النبوي:
إنك إذا تأملت أيها القارئ في كثير من عقائد الشيعة، لا تتردد في الحكم بكفر كثير منهم، فمن يقول بحلول الباري في علي وغيره، ومن يقول بنوة علي بعد محمد ﷺ ، ومن يتأول القرآن على غير
стр. 91
تأويله ويقول: أن له سبعين بطنا. لا شك في أن جميع هؤلاء كفرة، مارقون من الدين مروق السهم من الرمية. وليس لدى هؤلاء الدعة دعاة الضلال من حجة سوى ما يزعمونه من الإلهام. والإلهام ما كان حجة عند غير الأنبياء في تقرير حقيقة من الحقائق، فإن للخصم أن يدعي الإلهام في إثبات النقيض، وإبطال ما ذهبوا إليه، إذ ليس إلهامهم بأولى من إلهام غيرهم. أما الميزان الصحيح في تحقيق الشرائع، وإثبات العقائد فهو العقل السليم، والمنطق المستقيم، والنقل الصحيح عن النبي المعصوم، الذي ثبتت نبوته بالأدلة القاطعة، والمعجزات الباهرة.
التشيع ستار لأعداء الإسلام:
ويقيني أن التشيع كان ستارا، احتجب وراءه كثير من أعداء الإسلام من الفرس، واليهود والروم، وغيرم ليكيدوا لهذا الدين، ويقلبوا نظام هذه الدولة الإسلامية، فقد كان الفرس يزعمون أنهم الأحرار والسادة، وأن ما سواهم من الأمم عبيد، وخدم، وكانت لهم الدولة من قديم الزمان، فلما بدل الله عزهم ذلا وصير ملكهم نهبا على يد العرب، الذين كانوا في نظرهم أقل الأمم خطرا، كبرت عليه المصيبة، وتعاظمت في نفوسهم البلية، فلم يطيقوا الخضوع للدولة الإسلامية، وأخذوا يعملون على أسقاطها، وتوهين شأنها حتى يعود إليهم مجدهم الضائع. ماذا يصنعون، وقد تبين لهم في الحروب أن المسلمين أصلب عودا منهم، وأقوى باسا وأشد شكيمة.
أخذوا يتحسسون أبواب الضعف عند المسلمين، فلم يجدوا بابا أنجح لهم من الحيلة والخداع. فأظهر جماعة منهم الإسلام، وانضموا إلى أهل التشيع مظهرين محبة أهل البيت، وسخطهم على من ظلم عليا رضي الله
стр. 92
عنه. ثم أخذوا يسلكون بهم مفاوز الفتن، والمهالك حتى أبعدوا كثيرا منهم عن التدين الصحيح، بما بثوه فيهم من العقائد الزائفة التي يدور معظمها على هدم قواعد الدين، والتحلل من تعاليم الإسلام، وأحكامه.
وأصل هذه الفتنة على ما ذكر المؤرخون، رجل يهودي يدعى عبد الله بن سبأ أظهر الإسلام، وغلافي حب علي، حتى زعم أن الله تعالى حل فيه.
وأخذ يؤلب الناس على عثمان ﵁. ومن هذه الأصول الملعونة -على حد تعبير ابن حزم- حدثت طائفتا الإسماعيلية، والقرامطة اللتان تجاهران بترك الإسلام جملة، وتقولان بالمجوسية المحضة.
انهالت هذه الكتائب الهائلة على الإسلام، فأجلبت عليه أول الأمر خيلها، ورجلها فردتها جيوش المسلمين مذءومة مدحورة. فالتمسوا الكيد له عن طريق الحيلة، فوجدوا إمامهم القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والذي تكفل الله سبحنه بحفظه. فجاءت شبههم نحو يفضحها ضوء الذبالة، أما التغيير والتبديل، فلم يجدوا إليهما من سبيل، وأما التأويل والرمز كقولهم السماء محمد، والأرض أصحابه والصلاة هي دعاء الإمام، ونحو ذلك من سخافاتهم فيمجها الذوق السليم. ولما فشلوا أمام القرآن، وجهوا همهم نحو السنة النبوية، فوجدوا مجالا عظيما للدس، وإلقاء الأكاذيب على رسول الله ﷺ .
من أكاذيب الشيعة:
أخذ هؤلاء المتشيعون أعداء الإسلام، يصنعون الأحاديث في أغراض شتى حسب أهوائهم ونحلهم. فمن ذلك أحاديث، وضعوها في مناقب علي يرفعون من قدره، وأخرى وضعوها في الحط من شأن معاوية، وبني
стр. 93
أمية. وكتب الموضوعات طافحة بهذه الأكاذيب، ونحن نذكر لك بعضا منها على سبيل المثال، فمن ذلك ما ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة "جـ١ ص٣٢٣، ٣٢٤، ٣٥٩، ٣٦١، ٣٦٧".
"من مات وفي قلبه بغض لعلي بن أبي طالب، فليمت يهوديا أو نصرانيا" و"يا علي أخصك بالنبوة، ولا نبي بعدي، وتخصم الناس، ولا يحاجك أحد من قريش أو لهم إيمانا بالله، وأوفاهم بعهد الله وأقومهم بأمر الله" إلخ "ستكون فتنة فإن أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين كتاب الله، وعلي بن أبي طالب. وفي آخره وهو خليفتي من بعدي".
"إن لكل نبي وصيا، ووارثا وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب" "مرضرسول الله ﷺ المرض الذي توفي فيه. وكانت عنده حفصة وعاشة فقال لهما: أرسلا إلى خليلي، فأرسلتا إلى أبي بكر، فجاء وسلم ودخل وجلس، فلم يكن للنبي ﷺ حاجة، ثم قام، فخرج ثم نظر إليهما ثم قال: أرسلا إلى خليلي فأرسلتا إلى عمر، فجاء فسلم ودخل، ولم يكن للنبي حاجة فقام وخرج. ثم نظر إليهما فقال: أرسلا إلى خليلي فأرسلتا إلى علي، فجاء فسلم، فلما جلس أمرهما فقامتا.
فقال: يا علي ادع بصحيفة ودواة. فأملى وكتب علي، وشهد جبريل ثم طويت الصحيفة. قال الراوي: فمن حدثكم أنه يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها أو كتبها أو شهدها، فلا تصدقوه"، إلى غير ذلك من الروايات المكذوبة التي تثبت النبوة لعلي طورا، والخلافة والوصية بها طورا آخر، وعلى حسب عقائد الوضاع وآرائهم.
الإمام علي يفند بعض أكاذيب الشيعة:
ويظهر أن أمر الوصية من النبي لعلي بالخلافة، كان شائعا على ألسنة هؤلاء القوم، في زمن علي بن أبي طالب يدلنا على ذلك سؤال
стр. 94
بعض الصحابة له عن ذلك، وسؤال غيرم أيضا، وجواب علي كرم الله وجهه بأنه لم يكن من النبي صل الله عليه وسلم، شيء من ذلك، فقد روى البخاري في كتاب العلم عن أبي جحيفة الصحابي أنه قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب قال: لا "وفي رواية كتاب الجهاد: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة" إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يتل مسلم بكافر. ا. هـ فأنت ترى أبا جحيفة يسال عليا، عن شيء خصهم به رسول الله ﷺ ، من أسرار الوحي.
وما سأل هذا السؤال إلا؛ لأنه سمع لغطا من الشيعة حول الوصية، والخلافة التي يدعونها لعلي، فنفى ذلك علي نفيا باتا، وأقسم على ذلك، ثم استثنى أشياء لا تمت إلى معتقدات الشيعة بصلة. وقد جاء هذا الحديث بروايات عدة في بعضها زيادات، وليس فيها أن النبي ﷺ ، أوصى لعلي بشيء أو خصه من أسرار الوحي بشيء مما تزعمه الشيعة "فتح الباري في باب كتابة العلم ١-١٨٢".
ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه ابن عساكر، عن الحسن أنه قال: لما قدم على البصرة، قام إليه ابن الكواء، وقيس بن عبادة فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا، الذي سرت فيه تتولى على الأمة، تضرب بضعهم ببعض. أعهد من رسول الله ﷺ عهده إليك، فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت فقال: أما أن يكون عندي عهد من النبي ﷺ في ذلك فلا. والله لئن كنت أول من صدق به، فلا أكون أول من كذب عليه. ولو كان عندي من النبي ﷺ عهد في ذلك، ما تركت أخاتيم بن مرة، وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بردي هذا. ولكن رسول الله
стр. 95
صلىالله عليه وسلم لم يقتل قتلا، ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياما، وليالي يأتيه المؤذن، فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني ثم يأتيه المؤذن، فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر يصلي بالناس، وهو يرى مكاني. ولقد أرادت امرأة من نسائه، أن تصرفه عن أبي بكر فأبى وغضب وقال: "أنتن صواحب يوسف. مروا أبا بكر يصلي بالناس"، فلما قبض الله نبيه ﷺ ، نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله لديننا. وكانت الصلاة أصل الإسلام، وقوام الدين فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا لم يختلف عليه منا اثنان -إلى أن قال- فلما قبض تولاها عمر، فأخذها بسنة صاحبه وما يعرف من أمره فبايعنا عمر، ولم يختلف عليه منا اثنان. ثم قال: فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي، وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن ألا يعدل بي. ولكن خشي ألا يعمل الخليفة بعده ذنبا، إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده. فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم. فلما اجتمع الرهط ظننت ألا يعدلوا بي. فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع، ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفان، وضرب بيده على يده، فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله إليهما بالصلاة قد مضيا، وهذا الذي أخذ له الميثاق قد أصيب فبايعين أهل الجرمين، وأهل هذين المصرين. فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه.
ا. هـ من تاريخ الخلفاء للسيوطي ص١١٩.
стр. 96
فهذا الأثر إن صح يقضي على أوهام الشيعة في الوصية، ويبين لنا بوضوح أن أبا بكر وعمر لم يكونا غاصبين للخلافة، كما يقولون، وأن عثمان لم يكن متجنيا على علي في أخذه للخلافة. وقد عضدت هذه الرواية، رواية البخاري السابقة، وبهما وضح الحق لذي عينين.
بعض الشيعة يتخذ من الكذب في الحديث دعاية لأغراضه الدنيوية:
رأيت كيف أن الشيعة وضعوا الأحاديث، وكذبوا على رسول الله لتأييد أغراضهم الدنيئة، وأكثر من هذا كان التشيع تكأة من يطلب السلطان. فهذا هو المختار بن أبي عبيد، الذي كان أولا خارجيا، ثم زبيريا يتبع عبد الله بن الزبير، ثم شيعيا كيسانيا يدعو بالإمامة لمحمد بن الحنفية، يستغل هذه الدعوة لنفسه، ويختلق الأحاديث فقد أثر عنه، أنه لما خرج بالكوفة على عبد الله بن بن الزبير، قال لرجل من أصحاب الحديث: ضع لي حديثا عن النبي ﷺ ، أنه كائن بعده خليفة يطالب له بترة ولده، وهذه عشرة آلاف درهم وخلعة، ومركوب وخادم، فقال له الرجل: أما عن النبي ﷺ فلا. ولكن اختر من شئت من الصحابة، وحط لي من الثمن ما شئت قال: عن النبي ﷺ أوكد والعذاب عليه أشد١.
تمويه الشيعة بوضع الأسانيد المزيفة:
اشتغل الشيعة بالحديث، وسمعوا من الثقات وعرفوا الأسانيد الصحيحة، ثم وضعوا عليها الأحاديث، التي تتفق وعقيدتهم وأضلوا بها كثيرا، فكان منهم من يسمى بالسدى، ومنهم من يسمى بابن قتيبة، وكانوا يروون عنهما، فيظن من لا يعرف حقيقة الحال أنهما المحدثان الشهيران، مع أن كلا من السدى وابن قتيبة، اللذين ينقل عنهما الشيعة رافضي غال.
стр. 97
ولكن جهابذة السنة، وعلماء الحديث كشفوا دخيلة أمرهم، وأطلعوا الناس على حقيقة حالهم، وميزوا بين السديين بالكبير، وهو ثقة والصغير، وهوكذاب وضاع. وكذلك ميزوا بين ابن قتيبة الشيعي، وبين عبد الله بن مسلم بن قتيبة. ولم يقتصر الشيعة على ذلك، بل وضعوا الكتب وملؤوها بأباطيلهم، ونسبوها إلى أهل السنة ككتاب سر العارفين، الذين نسبوه للغزالي.
وقد أفسد الشيعة علم الإمام علي، كرم الله وجهه بما نسبوه إليه من الأقوال، وما اعتقدوه فيه من العقائد، التي وضعوا لها الأحاديث مما جعل أصحاب الحديث من أهل الصحيح، لا يعتمدون من حديث علي، وفتاواه إلا ما جاء عنه من طريق أهل بيته خاصة، أو من طريق أصحاب عبد الله بن مسعود، كعبيدة السلماني، وشريح وأبي وائل ونحوهم. أعلام الموقعين "١-١٦".
الأثر العكسي للتشيع في وضع الحديث:
هذا وكان للتشيع أثر عكسي، في نفوس من ضعف إيمانهم من المسلمين لا سيما المنتمين إلى بني أمية، فوضع هؤلاء الحديث في مناقب أبي بكر وعمر، وعثمان كرد على مثالب الشيعة لهم، وانتقاصهم قدرهم، ولعمري أنها وسيلة في محاربة الخصم يمقتها الدين، بل هي من صفات المنافق، الذي إذا خاصم فجر. فلقد كان لهم من تاريخ الخلفاء الراشدين، وحسن سيرتهم وشرف صحبتهم للنبي ﷺ ، وما صح في فضلهم من أحاديث غنية عن الكذب على رسول الله. ويظهر أنه كان للسياسة دخل كبير في ذلك، فقد وضعت الأحاديث أيضا في فضل معاوية.
ونحن نذكر لك طائفة من هذه الأحاديث المكذوبة عن كتاب اللآلئ للسيوطي، فمن ذلك قولهم:
стр. 98
"بينما جبريل مع النبي ﷺ ، إذ مر أبو بكر فقال: هذا أبو بكر قال: أتعرفه يا جبريل قال: نعم. أنه لفي السماء أشهر منه في الأرض. فإن الملائكة لتسميه حليم قريش. وإنه وزيرك في حياتك، وخليفتك بعد موتك"، ومنها "لما عرج بي إلى السماء، قلت: اللهم اجعل الخليفة من بعدي علي بن أبي طالب، فارتجت السموات، وهتفت الملائكة من كل جانب يا محمد اقرأ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ ، قد شاء الله أن يكون من بعدك أبو بكر الصديق"، ومنها "إن في السماء الدنيا ثمانين ألف ملك، يستغفرون الله لمن أحب أبا بكر وعمر. وفي السماء الثانية ثانين ألف ألف يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر"، ومنها "ما في الجنة شجرة إلا مكتوب على كل ورقة منها لا إله إلا الله محمد رسول الله. أبو بكر وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين"، ومنها "الأمناء عند الله ثلاثة أنا وجبريل ومعاوية"، ومنها "إن الله ائتمن على وحيه جبريل، ومعاوية وكاد أن يبعث معاوية نبيا من كثرة علمه، وائتمانه على كلام ربي. يغفر الله لمعاوية ذنوبه، ووقاه حسابه وعلمه الكتاب، وجعله هاديا مهديا وهدى به"، ومنها "إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري، فاقبلوها فإنه أمين مأمون". ا. هـ.
стр. 99
المبحث الرابع: جهود الصحابة والتابعين في جمع الحديث ورواياته ومناهضتهم للكذابين
...
المبحث الرابع: جهود الصحابة والتابعين في جمع الحديث، وروايته ومناهضتهم للكذابين
كان من وراء الشيعة، والخوارج ومن على شاكلتهم الجمهور الأعظم من المسلمين، الذين لم يتدنسوا بالتشيع، ولا بالخروج، وتمسكوا بالسنن الصحيحة ورفضوا الأحاديث، التي تروى من طريق أرباب هذه النحل، أيا كان لونهم السياسي، ونفوا عن السنة كل دخيل، وحفظوها من عبث أهل الأهواء ذلك أنه لم تزل أعلام الدين قائمة، وأصحاب رسول الله ﷺ كثير منهم ما زال على قيد الحياة، وهؤلاء التابعون لهم بإحسان يؤازرونهم، ويؤيدونهم في مهمة التعليم، ونشر السنة وإزالة أدران التشيع والقضاء على أباطيل الكذابين. لقد تظاهر الصحابة، والتابعون وكونوا جبهة قوية في وجوه أرباب النحل المختلة. فمن يوم أن وقعت الفتنة لم يقبلوا الأحاديث بمجرد روايتها، حتى يسألوا عن أسانيدها، ويفحصوا رجالها رجلا رجلا. يروي مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم"، كذلك أخذ الرواة وحملة الحديث من التابعين، يسألون الصحابة ليميزوا لهم الطيب من الخبيث، فلم يكونوا كحاطب ليل يجمع إلى الحطب الحيات، والثعابين بل كانوا يتحرجون من حمل ما لا يعرفون له أصلا، عن رسول الله ﷺ . فهذا ابن أبي مليكة يقول: كتبت إلى ابن عباس، أسأله أن يكتب لي كتابا، ويخفي عني فقال: ولد ناصح، أنا أختار له الأمور اختيارا، وأخفي عنه قال: فدعا بقضاء علي، فجعل يكتب منه أشياء ويمر بالشيء فيقول. والله ما قضى بهذا علي، إلا أن يكون قد ضل "روى ذلك مسلم في مقدمة صحيحه" فهذا الأثر يعطيك فكرة عن إفساد الشيعة، لقضاء علي كرم الله وجهه.
كما يعطيك فكرة عن تنبه الصحابة، وعنايتهم التامة بالحديث، وتمييز غثه من سمينه. وأخيرا يعطيك فكرة واضحة عن حال الرواة في طلب الصحيح من الحديث، ورجوعهم في ذلك إلى الصحابة الأجلاء.
ولقد بلغ الحد من تبجح الكذابين، إن كانوا يجلسون للحديث بالمساجد على مرأى، ومسمع من الصحابة الذين كانوا يزجرونهم أعظم
стр. 100
زجر ويطردونهم من المساجد أقبح الطرد، حتى لقد كان بعض الصحابة يستعين في ذلك برجال الشرط. يروي ابن أبي شيبة، والمروزي عن مجاهد قال: دخل قاص فجلس قريبا من ابن عمر، فقال له: قم، فأبى أن يقوم فأرسل إلى صاحب الشرط، فأرسل إليه شرطيا فأقامه"، وسترى كثيرا من أمثال هذه الآثار التي بها يتضح لك أن أعلام الدين من الصحابة، والتابعين كانوا واقفين لهؤلاء الوضاعين بالمرصاد، معقبين على أقوالهم، وأفعالهم بالإبطال، حتى لا تقع العامة في حبالتهم، فيضلوا عن طريق السداد.
وكما ناهضوا الوضاعين، وكشفوا عن حقيقة أمرهم، بذلوا جهودا جبارة في جمع الأحاديث وروايتها، وتعلمها وتعليمها، والرحلة في طلبها، وإليك تفصيل ذلك:
أولا: اتساع الفتوح الإسلامية، وتفرق الصحابة في الأمصار:
اتسعت المملكة الإسلامية بعد وفاته ﷺ ، اتساعا عظيما على يد أصحابه، تحقيقا لوعد الله الذي لا يتخلف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الآية. فقد فتح الشام كله، والعراق بأكمله في سنة سبع عشرة هجرية. وفتحت مصر سنة عشرين من الهجرة. وفتحت فارس سنة إحدى وعشرين. ووصل المسلمون سمرقند سنة ست وخمسين، وأخذت أسبانيا سنة ثلاث وتسعين.
هذا وكان على أثر هذه الفتوح أن دخل كثير من أهلها الإسلام، وتعطشت نفوسهم إلى تعلم أحكامه، فكان لزاما على خلفاء المسلمين أن
стр. 101
يبعثوا إليهم من يعلمهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، أحكام دينهم. على أن كثيرا من الصحابة، نزحوا إلى تلك الأمصار المختلفة من تلقاء أنفسهم، معلمين، ومرشدين، ومنهم من طاب له المقام فاستوطن البلد الذي نزله حتى الممات.
وبنزول الصحابة في تلك البلدان المختلفة، أصبحت معاهد لتعليم القرآن والحديث، يجتمع عليهم طلاب العلم، يغترفون من بحارهم الفياضة، ويحفظون عنهم ما حفظوه عن رسول الله ﷺ ، حتى تخرج على أيديهم في كل قطر طبقة من التابعين، كانوا فيما بعد حماة السنة ورواة الحديث. ولا يقعن في خاطرك أنه كان هناك مدارس، ومعاهد بالمعنى المعروف عندنا الآن، ذات نظم خاصة ومكتبات، وقاعات للمحاضرات وما إلى ذلك. بل كان القوم على البساطة الأولى، فقد كان الصحابي يحمل علمه في صدره، ويعيه بقلبه، وكانت المساجد في الغالب هي دور العلم، ومعاهد الحديث يجلس الصحابي في المسجد، وحوله حلقة من أتباعه وتلاميذه يستمعون له، ويحفظون عنه ويسألونه ويستفتونه، وهو في كل ذلك لا يخرج عن كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، أو الرأي المستند إلى أصل صحيح منهما، وقلما يكون ذلك. ولا بأس أن نذكر نبذا عن دور الحديث بالأقطار المختلفة فنقول:
دور الحديث في الأمصار المختلفة:
١- دار الحديث بالمدينة المنورة:
كانت المدينة المنورة، هي مهاجر النبي ﷺ وأصحابه، وبها حدث النبي ﷺ أكثر حديثه؛ لأن أكثر التشريع
стр. 102
الإسلامي كان بها. وكان المهاجرون يحبون المقام بها، ويكرهون التحول عنها إلى مكة أو غيرها. وما زالت المدينة بعد وفاته ﷺ ، هي عاصمة الأمة الإسلامية، ومركز الخلافة الراشدة، ومقر كبار الصحابة.
لذلك كانت المدينة هي موطن الصحابة الأول، الذي يفضلونه على غيره حيث يصيبون من بركة النبي ﷺ في حياته، وبعد وفاته، وكانوا لا يبرحونها إلا لحاجة ملحة حكومية، أو معاشية أو تعليمية.
روى ابن سعد في الطبقات عن محمد بن عمر أنه قال: لا نعلم أحدا من المهاجرين من أهل بدر رجع إلى مكة -يعني بعد وفاة النبي ﷺ فنزلها غير أبي سبرة، فإنه رجع إلى مكة بعد وفاة النبي ﷺ ، فنزلها فكره ذلك له المسلمون، وولده ينكرون ذلك، ويدفعون أن يكون رجع إلى مكة، فنزلها بعد أن هاجر منها، ويغضبون من ذكر ذلك.
وقد اشتهر بالمدينة من الصحابة، الذين كانت لهم قدم في الحديث، والفقه عدد كثير منهم أبو بكر وعمر، وعلي قبل انتقاله إلى الكوفة، وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري وزيد بن ثاب، الذي اشتهرم بفهم الأحكام من الكتاب والسنة والرأي السديد، حتى أن عمر كان يستبقيه للاستئناس برايه، فيما يعرض له من القضايا. وقد استمر زيد مترئسا على القضاء، والفتوى والقراء والفرائض زمن عمر، وعثمان، وعلي إلى أن مات سنة ٤٥ في خلافة معاوية ﵃.
هذا وقد تخرج على أيدي هؤلاء الأفاضل، الفوج الأول من التابعين لهم بالمدينة، ومن أشهر هؤلاء سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير بن العوام، وابن شهاب الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
стр. 103
وسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ونافع مولى ابن عمر وغير هؤلاء من حفاظ السنة، الذين كان إليهم المرجع في الحديث والفتوى.
٢- دار الحديث بمكة المكرمة:
لما فتح النبي ﷺ مكة، خلف بها معاذ بن جبل يعلم أهلها الحلال والحرام، ويفقههم في الدين ويقرئهم القرآن الكريم. وكان معاذ من أفضل شباب الأنصار علما وحلما، وسخاء شهد مع رسول الله المشاهد كلها، وكان يعد من أعلم الصحابة بالحلال والحرام. وقد روى عنه ابن عباس وعمر وابنه. وأخيرا تزعم دار الحديث بمكة عبد الله بن عباس، بعد رجوعه من البصرة وإليه يرجع الفضل فيما كان لمكة من شهرة علمية. فقد كان عبد الله من أوعية العلم وحفاظ الحديث. وكان بها كثير من الصحابة غيره ذكر منهم الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" جملة وافرة. فمنهم عبد الله بن السائب المخزومي، قارئ الصحابة مكة، وعتاب بن أسيد خليفة رسول الله ﷺ ، وأخوه خالد بن أسيد والحكم بن أبي العاص.
وعثمان بن طلحة، وغيرهم.
وقد تخرج بهذه الدار على يد عبد الله بن عباس، كثير من التابعين من أشهرهم مجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم.
هذا ولا تنس ما لمكة والمدينة من أثر كبير، امتازتا به على جميع بلدان العالم، حتى في عصرنا الحاضر ففيهما ينعقد هذا المؤتمر الإسلامي في كل عام، ويأتي إليه المسلمون من كل فج عميق. ولا يخفى ما لهذا الاجتماع من أثر كبير في نشر العلوم، والمعارف إذ يلتقي فيه رواة
стр. 104
الحديث وحملة العلم بعضهم ببعض، يعرضون الأحاديث وينقحون الأسانيد، فيستكمل الراوي علمه بالحديث ورجاله.
ولقد كان الحج من أعظم الروابط، والصلات التي تربط الأقطار الإسلامية بالحياة العلمية في هذين البلدين. إلا أن ذلك لم يكن ليسد حاجة هذه الأقطار الواسعة، لذلك نزح كثير من الصحابة إليها هداة ومعلمين.
٣- دار الحديث بالكوفة:
كانت الكوفة هي قاعدة الجيوش الإسلامية، لذلك نزل بها عدد كبير منالصحابة، زمن الفتوح وأكثرهم دفن بها. منهم علي وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد وخباب بن الأرت، وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر وأبو موسى الأشعري، والبراء بن عازب والمغيرة بن شعبة، والنعمان بن بشير وأبو الطفيل، وأبو جحيفة وكثير جدا غيرهم. "علوم الحديث للحاكم ص١٩١".
وقد كانت الزعامة في هذه الدار إلى عبد الله بن مسعود، لكثرة علمه وطول مكثه بها، فتخرج على يديه كثير من أصحابه، من أشهرهم مسروق بن الأجدع الهمداني، وعبيدة بن عمرو السلماني، الذي قال فيه الشعبي:
كان يوازي شريحا في القضاء. والأسود بن يزيد النخعي، وشريح بن الحارث الكندي، الذي استقضاه عمر على الكوفة، ولم يزل قاضيا عليها حتى زمن الحجاج، ثم استقال قبل موته بسنة، وإبراهيم بن يزيد النخعي فقيه العراق وسعيد بن جبير، وعامر بن شراحيل الشعبي علامة التابعين، وكان إماما حافظا. أعلام الموقعين "١-٢٠".
стр. 105
٤- دار الحديث بالبصرة:
زعيم هذه الدار هو أنس بن مالك ﵁، وقد نزلها كثير من الصحابة غيره منهم ابن عباس -وكان واليا عليها من قبل علي- وعتبة بن غزوان، وعمران بن حصين. وأبو برزة الأسلمي، ومعقل بن يسار وأبو بكرة وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن الشخير، وجارية بن قدامة، وغيرهم "علوم الحديث للحاكم ص١٩١".
وقد تخرج بهذه الدار من التابعين، أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي، والحسن البصري، وأدرك خمسمائة من الصحابة، ومحمد بن سيرين وأبو الشعثاء جابر بن زيد صاحب ابن عباس. وقتادة بن دعامة الدوسي، ومطرف بن عبد الله بن الشخيير، وأبو بردة بن أبي موسى، وغير هؤلاء كثير.
٥- دار الحديث بالشام:
لما فتح المسلمون الشام، دخل كثير من أهلها في الإسلام، وقد اهتم الخلفاء بهذا القطر، فأرسلوا إليه فضلا الصحابة كمعاذ بن جبل، الذي أخذ مكانة علمية فائقة، فهو مبعوث النبي ﷺ إلى اليمن، وهو خليفته على أهل مكة، يعلمهم الحلال والحرام، وهو مبعوث عمر إلى الشام، ليفقههم في دين الله. روى ابن سعد في الطبقات عن أبي مسلم الخولاني قال: دخلت مسجد حمص، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلا، من أصحاب النبي ﷺ . وإذا فيهم شاب أكحل العينين، براق الثنايا ساكت لا يتكلم، فإذا امترى القوم في شيء، أقبلوا عليه فسألوه فقلت لجليس لي: من هذا؟ قال: معاذ بن جبل، ويروي ابن سعد أيضا، عن عمر بن الخطاب أنه قال حين خرج معاذ إلى الشام: لقد أخل
стр. 106
خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وما كان يفتيهم به. ولقد كنت كلمت أبا بكر، ﵀ أن يحبسه لحاجة الناس إليه فأبى علي، وقال: رجل أراد جهادا يريد الشهادة، فلا أحبسه فقلت: والله إن الرجل ليرزق الشهادة، وهو على فراشه".
ومن أشهر من قام بالتعليم في هذا القطر أيضا عبادة بن الصامت، الذي امتاز بجمع القرآن، وكان من أفقه الناس في الدين، شديدا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم. أنكر على معاوية كثيرًا من أموره.
ومنهم أبو الدرداء الأنصاري، وكان معدودا من فقهاء الصحابة، وحفاظ الحديث، وقد أرسلهما عمر مع معاذ إلى الشام، إجابة لطلب يزيد بن أبي سفيان، فإنه كتب إلى عمر بن الخطاب: قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم فأرسل معاذا وعبادة وأبا الدرداء. ذكر ذلك البخاري في تاريخه. كان هؤلاء هم حجر الزاوية في الحركة العلمية، ونشر السنة المحمدية في ربوع تلك البلاد. وقد أرسل عمر أيضًا عبد الرحمن بن غنم للمهمة نفسها، وكان يقال له صاحب معاذ لكثرة ملازمته له، على أنه اختلف في صحبته. هذا وكثير من الصحابة غير هؤلاء انتشروا في الشام هداة، ومعلمين منهم شرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس بن عبد المطلب. يروي الحاكم أنه مدفون بالأردن. وأبو مالك الأشعري وغيرهم كثير.
وقد تخرج على أيديهم كثير من التابعين في مدارس الشام، المختلفة منهم أبو إدريس الخولاني عائذ الله. وقبيصة بن ذؤيب، ومكحول بن أبي مسلم، ورجاء بن حيوة الكندي العالم، الثقة، الفاضل.
стр. 107
٦- دار الحديث بمصر:
فتح المسلمون مصر، فدخل كثير من أهلها الإسلام، كذلك نزلها كثير من الصحابة، ينشرون أحكام الدين وتعاليمه، وأشهرهم عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي كان من أكثر الصحابة، حديثا عن رسول الله ﷺ . كما امتاز عن غيره من سائر الصحابة، بكتابة ما يسمعه من رسول الله ﷺ . خرج عبد الله مع أبيه عمرو بن العاص إلى مصر عند ما ولاه إياها معاوية، ولما توفي عمرو بقي ابنه عبد الله مقيما بمصر فكان يحج ويعتم، ثم يرجع إليها إلى أن توفي بها في بعض الأقوال.
وقد نزل كثير من الصحابة غير عبد الله بن عمرو مصر، وقاموا بمهمة التعليم وتفقه على أيديهم كثير من أهل البلاد، منهم عقبة بن عامر الجهني، وخارجة بن حذافة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومحمية بن جزء، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو بصرة الغفاري، وأبو سعد الخير ومعاذ بن أنس الجهني، وغيرهم حتى لقد أفردهم محمد بن الربيع الجيزي بالتأليف، فبلغ عددهم مائة ونيفا وأربعين صحابيا، كما أورد أحاديثهم في تأليفه ذلك١.
تخرج على هؤلاء الصحابة كثير من التابعين، منهم أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، مفتي أهل مصر روى عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني. ومنهم يزيد بن أبي حبيب.
روى عن بعض الصحابة، وأكثر روايته عن التابعين، وهو بربري الأصل أبوه من أهل دنقلة، ولكنه نشأ مصر.
стр. 108
هذه نبذة قصيرة عن معاهد العلم، ودور الحديث في أشهر الأمصار الإسلامية، لذلك العهد تدلك على مكانة هؤلاء الصحابة، وتابعيهم في نشر ورواية الحديث.
ثانيا: رحلة العلماء في طلب الحديث:
تفاوت الصحابة في حفظ الحديث:
رأيت كيف اتسعت الفتوح الإسلامية، وما تبع ذلك من تفرق الصحابة في الأمصار المتباعدة، ينشرون دين الله، وأحاديث رسول الله.
وبدهي أن الصحابة لم يكونوا على درجة واحدة في حفظ الحديث، وجمع السنن، بل كانوا مختلفين اختلافا كبيرا، فكان عند بعضهم الحديث الواحد وعند بعضهم الحديثان وهكذا. فقد حدث النبي ﷺ قوما بما لم يحدث به آخرين، ووقع من الحوادث أمام قوم ما لم يطلع عليه آخرون، ومن هنا قال مسروق -وكان من التابعين: لقد جالست أصحاب محمد، فوجدتهم كالأخاذ فالأخاذ يروي الرجل، والأخاذ يروي الرجلين والأخاذ يروي العشرة، والأخذا يروي المائة، والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم.
ماذا يكون الحال إذا تفرق الصحابة، كما رأيت وحالهم على ما رأيت.
لقد تناثرت الأحاديث في الأمصار، تبعا لتفرق الصحابة في البلدان والأحاديث لا غنى عنها في فهم القرآن، والتفقه في أحكام الدين نعم جمع القرآن الكريم على عهد عثمان ﵁، ووزعت المصاحف على الأقطار، وحفظه المسلمون لا يختلفون فيه. أما السنة التي هي بيان للكتاب، فلم تكتب لا في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد الخلفاء الراشدين إلى نهاية القرن الأول لأسباب ستأتي فيما بعد.
стр. 109
حاجة العلاء إلى الرحلة في هذا العصر:
ماذا يصنع أهل كل مصر فيما يعن لهم من الحوادث، ويتجدد لهم من الأحكام، والحال كما وصفنا؟ إنه ليس أمامهم سوى باب واحد يطرقونه مهما كلفهم ذلك من عناء، ومهما بذلوا فيه من أموالهم وأنفسهم.
وذلك هو الرحلة من قطر إلى قطر -وذلك هو الذي كان من الصحابة، والتابعين بل وأتباع التاعين فشمروا عن ساعد الجد، وجابوا البلاد شرقا، وغربا مستعذبين كل مر وصاب في سبيل الحصول على حديث رسول الله ﷺ . وإنك إذا تتبعت تراجم المحدثين من الصحابة، والتابعين وتابعيهم، ومن جاء بعدهم إلى أن دونت السنة في بطون الكتب، بل وبعد تدوينها أيضا تجد أن المؤرخين لحياتهم، يقولون في الرجل منهم مثلا: هو فلان بن فلان المكي، ثم المدني، ثم الكوفي، ثم البصري، ثم الشامي، ثم المصري إيذانا منهم بأن هذا الراوي كان رحالة في طلب الحديث، والعلم.
أثر الرحلة في تمحيص الأحاديث:
ليس هناك من شك في أن الرحلة إلى العلماء، والتقاء الحفاظ بعضهم ببعض طريق عظيم في تثقيف العقول، وتنقيح العلوم، وتمحيص المحفوظ من الحديث وبها يقف الراوي بنفسه على سيرة الرواة في بلدانهم، ويعلم قوتهم من ضعفهم فضلا عن الاستزادة من الحديث، وحفظ ما لم يكن موجودا عند علماء بلده، وأهل مصره. وقد كانت الرحلة هي سنة العلماء، من لدن رسول الله ﷺ ، إلى أن أدرك الأمة الإسلامية التكاسل، والتواكل وقعدت عن العمل النافع، المجدي الذي كان عليه أسلافهم.
стр. 110
وقد قدمنا لك أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، كان إذا بعدت به الدار يركب إلى المدينة، فيسأل رسول الله ﷺ . واستمر أمر الصحابة على ذلك أيضا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، يرحل بعضهم إلى بعض في طلب الحديث. إلا أنه لما اتسعت الفتوح الإسلامية، وتفرق بها الصحابة، كما سبق شاعت الرحلة، وظهر أمرها بين الصحابة والتابعين في عصرنا هذا. ونحن نذكر لك طائفة من الآثار بعضها عن الصحابة، وبعضها عن التابعين لتلمس بنفسك تلك الجهود الجبارة، التي قام بها أسلافنا، حيال جمع الحديث، وليتضح لك عنايتهم بسنة رسول الله ﷺ ، وحرصهم على جمعها. فهذا أبو أيوب الأنصاري، يرحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بمصر، يسأله عن حديث، سمعه من النبي ﷺ . فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري، أمير مصر خرج إليه فعانقه ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من النبي ﷺ ، لم يبق أحد سمعه منه غيري، وغير عقبة فابعث من يدلني على منزله، فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فخرج إليه عقبة فعانقه فقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه منه غيري، وغيرك في ستر المؤمن. قال عقبة: نعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة"، فقال أبو أيوب: صدقت ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعا إلى المدينة، وما حل رحله فما أدركته جائزه مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر.
فانظر رعاك الله إلى همة صحابة رسول الله ﷺ ، كيف هانت عليهم الدنيا، وصغرت أمامهم العظائم في سبيل المحافظة