الله ؟ فقال أبو بكر: والله لا أشيم سيفًا سله الله على عدوه حتى يكون هو الذي يشيمه, ثم أمره فمضى من وجهه ذلك إلى مسيلمة. خرجه أبو معاوية, ومنه١:
ذكر ثباته عند الموت:
عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة, أردت أن أكلمه في طلحة بن عبيد الله فأتيته, فإذا هو يحشرج فقلت: إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر, فقال لها: يا بنية أوغير ذلك؟ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ٢, أجلسيني فأجلسته, فرفع يديه فقال: اللهم إني لم آل٣. خرجه أبو حذيفة في فتوح الشام.
ذكر اختصاصه بالفهم عن رسول الله ﷺ وأنه كان أعلمهم بالأمور, وأعلمهم به:
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده, فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا, فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به. أخرجاه وأحمد وأبو حاتم وعند البخاري بعد قوله فبكى أبو بكر: فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير, فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به.
وعند الترمذي من رواية أبي المعلى أن رسول الله ﷺ خطب فقال: "إن رجلًا خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء ويأكل من الدنيا ما
стр. 142
شاء أن يأكل, وبين لقاء ربه, فاختار لقاء ربه" قال: فبكى أبو بكر فقال أصحاب النبي ﷺ : ألا تعجبون من هذا الشيخ إذ ذكر رسول الله ﷺ رجلًا صالحًا خيره ربه بين الدنيا ولقاء ربه؟ قال: فكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: بل نفديك بآبائنا وأموالنا.
وخرجه الحافظ الدمشقي عن أبي سعيد ولفظه قال: جلس رسول الله ﷺ يعني مرجعه من حجته فقال: "إن عبدًا" ثم ذكر معناه وقال: فكان أبو بكر أعلمنا بالأمور, وقد تقدم في ذكر اختصاصه بأنه أمن الناس في صحبته وماله.
وخرجه صاحب فضائله عن أبي سعيد ولفظه: خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وهو معصوب الرأس, فاتبعه حتى قام على المنبر فقال: "إني الساعة قائم على الحوض" ثم قال: "إن عبدًا عرضت عليه الدنيا وزينتها, فاختار الآخرة" فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر, فقال: بأبي وأمي, بل نفيدك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا, قال: ثم هبط من المنبر فما رئي عليه حتى الساعة, وقال: حديث حسن.
وعن عمر قال: كنت أدخل على رسول الله ﷺ وهو وأبو بكر يتكلمان في علم١ التوحيد, فأجلس بينهما كأني زنجي لا أعلم ما يقولون. خرجه الملاء في سيرته.
ذكر اختصاصه بشربه فضل لبن شربه رسول الله ﷺ في رؤيا رآها وأعطى فضله أبا بكر, وتفسير الصحابة ذلك بالعلم, وتصويبه ﷺ ذلك التفسير:
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت كأني أعطيت عسًا مملوءًا لبنًا فشربت منه حتى امتلأت, فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد
стр. 143
والعظم ففضلت منها فضلة, فأعطيتها أبا بكر" قالوا: يا رسول الله هذا علم أعطاكه الله حتى إذا امتلأت, فضلت فضلة فأعطيتها أبا بكر؟ قال ﷺ : "قد أصبتم" خرجه أبو حاتم.
"شرح" العس: القدح العظيم والرفد أكبر منه وجمعه عساس, وقد جاء في الصحيح مثل هذا لعمر وسيأتي في خصائصه, ولعل الرؤيا تعددت في ذلك وعلى ذلك يحمل, فإن الحديثين صحيحان وإن كان حديث عمر متفقًا١ عليه.
ذكر اختصاصه بشهادة النبي ﷺ بأعلميته بالنسب:
عن عائشة أن النبي ﷺ قال لحسان: "لا تعجل وأت أبا بكر, فإنه أعلم قريش بأنسابها حتى يمحص لك نسبي" خرجه في الفضائل وقال: حسن صحيح.
وعن ابن عباس: قال حدثني علي بن أبي طالب من فيه قال: لما أمر الله ﵎ رسول الله ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر، فدفعنا إلى مجالس العرب فتقدم أبو بكر وكان مقدمًا في كل خير، وكان رجلًا نسابة فسلم وقال: من القوم؟ قالوا: من ربيعة قال: وأي ربيعة أنتم من هامتها أم من لهازمها؟ فقالوا: من ذهل الأكبر, قال: فيكم عوف الذي يقال: لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا, قال: فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا، قال أبو بكر: فلستم ذهلا الأكبر أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له: دغفل حين بقل
стр. 144
وجهه, فقال:
إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله
يا هذا, إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئًا, فمن الرجل؟ قال: أبو بكر من قريش قال الفتى: بخ بخ أهل الشرف والرياسة, فمن أي القرشيين أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة, قال الفتى: أمكنت والله من سواء الثغرة, أمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر وكان يدعى في قريش مجمعًا؟ قال: لا, قال: فمنكم هاشم الذي قال فيه الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف؟
قال: لا, قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كان وجهه كالقمر يضيء في الليلة الداجية الظلماء؟ قال: لا, قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟ قال: لا قال: فمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا, قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا, قال: فمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا قال: فمن أهل الوفادة أنت؟ قال: لا, فاجتذب أبو بكر زمام الناقة راجعًا إلى رسول الله ﷺ فقال الغلام:
صادف درء الستر درءًا يرفعه ... يهيضه حينًا وحينًا يرفعه
أما والله لو ثبت لأخبرتك من أي قريش أنت؟ فتبسم رسول الله ﷺ قال علي: فقلت: يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة قال: اجلس أبا الحسن, ما من طامة إلا وفوقها طامة, والبلاء موكل بالمنطق قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار, فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة, فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس, وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك, وكان مفروق قد غلبهم جمالًا ولسانًا, وكانت له غديرتان تسقطان على تريبته, وكان أدنى القوم مجلسًا
стр. 145
فقال أبو بكر: العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا نزيد على ألف ولن يغلب ألف من قلة, فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم حد فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ قال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى وأشد ما نكون لقاء حين نغضب, وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح, والنصر من عند الله تعالى يديلنا مرة ويديل علينا أخرى, لعلك أخو قريش؟ قال أبو بكر: قد بلغكم أنه رسول الله ﷺ ألا هو ذا؟ فقال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذلك فإلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه فقال رسول الله ﷺ : "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله, وإلى أن تؤووني وتنصروني, فإن قريشًا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسله, واستغنت بالباطل عن الحق, والله هو الغني الحميد" فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعونا يا أخا قريش, فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ١ إلى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ ٢ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣ فقال مفروق: وإلام تدعونا يا أخا قريش؟ قال: فتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ٤ إلى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال, ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك, وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش, وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس جلسناه إليك ليس له أول ولا آخر, زللًا في
стр. 146
الرأي وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة, ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدًا, ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر, وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا, فقال المثنى بن حارثة: وقد سمعت مقالتك يا أخا قريش, والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتك على دينك, وإنما نزلنا بين صريتين: اليمانية والشامية.
فقال رسول الله ﷺ : "ما هاتان الصريتان؟ ".
فقال: أنهار كسرى ومياه العرب, فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور, وعذره غير مقبول, وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا أن لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثًا, وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك, فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا, فقال رسول الله ﷺ : "ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق, وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه, أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم, ويفرشكم نساءهم, أتسبحون الله وتقدسونه؟ " فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذلك, قال: فتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ١ ثم نهض رسول الله ﷺ قابضًا على يد أبي بكر وهو يقول: "يا أبا بكر, أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها, بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض, وبها يتحاجزون فيما بينهم" قال: فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ وقد سُرّ بما كان من أبي بكر, ومعرفته بأنسابهم.
"شرح" هامتها: رأسها, واللهازم في الأصل: جمع لهزمة بالكسر
стр. 147
واللهزمتان: عظمتان ناتئتان في اللحيين تحت الأذنين, وتيم الله بن ثعلبة بن عكابة من بني ربيعة يقال لهم: اللهازم قاله الجوهري, ذهل: حي من بكر وهما ذهلان كلاهما من ربيعة, أحدهما: ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة, والآخر: ذهل بن ثعلبة بن عكابة, حامي الذمار أي: إذا ذمر وغضب حمى, وذمر أي: حث يقال: تذامر القوم أي: حث بعضهم بعضًا وذلك في الحرب, وذمر الأسد إذا زأر, والحوفزان بفاء وزاي: هو لقب الحارث بن شريك الشيباني لقب بذلك؛ لأن قيس بن عاصم التميمي حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته, ودغفل: هو ابن حنظلة النسابة أحد بني شيبان, والدغفل: ولد الفيل قاله الجوهري, بقل وجهه: خرجت لحيته, والندوة والندي على فعيل بمعنًى وهو مجلس القوم ومتحدثهم, وكذلك النادي والمنتدى فإن تفرقوا فليس بندي, وسميت دار الندوة بمكة التي بناها قصي لأنهم كانوا ينتدون فيها أي: يجتمعون للمشاورة, وإليها الإشارة على حذف المضاف والله أعلم, العبء بالكسر: الحمل وجمعه أعباء, سوا الثغرة أي: وسطها والثغرة: ثغرة النحر التي بين الترقوتين كأنه استعارها لمكان شرف النسب, مسنتون: مجدبون, وأسنت القوم أي: أجدبوا, الدرء: كل ما استترت به, يهيضه: يكسره وهاض العظم: كسره, الباقعة: الداهية وبقع الرجل إذا رمى بكلام قبيح, الطامة يقال لما علا وغلب: طم, غرر الناس: ساداتهم وغرة كل شيء: أوله وأكرمه, غديرتان: ضفيرتان, تريبا واحدة الترائب وهي عظام الصدر ما بين الترقوة والثندوة, المنعة: الامتناع ويقال: جمع مانع نحو كافر وكفرة, الجد بالفتح: الحظ, يديلنا أي: يجعل لنا الدولة تارة وعلينا أخرى, ظاهرة من المظاهرة: المعاونة, الصريتان: تثنية صرية لعله من الصرا بكسر الصاد وفتحها: الماء يطول مكثه واستنقاعه أو من الصراة: نهر بالعراق, التحاجز: التمانع.
وربما يتوهم جاهل أن أبا بكر لما رجع عن دغفل كان عن انقطاع وعي ولم يكن رجوعه لذلك, فإن أبا بكر انتسب إلى أرومة ليس منها أحد
стр. 148
ممن ذكره دغفل, وإلى بيت ليس فيه شيء من تلك المناصب, ولو ثبت أبو بكر لما أمكن دغفل أن يقول له: لست من تيم بن مرة ولا لست من قريش, ولكان لأبي بكر أن يقول له: يا أخا العرب إن جميع من ذكرته لم يكن إلا من الأرومة التي انتسبت إليها, وما ذكرته من المناصب ليس شيء منه في البيت الذي انتسبت إليه, ولا يقتضي كونهم ليسوا منا, فلا شيء من هذه المناصب, فينافي إخراجي من قريش, فإن قريشًا بطون كثيرة ولم أدع أني من أرومة تشملني ومن ذكرته, أما أنتم فادعيتم أنكم من الهامة من ذهل الأكبر, وذهل الأكبر أرومة من عددته عليكم, فيلزم من كل من كان من ذهل الأكبر أن يكون هؤلاء منهم, فلما أقررتم بانتفاء اللازم وهو أن هؤلاء ليسوا منكم مع الاعتراف بأنهم من ذهل الأكبر, فانتفى الملزوم وهو أن يكون ذهل الأكبر أرومتكم؛ لأنهم متفق عليهم فتعينتم للانتفاء. وإنما كان رجوعه ﵁ من باب عظموا أقداركم بالتغافل فإنه رأى إنسانًا قصد التنقص به والغض من أرومته بكون هؤلاء العظماء النبلاء المشهورين بالمناقب ليسوا منكم, والحط من مرتبته بكون هذه المناصب الشريفة ليس شيء منها فيه, وعرف أنه مقتدر على الكلام وترويجه, والتعاريض بما ينقصه به بين ذلك الملأ فكان من النظر السديد ما فعله أبو بكر, وقول دغفل: أما والله لو ثبت لأخبرتك من قريش أي قريش الممتدحة بتلك المناقب والمناصب, وكأنه يقول: فهم قريش على الحقيقة, لا أنه يريد أن تيم بن مرة ليس من قريش فإنه علّامة بالنسب مشهور بذلك بين العرب, فكيف يعزب عنه هذا؟ وقول علي: لقد وقعت من الأعرابي على باقعة صحيح, ولا شك في أنه كذلك, وقول أبي بكر: ما من طامة إلا وفوقها طامة لا يلزم منه أنه أراد أنه أعلم منه بالنسب.
وإنما لما كان أبو بكر من أفصح العرب, وأعرفهم بوجوه الكلام ومحاسنه وحقائقه ومجازاته, وأعلمهم بالنسب, لكنه لم يكن يستعمل التمويه
стр. 149
والمعاريض التي هي شبيه بالباطل, وإن كانت حقا لمكان دينه وورعه, ودغفل وإن كان في الفصاحة والعلم بالنسب كذلك, إلا أنه لا دين له ولا ورع عنده يمنعانه من ذلك كما قد وقع, فإنه أوهم أن أبا بكر ليس من قريش بما عرض به من تعداد أقوام ونفي أبي بكر عنهم وهو محق في القول مبطل في الإيهام, فبذلك طم على أبي بكر والله أعلم.
ذكر اختصاصه بالفتوى بين يدي رسول الله ﷺ وإمضاء النبي ﷺ :
عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلًا له عليه بينة, فله سلبه" وكنت قتلت رجلًا من المشركين فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست فأعادها فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست فأعادها الثالثة فقال رجل: صدق يا رسول الله, سلبه عندي فأرضه عني, فقال أبو بكر: لا ها الله إذًا لا أعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه فقال ﷺ : "صدق, فأعطه" فبعث الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة, فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام, أخرجاه.
"شرح" لا ها الله إذًا, هكذا يروونها للتنبيه وفيها لغتان: المد والقصر, وجاءت في هذا الموضع عوضًا عن واو القسم كهمزة الاستفهام في الله, ومد ألفها أحسن ويجوز حذفها لالتقاء الساكنين.
وذكر أبو حاتم السجستاني فيما يلحن فيه العامة أنهم يقولون: لا ها الله إذا, والصواب: لا ها الله ذا والمعنى: لا والله هذا ما أقسم به فأدخل اسم الله بين ها وذا, فعلى هذا يكون هذا من الرواة لأنهم كانوا يروون بالمعنى, هذا مذهب الأخفش, وذهب الخليل إلى أن الخبر محذوف أبدًا وأن التقدير: لا والله إلا من ذا, ولا والله لا يكون ذا, فحذف لكثرة الاستعمال. واعلم أن بدار أبي بكر بالزجر والردع والفتوى واليمين على ذلك في حضرة رسول الله ﷺ ثم يصدقه الرسول ﷺ فيما قال, ويحكم
стр. 150
بقوله, خصوصية شرف لم تكن لأحد غيره, وقد كان يفتي في حياة رسول الله ﷺ أربعة عشر من الصحابة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وسلمان وأبو موسى الأشعري.
ولهذا لما قال ذلك الرجل فسألت رجالًا من أهل العلم, فأخبروني أن على ابني جلد مائة جلدة لم ينكر عليه رسول الله ﷺ فتوى غيره في زمانه؛ لأنها عنه صدرت وعن تعليمه أخذت, وأما الفتوى بحضرته على ما ذكرنا فلم تكن لأحد سوى أبي بكر.
وعن محمد بن كعب القرطبي قال: بلغني أنه لما اشتكى أبو طالب شكواه التي قبض فيها قالت له قريش: أرسل إلى ابن أخيك يرسل إليك من هذه الجنة التي ذكرها ما يكون لك شفاء, فخرج الرسول حتى وجد رسول الله ﷺ وأبو بكر جالس معه فقال: يا محمد, إن عمك يقول لك: إني كبير ضعيف سقيم, فأرسل إلي من جنتك هذه التي تذكر من طعامها وشرابها شيئًا يكون لي فيه شفاء, فقال أبو بكر: إن الله حرمها على الكافرين, فرجع الرسول إليهم وأخبرهم بمقالة أبي بكر فحملوا عليه بأنفسهم, حتى أرسل رسولًا من عنده فوجد الرسول في مجلسه فقال له مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ : "إن الله حرمها على الكافرين" خرجه في فضائل أبي بكر وهو مرسل.
ذكر تعبيره الرؤيا بين يدي النبي ﷺ وفي حال انفراده عنه, وتقرير النبي ﷺ تعبيره في الحالي, وأنه كان أعلم الناس بالتعبير:
عن ابن عباس أن رجلًا أتى النبي ﷺ منصرفه من أحد فقال: يا رسول الله إني رأيت في المنام ظلة تنطف عسلًا وسمنًا، والناس
стр. 151
يتكففون فمنهم المقل ومنهم المستكثر, ثم رأيت سببًا واصلًا من السماء أخذت به فعلوت, ثم أخذ به آخر بعدك فعلا, ثم أخذ به آخر فانقطع, ثم وصل له فعلا قال: فقال أبو بكر: اتركني أعبرها يا رسول الله قال: "عبرها" قال: أما الظلة فالإسلام, وأما السمن والعسل فهو القرآن حلاوته ولينه, والناس يتكففون منه فمنهم المقل ومنهم المكثر, وأما السبب من السماء فهو الحق الذي أنت عليه أخذت به فعلوت ثم أخذ به آخر بعدك فعلا, ثم أخذ به آخر فعلا, ثم أخذ به آخر فانقطع, ثم وصل له فعلا, أصبت يا رسول الله؟ قال: "أصبت بعضًا, وأخطأت بعضًا" قال: أقسمت يا رسول الله لتخبرني قال: "لا تقسم" أخرجاه.
"شرح" يتكففون ويستكفون بمعنًى, وهو أن يمد كفه يسأل, والسبب: الحبل في لغة هذيل.
وعن عمرو بن شرحبيل قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت كأني في غنم سود إذ ردفتها غنم بيض, فلم أستبن السود من كثرة البيض" قال أبو بكر: يا رسول الله هذه العرب ولدت فيها, ثم تدخل العجم فلا تستبين العرب من كثرتهم, قال: "كذلك عبرها الملك". خرجه سعيد بن منصور في سننه والحاكم أبو عبد الله بن الربيع واللفظ له, وهو مرسل.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه أن النبي ﷺ لقي ابن بديل فقال: "ما كنت أرى إلا أنك قد قتلت, أتذكر رؤيا رأيتها فقصصتها على أبي بكر؟ إن صدقت رؤياك قتلت بغير أمر ملتبس" فقتل يوم صفين. خرجه في الفضائل.
وعن عطاء قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إني رأيت كأن جائز بيتي انكسر وزوجها غائب فقال: "يرد عليك غائبك" فرجع زوجها ثم غاب, فجاءت الثانية فقالت: إني رأيت كأن جائز بيتي انكسر فقال لها مثل ذلك, فقدم زوجها ثم جاءت الثالثة فلم تجد رسول الله ﷺ -
стр. 152
ووجدت أبا بكر وعمر أو أحدهما, فأخبرت بما رأت فقال: يموت زوجك, ثم أتت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال لها: "هل سألت أحدًا قبلي؟ " قالت: نعم قال: "فهو كما قال لك".
وعن سعيد بن المسيب قال: رأت عائشة كأن وقع في بيتها ثلاثة أقمار فقصتها على أبي بكر, وكان من أعبر١ الناس فقال: إن صدقت رؤياك ليدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة, فلما قبض النبي ﷺ قال أبو بكر: يا عائشة هذا خير أقمارك. خرجهما سعيد بن منصور.
ذكر اختصاصه بالشورى بين يدي النبي ﷺ وقبوله ﷺ مشورته:
عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في قصة الحديبية, وأنه لما أتى النبي ﷺ عينه فقال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال: "أشيروا أيها الناس علي, أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت, فإن فاتونا كان الله قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محرومين؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حربًا, فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: "امضوا على اسم الله " أخرجاه.
ذكر اختصاصه بأمر الله تعالى نبيه ﷺ بمشاورته:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبريل ﵇ فقال: يا محمد, إن الله تعالى أمرك أن تستشير أبا بكر" خرجه تمام في فوائده وأبو سعيد النقاش.
ذكر اختصاصه بأنه ﷺ كان لا يزال عنده يسمر في أمر المسلمين:
عن عمر قال: كان رسول الله ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة في
стр. 153
الأمر من أمر المسلمين, وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه, فخرج رسول الله ﷺ وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد, فقام رسول الله ﷺ يستمع قراءته فما كدنا نعرفه, فقال رسول الله ﷺ : "من سره أن يقرأ القرآن رطبًا كما أنزل, فليقرأه على قراءة ابن أم عبد".
ذكر ما جاء في أن الله تعالى يكره تخطئة أبي بكر:
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر في الأرض" وعنه أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن استشار ناسًا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير فقال أبو بكر: لولا أنك استشرتنا ما تكلمنا فقال النبي ﷺ : "إني فيما لم يوح إلي كأحدكم" فتكلم القوم فتكلم كل إنسان برأيه قال: "ما ترى يا معاذ؟ " قال: أرى ما قال أبو بكر فقال ﷺ : "إن الله يكره من فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر" أو قال: "أن يخطئ أبو بكر" خرجه الإسماعيلي في معجمه.
ذكر اختصاصه بأنه أول من جمع القرآن:
عن عبد خير قال: سمعت عليا يقول: رحم الله أبا بكر: كان من أعظم الناس أجرًا في جمع المصاحف, وهو أول من جمع بين اللوحين. خرجه ابن حرب الطائي وصاحب الصفوة.
وعن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة, فإذا عمر جالس عنده فقال أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن, وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل المواطن؛ فيذهب من القرآن كثير, وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قال: قلت لعمر: وكيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير, فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر
стр. 154
عمر, ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد: فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك, قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه, قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن, قال: قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير, فلم يزل أبو بكر يراجعني وفي أخرى: فلم يزل عمر يراجعني, حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر, قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال, حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري, فلم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ١ خاتمة براءة, قال: فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى, ثم عند عمر حتى توفاه الله تعالى, ثم عند حفصة بنت عمر, خرجه البخاري.
"شرح" استحر القتل أي: كثر واشتد, والعسب: جمع عسيب وهو سعف النخل, وأهل٢ العراق يسمونها الجريد وقد تقدم, واللخاف: حجارة بيض رقاق واحدتها: لخفة.
ذكر اختصاصه بأنه أول من أقام بالمسلمين الحج:
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ استعمل أبا بكر وهو أول من جمع للناس الحج, ثم إن النبي ﷺ حج من قابل. أخرجه الحافظ أبو الحسين علي بن نعيم البصري, وهو حديث حسن.
ذكر اختصاصه بأنه أول من تنشقّ عنه الأرض بعد النبي ﷺ :
عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : "أنا أول من تنشقّ عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر, ثم آتي البقيع فيحشرون معي, ثم أنتظر أهل مكة حتى
стр. 155
يحشروا بين الحرمين" أخرجه أبو حاتم في فضائل عمر من قسم الأخبار.
ذكر اختصاصه بأنه أول من يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ :
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فطاف بي في أبواب الجنة, فأراني الباب الذي أدخل أنا وأمتي منه" فقال أبو بكر الصديق: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ليتني كنت معك, قال: "أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي" خرجه البغوي في المصابيح الحسان, والملاء في سيرته وصاحب الفضائل وزاد: فضرب على منكبه وقال: "أما إنك أول من يدخل".
ذكر اختصاصه بأنه أول من يرد الحوض:
عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أول من يرد عليَّ يوم القيامة أبو بكر الصديق" خرجه الملاء في سيرته.
ذكر مصاحبته النبي ﷺ على الحوض:
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: "أنت صاحبي على الحوض, وصاحبي في الغار" خرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
ذكر اختصاصه بمرافقته النبي ﷺ في الجنة:
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي رفيق, ورفيقي في الجنة أبو بكر" أخرجه ابن الغطريف.
وعن الزبير أن النبي ﷺ قال: "اللهم إنك جعلت أبا بكر رفيقي في الغار, فاجعله رفيقي في الجنة" خرجه في الفضائل.
ذكر اختصاصه بالكون بين الخليل والحبيب يوم القيامة:
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة
стр. 156
نصب لإبراهيم ﵇ منبر أمام العرش, ونصب لي منبر أمام العرش, ونصب لأبي بكر كرسي فيجلس عليه وينادي منادٍ: يا لك من صديق بين حبيب وخليل" خرجه الخطيب البغدادي, وخرج الملاء معناه وقال في الثلاثة: كرسي كرسي.
ذكر اختصاصه بأنه لا يحاسب يوم القيامة من بين الأمة:
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "قلت لجبريل حين أسري بي إلى السماء: يا جبريل, هل على أمتي حساب؟ قال: كل أمتك عليها حساب ما خلا أبا بكر, فإذا كان يوم القيامة قيل له: يا أبا بكر ادخل الجنة فيقول: ما أدخل حتى يدخل معي من كان يحبني في الدنيا" خرجه أبو الحسن العتيقي وصاحب الديباج وصاحب الفضائل, وقال: غريب.
ذكر اختصاصه بتجلي الله تعالى له يوم القيامة خاصة:
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر الصديق: "يا أبا بكر, إن الله يتجلى للخلائق عامة, ويتجلى لك خاصة" خرجه الملاء في سيرته وصاحب الفضائل وقال: حسن.
وعن علي عن رسول الله ﷺ قال: "ينادي منادٍ: أين السابقون الأولون؟ فيقال: من؟ فيقول: أين أبو بكر الصديق؟ فيتجلى الله لأبي بكر خاصة, وللناس عامة" خرجه ابن بشران وصاحب الفضائل وقال: غريب.
وعن جابر قال: كنا عند النبي ﷺ إذ جاء وفد عبد القيس فتكلم بعض القوم ولغا في كلامه, فالتفت النبي ﷺ إلى أبي بكر فقال: "يا أبا بكر أسمعت ما قالوا؟ " قال: نعم, قال: "فأجبهم" قال: فأجابهم وأجاد, فقال النبي ﷺ : "يا أبا بكر, أعطاك الله الرضوان الأكبر" فقال له بعض القوم: يا رسول الله, وما الرضوان الأكبر؟ قال: "يتجلى الله للعباد عامة, ويتجلى لأبي بكر خاصة" خرجه الملاء أيضًا وصاحب
стр. 157
الفضائل وقال: غريب.
"شرح" لغا أي: قال باطلًا.
وعن أنس قال: لما خرج رسول الله ﷺ من الغار أخذ أبو بكر بركاب رسول الله ﷺ وأدبر بزمام الناقة, فقال ﷺ : "وهب الله لك الرضوان الأكبر" فقيل: وما الرضوان الأكبر؟ فذكر نحو ما تقدم ذكره الملاء.
وعن الزبير بن العوام أن النبي ﷺ لما خرج يريد الغار أتاه أبو بكر بناقة فقال: اركبها يا رسول الله, فلما ركبها التفت إلى أبي بكر فقال: "يا أبا بكر أعطاك الله الرضوان الأكبر" قال: يا رسول الله وما الرضوان الأكبر؟ قال: "يتجلى الله يوم القيامة لعباده عامة, ويتجلى لك خاصة". خرجه صاحب الفضائل, ولا تضاد بين هذا وبين ما تقدم من أنه ﷺ مشى حتى حفيت أقدامه فحمله أبو بكر على كاهله, إذ يجوز أن يكون هذا في السهل فلما ارتقى الجبل حيث لا تسلك الناقة مشى ﷺ وحفيت أقدامه, وحمله أبو بكر حينئذ.
ذكر اختصاصه بأنه لم يسمع واحد وطء جبريل حين ينزل بالوحي غيره:
عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لم يسمع وطء جبريل حين ينزل بالوحي على رسول الله ﷺ إلا أبو بكر, خرجه ابن البختري.
ذكر اختصاصه بكتب اسمه خلف اسم النبي ﷺ في كل سماء:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "عرج بي إلى السماء, فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمي مكتوبًا: محمد رسول الله, وأبو بكر الصديق من خلفي" خرجه ابن عرفة العبدي والحافظ الثقفي, وخرجه في الفضائل عن ابن عمر.
стр. 158
ذكر اختصاصه بكتبه اسمه مع اسم النبي ﷺ في فرندة خضراء حول العرش:
عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي مكتوبًا حول العرش في فرندة خضراء بقلم من نور: لا إله إلا الله محمد رسول الله, أبو بكر الصديق".
ذكر اختصاصه بكتبه اسمه مع اسم النبي ﷺ في علم من نور:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله علمًا من نور مكتوبًا عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله, أبو بكر الصديق" خرجهما في الفضائل, وهذا مغاير لما تقدم فإن أسماء الأربعة تقدم أنها مكتوبة في لواء الحمد, وهذا علم من نور الله تعالى فحمل على أنه غيره, وكذلك ما تقدم في باب الثلاثة, فإنه تقدم أن أسماءهم مكتوبة على العرش ولم يذكر أنه في فرندة خضراء حول العرش كما في هذا, فيجوز أن يكون في موضع آخر غيره, وتقدم أن أسماءهم في كل ورقة في الجنة وهما في كل سماء, والله أعلم.
ذكر اختصاصه بتقديم النبي ﷺ إياه أميرًا على الحج في حياته ﷺ :
عن جابر أن النبي ﷺ حين رجع إلى المدينة من عمرة الجعرانة, بعث أبا بكر أمينًا على الحج, خرجه أبو حاتم في حديث طويل سيأتي في خصائص علي ﵁. وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان, أخرجاه.
ذكر اختصاصه بالتقديم إمامًا في الصلاة حين غاب رسول الله ﷺ في بعض شئونه:
стр. 159
عن سهل بن سعد قال: كان قتال في بني عمرو بن عوف فبلغ النبي ﷺ فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم, فقال: "يا بلال إذا حضرت الصلاة ولم آت, فمر أبا بكر فليصل بالناس" قال: فلما أن حضرت العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فتقدم وصلى بهم, وجاء رسول الله ﷺ بعدما دخل أبو بكر في الصلاة, فلما رأوه صفحوا, وجاء رسول الله ﷺ يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر, وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت, فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت فرأى النبي ﷺ خلفه فأومأ إليه النبي ﷺ بيده أن امضه, فقام أبو بكر كهيئته فحمد الله على ذلك, ثم مشى القهقرى قال: فتقدم رسول الله ﷺ وصلى بالناس.
فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "يا أبا بكر, ما منعك إذ أومأت إليك ألا تكون مضيت؟ " قال: فقال أبو بكر: لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله ﷺ فقال للناس: "إذا رابكم في صلاتكم شيء, فليسبح الرجل ولتصفح النساء" أخرجه أحمد وأبو حاتم في التقاسيم والأنواع, وأبو داود والنسائي.
"شرح" التصفيح مثل التصفيق.
ذكر اختصاصه ﷺ أبا بكر بأنه لا ينبغي أن يتقدمه غيره:
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره" أخرجه الترمذي وقال: غريب, وخرجه السمرقندي ولفظه: قالت: قال رسول الله ﷺ : "ليصل أبو بكر للناس" قالوا: يا رسول الله لو أمرت غيره؟ قال: "لا ينبغي لأمتي أن يؤمهم إمام وفيهم أبو بكر" وخرجه في الفضائل ولفظه: قالت: خرج رسول الله ﷺ إلى الأنصار ليصلح بينهم في شأن, فحضرت الصلاة فقال بلال لأبي بكر: قد حضرت الصلاة وليس رسول الله ﷺ شاهدًا, فهل لك أن أؤذن وأقيم وتصلي بالناس؟ فقال: إن شئت, فأذن بلال وأقام فتقدم أبو بكر وصلى
стр. 160
بالناس, فجاء رسول الله ﷺ بعدما فرغوا, فقال: "أصليتم؟ " قالوا: نعم قال: "من صلى بكم؟ " قالوا: أبو بكر قال: "أحسنتم, لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يصلي بهم غيره" وفي رواية: "أن يؤمهم" وقال: حديث حسن غريب.
هاتان والله أعلم قضيتان متغايرتان عهد النبي ﷺ في إحداهما إلى بلال إذا حضرت الصلاة أن يصلي بهم أبو بكر على ما تضمنه حديث الشيخين في الذكر قبل هذا, وفي الأخرى لم يعهد وعليه دل سياق لفظ هذا الحديث وطرق كثيرة في الصحيحين رويت كذلك ليس فيها عهد, والله أعلم.
ذكر اختصاصه بتقديم النبي ﷺ إياه إمامًا في مرض وفاته؛ تنبيهًا على خلافته:
عن ابن عمر: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت له عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء, قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فعاودته مثل مقالها فقال: "إنكن صواحبات يوسف, مروا أبا بكر فليصل بالناس" أخرجاه وأبو حاتم واللفظ له.
وعن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف, وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس, فلو أمرت عمر؟ فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فقلت لحفصة: قولي له, فقالت له حفصة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف, وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس, قال: "إنكن صاحبات يوسف, مروا أبا بكر فليصل بالناس" أخرجاه وأبو حاتم.
قال أبو حاتم: الصواب صواحب إلا أن السماع صواحبات, وخرجه
стр. 161
الترمذي وزاد في آخره: فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا, وقال: حديث حسن صحيح.
وفي بعض طرق الصحيحين أنه لما أرسل إلى أبي بكر قال أبو بكر لعمر: يا عمر صل بالناس فقال عمر: أنت أحق بذلك, فصلى أبو بكر تلك الأيام. وعن عبد الله بن زمعة قال: لما استعزّ برسول الله ﷺ وأنا عنده في نفر من المسلمين, دعاه بلال إلى الصلاة فقال: "مروا من يصلي" فخرج عبد الله بن زمعة فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبًا, فقلت: يا عمر قم فصل بالناس فتقدم وكبر, فلما سمع النبي ﷺ صوته قال: "فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون" فبعث إلى أبي بكر بعد أن صلى عمر تلك الصلاة, فصلى بالناس.
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ لما سمع صوت عمر خرج حتى أطلع رأسه من حجرته, ثم قال: "لا لا لا, ليصل للناس ابن أبي قحافة" يقول ذلك مغضبًا, أخرجهما أبو داود.
وخرج أحمد معناه وخرجه ابن إسحاق ولفظه: عن عبد الله بن زمعة قال: لما استعزّ برسول الله ﷺ وأنا عنده في نفر من المسلمين -قال- دعاه بلال إلى الصلاة فقال: "مروا من يصلي بالناس" قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وأبو بكر غائب فقلت: قم يا عمر فصل بالناس قال: فقام, فلما كبر سمع رسول الله ﷺ صوته وكان عمر رجلًا مجهرًا قال: فقال رسول الله ﷺ : "فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون" قال: فبعث إلى أبي بكر, فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس, قال عبد الله بن زمعة: قال لي عمر: ويحك ماذا صنعت بي يابن زمعة؟ والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله ﷺ أمرك بذلك, ولولا ذلك ما صليت بالناس, قال: قلت: والله ما أمرني رسول الله ﷺ بشيء ولكني حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس.
стр. 162
"شرح" استعز برسول الله ﷺ أي: اشتد به المرض وأشرف على الموت, يقال: عز يعز إذا اشتد, واستعز به المرض وغيره إذا اشتد عليه وغلبه, ثم بني الفعل للمفعول الذي هو الجار والمجرور.
وفي هذا كله أبين البيان, وأوضح الدلالة على أنه الخليفة بعده.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليصل بالناس أبو بكر" قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل حضر فقال: "ابعثوا إلى عمر" فقال عمر: ما كنت لأتقدم وأبو بكر حي, فتقدم أبو بكر فصلى بالناس, خرجه في الفضائل وقال: حسن. وعن عبد الله بن عمير الليثي أن النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس الصبح وإن أبا بكر كبر, فوجد النبي ﷺ بعض الخفة فقام يفرج الصفوف قال: وكان أبو بكر لا يلتفت إذا صلى, فلما سمع أبو بكر الحس من ورائه عرف أنه لا يتقدم إلى ذلك المقام إلا رسول الله ﷺ فخنس وراءه إلى الصف, فرده النبي ﷺ مكانه وجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه, خرجه الشافعي في مسنده وخرجه ابن إسحاق وقال مكان فرده: فدفع رسول الله ﷺ إلى جنبه, فصلى قاعدًا عن يمين أبي بكر.
"شرح" خنس أي: انقبض وتأخر.
وعن أنس قال: لم يخرج النبي ﷺ إلينا ثلاثًا فأقيمت الصلاة, فذهب أبو بكر يتقدم فقام نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه, فلما وضح لنا وجه رسول الله ﷺ ما نظرنا منظرًا قط كان أعجب إلينا من وجه رسول الله ﷺ حين وضح لنا, قال: فأومأ نبي الله ﷺ إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى الحجاب, فلم يقدر عليه حتى مات ﷺ , أخرجاه. وعنه أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظرنا إليه وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف, ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا ... الحديث, أخرجه مسلم.
стр. 163
ذكر اختصاصه بصلاة النبي ﷺ خلفه, بعد أمره له بالتقدم إمامًا:
عن أنس قال: آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم, صلى في ثوب واحد متوشحًا خلف أبي بكر. خرجه النسائي والطبراني في معجمه.
وعن جابر أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر.
وعن سهل بن سعيد مثله, وعن عائشة نحوه وقالت: قاعدًا. أخرجه ابن حبان.
وعن أسماء قالت: رأيت أبي يصلي في ثوب واحد وثيابه إلى جنبه فقلت له: يا أبت, أتصلي في ثوب واحد وإلى جنبك ثيابك؟ فقال: يا بنية, آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ خلفي في ثوب واحد.
وعن أبي موسى أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر, صحيح متفق عليه.
ذكر اختصاصه بالحوالة عليه بعد وفاته تنبيهًا على خلافته, وأنه القائم بعده:
عن جبير بن مطعم أن امرأة أتت النبي ﷺ تسأله شيئًا فقال لها: "ارجعي إلي" فقلت له: يا رسول الله فإن رجعت ولم أجدك, تعرض بالموت فقال رسول الله ﷺ : "وإن لم تجديني فأت أبا بكر". أخرجاه والترمذي وأبو حاتم وخرجه صاحب الفضائل عن ابن عباس بزيادة تصريح بها ولفظه قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فسألته شيئًا فقال: "تعودين" قالت: يا رسول الله إن عدت فلم أجدك, تعرض بالموت قال: "إن جئت فلم تجديني, فأت أبا بكر؛ فإنه الخليفة من بعدي".
وقال: غريب, وقال في باب الشيخين حديث اليهودي في هذا المعنى, وفي ذكر عمر بعد أبي بكر, وقد تقدم في باب الثلاثة حديث الأعرابي وحديث ابن المصطلق في هذا المعنى وفيه ذكر عثمان بعد عمر.
стр. 164
ذكر اختصاصه بإرادة العهد إليه في الخلافة ثم ترك ذلك إحالة على إباء الله تعالى خلاف ذلك والمؤمنين:
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه: "ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى, ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " أخرجاه.
وعنها أنها قالت: وا رأساه فقال رسول الله ﷺ : "ذلك لو كان وأنا حي, فأستغفر لك وأدعو لك" فقالت عائشة: وا ثكلاه والله إني لأظنك تحب موتي, ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك فقال رسول الله ﷺ : "بل أنا وا رأساه, لقد عممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون, أو يدفع الله ويأبى المؤمنون" انفرد البخاري بإخراجه.
وعنها قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه, فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: "أبى الله والمؤمنون أن يختلف على أبي بكر" أخرجه أحمد, وعنها قالت: لما كان وجع رسول الله ﷺ الذي قبض فيه قال: "ادعوا إلي أبا بكر فلنكتب؛ لئلا يطمع في الأمر طامع أو يتمنى متمن" ثم قال: "يأبى الله ذلك والمؤمنون" قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون إلا أن يكون أبي فكان أبي, خرجه في الفضائل وقال: بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال في شكايته التي توفي فيها: "يا عائشة, ادعي إلي عبد الرحمن بن أبي بكر حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف فيه بعدي, معاذ الله أن يختلف على أبي بكر أحد من المؤمنين" خرجه في الفضائل وقال: غريب.
стр. 165
ذكر اختصاصه بالسبق إلى أنواع من البر في اليوم الواحد:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ " قال أبو بكر: أنا قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا قال: "فمن أطعم اليوم منكم مسكينًا؟ " قال أبو بكر: أنا قال: "فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا فقال رسول الله ﷺ : "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة" أخرجه أحمد ومسلم.
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيكم أصبح اليوم صائما؟ " قال: فسكت القوم فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله, ثم قال: "أيكم تصدق اليوم على مسكين؟ " قال: فسكت القوم فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله فقال: "أيكم شيع اليوم جنازة؟ " فسكت القوم فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله, وفي أخرى: "أيكم عاد اليوم مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا فضحك رسول الله ﷺ فقال: "والذي بعثني بالحق, ما جمعهن رجل في اليوم إلا دخل الجنة" خرجه الملاء في سيرته.
وعن عائشة أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "أيكم أصبح صائمًا؟ " قال أبو بكر: أنا قال: "فأيكم عاد مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا قال: "فأيكم تبع جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا وخفيت علي الرابعة فقال: "من كملت فيه هذه الأربع, بني له بيت في الجنة" خرجه في فضائله.
وعن أبي جراد أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "هل فيكم من مشى في جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا قال: "هل فيكم من تصدق اليوم على مسكين؟ " قال أبو بكر: أنا قال: "هل فيكم من أصبح صائمًا؟ " قال أبو بكر: أنا قال: "سبقت أنت, سبقت إلى الجنة أربعين عامًا".
وعن عبد الرحمن بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ صلى الصبح فلما قضى صلاته قال: "أيكم أصبح اليوم صائمًا؟ " فقال عمر بن الخطاب:
стр. 166
أما أنا يا رسول الله بت لا أحدث نفسي بالصوم وأصبحت مفطرًا, فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله بت الليلة وأنا أحدث نفسي بالصوم فأصبحت صائمًا فقال: "فأيكم عاد اليوم مريضًا؟ " فقال عمر: يا رسول الله إنما صلينا الساعة ولم نبرح فكيف نعود المريض؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله أخبروني بالأمس أن أخي عبد الرحمن بن عوف وجع فجعلت طريقي عليه فسألت به ثم أتيت المسجد, فقال رسول الله ﷺ : "فأيكم تصدق اليوم بصدقة؟ " فقال عمر: يا رسول الله ما برحنا معك منذ صلينا أو قال: لم نبرح منذ صلينا فكيف نتصدق؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله, لما جئت من عند عبد الرحمن دخلت المسجد فإذا سائل يسأل وابن لعبد الرحمن بن أبي بكر معه كسرة خبز فأخذتها فناولتها السائل, فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "فأبشر بالجنة" مرتين, فلما سمع عمر بذكر الجنة تنفس فقال: هاه, فنظر إليه رسول الله ﷺ وقال كلمة رضّى بها عمر: "رحم الله عمر, إن عمر يقول: ما سابقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقني إليه" خرجه بهذا السياق الخلعي, وخرج أبو داود منه التصدق بالكسرة في المسجد في باب المسألة في المساجد.
وقد ورد مثل هذا لعمر وسيأتي في خصائصه, وهو محمول على أن ذلك كان في يومين اختص أبو بكر بيوم اجتمع له فيه تلك المبرات, وعمر بيوم آخر.
وعن صلة بن زفر قال: كان أبو بكر إذا ذُكر عند علي قال: السباق, والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر, خرجه ابن السمان في الموافقة.
ذكر اختصاصه بالصلاة إمامًا على فاطمة بنت رسول الله ﷺ , وعليها لما ماتت:
عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين
стр. 167
قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء, فحضرها أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف, فلما وضعت ليصلى عليها قال علي ﵁: تقدم يا أبا بكر قال: وأنت شاهد يا أبا الحسن؟ قال: نعم تقدم فوالله لا يصلي عليها غيرك, فصلى عليها أبو بكر ﵃ أجمعين- ودفنت ليلًا. خرجه البصري وخرجه ابن السمان في الموافقة.
وفي بعض طرقه فكبر عليها أربعًا, وهذا مغاير لما جاء في الصحيح فإنه ورد في الصحيح أن عليا لم يبايع أبا بكر حتى ماتت فاطمة, وطريان هذا مع عدم البيعة يبعد في الظاهر والغالب وإن جاز أن يكونوا لما سمعوا بموتها حضروها, فاتفق ذلك ثم بايع بعده.
ذكر أن فاطمة لم تمت إلا راضية عن أبي بكر:
عن عامر قال: جاء أبو بكر إلى فاطمة وقد اشتد مرضها فاستأذن عليها فقال لها علي: هذا أبو بكر على الباب يستأذن فإن شئت أن تأذني له؟ قالت: أوذاك أحب إليك؟ قال: نعم, فدخل فاعتذر إليها وكلمها فرضيت عنه.
وعن الأوزاعي قال: بلغني أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ غضبت على أبي بكر, فخرج أبو بكر حتى قام على بابها في يوم حار ثم قال: لا أبرح مكاني حتى ترضى عني بنت رسول الله ﷺ فدخل عليها علي فأقسم عليها لترضى فرضيت, خرجه ابن السمان في الموافقة.
ذكر اختصاصه بالدعاء بخليفة رسول الله ﷺ :
عن ابن أبي مليكة قال: قيل لأبي بكر: يا خليفة الله قال: لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وأنا راضٍ بذلك, خرجه أحمد وأبو عمر. وعن ابن عمر أن أبا بكر بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام فمشى معهم نحوًا من ميلين فقيل له: يا خليفة رسول الله لو انصرفت؟ فقال: لا إني سمعت
стр. 168
رسول الله ﷺ يقول: "من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار" خرجه في فضائله.
وقد تقدم في ذكر ثبات قلبه وشدة بأسه يوم الردة قول علي ﵁ لما خرج إلى قتال أهل الردة: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ ولا خلاف بين فرق المسلمين من الموافقين والمخالفين أن أبا بكر كان يدعى بخليفة رسول الله ﷺ ولم يدع بذلك أحد غيره.
ذكر اختصاص بيته بوجود أربعة فيه:
بعضهم ولد بعض, كلهم رأوا النبي ﷺ وآمنوا به وسمعوا كلامه ورووا عنه وهم: أبو بكر وأبوه أبو قحافة وابنته أسماء وابنها عبد الله بن الزبير, وأيضًا وجد فيه أربعة بعضهم ولد بعض لثلاثة منهم رؤية ورواية, وواحد صحت له رؤية دون رواية.
عن موسى بن عقبة قال: لا نعلم أربعة أدركوا النبي ﷺ هم وأبناؤهم إلا هؤلاء الأربعة: أبا قحافة وأبا بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبا عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر, واسم أبي عتيق محمد. خرجه القاضي أبو بكر بن مخلد, وهذا أبو عتيق ولد في حياة رسول الله ﷺ .
قال البخاري: وصحت له رضية ولم تصح له رواية, وهذه منقبة ليست في بيت أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لا على الوصف الأول ولا على الوصف الثاني, إلا في بيت أبي بكر على الوصفين كما ذكرناه, والله أعلم.
ذكر اختصاصه بآي من القرآن نزلت فيه أو بسببه:
منها قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ ١ الآية. لا خلاف أن المراد بأحد الاثنين أبو بكر وأنه المراد بصاحبه, وقد تقدم ذلك في قصة الغار من
стр. 169
الصحيحين وغيرهما.
وعن الحسن قال: والله لقد عاب الله أهل الأرض جميعًا بهذه الآية إلا أبا بكر, خرجه في فضائله وعن الشعبي مثله, خرجه الواحدي.
وعن عمرو بن الحارث أن أبا بكر قال: أيكم يقرأ سورة التوبة؟ قال رجل: أنا, فقرأ فلما بلغ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ١ بكى أبو بكر وقال: أنا والله صاحبه.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ ٢ يعني: على أبي بكر, فأما النبي ﷺ فكانت السكينة عليه قبل ذلك, ومنها قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ ٣ الآية.
وعن عائشة في حديث الإفك قصة مسطح بن أثاثة قالت: حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح أبدًا, فنزل قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ إلى ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ٤ قال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي, فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه فقال: لا أنزعها أبدًا أخرجاه, ومنها قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ٥ عن ابن عباس: أنها نزلت في أبي بكر والخطاب لسعد بن أبي وقاص, ذكره الواحدي وقيل: المراد النبي ﷺ ذكره الماوردي, ومنها ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ٦ عن علي قال: جاء بالصدق محمد ﷺ وصدق به أبو بكر, خرجه ابن السمان في الموافقة وخرجه في فضائله, ومنها ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ
стр. 170
اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ ١ الآية, عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر, وقيل غير ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ٢, عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر, ذكره الواحدي.
ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ عن ابن عباس قال: هو أبو جهل وأبو بكر وقيل غير ذلك, حكاه الثعلبي.
ومنها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ٤ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ , عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر فاستجاب الله له, فأسلم والده وأولاده كلهم, رواه عقيل بن خالد وقد تقدم ذكرها في ذكر إسلام أمه.
ومنها قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ ٥ الآية قال الكلبي: نزلت في أبي بكر, ذكره الواحدي, ومنها قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٦ الآية, عن ابن جريج أن أبا قحافة سبّ النبي ﷺ فصكه أبو بكر صكة شديدة سقط منها, ثم ذكر ذلك للنبي ﷺ قال: "أفعلته؟ " قال: نعم قال: "فلا تعد إليه" فقال أبو بكر: والله لو كان السيف قريبًا مني لقتلته فنزلت, خرجه الواحدي وأبو الفرج, وقيل: نزلت في جماعة وقد تقدم.
стр. 171
ومنها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ١, عن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله قال: قال أبو قحافة لابنه أبي بكر: أراك تعتق رقابًا ضعافًا, فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالًا يمنعونك ويقومون دونك, فقال أبو بكر: يا أبت إنما أريد ما أريد قال: فما نزلت هذه الآيات إلا فيه وفيما قاله أبوه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى آخر السورة, خرجه ابن إسحاق الواحدي في أسباب النزول.
وقد روي ما يدل على حكمها: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: "اعملوا, فكل ميسر لما خلق له" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ . أخرجاه, ولا تضاد بينهما لجواز أن تكون نزلت بسبب فعل أبي بكر ثم عمم الحكم.
وعن ابن عباس: أن أبا بكر لما اشترى بلالًا وأعتقه قال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده, فنزلت: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ٢ إلى آخر السورة, خرجه الواحدي. وعن ابن مسعود أن السورة كلها نزلت مدحًا في أبي بكر الصديق وما فيها من ذم ففي أمية بن خلف سيد بلال الذي ابتاعه أبو بكر منه, فقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ٣ سعي أبي بكر وأمية, ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ لا إله إلا الله, يعني أبا بكر ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الجنة ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى, وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ بلا إله إلا الله, يعني أمية وأبيا ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ النار ﴿تَرَدَّى﴾ مات وهلك ﴿الْأَشْقَى, الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أمية وأبي.
стр. 172
الفصل العاشر: فيما جاء متضمنًا أفضليته
وجميع أحاديث هذا الفصل دخلت في الفصل الذي قبله؛ لكونها خصائص وفي أبواب قبله, ونحن ننبه عليها ليقع الاستدلال بها في بابها, وتعلم أماكنها فتستخرج منها عند إرادتها.
فمن ذلك أحاديث أولية إسلامه, وفيه حديث أبي سعيد عنه: "ألست أحق لهذا الأمر؟ ألست صاحب كذا؟ " وهو في فصل أنه أول الناس إسلامًا, ومنها أحاديث: "لو كنت متخذًا خليلًا" ووجه دلالتها على الأفضلية أنه لم يعدل عنه بالخلة إلا إلى الله تعالى, ولم يؤهل للخلة أحدًا من المخلوقين غيره, فإن صح حديث أبي في اتخاذه ﷺ أبا بكر خليلًا فأعظم به, ومنها حديث جابر في أنه خير الخلق وأفضلهم بعده ﷺ , وحديث أنس في أنه خير أصحاب النبي ﷺ , وحديث أبي الدرداء في أنه خير من طلعت عليه الشمس بعد النبيين, وحديث جابر في أنه أفضل الصحابة في الدنيا والآخرة, وأحاديث ابن عمر في التخيير وهي مذكورة في باب الثلاثة منها: كنا نخير بين الصحابة فنخير أبا بكر, ومنها "خير الناس أبو بكر" وحديث محمد بن الحنفية عن علي أنه خير الناس بعد رسول الله ﷺ , وحديث عبد خير وحديث النزال بن سبرة, وحديث أبي جحيفة ومحمد بن الحنفية أيضًا كلهم عن علي مثله كلها في باب أبي بكر وعمر, وحديث عمر: "أبو بكر سيدنا وخيرنا" وحديثه الآخر: "إن الله قد جمع أمركم على خيركم" وحديث علي بن أبي طالب: "تركتكم, فإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم على خيركم كما جمعنا بعد رسول الله ﷺ على خيرنا" وحديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ جعل إمامنا خيرنا, وحديث أبي أمامة في راجحيته بالأمة وحديث ابن عمر مثله, كلاهما في باب ما دون العشرة, وحديث أبي بكر في راجحيته بعمر ثم بعثمان في باب الثلاثة, وحديث أبي سعيد كان أبو بكر أعلمنا, وحديثه الآخر في المعنى, وحديث أبي المعلى في معناه أيضًا, وتقدم في باب الأربعة والثلاثة والشيخين ما يدل على طرف من ذلك تصريحًا وتلويحًا.
стр. 173
الفصل الحادي عشر: فيما جاء متضمنًا صلاة النبي ﷺ له بالجنة
وقد تقدم من أحاديث هذا الفصل ما جاء في العشرة وفيما دون العشرة وفي الأربعة وفي الثلاثة وفي الشيخين في أبوابهم في كل باب ذكر يخص هذا المعنى, وتقدم في فصل الخصائص حديث أبي هريرة في أنه أول من يدخل الجنة, وحديث ابن عمر والزبير أنه رفيقه في الجنة.
ذكر ما جاء أنه يدعى من أبواب الجنة كلها:
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في باب الجنة: يا عبد الله هذا خير, فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة, ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد, ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة, ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان" فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي, هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم, وأرجو أن تكون منهم" أخرجاه أحمد والترمذي وأبو حاتم.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أنفق من ماله زوجين في سبيل الله, ابتدرته حجبة الجنة: يا عبد الله يا مسلم, هذا خير لك" قال: فضرب رسول الله ﷺ فخذ أبي بكر ثم قال: "أما إنك منهم" خرجه القلعي.
"شرح" قوله: زوجين, جاء في الحديث قيل: وما الزوجان؟ قال: "فرسان أو عبدان أو بعيران" وهكذا فسره بعض العلماء وقال الحسن البصري: شيئان متغايران: درهم ودينار, درهم وقوت, خف ولجام. وقال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك العمل من صلاتين أو صيام يومين, والأصل في الزوج الصنف والنوع من كل شيء وكل شيئين متفرقين مثلين كانا أو غير مثلين
стр. 174
فهما زوجان, وكل واحد منهما زوج, والمراد: أنفق نوعين من ماله.
ذكر ما جاء أن الملائكة تزفه إلى الجنان مع النبيين والصديقين:
عن جابر بن عبد الله قال: قال: رسول الله ﷺ : "تأتي الملائكة بأبي بكر الصديق مع النبيين والصديقين تزفه إلى الجنة زفافًا". خرجه في فضائله وقد تقدم مثله في باب أبي بكر وعمر مختصا بأبي بكر من حديث زيد بن ثابت, إلا أنه لم يذكر فيه النبيين والصديقين.
ذكر تنعمه في الجنة:
عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إن طير الجنة كأمثال البخت نزعًا في شجر الجنة" قال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطير ناعمة؟ فقال: "آكلها أنعم منها -قالها ثلاثًا- وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها" خرجه أحمد.
وعن ابن عمر قال: ذكر عند النبي ﷺ طوبى فقال: "يا أبا بكر, هل بلغك ما طوبى؟ " قال: الله ورسوله أعلم قال: "طوبى: شجرة في الجنة لا يعلم ما طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفًا, يقع عليها طير أمثال البخت" قال أبو بكر: إن هذا الطير لناعم يا رسول الله؟ قال: "أنعم منه من يأكله, وأنت منهم إن شاء الله تعالى يا أبا بكر" خرجه الخلعي.
ذكر وصف برج له في الجنة:
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما دخلت الجنة ليلة أسري بي نظرت إلى برج أعلاه حرير وأسفله حرير, فقلت: يا جبريل لمن هذا البرج؟ فقال: هذا لأبي بكر" خرجه في فضائله.
стр. 175
ذكر ما له من الحواري الورديات:
عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة حورًا خلقهن الله تعالى من الورد يقال لهن: الورديات, لا يتزوج بهن إلا نبي أو صديق أو شهيد, وإن لأبي بكر منهن أربعمائة".
ذكر تشوق أهل الجنة إليه, وتسليمهم عليه إذا دخلها:
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل رجل الجنة, فلا يبقى أهل دار ولا أهل غرفة إلا قالوا: مرحبًا, إلينا إلينا" قال أبو بكر: يا رسول الله ماتوا على هذا الرجل في ذلك اليوم؟ قال: "أجل وأنت هو يا أبا بكر". خرجه أبو حاتم هكذا بالتاء باثنتين معدى بعلى, ولعله أراد: التوى بالقصر الهلاك, وخرجه في الفضائل: ماثوا هذا الرجل بالمثلثة بإسقاط على, وقال: الثوي الإقامة يقال: ثوى يثوي ثوا أي: أقام, والأول أنسب للجواب بأجل.
стр. 176
الفصل الثاني عشر: في ذكر نبذ من فضائله
قال أبو عمر وغيره واللفظ له: لا يختلفون أن أبا بكر شهد بدرًا والحديبية مع رسول الله ﷺ وأنه لم يكن رفيقه من أصحابه غيره, وأنه كان مؤنسه في الغار, وأنه قام بقتال أهل الردة وظهر من فضل رأيه في ذلك وشدة بأسه مع لينه ما لم يحتسب, وأظهر الله به دينه, وقتل على يديه كل من ارتد عن دين الله حتى ظهر أمر الله وهم كارهون.
وقال صاحب الصفوة: ذكر أهل العلم بالتواريخ أنه لم يفته مشهد من المشاهد مع رسول الله ﷺ وأنه ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد حين انهزم الناس ودفع إليه رسول الله ﷺ رايته العظمى يوم تبوك, وأنه تنزه عن شرب المسكر في الجاهلية والإسلام, وأنه أول من فاء تحرزًا من الشبهات.
стр. 177
ذكر ما جاء في أنه كان خيرًا كله:
عن طارق قال: جاء ناس إلى ابن عباس فقالوا له: أي رجل كان أبو بكر؟ قال: كان خيرًا كله أو قال: كالخير كله على حدة كانت فيه, خرجه أبو عمر. وعن عبد خير عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "الخير ثلاثمائة وسبعون خصلة, إذا أراد الله بعبد خيرًا جعل فيه واحدة منهن, فدخل بها الجنة" قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله هل فيَّ شيء منها؟ قال: "نعم, جمع من كل" خرجه في فضائله وخرجه ابن البهلول من حديث سليمان بن يسار عن النبي ﷺ , وعن الربيع بن أنس قال: مكتوب في الكتاب الأول: مثل أبي بكر مثل القطر١ حيثما وقع نفع. خرجه في فضائله أيضًا وقال: حسن.
ذكر إثبات أفضليته بالمصاهرة:
تقدم في باب ما دون العشرة مصاهرته ﷺ والمصاهرة إليه موجبة للجنة محرمة على النار, وعن ابن عمر عن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل نسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري" خرجه تمام في فوائده, وسيأتي كيفية تزوجه ﷺ بعائشة في بابها من كتاب مناقب أمهات المؤمنين, إن شاء الله تعالى.
ذكر منزلته عند النبي ﷺ :
عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا مع علي, إذ أقبل أبو بكر فصافحه النبي ﷺ وعانقه وقبل فاه أبي بكر فقال ﷺ : "يا أبا الحسن, منزلة أبي بكر عندي كمنزلتي عند ربي" خرجه الملاء في سيرته.
ذكر أنه كان عنده بمنزلة سمعه وبصره:
عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال لأبي بكر يوم بدر وقد أراد أن يتقدم
стр. 178
في أول الخيل فمنعه وقال: "أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري". خرجه الواحدي وأبو الفرج في أسباب النزول في قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ ١ الآية.
ذكر أدبه مع النبي ﷺ :
عن زيد بن الأصم أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: "أنا أكبر أو أنت؟ " قال: لا بل أنت أكبر مني وأكرم وخير مني, وأنا أسن منك, خرجه ابن الضحاك. وعن الحسن قال: لما بويع أبو بكر قام دون مقام النبي ﷺ , خرجه حمزة بن الحارث.
ذكر أنه لم يسؤ النبي ﷺ قط:
عن سهل بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس, إن أبا بكر لم يسؤني فاعرفوا له ذلك" خرجه الخلعي.
ذكر كتمه سر النبي ﷺ :
عن عمر بن الخطاب قال: تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة وكان ممن شهد بدرًا, فلقيت عثمان بن عفان فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة فقال: أنظر, ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا, فلقيت أبا بكر فعرضتها عليه فصمت, فكنت عليه أوجد مني على عثمان فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه, ثم لقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين لم أرجع إليك فقلت: أجل فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ , ولو تركها لنكحتها. أخرجه البخاري.
"شرح" اختلف في موجدته على أبي بكر لماذا كانت؟ فقيل: لمكان الود
стр. 179
الذي كان بينهما في الصحبة وقيل: لأنه لم يرجع إليه شيئًا وعثمان أراحه ولم يعلق خاطره؛ فلذلك اختلف وجده عليهما فكان على أبي بكر أكثر, وقد جاء في بعض الطرق: فكانت موجدتي على أبي بكر أكثر من موجدتي على عثمان.
ذكر حبه صلة قرابة رسول الله ﷺ أكثر من حبه صلة قرابته:
عن عائشة ﵂ قالت: قال أبو بكر: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إليَّ أن أصل من قرابتي, أخرجه في حديث طويل.
ذكر إيثاره سرور رسول الله ﷺ وقرة عينه:
تقدم في إسلام أبي قحافة من حديث أسماء قول أبي بكر: أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحًا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي, ألتمس بذلك قرة عينك قال: "صدقت".
وعن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ جالس في المسجد قد أطاف به أصحابه إذ أقبل علي بن أبي طالب, فوقف فسلم ثم نظر مجلسًا١ يشبهه, فنظر رسول الله ﷺ في وجوه أصحابه أيهم يوسع له, فكان أبو بكر جالسًا على يمين النبي ﷺ فتزحزح له عن مجلسه, وقال: ههنا يا أبا الحسن, فجلس بين رسول الله ﷺ وبين أبي بكر, قال أنس: فرأيت السرور في وجه رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا بكر, إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل" خرجه أحمد في المناقب والخلعي وابن السمان في الموافقة.
ومما يقرب من هذا ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه
стр. 180
جلس على منبر النبي ﷺ فصعد إليه الحسن فقال: انزل عن مجلس أبي فقال: مجلس أبيك لا مجلس أبي, وبكى وأجلسه في حجره وبكى وقال علي: والله ما هذا عن رأيي فقال: والله ما اتهمتك, وفي رواية: فبلغ ذلك عليا فجاء وقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب خليفة رسول الله ﷺ ثم قال: والله ما أمرناه, فقال أبو بكر: والله ما اتهمتك, خرجه ابن السمان.
ذكر وفائه بعدات رسول الله ﷺ بعد وفاته:
عن جابر قال: أتي أبو بكر بمال من البحرين فقال: من كانت له عدة عند رسول الله ﷺ فليأت, فقمت فقلت: لي عدة عند رسول الله ﷺ فقال: وما عدتك؟ فقلت: قال لي: "لأن أتاني الله مالًا لأحثين لك هكذا وهكذا وهكذا" قال: فحثا لي أبو بكر كما قلت ثلاث حثيات, حديث حسن صحيح.
وعن حبشي بن جنادة قال: كنت جالسًا عند أبي بكر فقال: من كانت له عدة عند رسول الله ﷺ فليقم, فقام رجل فقال: يا خليفة رسول الله وعدني ثلاث حثيات من تمر, فقال: أرسلوا إلى علي فقال: يا أبا الحسن, إن هذا يزعم أن رسول الله ﷺ وعده ثلاث حثيات من تمر فأحثها له قال: فحثاها١, قال أبو بكر: عدوها فوجدوا في كل حثية ستين تمرة لا تزيد واحدة على الأخرى فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله, قال لي رسول الله ﷺ ليلة الهجرة ونحن خارجون من الغار نريد المدينة: "يا أبا بكر, كفي وكف علي في العدد سواء" خرجه ابن السمان في الموافقة.
ذكر أن الله أعطاه ثواب من آمن بالنبي ﷺ :
عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبي بكر: "يا أبا بكر إن الله أعطاني ثواب من آمن به منذ خلق آدم إلى أن بعثني,