ابن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة، وأطنبوا لكن تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة، أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري في صحيحه، معتمدا عليه، بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه، كشعبة وحماد بن زيد، وأبي عوانة وأبي الأحوص وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء، والمتأخرين رووا عنه لم يختلفوا عليه، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة النقل على ثقته وإمامته، ومثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح في ذلك داود بن أبي هند، وأبو الزبير بن عبد الرحمن وغيرهما. فلما تكلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة، والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم في الأصول تحريا، وأخرج مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة. قال العراقي: وليس ما قال ابن طاهر بجيد؛ لأن النسائي ضعف جماعة، أخرج لهم الشيخان، أو أحدهما وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع العلماء على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين. قال شيخ الإسلام ابن حجر الحافظ: تضعيف النسائي إن كان باجتهاده، أو نقله عن معاصر فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم فلا.
قال: ويمكن أن يجاب بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل، الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يخرجان عنه لمرجح يقوم مقامه "تدريب الراوي ص٣٨".
القول الثالث: ما قاله الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، المتوفى سنة "٥٨٤"، قال في كتابه شروط الأئمة الخمسة ما ملخصه: مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه العدول، وفيمن روى عنهم من الثقات، فبعضهم حديثه صحيح، ثابت يلزم إخراجه، وبعضهم حديثه مدخول لا يصلح إخراجه إلى في الشواهد والمتابعات
стр. 387
وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها:
فالطبقة الأولى: جماعة من الرواة العدول، جمعوا بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر وهذه هي الغاية في الصحة، وهؤلاء مثل مالك، وابن عيينة، ويونس وعقيل الأيليين وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم.
والطبقة الثانية: جماعة من الرواة العدول، لم يلازموا الزهري إلا مدة يسيرة، فلم يمارسوا حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى مثل الأوزاعي، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم.
والطبقة الثالثة: جماعة من الرواة لازموا الزهري، ملازمة طويلة كرجال الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين القبول والرد مثل سفيان بن حسين الأسلمي، وجفر بن برقان وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وزمعة بن صالح المكي، وغيرهم.
والطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في عدم السلامة من غوائل الجرح، غير أنهم لم يلازموا الزهري طويلا، فلم يمارسوا حديثه مثل إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني. وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح وجماعة سواهم.
والطبقة الخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب، أن يخرجوا حديثهم إلا على سبيل الاعتبار
стр. 388
والاستشهاد عند أبي داود والنسائي، والترمذي فأما عند الشيخين "البخاري ومسلم"، فلا وهؤلاء مثل بحر بن كنيز السقا، والحكم بن عبد الله الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب الدمشقي، ومحمد بن سعيد المصلوب وغيرهم.
قال: فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخاري، وقد يخرج من أحاديث أهل الطبقة الثانية١ ما يعتمد من غير استيعاب، وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين الأولى، والثانية باستيعاب، وينتقى من أحاديث أهل الطبقة الثالثة، وأما الرابعة والخامسة، فلا يعرجان عليهما٢. ا. هـ. كلام الحازمي.
قال الحافظ بن حجر معقبا على كلامه: وهذا المثال الذي ذكره الحازمي، عن الزهري إنما يتأتى في حق المكثرين، فيقاس على أصحاب الزهري، أصحاب نافع وأصحاب الأعمش، وأصحاب قتادة وأمثالهم.
قال: فأما غير المكثرين، فقد اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، نلكن منهم من قوي الاعتماد عليه، فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه، فأخرجا له ما شاركه فيه غيره، وهو الأكثر. ا. هـ "مقدمة الفتح ١-٦".
стр. 389
المقارنة بين الصحيحين:
التزم كل من البخاري ومسلم، ألا يخرج في كتابه غير الأحاديث الصحيحة، وكتابهما وإن اشتركا في أصل الصحة، لكن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، ومقدم عليه ويدل على ذلك أمران.
الأول: شهادة أهل الفن وجهابذة الحديث، فمن ذلك ما رواه الحافظ ابن حجر، عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه قال: "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل"، قال الحافظ: والنسائي لا يعني بالجودة إلا جودة الأسانيد، كما هو المتبادر إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث، ومثل هذا من النسائي غاية في الوصف مع شدة تحريه، وتوقيه وتثبته في نقد الرجال وتقدمه في ذلك على أهل عصره، حتى قدمه قوم من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج، وقدمه الدارقطني وغيره على إمام الأئمة، أبي بكر بن خزيمة صاحب الصحيح، وقال الإسماعيلي في المدخل له: "أما بعد فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد الله البخاري، فرأيته جامعا كما سمى لكثير من السنن الصحيحة، ودالا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة، التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها علما بالفقه واللغة، وتمكنا منها وتبحرا فيها، وكان يرحمه الله الرجل الذي قصر زمانه على ذلك، فبرع وبلغ الغاية، فحاز السبق وقد نحا نحوه في التصنيف جماعة منهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد الله للرواية عنهم، وكل قصد الخير غير أن أحدا لم يبلغ في التشدد مبلغ أبي عبد الله، ولا تسبب إلى استنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له
стр. 390
وصلة بالحديث المروي فيه تسببه ولله الفضل يختص به من يشاء"، وقال الدارقطني لما ذكر عند الصحيحان: لولا البخاري لما ذهب مسلم، ولا جاء وقال مرة أخرى: "وأي شيء صنع مسلم إنما أخذ كتاب البخاري، فعمل عليه مستخرجا وزاد في زيادات"، ونقل كلام العلماء في ذلك يطول، فنكتفي بهذا القدر على أنه يكفي لتقديم كتاب البخاري على كتاب مسلم، إجماع أهل الحديث على أن البخاري أعلم بهذا الفن من مسلم، وهو أستاذ مسلم فيه حتى شهد له مسلم بالتفرد بمعرفة ذلك في عصره.
الأمر الثاني: إن مدار الحديث الصحيح على اتصال السند، واتقان الرجال والسلامة من الشذوذ والعلة. وهذه الأوصاف في كتاب البخاري أقوى منها في كتاب مسلم، فهو أشد اتصالا، وأوثق رجالا وأبعد عن الشذوذ والعلة، وبيان ذلك:
أولا: فيم يرجع إلى اتصال السند:
إن الإسناد المعنعن الذي يقال فيه: "فلان عن فلان"، اكتفى مسلم فيه بالمعاصرة أما البخاري، فلا يحمل ذلك على الاتصال، حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة. وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه، كما جرى مسلم على مذهبه المذكورة في صحيحه، وصرح به في مقدمته، وبالغ في الرد على من خالفه، ولا شك أن مذهب البخاري في المعنعن أدخل في باب الاتصال، وأبعد عن شائبة الانقطاع بخلا ما ذهب إليه مسلم.
ثانيا: فيما يرجع إلى السلام من الشذوذ والعلة:
إن الأحاديث التي انتقدت عليها بلغت "٢١٠"، اختص البخاري منها بثمانية وسبعين، واختص مسلم بمائة واشتركا في الباقي، وهو اثنان وثلاثون ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر فيه.
стр. 391
ثالثا: فيما يرجع إلى إتقان الرواة
يتبين رجحان صحيح البخاري على صحيح مسلم في هذا الباب بعدة أمور:
أ- إن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضع وثلاثون رجلا المتكلم فيه بالضعف منهم "٨٠" رجلًا. والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري "٦٢٠" رجلا. المتكلم فيه بالضعف منهم "١٦٠" رجلا، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلًا أولى من التخريج عمن تكلم فيه، وإن لم يكن ذلك الكلام قادحًا.
ب- إن الذين انفرد بهم البخاري، ممن تكم فيه لم يكثر من التخريج عنهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها، أو أكثرها إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس. بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت وغير ذلك.
ج- إن الذين انفرد بهم البخاري، ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم، وجالسهم وعرف أحوالهم، واطلع على أحاديثهم وميز جيدها من غيره. بخلاف مسلم فإن من انفرد بتخريج حديثه، ممن تكلم فيه أكثرهم ممن تقدم عصره من التابعين ومن بعدهم. ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه دون غيرهم.
د- أن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، وهي أعلى الطبقات في الحفظ والإتقان، وطول الصحبة لمن أخذوا عنه استيعابا، وينتقي من أحاديث الطبقة الثانية، التي هي دون الأولى في الصفات المذكورة، ومسلم يخرج حديث الطبقة الثانية استيعابا، وفي أصل موضوع كتابه فكان البخاري أقوى إسنادا وأوثق رجالًا.
стр. 392
هذا وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: "ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج"، لا ينافي ما تقدم، فقد قال الحافظ بن حجر، الذي يظهر لي من كلام أبي على أنه، إنما قدم صحيح مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك؛ لأن مسلما صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق، ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يعرج عليها إلا في بع المواضع على سبيل الندرة، تبعا لا مقصودا، فلهذا قال أبو علي ما قال. قال: وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق، وجودة الوضع والترتيب، ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية، ولو أفصحوا لرده عليهم شاهد الوجود. ا. هـ "مقدمة الفتح جـ١ ص٨، وشرح النخبة ص١٠".
الشيخان لم يستوعبا الصحيح في الصحيحين:
قرر الحفاظ، وأئمة الحديث أن البخاري، ومسلما لم يستوعبا في صحيحهما الأحاديث الصحيحة، ولا التزاما ذلك فقد رووا عن البخاري أنه قال: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لملال الطول"، وأنه قال: "احفظ مائة ألف حديث صحيح، واحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح"، وأنه قال: أكنت عند إسحاق بن راهويه فقال: "لو جمعتهم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ "، قال: "فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح"، ورووا عن مسلم أنه قال: "ليس كل شيء عندي صحيح، وضعته ههنا. إنما وضعت
стр. 393
ههنا ما أجمعوا عليه"١، ورووا عنه أيضا أنه لما عوتب على ما فعل من جمع الأحاديث الصحاح في كتاب، وقيل له: أن هذا يطرق لأهل البدع علينا فيجدون السبيل، لأن يقولوا: إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح. قال: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: هو صحاح ولم أقل: أن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب، فهو ضعيف٢، ومن ذلك يتبين لنا:
أولا: أنه لا وجه لإلزام من ألزمهما إخراج أحاديث لم يخرجاها مع كونها صحيحة على شرطيهما، كالدارقطني، والبيهقي، وابن حبان، فقد روى عن ابن حبان أنه قال: "ينبغي أن يناق البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما"، وذكر الدارقطني وغيره "إن جماعة من الصحابة ﵃، رووا عن رسول الله ﷺ ، ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئًا، فيلزمهما على مذهبهما"، وذكر البيهقي: "أنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبه، وإن كل واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث، منهما على أن الإسناد واحد". ا. هـ. وصنف الدارقطني، وأبو ذر الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما به، ولكن هذا كله ليس بلازم في الحقيقة -كما قلنا- فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوبعاه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه إلى جمع جملة من مسائله٣.
стр. 394
ثانيا: لا يلزم من عدم تخريج الشيخين لراو من الرواة في الصحيحين سقوطه، أو ضعفه فإنهما كما لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة، لم يستوعبا الرواة الذين توافرت فيهم صفات القبول والصحة، وهم خلائق كثير يبلغ عددهم نيفا وثلاثين ألفا؛ لأن تاريخ البخاري يشتمل على نحو من أربعين الفا، وزيادة وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس، ومن خرجهم في جامعه دون ألفين، كما قال الحافظ الحازمي في شروط الأئمة الخمسة.
وقد ذكر الحاكم، أبو عبد الله النيسابوري، جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الرواة، ولم يخرج لهم في الصحيح، ولم يسقطوا -في كتابه معرفة علوم الحديث في النوع الحادي والخمسين- منهم:
١- في الصحابة، أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وعتبة بن غزوان، وأبو كبشة مولى رسول الله ﷺ ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، والأرقم بن الأرقم، وقدامة بن مظعون، والسائب بن مظعون، وشجاع بن وهب الأسدي، وعباد بن بشر الأشهلي، وسلامة بن وتش. في جماعة من الصحابة، قال الحاكم: إلا أني ذكرت هؤلاء ﵁ فإنهم من المهاجرين، الذين شهدوا بدرا، وليس لهم في الصحيح رواية إذ لم يصح إليهم الطريق، ولهم ذكر في الصحيح في روايات غيرهم من الصحابة، مثل قوله ﷺ لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وما يشبه هذا.
٢- وفي التابعين: محمد بن أبي بن كعب، والسائب بن خلاد بن السائب، ومحمد بن أسامة بن زيد، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن سعد بن عبادة، وعبيد الله بن رافع بن خديج، في طائفة من
стр. 395
التابعين، قال الحاكم: هؤلاء التابعون على علو محالهم في التابعين، ومحل آبائهم في الصحابة ليس لهم في الصحيح ذكر لفساد الطريق إليهم، لا لجرح فيهم فقد نزههم الله عن ذلك.
٣- ومن أتباع التابعين: عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعطاء بن السائب الثقفي، وأبو يعقوب العبدي، وعبد الله بن شبرمة الضبي، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وبشر بن سليمان النهدي، والحسن بن الحر وغيرهم.
وقال الأستاذ المحدث، الشيخ محمد زاهد الكوثري، في تعليقه على شروط الأئمة الخمسة للحازمي: "ومما يتجه إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا في الصحيحين شيئا من حديث الإمام أبي حنيفة، مع أنهما أدركا صغار أصحاب أصحابه، وأخذا عنهم ولم يخرجا أيا من حديث الإمام الشافعي، مع أنهما لقيا بعض أصحابه، ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلا حديثين، أحدهما تعليقا، والآخر نازلا بواسطة مع أنه أدركه ولازمه، ولا أخرج مسلم في صحيحه، عن البخاري شيئا مع أنه لازمه، ونسج على منواله، ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثا، ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك، عن نافع بطريق الشافعي -وهو أصح الطرق أو من أصحها- إلا أربعة أحاديث، وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثا، مع أنه جالس الشافعي، وسمع موطأ مالك منه وعد من رواة مذهبه القديم.
قال الأستاذ: والظاهر من دينهم، وأمانتهم إن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع، لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقا وغربا، وجل عناية أصحابة الدواوين بأناس من
стр. 396
الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها؛ لأنه لا يستغنى من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء.
قال الأستاذ: ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم، أو لبضع ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة، كقول الثور في أبي حنيفة، وقول ابن معين في الشافعي، وقول الكرابيسي في أحمد، وقول الذهلي في البخاري، ونحوها فقد حملهم شططا". ا. هـ.
والذي يظهر لنا من كلام الحاكم، وغيره أن الشيخين أو أحدهما، قد يترك الإمام الثقة لأسباب منها:
١- أن يقع الضعف في الإسناد الذي بينه، وبين صاحب الصحيح فلا يروي الحديث من طريقه.
٢- قد يكون الإمام الذي ترك حديثه له أصحاب أجلاء، يحملون عنه علمه وحديثه، فلا يخاف على مروياته من الضياع، فيستغني صاحب الصحيح بذلك عن الرواية عنه.
٣- طلب علو الإسناد، فقد يكون الحديث من طريق ذلك الإمام نازلا، ومن طريق غيره من الثقات عاليا، فيختار صاحب الصحيح الإسناد العالي لما فيه من القرب إلى رسول الله ﷺ .
اختلاف العلماء في أن أحاديث الصحيحين ثابتة بالعلم، أو الظن:
قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: جميع ما حكم مسلم بصحته في كتابه فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأم، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك؛ لأن الأمة تلقت الكتابين بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه، ووفاقه في الإجماع ويستثنى من ذلك أحاديث يسيرة، تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني، وغيره وهي معروفة عند المحدثين، قال: والذي نختاره أن تلقى الأمة للخبر القاصر عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري
стр. 397
بصدقه خلافا لبعض محققي الأصوليين، حيث نفى ذلك بناء على أنه لا يفيد في حق كل منهم إلا الظن، وإنما قبله؛ لأنه يجب عليه العمل بالظن، والظن قد يخطئ. قال: وهذا مندفع؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ.
وقد مال النووي إلى أن أحاديث الصحيحين، التي لم تتواتر ثابتة بالظن لا بالعلم، وتعقب ابن الصلاح في شرحه لمسلم، فقال: وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون، والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم، وغيرهما في ذلك وتلقي الأمة بالقبول، إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في غيرها يجب العمل بها، إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن. فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان، وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر، وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يزلم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع، بأنه كلام النبي ﷺ . ا. هـ.
وقد انحاز إلى كل طائفة من العلماء، ففريق يرجع كلام ابن الصلاح في أنها ثابتة عنه ﷺ بطريق العلم النظري، وفريق آخر يرجح كلام النووي في أنها ثابتة بطريق الظن.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ما ذكره النووي مسلم من جهة الأكثرين، أما المحققون فلا فقد وافق ابن الصلاح أيضا محققون، وقال في شرح النخبة: الخبر المحتف بالقرائن، يفيد العلم خلافا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع منها ما أخرجه الشيخان في صحيحهما مما لم يبلغ
стр. 398
حد التواتر فإنه احتفت به قرائن منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمها في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين، حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما، من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قال: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحته ممنوع؛ لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجاه فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة قال: وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري الأستاذ، أبو إسحاق الاسفرائيني، ومن أئمة الحديث، أبو عبد الله الحميدي، وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما. ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح، ثم قال: والعلم بصدق الخبر المحتف بالقرائن، إنما يحصل للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. ا. هـ، وقال ابن كثير في الباعث الحثيث١: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه، ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه:
إنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، عن جماعات من الأئمة منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الإسفرائيني، والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وأبو حامد وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاغوني وأمثالهم
стр. 399
من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية، قال: وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم. كأبي إسحاق الإسفرائيني، وابن فورك. قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة. ا. هـ.
قال السيوطي في تدريبه، وهو الذي اختاره ولا أعتقد سواه. ا. هـ.
انتقاد بعض الحفاظ على الشيخين، والجواب عنه:
انتقد جماعة من الحفاظ على البخاري، ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطيهما، ونزلت عن درجة ما التزماه، منهم الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الغساني، وألفوا في ذلك. قال الحافظ ابن حجر:
وليست عللها كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر، والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف.
قال: والأحاديث التي انتقدت عليهما، إن كانت مذكورة على سبيل الاستئناس والتقوية كالمعلقات، والمتاعات، والشواهد أجيب عن الاعتراض عليها أن توجه بأنها ليست من موضوع الكتابين، فإن موضوعهما المسند المتصل، ولهذا لم يتعرض الدارقطني في نقده على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة، التي لم توصل في موضع آخر لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتابين، وإنما ذكرت استئناسا واستشهادا، وإن كانت من الأحاديث المسندة، فأما أن يكون الطعن مبنيا على قواعد ضعيفة لبعض المحدثين، فلا يقبل لضعف مبناه وأما أن يكون مبنيا على قواعد قوية، فحينئذ يكون قد تعارض تصحيحهما، أو تصحيح أحدهما مع كلام المعترض، ولا ريب في تقدمهما في باب التصحيح والتضعيف على غيرهما، قال الحافظ ابن حجر: وعدة ما انتقد عليهما من الأحاديث المسندة "٢١٠" مائتا حديث وعشرة. اشتركا في "٣٢" اثنين وثلاثين حديثا. واختص البخاري بثمانية
стр. 400
وسبعين ومسلم بمائة. قال: والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني، كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك، حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلى عند علي بن المديني، ومع ذلك فكان علي بن المديني، إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا.
وروى الفربري عن البخاري، قال: ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى، وتيقنت صحته. وقال مكي بن عبد الله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي هذا علي أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته. قال: فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث، إلا ما لا علة له أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام المنتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقدمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة، ثم أجاب الحافظ ابن حجر ﵀، عن النقد جوابا تفصيليا: قسم فيه الأحاديث التي انتقدت عليهما إلى ستة أقسام تكلم عليها، ثم أجاب عن الأحايدث، التي أوردها الدارقطني على البخاري حديثا حديثا، ثم قال: فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنف في نفسه وجل تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول، والتسليم وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم.
قال: وإنما اقتصرت على ما ذكرته عن الدارقطني؛ لأني أردت أن
стр. 401
يكون عنوانا لغيره، فإنه الإمام المقدم في هذا الفن. ا. هـ١.
هذا وأما الأحاديث التي انتقدت على الإمام مسلم في صحيحه، فقد أجاب عنها واحدا واحدا جهابذة من أئمة الحديث، قال السيوطي: ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفا مخصوصا، فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته. وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابا في الرد عليه. قال السيوطي: وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم، أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أبهم راوية وبعضها فيه إرسال، وانقطاع وبعضها فيه، وجادة وهي في حكم الانقطاع، وبعضها بالمكاتبة، وقد ألف الرشيد العطار كتابا في الرد عليه، والجواب عنها حديثا حديثا وقد وقفت عليه. ا. هـ.
كلامه. "تدريب ص٤٢".
وللإمام الحافظ، أبي عمرو بن الصلاح جواب موجز محرر في الدفاع، عن مسلم ﵀ يحسن بنا أن نذكره لك، نقلا عن الإمام النووي في مقدمته لشرح مسلم.
قال النووي ﵀: عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه، عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح ولا عيب عليه في ذلك، بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام، أبو عمرو بن الصلاح:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتا مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح، وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب، البغدادي وغيره: ما احتج البخاري، ومسلم وأبو داود به من
стр. 402
جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم، محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب.
الثاني: أن يكون ذلك واقعا في المتابعات، والشواهد لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف، ورجال ثقات، ويجعله أصلا، ثم يتبع بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه، وقد اعتذر الحاكم أبو عد الله بالمتابعة، والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح، منهم مطر الوراق وبقية بن الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين.
الثالث: أن يكون ضعف الضعيف، الذي احتج به مسلم طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حديث عليه، فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، فقد ذكر الحاكم، أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرا، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك.
الرابع: أن يعلوا بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي، ولا يطول إضافة النازل إليه، مكتفيا بمعرفة أهل الشأن في ذلك، وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولا، ثم أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا روينا عن سعيد
стр. 403
ابن عمرو البرذعي أنه حضر أبا زرعة الرازي، وذكر عنده صحيح مسلم، فأنكر عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر وقطين بن نسير، وأحمد بن عيسى المصري. قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة، فقال لي مسلم: إنما أدخلت من حديث أسباط، وقطين وأحمد ما قد رواه الثقات، عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع لي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فاقتصر على ذلك: وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: فهذا مقام وعر، وقد مهدته بواضح من القول لم أره مجتمعا في مؤلف ولله الحمد. قال: وفيما ذكرته دليل على أن من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه، بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل، وأخطأ بل يتوقف ذلك على النظر في أنه، كيف روى عنه على ما بيناه. ا. هـ.
المستخرجات على الصحيحين:
معنى الاستخراج: هو أن يعمد حافظ من الحفاظ إلى كتاب من كتب الحديث، كصحيح البخاري، أو صحيح مسلم، أو غيرهما من الكتب، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه، ولو في الصحابي مع رعاية ترتيبه، ومتونه وطرق أسانيده، وشرطه ألا يصل إلى شيخ أبعد، حتى يفقد سندا يوصله إلى الأقرب ما لم يكن هناك عذر من علو في السند، أو زيادة مهمة في المتن، وربما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد له بها سندا يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب، الذي يستخرج عليه، وقد صنف كثير من العلماء في هذا النوع على الصحيحين، وغيرهما من كتب الحديث.
стр. 404
المستخرجات على صحيح البخاري: هي كثيرة منها:
١- مستخرج الحافظ أبي بكر الإسماعيلي، الجرجاني المتوفى سنة "٣٧١". قال الذهبي: "ابتهرت بحفظه، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ، والمعرفة".
٢- ومستخرج الحافظ أبي بكر البرقاني، المتوفى سنة "٤٢٥".
٣- ومستخرج الحافظ أبي بكر بن مردويه، الأصبهاني الكبير صاحب التاريخ، والتفسير المسند المتوفى سنة ٤١٦، وهو غير الحافظ ابن مردويه، محدث أصبهان فإنه حفيد الكبير ولم يلقح جده. توفي سنة "٤٩٨".
٤- ومستخرج الغطريفي المتوفى سنة "٣٧٧".
٥- ومستخرج الحافظ أبي عبد الله، محمد بن العباس المعروف بابن أبي ذهل الهروي المتوفى سنة "٣٧٨".
المستخرجات على صحيح مسلم: هي كثيرة منها:
١- مستخرج الحافظ أبي عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني المتوفى سنة "٣١٦"، روى فيه عن يونس بن عبد الأعلى، وغيره من شيوخ مسلم.
٢- مستخرج الحافظ، أبي بكر محمد بن محمد بن رجاء النيسابوري، الحافظ وهو متقدم توفي سنة "٢٨٦"، ويشارك مسلما في أكثر شيوخه.
٣- مستخرج الحافظ، أبي بكر محمد بن عبد الله، الجوزقي، النيسابوري، المتوفى سنة "٣٨٨"، وجوزق قرية من قرى نيسابور.
٤- مستخرج الحافظ، أحمد بن سلمة النيسابوري البزار، المتوفى سنة "٢٨٦"، وهو رفيق مسلم في الرحلة إلى بلخ والبصرة.
المستخرجات على الصحيحين منها:
١- مستخرج الحافظ محمد بن يعقوب، الشيباني النيسابوري، المعروف بن الأخرم المتوفى سنة "٣٤٤".
٢- مستخرج الحافظ، أبي ذر الهروي
стр. 405
المتوفى سنة "٤٣٤".
٣- مستخرج الحافظ أبي محمد البغدادي، المعروف بالخلال "٤٣٩".
٤- مستخرج الحافظ أبي علي الماسرجسي النيسابوري، المتوفى "٣٦٥"، أسلم جده ماسرجس -وكان نصرانيا- على يد عبد الله بن المبارك.
٥- مستخرج الحافظ المصنف، أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، المتوفى "٤٣٠"، هؤلاء الأئمة خرج كل واحد منهم على كل من الصحيحين، منفردا ومن العلماء من استخرج عليهما معا في كتاب واحد، كأبي بكر بن عبدان الشيرازي، المتوفى "٣٨٨"١.
حكم الرواية عن الكتب المستخرجة:
لم يلتزم واحد من هؤلاء الأئمة موافقة الكتاب الأصلي في ألفاظ الحديث؛ لأنهم إنما يروون بالألفاظ، التي وقعت لهم عن شيوخهم، فحصل فيها تفاوت قليل في الألفاظ، وتفاوت أقل منه في المعاني، فلا يجوز لمن ينقل عن أحد هذه الكتب المستخرجة حديثا، ثم ينسبه إلى الصحيحين مثلا، ويقول هو هكذا فيهما، إلا أن يقابله بهما، أو يكون صاحب الكتاب المستخرج، قد صرح بأنه استخرجه بلفظه كأن يقول أخرجه البخاري بلفظه.
فوائد المستخرجات: فوائدها كثيرة منها:
١- ما يقع فيها من زيادات في الأحاديث، لم تكن بالأصل وإنما وقعت لهم تلك الزيادات؛ لأنهم لم يلتزموا إيراد ألفاظ الأصل، بل الألفاظ التي وقعت لهم بالرواية عن شيوخهم.
стр. 406
٢- علو الإسناد؛ لأن صاحب المستخرج لو روى الحديث من طريق صاحب الأصل، لوقع أنزل من الطريق الذي يرويه به في المستخرج.
٣- تقوية الحديث بكثرة الطرق، وربما ساق له طرقا أخرى إلى الصحابي، بعد فراغه من استخراجه كما يصنع أبو عوانة.
٤- أن يكون صاحب الأصل قد روى عمن اختلط، ولم يبين أن السماع منه كان قبل الاختلاط، أو بعده فيبينه المستخرج صريحا، أو بالرواية عمن لم يسمع منه، إلا قبل الاختلاط.
٥- أن يروي صاحب الأصل عن مدلس بالعنعنة، فيرويه صاحب المستخرج مع التصريح بالسماع، أو نحوه.
٦- أن يروي صاحب الأصل الحديث عن مبهم، كحدثنا رجل أو غير واحد فيعينه المستخرج.
٧- أن يروي صاحب الأصل، عن مهمل كحدثنا محمد من غير ذكر ما يميزه عن غيره من المحمدين، فيميزه المستخرج.
٨- أن يكون في الأصل حديث مخالف لقاعدة اللغة العربية، يتكلف لتوجيهه، ويتحمل لتخريجه، فيجيء من رواية المستخرج على القاعدة، فيعرف بأنه هو الصحيح، وأن الذي في الأصل قد وقع فيه الوهم من الرواة.
٩- قال العلامة ابن حجر: "وكل علة أعل بها الحديث في أحد الصحيحين، وجاءت رواية المستخرج سالمة منها، فهي من فوائده وذلك كثير جدا". ا. هـ.
حكم الزيادة الواقعة في الكتب المستخرجة على الصحيحين:
ذهب الحافظ ابن الصلاح في مقدمته عند الكلام على فوائد الكتب المستخرجة: إلى أن الزيادة الواقعة في المستخرجات لها حكم الصحيح
стр. 407
لأنها واردة بالأسانيد الثابتة في الصحيحين، أو أحدهما وخارجة من ذلك المخرج الثابت، وقد تعقبه الحافظ ابن حجر فقال: "هذا مسلم في الرجل، الذي التقى فيه إسناد المستخرج، وإسناد مصنف الأصل، وفيمن بعده وأما من بين المستخرج، وبين ذلك الرجل فيحتاج إلى نقد؛ لأن المستخرج لم يلتزم الصحة في ذلك، وإنما جل قصده العلو، فإن حصل وقع على غرضه، فإن كان مع ذلك صحيحا، أو فيه زيادة فزيادة حسن حصلت اتفاقا، وإلا فليس ذلك همته". ا. هـ. وهذا بيان حسن.
ثم إن الكلام إنما هو في الزيادة، التي تقع تتمة لمحذوف في أحاديث الصحيحين، ونحو ذلك إما زيادة أحاديث بتمامها، فلا ريب أنها تتبع قوة السند، وضعفه فقد تكون صحيحة، وقد تكون حسنة أو ضعيفة، وقد وقع في مستخرج أبي عوانة أحاديث كثيرة زائدة على أصله من هذا النوع الأخير، وفيها الصحيح والحسن، والضعيف١.
المستدركات على الصحيحين:
الاستدراك في اصطلاح أهل الحديث، هو جمع الأحاديث التي تكون على شرط أحد المصنفين، ولم يخرجها في كتابه. ومعلوم مما تقدم أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح في كتابيهما، ولا التزما ذلك، وأذن هناك أحاديث هي على شرطهما، أو على شرط أحدهما لم يخرجاها في كتابيهما، وقد عني العلماء بالاستدارك عليهما، وألفوا في ذلك المصنفات، وأطلقوا عليها اسم المستدركات، ومن أهم هذه المستدركات.
стр. 408
١- المستدرك لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، الحاكم النيسابوري المتوفى سنة "٤٠٥"، أودعه من الأحاديث ما هو على شرط الشيخين، أو شرط أحدهما، ولكن لم يخرجاه في كتابيهما، وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرط واحد منهما. وهو ينبه على القسم الأول بقوله: هذا حديث على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، وعلى القسم الثاني بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد، وقد يورد فيه ما لم يصح عنده منبها على ذلك، وهو متساهل في التصحيح. وقد لخص١ المستدرك الحافظ الذهبي، المتوفى "٧٤٨"، وتعقب كثيرا منه ببيان ضعفه، أو نكارته ووضعه وجمع جزءا في الأحاديث الموضوعة، التي وجدت فيه فبلغت نحو مائة حديث، وذكر له ابن الجوزي في موضوعاته، نحو ستين حديثا أيضا. وقد تطرف أبو سعد الماليني، فحكم بأنه ليس في المستدرك حديث على شرط الشيخين، ورد عليه الذهبي ذلك بأن فيه جملة وافرة على شرطهما، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده وإن كان فيه علة، وما بقي وهو نحو الربع فهو مناكير وواهيات لا تصح، وفي بعض ذلك موضوعات. ا. هـ.
هذا وقد اعتذر الحافظ ابن حجر، عن التساهل الواقع في مستدرك الحاكم، فقال: إنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سود الكتاب لينقحه فعاجلته منيته، ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه، قال: وقد وجدت قريبا من نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: "إلى هنا انتهى إملاء الحاكم"، وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة،
стр. 409
والتساهل في القدر المملى قليل جدا بالنسبة إلى ما بعده. ا. هـ وكثير من المحدثين على أن ما انفرد بتصحيحه الحاكم في المستدك، عن أئمة الحديث يبحث عنه، ويحكم عليه بما يليق بحاله من الصحة، أو الحسن أو الضعف.
٢- كتاب الإلزامات لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني، البغدادي أمير المؤمنين في الحديث المتوفى سنة "٣٨٥". جمع فيه ما وجده على شرط الشيخين من الأحاديث، وليس بمذكور في كتابيهما، وألزمهما ذكره -وهو غير لازم كما تقدم لك- ورتبه على المسانيد في مجلد لطيف.
٣- المستدرك على الصحيحين، للحافظ أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، الأنصاري الهروي، نزيل مكة صاحب التصانيف الكثيرة، المتوفى سنة "٤٣٤"، وهو كالمستخرج على كتاب الدارقطني١.
سنن النسائي:
صنف النسائي كتاب السنن الكبرى، مشتملا على الصحيح، والمعلول ثم اختصره في كتاب السنن الصغرى، وسماه "المجتبى"، وهو صحيح عند النسائي جاء عنه أنه قال: "كتاب السنن كله صحيح، وبعضه معلول والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله"٢، قالوا: أنه لما صنف السنن الكبرى أهداها إلى أمير الرملة، فقال له: أكل ما في هذا صحيح قال: لا.
стр. 410
قال: فجرد الصحيح منه فصنف له المجتبى، وإذا نسب إلى النسائي حديث، فإنما يعنون روايته في السنن الصغرى المسماة بالمجتبى.
وكتاب المجتبى أقل السنن حديث ضعيفا، ورجلا مجروحا ودرجته في الحديث بعد الصحيحين، فهو مقدم على سنن أبي داود، وسنن الترمذي؛ لأن النسائي يمتاز عنهما بشدة تحريه في الرجال، حتى قيل: إنه كان أحفظ من مسلم بن الحجاج.
شرط النسائي في سننه الصغرى:
قدمنا لك عن الحازمي أن أبا داود، والنسائي يخرجان من أحاديث الطبقة الأولى والثانية، والثالثة ولا يتجاوزانها إلى الرابعة في الأصول بخلاف المتابعات، والشواهد، غير أن سنن النسائي تقدم على سنن أبي داود، لتحري مؤلفه واحتياطه في أمر الرجال، وفصحه الشديد عن حال الرواة، وتركه لكثير ممن روى عنه أبو داود والترمذي. قال الحافظ ابن حجر: "كم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين". ا. هـ.
وقال الحافظ أحمد بن نصر شيخ الدارقطني: "من يصبر على ما يصبر عليه النسائي، كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، فما حدث عنه بشيء"، قال ابن حجر: "وكان عنده عاليا عن قتيبة عنه، ولم يحدث به لا في السنن، ولا في غيرها"، وبالجملة فشرط النسائي في المجتبى، هو أقوى الشرط بعد الصحيحين مما جعله عظيما في نظر أهل العلم.
شروح المجتبى:
شرح جلال الدين السيوطي المتوفى سنة "٩١١" في كتاب مختصر، سماه زهر الربى على المجتبى، وشرحه أيضا محمد
стр. 411
ابن عبد الهادي السندي المتوفى سنة "١١٣٨"، قال في مقدمته: "وبعد فهذا تعليق لطيف على سنن الإمام الحافظ، أبي عبد الرحمن النسائي، رحمه الله تعالى يقصتر على حل ما يحتاج إليه القارئ، والمدرس من ضبط اللفظ، وإيضاح الغريب والإعراب"، والمجتبى مع شرحيه المذكورين مطبوع الآن١.
سنن أبي داود:
انتقى أبو داود ﵀ سننه من خمسمائة ألف حديث، فبلغت أربعة آلاف وثمانمائة حديث كلها في الأحكام وأكثرها مشاهير، وكان ﵀ أفقه الأئمة الستة بعد البخاري. لذلك جاء كتابه هذا كتابا حافلا جامعا لأبواب الفقه، وللأحاديث التي استدل بها فقهاء الأمصار، وبنوا عليها الأحكام حتى قالوا: "إنها تكفي المجتهد بعد كتاب الله تعالى"، وقد أجاد ﵀ إجادة تامة في التراجم على الأحاديث، مما يدل على كمال إحاطته بمذاهب العلماء، ومعرفته بمسالكهم في الاستدلال، فإنه ترجم على كل حديث، بما استنبط منه عالم أو ذهب إليه ذاهب. لذلك اشتهر هذا الكتاب بين الفقهاء اشتهارا عظيما، لجمعه أحاديث الأحكام.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي، المتوفى سنة "٣٢٨" في كتاب معالم السنن: "اعلموا رحمكم الله تعالى أن كتاب السنن لأبي داود، كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس، فصار حكما بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء على اختلاف
стр. 412
مذاهبهم فلكل منه ورد، ومنه شرب وعليه معول أهل العراق، وأهل مصر وبلاد المغرب، وكثير من أقطار الأرض. فأما أهل خراسان، فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاء. إلا أن كتاب أبي داود أحسن وضعا، وأكثر فقها، وكتاب أبي عيسى كتاب حسن، والله يغفر لجماعاتهم، ويحسن على جميل النية، فيما سعوا له مثوبتهم برحمته". ا. هـ.
شرطه ودرجة أحاديثه: قال الإمام الحافظ، أبو عمرو بن الصلاح، المتوفى سنة "٦٤٢"١ في مقدمته ما نصه: "ومن مظانه -يعني الحديث الحسن- سنن أبي داود السجساني، ﵀ روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح، وما يشبهه ويقاربه، وروينا عنهأيضا ما معناه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب، وقال: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد، فقه بينته، وما لم أذكر فيه شيئا، فهو صالح وبعضها أصح من بعض. قال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح، والحسن عرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عنده، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به. إذ حكى أبو عبد الله بن منده، الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي، أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه٢. قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف، إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال". ا. هـ.
стр. 413
وقال السيوطي في التدريب: "فعلى ما نقل عن أبي داود، يحتمل أن يريد بقوله "صالح" الصالح لاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا. لكن ذكر ابن كثير أنه روى عنه: "وما سكت عنه فهو حسن"، فإن صح ذلك فلا إشكال"١ ا. هـ.
هذا، وكلام أبي داود فيما يتعلق بكتابه -وقد نقل ابن الصلاح بعضه- مأخوذ من رسالته إلى أهل مكة، ونحن ننقل لك شيئا منها.
قال: "إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث، التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب. فاعلموا أنه كله كذلك، إلا أن يكون قد روي من وجهين أحدهما أقوم إسنادا والآخر أقوم في الحفظ فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث ولم أكتب في الباب إلا حديثا، أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنها تكثر وإنما أردت قرب منفعته فإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين، أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وإنما تكون فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من يسمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك، وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي حتى جاء الشافعي، فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل، وغيره.
فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، فإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره. وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد، فقد بينته ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من
стр. 414
بعض وهو كتاب لا ترد عليك سنة عن النبي ﷺ ، ألا وهي فيه ولا أعلم شيئا بعد القرآن، ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلا، إلا يكتب من العلم شيئا بعد ما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبره، وتفهمه حينئذ يعلم مقداره، وأما هذه المسائل مسائل الثوري، ومالك والشافعي فهذه الأحاديث أصولا. والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الأحاديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، فالحديث المشهور المتصل الصحيح، ليس يقدر أن يرده عليك أحد، وأما الحديث الغريب، فإنه لا يحتج به ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإن عرف وإلا فدعه، ولم أصنف في كتاب السنن إلا الحكام، فهذه أربعة آلاف، وثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل، وغيرها فلم أخرجها والسلام عليكم". ا. هـ.
شروحه ومختصراته: شرح السنن كثير من العلماء، منهم الإمام أبو سليمان الخطابي، المتوفى سنة "٣٢٨" في كتابه معالم السنن في مجلدين، وقطب الدين أبو بكر، اليمني الشافعي، المتوفى سنة "٦٥٢" في أربع مجلدات كبار، وشهاب الدين الرملي، المتوفى سنة "٨٤٨" وغيرهم.
واختصرها الحافظ عبد العظيم، المنذري صاحب الترغيب، والترهيب المتوفى سنة "٦٥٦"، وهذب المختصر ابن قيم الجوزية المتوفى سنة "٧٥١"، ذكر فيه أن الحافظ المنذري، قد أحسن في اختصاره، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها، إذ لم يكملها
стр. 415
وتصحيح أحاديثه والكلام على متون مشكلة لم يفتح معضلها، وقد بسطت الكلام على مواضع لعل الناظر لا يجدها في كتاب سواه١.
الجامع لأبي عيسى الترمذي:
اشتهر هذا الكتاب بجامع الترمذي، ويقال له: السنن أيضا والأول هو الأكثر على ما ذكره صاحب كشف الظنون "١-٢٨٨"، ألف الترمذي جامعه على أبواب الفقه، وغيره وأودعه الصحيح، والحسن والضعيف مبينا درجة كل حديث في موضعه من الكتاب، مع بيان وجه الضعف، كما بين مذاهب الصحابة، والتابعين وفقهاء الأمصار، واختصر طرق الحديث، فذكر واحدا وأشار إلى ما عداه، وجعل في آخره كتابا للعلل جمع فيه فوائد هامة، لذلك جاء كتابه فذا في بابه، ففيه من الفوائد الفقهية، والحديثية ما ليس في غيره.
قال أبو عيسى الترمذي، ﵀: "عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز والعراق، وخراسان فرضوا به واستحسنوه، ومن كان في بيته، فكأنما النبي في بيته يتكلم"، وقال: ما أخرجت في كتابي هذا، إلا حديثا عمل به بعض الفقهاء سوى حديث: "فإن شرب في الرابعة فاقتلوه"، وحديث: "جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر". ا. هـ.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي، المتوفى سنة "٧٩٥" في شرح علل الترمذي: "وقد اعترض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب، يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا. وليس ذلك بعيب؛ لأنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكأن قصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط
стр. 416
ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية"١. ا. هـ.
وقال ابن الصلاح في مقدمته: "كتاب أبي عيسى الترمذي، أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه، وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهما وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله "هذا حديث حسن"، أو "هذا حديث حسن صحيح"، فينبغي أن تصحح أصلك به بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه". ا. هـ٢.
وبالجملة فجامع الترمذي كتاب جليل القدر عظيم الفوائد.
درجة أحاديثه:
قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: "اعلم أن الترمذي خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن، وهو ما نزل عن درجة الصحيح، وكان فيه بعض ضعف، والحديث الغريب، والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه يبين ذلك غالبا، ولا يسكت عنه، ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب، متفق على إتهامه: حديثا بإسناد منفرد إلا أنه قد يخرج حديثا مرويا من طرق، أو مختلفا في إسناده وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه: خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب
стр. 417
الكلبي نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ، وعمن غلب على حديث الوهن، ويبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه". ا. هـ١.
مقارنة بين جامع الترمذي، وسنن أبي داود والنسائي:
قال أبو جعفر بن الزبير: "لأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيفائها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك، وأجلها". ا. هـ.
وقال الحافظ الذهبي: "انحطت رتبة جامع الترمذي، عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب، والكلبي وأمثالهما". ا. هـ٢. وأفاد الحازمي في شروط الأئمة الخمسة، أن أبا داود والنسائي لا يجاوزان الطبقة الثالثة في الأصول، وأن أبا عيسى الترمذي لا يجاوز الطبقة الرابعة. ثم قال: "وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفا، أو مطلعه من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبين ضعفه وينبه عليه فيصير الحديث عنده من باب الشواهد، والمتابعات ويكون اعتماده على ما صح عند الجماعة، وعلى الجملة فكتابه مشتمل على هذا الفن، فلهذا جلعنا شرطه دون شرط أبي دود". ا. هـ٣.
شروحه: شرح جامع الترمذي كثير من العلماء منهم
١- أبو بكر بن العربي، المتوفى سنة "٥٤٦"، وسمي شرحه: "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي"، وهو مطبوع بمصر الآن في ثلاثة عشر جزءا، إلا أنه غير مصحح فكان فيه خطأ كثير.
٢- الحافظ أبو الفتح محمد
стр. 418
ابن محمد بن سيد الناس اليعمري، المتوفى سنة "٧٣٤" بلغ فيه إلى أقل من ثلثي الجامع في نحو عشرة مجلدات، ولم يتمه ثم أكمله الحافظ زين الدين بن عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة "٨٠٦".
٣- سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني، المتوفى سنة "٨٠٥"، وسماه "العرف الشذي على جامع الترمذي"، كتب منه قطعة ولم يكمله.
٤- جلال الدين السيوطي، وسماه "قوت المغتذي على جامع الترمذي".
٥- الحافظ زين الدين بن عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، الحنبلي المتوفى سنة "٧٩٥".
٦- الشيخ أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، المتوفى سنة "١١٣٩"١.
سنن ابن ماجه القزويني:
المتقدمون من أهل الحديث، وكثير من محققي المتأخرين عدوا أصول كتب الحديث خمسة: الصحيحين وسنن النسائي، وأبي داود والترمذي، وخالفهم بعض المتأخرين، فعد الأصول ستة بإضافة سنن ابن ماجه إلى الخمسة المذكورة، وذلك؛ لأنهم رأوا كتابه مفيدا عظيم النفع في الفقه، وأول من أضافه إلى الخمسة الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة "٥٠٧" في أطراف الكتب الستة له، وكذلك في كتابه شروط الأئمة الستة، ثم الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه الإكمال في أسماء الرجال -أي رجال الكتب الستة، وهو الذي هذبه الحافظ المزي، وتبعهما على ذلك أصحاب الأطراف والرجال، ولما كان ابن ماجه قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب، وسرقة الأحاديث قال بعضهم: ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي، فإنه قليل الرجال
стр. 419
الضعفاء نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه، وجعل آخرون الموطأ هو السادس لصحته وجلالته كرزين السرقسطي، المتوفى سنة "٥٣٥" في كتابه تجريد الصحاح، وتبعه ابن الأثير في جامع الأصول وكذا غيره.
هذا وسن ابن ماجه مصنف على الأبواب كالسنن الثلاثة السابقة، وهو دونها في الدرجة إذ المشهور أن ما انفرد به، يكون ضعيفا إلا أن هذا ليس على عمومه، فقد قال الحافظ ابن حجر: "إنه انفرد بأحاديث كثيرة، وهي صحيحة فالأولى حمل الضعيف على الرجال، وقد ألف الحافظ أحمد بن أبي بكر البوصيري كتابا في زوائده على الخمسة، نبه فيه على غالبها".
قال السيوطي في شرحه على مجتبى النسائي، المسمى بزهر الربى:
"إن كتاب ابن ماجه قد تفرد فيه بإخراج أحاديث، عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث. وبعض تلك الأحاديث، لا تعرف إلا من جهتهم مثل حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد وداود بن المحبر، وعبد الوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد الكوفي، وعبد السلام بن يحيى بن أبي الجنوب، وغيرهم.
قال: وأما ما حكاه ابن طاهر، عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا، مما فيه ضعف فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها. وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة للغاية، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءا منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطة، أو ساقطة أو منكرة، وذلك محكي في كتاب العلل لأبي حاتم. ا. هـ وقال الذهبي:
стр. 420
"قد كان ابن ماجه حافظا صدوقا، واسع العلم وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات"
شروحه: هي كثيرة منها:
١- شرح محمد بن موسى الدميري المتوفى سنة "٨٠٨"، وشرحه يسمى "الديباجة" في خمسة مجلدات، ومات قبل تحريره.
٢- شرح جلال الدين السيوطي، وشرحه يسمى "مصباح الزجاجه على سنن ابن ماجه".
٣- شرح إبراهيم بن محمد الحلبي المتوفى سنة "٨٤١".
٤- شرح السندي، وهو مطبوع١.
стр. 421
الدور السادس
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية في هذا الدور
...
الدور السادس:
السنة من عام "٣٠٠"هـ إلى عام "٦٥٦" هجرية.
ويشتمل هذا الدور على ثلاثة مباحث:
البحث الأول: وصف الحالة السياسية
في هذا الدور.
المبحث الثاني: السنة في القرن الرابع.
المبحث الثالث: السنة بعد القرن الرابع إلى نهاية هذا الدور.
المبحث الأول: وصف الحالة السياسية في هذا الدور
منيت الدولة الإسلامية من مبدأ القرن الرابع الهجري، بتدهور سياسي قطع أوصالها، وجعلها دويلات متناثرة، وأشلاء ممزقة فدولة بني أمية بالأندلس، وعلى رأسها عبد الرحمن الناصر ملقبا نفسه بأمير المؤمنين سنة "٣٢٥هـ"، وذلك لما أن أحس بضعف الدولة العباسية، والفاطميون يستقلون بشمال أفريقية، والدولة الإخشيدية بمصر، وإن كانت تدعو لبني العباس إلى أنها مستقلة عنهم في حقيقة الأمر، ودولة بني حمدان، والشيعة الزيدية باليمن، أقاموا لهم دولة، والدولة السامانية العظيمة تسيطر على المشرق، وبلاد ما وراء النهر، ودولة بني بويه تسيطر على بغداد، ولا تبقى لبني العباس سوى مجرد الاسم، ولم تكن الحياة السياسية حياة استقرار، بل كانت مضطربة مائجة فالفاطميون يغيرون على مصر، ويستقلون بها سنة ٣٥٨هـ، وآل سلجوق يطغى سيلهم على
стр. 422
معظم البلاد الإسلامية، فينتزعون الملك من بني بويه، ويستولون على الجزيرة وآسيا الوسطى، وينازعون الفاطميين ملك الشام، وتصبح لهم الكلمة النافذة في جميع الأقاليم الإسلامية، ما عدا مصر وبلاد المغرب.
ثم لما دب الخلاف بين آل سلجوق، هبت ريح الصليبيين فقاموا في أواخر القرن الخامس، واستولوا على بيت المقدس سنة ٤٩٠، وكانت لهم حروب طويلة مع المسلمين، وعلى أنقاض الدولة السلجوقية، قامت دولة الأتابكية وانتشرت شرقا وغربا، حتى سقطت الدولة الفاطمية بمصر على يد محمود نور الدين، وعادت مصر ولاية عباسية، وأقام بها صلاح الدين الأيوبي، أحد قواد محمود نور الدين دولة عظيمة.
أما في بلاد المشرق خراسان، وما إليها، فقد أقام خوارزم شاه محمد بن تكش دولة قوية، قضت على الملوك وضمت الممالك، وفي أواخر القرن السادس، عزم خوارزم شاه على التوجه إلى الخليفة، ليقضي عليه، فلم يتيسر له ذلك وباغته التتار النازحون من أطراف الصين، والبراري -وهم قوم اشتهروا بالشر والغدر- وعلى رأسهم جنكيز خان قائدهم الأعلى، ولم يلبثوا أن أغاروا على البلاد الإسلامية في سرعة هائلة، يسفكون الدماء ويقتلون الأبرياء، حتى وصلوا إلى بغداد، وقتلوا الخليفة وأسقطوا الخلافة العباسية، وذلك سنة ٦٥٦هـ.
هذا ومما هو جدير بالذكر أن هذه الأحداث التاريخية، الهائلة، والتقهقر السياسي الخطير لم يصحبه تقهقر علمي، بل ما زالت الحركة العلمية قائمة، فالعلماء يرحلون من قطر إلى آخر، ويتلقى بعضهم عن بعض، ويعرضون الكتب والمسموعات على الشيوخ. وكان لهم نشاط علمي في نقد الرجال، وتمحيص الأحاديث، ومصنفات جياد في علل الحديث، وتاريخ الرواة وعلوم الحديث عامة.
غير أنهم لم يبلغوا شأو المتقدمين، بل كثيرا ما كانوا يتكلمون بلسان أهل القرون السابقة١.
стр. 423
المبحث الثاني: السنة في القرن الرابع
كان القرن الثالث، الهجري هو أزهى عصور السنة، وأحفلها بخدمة الحديث، ففيه ظهر أفذاذ الرجال من حفاظ الحديث وأئمة الرواية.
وفيه ظهرت الكتب الستة، التي لم تغادر من الحديث الصحيح، سوى النزر اليسير، وفيه اعتنى أئمة السنة بالكلام على الأسانيد، وتواريخ الرجال ومنزلتهم في الجرح والتعديل، ولم يكن العلماء في هذا القرن، يدونون الأحاديث بالنقل من كتب أخرى، بل كان اعتمادهم على ما حفظوه عن مشايخ الحديث، وعرفوا جيده من رديئه وصحيحه من ضعيفه، وما كادت شمس هذ القرن تؤذن بمغيب حتى كانت الموسوعات الحديثية، تزخر بالحديث وعلومه وصار العلماء في القرن الرابع، وما بعده يجمعون ما تفرق في كتب الأولين، أو يختصرونها بحذف الأسانيد، أو يقومون بشيء من الترتيب، والتهذيب إلى غير ذلك، وإذا تكلموا في شيء من الأسانيد، فبلسان من سبقهم من أهل القرون الأولى -غير أن جمهرة كبيرة منهم نسجوا على منوال السابقين، وكان لهم في رواية الأحاديث، وفحص الأسانيد باع طويل.
هذا وكان العلماء في الأدوار السابقة، لا يعتمدون إلا الرواية الشفاهية في نقل الأحاديث، ولا يعولون على مجرد الكتب، حتى ينقلوا أحاديثها بطريق السماع من مؤلفيها، ولو كلفهم ذلك أن يرحلوا الشهور الطوال.
стр. 424
أما في هذا الدور السادس، فقد لفظت فيه الرواية الشفاهية أنفاسها، وذهب من بين الرواة ريحها، وطغى عليها التدوين، الذي بلغ أشده في ذلك الوقت لهذا جعل العلماء الحد الفاصل بين المتقدمين، والمتأخرين من رواة الحديث وحملته هو رأس سنة ثلاثمائة، كما قرره الحافظ الذهبي في خطبة ميزانه.
ولا يغيبن عن بالك أن هذا التطور في تدوين الحديث، وروايته لم يكن طفرة بل كان تدريجيا سنة الله في أنواع العلوم، والصنائع، والدول وغيرها لذلك وجد من بين علماء القرن الرابع طائفة كبيرة، كان لها في تدوين الحديث، طريقة استقلالية على نمط التدوين في القرن الثالث، فمن١ هؤلاء الأئمة الأعلام:
الحاكم: أبو عبد الله النيسابوري، المعروف بابن البيع وهو صاحب "المستدرك" الذي حدثناك عنه في الدور السابق، وله غيره من التصانيف الحديثية: العلل، والأمالي، وفوائد الشيوخ، وأمالي العشيات، ومعرفة علوم الحديث وهو مطبوع بمصر إلى غير ذلك من كتبه التي بلغت ألفا وخمسمائة جزء. رحل إلى العراق والحجاز رحلتين، وذاكر الشيوخ وناظر الحفاظ وتولى القضاء بنيسابور سنة ٣٥٩هـ، وتوفي ﵀ بها سنة ٤٠٥ ٢هـ.
الدارقطني: هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ، الكبير أمير المؤمنين في الحديث، وأستاذ هذه الصناعة. سمع الكثير وصنف، وألف وأجا وأفاد وأحسن النظر، والتعليل
стр. 425
كان إمام عصره في صناعة الجرح والتعديل، وحسن التأليف واتساع الرواية، وله كتاب الإلزامات، وهو كالمستدرك على الصحيحين، وقد تقدم الكلام عليه، وله كتاب السنن وقد طبع بالهند مع تعليقات لشمس الحق أبي الطيب، محمد بن أحمد بن علي الآبادي، وله كتاب العلل بين فيه الصواب من الدخل، وكتاب الأفراد. وكان الدارقطني من صغره موصوفا بالحفظ، والفهم. قال ابن الجوزي: "اجتمع له مع معرفة الحديث العلم بالقراءات، والنحو، والفقه والشعر مع الإمامة، والعدالة وصحة العقيدة"، وثناء العلماء عليه لا يحصى، توفي ﵀ سنة ٣٨٥هـ١.
ابن حبان: هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، أبو حاتم البستي التميمي، الحافظ الجليل. سمع كثير من الشيوخ في كثير من الأمصار، فقد كان رحالة زمانه. قال ابن السمعاني: "كان أبو حاتم، إمام عصره رحل فيما بين الشاش والإسكندرية"، وقال الحاكم: "كان من أوعية العلم والفقه والحديث، واللغة والوعظ، من عقلاء الرجال"، وقال الخطيب: "كان ثقة نبيلا وله التصانيف الكثيرة منها المسند الصحيح المسمى الأنواع، والتقاسيم قال فيه: لعلنا كتبنا عن ألف شيخ ما بين الشاش والإسكندرية"، وكتابه هذا على ترتيب مخترع.
فلا هو على الأبواب، ولا هو على المسانيد. رتبه مؤلفه على خمسة أقسام، وهي الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، وأفعال النبي ﷺ ، ونوع كل واحد من هذه الخمسة إلى أنواع لذا كان الكشف في كتابه عسرا جدا، وقد ربه بعض المتأخرين، وهو علاء الدين علي بن لبان الفارسي المتوفى سنة ٩٣٧ على الأبواب وسماه: "الإحسان