الدور السادس
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية في هذا الدور
...
الدور السادس:
السنة من عام "٣٠٠"هـ إلى عام "٦٥٦" هجرية.
ويشتمل هذا الدور على ثلاثة مباحث:
البحث الأول: وصف الحالة السياسية
في هذا الدور.
المبحث الثاني: السنة في القرن الرابع.
المبحث الثالث: السنة بعد القرن الرابع إلى نهاية هذا الدور.
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية في هذا الدور
منيت الدولة الإسلامية من مبدأ القرن الرابع الهجري، بتدهور سياسي قطع أوصالها، وجعلها دويلات متناثرة، وأشلاء ممزقة فدولة بني أمية بالأندلس، وعلى رأسها عبد الرحمن الناصر ملقبا نفسه بأمير المؤمنين سنة "٣٢٥هـ"، وذلك لما أن أحس بضعف الدولة العباسية، والفاطميون يستقلون بشمال أفريقية، والدولة الإخشيدية بمصر، وإن كانت تدعو لبني العباس إلى أنها مستقلة عنهم في حقيقة الأمر، ودولة بني حمدان، والشيعة الزيدية باليمن، أقاموا لهم دولة، والدولة السامانية العظيمة تسيطر على المشرق، وبلاد ما وراء النهر، ودولة بني بويه تسيطر على بغداد، ولا تبقى لبني العباس سوى مجرد الاسم، ولم تكن الحياة السياسية حياة استقرار، بل كانت مضطربة مائجة فالفاطميون يغيرون على مصر، ويستقلون بها سنة ٣٥٨هـ، وآل سلجوق يطغى سيلهم على
стр. 422
معظم البلاد الإسلامية، فينتزعون الملك من بني بويه، ويستولون على الجزيرة وآسيا الوسطى، وينازعون الفاطميين ملك الشام، وتصبح لهم الكلمة النافذة في جميع الأقاليم الإسلامية، ما عدا مصر وبلاد المغرب.
ثم لما دب الخلاف بين آل سلجوق، هبت ريح الصليبيين فقاموا في أواخر القرن الخامس، واستولوا على بيت المقدس سنة ٤٩٠، وكانت لهم حروب طويلة مع المسلمين، وعلى أنقاض الدولة السلجوقية، قامت دولة الأتابكية وانتشرت شرقا وغربا، حتى سقطت الدولة الفاطمية بمصر على يد محمود نور الدين، وعادت مصر ولاية عباسية، وأقام بها صلاح الدين الأيوبي، أحد قواد محمود نور الدين دولة عظيمة.
أما في بلاد المشرق خراسان، وما إليها، فقد أقام خوارزم شاه محمد بن تكش دولة قوية، قضت على الملوك وضمت الممالك، وفي أواخر القرن السادس، عزم خوارزم شاه على التوجه إلى الخليفة، ليقضي عليه، فلم يتيسر له ذلك وباغته التتار النازحون من أطراف الصين، والبراري -وهم قوم اشتهروا بالشر والغدر- وعلى رأسهم جنكيز خان قائدهم الأعلى، ولم يلبثوا أن أغاروا على البلاد الإسلامية في سرعة هائلة، يسفكون الدماء ويقتلون الأبرياء، حتى وصلوا إلى بغداد، وقتلوا الخليفة وأسقطوا الخلافة العباسية، وذلك سنة ٦٥٦هـ.
هذا ومما هو جدير بالذكر أن هذه الأحداث التاريخية، الهائلة، والتقهقر السياسي الخطير لم يصحبه تقهقر علمي، بل ما زالت الحركة العلمية قائمة، فالعلماء يرحلون من قطر إلى آخر، ويتلقى بعضهم عن بعض، ويعرضون الكتب والمسموعات على الشيوخ. وكان لهم نشاط علمي في نقد الرجال، وتمحيص الأحاديث، ومصنفات جياد في علل الحديث، وتاريخ الرواة وعلوم الحديث عامة.
غير أنهم لم يبلغوا شأو المتقدمين، بل كثيرا ما كانوا يتكلمون بلسان أهل القرون السابقة١.
стр. 423
المبحث الثاني: السنة في القرن الرابع
كان القرن الثالث، الهجري هو أزهى عصور السنة، وأحفلها بخدمة الحديث، ففيه ظهر أفذاذ الرجال من حفاظ الحديث وأئمة الرواية.
وفيه ظهرت الكتب الستة، التي لم تغادر من الحديث الصحيح، سوى النزر اليسير، وفيه اعتنى أئمة السنة بالكلام على الأسانيد، وتواريخ الرجال ومنزلتهم في الجرح والتعديل، ولم يكن العلماء في هذا القرن، يدونون الأحاديث بالنقل من كتب أخرى، بل كان اعتمادهم على ما حفظوه عن مشايخ الحديث، وعرفوا جيده من رديئه وصحيحه من ضعيفه، وما كادت شمس هذ القرن تؤذن بمغيب حتى كانت الموسوعات الحديثية، تزخر بالحديث وعلومه وصار العلماء في القرن الرابع، وما بعده يجمعون ما تفرق في كتب الأولين، أو يختصرونها بحذف الأسانيد، أو يقومون بشيء من الترتيب، والتهذيب إلى غير ذلك، وإذا تكلموا في شيء من الأسانيد، فبلسان من سبقهم من أهل القرون الأولى -غير أن جمهرة كبيرة منهم نسجوا على منوال السابقين، وكان لهم في رواية الأحاديث، وفحص الأسانيد باع طويل.
هذا وكان العلماء في الأدوار السابقة، لا يعتمدون إلا الرواية الشفاهية في نقل الأحاديث، ولا يعولون على مجرد الكتب، حتى ينقلوا أحاديثها بطريق السماع من مؤلفيها، ولو كلفهم ذلك أن يرحلوا الشهور الطوال.
стр. 424
أما في هذا الدور السادس، فقد لفظت فيه الرواية الشفاهية أنفاسها، وذهب من بين الرواة ريحها، وطغى عليها التدوين، الذي بلغ أشده في ذلك الوقت لهذا جعل العلماء الحد الفاصل بين المتقدمين، والمتأخرين من رواة الحديث وحملته هو رأس سنة ثلاثمائة، كما قرره الحافظ الذهبي في خطبة ميزانه.
ولا يغيبن عن بالك أن هذا التطور في تدوين الحديث، وروايته لم يكن طفرة بل كان تدريجيا سنة الله في أنواع العلوم، والصنائع، والدول وغيرها لذلك وجد من بين علماء القرن الرابع طائفة كبيرة، كان لها في تدوين الحديث، طريقة استقلالية على نمط التدوين في القرن الثالث، فمن١ هؤلاء الأئمة الأعلام:
الحاكم: أبو عبد الله النيسابوري، المعروف بابن البيع وهو صاحب "المستدرك" الذي حدثناك عنه في الدور السابق، وله غيره من التصانيف الحديثية: العلل، والأمالي، وفوائد الشيوخ، وأمالي العشيات، ومعرفة علوم الحديث وهو مطبوع بمصر إلى غير ذلك من كتبه التي بلغت ألفا وخمسمائة جزء. رحل إلى العراق والحجاز رحلتين، وذاكر الشيوخ وناظر الحفاظ وتولى القضاء بنيسابور سنة ٣٥٩هـ، وتوفي ﵀ بها سنة ٤٠٥ ٢هـ.
الدارقطني: هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ، الكبير أمير المؤمنين في الحديث، وأستاذ هذه الصناعة. سمع الكثير وصنف، وألف وأجا وأفاد وأحسن النظر، والتعليل
стр. 425
كان إمام عصره في صناعة الجرح والتعديل، وحسن التأليف واتساع الرواية، وله كتاب الإلزامات، وهو كالمستدرك على الصحيحين، وقد تقدم الكلام عليه، وله كتاب السنن وقد طبع بالهند مع تعليقات لشمس الحق أبي الطيب، محمد بن أحمد بن علي الآبادي، وله كتاب العلل بين فيه الصواب من الدخل، وكتاب الأفراد. وكان الدارقطني من صغره موصوفا بالحفظ، والفهم. قال ابن الجوزي: "اجتمع له مع معرفة الحديث العلم بالقراءات، والنحو، والفقه والشعر مع الإمامة، والعدالة وصحة العقيدة"، وثناء العلماء عليه لا يحصى، توفي ﵀ سنة ٣٨٥هـ١.
ابن حبان: هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، أبو حاتم البستي التميمي، الحافظ الجليل. سمع كثير من الشيوخ في كثير من الأمصار، فقد كان رحالة زمانه. قال ابن السمعاني: "كان أبو حاتم، إمام عصره رحل فيما بين الشاش والإسكندرية"، وقال الحاكم: "كان من أوعية العلم والفقه والحديث، واللغة والوعظ، من عقلاء الرجال"، وقال الخطيب: "كان ثقة نبيلا وله التصانيف الكثيرة منها المسند الصحيح المسمى الأنواع، والتقاسيم قال فيه: لعلنا كتبنا عن ألف شيخ ما بين الشاش والإسكندرية"، وكتابه هذا على ترتيب مخترع.
فلا هو على الأبواب، ولا هو على المسانيد. رتبه مؤلفه على خمسة أقسام، وهي الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، وأفعال النبي ﷺ ، ونوع كل واحد من هذه الخمسة إلى أنواع لذا كان الكشف في كتابه عسرا جدا، وقد ربه بعض المتأخرين، وهو علاء الدين علي بن لبان الفارسي المتوفى سنة ٩٣٧ على الأبواب وسماه: "الإحسان
стр. 426
في تقريب صحيح ابن حبان". قالوا: وأصح من صنف في الصحيح المجرد بعد الشيخين ابن خزيمة، فابن حبان وقد نسبوا إليه التساهل في التصحيح، إلا أن تساهله أقل من تساهل الحاكم. قال الحازمي: "ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم".
ومنشأ تساهل ابن حبان أنه كان يقول: "من كان منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السير. ولو كان ممن يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار لكان عدلا مقبول الرواية، إذ الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح هذا حكم المشاهير، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها". قال ابن حجر في مقدمة لسان الميزان، بعد أن حكى قوله هذا: "وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة، حتى يتبين جرحه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات، فإنه يذكر خلقا ممن نص عليهم أبو حاتم، وغيره على أنهم مجهولون. وقد أفح ابن حبان بقاعدته فقال: العدل من لم يعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرح، إذ لم يكلف الناس ما غاب عنهم، وقال في ضابط الحديث الذي يحتج به: "إذا تعرى رواية من أن يكون مجروحا، أو فوقه مجروح أو دونه مجروح، أو كان سنده مرسلا أو منقطعا، أو كان المتن منكرا". ا. هـ فمن هذا ترى أن ابن حبان، يحكم للرجل بالعدالة إذا انتفت جهالة عينه١، حتى يتبين جرحه
стр. 427
وهذا خلاف ما عليه الجمهور، فإن جهاة العين عندهم لا تزول إلا برواية عدلين، فصاعدا عن المجهول وتعيينهما له، ومع ذلك لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما هذه. وزعم قوم أن عدالته تثبت بذلك وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يرعف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلا له، ولا خبرا عن صدقه وقد وجد من جماعة من الثقات، الرواية عن جماعة غير مرضيين أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب، فرواية العدل، أو العدلين، أو الأكثر عن راو لا يعد توثيقا له خلافا لما ذهب إليه ابن حبان، ومن هنا نرى أن إطلاق الصحيح على كتابه فيه تجوز؛ لأن كلامه في الرواة يدخل عليه الحسن، وقد حاول بعض العلماء الدفاع عنه. فقال: "إن كانت نسبة التساهل إليه باعتبار وجدان الحسن في كتابه، فهي مشاحة في الاصطلاح؛ لأنه يسميه صحيحا، وإن كانت باعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح، ما كان راويه ثقة غير مدلس، سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هناك إرسال لا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح، ولا تعديل، وكان كل من شيخ، والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده ثقة وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم ثقات من لم يعرف اصطلاحه، ولا اعتراض عليه، فإنه لا مشاحة في ذلك، فابن حبان وفي بما التزمه من الشروط بخلاف الحاكم"، توفي ﵀ سنة ٣٥٤هـ١.
الطبراني: هو، الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفى
стр. 428
سنة ٣٦٠هـ ألف المعاجم١ الثلاثة: الكبير والصغير والأوسط، فالكبير جمع فيه مسانيد الصحابة مرتبين على حروف المعجم، ما عدا مسند أبي هريرة، فإنه أفرده في مصنف، ويقال: إنه أورد في الكبير نحو خمسمائة وعشرين ألف حديث وإذا أطلق المعجم في كلام العلماء فالمراد الكبير، والأوسط ألفه على أسماء شيوخه، وهم نحو ألفي رجل حتى إنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته، وكثرة شيوخه وأكثر من غرائب حديثهم، ويقال: إن فيه ثلاثين ألف حديث، وهو في ست مجلدات كبار، وكان يقول فيه: "هذا الكتاب روحي"؛ لأنه تعب فيه. قال الذهبي: "وفيه كل نفيس عزيز ومنكر"، وأما الصغير فهو في مجلد واحد، خرج فيه عن ألف شيخ، يقتصر فيه غالبا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه، وهو نحو ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها٢.
قاسم بن أصبغ: هو أبو محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياني، نسبة إلى بيانه كجبانة بلدة بالأندلس، على بعد ثلاثين ميلا من قرطبة المالكي، المتوفى سنة ٣٤٠، وله كتاب الصحيح المنتقى٣.
ابن السكن: الحافظ أبو علي، سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، البغدادي نزيل مصر، والمتوفى بها سنة ٣٥٣ هجرية الف الصحيح المنتقى، ويسمى أيضا بالسنن الصحاح المأثورة، عن النبي ﷺ .
стр. 429
ألفه على الأبواب في جميع ما يحتاج إليه من الأحكام، وضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة مع حذف الأسانيد. قال: وما ذكرته في كتابي هذا مجملا، فهو مما أجمعوا على صحته وما ذكرته بعد ذلك مما يختاره أحد من الأئمة، الذين سميتهم، فقد بينت حجته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل للحديث، فقد بينت علته، ودللت على انفراده دون غيره١. ا. هـ.
أبو جعفر، أحمد بن محمد الطحاوي: هو أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، المتوفى سنة ٣٢١، وله كتاب معاني الآثار، وهو كتاب جليل القدر، ذكر فيه أنه سأله بعض أصحابه تأليفا في الآثار المأثورة، عن رسول الله ﷺ في الأحكام، التي يتوهم أهل الإلحاد، والزندقة أن بعضها ينقض بعضا لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها، فألف هذا الكتاب، وجعله أبوابا ذكر في كل باب ما فيه من الناسخ، والمنسوخ وتأويل العلماء، وإقامة الحجة على الصحيح، وقد عمل العيني المتوفى سنة "٨٥٥" عليه شرحا ولابن قطلوبغا المتوفى سنة "٨٧٩" كتاب الإيثار برجال معاني الآثار٢.
стр. 430
المبحث الثالث: السنة بعد القرن الرابع إلى آخر هذا الدور
قدمنا لك في المبحث السابق نخبة من علماء القرن الرابع، الذين تضلعوا في علوم السنة، وكانوا يدونون كتبهم من محفوظهم، ومسموعاتهم عن شيوخهم، كما كان يفعل أهل القرن الثالث، ثم ما كاد ينتهي القرن الرابع حتى أصبح عمل العلماء قاصرا على الجمع، والترتيب أو التهذيب لكتب السابقين، ونحن نذكر لك جملة من أعمالهم التهذيبية في الدور السادس، فنقول:
الجمع بين الصحيحين:
تناول كثير من الناس الجمع بين أحاديث الصحيحين في مصنف على حدة، فمن ذلك الجمع بينهما لإسماعيل بن أحمد المعروف بابن الفرات المتوفى سنة "٤١٤"، والجمع بينهما لمحمد بن نصر الحميدي، الأندلسي سنة "٤٨٨"، وربما زاد زيادات ليست فيهما، والجمع بينهما لحسين بن مسعود البغوي، سنة "٥١٦"، والجمع بينهما لمحمد بن عبد الحق الأشبيلي سنة "٥٨٢"، والجمع بينهما لأحمد بن محمد القرطبي، المعروف بابن أبي حجة سنة "٦٤٢".
الجمع بين الكتب الستة ١:
جمع بينها أحمد بن رزين بن معاوية، العبدري السرقسطي المتوفى سنة "٥٣٥" في كتابه تجريد الصحاح، لكنه لم يحسن في ترتيبه، وتهذيبه، وترك بعضا من أحاديث الستة، ولما جاء أبو السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري، الشافعي، المتوفى سنة "٦٠٦". هذب كتابه، ورتب أبوابه، وأضاف إليه ما فاته من الأصول، وشرح غريبه وبين مشكل إعرابه، وخفي المعنى وحذف أسانيده، ولم يذكر إلا راوي الحديث من صحابي، أو تابعي كما ذكر المخرج له من الستة، ولم يذكر من أقوال التابعين، إلا النادر ورتب أبوابه على حروف المعجم، وسماه جامع الأصول لأحاديث الرسول، فجاء كتابا عظيما سهل العسير وقرب البعيد. وهو بدار الكتب المصرية في عشرة أجزاء متوسطة، وقد شرع أحد علماء الأزهر الشريف، وهو الشيخ عبد ربه بن سليمان بن محمد المشهور بالقليوبي في شرحه، وسماه
стр. 431
"جامع المعقول والمنقول. شرح جامع الأصول". إلا أنه لم يكمل١.
وجمع بين الكتب الستة أيضا عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، المعروف بابن الخراط سنة "٥٨٢هـ".
الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة:
أ- مصابيح السنة للإمام حسين بن مسعود البغوي سنة "٥١٦"، جمع فيه "٤٤٨٤" من الأحاديث الصحاح، والحسان وهو يريد بالصحاح ما أخرجه الشيخان، أو أحدهما وبالحسان ما أخرجه٢ أبو داود، والترمذي وغيرهما، وما كان فيها من ضعيف، أو غريب بينه، ولا يذكر ما كان منكرا أو موضوعًا، وقد اعتنى العلماء بها عناية عظيمة، فشرحوها شروحا كثيرة، وهذبها محمد بن عبد الله الخطيب، وذيل أبوابها فذكر الصحابي الذي روى الحديث، والكتاب الذي أخرجه وزاد على كل باب من الصحاح، والحسان فصلا ثالثا عدا بعض الأبواب، وكان ذلك سنة ٧٣٧ هجرية، وسمى كتابه هذا مشكاة المصابيح وقد شرح المشكاة كثيرون، منهم القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي سنة "٦٨٥".
ب- جامع المسانيد والألقاب لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، المتوفى سنة "٥٩٧" جمع فيه بين الصحيحين، ومسند أحمد وجامع الترمذي، وقد رتبه أبو العباس أحمد بن عبد الله المكي، المعروف بالمحب الطبري المتوفى سنة "٩٦٤"هـ٣.
стр. 432
ج- بحر الأسانيد للإمام الحافظ، الحسن بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة "٤٩١" جمع فيه مائة ألف حديث رتبه وهذبه، ويقال: إنه لم يقع في الإسلام مثله١.
كتب منتقاة في أحاديث الأحكام والمواعظ:
أ- كتاب منتقى الأخبار في الأحكام للحافظ، مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، الحراني المعروف بابن تيمية الحنبلي، المتوفى سنة "٦٥٢" انتقاه من صحيحي البخاري، ومسلم ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي والسنن للنسائي، وأبي داود وابن ماجه، واستغنى بالعزو إلى هذه الكتب عن الإطالة بذكر الأسانيد، وهو كتاب جليل الفائدة، لولا إطلاقه العزو إلى الأئمة دون التحسين، والتضعيف فقد يقول رواه الترمذي مثلا، وهو في جامع الترمذي منصوص على ضعفه، فيعزوه إليه من غير بيان، وقد بين ذلك محدث اليمن محمد بن علي الشوكاني، المتوفى سنة "١٢٥٠" في كتابه نيل الأوطار، الذي شرح به منتقى الأخبار، وهو مطبوع بمصر في ثمانية أجزاء.
ب- السنن الكبرى للبيهقي أحمد بن حسين، المتوفى سنة "٤٥٨"، قال ابن الصلاح: ما تم كتاب في السنة أجمع للأدلة من كتاب السنن الكبرى، للبيهقي وكأنه لم يترك في سائر أقطار الأرض حديثا، إلا وقد وضعه في كتابه، وقد طبع في الهند، وعمل له في آخره فهرس بأسماء الصحابة، والتابعين ومسانيدهم ومروياتهم. وللبيهقي أيضا السنن الصغرى قيل: إنه لم يصنف في الإسلام مثلها.
ج- الأحكام الصغرى. للحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي
стр. 433
المعروف بابن الخراط سنة "٥٨٢"، قال فيها: "جمعت في هذا الكتاب متفرقا من حديث رسول الله ﷺ ، في لوازم الشرع، وأحكامه وحلاله وحرامه وفي ضروب من الترغيب، والترهيب أخرجتها من كتب الأئمة، وهداة الأمة أبو عبيد الله مالك بن أنس، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، النيسابوري وبقية الكتب الستة، وفيها أحاديث من كتب أخرى١.
د- عمدة الأحكام. للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، الدمشقي المتوفى سنة "٦٠٠"، جمع فيها أحاديث الأحكام التي اتفق عليها البخاري، ومسلم، وقد شرحها شرحا وسطا ابن دقيق العيد، وقد طبعت بمصر مع الشرح في أربعة أجزاء صغيرة.
هـ- الترغيب والترهيب: للحافظ الحجة عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، المتوفى سنة "٦٥٦"هـ وهو من أحسن الكتب في جمع الحديث وبيان درجته، وعليه جل اعتماد الوعاظ والمرشدين في عصرنا الحاضر، وقد طبع بمصر عدة مرات.
كتب الأطراف:
هذا وقد وجد في هذا الدور طائفة من المحدثين، عملوا ما يسمى بكتب الأطراف وطريقتهم فيها أن يذكروا طرفا من الحديث، يدل على بقيته ثم هم يجمعون أسانيده إما على وجه الاستيعاب، وإما مقيدة بكتب مخصوصة وإليك بعض هذه الكتب:
١- أطراف الصحيحين للحافظ، إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، المتوفى سنة "٤٠٠"، وأطراف الصحيحين لأبي محمد خلف بن محمد
стр. 434
الواسطي سنة "٤٠١"، قال الحافظ ابن عساكر: وكتاب خلف أحسنهما ترتيبا ورسما، وأقلهما خطأ ووهما، ويوجد بدار الكتب المصرية في أربعة مجلدات. وأطرافهما أيضا لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، سنة "٤٣٠هـ".
٢- أطراف السنن الأربعة لأبي القاسم، علي بن الحسن المعروف بابن عساكر الدمشقي "٥٧١" في ثلاثة مجلدات مرتبا على حروف المعجم، واسمه الإشراف على معرفة الأطراف.
٣- أطراف الكتب الستة١ لمحمد بن طاهر المقدسي "٥٠٧"، ولما كان كتابه مشتملا على أوهام كثيرة، وترتيب مختل لخصه الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسين الحسيني، الدمشقي "٧٦٥"، ورتبه أحسن ترتيب٢.
стр. 435
الدور السابع
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية
...
الدور السابع:
السنة من عام "٦٥٦" الهجري إلى عصرنا الحاضر.
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية لهذا العهد.
المبحث الثاني: منهج العلماء في رواية السنة في هذا الدور.
المبحث الثالث: عناية المسلمين بالسنة في الممالك الإسلامية المختلفة.
المبحث الرابع: طريقة العلماء في تصنيف الحديث لهذا الدور.
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية
سقطت الخلافة العباسية على أيدي التتار سنة ٦٥٦هـ، وفي سنة ٦٥٨، وصل التتار إلى حلب وأغاروا عليها، ثم قصدوا إلى دمشق. وكانت الدولة الأيوبية بمصر قد انقرضت، وحل محلها دولة المماليك، فخرج إليهم المصريون والتقوا بهم عند "عين جالوت"، ووقعت بين الفريقين معركة عظيمة، أسفرت عن هزيمة ذريعة للتتار، فولوا الأدبار يتخطفهم الناس من كل مكان، وفي هذا التاريخ قدم إلى مصر أحد أعقاب العباسيين، فبايعه بالخلافة الملك الظاهر بيبرس، وبذلك أصبحت القاهرة عاصمة الخلافة العباسية، ولكن سلطة الخليفة كانت في حكم العدم، فهو خليفة بالاسم، أما السلطة الحقيقية، فكانت في أيدي المماليك، وما كاد القرن السابع الهجري، يتم حتى أصبح العنصر التركي هو المسيطر على جميع الممالك
стр. 436
الإسلامية ما عدا البلاد المغربية، فكانت الحكومة فيها لبرابرة المغرب، وفي مستهل القرن الثامن ظهر بآسيا الصغرى، بلاد تركيا اليوم -رجل يدعى "عثمان كجق" -مؤسس الدولة العثمانية- على رأس قبيلته التركية، فأسس ملكا على أنقاض الدولة السلجوقية، ولم تزل دولة آل عثمان تتسع رقعتها، وتستولي على ما جاورها من الممالك، والدويلات حتى فتحوا القسطنطينية في منتصف القرن التاسع الهجري، واتخذوها عاصمة لهم، ثم فتحوا مصر وأزالوا الخلافة العباسية، ولقبوا ملوكهم بالخلفاء، ومن هذا الوقت انتقلت الخلافة الإسلامية إلى القسطنطينية، وأصبحت مصر ولاية عثمانية، فضاع مركزها السياسي والعلمي، أما دولة بني عثمان فقوي شأنها وعظم ملكها، ومما يؤسف له أنها وهي في أوج عظمتها سقطت دولة الأندلس، وانطفأ نور الإسلام في هذه البلاد بعد أن مكث بها نحوا من ثمانية قرون.
ثم أخذت دول أوربة الغاشمة، تعمل جهدها على إضعاف المسلمين، منتهزة غفلتهم واختلافهم، فأوقعت بينهم الفتنة حتى مزقت شمل الدولة الإسلامية، وقضت على الخلافة العثمانية، وعبثوا بحقوق المسلمين وحجروا عليهم في بلادهم، واستعبدوهم أيما استعباد، حتى أصبحنا من هذا الوقت، لا يستطيع المصري الرحلة إلى الحجاز، أو إلى الشام أو غيرهما من بلاد الإسلام، إلا بجواز بذلك، وقل مثل هذا في أهل الأقطار الإسلامية جميعها.
ومن هنا انعدمت الرحلة بين العلماء، وانقطع الاتصال العلمي بين سكان البلدان المختلفة، بعد أن كان الوطن الإسلامي وحدة لا تنفصم عراها، ينتقل فيه المسلم أنى شاء، وينشر دينه كيفما أراد، فعسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، والله أشد بأسا، وأشد تنكيلا.
стр. 437
المبحث الثاني: منهج العلماء رواية السنة في هذا الدور
...
المبحث الثاني: منهج العلماء في رواية السنة في هذا الدور
حيال هذه الأحداث التاريخية الخطيرة تبللت الأفكار. وتقاعدت همم العلماء عن الرحلة إلى الأقطار، فانقرضت الرواية الشفاهية. وحل محلها الإجازة والمكاتبة وصار الإسناد في الحديث، يقصد للتبرك اللهم إلا في أفراد تبعث بهم الأقدار الإلهية من وقت لآخر، يجددون ما خلق، ويحيون ما اندثر، وقد اشتهر من هؤلاء الأعلام طائفة، كانوا يرحلون إلى الأقطار، ويجلسون للإملاء١، ويكتب عنهم أتباعهم الأمالي، ومن أمثال هؤلاء الحافظ، الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، الأثري الإمام حافظ العصر وصاحب المصنفات البديعة في الحديث، المتوفى سنة "٨٠٦"، ومجالسه للإملاء تزيد على أربعمائة مجلس.
قال تلميذه ابن حجر: "شرع في إملاء الحديث من سنة "٧٩٦"، فأحيا الله به السنة بعد أن كانت داثرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس، غالبها من حظفه متقنة مهذبة محررة، كثيرة الفوائد الحديثية". ا. هـ.
ومنهم شهاب الدين، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن حجر العسقلاني الأصل،
ثم المصري المولد، والمنشأ والدار والوفاة الحافظ، بل سيد الحفاظ والمحدثين في تلك الأمصار، وما جاورها المتوفى سنة "٨٥٢هـ". قال السيوطي: "وختم به الفن". وقال غيره: "انتهت إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأجمعها، فلم
стр. 438
يكن في عصره حافظ سواه، ألف كتبا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس"، ومنهم الحافظ السخاوي تلميذ ابن حجر العسقلاني، قال في كتابه فتح المغيث: "أمليت بمكة وبعدة أماكن من القاهرة، وبلغ عدة ما أمليته من المجالس إلى الآن نحو الستمائة، والأعمال بالنيات". ا. هـ.
الآن أن هذه الطريقة كانت غير منتشرة انتشارا في العصور الأولى، بل كان جل علماء الحديث في هذا الدور، عاكفين على كتب الأولين بالجمع والاختصار، والشرح والتخرييج، وما إلى ذلك إلا أنه في أواخر هذا الدور انعدمت العناية بالحديث، وعكف الناس على الفروع، إلا في قليل من البلدان، وأفراد قلائل من العلماء. هذا وفي حدود هذه الإمكانيات، كان هناك نشاط في علوم الحديث تتناوبه الأقطار الإسلامية في أوقات مختلفة، وهذا ما نريد أن نحدثك عنه، بعون الله تعالى فنقول:
стр. 439
المبحث الثالث: عناية المسلمين بالسنة في الممالك المختلفة
إنه إذا ما استثنينا البلاد المغربية، التي كان لها فضل مشكور على السنة في جميع العصور، وجدنا أنفسنا أمام بلدين عظيمين يتناوبان النشاط العلمي، الحديثي وهما البلاد المصرية والهندية، فمن يوم أن سقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية على أيدي التتار -الذين بلغ من جهلهم وغشمهم، أن ألقوا بالمكتبة الإسلامية العظيمة في "دجلة"، ليجعلوا منها جسرا تعبر عليه جيوشهم الغاشمة- نقول: من هذا اليوم أخذت العلوم، والمعارف ترحل عن بغداد إلى أقطار أخرى، ثم كانت بينها دولا، فينما نجد الديار المصرية بعد سقوط بغداد مزدهرة بعلوم السنة زاخرة بالعلم والعلماء، طيلة القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور.
стр. 440
حتى كان لمصر القدح المعلى، دون جميع البلدان إذا بنا نجدها في منتصف القرن العاشر وقد آذنت شمس الحديث فيها بمغيب، وأخذت السنة وعلومها ترحل عنها إلى بلد آخر هو القطر الهندي، ومن هذا الوقت أخذت البلاد الهندية تسعد بخدمة السنة، ودام الأمر على هذا الحال إلى وقتنا هذا قرابة أربعة قرون أو تزيد، ولنتكلم على أشهر الممالك، التي كان لها أثر ملموس في خدمة السنة لهذا العصر:
دور مصر في العناية بالسنة وعلومها:
في هذه الفترة من الزمان -أي بعد سقوط بغداد- كانت مصر محكومة لدولتي المماليك البحرية والبرجية، ويحدثنا التاريخ عما كان عليه هؤلاء السلاطين من حب للعلم وتقدير للعلماء. ومن أجل ذلك شيدوا الجامعات، والمدارس الحديثية، واستقدموا لهذه العرض العلماء من الأقطار البعيدة. وحبسوا الأموال الطائلة على تلك المؤسسات الدينية، والعلمية، وها هي آثارهم الخالدة ماثلة للعيان. تحدث عما كان للقوم من عناية بعلوم الشريعة والسنة.
هذا ولم يقف الأم عند حد المعاونة بالمال أو السلطان. بل لقد انغمر السلاطين في حلبة الدروس مع المتعلمين، وتتلمذوا للعلماء وأئمة الحديث، وتحملوا السنة بأسانيدها الصحيحة، حتى صار بعهم حافظا، يتلقى عنه الحديث ويسمع منه الصحيح، فهذا هو "الظاهر برقوق"، يتفقه على الإمام أكمل الدين "البابرتي"، ويشارك المحدثين في رواية الصحيحين، ويستقدم المسندين أمثال "ابن أبي المجد" من الأقطار النائية. رغبة منه في إعلاء الإسناد لدى المتعلمين بمصر، لسماعهم الحديث من أصحاب الأسانيد العالية، وهذا هو "المؤيد"، يروي الصحيح عن
стр. 441
السراج "البلقيني"، حتى إن الحافظ ابن حجر يسمع الحديث من "المؤيد"، ويترجم له في عداد مشايخه في "المعجم المفهرس"، وقد استقدم "المؤيد" إلى مصر العلامة "شمس الدين الديري"، المحدث العظيم، صاحب كتاب "المسائل الشريفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة"، وهذا هو "الظاهر جقمق"، يسمع الصحيح من ابن الجزري، ويستقدم كبار المسندين إلى مصر، ليتلقى عنهم المتعلمون مروياتهم في السنة من الصحاح والمسانيد، ويجعل من القلعة المصرية مجمعا علميا للعلماء، وناديا يؤمه طلاب الحديث يتلقون المرويات عن الحفاظ المتقنين، والمحدثين النابهين، وبهذه العناية من السلاطين والأمراء، كانت مصر دار حديث وفقه وأدب طيلة هذه القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور، وكانت أسعد بلاد الإسلام حظا بالحديث، وعلومه، وها هي كتب التاريخ قد اكتظت بتراجم لرجال نبهاء، وفطاحل علماء. أنجبتهم مصر في تلك القرون الذهبية، وكانت لهم مؤلفات كثيرة جدا في علوم شتى. بحيث يعدون بحق مفخرة الإسلام، وإن مآثرهم المحفوظة في خزانات العالم، ومكتباته لما يشهد لمصر بالمجد التالد والشرف الرفيع.
استمرت النهضة العلمية بمصر -على ما وصفنا- إلى أوائل القرن العاشر الهجري، إذ بانقراض دولة المماليك البرجية في أوائل هذا القرن، أخذ النشاط العلمي يتضائل ويضمحل، وطفق يرحل شيئا فشيئا إلى بلاد أخرى، ألا وهي البلاد الهندية التي أفسحت صدرها للحديث، وعلومه وسهرت على خدمته فكانت أسعد بلاد المسلمين بعلوم السنة إلى يومنا هذا.
стр. 442
دور الهند في العناية بالسنة:
كان للبلاد الهندية حظ كبير في خدمة السنة -بعد أن كان الهنود قبل منتصف القرن العاشر الهجري منصرفين إلى العلوم النظرية، والأحكام الفقهية المجردة، فمن هذا الوقت أخذوا يعكفون على دراسة الحديث، وعلومه ويعنون برواية السنة وبحث الروايات، وانتقاد الأسانيد، ولو ذهبنا نستعرض ما لهؤلاء الأعلام، من همة عظيمة في علوم الحديث، في الوقت الذي قعدت فيه الهمم عن خدمة السنة، لوقع ذلك موقع الإعجاب والشكر البليغ، فكم لعلماء الهند من شروح ممتعة، وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها، وكم لهم من مؤلفات كبيرة في أحاديث الأحكام، وكم لهم من أياد بيضاء في نقد الرجال، وبيان علل الحديث، وشرح الآثار، وكم لهم من مؤلفات في شتى فنون الحديث، وما يتصل به١.
ومما هو جدير بالتقدير، والإعجاب أن هؤلاء القوم لم تفتنهم المدنية الغربية عن دينهم. بل إنها زادتهم تمسكا به وتعصبا له، فكثيرا ما ألفوا الكتب في الرد على القساوسة والمستشرقين، وكثيرا ما كانت تقام مجالس للمناظرة أمام الحكام -الانجليز، فينتصر حق المسلمين على باطل المستشرقين، وكثيرا ما كان يفر هؤلاء القسس من مجالس المناظرة، قبل أن تتم فصولها يجرون أذيال الخيبة ويعثرون في أثواب الهزيمة، هذا ومما يدل على حرص هؤلاء القوم على السنة، وحدبهم على نشر علومها أن بعض المبعوثين منهم إلى جامعات أوربة، كان يشتغل بطبع كتب الحديث، وها هو "الدكتور السيد معظم حسين"، الذي كان يتلقى دروسه بجامعة أكسفورد بانجلترا، يأخذ في طبع كتاب "معرفة علوم
стр. 443
الحديث" للحاكم أبي عبد الله النيسابوري، ويعتني بتصحيحه، ويقدم له مقدمة عظيمة يذكر فيها ترجمة المؤلف. ونبذة قيمة عن تاريخ تدوين الحديث، ونشأة علم المصطلح، وقد رحل في سبيل نشر هذا الكتاب إلى بلدان عديدة من أوربة، وتردد على مكتباتها العامة في عواصمها المختلفة، وقابل ما كتبه على نسخ خطية كثيرة، كان منها ما هو محفوظ في مكتبة المتحف البريطاني بلندن، كما رحل إلى عدة مكتبات في بلاد الشرق، كمصر والشام واستنبول، ثم طبع الكتاب، وأخرجه للناس في غاية من الضبط والإتقان. إنها لهمة عالية من هؤلاء القوم، فلله درهم وبورك جهادهم.
النهضة العلمية بالمملكة السعودية:
أنه لا يسعنا أن نترك الكلام على هذا الدور، من غير أن ننوه بتلك الأعمال المجيدة، والجهود المشكورة، التي قام بها جلالة العاهل الراحل الملك "عبد العزيز آل سعود" عليه رحمة الله، فإنه والأمراء السعوديين من بعده قد عنوا كل العناية بطبع كثير من كتب السنة النبوية، التي لها أهمية عظمى في المكتبة الإسلامية، ولنذكر منها على سبيل المثال "جامع الأصول من أحاديث الرسول"، و"مختصر وشرح وتهذيب سنن أبي داود" و"زاد المعاد في هدي خير العباد" و"البداية والنهاية في السيرة، والتاريخ لابن كثير"، ومختصر "الفتاوى المصرية" لابن تيمية.
وتفسير الحافظ ابن كثير، ومعه تفسير البغوي وكتاب المغني لابن قدامة، وهو من أنفس الكتب الفقهية الحديثية، الجامعة إلى غير ذلك وهو كثير جدا، وفي الحق أن لآل سعود فضلا يشكر، وجهودا لا ينبغي أن تنكر لما لهم من أياد بيضاء على السنة النبوية، ولما أنفقوه من الأموال الطائلة في سبيل هذا الغرض النبيل، في الوقت الذي ماتت فيه القلوب، وركدت
стр. 444
فيه النفوس وتسلط الجانب المادي على الجانب الروحي، ولقد سنوا بذلك للناس سنة حسنة، حتى نسج على منوالهم بعض وزرائهم.
هذا ومما يكتب لهذه الأسرة بمداد الفخار، أنهم لم يقتصروا في خدمة السنة النبوية على طبع الكتب الحديثية، وتوزيعها على الناس دون مقابل، ولكنهم مع ذلك نهضوا بنشر علوم الشريعة الإسلامية، والسنة النبوية نهضة كبرى، فأسسوا معاهد علمية في جميع أنحاء الجزيرة العربية، كما أسسوا للدراسات العليا الكليات، ومن ذلك كلية الشريعة بمكة المكرمة، وكليتا الشريعة واللغة العربية بمدينة الرياض، وانتدبوا لهذه الغاية الشريفة خيرة العلماء من الجامع الأزهر، للقيام بالدراسة على الطريقة التحليلية المنتجة في علوم القرآن، والحديث، والفقه واللغة العربية، وغيرها.
ولقد شهدت عن كثب أيام، كنت مدرسا بالمعهد العلمي بالرياض هذه النهضة، ولمست العناية التامة، التي يقوم بها آل الشيخ، وعلى رأسهم "الشيخ الرئيس"، المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أطال الله بقاءه، ونفع به المسلمين، فجزاهم الله من ملوك وأمراء، وعلماء عن السنة أفضل الجزاء.
стр. 445
المبحث الرابع: طريقة العلماء في تصنيف الحديث في هذا الدور
عكف علماء الحديث في هذا الدور على كتب السابقين، فتناولوها بالترتيب والتهذيب والانتقاء والتخريج، ونحن نذكر لك جل هذه الطرق وأشهر ما دون من كتب الحديث لذلك العهد فنقول:
كتب الزوائد وطريقة أصحابها: من المعلوم أن مصنفا ما في الحديث لم يستوعب جميع الأحاديث، فإن الأحاديث بحار زاخرة وكل من المصنفين يغترف منها على حسب ما تيسر له لذلك، جاءت كتب الحديث مختلفة بالطول، والقصر والقلة والكثرة، فجاء المتأخرون وأخرجوا الأحاديث الزائدة في كتاب على آخر في مصنفات خاصة لهم، وسموا ذلك بكتب الزواد، ومن أشهر هذه الكتب:
١- كتاب زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة.
٢- كتاب إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة: "أي على الكتب الستة"، والمسانيد العشرة هـ. مسند أبي داود الطيالسي، والحميدي، ومسدد، وابن أبي عمر، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، والحارث بن محمد بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي.
٣- وكتاب زوائد السنن الكبرى للبيهقي. على الكتب الستة أيضا، ويسمى فوائد المنتقى لزوائد البيقهي.
وهذه الكتب الثلاثة للحافظ، شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم البوصيري، المتوفى سنة "٨٤٠هـ".
٤- كتاب المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية، للحافظ ابن حجر سنة "٨٥٢" على الكتب الستة "والمسانيد الثمانية: هي مسند ابن أبي عمر العدني، ومسند أبي بكر الحميدي، ومسند مسدد، ومسند الطيالسي. ومسند ابن منيع، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث، وله أيضا زوائد مسند البزار، ومسند أحمد على الكتب الستة.
стр. 446
٥- كتاب زوائد مسند أحمد على الكتب الستة في مجلدين.
وكتاب زوائد مسند البزار على الكتب الستة في مجلد ضخم، ويسمى البحر الزخار في زوائد مسند البزار، وكتاب زوائد مسند أبي يعلى الموصلي على الكتب الستة في مجلد واحد، وكتاب زوائد المعجم الكبير للطبراني على الكتب الستة، واسمه البدر المنير في زوائد المعجم الكبير في ثلاث مجلدات، وكتاب زوائد المعجم الأوسط والأصغر للطبراني على الكتب الستة، واسمه مجمع البحرين في زوائد المعجمين وهو في مجلدين، وهذه الكتب كلها للحافظ نور الدين أبي الحسين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي "بالمثلثة" المصري، المتوفى سنة "٨٠٧هـ". وهو رفيق أبي الفضل العراقي في سماع الحديث وصهره وتلميذه. ثم إنه جمع هذه الكتب كلها في كتاب عظيم سماه "مجمع الوائد ومنبع الفوائد"، مع حذف الأسانيد والتمييز بين الصحيح، والحسن والضعيف، وهو كتاب قل أن يوجد مثله ولا صنف نظيره إلى الآن، وقد طبع والحمد لله بمصر، وللهيثمي هذا أيضا كتاب زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين في مجلد سماه "مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان". وكتب الزوائد كثيرةجدا، وفي هذا القدر كفاية١.
الجوامع العامة: وطريقتهم فيها أن يجمعوا بين جملة من الكتب في مؤلف واحد، فمن ذلك:
١- كتاب جامع المسانيد والسننن، الهادي لأقوم سنن للحافظ إسماعيل بن عمر القرشي، الدمشقي المعروف بابن كثير المتوفى سنة "٧٧٤" جمع فيه بين الصحيحين وسنن النسائي، وأبي داود والترمذي، وابن ماجه ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى، والمعجم الكبير للطبراني.
стр. 447
٢- جمع الجوامع للحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة "٩١١"
جمع فيه بين الكتب الستة وغيرها، وقد قصد في كتابه هذا جمع الأحاديث النبوية بأسرها. وقال: المناوي أنه مات قبل أن يتمه، ولقد اشتمل كتابه على كثير من الأحاديث الضعيفة بل والموضوعة قد هذب ترتيبه علاء الدين علي بن حسام الهندي المتوفى سنة "٩٧٥" في كتابه أسماه "منتخب كنز العمال"، وقد طبع المنتخب مع مسند أحمد بمصر كما طبع كنز العمال بالهند، وقد اختصر السيوطي كتابه هذا، وسمي المختصر الجامع الصغير في حديث البشير النذير١.
كتب جامعة لأحاديث الأحكام: من ذلك
١- كتاب الإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد المتوفى سنة "٧٠٢" جمع فيه متون الأحكام مع حذف الأسانيد، وشرحه في كتابه الإمام لكن لم يكمل شرحه، ويقال: إن شرحه هذا لم يؤلف أعظم منه في بابه لما فيه من الاستنباطات والفوائد٢.
٢- كتاب "تقريب الأسانيد، وترتيب المسانيد" لمجدد المائة الثامنة زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المولود عام "٧٢٥هـ"، المتوفى عام "٨٠٦هـ". جمع فيه أحاديث الأحكام لابنه أبي زرعة. قال في خطبته: "وبعد فقد أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار، يستغنى بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكة والاستحضار، قال:
стр. 448
ولما رأيت صعوبة حفظ الأسانيد في هذه الأعصار لطولها، وكان قصر أسانيد المتقدمين وسيلة لتسهيلها، رأيت أنأجمع أحاديث عديدة في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عد من أصح الأسانيد، إما مطلقا على قول من عممه، أو مقيدا بصحابي تلك الترجمة"، ثم أخذ يبين طريقته في نقله عن الكتب وعزوه إليها. وهو كتاب عظيم في بابه، وقد شرح تقريب الأسانيد هذا مؤلفه نفسه، وقد بدأ الشرح بمقدمة في تراجم رجال إسناده، وضم إليهم ن وقع له ذكر في أثناء الكتاب لعموم الفائدة، حتى ترجم لولده أبي زرعة الذي ألف الكتاب من أجله. قال: "تقدم في خطبة هذا الشرح أني أترجم كل من ذكر فيه، فلم أر أن أخل ذكر من ألف له الكتاب، ولم أرى إدخاله في رجال الكتاب لصغر سنه عن الشيوخ، فرأيت أن أذكره هنا، وأبين وقوع أحاديث الكتاب له عالية لاحتمال أن يطول عمره فيحدث به"، ثم أخذ في ذكر ترجمته، ولكنه لم يكمل هذا الشرح، بل شرح منه عدة مواضع وقد أكمله ابنه أبو زرعة المذكور، المتوفى سنة "٨٢٦هـ" واسم هذا الشرح: "طرح التثريب في شرح التقريب"، وقد طبع بمصر سنة "١٣٥٣هـ"، ووضع المتن في أعلى الصفحة مفصولا من الشرح في ثمانية أجزاء لطيفة، وهو كتاب حافل بالفوائد والأبحاث جرى فيه مؤلفه على البحث العلمي الحر دون تعصب لمذهب من المذاهب وإن كان مذهبه، مما رفع من شأن هذا الكتاب أضف إلى ذلك ما شحنه به من النكت الفقهية، والفوائد الحديثية.
٣- كتاب بلوغ المرام من أحاديث الأحكام لخاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة "٨٥٢هـ" اشتمل على ألف وأربعمائة حديث في الأحكام، وهو مطبوع بمصر في مجلد لطيف، وقد شرحه خلق كثير منهم القاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي، ومنهم محمد بن
стр. 449
إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة "١١٨٢" في كتاب سماه سبل السلام، وقد طبع بمصر في أربعة أجزاء، ومنهم الفاضل صديق خان سنة "١٣٠٧" في كتاب سماه فتح العلام، وطبع بمصر ونفدت نسخه.
تخريجهم لأحاديث جاءت في بعض الكتب العلمية: يقع في كلام بعض المصنفين في العلوم المختلفة كالعقائد، والفقه، وأصوله والتفسير وشروح الحديث والتصوف، واللغة كثير من الأحاديث على وجه الاستدلال، أو الاستشهاد، ولما كان كثير من هؤلاء المصنفين لا يعنون بتخريج تلك الأحاديث بعزوها إلى الكتب، التي نقلوها منها ولا يبينون صحتها من ضعفها تجرد بعض حفاظ الحديث، فخرج تلك الأحاديث، وكشف عن أماكنها من كتب الحديث، وجمع ذلك في كتاب على حدة ومن هذه الكتب:
١- تخريج أحاديث تفسير الكشاف للحافظ، جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي نسبة إلى زيلع، ميناء على ساحل البحر الأحمر الحنفي المتوفى بالقاهرة سنة "٧٦٢هـ" استوعب ما في الكشاف من الأحاديث المرفوعة، وأكثر من تبيين طرقها وتسمية مخارجها، لكن فاته كثير من الأحاديث المرفوعة، التي يذكرها الزمخشري على سبيل الإشارة، ولم يتعرض غالبا للآثار الموقوفة، وهو غير الزيلعي عثمان بن علي بن محمد شارح الكنز في فقه الحنفية، المتوفى سنة "٧٤٣". كان جمال الدين الزيلعي هذا مرافقا لزين الدين العراقي في مطالعة الكتب الحديثية، لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنينا بتخريج أحاديثها، فالعراقي خرج أحاديث الإحياء للغزالي، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في كل باب، والزيلعي خرج أحاديث الكشاف، وأحاديث الهداية في فقه الحنفية.
стр. 450
٢- الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، للحافظ ابن حجر العسقلاني لخصه من تخريج الزيلعي، وزاد عليه ما أغفله من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وهذا الكتاب مطبوع مع آخر جزء من الكشاف بمصر الآن.
٣- تخريج أحاديث البيضاوي للشيخ عبد الرءوف المناوي.
وللشيخ محمد همات زاده بن حسن همات زاده المحدث، المتوفى سنة "١١٧٥" كتاب سماه "تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي".
٤- تخريج أحاديث شرح معاني الآثار للطحاوي، لبعض العلماء سماه الحاوي في بيان آثار الطحاوي عزا فيه كل حديث إلى الكتب المشهورة، وبين الصحيح من الضعيف.
٥- تخريج أحاديث الأذكار للنووي، والأربعين له، وأحاديث المصابيح، والمشكاة، للحافظ ابن حجر، ولم يكمل تخريج الأذكار، وسمى تخريج المصابيح والمشكاة "هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة".
٦- تخريج أحاديث "الشفاء للقاضي عياض". للحافظ السيوطي سماه "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا".
٧- تخريج أحاديث "منهاج الأصول للبيضاوي"، للتاج السبكي.
كذلك خرج أحاديث المنهاج ابن الملقن، والحافظ زين الدين العراقي.
٨- تخريج أحاديث المختصر لابن الحاجب في الأصول لابن حجر، وابن الملقن ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، المتوفى سنة "٧٢٤هـ".
٩- تخريج أحاديث الهداية في فقه الحنفية، لجمال الدين الزيلعي المتقدم سماه "نصب الراية لأحاديث الهداية"، وهو مطبوع بمصر الآن.
стр. 451
ومنه استمد كثير ممن جاء بعده من شراح الهداية، كما استمد منه الحافظ ابن حجر في تخاريجه كثيرا، وهو شاهد على تبحر جمال الدين الزيلعى في الحديث وأسماء الرجال، وسعة نظره في فروع الحديث، وللحافظ ابن حجر "الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية"، مطبوع بدهلي سنة "١٣٥٠".
١٠- تخريج أحاديث الإحياء للغزالي لزين الدين العراقي، وله عليها تخريجان كبير وصغير، والأخير هو المتداول المطبوع مع كتاب الأحياء بمصر الآن.
هذا وكتب التخاريج كثيرة جدا، وهي رمز صادق لأعمال المحدثين، وجهودهم في الكشف عن قيمة الأحاديث المتناثرة في كتب العلوم المختلفة، حتى لا يغتر الناس بما يجدونه منها، بل ينبغي لهم الرجوع إلى تلك التخاريج، ليعلموا الصحيح منها من العليل١.
تخريجهم لأحاديث اشتهرت على الألسن: يدور على ألسنة الناس في كل زمان أحاديث يذكرونها على سبيل الأمثال، والحكم بعضها صحيح وبعضها ضعيف، وبعضها موضوع مكذوب، وأكثر ما يروج هذا على ألسنة العامة ومن لا علم عندهم من الخاصة، ولم يهمل هذا النوع من الأحاديث أهل الحديث، وحفاظ الأمة بل ألقوا فيه كتبا كثيرة أظهرت الناس على حقيقة الحال، وبينت لهم الحق من الضلال، وإليك بعض هذه الكتب:
١- "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة". للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، وقد
стр. 452
اختصر المقاصد تلميذ السخاوي عبد الرحمن بن الديبع الشيباني، وسمى مختصره "تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على الألسنة من الحديث".
٢- الدرة اللامعة في بيان كثير من الأحاديث الشائعة لبعض العلماء، اختصرها من المقاصد الحسنة.
٣- "تسهيل السبل إلى كشف الالتباس، عما دار من الأحاديث بين الناس"، للشيخ عز الدين محمد بن أحمد الخليلي، المتوفى سنة "١٠٥٧"١.
٤- "كشف الخفاء ومزيل الألباس، عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، للحافظ إسماعيل بن محمد العجلوني، المتوفى سنة "١١٦٢"، وهو كتاب كثير الفوائد لخص فيه المقاصد الحسنة للسخاوي، وضم إليه كثيرا مما في الكتب الأخرى، والكتاب مطبوع بمصر الآن في جزأين لطيفين.
كتب الأطراف: تقدم الكلام في الدور السادس على طريقة العلماء في تأليف كتب الأطراف، كما ذكرنا طائفة من كتب الأطراف لذلك العهد، وإليك جملة من كتب الأطراف في هذا الدور:
١- كتاب اتحاف المهرة بأطراف العشرة، للحافظ ابن حجر العسقلاني في ثمان مجلدات، والمراد من العشرة هي: الموطأ. مسند الشافعي. مسند أحمد. مسند الدارمي. صحيح ابن خزيمة: منتقى ابن الجارود: صحيح ابن حبان. مستدرك الحاكم. مستخرج أبي عوانة: شرح معاني الآثار. سنن الدارقطنى. وإنما زاد العدد واحد؛ لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه.
стр. 453
٢- أطراف مسند الإمام أحمد لابن حجر أيضا أفرده من "كتاب إتحاف المهرة". ويسمى "أطراف المسند المعتلى بأطراف المسند الحنبلي"، وهو في مجلدين.
٣- أطراف الأحاديث المختارة للضياء المقدسي، لابن حجر العسقلاني في مجلد ضخم.
٤- أطراف مسند الفردوس لابن حجر أيضًا.
٥- أطراف صحيح ابن حبان لأبي الفضل العراقي.
٦- أطراف المسانيد العشرة لشهاب الدين أبي العباس، أحمد بن أبي بكر الكناني، البوصيري الشافعي نزيل القاهرة، المتوفى سنة "٨٤٠هـ"، ويريد بالمسانيد العشرة: مسند أبي داود الطيالسي، ومسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، ومسند مسدد بن مسرهد، ومسند محمد بن يحيى بن عمر العدني، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند أحمد بن منيع، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة، ومسند أبي يعلى الموصلي١.
هذه هي أهم أعمال العلماء فيما يتعلق بجمع الحديث، وترتيبه في هذا الدور وما وراء ذلك، فشروح ومختصرات لبعض كتب الحديث، ومع ذلك فهي لا تتجاوز في الغالب أهل القرن الحادي عشر الهجري، وبعض الثاني عشر، أما فيما بعد ذلك إلى عصرنا الحاضر، فقد فترت الهمم حتى عن قراءة كتب الحديث، فضلا عن القيام بأعمال التدوين، وأصبح الناس يقرءون صحيح البخاري لمجرد التبرك بما نقول أكثر من ذلك: أنه قد انقطعت الصلة بين علمائنا اليوم، وبين هذه الثروة الطائلة
стр. 454
من كتب الحديث قديمها، وحديثها حتى إن كثيرا منهم لا يدري إذا ذكر عنده اسم كتاب منها ما موضوعه. أفي الحديث هو أم في الفقه أم في التاريخ، أم في السيرة اللهم إلا بعض أفراد، قصروا حياتهم على حفظ السنة ومطالعة الكتب، والقيام بما وفقهم الله إليه من انتقاء بعض المتون الحديثية، أمثال المرحوم شيخنا العلامة المحدث، حبيب الله الشنقيطي. قام ﵀ في أخريات أيامه بجمع كتاب جليل في الأحاديث، التي اتفق عليها البخاري، ومسلم في صحيحيهما وسماه: "زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم"، رتبه على حروف المعجم فبلغت أحاديثه ألفا ومائتين كلها متصلة الأسناد، وقد شرحه شرحا وسطا جمع فيه كثيرا من الفوائد الفقية، والحديثية وسماه "فتح المنعم ببيان ما احتيج لبيانه من زاد المسلم"، كما تصدى ﵀ في هامش هذا الكتاب، الجليل لبيان مواضع كل حديث من زاد المسلم في الصحيحين من الكتب والأبواب، مما يدل دلالة واضحة على اتساع حفظه، ونباهة شأنه ورسوخ قدمه في علوم السنة١، فتغمده الله برحمته ونفعنا بعلمه.
стр. 455
الخاتمة:
أطلعناك أيها القارئ على ألوان من جهود علماء الإسلام، في خدمة الحديث النبوي من حفظ في الصدور إلى تدوين في الكتب، إلى بيان حال المتون من صحة، وضعف إلى محاربة للكذابين في كل عصر، حتى وصلتنا الأحاديث مشفوعة ببيان حالها، فحفظوا بذلك على الأمة دينها، واستحقوا من الله أفضل الجزاء، ومن المسلمين أعظم ثناء وتقدير.
والآن نتحدث إليك عن لون آخر من جهودهم، في خدمة السنة عن طريق علومها المختلفة الأنواع، وما قاموا به من جلائل الأعمال، كوضع قوانين الرواية، وتأسيس قواعد الجرح والتعديل، ورفع التناقض الظاهري عن أحاديث النبي ﷺ ، إلى غير ذلك مما ستقف على فوائده، فتؤمن ايمانا صادقا بما لأسلافنا من نفاذ في البصيرة، وبعد نظر في عواقب الأمور، وعلو كعب في هذه الفنون الحديثية القيمة، لا سيما إذا علمت أن هذه الفنون لم تأت عفو الخاطر، بل كان بعضها وليد عصور متقادمة، وجهود أمة بأسرها عرفت للسنة قدرها، فأتوا بما لم يأت بعشر معشاره، أمة من الأمم من يوم أن بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى خلقه، وإليك طرفا من جهود علماء الحديث في ذلك:
١- علم ميزان الرجال، أو الجرح والتعديل:
هذا الفن هو، عماد علوم السنة، إذ به يتميز الصحيح من السقيم، والمقبول من المردود، وقد أطبق العلماء على وجوب كشف حال الضعفاء، والكذابين من الرواة، وإقامة النكير عليهم صيانة للدين، فالكلام على جرح الرواة، وتعديلهم أمر واجب على المسلمين، وقد دلت قواعد الشريعة الغراء على أن حفظها فرض كفاية، ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لذا تكلم في الجرح والتعديل خلائق، لا يحصون ذكر منهم ابن عدي الجرجاني المتوفى سنة "٣٦٥" في كتابه الكامل جملة إلى زمنه:
فمن الصحابة ابن عباس سنة "٦٨"، وعبادة بن الصامت سنة "٣٤"، وأنس بن مالك المتوفى سنة "٩٣"، ومن التابعين عامر الشعبي "١٠٤"، وابن سيرين "١١٠"هـ، وسعيد بن المسيب سنة "٩٣"، وهم قليل بالنسبة
стр. 456
لمن بعدهم وذلك لقلة الضعف، فيمن يروون عنهم إذ أكثرهم صحابة، وهم عدول وغير الصحابة منهم أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول من الضعفاء إلا القليل.
وأما القرن الثاني فقد كان في أوائله من أوساط التابعين، جماعة من الضعفاء وضعف أكثرهم نشأ غالبا من قبل تحملهم، وضبطهم للحديث، فكانوا يرسلون كثيرا، ويرفعون الموقوف، وكانت لهم أغلاط وذلك مثل أبي هارون العبدري سنة"١٤٣"، ولما كان آخر عصر التابعين، وهو حدود الخمسين ومائة تكلم في التعديل والتجريح طائفة من الأئمة، فضعف الأعمش المتوفى سنة"١٤٨" جماعة ووثق آخرين. ونظر في الرجال شعبة "سنة١٦٠"، وكان متثبتا لا يروى إلا عن ثقة، ومثله مالك بن أنس "سنة١٧٩"، وممن كان في هذا العصر إذا قال قبل قوله معمر "سنة١٥٣"، وهشام الدستوائي "سنة١٥٤" والأوزاعي "سنة١٥٦"، وسفيان الثوري "سنة١٦١"، وابن الماجشون "سنة٢١٣"، وحماد بن سلمة "سنة١٦٧"، والليث بن سعد "سنة١٧٥".
وبعد هؤلاء طبقة منهم ابن المبارك "سنة١٨١"، وهشيم بن بشير "سنة١٨٨"، وأبو إسحاق الفزاري "سنة١٨٥"، والمعافى بن عمران الموصلي "سنة١٨٥" وبشر بن المفضل "سنة٨١٦"، وابن عيينة "سنة١٩٧"، وقد كان منهم طبقة أخرى منهم ابن علية "١٩٣"، وابن وهب "١٩٧" ووكيع بن الجراح "سنة١٩٧".
وقد انتدب في ذلك الزمان لنقد الرجال، الحافظان الحجتان يحيى بن سعيد القطان "سنة١٨٩"، وعبد الرحمن بن مهدي "سنة١٩٨"، وكان للناس وثوق بهما، فصار من وثقاه مقبولا، ومن جرحاه مجروحا
стр. 457
ومن اختلفا فيه -وذلك قليل- رجع الناس فيه إلى ما ترجح عندهم.
ثم ظهرت بعدهم طبقة أخرى يرجع إليهم في ذلك منهم يزيد بن هارون "سنة٢٠٦"، وأبو داود الطيالسي "سنة٢٠٤"، وعبد الرزاق بن همام "٢١١"، وأبو عاصم النبيل بن مخلد "سنة٢١٢".
ثم صنفت الكتب في الجرح والتعديل، والعلل وبينت فيها أحوال الرواة، وكان رؤساء الجرح والتعديل في ذلك الوقت جماعة، منهم يحيى بن معين "سنة ٢٣٣"، وقد اختلف آراؤه وعباراته في بعض الرجال، كما تختلف آراء الفقيه النحرير وعبارته في بعض المسائل، التي لا تكاد تخلص من أشكال، ومن طبقته أحمد بن حنبل "سنة٢٤١"، وقد سأله جماعة من تلامذته عن كثير من الرجال، فتكلم فيهم بما بدا له، ولم يخرج بهم عن دائرة الاعتدال، وقد تكلم في هذا الأمر محمد بن سعد "سنة٢٣٠"، كاتب الواقدي في طبقاته، وكلامه جيد معقول، وأبو خيثمة زهير بن حرب "سنة٢٣٤"، وله في ذلك كلام كثير، وأبو جعفر عبد الله بن محمد النبيل، حافظ الجزيرة الذي قال فيه أبو داود: لم أر أحفظ منه، وعلي بن المديني "سنة٢٣٤"، وله التصانيف الكثيرة في العلل والرجال، ومحمد بن عبد الله بن نمير "سنة٢٣٤" الذي قال فيه أحمد: "هو درة العراق"، وأبو بكر بن أبي شيبة "سنة٢٣٥"، صاحب السند وكان آية في الحفظ، وعبد الله بن عمرو القواريري "سنة٢٣٥"، الذي قال فيه صالح جزرة: "هو أعلم من رأيت بحديث أهل البصرة"، وإسحاق بن راهويه إمام خراسان "سنة٢٣٧"، وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي "سنة٢٤٢"، الحافظ وله كلام جيد في الجرح والتعديل، وأحمد بن صالح حافظ مصر "سنة٢٤٨"، وكان قليل المثل، وهارون بن عبد الله الحمال "سنة٢٤٣"، وكل هؤلاء من أئمة الجرح والتعديل.
стр. 458
ثم خلفهم طبقة أخرى متصلة بهم منهم إسحاق الكوسج "سنة٢٥١"، والدارمي "سنة٢٥٥"، والبخاري "سنة٢٥٦"، والحافظ العجلي نزيل المغرب، ويتلوهم أبو زرعة "سنة٢٦٤". وأبو حاتم "سنة٢٧٧" الرازيان، ومسلم "سنة٢٦١"، وأبو داود السجستاني "سنة٢٧٥"، وبقي بن مخلد "سنة٢٧٦"، وأبو زرعة الدمشقي "سنة٢٨١".
ثم من بعدهم جماعة منهم عبد الرحمن بن يوسف البغدادي، وله مصنف في الجرح والتعديل، وكان كأبي حاتم في قوة النفس، وإبراهيم بن إسحاق الحربي "سنة٢٨٥"، ومحمد بن وضاح "سنة٢٨٩" حافظ قرطبة، وأبو بكر بن أبي عاصم "سنة٢٨٧"، وعبد الله بن أحمد "سنة٢٩٠"، وصالح جزرة "سنة٢٩٣"، وأبو بكر البزار "سنة٢٩٢"، ومحمد بن نصر المروزي "سنة٢٩٤"، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة "سنة٢٩٧"، وهو ضعيف لكنه من الأئمة في هذا الأمر.
ثم من بعدهم جماعة، منهم أبو بكر الفريابي والبرديجي، والنسائي "سنة٣٠٣"، وأبو يعلى "سنة٣٠٧"، وابن خزيمة "سنة٣١١"، وابن جرير الطبري "سنة٣١٠"، والدولابي "سنة٣١١"، وأبو عروبة الحراني "سنة٣١٨"، وأبو الحسن أحمد بن عمير، وأبو جعفر العقيلي "سنة٣٢٢".
ويتلوهم جماعة منهم ابن أبي حاتم "سنة٣٢٧"، وأحمد بن نصر البغدادي، شيخ الدارقطنى "سنة٣٢٣"، وآخرون.
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو حاتم بن حبان البستى "سنة٣٥٤"، والطبراني "سنة٣٦٠"، وابن عدي الجرجاني "سنة٣٦٥"، وكتابه في الرجال إليه المنتهى في الجرح والتعديل.
стр. 459
وقد جاء من بعد ابن عدي وطبقته جماعة، منهم أبو علي الحسين بن محمد النيسابوري "سنة٣٦٥"، وله مسند معلل في ألف جزء وثلثمائة جزء، وأبو الشيخ بن حيان "سنة٣٦٩"، وأبو بكر الإسماعيلي "سنة٣٧١"، وأبو أحمد الحاكم "سنة٣٧٨"، والدارقطنى "سنة٣٨٥"، وبه ختمت معرفة العلل.
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو عبد الله بن منده "سنة٣٩٥"، وأبو عبد الله الحاكم "سنة٤٠٥"، وأبو نصر الكلاباذى "سنة٣٩٨"، وعبد الرحمن بن فطيس قاضي قرطبة "سنة٤٠٢" وله دلائل السنة، وعبد الغني بن سعيد "سنة٤٠٩"، وأبو بكر بن مردويه الأصفهاني "سنة٤١٦".
ثم من بعدهم جماعة منهم: محمد بن أبي الفوارس البغدادي "سنة٤١٢"، وأبو بكر البرقاني "سنة٤٢٥"، وأبو حاتم العبدري، وخلف بن محمد الواسطي، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو الفضل الفلكي "سنة٤٣٨"، وله كتاب الطبقات في ألف جزء، وأبو القاسم محمود السهمي، وأبو يعقوب وأبو ذر الهرويان. ثم من بعدهم جماعة منهم أبو الحسن الخلال "سنة٤٣٩"، وأبو يعلى الخليلي "سنة٤٤٦"، وأبو عبد الله الصوري وأبو سعد السمان، ثم من بعدهم جماعة منهم ابن عبد البر "سنة٤٦٣"، وابن حزم "سنة٤٥٦"، والأندلسيان والبيهقي "سنة٤٥٨"، والخطيب "سنة ٤٦٣".
ثم من بعدهم جماعة منهم ابن ماكولا "سنة٤٧٥"، وأبو الوليد الباجي "سنة٤٧٤"، وقد صنف في الجرح والتعديل، وأبو عبد الله الحميدي "سنة٤٨٨" وغيرهم.
стр. 460
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي "سنة٥٠٧"، والمؤتمن بن أحمد بن علي الساجي "سنة٥٠٧".
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو موسى المديني "سنة٥٨١"، وأبو القاسم بن عساكر "سنة٥٢٣"، وابن بشكوال "سنة٥٧٨"، وبعدهم جماعة منهم عبد الحق الأشبيلي، وابن الجوزي "سنة٥٩٧"، وأبو عبد الله بن الفخار المالقي، وأبو القاسم السهيلي "سنة٥٨١"، وبعدهم جماعة منهم أبو بكر الحازمي "سنة٥٨٤"، وعبد الغني المقدسي "سنة٦٠٠" والرهاوي، وابن المفضل "سنة٦١٦".
ثم من بعدهم جماعة منهم أبو الحسن القطان "سنة٦٣٨"، وابن الأنماط "سنة٦١٩"، ابن نقطة "سنة٦٢٩"، وغيرهم.
ثم من بعدهم جماعة منهم ابن الصلاح "سنة٦٤٢"، والحافظ المنذري "سنة٦٥٦"، وأبو عبد الله البراذلي "سنة٦٣٦"، وابن الأبار، وأبو شامة "سنة٦٢٥"، وأبو البقاء النابلسي وبعدهم جماعة منهم ابن دقيق العيد "سنة٧٠٢".
ثم من بعدهم جماعة منهم ابن تيمية "سنة٧٢٨"، والحافظ المزي "سنة٧٤٢"، وابن سيد الناس "سنة٧٣٤"، وأبو عبد الله بن أيبك الذهبي "سنة٧٤٨"، والشهاب بن فضل الله "سنة٧٤٩"، والحافظ مغلطاي "سنة٧٦٣"، والشريف الحسيني الدمشقي، والزين العراقي "سنة٨٠٦".
ثم من بعدهم جماعة منهم الولي العراقي، والبرهان الحلبي.
وابن حجر العسقلاني "سنة٨٥٢"، وغير هؤلاء كثير في كل عصر، إلا أن المتقدمين كانوا أرسخ قدما في هذا الفن من المتأخرين١. فأنت ترى أن