← Тараджим

Тараджим · id 8657

الرياض النضرة في مناقب العشرة

محب الدين الطبري

Полный текст (841 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الله ﷺ قلت يا رسول الله علمني فمسح رأسي وقال: "بارك الله فيك فإنك غلام معلم" فأسلمت فأتيت النبي ﷺ فبينما نحن عنده على حراء إذا نزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلات﴾ أخرجه الطبراني في معجمه وخرج منه الغساني في معجمه قوله كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله ﷺ فقال: "يا غلام هل من لبن" فقلت نعم ولكني مؤتمن. والظاهر أن هذه قضية غير تلك اتفقت لهما في بعض أسفارهما قبل الهجرة ألا ترى إلى اختلاف قول الراعيين واختلاف الحالبين واختلاف ما حلبا فيه؟ ويؤيد ذلك قوله بعد إسلامه وإتيانه إليه فبينما نحن عنده على حراء وأنه نزلت عليه سورة ﴿وَالْمُرْسَلات﴾ هذا فيه أبين البيان بأن ذلك قبل الهجرة فإنه بعد الهجرة لم يأت مكة إتيانًا يتمكن فيه من إتيان حراء وسورة المرسلات مما نزل بمكة قبل الهجرة وقوله في هذا الحديث يافعًا أي مرتفعًا من اليفاع وهو ما ارتفع من الأرض وأيفع الغلام أي ارتفع فهو يافع ولا يقال موفع وهو من النادر قاله الجوهري وذكر الفراء في حدوده أنه يقال يفع الغلام وحكاه ثابت عن أبي عبيدة في خلق الإنسان وقوله فيه لم ينز عليها الفحل أي لم تضرب ولم يواقعها الفحل تقول نزا نزاء بالكسر يقال ذلك في الحافر والظلف والسباع ونزاه غيره ونزاه وأما النزا بالضم فهو داء يأخذ الشاة فتنزوي منه حتى تموت حفل الضرع جمع والتحفيل التصرية صخرة منقعرة أي ذات قعر من التقعير والتعمق ورأيتها في الحديث مقيدة بالنون ولا معنى له هنا فإن المنقعر المنقلع ومنه أعجاز نخل منقعر قلص ارتفع والشطور قد فسرها في الحديث وقوله فمسح ﷺ مكان الضرع وما لها ضرع بعد قوله لها ضرع واحد يريد به والله أعلم مكان الضرع الآخر وما لها فيه ضرع وإلا تضاد أول الحديث وآخره فقد تضمن هذا الحديث أن سورة المرسلات نزلت بحراء وسورة المرسلات مما

стр. 107

نزلت بمكة قبل الهجرة وقد جاء في المتفق عليه من الصحيحين عن عبد الله قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ في غار بمنى إذا نزلت عليه والمرسلات وإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وعن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال: رسول الله صلى الله عيه وسلم اقتلوها فابتدرناها لنقتلها فسقتنا فقال: رسول الله ﷺ وقيت شركم ووقيتم شرها. الحديث وآخره فقد تضمن هذا الحديث أن سورة المرسلات نزلت بحراء وسورة المرسلات مما نزلت بمكة قبل الهجرة وقد جاء في المتفق عليه من الصحيحين عن عبد الله قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ في غار بمنى إذا نزلت عليه والمرسلات وإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وعن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال: رسول الله ﷺ "اقتلوها" فابتدرناها لنقتلها فسقتنا فقال: رسول الله ﷺ "وقيت شركم ووقيتم شرها". وقوله بمنى للبخاري دون مسلم وهذا أصح وأثبت: وقوله في حديث البراء فاعتقل شاة وهو أن يضع رجليها بين فخذه وساقه ليحلبها واعتقل رمحه إذا جعله بين ساقه وركابه وكأنه جعل له ذلك عقالًا وفي أمره بنفض الضرع ونفض اليد وفرشه لرسول الله ﷺ وتسويته الأرض دليل على التوسعة في مثل هذه الرفاهية ونحوها الكثبة من اللبن قدر حلبة الأداوة المطهرة والجمع أداوى. وقوله فصببت على اللبن حتى برد أسفله يجوز أن يريد أنه صب على ظاهر الإناء فبرد أسفله لاستقرار الماء في أسفله وإلا فكان يبرد كله لو صب فيه نفسه وعلى هذا دل بعض ألفاظ الحديث ويجوز أن يكون صب على اللبن نفسه وإنما خص أسفله بالبرد لأن الماء يغوص في اللبن فيلابس أسفله منه لما لا يلابس أعلاه فيكثر البرد في أسفله ويترجح هذا باقتضاء الحال فإنها حالة جوع وحاجة إلى شربه وصب الماء فيه نفسه أسرع لتسكين حرارته وبرده الطب جمع طالب فساخت أي دخلت فيها تقول ساخ يسوخ ويسيخ وارتطمت بمعناه تقول رطمته فارتطم أي أدخلته في أمر لا مخرج له منه لا عمين أي لألبسن وعمي عليهم الأمر التبس -الكنانة- التي تجمع فيها السهام -العير- بالكسر الإبل تحمل الميرة ويجوز أن يجمع على عيرات فتنازعوا أي قبائل الأنصار بني النجار أخوال عبد المطلب كان هاشم تزوج امرأة من بني النجار فولدت عبد المطلب فلذلك كانوا أخواله واسم المرأة سلمة بنت زيد بن خراش بن أمية بن أسد بن عامر بن

стр. 108

غنم بن عدي بن النجار ويسمى زيد مناة وعن الزهري أنها سلمى بنت عمرو بن زيد وفي هذا الحديث أن ارتحالهم كان من مكة أنهم أحيوا ليلتهم بالسرى ولم يتضمن ذكر الغار كما تقدم. وقد جاء في الصحيح أن أبا بكر قال ارتحلنا من الغار والقوم يطلبوننا فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك على فرس له وذكر الحديث ولا تضاد بينهما وكان ارتحالهم المتصل بإحياء الليلة من الغار وأطلق عليه ارتحالًا من مكة لأن الغار في ثور كما تقدم وهو جبل في الحرم قريب من مكة فأطلق على الارتحال منه ارتحال من مكة لقربه أو لكونه من الحرم ومنه أن الله حرم مكة والمراد الحرم. وعن حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ حين خرج من مكة خرج منها مهاجرًا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى لهم عامر بن فهيرة ودليلهما الليث بن عبد الله بن الأريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت برزة جلدة تختبئ بفناء القبة ثم تسقي وتطعم فسألوها تمرًا ولحمًا يشترونه منها فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئًا وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد" قالت خلفها الجهد عن الغنم قال: "هل بها من لبن؟ " قالت هي أجهد من ذلك قال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟ " قالت نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت ودعا بإناء يربض الرهط فحلب ثجًا حتى علاه إليها ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم ثم حلب ثانيًا بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا يعني عنها فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا تساوكن هزلًا مخهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال من أين لك هذا يا أم معبد

стр. 109

والشاة عازب حيال ولا حلوب في البيت؟ قالت لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا قال صفيه لي يا أم معبد قالت رجل ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي وصوته صحل وفي عنقه سطع وفي لحيته كثاثة أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة لا بائن من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا لأمره محفود محشود لا عابس ولا مفند قال أبو معبد فهذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن عن وجدت لذلك سبيلًا وأصبح صوت بمكة عال يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى فاهتديا به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيا قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال أو فجار وسؤدد ليهن بنو كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنك إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليها صريحًا ضرة الشاة مزيد فغادرها رهنًا لديها كحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد خرجه الحافظ أبو القاسم في الأربعين الطوال. "شرح" -مرملين- أين نفذت أزوادهم مسنتين أي دخلوا في السنة ويروى مشتين أي دخلوها في الشتاء وكسر الخيمة -جانبها- وتفاجت -فتحت ما بين رجليها- ويربض الرهط أي يرويهم حتى يثقلوا

стр. 110

فيربضوا -والثج- السيلان- والبها بهاء اللبن وهو وبيص رغوته وتساوكن هزلًا أي تمايلن ويروى تشاركون من المشاركة أي تساوين في الهزال وغادره أبقاء والشاة عازب أي بعيد في الرعي والأبلج المشرق الوجه المضيئة والحيال جمع حائل وهي التي لم تحمل والوضاءة الحسن والثجلة عظم البطن والصعلة صغر الرأس ويروى ثجلة بالضم وهي الضمرة والدقة وصقلة الخاصرة يعني أنه غير طويل الخاصرة والوسيم الحسن وكذلك القسيم والدعج السواد في العين والوطف الطول والصحل البحة والسطع الطول والكثاثة كثرة الشعر والأزج الرقيق طرف الحاجبين والأقرن المقرون الحاجبين بخلاف ما في حديث غيره والنزر القليل والهذر الكثير من الكلام فكلامه وسط وتقتحمه تحتقره يعني أنه بين الطويل والقصير والمحفود المخدوم والمحشود الذي عنده حشد وهو الجماعة والعابس من عبوس الوجه والمفند الذي يكثر اللوم وهو التفنيد ويروى معتد من العداء وهو الظلم والصريح الخالص والضرة لحمة الضرع وفي رواية فتحلبت له بصريح وهو الصواب وغادرها أي خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر والله أعلم. وعن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة قال حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي ﷺ قال لما سمعنا بمخرج النبي ﷺ من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظهر حرتنا ننتظر رسول الله ﷺ فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظل فإذا لم نجد ظلًا دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا فقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وإنا ننتظر قدوم رسول الله ﷺ فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرجنا إلى رسول الله ﷺ وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر وأكثرنا لم

стр. 111

يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى إذا زال الظل عن رسول الله ﷺ فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك خرجه ابن إسحاق بهذا السياق ومعناه عند الشيخين. "شرح" -قيلة- هذه هي أم الأوس والخزرج وهما جماعة الأنصار أمهما قيلة بنت كامل ابن عذرة بن سعد بن هزيم من قضاعة بها يعرفون جدكم أي حظكم وغناكم من الجد الحظ ركبه الناس أي ازدحموا عليه حتى كادوا يركبونه. عن أنس قال: أقبل النبي ﷺ المدينة وأبو بكر شيخ يعرف والنبي ﷺ شاب لا يعرف فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك فيقول يهديني السبيل فيحسب الحاسب أنه يهديه الطريق وإنما يعني سبيل الخير فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحق بهم فقال: يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا فالتفت النبي ﷺ وقال: "اللهم اصرعه" فصرعه فرسه ثم قامت تحمحم فقال: يا نبي الله مرني بما شئت فقال: "قف مكانك لا تتركن أحدًا يلحق بنا" فقال: فكان أول النهار جاهدًا على نبي الله ﷺ وكان آخر النهار مسلحة له فنزل النبي ﷺ جانب الحرة ثم بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبي الله ﷺ فسلموا عليهما وقالوا اركبا آمنين مطاعين فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح فقيل بالمدينة جاء نبي الله فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب فقال: النبي ﷺ "أي بيوت أهلها" أقرب قال: أبو أيوب يا نبي الله هذه داري وهذا بابي قال: فانطلق فهيأ لنا مقيلًا قال: قومًا على بركة الله خرجه البخاري. "شرح" ظاهر قوله وأبو بكر شيخ يعرف يدل على أنه كان أسن من النبي ﷺ والمعروف عند أهل الخبر أن النبي ﷺ أسن منه بمدة خلافته وسيأتي بيان ذلك إن شاء تعالى أو لعله يريد بشيخ يعرف أي كبير في قومه رئيس معهم معروف.

стр. 112

وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث عن أنس ارتدف النبي ﷺ خلف أبي بكر فكان إذا مر بالملأ من قريش قالوا يا أبا بكر من هذا الرجل معك؟ فيقول هذا رجل يهديني السبيل خرجه الحلواني على شرط الصحيح. وفي بعضها إن أبا بكر كان رديف النبي ﷺ وكان أعرف بذلك الطريق فيراه الرجل يعرفه فيقول يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك فيقول هذا يهديني السبيل حديث صحيح وأكثر الروايات على أنه كان رديف النبي ﷺ وفي بعضها قالوا من هذا يا أبا بكر الذي تعظمه هذا الإعظام؟ قال: هذا يهديني الطريق وهو أعرف به مني. وقد جاء أن أبا بكر كان مردفًا عامر بن فهيرة مولاه يخدمهم فكانوا أربعة بالدليل ولا تضاد بينهما إذ قد يكون ارتدف خلف النبي ﷺ وارتدف النبي ﷺ خلفه في بعض الطريق لعارض اقتضى ذلك والله أعلم. وعن أنس قال: إني لأسعى في الغلمان تقول جاء محمد فأسعى فلا أرى شيئًا حتى جاء رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر الصديق فكمنا في بعض خراب المدينة ثم بعثا رجلًا من أهل البادية ليؤذن الأنصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار انطلقوا آمنين مطاعين فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءين يقلن أيهم هو أيهم هو قال: فما رأينا منظرًا شبيهًا بيومئذ. قال: أنس فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض فلم أر يومين شبيهًا بهما أخرجه في فضائله وقال: صحيح. وفي رواية أنهم نزلوا بالحرة وأرسلوا إلى الأنصار فجاءوا فقال: وا قومًا آمنين مطاعين.

стр. 113

قال: أنس فوالله ما رأيت يومًا أضوأ ولا أنور ولا أحسن من يوم دخل علينا رسول الله ﷺ ولا رأيت يومًا أظلم ولا أقبح من يوم مات فيه رسول الله ﷺ أخرجهما في فضائله. "شرح" -كمنا: أي اختفيا ومنه الكمين في الحرب زهاء خمسمائة أي قدرها وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من مهاجره لقي ركبًا فقال: "يا أبا بكر سل القوم من هم" فسألهم فقالوا: من بني سهم فقال: "رمى بسهمك يا أبا بكر" حديث حسن. وعن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة تلقاه المسلمون بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عامر بن عوف وذلك يوم الاثنين في شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس النبي ﷺ صامتًا فطفق من جاء من الأنصار من لم ير رسول الله ﷺ يجيء أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل على رسول الله ﷺ بردائه فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك خرجه البخاري. وعن ابن الفضل ابن الحباب الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل الصبيان والنساء والولائد يقولون: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع خرجه الحلواني على شرط الشيخين. قال: ابن إسحاق: نزل رسول الله ﷺ فيما يذكرون على كلثوم بن هدم أخي عمرو بن عوف ويقال: بل على سعد بن خيثمة لأنه كان عزبًا لا أهل له ونزل أبو بكر على حبيب بن عساف أخي بني الحارث بن الخزرج

стр. 114

بالسنح ويقال: على خارجة بن زيد أخي بني الحارث بن الخزرج قال: فأقام رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاث والأربع والخميس ثم خرج عنهم يوم الجمعة فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي فهي أول جمعة صليت بالمدينة ثم لم يزل رسول الله ﷺ يمر بأحياء الأنصار حي بعد حي وكلما مر على حي قاموا إليه فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا العدد والعدة والمنعة وهو يقول خلوا سبيلها يعني الناقة فإنها مأمورة. حتى إذا أتت بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده ﷺ وهو يومئذ مربد١ لغلامين يتيمين من بني النجار ثم من بني مالك. فلما بركت الناقة ورسول الله ﷺ لم ينزل عنها وثبت وسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله ليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت خلفها فرجعت على مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله ﷺ واحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته ثم سأل عن المربد واتخذ المسجد مكانه وكان من أمره ما كان ﷺ وهذا سياق ابن إسحاق ومعناه عند البخاري بتغير بعض اللفظ وتقديم وتأخير. "شرح" -تحلحلت: أي تحركت ورزمت أي صوتت من حلقها من غير أن تفتح فاها من الرزمة بالتحريك وهو الصوت كذلك والحنين أشد منه أو لعل معناه ثبتت من الرزام البعير الثابت على الأرض لا يقوم من الهزال فاستعير لثبوتها بذلك المكان والجران العنق من المذبح إلى المنحر والجمع جرن.

стр. 115

الفصل التاسع: في خصائصه وقد تقدم منها طرف جيد في أبواب الأعداد خاصة في باب الشيخين، وتقدم منها أنه أول من أسلم على الاختلاف فيه، وأول من أظهر إسلامه وأنه لم يتردد ولم يتلعثم حين عرض عليه النبي ﷺ تقدمًا في فضل إسلامه واختصاصه بالصديقية، وقد تقدم الكلام فيها في فصل أسمه وأنه أول خطيب دعا إلى الله تعالى في فضل إسلام أمه، وأنه أول من تنشق عنه الأرض بعد النبي ﷺ . تقدم في باب مناقب الشيخين وأنه لم يجتمع لأحد من المهاجرين إسلامه أبويه غيره، تقدم فيه أيضًا من حديث علي واختصاصه بصحبته في الهدجرة وخدمته له فيها، تقدم في باب هجرته واختصاصه براجحيته بالأمة في باب مادون العشرة، واختصاصه براجحيته بالأمة في باب الثلاثة، وأنه لم يسوء النبي ﷺ قط، تقدم في باب ما دون العشرة. ذكر اخصاصه بأنه لم يكذب النبي ﷺ قط: عن ابن عباس قال: جاء أبو بكر وعلي يزروان النبي ﷺ وبعد وفاته بستة أيام، فقال علي لأبي بكر: تقدم يا خليفة رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر مال كنت لأتقدم رجلا سمعت رسول الله ﷺ : "علي مني كمنزلتي من ربي"، فقال علي: ما كنت لأتدم رجلا سمعت رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد كذبني غير أبي بكر، وما منكم من أحد يصبح إلا على بابه ظلمة إلا بالب أبي بكر"، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقوله؟ قال نعم، فأخذ أبو بكر بيد علي، ودخلا جميعًا، خرجه ابن السمان في الموافقة ولعله١ علي باب قلبه والله أعلم وهو المراد.

стр. 116

ذكر اختصاصه بمؤانسته له ﷺ في الغار: وبما كان من شفقته عليه فيه وفي طريقه وإيثاره إياه التنزيل: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ وقد تقدمت أحاديث هذا الذكر في ذكر الغار مستوفاة: وعن ربيعة الأسلمي قال: كان بيني وبين أبي بكر كلام فقال: لي أبو بكر كلمة كرهتها وندم فقال: يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصًا قال: قلت لا أفعل فقال: أبو بكر لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله ﷺ فقلت ما أنا بفاعل قال: فرفض الأرض وانطلق إلى النبي ﷺ وانطلقت تلوه فجاء ناس من أسلم فقالوا: يرحم الله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك وهو الذي قال: لك ما قال: قلت أتدرون ما هذا هذا أبو بكر هذا ثاني اثنين إذ هما في الغار إياكم لا يلتفت فيراكم تنصرونني عليه فيغضب فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه فيغضب الله لغضبهما فتهلك ربيعة قالوا ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا قال: فانطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله ﷺ فحدثه الحديث كما كان فرفع إلي رأسه فقال: يا ربيعة ما لك وللصديق قلت يا رسول الله كان كذا وكذا قال: لي كلمة كرهتها فقال: لي قل كما قلت حتى يكون قصاصًا فأبيت فقال: رسول الله ﷺ "فلا ترد عليه ولكن قل له غفر الله لك يا أبا بكر" فقلت غفر الله لك يا أبا بكر قال: الحسن فولى أبو بكر وهو يبكي خرجه أحمد. "شرح" -رفض الأرض برجله ضربها بها- تلوه- أي أتلوه وأتبعه. وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وقد قال: في مجلسه رجل ما كان لرسول الله ﷺ من موطن إلا وعلي معه فيه فقال: القاسم يا أخي لا تحلف قال: هلم قال: بلى ما لا ترده قال: الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي

стр. 117

الْغَارِ﴾ خرجه أبو عمر. "شرح" -هلم- بمعنى هات ما عندك استعارة من هلم بمعنى تعال قال: الجوهري بفتح الميم وقال: الخليل أصله من قولهم لم الله شعثك أي جمعه كأنه أراد لم نفسك إلينا وها للتنبيه وحذفت الألف لكثرة الاستعمال وجعل اسمه واحدًا يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في لغة أهل الحجاز قال: تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وأهل نجد يصرفونها فيقولون للاثنين هلما وللجمع هلموا وللمرأة هلمي وللنساء هلممن والأول أفصح. ذكر اختصاصه بالسبق بعد رسول الله ﷺ : عن ابن عباس قال: قال: رسول الله ﷺ "اليوم الرهان وغدًا السباق والغاية الجنة والهالك من يدخل النار أنا الأول وأبو بكر المصلي وعمر التالي والناس بعد على السنن الأول فالأول" أخرجه المهتدي بالله في مشيخته وقد تقدم في باب الشيخين. ذكر اختصاصه بإثبات أهلية الخلة له ولولا أنه ﷺ خليل الرحمن لاتخذه خليلًا: عن جندب قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول "إني أبرأ إلى الله -وعز وجل- أن يكون لي منكم خليل فإن الله -وعز وجل- قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" تفرد به مسلم. ذكر أحاديث تدل على ثبوت الخلة له وهي أعظم الخصائص: عن أبي أمامة قال: قال: رسول الله ﷺ "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا وإنه لم يكن نبي إلا له في أمته خليل ألا وإن خليلي أبو بكر" أخرجه الواحدي في تفسيره الوسيط.

стр. 118

ذكر تخصيصه بالأخوة والصحبة: عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا" خرجه مسلم وأبو حاتم. وعن ابن عباس قال: قال: رسول الله ﷺ "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخي وصاحبي" خرجه البخاري. وفي رواية لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذته خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل خرجه البخاري. وسيأتي في ذكر حديث أمن الناس علي أبو بكر طرف منه وأخرجه الحافظ أبو الحسن علي ابن عمر الحرلي السكري من حديث أبي بن كعب بزيادة ولفظه عن أبي بن كعب أنه قال: إن أحدث عهدي بنبيكم ﷺ قبل وفاته بخمس ليال دخلت عليه وهو يقلب يديه وهو يقول إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلًا وإن خليلي من أمتي أبو بكر بن أبي قحافة ألا وإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا والأحاديث النافية لاتخاذ الخلة أثبت وأصح وإن صحت هذه الرواية فيكون قد أذن الله له عند تبريه من خلة غير الله مع تشوقه لخلة أبي بكر لولا خلة الله في اتخاذه خليلًا مراعاة لجنوحه إليه وتعظيمًا لشأن أبي بكر ولا يكون ذلك انصرافًا عن خلة الله جل وعلا بل الخلتان ثابتتان كما تضمنه الحديث تشريف للمصطفى ﷺ والأخرى تشريف لأبي بكر. ذكر اختصاصه باستثناء بابه من سد الأبواب الشارعة في المسجد: عن عائشة أن النبي ﷺ أمر بسد الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر خرجه الترمذي وأبو حاتم وأخرجه ابن إسحاق وزاد في آخره فإني لا أعلم رجلًا كان أفضل في الصحبة يدًا منه.

стр. 119

وعن جبير بن نفير أن أبوابًا كانت مفتحة في مسجد رسول الله ﷺ فأمر بها فسدت غير باب أبي بكر فقالوا: سد أبوابنا غير باب خليله وبلغه ذلك فقام فيهم فقال: أتقولون سد أبوابنا وترك باب خليله ولولا كان لي منكم خليل كان هو خليلي ولكن خليلي الله فهلا أنتم تاركون لي صاحبي؟ فقد واساني بنفسه وماله وقال: لي صدق وقلتم كذب خرجه في فضائله وهو مرسل وسيأتي في الذكر بعده طرف منه. ذكر اختصاصه بقوله ﷺ في حقه أنه أمن الناس عليه في صحبته وماله فيه طرف من الذكر قبله: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر". أخرجاه وأحمد والترمذي وأبو حاتم. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إنه ليس من الناس أحد أمن علي بنفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر لكن خلة الإسلام سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر". خرجه أحمد والبخاري وأبو حاتم واللفظ له وقال: في قوله سدوا عني كل خوخة إلى آخره دليل على حسم أطماع الناس كلهم من الخلافة إلا أبا بكر قلت وهذا القول وحده لا ينهض في الدلالة وإنما بانضمام القرائن الخالية إليه حصلت١ وذلك بارتقائه المنبر في حال المرض ومواجهة الناس بذلك وتعريفهم بحق أبي بكر وبفضله بذكر الخلة وذلك تنبيه على أنه الخليفة من بعده وكان هذا القول كالتوصية لهم به لأنه قرب الموت ولذلك فهمه الصحابة من القال والحال.

стр. 120

عن أبي سعيد قال: جلس رسول الله ﷺ مرجعه من حجة الوداع على المنبر فقال: "إن عبدًا خيره الله -وعز وجل- بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وعزها والخلد فيها ثم الجنة وبين ما عنده والجنة فاختار ما عند الله والجنة". فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله ﷺ هو المخير ولكن لم يفجعنا وكان أبو بكر أعلمنا بالأمور وقال: رسول الله ﷺ "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام". ثم قال: "لا يبقين في المسجد إلا خوخة أبي بكر" فعلمنا أنه مستخلفه خرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي وقال: صحيح المتن غريب الإسناد. وعن أبي المعلي أن رسول الله ﷺ قال: "إن أمن الناس علي...." وساق الحديث بنحو حديث أبي سعيد، وقال: بعد قوله لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن ود وإخاء وإيمان مرتين أو ثلاثًا وأن صاحبكم خليل الله خرجه الترمذي والحافظ الدمشقي وقال: صحيح المتن حسن الإسناد واسم أبي المعلي زيد بن لوذان الأنصاري قاله أبو عمر. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "إن من أمن الناس علينا في نفسه وذات يده أبا بكر ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذته ولكن أخوة الإسلام سدوا كل خوخة في القبلة إلا خوخة أبي بكر خرجه". في فضائله فيه دليل بمنطوقه على أن الخوخات المسدودة كانت في القبلة وبمفهومه على أن في المسجد خوخات غيرها لم تسد. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته خرجه في فضائله. وعن سهل قال: قال رسول الله ﷺ " إن من أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر الصديق فحبه وشكره وحفظه واجب على أمتي". خرجه الخطيب في تاريخه وصاحب الفضائل.

стр. 121

ذكر اختصاصه بأن النبي ﷺ ما نفعه من مال ما نفعه مال أبي بكر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبو بكر" فبكى أبو بكر وقال: ما أنا ومالي إلا لك خرجه أحمد وأبو حاتم وابن ماجه والحافظ الدمشقي في الموافقات. وعن ابن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: "ما مال رجل من المسلمين أنفع لي من مال أبي بكر". قال: وكان رسول الله ﷺ يقضي في مال أبي بكر كما كان يقضي في مال نفسه خرجه عبد الرزاق في جامعه وصاحب الفضائل والحديث مرسل. ذكر شهادة علي بن أبي طالب بذلك وبغيره: عن الشعبي إن أبا بكر نظر إلى علي بن أبي طالب فقال: من سره أن ينظر إلى أقرب الناس قرابة من نبيهم ﷺ وأعظمهم١ عنه غناء وأحفظهم عنده منزلة فلينظر إلى علي بن أبي طالب فقال: علي لئن قال: هذا إنه لأرأف الناس وإنه لصاحب رسول الله ﷺ في الغار وإنه لأعظم الناس غناء٢ عن نبيه ﷺ في ذات يده خرجه ابن السمان. ذكر اختصاصه بمكافأة الله تعالى: له عن نبيه ﷺ : عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة". خرجه الترمذي وقال: حسن غريب.

стр. 122

ذكر اختصاصه بمواساة النبي ﷺ بنفسه وماله وأنه لا ظلمة على باب قلبه: عن المقدام بن معد يكرب قال: استب عقيل بن أبي طالب وأبو بكر فأعرض أبو بكر عنه لقرابته من رسول الله ﷺ ولكنه شكاه إلى النبي ﷺ فقام النبي ﷺ في الناس فقال: "ألا تدعون لي صاحبي ما شأنكم وشأنه والله ما منكم رجل إلا على باب قلبه ظلمة إلا قلب أبي بكر فإنه على بابه النور والله لقد قلتم كذب وقال: أبو بكر صدق وأمسكتم الأموال وجاد لي بماله وخذلتموني وواساني بنفسه". خرجه صاحب الفضائل. وهو مروي لنا عن أبي القاسم عبد الرحمن السبط عن جده الحافظ السلفي بسنده وفيه "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر". وعن أبي الدرداء قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال: رسول الله ﷺ أما صاحبكم فقد غامر فسلم ثم قال: إني كان بيني وبين عمر بن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فقال: أثم هو قالوا لا فأتى النبي ﷺ فجعل وجه النبي يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله أنا كنت أظلم مرتين فقال: رسول الله ﷺ "إن الله بعثني إليكم فقلتم كذب وقال: أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي مرتين فما أوذي" بعدها انفرد البخاري بإخراجه. "شرح" -غامر- أي سبق بالخير قاله أبو عبيد وأصله المباطشة في القتال تقول غامرته أي باطشته فقاتلته وتمعر أي تغير جثى على ركبتيه اعتمد عليهما تقول جثا يجثو ويجثي جثوًا وجثيًا. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر أخي في

стр. 123

الدنيا والآخرة، رحم الله أبا بكر وجزاه عن رسول الله ﷺ خيرًا واساني في النفس والمال". خرجه الحافظ السلفي. وعن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال: يا محمد مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال فقال: "يا جبريل أنفق ماله علي قبل الفتح" قال: فإن الله -وعز وجل- يقرأ عليك السلام ويقول لك قل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط فقال: النبي ﷺ "يا أبا بكر إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال: أبو بكر أسخط على ربي؟ أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض". خرجه الحافظ بن عبيد وصاحب الصفوة والفضائلي. واحتج بظاهرة من ذهب إلى أن قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْح وَقَاتَلَِ﴾ ١ الآية نزلت في أبي بكر الحديث الأول هو المصرح بالاختصاص وما بعده محمول عليه حمل المطلق على المقيد. ذكر ما جاء في كمية ما أنفق أبو بكر ﵁: عن عائشة ﵂ قالت أنفق أبو بكر على النبي ﷺ أربعين ألفًا خرجه أبو حاتم. وعن عروة قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا أنفقتها كلها على رسول الله ﷺ وفي سبيل الله. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم أو ستة خرج بها معه. قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره وقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه،

стр. 124

قالت: قلت كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا قالت فأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه ثم وضعت عليها ثوبًا ثم أخذت بيده وقلت يا أبت ضع يدك على هذا المال قالت فوضع يده عليه قال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا بلاغ لكم ولا والله ما ترك لنا شيئًا ولكنني أردت أسكن الشيخ بذلك خرجه ابن إسحاق ولا تضاد بين هذا وبين ما تقدم فإنها لم تقل في هذا أنه جملة ما أنفقه وإنما هو بقية المال الذي أسلم وهو معه وهو الجملة المتقدمة ثم لم يزل ينفق إلى وقت الهجرة وقد بقيت تلك البقية فاحتملها معه وترك عياله لا شيء لهم ولعله كان قد خرج عن جملته فلذلك كان حمل البقية والله أعلم. ذكر من أعتقه أبو بكر ممن كان يعذب في الله -وعز وجل: عن عروة قال: أعتق أبو بكر سبعة كانوا يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة خرجه أبو عمرو عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أعتق أبو بكر ممن كان يعذب في الله تعالى: سبعة بلال وعامر بن فهيرة وزبيرة وأم عبيس والنهدية وابنتها وجارية ابن عمرو بن مؤمل خرجه معاوية الضرير. وعن إسماعيل بن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدقوق بالحجارة بخمس أواق ذهبًا وقالوا لو أبيت إلا أوقية لبعناكه فقال: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته خرجه في الصفوة. قال ابن إسحاق: وكان بلال بن رباح واسم أمه حمامة صادق الإسلام طاهر القلب وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صلبه ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك البلاء أحد أحد قال: وكان ورقة بن نوفل يمر به

стр. 125

وهو يعذب بذلك وهو يقول أحد أحد فيقول ورقة أحد أحد والله يا بلال ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بني جمح فيقول أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانًا حتى مر به أبو بكر بن أبي قحافة وهم يصنعون ذلك به وكانت دار أبي بكر في بني جمح فقال: لأمية بن خلف ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى فقال: أبو بكر أفعل عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى أعطيكه به قال: قد قبلت قال: هو لك فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذه فأعتقه ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر ست رقاب بلال سابعهم عامر بن فهيرة وأم عبيس وزبيرة فأصيب بصرها حين أعتقها فقال: ت قريش ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى فقال: ت كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان فرد الله إليها بصرها والنهدية وابنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتها سيدتهما إلى طحين لها وهي تقول والله لا أعتقكما أبدًا فقال: أبو بكر حلا يا أم فلان فقال: ت حلا أنت أفسدتهما فاعتقهما قال: فبكم هما قالت بكذا وكذا قال: قد أخذتهما وهما حرتان أرجعا إليها طحينها قالتا أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده قال: ذلك إن شئتما ومر بجارية بني مؤمل حي من بني عدي وكانت مسلمة وكان عمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام وهو يومئذ مشرك فيضربها حتى إذا مل قال: أعتذر إليك إني لم أتركك إلا مللًا فتقول كذا فعل الله بك فابتاعها وأعتقها. "شرح" -حلا- يا أم فلان أي تحللي من يمينك وهو منصوب على المصدر. وعن عمر بن الخطاب قال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالًا فقال: لأبي بكر إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني وإن كنت اشتريتني لله -وعز وجل- فدعني وعمل لله أخرجه البخاري وهذان الذكران ليسا على مساق ما تقدمهما من الخصائص وإنما اقتضى ذكرهما ما تقدمهما من الأذكار ومناسبتهما لهن على أنهما من الخصائص إذ لم ينقل أن أحدًا من الصحابة

стр. 126

فعل مثل ذلك الفعل قبل الهجرة والله أعلم. ذكر اختصاصه بأنه أحب الرجال إليه: تقدم في ذلك حديث عمرو بن العاص في باب العشرة خرجه مسلم وأحمد وأبو حاتم وحديث عائشة في باب ما دون العشرة خرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وعن أنس قال: قالوا يا رسول الله أي الناس أحب إليك قال: عائشة قالوا إنما نعني من الرجال قال: أبوها خرجه الترمذي وابن ماجه القزويني في سننه وعن عائشة قالت لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ فقال: "ومن" قالت إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا فقال: "ومن البكر ومن الثيب؟ " قالت أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر الصديق وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك ثم ذكرت قصة تزويجها خرجه أبو الجهم الباهلي وصاحب الفضائل وسيأتي في فضائل الأزواج في ذكر التزويج. ذكر اختصاصه بتبسم النبي ﷺ إليه يوم الفتح: عن الزهري قال: لما رأى النبي ﷺ النساء يلطمن الخيل بالخمر يوم الفتح تبسم إلى أبي بكر خرجه ابن إسحاق. ذكر اختصاصه بأنه أرحم الأمة بالأمة بعد النبي ﷺ : عن أنس عن النبي ﷺ قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر". خرجه عبد الرزاق والبغوي في١ المصابيح الحسان. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "أرحم هذه الأمة بعد نبيها

стр. 127

أبو بكر". خرجه في فضائله. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله وعدني أن يدخل الجنة أربعمائة ألف"، فقال: أبو بكر زدنا يا رسول الله فقال: رسول الله ﷺ هكذا وجمع كفيه فقال: عمر حسبك يا أبا بكر فقال: أبو بكر دعني يا عمر وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا فقال: عمر إن الله لو شاء أدخل خلقه الجنة بكف واحدة فقال: النبي ﷺ صدق عمر خرجه الطبراني في معجمه وأبو القاسم الدمشقي في معجم البلدان. ذكر اختصاصه بالأفضلية والخيرية: تقدم من أحاديث هذه الخصوصية جملة أحاديث وآثار مما خرجه الشيخان وغيرهما في باب مناقب الأربعة والثلاثة والاثنين. وعن أبي الدرداء قال: رآني النبي ﷺ أمشي أمام أبي بكر فقال: "يا أبا الدرداء أتمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة؟ ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر". خرجه المخلص الذهبي وخرجه الدارقطني ولم يقل والمرسلين. وخرجه ابن السمان في الموافقة عن جعفر١ بن محمد وقد سئل عن أبي بكر فقال: ما أقوله فيه لا أقول فيه إلا خيرًا أو قال: إلا الخير بعد حديث حدثنيه أبي محمد قال: حدثني أبي علي قال: حدثني أبي الحسين قال: سمعت أبي علي بن أبي طالب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما طلعت شمس ولا غربت" الحديث بتمامه ثم قال: لا أنالني الله شفاعة جدي إن كنت كذبت فيما رويت لك وإني لأرجو شفاعته يوم القيامة يعني أبا بكر. وعن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: "يطلع عليكم

стр. 128

رجل لم يخلق الله بعدي أحدًا خيرًا منه ولا أفضل, وله شفاعة مثل شفاعة النبيين" فما برحنا حتى طلع أبو بكر فقام النبي ﷺ فقبله والتزمه. خرجه الحافظ الخطيب أبو بكر أحمد بن ثابت البغدادي. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أصحابي أبو بكر" وعن جابر قال: كنا عند باب النبي ﷺ نفرًا من المهاجرين والأنصار نتذاكر الأنصار فارتفعت أصواتنا, فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "فيم أنتم؟ " فقلنا: نتذاكر الفضائل قال: "فلا تقدموا على أبي بكر أحدًا؛ فإنه أفضلكم في الدنيا والآخرة" أخرجهما صاحب فضائله. وعنه قال: "إن الله جمع أمركم على خيركم, صاحب رسول الله ﷺ و ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ وأولى الناس بكم" خرجه البخاري. وعن عمر قال: أبو بكر سيدنا, وخيرنا, وأحبنا إلى رسول الله ﷺ . خرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وعنه وقد قال له رجل: ما رأيت أحدًا خيرًا منك قال: هل رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: لا, قال: لو قلت: نعم لضربت عنقك, ثم قال: هل رأيت أبا بكر؟ قال: لا قال: لو قلت: نعم لبالغت في عقوبتك خرجه القلعي. وعن الزهري أن رجلًا قال لعمر: ما رأيت أحدًا أو رجلًا أفضل منك قال له عمر: هل رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: لا قال: فهل رأيت أبا بكر؟ قال: لا قال: لو أخبرتني أنك رأيت واحدًا منهما لأوجعتك. خرجه في الفضائل وقال: حديث حسن إلا أنه مرسل١؛ لأن الزهري لم يدرك عمر. وعن علي وقد قيل له لما أصيب: ألا تستخلف؟ قال: لا أستخلف, ولكني أترككم كما تركنا رسول الله ﷺ دخلنا على رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله ألا تستخلف؟ فقال: "إن يعلم الله فيكم خيرًا استعمل عليكم

стр. 129

خيركم" فعلم الله فينا خيرًا, فاستعمل علينا أبا بكر. خرجه ابن السمان في الموافقة. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أترككم, فإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم على خيركم, أخرجه القلعي. وعن موسى بن شداد قال: سمعت عليا ﵁ يقول: أفضلنا أبو بكر. ذكر اختصاصه بسيادة كهول العرب: عن إسماعيل بن أبي خالد قال: بلغني أن عائشة نظرت إلى النبي ﷺ فقالت: يا سيد العرب فقال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم, وأبوك سيد كهول العرب, وعلي سيد شباب العرب" خرجه أبو نعيم البصري ورواه الغيلاني, وعن عبد الله بن مسعود قال: اجعلوا إمامكم خيركم, فإن رسول الله ﷺ جعل إمامنا خيرنا بعده. خرجه أبو عمر. وعن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: ولينا أبو بكر الصديق, فخير خليفة أرحم بنا وأحنى علينا. خرجه ابن السمان في الموافقة. وعن الليث بن سعد قال: ما صحب الأنبياء أحد أفضل من أبي بكر. خرجه صاحب الفضائل. ذكر اختصاصه بأنه أشجع الناس: عن محمد بن عقيل عن علي بن أبي طالب أنه قال يومًا وهو في جماعة من الناس: من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين, قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه, ولكن أشجع الناس أبو بكر, لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشًا وقلنا: من يكون مع النبي ﷺ لئلا يصل إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرًا السيف على رأس رسول الله ﷺ قال: واجتمع عليه المشركون بمكة فهذا يجره وهذا يتلتله, وهم يقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا, فوالله ما دنا إليه منا أحد إلا أبو بكر

стр. 130

يضرب هذا ويجأ١ هذا ويتلتل هذا, ويقول: ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟! ثم قال علي: نشدتكم بالله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ قال: فسكت القوم, فقال: ألا تجيبون؟ والله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون؛ مؤمن آل فرعون رجل كتم إيمانه وأبو بكر رجل أعلن إيمانه. خرجه ابن السمان في كتاب الموافقة, وصاحب الفضائل. "شرح" العريش والعرش أيضًا: ما يستظل به, تلتله أي: زعزعه وحركه وأقلقه, يجأ: يضرب يقال: وجأه بالسكين أي: ضربه بها, ونشدتكم بالله أي: سألتكم به كأنه يذكره بالله, وينشد أي: يذكر ومما يناسب ذكره بعد هذا ذكر ما اشتهر عنه من شدة بأسه وثبوته عند الحوادث حتى شهد له علي ﵁ بأنه أشجع الناس كما تقدم آنفًا, وأنه مثبت القلب فيما رواه أبو شريحة قال: سمعت عليا على المنبر يقول: إن أبا بكر مثبت القلب. خرجه في الصفوة, وصاحب الفضائل فمن ذلك: ذكر شدة بأسه وثبوته يوم بدر, فيه ما تقدم في الذكر قبله: وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال يوم بدر, وهو في قبة له: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك, اللهم إن تشأ لا تعبد بعد هذا اليوم" فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله, قد ألححت على ربك, فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول٢: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ, بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ خرجه البخاري. وعنه قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر نبي الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلًا قال:

стр. 131

فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة ثم مد يديه, فجعل يهتف بربه: "أنجز لي ما وعدتني, اللهم آتني ما وعدتني, اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبدًا" فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه, فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه, ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك, وإنه سينجز لك ما وعدك, فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِي﴾ ١ فأمده الله بالملائكة, أخرجاه. "شرح" هتف أي: صاح والهتف: الصوت يقال: هتف هتافًا أي: صاح, وهتفت الحمامة تهتف هتفًا, والعصابة: الجماعة من الناس والخيل والطير, قاله الجوهري. قال ابن إسحاق: عدل رسول الله ﷺ الصفوف يوم بدر ثم رجع إلى العريش, فدخله ومعه فيه غيره ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده به من النصر ويقول فيما يقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد" وأبو بكر يقول: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك, فإن الله منجز لك ما وعدك, وخفق رسول الله ﷺ خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله, هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع" النقع: الغبار. وعن حكيم بن حزام قال: لما حضر القتال, رفع رسول الله ﷺ يديه يسأل الله النصر وما وعده, يقول: "اللهم إن ظهروا على هذه العصابة, ظهر الشرك ولا يقوم لك دين" وأبو بكر يقول: والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك, فأنزل الله تعالى ألفًا من الملائكة مردفين عند أكناف العدو, وقال رسول الله ﷺ : "أبشر يا أبا بكر, هذا جبريل ﵇ معتجر

стр. 132

بعمامة صفراء, آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض, فلما نزل إلى الأرض تغيب عني ساعة، ثم طلع يقول: أتاكم نصر الله, أو دعوته". خرجه صاحب الفضائل. "شرح" أكناف العدو: جوانبهم, والاعتجار: لفّ العمامة على الرأس, والمعجر: ما تشده المرأة على رأسها. ذكر ثباته يوم الحديبية: عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم حديث صلح الحديبية وفيه قال عمر: فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله حقا؟ قال: "بلى" قلت: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: "بلى" قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصيه, وهو ناصري" قلت: أوليس كنت تحدثنا أننا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "أوأخبرتك أنا نأتيه العام؟ " قلت: لا قال: "فإنك آتيه ومطوف به" قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أيها الرجل, إنه رسول الله وليس يعصيه وهو ناصره, فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق, قلت: أوليس كان يحدثنا أننا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به, قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا. خرجه البخاري ومسلم, واللفظ للبخاري. "شرح" الغرز: ركاب الرجل من جلد, فإن كان من خشب أو حديد فهو ركاب. ذكر ثباته يوم توفي رسول الله ﷺ : عن عائشة قالت: أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح حتى

стр. 133

نزل فدخل المسجد, فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فبصر برسول الله ﷺ وهو مسجى ببرده, فكشف عن وجهه ﷺ وأكب عليه فقبله, ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي, لا يجمع الله عليك موتتين, أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها. قال أبو سلمة: وأخبرني ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس فأبى, فقال: اجلس فأبى, فتشهد أبو بكر فمال الناس إليه وتركوا عمر فقال: أما بعد, فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا ﷺ قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت, قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ١ إلى٢ ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ . قالت: فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر, فتلقاها منه الناس فما نسمع بشرًا إلا يتلوها, أخرجه الشيخان. وعنها أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح تعني: العالية, فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا, والذين نفسي بيده لا يذيقك الموتتين أبدًا, ثم خرج فقال: أيها الحالف على٣ رسلك, فلما تكلم أبو بكر جلس عمر, فحمد٤ الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت, وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فنشج الناس يبكون, خرجه البخاري.

стр. 134

"شرح" نشج الباكي ينشج نشجًا ونشيجًا: إذا غصّ بالبكاء في حلقه, من غير انتحاب. وعن ابن عمر قال: لما قُبض رسول الله ﷺ أتانا أبو بكر فصعد المنبر, فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن كان محمدا إلهكم الذي تعبدونه فإن إلهكم قد مات, وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم حي لا يموت, ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ١ الآية. قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: والله ما هو إلا أن تلاها أبو بكر يعني قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ عقرت وأنا قائم, حتى خررت إلى الأرض, وأثبت أن رسول الله ﷺ قد مات. خرج قول الزهري البخاري ومعنى الأول عنده. "شرح" عقرت بالكسر من العقر, وهو أن يسلم الرجل قوائمه فلا يستطيع أن يقاتل من الخوف, وقيل: هو أن يفجأه الروع فيدهش, ولا يستطيع أن يتقدم ولا أن يتأخر. حكاهما في نهاية الغريب, والأول ذكره الجوهري. وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: لما مات رسول الله ﷺ كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب, قال: فأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحدًا يقول: مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا, قال: فقال الناس: يا سالم اطلب صاحب رسول الله ﷺ قال: فخرجت إلى المسجد, فإذا بأبي بكر فلما رأيته أجهشت بالبكاء, فقال: ما لك يا سالم؟ أمات رسول الله ﷺ ؟ فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحدًا يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا, قال: فأقبل أبو بكر, فلما رآه الناس سعوا له, فدخل على النبي ﷺ وهو مسجى، فوضع

стр. 135

البردة عن وجهه ووضع فاه على فيه, واستنشأ الريح ثم سجاه, والتفت إلينا فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ومن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات, قال عمر: فوالله لكأني لم أتل هذه الآيات قط, فقالوا: يا صاحب رسول الله أمات رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم, قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ من يغسله؟ قال: رجال أهل بيته الأدنى فالأدنى, قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أين يدفن؟ قال: في البقعة التي قبضه الله فيها, لم يقبضه إلا في أحب البقاع إليه. خرجه الحافظ أبو أحمد حمزة بن محمد بن الحارث بهذا السياق, وكذلك أخرجه في فضائله. وخرج الترمذي معناه بتمامه, وزاد بعد قولهم: مات رسول الله ﷺ قال: نعم, فعلموا أن قد صدق, وقال بعد ذكر الدفن: فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب, بدل إلا في أحب البقاع إليه, وزاد: فعلموا أن قد صدق. وفي رواية: أنهم قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أنصلي عليه؟ قال: نعم قالوا: كيف نصلي عليه؟ قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون له ثم يخرجون, ثم يدخل غيرهم حتى يفرغوا, قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أين يدفن؟ ثم ذكر الحديث. خرجها في فضائله. "شرح" جهش: فزع إلى غيره، وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وقد تهيأ للبكاء, يقول: جهش إليه يجهش وأجهش أيضًا, استنشأ الريح أي: شم ريح الموت, قال الهذلي: ونشئتَ ريح الموت من تلقائهم ... وخشيت وقع مهند قرضاب تقول منه: نشئت ريحًا نشوة بالكسر أي: شممت.

стр. 136

وعن جعفر بن محمد عن أبيه عمن حدثه قال: قبض رسول الله ﷺ وأبو بكر غائب بالسنح عند زوجته بنت خارجة, فسل عمر بن الخطاب سيفه وتوعد من يقول: مات رسول الله ﷺ وكان يقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى ﵇ فلبث عن قومه أربعين ليلة, والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم, فأقبل أبو بكر من السنح حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة فأذنت له فدخل, فكشف عن وجه رسول الله ﷺ فجثا يقبله ويبكي ويقول: توفي رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده, صلوات الله عليك يا رسول الله, ما أطيبك حيا وميتا, ثم خرج سريعا إلى المسجد حتى جاء المنبر, فقام عليه ونادى الناس: اجلسوا, فجلسوا وأنصتوا, فتشهد شهادة الحق ثم قال: إن الله تعالى نعى نبيكم وهو حي بين أظهركم, ونعى لكم أنفسكم وهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله, يقول الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ٤ وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والْإِكْرَامِ﴾ ٥ ثم قال: إن الله عمر محمدًا وأبقاه حتى أقام دين الله, وأظهر أمر الله, وبلغ رسالة الله, وجاهد أعداء الله حتى توفاه الله وهو على ذلك, وترككم على الطريقة, فلا يهلك هالك إلا من بعد البينة والشفاء والنور, فمن كان الله ربه فإن الله حي لا يموت فليعبده, ومن كان ربه محمدًا ويراه إلهًا فقد هلك إلهه, فأقبلوا أيها الناس واعتصموا بدينكم, وتوكلوا على ربكم, فإن دين الله قائم وكلمته باقية, وإن الله ناصر دينه ومعز أهله, وإن

стр. 137

كتاب الله بين أظهرنا هو النور والشفاء, به هدى الله محمدًا ﷺ وفيه حلال الله وحرامه, ولا والله ما نبالي من أجلب علينا من خلق الله إن سيوفنا لمسلولة ما وضعناها بعد, ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله ﷺ فلا ينعين أحد إلا نفسه, ثم انصرف. خرجه صاحب فضائله وقال: غريب. "شرح" النعي: خبر الموت يقال: نعاه نعيًا ونعيانًا بالضم وكذلك النعي على فعيل, يقال: جاء نعي فلان, وأجلب علينا أي: جمع يقال: أجلبوا علينا وتألبوا أي: اجتمعوا, وأجلبه: أعانه. ذكر أن غيبته في منزله بالسنح حين وفاة رسول الله ﷺ لم تكن إلا بإذن رسول الله ﷺ : عن عائشة قالت: رأيت من رسول الله ﷺ بعض الشيء, فعصبت رأسي فدخل علي رسول الله ﷺ فقلت: وا رأساه فقال: "بل أنا وا رأساه" قالت: ثم أرسل إلى نسائه فاستأذنهن أن تمرضه عائشة, فأذنَّ له قالت: فمرضته أيامًا فدخل عليه أبو بكر فقال: يا رسول الله إني أراك كأنك اليوم أمثل, أتأذن لي أن آتي أهلي فأذن له نبي الله ﷺ قالت عائشة: فبينما أنا مسندته إلى صدري, إذ نظر كالرجل يريد من أهله الشيء, قالت: ثم نظر إلي فمال عن صدري فسجيت عليه, وظننت أنه غشي عليه إذ جاء أبو بكر على فرس فاقتحم الفرس في الحجرة, ثم نزل فدخل ثم قال: أي بنية ما شأنه؟ فقلت: والله ما أدري ما به إلا أني كنت مسندته إلى صدري فانخنث, فمال فسجيته, ولا أدري غشي عليه أم قبض؟ خرجه الحافظ حمزة بن الحارث. وعن عائشة أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ بعد وفاته, فوضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدغيه فقال: وا نبياه, وا خليلاه, وا صفياه.

стр. 138

خرجه ابن عرفة العبدي, ولا تضاد بين هذا على تقدير صحته وبين ما تقدم مما يضمن بيانه بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق, خافتًا به صوته, ثم التفت إليهم وقال لهم ما قال. ذكر شدة بأسه, وثبات قلبه لما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ : عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده, وكفر من كفر من العرب, قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله, فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه, وحسابه على الله"؟! فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال, والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها, فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال, فعرفت أنه الحق, أخرجاه. وعنه لما قُبض رسول الله ﷺ وارتدت العرب وقالوا: لا نؤدي زكاة, قال أبو بكر: لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه, فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم, فقال لي: أجبار في الجاهلية, وخوار في الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين, أوينقص وأنا حي؟ خرجه النسائي بهذا اللفظ, ومعناه في الصحيحين. وقد تقدم في ذكر قصة الغار وتقدم شرحه أيضًا, وعن يحيى بن عمر عن أبيه عن جده قال: لما امتنع من امتنع من دفع الزكاة إلى أبي بكر, جمع أبو بكر أصحاب رسول الله ﷺ فشاورهم في أمرهم فاختلفوا عليه, فقال لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أقول لك: إن تركت شيئًا مما أخذه رسول الله ﷺ منهم, فأنت على خلاف سنة رسول الله ﷺ قال: أما لئن قلت ذاك لأقاتلنهم, وإن منعوني عقالًا. أخرجه ابن

стр. 139

السمان في الموافقة. وعن أبي رجاء العطاردي قال: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين, ورأيت رجلًا يقبل رأس رجل وهو يقول: أنا فداؤك ولولا أنت لهلكنا, فقلت: من المقبِّل, ومن المقبَّل؟ قالوا: ذاك عمر يقبِّل رأس أبي بكر في قتاله أهل الردة, إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين. خرجه في الصفوة وفي فضائله. وعن ابن مسعود أنه قال: كرهنا ذلك ثم حمدناه في الانتهاء, ورأيناه رشيدًا, ولولا ما فعل أبو بكر لألحد الناس في الزكاة إلى يوم القيامة, خرجه القلعي. "شرح" أصل الإلحاد: الميل, والمراد أنهم كانوا يتركونها جاحدين لوجوبها إلى يوم القيامة, وإذا فعلوا ذلك فقد مالوا عن الحق. وعن عائشة قالت: لما خرج أبي شاهرًا سيفه راكبًا راحلته, يعني يوم الردة, فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال له: إلى أين يا خليفة رسول الله ﷺ ؟ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أحد: "شم سيفك, لا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة, والله لئن أصبنا بك لا يكون بعدك نظام أبدًا" فرجع. خرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة والفضائلي وصاحب الفضائل, وزادوا: مضي الجيش. "شرح" شم سيفك أي: اغمده, ويقال: سله وهو من الأضداد. وعن أبي هريرة أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله, ثم قال الثانية ثم قال الثالثة, فقيل له: مه١ يا أبا هريرة فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام, فلما نزل بذي خشب وقبض النبي ﷺ وارتدت العرب حول المدينة

стр. 140

فاجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء, يتوجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو, لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي ﷺ ما رددت جيشًا جهزه رسول الله ﷺ ولا حللت لواء عقده رسول الله ﷺ . وفي رواية: والله لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أرده, ما رددته عن وجه وجهه رسول الله ﷺ وأمر أسامة أن يمضي لوجهه ذلك. وفي رواية: أن عمر هو القائل: يا خليفة رسول الله, إن العرب قد ارتدت على أعقابها كفارًا كما قد علمت, وأنت تريد أن تنفذ جيش أسامة, وفي جيش أسامة جماعة العرب وأبطال الناس, فلو حبسته عندك لتقويت به على من ارتد من هؤلاء العرب, فقال أبو بكر: لو أني علمت أن السباع تأكلني في هذه المدينة لأنفذن جيش أسامة كما قال ﷺ : "امضوا جيش أسامة, فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" قال: فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم, ولكنهم ندعهم حتى يلقوا الروم, فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين, فثبتوا على الإسلام. خرجه أبو عبيدة في كتاب الأحداث, وأبو الحسن علي بن محمد القرشي في كتاب الردة والفتوح والفضائلي الرازي والملاء في سيرته. وذكر أبو الحسن علي بن محمد القرشي أن أبا بكر أقبل على أسامة بن زيد وهو معسكر خارج المدينة وقال له: امض رحمك الله لوجهك الذي أمرك به النبي ﷺ ولا تقصر في أمرك, فإن رأيت أن تأذن لعمر بن الخطاب بالمقام عندي فإني أستأنس به وأستعين برأيه, فقال أسامة: قد فعلت ذلك, وسار أسامة إلى الموضع الذي أمره النبي ﷺ بالخروج إليه. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في بني سليم ردة فبعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد, فجمع رجالًا منهم في الحظائر ثم أحرقها عليهم بالنار, فبلغ ذلك عمر فأتى أبا بكر فقال: تدع رجلًا يعذب بعذاب

стр. 141

الله ؟ فقال أبو بكر: والله لا أشيم سيفًا سله الله على عدوه حتى يكون هو الذي يشيمه, ثم أمره فمضى من وجهه ذلك إلى مسيلمة. خرجه أبو معاوية, ومنه١: ذكر ثباته عند الموت: عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة, أردت أن أكلمه في طلحة بن عبيد الله فأتيته, فإذا هو يحشرج فقلت: إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر, فقال لها: يا بنية أوغير ذلك؟ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ٢, أجلسيني فأجلسته, فرفع يديه فقال: اللهم إني لم آل٣. خرجه أبو حذيفة في فتوح الشام. ذكر اختصاصه بالفهم عن رسول الله ﷺ وأنه كان أعلمهم بالأمور, وأعلمهم به: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده, فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا, فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به. أخرجاه وأحمد وأبو حاتم وعند البخاري بعد قوله فبكى أبو بكر: فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير, فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به. وعند الترمذي من رواية أبي المعلى أن رسول الله ﷺ خطب فقال: "إن رجلًا خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء ويأكل من الدنيا ما

стр. 142

شاء أن يأكل, وبين لقاء ربه, فاختار لقاء ربه" قال: فبكى أبو بكر فقال أصحاب النبي ﷺ : ألا تعجبون من هذا الشيخ إذ ذكر رسول الله ﷺ رجلًا صالحًا خيره ربه بين الدنيا ولقاء ربه؟ قال: فكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: بل نفديك بآبائنا وأموالنا. وخرجه الحافظ الدمشقي عن أبي سعيد ولفظه قال: جلس رسول الله ﷺ يعني مرجعه من حجته فقال: "إن عبدًا" ثم ذكر معناه وقال: فكان أبو بكر أعلمنا بالأمور, وقد تقدم في ذكر اختصاصه بأنه أمن الناس في صحبته وماله. وخرجه صاحب فضائله عن أبي سعيد ولفظه: خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وهو معصوب الرأس, فاتبعه حتى قام على المنبر فقال: "إني الساعة قائم على الحوض" ثم قال: "إن عبدًا عرضت عليه الدنيا وزينتها, فاختار الآخرة" فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر, فقال: بأبي وأمي, بل نفيدك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا, قال: ثم هبط من المنبر فما رئي عليه حتى الساعة, وقال: حديث حسن. وعن عمر قال: كنت أدخل على رسول الله ﷺ وهو وأبو بكر يتكلمان في علم١ التوحيد, فأجلس بينهما كأني زنجي لا أعلم ما يقولون. خرجه الملاء في سيرته. ذكر اختصاصه بشربه فضل لبن شربه رسول الله ﷺ في رؤيا رآها وأعطى فضله أبا بكر, وتفسير الصحابة ذلك بالعلم, وتصويبه ﷺ ذلك التفسير: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت كأني أعطيت عسًا مملوءًا لبنًا فشربت منه حتى امتلأت, فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد

стр. 143

والعظم ففضلت منها فضلة, فأعطيتها أبا بكر" قالوا: يا رسول الله هذا علم أعطاكه الله حتى إذا امتلأت, فضلت فضلة فأعطيتها أبا بكر؟ قال ﷺ : "قد أصبتم" خرجه أبو حاتم. "شرح" العس: القدح العظيم والرفد أكبر منه وجمعه عساس, وقد جاء في الصحيح مثل هذا لعمر وسيأتي في خصائصه, ولعل الرؤيا تعددت في ذلك وعلى ذلك يحمل, فإن الحديثين صحيحان وإن كان حديث عمر متفقًا١ عليه. ذكر اختصاصه بشهادة النبي ﷺ بأعلميته بالنسب: عن عائشة أن النبي ﷺ قال لحسان: "لا تعجل وأت أبا بكر, فإنه أعلم قريش بأنسابها حتى يمحص لك نسبي" خرجه في الفضائل وقال: حسن صحيح. وعن ابن عباس: قال حدثني علي بن أبي طالب من فيه قال: لما أمر الله ﵎ رسول الله ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر، فدفعنا إلى مجالس العرب فتقدم أبو بكر وكان مقدمًا في كل خير، وكان رجلًا نسابة فسلم وقال: من القوم؟ قالوا: من ربيعة قال: وأي ربيعة أنتم من هامتها أم من لهازمها؟ فقالوا: من ذهل الأكبر, قال: فيكم عوف الذي يقال: لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا, قال: فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا، قال أبو بكر: فلستم ذهلا الأكبر أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له: دغفل حين بقل

стр. 144

وجهه, فقال: إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله يا هذا, إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئًا, فمن الرجل؟ قال: أبو بكر من قريش قال الفتى: بخ بخ أهل الشرف والرياسة, فمن أي القرشيين أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة, قال الفتى: أمكنت والله من سواء الثغرة, أمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر وكان يدعى في قريش مجمعًا؟ قال: لا, قال: فمنكم هاشم الذي قال فيه الشاعر: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال: لا, قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كان وجهه كالقمر يضيء في الليلة الداجية الظلماء؟ قال: لا, قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟ قال: لا قال: فمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا, قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا, قال: فمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا قال: فمن أهل الوفادة أنت؟ قال: لا, فاجتذب أبو بكر زمام الناقة راجعًا إلى رسول الله ﷺ فقال الغلام: صادف درء الستر درءًا يرفعه ... يهيضه حينًا وحينًا يرفعه أما والله لو ثبت لأخبرتك من أي قريش أنت؟ فتبسم رسول الله ﷺ قال علي: فقلت: يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة قال: اجلس أبا الحسن, ما من طامة إلا وفوقها طامة, والبلاء موكل بالمنطق قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار, فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة, فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس, وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك, وكان مفروق قد غلبهم جمالًا ولسانًا, وكانت له غديرتان تسقطان على تريبته, وكان أدنى القوم مجلسًا

стр. 145

فقال أبو بكر: العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا نزيد على ألف ولن يغلب ألف من قلة, فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم حد فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ قال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى وأشد ما نكون لقاء حين نغضب, وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح, والنصر من عند الله تعالى يديلنا مرة ويديل علينا أخرى, لعلك أخو قريش؟ قال أبو بكر: قد بلغكم أنه رسول الله ﷺ ألا هو ذا؟ فقال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذلك فإلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه فقال رسول الله ﷺ : "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله, وإلى أن تؤووني وتنصروني, فإن قريشًا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسله, واستغنت بالباطل عن الحق, والله هو الغني الحميد" فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعونا يا أخا قريش, فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ١ إلى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ ٢ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣ فقال مفروق: وإلام تدعونا يا أخا قريش؟ قال: فتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ٤ إلى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال, ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك, وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش, وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس جلسناه إليك ليس له أول ولا آخر, زللًا في
следующие страницы →